كلمة منفعة
صديقك الحقيقي هو الصادق في حبه.ليس في صداقته رياء، ولا مظهرية، ولا تصنع، ولا شك، كل مشاعره صادقة تمامًا وحقيقية.
— الصداقة
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
افسس - الاصحاح رقم 6 افسس الإصحاح رقم 6 الأصحاح السادس الحياة العملية والجهاد الروحي الكنيسة كما رأيناها في الأصحاحات السابقة هي "سرّ المسيح" أو هي "حياتنا في المسيح يسوع"، خلالها يعرف المؤمن مركزه كعضوٍ حيٍّ في جسد المسيح الواحد، له فاعليته في بقية الأعضاء مع تمايزه بمواهب خاصة به لبنيان الجماعة. الحياة الكنسية ليست فكرًا فلسفيًا نعتنقه لكنها خبرة نعيشها في العبادة العامة والخاصة، وفي سلوكنا مع الآخرين، وفي حياتنا الزوجية والأسرية، وفي سلوكنا اليومي في العمل. إنها عطية الله لنا خلال الصليب، نتقبلها فنعيش في جهاد غير منقطع ضد عدو الخير المقاوم للمصلوب. 1. العلاقات الوالدية 1 - 4. 2. علاقات العمل 5- 9. 3. الجهاد الروحي 10 - 20. 4. الخاتمة والبركة الرسولية 21 - 24. 1. العلاقات الوالدية بدأ الحديث عن العلاقة المتبادلة بين الآباء والأبناء بدعوة الأبناء لطاعة والديهم في الرب، قائلاً: "أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ فِي الرَّبِّ لأَنَّ هَذَا حَقٌّ. أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، الَّتِي هِيَ أَوَّلُ وَصِيَّةٍ بِوَعْدٍ، لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ خَيْرٌ، وَتَكُونُوا طِوَالَ الأَعْمَارِ عَلَى الأَرْضِ" ]1- 3[. هذه الوصية ينقشها الناموس الطبيعي في القلب، إذ يشعر الأولاد بالتزام طبيعي بالطاعة للوالدين خلال قرابة اللحم والدم القوية وشعور الأولاد ما يحتمله الولدان من أتعاب وأسهار من أجل أولادهما. وقد جاء الناموس الموسوي يعلن هذه الوصية ويشدد عليها (خر 20: 12؛ تث 5: 16؛ 27: 16). وإذ فشل الإنسان في إتمام هذه الوصية الطبيعية، أعطاها الرب أولوية حتى عن تقديس سبوته، إذ قيل: "تهابون كل إنسان أمه وأباه وتحفظون سبوتي، أنا الرب إلهكم" (لا 19: 2)، كما قدم تهديدات قاسية ضد كاسرها: "من ضرب أباه أو أمه قتل قتلاً،... ومن شتم أباه وأمه يُقتل قتلاً" (خر 21: 15، 17؛ لا 20: 9). "ملعون من يستخف بأبيه أو أمه، ويقول جميع الشعب آمين" (تث 27: 16). "من سب أباه أو أمه ينطفيء سراجه في حدة الظلام" (أم 20: 20). "العين المستهزئة بأبيها والمحتقرة طاعة أمها تقورها غربان الوادي، وتأكلها فراخ النسر" (أم 30: 17). أخيرًا لم يترك الله الإنسان تحت هذه العقوبات المرّة، فجاء الابن الوحيد الجنس نفسه نائبًا عن البشرية يعلن كمال الطاعة لأبيه حتى الموت موت الصليب (في 2: 8)، بل وخضع للقديسة مريم أمه حسب الجسد وليوسف البار الذي تبناه (لو 2: 51)، فصار مثلاً حيًا لنا. + هل كان يمكن لمعلم الفضيلة أن لا يقوم بواجبه نحوها؟ فإنه لم يخضع عن ضعف وإنما عن حب. القديس أمبروسيوس + أطيعي والديك ممتثلة بعريسك. القديس چيروم + لنتعلم يا أحبائي الخضوع لوالدينا... خضع يسوع وصار قدوة لكل الأبناء في الخضوع لوالديهم أو لأولياء أمورهم إن كانوا أيتامًا... إن كان يسوع ابن الله قد خضع لمريم ويوسف، أفلا أخضع أنا للأسقف الذي عينه لي الله أبًا؟!... ألا أخضع للكاهن المختار بإرادة الله؟! العلامة أوريجينوس + كان العالم خاضعًا للمسيح، وكان المسيح خاضعًا لوالديه. القديس أغسطينوس + [في رسالة كتبها إلى أم وابنتها قام بينهما نزاع] كان الرب يسوع خاضعًا لوالديه، لقد احترم تلك الأم التي كان بنفسه أبًا لها. لقد كرم أباه حسب التبني هذا الذي كان المسيح نفسه يعوله! حقًا، إنني لا أقول للأم شيئًا، لأنه ربما يكون في كبر سنها أو ضعفها أو وحدتها ما يعطيها عذرًا كافيًا، لكنني أقول لكِ أيتها الابنة: هل منزل أمك أصغر من أن يحتملك، هذه التي لم تكن بطنها صغيرة عن حملك؟! القديس چيروم يؤكد الرسول أن طاعة الوالدين يجب أن تكون "فِي الرَّبِّ" ]1[، وكأن الطاعة لا تكون عمياء خلال فقدان الأبناء تفكيرهم وشخصياتهم، وإنما في خضوعهم يميزون ما هو للرب وما هو ليس للرب، فليس من حق الوالدين إلزام الأبناء بالإلحاد أو إنكار إيمانهم. وقد سبق لنا عرض ذلك في شيء من التوسع أثناء حديثنا عن الحب العائلي، لذا أكتفي بقليل من المقتطفات لبعض آباء الكنيسة: + إن كان الأب أمميًا أو هرطوقيًا يلزمنا ألاَّ نطيعه (فيما يخالف الرب) إذ هو لا يأمر "في الرب". القديس يوحنا الذهبي الفم + لكنك تقول إنني أخشى غضب من هم أعلى مني، اعمل كل وسيلة ألاَّ تغضبهم حتى لا تُغضب الله. يا من تخاف أن تكدر من هم أعلى منك، انظر عما إذا كان هناك إله أعلى من الذي تخاف تكديرهم، فبكل وسيلة لا تغضب الأكبر منك... والدك ووالدتك هما أول من هم أكبر منك، فإن كانا قد علماك الحق وأحضراك إلى المسيح، فلتسمع لهما في كل شيء، وينبغي طاعتهما في كل أمر. ليتهما لا يوصيان بما يخالف من هو فوقهما حتى يُطاعا. + حقًا يليق بالأب ألاَّ يغضب عندما يُفضل الله عنه! ولكن عندما يأمر الأب بما لا يناقض الرب فيلزم الاستماع إليه كما لله، لأن طاعة المرء لأبيه أمر إلهي. القديس أغسطينوس + يأمرنا الكتاب المقدس بطاعة والدينا، ولكن من يحبهم أكثر من المسيح يخسر نفسه. القديس چيروم على أي الأحوال يرى كثير من علماء التربية أن حديث السيد المسيح مع القديسة مريم: "لماذا كنتما تطلبانني؟ ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون في ما لأبي؟" (لو 2: 50) يمثل ثورة روحية في مفهوم الطاعة بطريقة بنّاءة، فقد "كان خاضعًا لهما" (2: 51). خلال تحقيق رسالته العلوية. فالوالدان يسندان الطفل لكنهما يجب أن يخرجا من ذاتيهما خلال الحب الروحي الحق ليحقق الطفل ما وهبه الله، وليس أن يحمل صوره مطابقة لهما. وإنني أرجو أن أترك الحديث في هذا الشأن للكتابة فيه في الطبعة التالية للحب العائلي، إن أذن الرب وعشنا، موضحًا تأكيد تمايز المواهب والقدرات بين الآباء والأبناء خلال تناغم الحب والوحدة في الرب. نعود إلى الوصية الرسولية للأبناء. "أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، الَّتِي هِيَ أَوَّلُ وَصِيَّةٍ بِوَعْدٍ، لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ خَيْرٌ، وَتَكُونُوا طِوَالَ الأَعْمَارِ عَلَى الأَرْضِ" ]2-3[. يلاحظ هنا أن طريقة الحديث اختلفت عن حديثه السابق، فحين كان يحدث الأزواج والزوجات كان يتكلم بلغة اللاهوتي الذي يكشف سرّ المسيح المعلن على الصليب ليمارس الكل علاقته بالآخر خلال الحب الإلهي الباذل، أما هنا فإذ يحدث أطفالاً صغارًا عن الطاعة وإكرام الوالدين، فهو يحدثهم بلغة البساطة التي تليق بهم كصغار. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم انه لم يحدثهم عن الملكوت، كما يقول: [قدم نصيحة مختصرة إذ لا يقدر الأبناء أن يصغوا إلى حديث طويل. ولهذا السبب أيضًا لم يناقش بالمرة موضوع الملكوت (إذ يصعب على صغار السن إدراك هذه المواضيع)، مقدمًا ما ترغب نفس الطفل بالأكثر أن تسمعه، إذ يقول: "وَتَكُونُوا طِوَالَ الأَعْمَارِ".] يقدم الرسول وصيته للآباء: "وَأَنْتُمْ أَيُّهَا الآبَاءُ، لاَ تُغِيظُوا أَوْلاَدَكُمْ، بَلْ رَبُّوهُمْ بِتَأْدِيبِ الرَّبِّ وَإِنْذَارِهِ" ]4[. من الجانب السلبي لا يليق بالآباء أن يغيظوا أولادهم، ومن الجانب الإيجابي يلزمهم تأديبهم في الرب، أي خلال الوصية الإلهية وبفكر إنجيلي حيّ. حسن للوالدين أن يؤدبا ابنهما، لكن يلزم قبل التأديب أن يتسع القلب بالحب، كقول القديس أغسطينوس: [التوبيخ يجب أن تسبقه الرحمة لا الغضب.] + لا تغيظوا أولادكم كما يفعل الكثيرون بواسطة حرمانهم من الميراث، أو التبرؤ منهم، أو معاملتهم بتصلفٍ كأنهم عبيد لا أحرار. القديس يوحنا الذهبي الفم + إننا نهتم بمتلكاتنا من أجل أبنائنا، أما أبناؤنا أنفسهم فلا نبالي بهم قط! أية سخافة هي هذه؟! شكّل نفس ابنك باستقامة، فينال كل ما تبقَى بعد ذلك، فإنه متى كان بلا صلاح لا ينتفع شيئًا من الغنى، أما متى كان صالحًا فإنه لا يصيبه ضررًا من الفقر. + ليتنا لا نمنعهم من عمل ما هو مقبول بل مما هو ضار، ولا نتهاون معهم كمنبوذين بل كأبناء. القديس يوحنا الذهبي الفم وإنني لأترك الحديث عن تربية الأبناء لكتابنا عن الحب العائلي. 2. علاقات العمل إن كانت الكنيسة هي "حياة" معاشة في المسيح يسوع ربنا، تُعلن خلال عبادتنا في حياتنا الزوجية والأسرية، فإنها تمس أيضًا علاقات العمل التي تربط صاحب العمل بعماله، والرئيس بالمرؤوسين، والسيد بالعبد، ولما كانت العلاقة بين السيد وعبده - في العصر الرسولي - لا يحكمها قانون مدني ما، إنما أعطى العالم للسادة حق التصرف في عبيدهم كقطعة أثاث بلا ثمن، يستغلهم لصالحه دون أية اعتبارات إنسانية أو طبيعية، فكان بعض السادة أحيانًا يعذبون عبيدهم حتى تسيل آخر قطره من حياتهم بلا مدافع عنهم، لذا عالج الرسول بولس هذه المشكلة لا على أساس اجتماعي ثوري، وإنما على مستوى روحي فائق، خلاله تتغير العلاقة من جذرها لا خلال قوانين زمنية متغيرة، وإنما خلال التقاء العبيد والسادة معًا تحت ظل صليب واحد، لينعما بخلاص واحد وبميراث أبدي مشترك. يقول الرسول: "أَيُّهَا الْعَبِيدُ، أَطِيعُوا سَادَتَكُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ، فِي بَسَاطَةِ قُلُوبِكُمْ كَمَا لِلْمَسِيحِ، لاَ بِخِدْمَةِ الْعَيْنِ كَمَنْ يُرْضِي النَّاسَ، بَلْ كَعَبِيدِ الْمَسِيحِ، عَامِلِينَ مَشِيئَةَ اللهِ مِنَ الْقَلْبِ، خَادِمِينَ بِنِيَّةٍ صَالِحَةٍ كَمَا لِلرَّبِّ، لَيْسَ لِلنَّاسِ. عَالِمِينَ أَنْ مَهْمَا عَمِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَيْرِ فَذَلِكَ يَنَالُهُ مِنَ الرَّبِّ، عَبْدًا كَانَ أَمْ حُرًّا" ]5-8[. يلاحظ في هذا النص الآتي: أولاً: لم يقف التعليم الرسولي ثائرًا على أوضاع اجتماعية معينة، إنما مصلحًا لها بهدوء وبقوة وفاعلية، دون أن يدخل مع العالم في منافسة أو مكابرة. فإن كان وضع المجتمع في ذلك الحين أوجد طبقة السادة وأخرى طبقة العبيد، لم يهاجم الرسول ذلك، ولا طالب العمال بثورة وانفعال إنما طالبهم بمعالجة الأمر خلال كسب السادة بالحب الداخلي غير المرائي، بخدمة القلب الخالصة لا خدمة الإلزام المنافقة. خدمة من أجل الرب، قادرة أن تسحب قلب السيد من ظلمه وفساده لتذوق عذوبة عمل الإنجيل في "العبيد" ليصير العبيد معلمين للسادة بحياتهم. يقول القديس أغسطينوس: [وضع التعليم الرسولي السيد فوق العبد، والعبد تحت السيد، لكن المسيح دفع ثمنًا واحدًا لكليهما. لا تحتقر إذن من هم أقل منك، بل اطلب خلاص كل من في بيتك بكل اجتهاد.] ثانيًا: رفع الرسول من شأن العبيد، فإن وإن كان قد طالبهم بالطاعة لسادتهم حسب الجسد، لكنه أبرز بقوة فاعليتهم حتى في حياة سادتهم الوثنيين متى سلكوا في المسيح يسوع. + هكذا ليس فقط الأزواج والزوجات ولا الأطفال وإنما حتى العبيد الفضلاء يساهمون في تنظيم البيت وصيانته. لهذا فإن الطوباوي بولس لم يتجاهل هذه الطبقة... لقد قدم لهم حديثًا طويلاً، وليس كالأبناء (حديثًا مختصرًا)، حدثهم بطريقة متقدمة فلم يعدهم بأمور هذا العالم (العمر الطويل) وإنما بأمور العالم الآتي... فإنهم وإن كانوا من جهة الكرامة أقل من الأبناء، لكنهم من جهة الفكر أكثر سموًا منهم. القديس يوحنا الذهبي الفم ثالثًا: مع أن الرسول يطالبهم بالطاعة بخوفٍ ورعدةٍ، لكنه يؤكد لهم أن عبوديتهم ليست دائمة إنما هي - حسب الجسد - وقتية، تنتهي بموت الجسد ليقوم الكل معًا بلا تمييز بين سيدٍ وعبٍ. إنه يؤكد أن عبوديتهم حسب الجسد، أما العبودية حسب الروح فالكل يخضع لها، سادة وعبيد، للرب الواحد، سيد الكل! + إذ أثار جرح النفس (بتذكر العبودية) لطفه في الحال. يبدو كمن يقول: لا تحزن، أنت أقل من الزوجة والأبناء، لكن العبودية ليست إلاَّ اسمًا، فإن السيادة هنا "حسب الجسد"، سيادة قصيرة ومؤقتة، لأن ما هو من الجسد زائل. القديس يوحنا الذهبي الفم رابعًا: سبق فتحدثنا عن خضوع المرأة لرجلها وطاعتها له لا تعني الإقلال من كرامتها أو عدم مساواتها لرجلها، إنما هو خضوع الحب والطاعة في الرب، فتحمل سمة المسيح الذي أطاع حتى الموت. الآن نكرر القول أن العبد الصالح لا يرى في وصية الرسول: "أَطِيعُوا سَادَتَكُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ، فِي بَسَاطَةِ قُلُوبِكُمْ كَمَا لِلْمَسِيحِ" ]5[، مذلة ومهانة، بل امتثالاً بالمسيح يسوع نفسه الذي صار من أجلنا عبدًا! خلال العضوية في جسد المسيح تسمو فضيلة الطاعة والخضوع، فتصير علامة شركة مع الرأس الذي وهو السماوي صار عبدًا، فيُحسب ذلك مجدًا وكرامة! + كأنه يقول: إن كنت قد أوصيت الأحرار أن يخضع كل واحدٍ للآخر في مخافة الرب، كما سبق فقال قبلاً: "خَاضِعِينَ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ فِي خَوْفِ اللهِ" (5: 21)، وإن كنت قد أوصيت أيضًا الزوجة أن تهاب رجلها وتكرمه مع أنها على قدم المساواة معه، فبالأولى يلزمني أن أتحدث مع العبد. فإن ذلك ليس علامة انحطاط مولده، بل بالحري علامة نبله الحقيقي، إذ يعرف كيف يتواضع ويكون وديعًا ومخليًا ذاته من أجل أخيه. أيضًا ليخدم الحرّ أخاه الحرّ بأكثر خوف ورعدة. يقول: "فِي بَسَاطَةِ قُلُوبِكُمْ". حسنًا يقول هذا، إذ يمكن للإنسان أن يخدم بخوفٍ ورعدةٍ، لكن بإرادة غير صالحة، كيفما يكون الحال. كثير من العبيد في بعض الأحوال يغشون سادتهم خفية. إنه ينزع هذا الغش بقوله: "فِي بَسَاطَةِ قُلُوبِكُمْ كَمَا لِلْمَسِيحِ، لاَ بِخِدْمَةِ الْعَيْنِ كَمَنْ يُرْضِي النَّاسَ..." ]5-7[. انظروا كم من الكلمات يستخدمها ليضع هذا الأساس الصالح...؟ القديس يوحنا الذهبي الفم خامسًا: يؤكد الرسول بولس في هذا النص أمانة أولاد الله في العمل حتى وإن كانوا عبيدًا يعملون لدى سادة قساة، فهم لا يخدمون البشر، بل يعملون من أجل الرب، لا يهتمون بإرضاء الناس - حتى وإن كانوا سادتهم - بل بحمل المشيئة المقدسة بكامل حريتهم. لتكن الأمانة طبعهم بغض النظر عن الظروف المحيطة بالعمل، وعن مركزهم في العمل. + ليكن العمل المستقيم خاصًا بك لا تمارسه عن اضطرار... إنه يحث من يُعامل معاملة سيئة بواسطة الغير أن يمارس الصلاح (الأمانة في العمل) كأمر خاص به وكعمل يصدر بحرية إرادته. + من يرضي الناس ليس عبدًا للمسيح (غلا 1: 10)... + مارسه بسرور لا عن اضطرار، مارسه كمبدأ (في حياتك) وليس تحت ضغط، فإنك إن فعلت هذا لا تكون عبدًا، ما دمت تفعله عن مبدأ، بمشيئة صالحة، من القلب، ومن أجل المسيح. فإن هذه هي العبودية التي مارسها بولس الحرّ ومجدها: "فإننا لسنا نكرز بأنفسنا بل بالمسيح يسوع ولكن بأنفسنا عبيدًا لكم من أجل يسوع" (2كو 4: 5). القديس يوحنا الذهبي الفم سادسًا: قدم الرسول بولس المكافأة لأمانة العبد المؤمن التقي، قائلاً: "عَالِمِينَ أَنْ مَهْمَا عَمِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَيْرِ، فَذَلِكَ يَنَالُهُ مِنَ الرَّبِّ، عَبْدًا كَانَ أَمْ حُرًّا" ]8[. وقد قدم لنا تاريخ الكنيسة أمثلة حية لهذه المكافأة، إذ لم ينسى تعب المحبة الذي قدمه عبيد وإماء فكسبوا سادتهم للمسيح، وربحوهم إخوة لهم وورثة معهم أبديًا! لقد تتلمذ كثير من السادة - رجال ونساء - تحت يدي عبيدهم وإمائهم بسبب قلوبهم المتسعة حبًا في الرب، تتلمذوا لهم بغير خجلٍ! لقد قدم تاريخ الكنيسة كثير من العبيد صاروا أساقفة وكهنة كارزين بالحق، وإماء صرن أمهات قديسات يتلمذن عذارى شريفات بروح المحبة الإنجيلية. نستطيع في الختام أن نقول بين الرسول بولس قد أعطى ضربة قاضية للعبودية من الداخل، في أعماق جذورها، لا برفضها أو مهاجمتها، ولكن بتحطيم نظمها، إن وُجدت لها نظم. الآن بعد أن ضرب العبودية في أعماقها يقدم وصيته للسادة المؤمنين: "وَأَنْتُمْ أَيُّهَا السَّادَةُ، افْعَلُوا لَهُمْ هَذِهِ الأُمُورَ، تَارِكِينَ التَّهْدِيدَ، عَالِمِينَ أَنَّ سَيِّدَكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا فِي السَّمَاوَاتِ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ مُحَابَاةٌ" ]9[. يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة قائلاً: ["افْعَلُوا لَهُمْ هَذِهِ الأُمُورَ"؛ ما هي هذه الأمور؟ "خَادِمِينَ بِنِيَّةٍ صَالِحَةٍ". على أي الأحوال لم يقل فعلاً "اخدموهم" بل بوضوح أظهر هذا المعنى، فالسيد نفسه هو خادم (لعبده)... آه، أي سيد قدير هذا الذي يشير إليه هنا!] يكمل القديس يوحنا الذهبي الفم تعليقه موضحًا أنه إن كان السيد يتعامل مع عبد، فليعلم أنه هو نفسه عبد لسيد، وأنه بالكيل الذي به يكيل يُكال له (مت 7: 2). يليق به أن يترفق بأخيه العبد فيترفق الرب به، وإلاَّ فإنه يسمع ذلك الصوت: "أيها العبد الشرير كل ذلك الدين تركته لك..." (مت 18: 32). الله ليس عنده محاباة، يعامل السيد كما العبد، إن ترفق السيد بعبده يترفق هو به، وإن استخدم التهديد عرض نفسه بنفسه لذات الفعل. + يقول: "وَلَيْسَ عِنْدَهُ مُحَابَاةٌ". يود أن يقول: لا تظن أنه يغفر لك لأنك ما ترتكبه إنما هو في حق عبد. حقًا إن الشرائع الوثنية - كشرائع بشرية - تضع تمييزًا بين مثل هذه الأنواع من المعاصي، لكن شريعة الرب العام سيد الكل، لا تعرف هذا، فهو يقدم الخيرات للكل بلا تمييز، ويدبر الحقوق عينها للجميع. لكن ربما يسأل أحد: فلماذا العبودية؟ وكيف دخلت إلى الحياة البشرية؟... أخبركم بأن العبودية هي ثمرة الطمع والانحطاط والبربرية، فلا نعرف أن عبيدًا كانوا لنوح أو هابيل أو شيث ولا لمن جاءوا بعدهم... قد تقول: حسنًا. لكن إبراهيم كان له عبيد. نعم، لكنه لم يستغلهم كعبيد. القديس يوحنا الذهبي الفم 3. الجهاد الروحي إذ رفع من شأن الكنيسة فأعلن بإتحادها بالسيد المسيح، بكونها جسده، وأوضح أنها حياة غالبة، لها سماتها الفائقة التي تتجلى في حياة أولادها سواء في حياتهم التعبدية أو علاقاتهم الزوجية أو الأسرية أو خلال العمل اليومي، فقد دفع السيد المسيح ثمن هذه الحياة: حياته المبذولة حبًا من أجلنا! هذا ما أكده الرسول بولس خلال هذه الرسالة بوضوح وقوة. والآن قبل أن يختم رسالته أراد إبراز دورنا الإيجابي إذ نتعرض لهجوم عنيف لا من البشر وإنما من إبليس، لأن قيام الكنيسة كمملكة للمسيح فيه تحطيم لمملكة الظلمة وانهيار لكيانها؛ لذا جاء الحديث صريحًا عن مقاومة عدو الخير لنا والتزامنا بالتسلح روحيًا ضد الظلمة حتى نمارس حياتنا الكنسية النامية. يقول الرسول: "أَخِيرًا يَا إِخْوَتِي تَقَوُّوا فِي الرَّبِّ وَفِي شِدَّةِ قُوَّتِهِ. الْبَسُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تَثْبُتُوا ضِدَّ مَكَايِدِ إِبْلِيسَ. فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ، عَلَى ظُلْمَةِ هَذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ" ]10-12[. ويلاحظ في هذا النص الأتي: أولاً: إذ عرف كل مؤمن موقعه في الكنيسة، سواء كان كاهنًا أو من الشعب، سواء كان زوجًا أو زوجة أو ابنًا أو والدًا أو والدةً، سواء كان عبدًا أو سيدًا. لكل عضو تمايزه ومواهبه، ولكلٍ وصيته الخاصة به التي تناسب موقعه، لكن هنا وصية عامة يلتزم بها جميع الإخوة كأعضاء في جسد الرب، ألا وهي "تَقَوُّوا فِي الرَّبِّ وَفِي شِدَّةِ قُوَّتِهِ" ]10[. الكل إخوة، بكونهم أعضاء في الجسد الواحد، وإن حمل الكهنة نوعًا من الأبوة الروحية لأبنائهم في الرب كما يحمل الآباء حسب الجسد أو بالتبني لأولادهم. فإن الكل يحمل نوعًا من الأخوة. خلال هذه الأخوة العامة يشترك الجميع في حربٍ واحدةٍ ضد عدوٍ مشتركٍ يحاول تحطيم الكل. + "أَخِيرًا تَقَوُّوا فِي الرَّبِّ" ]10[ ... إذ يوشك المقال على الانتهاء كعادته يتجه إلى هذا (الحديث عن الجهاد الروحي). انظروا، إذ ينتزع (فوارق) الأعمال المتنوعة، يسلحهم ويقودهم إلى الحرب (الروحية). فإنه إذ لا يقتحم احد وظيفة غيره، إنما يبقى في موقعه، يكون الكل قد تدبّر حسنًا. "تَقَوُّوا فِي الرَّبِّ وَفِي شِدَّةِ قُوَّتِهِ" ]10[، بمعنى "في الرجاء" الذي لنا في الرب خلال عونه لنا... ضعوا رجاءكم في الرب، فيصير كل شيء سهلاً. "الْبَسُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تَثْبُتُوا ضِدَّ مَكَايِدِ إِبْلِيسَ" ]11[. لم يقل ضد المحاربات، ولا ضد العداوات، وإنما ضد "المكايد". فإن هذا العدو لا يحاربنا ببساطة علانية وإنما خلال المكايد. ماذا يعني بالمكايد؟ أي بالخداع... إبليس لا يقترح علينا الخطايا في ألوانها الطبيعية... إنما يعطيها ثيابًا أخرى، مستخدمًا المكائد... الآن، بهذه الطريقة يثير الرسول الجنود (الروحيين) ويحثهم على السهر ويثقفهم، موضحًا لهم أن جهادنا (الروحي) يمثـل أحد الحروب الماهرة، فنحن نقاتل ضد عدوٍ ليس بسيطًا ولا مباشرًا وإنما نقاتل عدوًا مخادعًا. في البداية أثار الرسول التلاميذ ليضعوا في اعتبارهم مهارة إبليس، بعد ذلك تحدث عن طبيعته وعن عدد قواته. لم يفعل ذلك ليحطّم نفسية الجنود الذين تحته وإنما لكي يحمسهم ويوقظهم ويظهر لهم مناوراته، مهيئًا إياهم للسهر، فلو أنه عدّد بالتفصيل قوة العدو ثم توقف عن الحديث لتحطمت نفسيتهم... لكنه قبل أن يعرض ذلك وبعد العرض أيضًا أظهر إمكانية النصرة على عدو كهذا، مثيرًا فيهم روح الشجاعة. وبقدر ما أوضح قوة أعدائنا بالأكثر ألهب غيرة جنودنا (للجهاد الروحي). "فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ، عَلَى ظُلْمَةِ هَذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ" ]12[. إذ تحدث عن الأعداء أنهم شرسون أضاف أنهم يسلبوننا البركات العظيمة، ما هذا؟ الصراع يقوم "في السماويات"،فهو ليس صراعًا من أجل الغنى أو المجد وإنما لاستعبادنا. لهذا فإنه لا مجال للمصالحة هنا في هذا الصراع... الصراع يكون أكثر شراسة كلما كان موضوعه هام، فإن كلمة "في السماويات" تعني "من أجل السماويات". الأعداء لا يقتنون شيئًا بالغلبة علينا إنما يجردوننا... (عدو الخير) يبذل كل الجهد ليطردنا من السماء. القديس يوحنا الذهبي الفم ثانيًا: يشرح القديس يوحنا الذهبي الفم تعبير "وُلاَةِ الْعَالَمِ" ]12[ قائلاً: [دعاهم "وُلاَةِ الْعَالَمِ" ليس لأن لهم سلطانًا على العالم، وإنما لأن الكتاب المقدس اعتاد دعوة الممارسات الشريرة بـ "العالم". فكمثال يقول المسيح: "ليسوا من العالم كما إني أنا لست من العالم" (يو 17: 16). ماذا؟ ألم يكونوا من العالم؟ ألم يلتحفوا جسدًا؟ ألم يكونوا بين الذين هم في العالم؟ مرة أخرى يقول: "لا يقدر العالم أن يبغضكم ولكنه يبغضني" (يو7: 7)... هكذا يقصد الرسول هنا بالعالم الناس الأشرار، إذ تحمل الأرواح الشريرة سلطانًا خاصًا عليهم.] هنا يوضح الرسول بولس أن حربنا ليست ضد إنسانٍ، إنما نحمل العداوة ضد إبليس العدو العام ضد كل البشرية. وكما يقول القديس أغسطينوس: [مصارعتنا ليس ضد البشر الذين نراهم يغضبون علينا، إذ هم ليسوا إلاَّ أوانٍ يستخدمها غيرهم، هم أدوات في يدّ الآخرين.] ثالثًا: إن كان الأعداء الحقيقيون غير منظورين، لكننا ننال الغلبة عليهم خلال جهادٍ ملموسٍ أو كما يقول القديس أغسطينوس ان القديسين يربحون النصرة على الأعداء غير المنظورين خلال الأمور المحسوسة. رابعًا: واضح من حديث الرسول أن الحرب ليست فقط شرسة ولكن إذ طرفها إبليس الذي لا ينام، فإنها مستمرة ودائمة ضد كل المؤمنين المجاهدين. لذا يقول القديس چيروم: [هل يظن أحد أننا في أمان، وأنه من الصواب أن ننام لمجرد نوالنا العماد؟.] خامسًا: قدم لنا الرسول بولس عدة حربية روحية يتسلح بها المؤمن بالكامل لينال الغلبة والنصرة، قائلاً: "مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ احْمِلُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ، لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تُقَاوِمُوا فِي الْيَوْمِ الشِّرِّيرِ، وَبَعْدَ أَنْ تُتَمِّمُوا كُلَّ شَيْءٍ أَنْ تَثْبُتُوا" ]13[. هذه العدّة في حقيقتها روحية، وكما يقول القديس أمبروسيوس: [يلزمنا ألاَّ نفكر في أسلحة الجسد بل تلك التي هي قديرة أمام الله.] مركز السلاح أو جوهره هو تجلي السيد المسيح نفسه في داخلنا، هو الذي غلب عدو الخير ويبقى غالبًا له خلالنا... السيد المسيح نفسه هو سلاحنا وغلبتنا ونصرتنا على إبليس وجنوده. + يوجد سلاح لخلاصنا مادام يوجد المسيح. القديس أمبروسيوس + عدة أسلحتنا هي المسيح. القديس أغسطينوس + لسنا نجهل أن الأرواح جميعها ليست في نفس الشراسة والنشاط، ولا في نفس الشجاعة والخبث، فالمبتدئون والضعفاء من البشر تهاجمهم الأرواح الضعيفة، فإذا ما انهزمت تلك الأرواح تأتي من هي أقوى منها لتهاجم جنود المسيح. ويصعب على الإنسان بقوته أن يقاوم، لأنه لا يقدر أحد من القديسين أن توازي طاقته خُبث هؤلاء الأعداء الأقوياء الكثيرين، أو يصد هجماتهم أو يحتمل قسوتهم ووحشيتهم، ما لم يرحمه المصارع معنا ورئيس الصراع نفسه الرب يسوع، فيرد قوة المحاربين، ويصد الهجوم المتزايد، ويجعل مع التجربة المنْفَذ قدر ما نستطيع أن نحتمل (1كو 10: 13). الأب سيرينوس سادسًا: إذ سألنا الرسول أن نقاوم في اليوم الشرير، أي في لحظات التجربة المرة، يليق بنا أن نتمم جهادنا المستمر حتى يتحقق ثباتنا، وتُعلن نصرتنا الكاملة، إذ يقول: "وَبَعْدَ أَنْ تُتَمِّمُوا كُلَّ شَيْءٍ أَنْ تَثْبُتُوا" ]13[. مع كل تجربة يصبها العدو لتحطيمنا نجاهد، فننمو ويتحقق بالأكثر ثباتنا، وهكذا يبقى العدو يحارب، ونبقى نحن نجاهد بالرب، فتنهار مملكة إبليس ويثبت ملكوت الله فينا. + تسقط الأرواح في الحزن، وإذ تريد هلاكنا تهلك هي بواسطتنا بنفس التهلكة التي يرغبوها لنا. ولكن لا تعني هزيمتهم أنهم يتركوننا بغير رجعة... إذ تهلك قواهم ويفشلون في صراعهم معنا، نقول: "فليخزَ وليخجل الذين يطلبون نفسي لإهلاكها، ليرتد إلى الوراء ويخز المسرورين بأذيتي" (مز 14: 4). وأيضًا يقول إرميا: "ليخز طارديّ ولا أخزى أنا، ليرتعبوا هم ولا أرتعب أنا، أجلب عليهم يوم الشر واسحقهم سحقًا مضاعفًا" (إر 17: 18)، إذ لا يقدر أحد أن يشك في أنه متى انتصرنا عليهم يهلكون هلاكًا مضاعفًا. الأب سيرينوس + أنا أعلم يا إخوتي أن تلك الجراحات التي نتقبلها من أجل المسيح ليست مدمرة للحياة بل بالحري معينة للحياة. القديس أمبروسيوس + " لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تُقَاوِمُوا فِي الْيَوْمِ الشِّرِّيرِ، وَبَعْدَ أَنْ تُتَمِّمُوا كُلَّ شَيْءٍ أَنْ تَثْبُتُوا" ]13[. يقصد باليوم الشرير الحياة الحاضرة، إذ يدعوها أيضًا: "العالم الحاضر الشرير" (غلا 1: 4)، وذلك بسبب الشر الذي يُرتكب فيها... يقول "تتموا كل شيء" أي تقاوموا كل الأهواء والشهوات الدنسة وكل ما يقلقنا. هنا لا يتحدث عن مجرد ممارسة الأعمال وإنما إتمامها، بمعنى أننا بعد ما نُقتل (بالخطايا) نثبت. فإن كثيرين يسقطون بعد نوالهم النصرة... أما نحن فيلزمنا أن نثبت بعد النصرة. فقد يضُرب عدو لكه يقوم ثانية إن لم نثبت. إن قام الأعداء (الروحيون) ثانية فإنهم يعودوا فيسقطون إن كنا ثابتين. ما دمنا لا نتزعزع لا يقوم العدو من جديد. "الْبَسُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ"؛ ألا تراه كيف ينزع كل خوف؟ فإن كان ممكنًا بعد إتمام كل شيء أن نثبت، فإن وصفه لقوة العدو لا يخلق جُبنًا وخوفًا بل ينتزع كل استرخاء. يقول: "لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تُقَاوِمُوا فِي الْيَوْمِ الشِّرِّيرِ"، مقدمًا لهم تشجيعًا من الزمن بكونه مقصرًا (إذ يدعوه يومًا واحدًا)، فالأمر يحتاج إلى ثبات دون وهن إذ تحدث غلبة. القديس يوحنا الذهبي الفم سابعًا: إذ أعلن الرسول عن المعركة الروحية الحقيقية وأبرز من هو العدو وما هي قدراته الفكرية المخادعة وإمكانياته كما ألهب قلبنا بالشوق للنصرة والثبات فيها خلال عبورنا هذه الحياة الحاضرة كيومٍ واحدٍ قصيرٍ، الآن يصّور لنا العدة الروحية التي تكسو كل كياننا فتحفظنا من ضربات العدو. هذه العدة الروحية هي: أ. "فَاثْبُتُوا مُمَنْطِقِينَ أَحْقَاءَكُمْ بِالْحَقِّ" ]14[. يبدأ حديثه عن هذه العدة الروحية بكلمة "اثبتوا"، والثبات هو في ذاته جزء أساسي وحيوي حتى أثناء الجهاد في الأمور الزمنية، إذ يمثل عدة داخلية يلتزم أن يتسلح بها كل إنسان مجاهد في حياته؛ بدون هذا الثبات يسقط الإنسان في اليأس وينهار أمام أية صعوبة ولا يحقق غايته. يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على كلمة "اثبتوا" بالقول: [أول ملامح التحركات الحربية (الروحية) أن تعرف كيف تثبت، فإن أمورًا كثيرة تتوقف على هذا. لذلك كثيرًا ما تحدث عن الثبات، فيقول في موضع آخر: "اسهروا، اثبتوا" (1كو 16: 3)... "اثبتوا هكذا في الرب" (في 4: 1)... "من يظن أنه قائم فلينظر أن لا يسقط" (1كو 10: 12)... "بعد أن تتمموا كل شيء أن تثبتوا" (أف 6: 13). بلا شك لا يقصد مجرد الثبات بأية كيفية، وإنما في الطريق السليم، ذلك كما أن كثيرين لهم خبرات في الحروب يعرفون في المركز الرئيسي كيف يثبتوا. فإن كان في حالة الملاكمين والمصارعين يطلب المدرب من اللاعبين الثبات قبل كل شيء، فكم بالأكثر في حالات الحروب والأمور العسكرية؟! الإنسان الذي يثبت بمعنى الكلمة يكون مستقيمًا، فلا يقف متراخيًا، ولا يتكيء على شيء. الاستقامة التامة تعلن عن ذاتها بالثبات، فإن المستقيمين بالكمال يثبتون أما الذين لا يثبتون فلا يمكن أن يكونوا على حق ولا منظّمين بل "مشوشين". الإنسان المترف لا يثبت باستقامة بل يكون منحنيًا، وهكذا الشهواني ومحب المال. من يعرف كيف يثبت، بثبوته ذاته كما من ينبوع خاص به يجعل كل جهاده سهلاً بالنسبة له.] أما قوله: " مُمَنْطِقِينَ أَحْقَاءَكُمْ بِالْحَقِّ" فيحمل بلا شك مفهومًا رمزيًا. فالجندي الروماني كان يشد وسطه بمنطقة جلدية على حقويه، مُثبت عليها صفائح فولاذية أو حديدية. هذه المنطقة يشدها الجندي كأول استعداد له للدخول في المعركة، فهي من جهة تعطي شيئًا من الصلابة لظهره، كما تساعده على سرعة الحركة فلا تعوقه ملابسه، وأيضًا كانت تحمي بعض أجزاء جسمه. ويرى كثير من الآباء أن الحقوين يشيران إلى الشهوة الجسدية، وشّدهما بالمنطقة يشير إلى ضبط الشهوة أو إلى العفة. ما الذي يسندنا في عفتنا سوى رفض الباطل وقبول "الحق" الذي هي السيد المسيح، مصدر نقاوتنا وعفتنا، لذا يقول الرسول: "مُمَنْطِقِينَ أَحْقَاءَكُمْ بِالْحَقِّ". المسيح الحق هو ضابط أجسادنا ومقدسها لتعمل مجاهدة لحساب الملكوت عوض انشغالها بالباطل. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إن حصنا أنفسنا بذلك، إن منطقنا أحقاءنا بالحق، لا يقدر أحد أن يغلبنا. من يطلب تعليم الحق لن يسقط على الأرض.] ب. "وَلاَبِسِينَ دِرْعَ الْبِرِّ" ]14[. إن كان السيد المسيح المصلوب هو الحق الذي نتمنطق به فنحارب شهوات الجسد ونغلب عوض الفلسفات الباطلة التي قد تشغل الذهن لكنها تعجز عن تقديم الحياة العفيفة في الرب، هكذا هو أيضًا "برّنا" الذي نلبسه كدرع يحمينا من ضربات السيف وطعنات الرماح والسهام القاتلة. كان الدرع العسكري الروماني يمتد من العنق إلى الركبة، من زرد أو حراشيف معدنية متصلة تحمي المحارب من ضربات العدو. + كما أن الدرع لا يمكن اختراقه هكذا البرّ، هنا يقصد بالبرّ حياة الفضيلة الجامعة. فمثل هذه الحياة لا يقدر أحد أن يغلبها، حقًا قد يجرحه أحد لكن لا يقدر أحد أن يخترقه ولا حتى الشيطان نفسه. كأنه يقول ليثبت البرّ في الصدر، ويقول المسيح: "طوبى للجياع والعطاش إلى البرّ فإنهم يشعبون" (مت 5: 6). هكذا يكون ثابتًا وقويًا كما بدرع. القديس يوحنا الذهبي الفم ج. "وَحَاذِينَ أَرْجُلَكُمْ بِاسْتِعْدَادِ إِنْجِيلِ السَّلاَمِ" ]15[. هكذا يتسلح المؤمن بأسلحة روحية تمس كل كيانه حتى قدميه، وكما يقول الشهيد كبريانوس: [لنتسلح أيها الإخوة المحبوبون بكل قوتنا، ونستعد للمعركة بذهن غير فاسد وإيمان مستقيم، وشجاعة جادة. ليذهب معسكر الله إلى أرض المعركة المعدة لنا... ليته حتى الساقطين أيضًا يتسلحون، لعلهم يعودون فيربحوا ما قد خسروه....] إن كانت المنطقة تؤهل الجندي للحركة بلا عائق وسط الميدان فإن الحذاء ضروري لسرعة الجري في الحروب القديمة وأيضًا للوقاية من الزلق ولتسلق الجبال حيث كانت النعال العسكرية تحمل مسامير بارزة الكرات للوقاية. لن نستطيع السير بسرعة وسط المعركة التي يثيرها العدو ما لم يكن إنجيل السلام حافظًا لأقدامنا الروحية، لنتحرك حسب مشيئة الله وإنجيله. بينما يثير العدو الحرب ضدنا نحتذي نحن بإنجيل السلام، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لقد أظهر لنا أن الصراع ضد الأرواح الشريرة يستلزم إنجيل السلام... فإن حربنا ضدهم تنهي حربًا أخرى، أي تهني الحرب التي بيننا وبين الله. حين نكون في حربٍ ضد إبليس نكون في سلام مع الله. لذلك لا تخف أيها الحبيب، إنه "إنجيل" أي أخبار مفرحة، تهب نصرة.] د. "حَامِلِينَ فَوْقَ الْكُلِّ تُرْسَ الإِيمَانِ، الَّذِي بِهِ تَقْدِرُونَ أَنْ تُطْفِئُوا جَمِيعَ سِهَامِ الشِّرِّيرِ الْمُلْتَهِبَةِ" ]16[. إذ كان العدو لا يكف عن تصويب سهام ليست معدنية، وإنما نارية ملتهبة تقتل النفس، فإن الإيمان هو الترس الذي يحطم هذه السهام ويطفيء لهيبها. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كما أن الترس يُوضع أمام الجسد كله بكونه نوعًا من الحاجز، هكذا أيضًا بالنسبة للإيمان حيث يخضع كل شيء له... فإن هذا الترس لا يقدر أن يقاومه شيء. اسمع ما يقوله المسيح لتلاميذه: "الحق أقول لكم لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هناك فينتقل" (مت 17: 20)... يُقصد أيضًا بسهام الشرير الملتهبة التجارب والرغبات الفاسدة، أما كونها "ملتهبة" فهي سمة هذه الرغبات. فإن كان الإيمان يسيطر على الأرواح الشريرة فبالأولى يستطيع أن يسيطر على شهوات النفس.] هـ."وَخُذُوا خُوذَةَ الْخَلاَصِ، وَسَيْفَ الرُّوحِ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ اللهِ" ]17] إن كانت الخوذة هي الواقية للرأس، فإن انشغالنا بالخلاص، ورجاءنا في التحرر من العقوبات الآتية والتمتع بالميراث السماوي الأبدي هو الخوذة الروحية التي تحمي رأسنا أي إيماننا بالسيد المسيح الرأس. أما سيف الروح الذي نمسك به لنحارب فهو كلمة الله، به نضرب في داخلنا فنعزل بقوة بين ما هو لله وما هو خارج الله، به نبتر في داخلنا كل فساد ونلقي به خارجًا، كلمة الله كالسيف يجرح لكنه يشفي! يرى الأب بينوفيوس ان هذا السيف، كلمة الله، يجب أن يسفك الدم، دم خطايانا التي نعيش فيها، لأنه بدون سفك دم لا تحصل مغفرة (عب 9: 22)، وقد جاء في إرميا "ملعون من يمنع سيفه عن الدم" (إر 48: 10)، وكأن المؤمن لا يكف عن أن يقتل بالوصية كل خطية تكمن في قلبه أو فكره أو أحاسيسه حتى يتقدس بالكامل في الرب. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: أننا بهذا السيف الروحي نقتل رأس الحية. و. "مُصَلِّينَ بِكُلِّ صَلاَةٍ وَطِلْبَةٍ كُلَّ وَقْتٍ فِي الرُّوحِ، وَسَاهِرِينَ لِهَذَا بِعَيْنِهِ بِكُلِّ مُواظَبَةٍ وَطِلْبَةٍ، لأَجْلِ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ" ]18[. يختم حديثه عن أسلحة محاربتنا الروحية بالصلاة، لا لأنها تحتل المكانة الأخيرة وإنما لكي تثبت في الذهن. فإن الأسلحة السابقة كلها هي في حقيقتها عطية إلهية لا نستطيع أن ننعم بها بدون الصلاة. وكأنه يختم الحديث بفتح الباب الذي به ننال الأسلحة المقاومة لإبليس وكل مكايده. إن كان حديث الله معنا (كلمة الله) هو السيف الروحي الذي به نحطم كل شر يهاجمنا في الداخل، فإن حديثنا معه (الصلاة) هو سندنا لنوال العون الإلهي خلال جهادنا المستمر. + [عن صديقه الناسك بونسيوس] إنه لا يبالي (بمحاربات الشيطان)، ولا يخف، إذ هو متسلح بأسلحة الرسول من رأسه إلى قدميه. يصغي إلى الله إذ يقرأ الكتاب المقدس، ويتحدث مع الله إذ يصلي إلى الرب... في اختصار سيحاربه الشيطان، لكن المسيح يدافع عنه. + بالصوم الصارم مع السهر (في الصلاة) تُطفي نيران سهام إبليس. القديس چيروم ز. الجهاد الروحي الجماعي: ختم الرسول بولس حديثه الخاص بالجهاد ضد إبليس بالكشف عن جانب إنجيلي كنسي هام، وهو إن كان العدو يحارب كل عضو على إنفراد، إنما يعمل العدو بكل جنوده، أي تعمل الأرواح الشريرة معًا ضد مملكة المسيح. فبالأولى جدًا في جهادنا نحن ألاَّ نحارب إبليس منفردين، وإنما كجماعة مقدسة. حقًا هي حرب داخلية تمس علاقتنا الشخصية بالله لكن خلال إتحادنا معًا، لذا يؤكد الرسول السهر الدائم والطلبة المستمرة من أجل جميع القديسين، فالكل يطلب معًا بروحٍ واحدٍ، فيشعر إنه في جهاده ليس بمعزلٍ عن إخوته. لنطلب صلوات الآخرين حتى يسندنا الله، ولنصلِ نحن من أجل إخوتنا علامة شركتنا معهم وحبنا لهم ووحدتنا في الروح. أُفرز الرسول بولس من البطن لخدمة الكرازة، والذي دعاه الرب علانية وهو في الطريق إلى دمشق، والذي نال مواهب كثيرة، يشعر بحاجة شديدة لصلوات الشعب من أجله ليسنده الرب ليس فقط في جهاده الروحي وإنما في كرازته بالإنجيل، إذ يقول: "وَلأَجْلِي، لِكَيْ يُعْطَى لِي كَلاَمٌ عِنْدَ افْتِتَاحِ فَمِي، لأُعْلِمَ جِهَارًا بِسِرِّ الإِنْجِيلِ، الَّذِي لأَجْلِهِ أَنَا سَفِيرٌ فِي سَلاَسِلَ، لِكَيْ أُجَاهِرَ فِيهِ كَمَا يَجِبُ أَنْ أَتَكَلَّمَ" ]19-20[. إن كانت قيوده تشفع فيه لدى الله كسفير أمين احتمل الآلام من أجل الإنجيل لكنه كان في عوز إلى شفاعات كل الكنيسة عنه ليتمم رسالته بلا عائق. لهذا اعتادت الكنيسة أن تصلي من أجل البطريرك والأسقف والكهنة والشمامسة وكل الخدام، ويصلي البابا البطريرك وكل الخدام من أجل الشعب. حقًا نحتاج في جهادنا إلى صلوات مشتركة! في تعليق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارات الرسولية، يقول: [الصلاة قادرة على تحقيق عظائم.] 4. الخاتمة والبركة الرسولية ختم الرسول بولس هذه الرسالة بالآتي: أولاً: أعلن لهم أنه يبعث إليهم تيخيكس، لا حاملاً الرسالة فحسب، وإنما كشاهدٍ عيان يطمئنهم على حاله وهو في السجن كيف يستخدمه الله للكرازة وبنيان الملكوت فتتعزى قلوبهم. هذا وبإرساله تيخيكس الخادم الأمين في الرب يسمعون كلمة الله منه لبنيانهم، إذ يقول: "وَلَكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ أَيْضًا أَحْوَالِي، مَاذَا أَفْعَلُ، يُعَرِّفُكُمْ بِكُلِّ شَيْءٍ تِيخِيكُسُ الأَخُ الْحَبِيبُ وَالْخَادِمُ الأَمِينُ فِي الرَّبِّ، الَّذِي أَرْسَلْتُهُ إِلَيْكُمْ لِهَذَا بِعَيْنِهِ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَحْوَالَنَا، وَلِكَيْ يُعَزِّيَ قُلُوبَكُمْ" ] 21-22[. ثانيًا: يختم بالبركة الرسولية: "سَلاَمٌ عَلَى الإِخْوَةِ، وَمَحَبَّةٌ بِإِيمَانٍ مِنَ اللهِ الآبِ، وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. اَلنِّعْمَةُ مَعَ جَمِيعِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ رَبَّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحَ فِي عَدَمِ فَسَادٍ. آمِينَ" ] 23-24[. إذ كتب الرسالة عن الكنيسة التي هي حقيقتها وجوهرها "سلام مع الله والإخوة، ومحبة صادرة عن الله والرب يسوع، ونعمة مقدمة لنا"، لذا جاءت البركة متناغمة مع جوهر الرسالة. + ابتهل من أجلهم يسأل لهم "السلام والمحبة بإيمان". نطق حسنًا، إذ لم يرد لهم أن ينظروا إلى المحبة بذاتها بل ممتزجة بما هو من الإيمان... إن وُجد سلام وُجدت محبة، وإن وُجدت محبة يوجد سلام أيضًا. "بإيمان"، إذ بدونه لا تبلغ المحبة شيئًا، بل ولا يكون لها وجود بالكلية... "فِي عَدَمِ فَسَادٍ"... أما يعني "في طهارة" أو "من أجل الأمور غير الفاسدة"، أي ليس من أجل الغنى والمجد والكنوز التي تفسد. "خلال عدم الفساد"، أي "خلال الفضيلة"، لأن كل خطية هي فساد. القديس يوحنا الذهبي الفم هذه صورة مبسطة للملامح الرئيسية لهذه الرسالة الحية التي تعلن عضويتها في جسد السيد المسيح، وتمتعنا بشركة حياته وسماته، في كل عملي خفي وظاهر، حتى في جهادنا ضد قوات الظلمة، من أجل بلوغنا الميراث الذي لا يفنى ولا يضمحل. من تفسير وتأملات الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين الإصحاح السادس الآيات (1-3):- "1أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ فِي الرَّبِّ لأَنَّ هذَا حَقٌّ. 2«أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ»، الَّتِي هِيَ أَوَّلُ وَصِيَّةٍ بِوَعْدٍ، 3«لِكَيْ يَكُونَ لَكُمْ خَيْرٌ، وَتَكُونُوا طِوَالَ الأَعْمَارِ عَلَى الأَرْضِ»." يستمر الرسول فى مخاطبته للبيت المسيحى. أَطِيعُوا فِي الرَّبِّ: إذاً الطاعة مستمدة من الروح المسيحية كما أطاع المسيح أباه حتى الموت. وكما أوصى الله فى الوصايا العشر. وهذه الوصية هى أول وصية بوعد. يَكُونَ لَكُمْ خَيْرٌ: أى أن من يطيع يعيش تحت خيرية الله، متمتعً بخيراته. أَكْرِمْ = أى أحب واحترم وأطع وقدم المعونة. ومعنى أن بولس يشير لهذه الوصية، إذاً فنحن ملزمون بالناموس الأخلاقى، فما تم إلغاؤه هو الناموس الطقسى والفرائض. بل إن وصية إكرام الوالدين هى وصية بحسب الناموس الطبيعى، فالابن يكرم أباه وأمه اللذان سهرا لأجله. بل أن المسيح خضع لأبويه بالجسد (أمه وأبوه بالتبنى). والناموس كان يعاقب من يهين أباه وأمه (خر15:21-17) + (لا9:20) + (تث16:27) + (أم17:30) + (خر12:20) + (تث16:5، 7:22). وأهمية هذه الوصية أن من لا يستطيع أن يكرم أباه وأمه اللذان ربياه وسهرا عليه، فهو لن يستطيع أن يكرم الله الذى لم يره. فإكرام الوالدين هو نموذج لإكرام الله. فِي الرَّبِّ: أى علينا أن نميز ما هو للرب فنطيعه وما ليس للرب فلا نطيعه. ففى (لو51:2) نجد المسيح يعلن أنه يطيع أباه السماوى أكثر منهما. وَتَكُونُوا طِوَالَ الأَعْمَارِ: فالرسول يكلم أولاداً صغار روحياً كما كان الآب السماوى يكلم أطفالاً صغار روحياً فى العهد القديم، وطول العمر يحببهم فى الوصية. والمسيح مع أنه أطاع الوصية إلاّ أنه صُلِبَ ومات وعمره 33 سنة فقط. ولكنه قام على مستوى أبدى. وهذا ما يحدث لنا لو أطعنا الوصية. فطول العمر على الأرض ليس هو المهم بل أن تكون لنا حياة أبدية. آية (4):- "4وَأَنْتُمْ أَيُّهَا الآبَاءُ، لاَ تُغِيظُوا أَوْلاَدَكُمْ، بَلْ رَبُّوهُمْ بِتَأْدِيبِ الرَّبِّ وَإِنْذَارِهِ. " لاَ تُغِيظُوا: بالإهمال وعدم الاكتراث بالتربية أو بالتمييز بين الاولاد ، والقسوة والظلم وإلقاء التهم جزافاً مع أن الولد قد يكون بريئاً منها. وهذا يدفع للتمرد والعدوانية والتخريب. بِتَأْدِيبِ الرَّبِّ: أى بحسب وصايا الرب يسوع، فالمسيح هو قائد الفكر والتدبير. وبذلك يكون الولد خائفاً الرب، مطيعاً للرب أولاً. ولذلك فمن المهم أن يهتم الأباء بأن يصلى أبناءهم ويذهبون للكنيسة. الآيات (5-9):- "5أَيُّهَا الْعَبِيدُ، أَطِيعُوا سَادَتَكُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ، فِي بَسَاطَةِ قُلُوبِكُمْ كَمَا لِلْمَسِيحِ 6لاَ بِخِدْمَةِ الْعَيْنِ كَمَنْ يُرْضِي النَّاسَ، بَلْ كَعَبِيدِ الْمَسِيحِ، عَامِلِينَ مَشِيئَةَ اللهِ مِنَ الْقَلْبِ، 7خَادِمِينَ بِنِيَّةٍ صَالِحَةٍ كَمَا لِلرَّبِّ، لَيْسَ لِلنَّاسِ. 8عَالِمِينَ أَنْ مَهْمَا عَمِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَ الْخَيْرِ فَذلِكَ يَنَالُهُ مِنَ الرَّبِّ، عَبْدًا كَانَ أَمْ حُرًّا. 9وَأَنْتُمْ أَيُّهَا السَّادَةُ، افْعَلُوا لَهُمْ هذِهِ الأُمُورَ، تَارِكِينَ التَّهْدِيدَ، عَالِمِينَ أَنَّ سَيِّدَكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا فِي السَّمَاوَاتِ، وَلَيْسَ عِنْدَهُ مُحَابَاةٌ. " وفيها يوجه الرسول حديثه للعبيد بعد أن تكلم عن الأسرة ليضع العبيد فى وسط الأسرة. ونلاحظ أن الرسول لم يقف ثائراً على الأوضاع الاجتماعية السائدة، إنما مصلحاً لها بهدوء وفاعلية. وهو لم يطلب ثورة العبيد ضد السادة، إنما طالبهم بكسب رضا سادتهم، وعلى العبد أن يحب سيده وأن يخدمه بقلب مخلص من أجل الرب. وهذا يؤثر بشدة فى السادة، وبهذا يصير العبيد معلمين لسادتهم. ووعد العبد الذى يفعل ذلك بالخير الأبدى. أَطِيعُوا سَادَتَكُمْ حَسَبَ الْجَسَدِ: بحسب النظام القائم وقتئذ، ولكن عليهم أن يكونوا بحسب الروح فى طاعة للمسيح. فالسيد الحقيقى فوق الكل هو المسيح فلا نخافه. حَسَبَ الْجَسَدِ = فسيد الأرواح هو الله فقط. فِي بَسَاطَةِ قُلُوبِكُمْ: يمكن للإنسان أن يخدم بخوف ورعدة ولكن بإرادة غير صالحة ويغش سيده خفية وهذا لا يوافق الرسول عليه. ولكن على العبد أن يكون أميناً ليرضى الرب. وكلمة بَسَاطَةِ تعنى أنه على العبد أن يكون له هدف واحد هو إرضاء الرب بأمانته وطاعته. وهذا الكلام موجه لكل عامل ولكل موظف وكل خادم، فعلى كل واحد أن يرضى الله بأمانته. والآن لا يوجد عبيد، لكن يوجد عمال وموظفين وفى الكنائس يوجد خدام، وعلى كل واحد أن يخدم فى عمله بأمانة ليرضى اله. بِخَوْفٍ وَرِعْدَةٍ: هنا حول الرسول نظر العبد من خدمة سيده لخدمة المسيح، وإذا كان فى خدمته يخدم المسيح فهو لابد أن يخدم بخوف ورعدة معبراً عن محبته للمسيح، وهو سينال مكافأته من المسيح بحسب الآية 8. وقوله بخوف ورعدة قد تشير أيضاً لإظهار الاهتمام بتنفيذ الأوامر. عَبْدًا كَانَ أَمْ حُرًّا: ففى الأبدية نرى الكل وقد صاروا سواء وهذا درس للسادة، فالعبودية هى وضع مؤقت على الأرض. وإن طلب الرسول من الزوجة أن تخضع لرجلها وهى ليست أقل منه، فهو يفعل نفس الشىء مع العبيد. ولقد صار كثير من العبيد أساقفة وكهنة وكارزين بالحق. لاَ بِخِدْمَةِ الْعَيْنِ: أى خدمة فى الظاهر فقط أمام أعين سيده وبهذا ينال رضى سيده وليس رضى الرب. كَمَا لِلرَّبِّ: خدمة صادرة من القلب، فالأمانة فى العمل هى أمانة للرب اولا. افْعَلُوا لَهُمْ هذِهِ الأُمُورَ: فى آية 9 يقدم الرسول نصيحة للسادة. وقوله افْعَلُوا لَهُمْ هذِهِ الأُمُورَ ، أى أيها السادة افعلوا لعبيدكم نظير هذه الأمور التى ذكرتها للعبيد أن يفعلوها معكم. أى تصرفوا بنفس المبادئ، فعلى السيد أن يهتم بعبده ويخدمه ويسلك معه بروح المحبة والرحمة، وهنا نرى أن السيد عليه واجبات تجاه عبده. عَالِمِينَ أَنَّ سَيِّدَكُمْ: إذاً أنتم وهم عبيد لله، أى لسيد واحد وهو يعامل الكل بعدل بغض النظر عن القوانين البشرية التى جعلت هناك سادة وعبيد. ومعنى كلام الرسول أن على السيد أن يعامل عبده كمن يعامل المسيح، كما قال للعبد أن يخدم سيده كمن يخدم المسيح. وهذه الوصية فى زمان بولس الرسول كانت وصية خطيرة لأن السادة كانوا يعتبرون العبيد من دم آخر وليس لهم أى حقوق، ومتى شاءوا يقتلونهم. ففى نظر الرومان فى ذلك الزمان أن العبد كان يفضل قليلاً عن الحيوان، وإذا قتل سيد عبده لا يحاسبه أحد. آية (10):- "10أَخِيرًا يَا إِخْوَتِي تَقَوُّوْا فِي الرَّبِّ وَفِي شِدَّةِ قُوَّتِهِ. " هناك حروب داخلية تحارب الإنسان فى فكره وضميره وعواطفه لمحاولة زعزعة إيمانه وصده عن المسيح. ولكن هل يتركنا الله فى هذه الحرب؟ قطعاً الله لا يترك كنيسته بل زودها بأسلحة كافية وهذا موضوع الآيات القادمة. تَقَوُّوْا: جاءت الكلمة فى اليونانية مبنية للمجهول، فنحن لا يمكننا أن نتقوى من أنفسنا ولكن الله يعطى قوة لمن يسأل ويريد ويجاهد (أف20:3). والقديس يوحنا فم الذهب فسر الكلمة قائلاً تقووا بالرجاء الذى فيكم، أى لا تخافوا بل إلقوا رجاءكم على الرب وبلا يأس وهو سيجعل كل شئ سهلاً. ونلاحظ أن القوة التى يعطيها الله لمن يجاهد برجاء ليست بالقوة الهينة بل هى بحسب شدة قوته. فالله قوى للذين يَدْعونه وقوته غير محدودة. والجهاد المطلوب نوعان لنثبت فى المسيح: 1. إيجابى : كالصلاة والصوم ودراسة الكتاب.. أن أحاول أن أعمل أعمال بر. 2. سلبى : هو قرار بالامتناع عن الخطية ورفضها. أن أقف كميت أمامها. وبهذا الجهاد الإيجابى والسلبى يلتصق المؤمن بالله. والله مصدر لا نهائى للقوة. آية (11):- "11الْبَسُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تَثْبُتُوا ضِدَّ مَكَايِدِ إِبْلِيسَ. " السِلاَحَ: هو جهاد مستمر للبقاء بجانب الله متمسكين به مصلين له ثابتين فى المسيح. والمسيح الذى فينا هو الذى يغلب. نحن لا قِبَلَ لنا بمحاربة إبليس، ما علينا سوى الثبات فى المسيح الذى خرج غالباً (بصليبه) ومازال يغلب (فينا) (رؤ2:6). وهذا السلاح هو سلاح كامل: أى لا مكان للضعف مع هذا السلاح، هو سلاح قادر أن يغطينى بالكامل ولا يترك مكاناً ضعيفاً. فقوة المسيح لا نهائية، لا يستطيع العالم ولا رئيسه إبليس أن يواجهها. ومن يجاهد ويحاول أن يفعل هذا سيجد قوة المسيح الجبارة تسانده وحينئذ عليه بتواضع أن ينسب القوة لله وليس لنفسه ومن يواظب على الصلاة لا يدنو منه إبليس (راجع قصة الشهيدة يوستينة). تَثْبُتُوا: تكسبوا موقفكم تجاه مكايد إبليس: أى خداعه، فهو يُكْسِبْ الخطية ثوب اللذة والسعادة، ومن يصدقه يجد نفسه فى مصيدة إبليس، والخطية أو اللذة كانت الطعم الذى أوقعه داخل المصيدة. ومن دخل المصيدة لن يجد سوى الهم. ومن مكايد إبليس وخداعاته أنه يصور نفسه بأنه لا يقهر ويدس اليأس فى نفس الخاطئ ويصور لهُ أن الله لن يغفر، ويشكك الناس فى كلام الله ووعوده. آية (12):- "12فَإِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلاَطِينِ، مَعَ وُلاَةِ الْعَالَمِ عَلَى ظُلْمَةِ هذَا الدَّهْرِ، مَعَ أَجْنَادِ الشَّرِّ الرُّوحِيَّةِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ. " مُصَارَعَتَنَا: هى مصارعة فكرية وليست جسدية، فهى تشكيك فى الله وفى كل شىء وهى أفكار شهوانية وهى أفكار حسد وغيرة وكراهية وهى عدم محبة للآخر وهى حرب مع عدو قوى، يستخدم الوسيلة التى يراها مناسبة ليسقط كل واحد. الرُّؤَسَاءِ والسَّلاَطِينِ: هم أصلاً درجات من الملائكة ولكن سقط بعضاً منهم فصاروا شياطين. والمسيح قال عن الشيطان رئيس هذا العالم (يو30:14) + (يو11:16). رئيس العالم بمعنى انه يستخدم اغراءات الخطايا التى فى العالم ليخدع اولاد الله " اعطيك كل هذه ..لكن اسجد " وُلاَةِ الْعَالَمِ: هم الشياطين الذين يحكمون العالم عن طريق إيحاءات الخطية وأسلحتهم المال واللذات والكرامة. وهدفهم إسقاطنا فى الخطية واستعبادنا. ولنرى قوة الشيطان راجع (دا12:10-14). ولكن فلنثق أن كل أسلحته خداع ومظاهر زائلة. عَلَى ظُلْمَةِ هذَا الدَّهْرِ: ما يوجد فى هذا العالم من ألام وشرور. وهذا الوصف قاله المسيح أولاً (لو52:22،53). فالعالم كان قبل المسيح ظلمة. فالظلمة كناية عن عمل الشيطان، أماّ المسيح فنقلنا من الظلمة إلى النور (كو13:1). لذلك فأولاد الله ليسوا فى ظلمة بل فى نور. فِي السَّمَاوِيَّاتِ: المسيح جعل كنيسته تعيش فى السماء (أف6:2). والسماء هنا ليست مكاناً بل حالة ووجود فقط. فالكنيسة التى تحيا السماويات معرضة لحروب إبليس ليجذبها من السماويات، وهذا من حسد إبليس. والسيد قال "ملكوت الله داخلكم" (لو21:17). فإذا كان ملكوت الله داخلنا، فالفرح والسلام والمحبة داخلنا لأن المسيح يملك على القلب، وهذه هى السماويات التى نحياها. آية (13):- "13مِنْ أَجْلِ ذلِكَ احْمِلُوا سِلاَحَ اللهِ الْكَامِلَ لِكَيْ تَقْدِرُوا أَنْ تُقَاوِمُوا فِي الْيَوْمِ الشِّرِّيرِ، وَبَعْدَ أَنْ تُتَمِّمُوا كُلَّ شَيْءٍ أَنْ تَثْبُتُوا. " الله لم يتركنا بمفردنا ضد إبليس، بل أعطانا أسلحة نواجهه بها. وسلاح الله الكامل هو قوة الله الموهوبة لنا لكي نغلب بها. الْيَوْمِ الشِّرِّيرِ: هى الحياة الحاضرة (غل4:1). ويسميها العالم الحاضر الشرير وذلك بسبب الشر الذى يرتكب فيه ، ويسميه اليوم نظراً لقصر الحياة. ويسميه الشرير بسبب حروب الشيطان الشرير المستمرة لنا. ولاحظ أنه فى الأبدية لا حروب ضدنا. وَبَعْدَ أَنْ تُتَمِّمُوا كُلَّ شَيْءٍ أَنْ تَثْبُتُوا: الأسلحة تحتاج للتدريب لنستعملها بمهارة إذاً المطلوب. 1. التدريب المستمر على استخدام الأسلحة. 2. استعمال هذه الأسلحة باستمرار سواء انتصرنا أو انهزمنا. فلو حدث وانتصرنا على الشيطان فى إحدى الجولات، فليس معنى هذا أن الحرب انتهت، بل هو سيعود ثانية، إماّ بنفس الحيلة أو بغيرها. وهكذا قيل عن حرب إبليس مع السيد المسيح فبعد أن انتصر المسيح عليه قيل عن إبليس أنه فارقه إلى حين( لو 13:4). ولو حدث وخسرتم جولة، أى سقطتم فلا يأس، بل قوموا وعاودوا استخدام الأسلحة بلا يأس. فاليأس لغة يشجع عليها إبليس، وهذا كذب ، فالله مستعد لقبول التوبة. ليس معنى سقوطنا أنها النهاية، لا بل علينا أن نثبت. ولنسمع قول النبى "لا تشمتى بى يا عدوتى إذا سقطت أقوم" (مى8:7). إذاً معنى قول الرسول أنه سواء انتصرتم أو سقطتم اثبتوا واستمروا فى المعركة، وهذه المعركة لن تنتهى إلاّ بنهاية الحياة على الأرض. إذاً فلنثبت ممسكين بأسلحتنا ولنستخدمها حتى النهاية حتى لا نهلك. آية (14):- "14فَاثْبُتُوا مُمَنْطِقِينَ أَحْقَاءَكُمْ بِالْحَقِّ، وَلاَبِسِينَ دِرْعَ الْبِرِّ. " فَاثْبُتُوا = داود سقط إذ ألقى أسلحته أى كف عن صلواته ومزاميره. مُمَنْطِقِينَ أَحْقَاءَكُمْ = هذا ما يفعله الجندى الرومانى، إذ كان يشد حقويه بمنطقة جلدية تعطى للظهر شيئاً من الصلابة، وهكذا كان يفعل العامل أو حامل الأثقال أو المسافر كاستعداد للسفر (خر11:12). وهكذا قال السيد "منطقوا أحقاءكم" (لو35:12). فنحن مسافرين للسماء. إذاً المنطقة تلبس فى حالتين: 1. الاستعداد للسفر. فنحن فى أرض غربة، نستعد للسفر إلى السماء، لأبديتنا. 2. الاستعداد لعمل شاق، ونحن فى حرب مستمرة ضد إبليس، فهو لا يكف عن الحرب. بِالْحَقِّ: حين نمنطق حقوينا بالحق يكون المعنى أن الحق هو الذى يحكم كل حركاتنا. به نتمسك ونحبه، ولا يستطيع أحد أن يثنينا عن عزمنا ورجائنا. والحق ضد الباطل، والباطل هو هذا العالم بكل ما فيه (جا2:1 + 11:2) فمن يتمنطق بالباطل هو من يجرى وراء الشهوات والمال، وإذا عرف إبليس نقطة ضعف أحد يهاجمه منها. أماّ من يتمسك ويتمنطق بالحق لن يعرف إبليس له مدخلاً. ومن فهم أن العالم باطل لن يتعلق بشىء. أماّ من يتمسك بالحق فهو يتمسك بالمسيح (يو6:14) فيكون المسيح هو مصدر عفتنا ونقاوتنا وقوتنا، لذلك يقول الرب "اثبتوا في ..." فالحق هو معرفة المسيح ومعرفة وصاياه والتمسك بتعاليمه وتنفيذها، والحق هو الكتاب المقدس وهو السماء. والتمسك بالمسيح يجعلنا نرفض الغش والكذب. الحق منبعث من طبيعة الله ويعطى قوة لمن يتمسك به بأمانة وإخلاص. فلنتمسك به كمسافرين ومحاربين. مُمَنْطِقِينَ = اي هذا هو الوضع الدائم الذى ينبغى ان نكون عليه ، فنحن لا نعلم فى اى ساعة نغادر هذا العالم . فقوله ممنطقين تعنى عدم خلع المنطقة ، اى الاستعداد الدائم . لاَبِسِينَ دِرْعَ الْبِرِّ: من يلتزم بحياة البر ويجاهد لكى يحيا فى فضيلة ، ويجاهد لكى يسلك باستقامة روحياً وأخلاقياً يكون المسيح هو درعاً لهُ يحميه من سهام العدو الملتهبة ناراً والموجهة لكل أولاد الله (مز4:120). والله يعطينا إذا تمسكنا بالبر قوة لنرفض كل خطية يعرضها علينا إبليس. ولاحظ أن الدرع يحيط بالصدر أى القلب فيحميه من خداعات إبليس وأسلحته كالشهوات. أماّ من يريد أن يسلك فى الخطأ فلن يحميه المسيح. الملخص من يريد ويسأل بجدية سيأخذ..اسألوا تعطوا . والمسيح ما زال يسأل اتريد ان تبرأ آية (15):- "15وَحَاذِينَ أَرْجُلَكُمْ بِاسْتِعْدَادِ إِنْجِيلِ السَّلاَمِ. " حاذين أرجلكم = من يحذو رجله (يلبس حذاء) باستعداد إنجيل السلام أى يكون مستعداً أن يتحرك بحسب مشئية الله المعلنة فى إنجيله، وهو إِنْجِيلِ السَّلاَمِ ، أى هو الاستعداد القلبى أن نسلك بالسلام مع كل الناس، فرسالة الإنجيل هى نزع روح الخصام والكراهية. المطلوب إذاً أن نحيا متمسكين بكلمة الله مستعدين بحياة السلام التى نحياها وبحياة الحب لكل أحد. وعلاقة الحذاء بكل هذا، إن العالم مملوء بأشواك الكراهية... وبدون حذاء تدمى أرجلنا أشواك الكراهية، أى من يحيا فى كراهية للآخرين يفقد السلام فى حياته. وثمر البر يزرع فى السلام ( يع 3 : 18 ) . آية (16):- "16حَامِلِينَ فَوْقَ الْكُلِّ تُرْسَ الإِيمَانِ، الَّذِي بِهِ تَقْدِرُونَ أَنْ تُطْفِئُوا جَمِيعَ سِهَامِ الشِّرِّيرِ الْمُلْتَهِبَةِ. " فَوْقَ الْكُلِّ: هذه تشير للأهمية المطلقة للإيمان. والتُرْسَ: هو لحماية الجسم من السهام المصوبة ضده. هو يحمى الرأس أى الأفكار ويحمى اليدين أى الأعمال ويحمى الرجلين أى الاتجاهات. الترس يمسكه المحارب بيده اليسرى هو بطول الجسم لحمايته. ولنلاحظ أننا معرضون لحروب تشكيك فى الله وفى محبته وفى زوال العالم وفى أنه باطل. فعلينا أن نقف بإيمان فى صلاتنا ونعلن ثقتنا فى محبة الله وأبوته لنا ونعلنها بقوة. وهذا الإعلان الذى بإيمان يجعل إبليس يهرب فى خزى (راجع 1يو4:5) خطوات إبليس ليبعد إنساناً عن الكنيسة تبدأ بإثارة المشاكل حوله، ثم تشكيكه فى محبة الله لهُ قائلاً... إذا كان الله يحبك فلماذا سمح لك بهذه الآلام. وتأتى بعد ذلك الخطوة التالية.. إذا كان الله قاسياً عليك هكذا ولا يحبك فلماذا تذهب إلى الكنيسة.. فلتترك الكنيسة.. وحينئذ ينفرد إبليس بهذه النفس الضالة. ولكن علينا إذا بدأت هذه الحرب وهذا التشكيك أن نقف لنصلى فى ثقة، أننا يارب أولادك واثقين فى محبتك وما تسمح به هو للخير حتى إذا لم نكن فاهمين، ونحن نحبك.. ابعد هذا العدو عنا يارب. وسنسمع صوت الروح القدس يا آبا الآب (غل4: 6) سِهَامِ الشِّرِّيرِ الْمُلْتَهِبَةِ: هى سهام إثارة الشهوات والأحقاد واليأس ، كأنها نار داخلية. آية (17):- "17وَخُذُوا خُوذَةَ الْخَلاَصِ، وَسَيْفَ الرُّوحِ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ اللهِ. " خُذُوا : يد الله امتدت بالخلاص يوم الصليب، فعلينا أن نمد أيدينا لنمسك بهذا الخلاص وننشغل به ونضع رجاؤنا فيه، وفى التمتع بالميراث السماوى. ولكن هناك من ليس عنده وقت أو اهتمام ليأخذ من الله. وكيف نمسك بالخلاص؟ هذا يكون بالرجاء.. قل فى قلبك هذا الكلام وردده "الله يحبنى وقد أعد لى مكاناً فى السماء". وهذا الانشغال بالخلاص يكون لنا خوذه تحمى رؤوسنا (اى عقولنا) من أفكار اليأس وكل فكر خاطئ (1تس8:5). سَيْفَ الرُّوحِ الَّذِي هُوَ كَلِمَةُ اللهِ= كلمة الله تصرع إبليس. وسيف الروح هو كلمة الله فى يد الروح القدس الذى يُذَكَّرنا بها. نُطقها يجعل الشيطان فى مواجهة قوة الله، فكلمة الله تحمل قوة الله، كلمة الله لها قوة القطع، بين ما هو حق وما هو كذب وفاسد، بين ما هو لله وما هو ضد الله، لذلك لا يحتملها الشيطان. والمسيح قاوم إبليس على الجبل مستخدماً كلمة الله. آية (18):- "18مُصَلِّينَ بِكُلِّ صَلاَةٍ وَطِلْبَةٍ كُلَّ وَقْتٍ فِي الرُّوحِ، وَسَاهِرِينَ لِهذَا بِعَيْنِهِ بِكُلِّ مُواظَبَةٍ وَطِلْبَةٍ، لأَجْلِ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ. " أبقى الرسول الصلاة للنهاية فبدونها لا نحصل على أى سلاح من الأسلحة السابقة، وقد أبقاها للنهاية لتظل فى الذاكرة. الأسلحة السابقة هى عطايا إلهية لا ننعم بها بدون صلاة. ومن يصلى ويقرأ كتابه المقدس أى يكون على صلة بالرب يحميه المسيح. والصلاة قادرة على استدعاء معونة عاجلة من السماء (دا11:10،12) فهى سلاح فعال. بِكُلِّ صَلاَةٍ: هذه مثل قولنا بكل إخلاص وبكل محبة، والمعنى أن تكون الصلاة بكل قوة وبكل غيرة وبكل عمق وحرارة، ومحبة عميقة. والصلاة تكون مقدمة لله بلا طلب وعناصرها الشكر والتسبيح والتمجيد لله على أعماله ومحبته. وَطِلْبَةٍ: هى صلاة خاصة بتغطية احتياجات الإنسان أو الآخرين، هى طلبة لله لأجل كل محتاج، ولكل من فى ضيقة (روحية أو جسدية). ويندرج تحت بند الطلبة الصلوات التى نرفعها لغفران خطايانا. لأَجْلِ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ: العدو يُحارب الأفراد ويحارب الكنيسة ككل. لذلك يجب على الكنيسة أن تحارب فى صلواتها كجسد واحد، ويهتم كل فرد بالآخرين، نحن لسنا فى معزل عن اخوتنا بل إن الصلاة هى وسيلة اتصال بين المؤمنين، هى وسيلة غير منظورة، فالروح القدس يوصل بينهم، بين من يُصلِى ومن يُصلَّى لأجله، فتحل قوة المسيح على الجميع. كُلَّ وَقْتٍ: أى صلاة دائمة بلا انقطاع (1تس17:5) + (لو1:18)، وهذه علينا أن ندرب أنفسنا عليها (تدريب: ردد صلاة يسوع ألاف المرات فى اليوم وهى ياربى يسوع المسيح إرحمنى أنا الخاطئ) وهذه لمن يثابر عليها يستطيع أن يمارس عمله بينما يبقى القلب متصلاً بالله مسبحاً إياه. فِي الرُّوحِ = هى أن الروح القدس يمدنا بما نقوله فهو يشفع فينا بأنات لا ينطق بها (رو26:8). ومن يصلى بالروح يجد لذة ولا يشعر بالملل (تدريب:- قف وسط صلاتك مرّات وتأمل بهدوء حتى يعطيك الروح القدس ما تقوله.. أى لا تظل متكلماً فى صلاتك طول الوقت، وهكذا فى قراءتك للكتاب المقدس، قف وتأمل، فتعطى للروح القدس أن يتكلم فى داخلك). والروح يعطى إشتياق شديد لله للحديث معه ولسماعه، وهنا لا يشعر الإنسان بالوقت ولا بالتعب، بل تأتى لمن يصلى بالروح قوة خفية تمده بالكلام والأفكار وهذه ترتد على الإنسان بالنمو والعمق والفهم والخبرة. وَسَاهِرِينَ لِهذَا بِعَيْنِهِ: نسهر فى جهادنا كما سهر الرب يصلى (لو12:6) ليضع النموذج الكامل لنا (يو12:13-14). ولو بدأ الإنسان يصلى سيصاب بالملل، فلو صمم أن لا يكف عن الصلاة ويخترق حاجز الملل، تدخل الصلاة فى طبيعة جديدة ويأخذ الإنسان خبرات روحية للنمو ويصلى بلا ملل. آية (19):- "19وَلأَجْلِي، لِكَيْ يُعْطَى لِي كَلاَمٌ عِنْدَ افْتِتَاحِ فَمِي، لأُعْلِمَ جِهَارًا بِسِرِّ الإِنْجِيلِ. " هنا بولس يريد أن يشرك شعب أفسس فى الاهتمام بالكرازة والصلاة لأجلها، ويطلب أن يعطيه الله بصلواتهم كلاماً مؤثراً فيمن يسمع فيؤمن. ولذلك تصلى الكنيسة عن البطريرك والأساقفة والكهنة وكل الخدام والشمامسة، والبطريرك يصلى لأجل الشعب هكذا، فالكنيسة تحيا بالصلوات المشتركة، فيطلب كل واحد عن بناء الآخرين. لأُعْلِمَ جِهَارًا بِسِرِّ الإِنْجِيلِ: أى لأكشف سر الإنجيل. وفى هذا مخاطرة كبيرة بحياته ولذلك فهو محتاج لمؤازرة الروح القدس. سِرِّ الإِنْجِيلِ: الأمم شركاء الميراث والجسد الواحد والإنجيل. آية (20):- "20الَّذِي لأَجْلِهِ أَنَا سَفِيرٌ فِي سَلاَسِلَ، لِكَيْ أُجَاهِرَ فِيهِ كَمَا يَجِبُ أَنْ أَتَكَلَّمَ. " الَّذِي لأَجْلِهِ: أى لأجل الإنجيل، هو مربوط بسلاسل، ورغم ذلك يود أن يكرز وهو مربوط. وكان المسجون مثل بولس تُرْبَطْ يده اليمنى فى يد حارس (اليسرى) ولكن كان له أن يستأجر بيتاً على أن يظل مربوطاً فى يد الحارس. بولس لا يشتهى أن يتحرر من السلسلة، بل أن يجاهر بالإنجيل. الآيات (21-22):- "21وَلكِنْ لِكَيْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ أَيْضًا أَحْوَالِي، مَاذَا أَفْعَلُ، يُعَرِّفُكُمْ بِكُلِّ شَيْءٍ تِيخِيكُسُ الأَخُ الْحَبِيبُ وَالْخَادِمُ الأَمِينُ فِي الرَّبِّ، 22الَّذِي أَرْسَلْتُهُ إِلَيْكُمْ لِهذَا بِعَيْنِهِ، لِكَيْ تَعْلَمُوا أَحْوَالَنَا، وَلِكَيْ يُعَزِّيَ قُلُوبَكُمْ. " أَنْتُمْ أَيْضًا: بولس لم يضيع وقت الرسالة فى الكلام عن نفسه فهذا تركه لتيخيكس، بل تكلم عن ما يخصهم ويخص خلاص أنفسهم فى كل الرسالة وقوله أَحْوَالِي = أى ما يخصنى، يقوله لكم تيخيكس الذى لم يتركنى حتى فى سجنى بل يود لو يتبعنى حتى الموت. ولقد وردت هذه الصيغة نفسها فى رسالة كولوسى لذلك نفهم أن بولس كتبهما معاً وأعطاهما لتيخيكس ليوصلهما (كو7:4-18) وتيخيكس سيشرح لهم نجاح وامتداد كرازة بولس حتى إلى بيت قيصر. آية (23):- "23سَلاَمٌ عَلَى الإِخْوَةِ، وَمَحَبَّةٌ بِإِيمَانٍ مِنَ اللهِ الآبِ وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. " سَلاَمٌ عَلَى الإِخْوَةِ: لأنها رسالة دورية ستمر على كل الناس فى مقاطعة وادى ليكوس، جعل السلام فيها بصيغة الغائب. وَمَحَبَّةٌ بِإِيمَانٍ: الإيمان والمحبة مرتبطان، فالمحبة هى ثمر الإيمان الحى، الإيمان العامل بالمحبة (غل 6:5) (فمن يؤمن بالحياة الأبدية كيف يتصارع على شىء تافه، بل هو سيحيا بالمحبة). مِنَ اللهِ الآبِ وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ: هنا نرى التساوى بين الآب والمسيح فكلاهما مصدر للسلام على قدم المساواة. آية (24):- "24اَلنِّعْمَةُ مَعَ جَمِيعِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ رَبَّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحَ فِي عَدَمِ فَسَادٍ. آمِينَ. " كتبت الى اهل افسس من رومية على يد تيخيكس. بدأ الرسالة بالنعمة وها هو يختمها بالنعمة. مَعَ جَمِيعِ الَّذِينَ يُحِبُّونَ: فلا نعمة بدون محبة. فِي عَدَمِ فَسَادٍ = هذه قد تعنى:- 1. البركة والنعمة التى يطلبها لهم الرسول يطلبها لتدوم معهم للأبد كالميراث المعد لنا. 2. أى فى طهارة أو من أجل الأمور غير الفاسدة، اى ليس من أجل الغنى والمجد العالمى والكنوز التى تفسد بل خلال الفضيلة. 3. قد تكون راجعة للمحبة، فمن يحب المسيح لن يفسد أو أن هذه المحبة باقية للأبد، محبة لا تضعف ولا تفسد، محبة ثابتة لا تتزعزع، ليست مجرد عاطفة إنسانية عابرة بل محبة قوية بكل الكيان تظهر بالطاعة لوصايا المسيح. 4. هناك من أرجع عدم الفساد إلى المجد الذى فيه يسوع المسيح وبهذا يصير معنى الآيه هكذا "الذين يحبون المسيح الذى هو فى مجد أبدى بلا فساد" وإلى هذا المجد غير الفاسد، الكنيسة مدعوة فهى جسده. عموماً فمن يحيا فى محبة وطهارة غير فاسدة فهو مدعو لمجد أبدى غير فاسد.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح السادس وصايا الأسرة والأسلحة الروحية (1) وصية للآباء والأبناء ع 1 - 4 : ع 1 : إنَّ واجب الأولاد هو الخضوع والطاعة لوالديهم0 فمن بين الخطايا التى ذكرها بولس الرسول عن الأمم الوثنية أنهم " غير طائعين لوالديهم " رو 1 : 29 - 31 0 " فى الرب " تعنى أنَّ طاعة الأبناء لوالديهم هى طاعة للمسيح ، على ألا تُخالف هذه الطاعة مشيئة ووصايا الرب0 والسبب الذى يذكره بولس الرسول هو " لأنَّ هذا حق " ومعنى ذلك أنَّ عدم الطاعة هو شر0 ع 2 : أعطى الله قديماً الوصايا العشر0 وكانت الأربع وصايا الأولى غير مقترنة بوعد ولكن الوصية الخامسة الخاصة بإكرام الوالدين هى أول وصية بوعد " لكى تطول أيامك على الأرض " خر 20 : 12 0 ع 3 : يمكن أن تكون مكافأة إكرام الوالدين طول الأيام المادية على الأرض أو طول وكثرة الأيام السعيدة التى يتمتع فيها الإنسان ببركات الله مع أنَّ عمره قصير الأيام0 + ليت الأبناء يُطيعون والديهم ويكرمونهم فيتمتعون ببركات الله ويتحقق لهم هذا الوعد الجميل " لكى يكون لكم خير وتكونوا طوال الأعمار على الأرض "0 جيد أن نخدم والدينا وبالذات فى كبر سنهم تعويضاً لما عملوه لأجلنا0 ع 4 : ينبغى على الوالدين أن يحذروا من إغاظة أولادهم بقسوتهم عليهم ، فالضغط الشديد على الصغير يسبب له فشلاً0 إذاً لابد من المحبة مع الحزم فى معاملة الأولاد مع تأديبهم بتعريفهم وصايا الرب وتنشئتهم النشأة الدينية الصالحة0 + ليت كل والدين يجلسون كثيراً مع أولادهم ويوجهونهم التوجيه الحسن ويعرفون هواياتهم وأصدقاءهم ، ويرشدوهم إلى تعاليم الكتاب المقدس وإلى الحياة المسيحية0 فكل امتياز يقابله واجب0 فهل نراعى عدم إغاظة أبنائنا ، أم فقط نطلب أن يطيعونا ؟؟ (2) وصايا العبيد والسادة ع 5 - 9 : ع 5 : السيد حسب الروح هو المسيح ، أمَّا السيد حسب الجسد فهو الوضع الإجتماعى الذى كان قائماً وقتئذٍ من سادة وعبيد0 فيوصى الرسول العبيد أنه ينبغى عليهم طاعة سادتهم باحترام وطاعة ومهابة شديدة ، وفى نفس الوقت بقلوب نقية غير متذمرة مملوءة محبة كما يشعرون نحو المسيح0 ع 6 : خدمة العين : هى العمل تحت المراقبة0 لا تكن خدمة العبيد لمجرد إرضاء الناس ، بل ليقم العبد بالعمل شاعراً أنه عبد للمسيح نفسه ويقدم الخدمة للمسيح وليس عبداً عند إنسان ، وبذلك يكون عاملاً لمشيئة الله ومتمماً لإرادته ، مُعبراً عن محبته للمسيح بكل قلبه0 ع 7 : ليقدم العبيد تعبهم الجسدى بنية صالحة ، معتبرين أنَّ الخدمة والتعب هما للمسيح وليس للناس0 ع 8 : كل عمل خير يعمله الإنسان سواء كان عبداً أم حراً ، لا ينتظر أجرته من الناس بل ينال مكافأته من الرب0 ع 9 : يوجه الرسول كلامه للسادة أيضاً ، طالباً منهم ترك أسلوب التهديد فى معاملة العبيد ، منبهاً إياهم أنهم هم أنفسهم عبيد لسيد فى السموات هو المسيح الذى لا يميز بين إنسان وآخر بسبب وضعه الإجتماعى ، فالجميع عنده سواء وهو يحكم بين الجميع بالعدل0 وهو بهذا يحذر السادة المؤمنين لكى تكون عندهم مخافة الرب0 وهكذا رفعت المسيحية العبيد إلى مستوى سادتهم ، ثم نادت بعد ذلك بتحريرهم حتى لا تتسبب فى خلل إجتماعى إن بدأت بالمنادة بتحرير العبيد0 + ليتك تشعر أنك تعامل الله عندما تسلك بين الناس0 فلا تنزعج من الإهانات لأنَّ الله سمح بها لإصلاح أخطائك واشكره على كل كلمة مديح تسمعها من الناس فهى تشجيع منه0 وعندما توجه غيرك تأكد أنَّ كلامك يُرضى الله وليس عن إنفعال شخصى0 وهكذا تشعر بوجود الله معك ويبارك حياتك0 (3) الأسلحة الروحية ع 10 - 17 : ع 10 : إننا ضعفاء فى ذواتنا وأعداؤنا الروحيون أى الشياطين أقوى منا بكثير ولكن بالإيمان بالرب والثقة فيه تكون لنا الكفاية والقدرة على الغلبة والخلاص ، فمهما كان جبروت العدو ، فالمسيح الذى معنا أقوى منه0 ع 11 : إنَّ إبليس عدونا لا يحاربنا حرباً مباشرة فقط ، بل يستخدم خداعات كثيرة ، فيطلب منا الرسول أن نستعد له بأن نلبس الأسلحة الروحية وهى كاملة ليس فيها نقص أو ثغرة ، وتشمل أيضاً أسلحة دفاعية وهجومية كما سنشرح ، فنقدر أن نثبت أمام هجمات العدو بل ونغلبه0 ويقول إلبسوا أى تكون الأسلحة ملاصقة لأجسادنا وتُغطينا ، فلا نظهر نحن بعد بل المسيح الذى نتسلح به وهو قادر بالطبع أن يغلب إبليس0 ع 12 : ظُلمة هذا الدهر : الشر المُنتشر فى العالم0 أبناء الشر الروحية فى السماويات : أى أنَّ الشياطين كانوا ملائكة وسقطوا وقوتهم روحية وليست بشرية ، فهى أسمى وأقوى من قوة البشر0 يوضح الرسول أنَّ حربنا ليست سهلة لأنها مع الشياطين الذين كانوا ملائكة من رتب الرؤساء والسلاطين وولاة العالم وسقطوا0 وهم ليس لهم سلطان إلا على الأشرار ولأنهم أرواح فقوتهم أكبر من البشر ، ولكن عندما نتسلح بالله نغلبهم0 ع 13 : سلاح الله الكامل : يشمل الإيمان وكل ممارسات الجهاد الروحى التى تُعلمها لنا الكنيسة0 اليوم الشرير : أيام هذه الحياة التى يهاجمنا فيها إبليس بشروره0 إنَّ طبيعتكم ضعيفة وقوة أعدائكم كبيرة ، لذلك إحملوا سلاح الله لأنَّ أى سلاح غيره لا يقدر أن يثبت أمام قوة الأعداء فى زمن الحياة الذى نكون فيه عُرضة للتجربة0 وبعد أن تتسلحوا بكل الإستعدادات وتصدوا كل ما يأتى عليكم من هجمات ، تبقوا راسخين غير متزعزعين فى الإيمان0 ع 14 : إثبتوا أمام أعدائكم فى الحرب0 وشد المنطقة فوق الوسط هو أول إستعداد للمعركة ، والمنطقة هى المسيح0 والدرع العسكرى يمتد من العنق إلى الركبة ويحمى الجنود من ضرب السيف وطعن السهم0 والمقصود هنا أنَّ بر المسيح الكامل يقينا من كل الهجمات الخارجية ، فعلينا فقط أن تكون حياتنا حياة البر العملى ، فلا نعطى العدو منفذاً للقلب والضمير بأن نسلك بالحق0 ع 15 : يدعونا الرسول للسلوك بكلمة الكتاب المقدس فى حياتنا لتحمينا من كل شر0 حاذين : الحذاء العسكرى يكون أحياناً لدى الجندى أهم من السلاح فى يده ، وبدونه لا يستطيع الحركة أو الجرى خاصة على الطرق الوعرة ، فهو يقيه من الشوك أو الإنزلاق والسقوط0 إستعداد إنجيل السلام : هو السلوك العملى المطابق لتعاليم الإنجيل بحيث يكون سلوكنا شهادة حية لسلامنا مع الله ، حاملين بشارة النعمة والسلام للنفوس البعيدة عنه0 والإنجيل الذى نعتمد عليه يجعلنا نجتاز كل الصعاب وندوس أشواك العالم ونرتقى فوق صخوره0 ع 16 : زيادة على كل ما ذُكر من أسلحة نحمل الترس : الذى كان يُصنع من نحاس وطوله حوالى متر وربع وعرضه ثلاثة أرباع المتر ، يربطه الجندى بيده اليسرى فيقى الجسم من الحراب والسهام0 والإيمان فى الجهاد المسيحى هو بمثابة ترس لأنَّ به نغلب العالم ونقى أنفسنا من شروره0 ع 17 : الخوذة : غطاء معدنى للرأس يقيها من أسلحة العدو0 والخوذة الروحية هى خوذة الخلاص أى الإيمان بالمسيح المُخلص الذى يُخلص أفكارنا من الشر والأرضيات لنفكر فى السمائيات0 الأسلحة السابقة جميعها للدفاع والوقاية ، أمَّا السيف فهو للهجوم وهو أداة الجندى لتحقيق النُصرة والغلبة على الأعداء0 والمقصود بالسيف هنا هو الروح القدس أو كلمة الله التى أوحى بها الروح القدس لكتبة الأسفار الإلهية0 فلا توجد مكايد شيطانية تستطيع أن تحطمها وتنتصر عليها0 فبالسيف نقطع كل خطية داخلنا ، وهو ذو حدين فيقطع جميع أنواع الخطايا0 + ليتك تكون مستعداً دائماً لأنَّ إبليس عدوك لا ينام0 تمسَّك بإيمانك وكلمة الله مهتماً بتوبتك كل يوم فتستطيع أن تحب الكل وتطلب السلام معهم فتغلب إبليس مهما كانت قوته0 (4) السهر على الصلاة والطلبة ع 18 - 20 : ع 18 : الطِلبة : هى الصلاة لأجل أمر مُعين0 لكى نتقوى فى الرب علينا أن نمارس كل وسائط النعمة ومنها الصلاة ، إذ أنها تجعل الجندى المسيحى على اتصال دائم بالقائد الأعظم الرب يسوع المسيح0 فينبغى أن نصلى كل حين ولا نمل أو نغفل0 ولن تكون صلواتنا حارة وفعالة ما لم تكن بإرشاد الروح القدس وبفعله فى القلب0 والمؤمنون جميعاً جيش واحد فيجب على المؤمن ألا يصلى لنفسه فقط بل من أجل جميع الإخوة أيضاً0 ع 19 : سر الإنجيل : الخلاص المقدم لكل البشر ، الأمم واليهود ، والذى لم يكن يعرفه العالم ولا يصدقه اليهود0 يطلب منهم كذلك أن يصلوا لأجله لا لكى تفك قيوده ويُطلق سراحه من السجن فى رومية ، بل لكى يُعطىَ له كلام ليس بحكمة إنسانية بل بقوة الروح القدس عندما يبشر بالخلاص لكل البشر0 ع 20 : مع أنَّ الرسول كان أسيراً فى سجن رومية ومقيداً بالسلاسل ولكنه يعتبر نفسه أنه " سفير " للإنجيل0 وبينما يفتخر السفراء الأرضيون بالأوسمة التى ينالونها ، يفتخر الرسول بالأوسمة السماوية وهى السلاسل التى كان مربوطاً بها ؛ فيطلب صلواتهم لكى يستمر فى إعلان البشارة بالمسيح0 + إنَّ الله لن ينظر إلى ما نلناه من شرف عالمى بل إلى ما أديناه خلال حياتنا الزمنية من أمانة وتقوى وسلوك وما تحملناه برضى وشكر من آلام وضيقات وتجارب0 (5) الرسول يُطمئن أهل أفسس ويسلم عليهم ع 21 - 24 : ع 21 : لأنَّ بولس كان مسجوناً فى روما فكان المؤمنون فى أفسس منشغلين عليه ، لذلك أرسل إليهم تيخيكس تلميذه ليطمئنهم على أحواله0 ع 22 : إذ أحسس الرسول بأشواق المؤمنين إليه ورغبتهم فى معرفة أحواله ، حمَّل تيخيكس هذه الرسالة لكى يعزى قلوبهم ، فكانت بالفعل تعزية جميلة بما تضمنته من حقائق وإعلانات سماوية0 + يجب أن نهتم بمشاعر الآخرين ونراعى إهتماماتهم ولا نتجاهلها0 فتعُّود أن تقدم كلمات التشجيع والمدح وكذلك تهتم بمن يقلقون عليك فتطمئنهم ولو بكلمة صعيرة0 ع 23 : يُرسل الرسول بولس سلام للمؤمنين الذين يسلمون حياتهم لعناية الآب المبارك ، ويطلب من الله الآب وإبنه يسوع المسيح مصدر البركة الروحية أن يملأ قلوبهم بالمحبة فوق مالهم من إيمان0 ع 24 : ختم الرسالة بالبركة الرسولية التى يطلب فيها نعمة المسيح للذين يحبونه ويُظهرون هذه المحبة بالحياة النقية والسلوك فى القداسة0
مصادر أخرى لهذا الإصحاح