كلمة منفعة
هكذا قال السيد المسيح: (من له أذنان للسمع، فليسمع) (مت 13: 43) ذلك لأن هناك من لهم آذان، ولكنهما لا تسمعا. وعن أمثال هؤلاء قال السيد: (لأنهم مبصرين لا يبصرون وسامعين لا يسمعون ولا يفهمون) فقد تمت فيهم نبوة إشعياء القائلة (قلب هذا الشعب قد غَلُظَ. وآذانهم قد ثقل سمعها) (إش 6: 10).
— من له أذنان
الرسالة إلى أهل افسس 5
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
افسس - الاصحاح رقم 5
افسس
الإصحاح رقم 5
الأصحاح الخامس
العبادة والسلوك
إن كانت الكنيسة هي قبول دعوة الله للتمتع بالحياة الجديدة في المسيح، فإن هذه الحياة تتجلى في حياة الإنسان وعبادته وسلوكه، دون ثنائية... فتكون حياته كلها "ذبيحة لله"، أي عبادته غير منقطعة وغير منفصلة عن سلوكياته.
1. الامتثال بالله "المحبة الباذلة" 1 - 2.
2. السلوك في نور قيامته 3 - 14.
3. التدقيق في السلوك والعبادة 15 - 21.
4. العلاقات الزوجية وسرّ المسيح 22- 33.
1. الامتثال بالله "المحبة الباذلة"
"فَكُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِاَللهِ كَأَوْلاَدٍ أَحِبَّاءَ، وَاسْلُكُوا فِي الْمَحَبَّةِ كَمَا أَحَبَّنَا الْمَسِيحُ أَيْضًا وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، قُرْبَانًا وَذَبِيحَةً لِلَّهِ رَائِحَةً طَيِّبَةً" ]1-2[.
إن كانت لغة الكنيسة الجامعة هي المحبة، خلالها نُمارس وحدانية الروح، وبها تنمو الجماعة وكل عضو فيها، مشتاقًا أن يتحقق سرّ المسيح، بانفتاح باب الإيمان للجميع خلال المحبة، فإن المحبة هي أيضًا علامة امتثالنا بالله أبينا، وإقتدائنا بكلمة الله المتجسد الذي خلال المحبة أسلم نفسه لأجلنا قربانًا وذبيحة للآب رائحة سرور ورضا. وكما يقول القديس يوحنا الحبيب: "بهذا قد عرفنا المحبة أن ذاك وضع نفسه لأجلنا فنحن ينبغي لنا أن نضع نفوسنا لأجل الإخوة" (1يو 3: 16).
كما سبق فكررنا أن المسيحي يشارك السيد المسيح كهنوته (الكهنوت العام) بتقديم حياته ذبيحة حب عن الآخرين كسيده. هذه هي سمة "الإنسان الجديد" الذي لنا عوض "الإنسان العتيق" الفاسد.
+ من يقطن في الحب يقطن في الله، لأن الله محبة (1يو 4: 16).
+ لقد دُعيت ابنًا، فإن رفضت الامتثال به لماذا تطلب ميراثه؟
القديس أغسطينوس
+ لئلا تظن أن هذا العمل (خلاص المسيح) قد تم عن إلزام، اسمعه يقول: "أسلم نفسه".
كما أحبك سيدك، حب أنت صديقك! بل، إن كنت لا تقدر أن تحب هكذا، فحب قدر ما تستطيع... سامح الآخرين، فإنك إذ تقتدي به تكون على مثاله.
من واجبنا أن نسامح عن الأخطاء أكثر من أن نعفو عن الديون المالية، فإنك إن تنازلت عن الديون التي لك لا تتمثل بالله، أما إن سامحت المعاصي التي ضدك فإنك تتمثل به.
لا تستطيع القول بأنك فقير وعاجز عن أن تتنازل عن الديون التي لك، إن كنت لا تسامح المعاصي التي هي ضدك، الأمر الذي في سلطانك عمله! بالتأكيد لن تتحمل أية خسارة بهذا الصنيع...
انظر، فإنه يقدم لك نصيحة أكثر نبلاً، إذ يحثك، قائلاً: "كَأَوْلاَدٍ أَحِبَّاءَ"، نعم فإنه يوجد سبب آخر مقنع لتتمثل به، ليس أنك نلت صلاحًا من يديه فقط، وإنما أيضًا دُعيت ابنه. وإذ ليس كل الأبناء يتمثلون بآبائهم بل "الأحباء" لذا يقول "كَأَوْلاَدٍ أَحِبَّاءَ".
انظروا،هنا أساس كل عمل! فإنه حيث لا يوجد سخط ولا غضب ولا صراخ (صخب) ولا تعنيف إنما ينتزع هذا كله، لذلك يضع في النهاية النقطة الرئيسية (أي المحبة).
كيف صرت ابنًا؟ بأنه غفر لك! على نفس الأساس الذي به نلت امتيازًا عظيمًا يلزمك أنت أيضًا أن تسامح أخاك!
كن محبًا للحب،فيه قد خلصت، وبه صرت ابنًا!
إن كان في قدرتك أن تنقذ الآخرين، أفلا تستخدم معهم نفس العلاج (الذي أُستخدم بالنسبة لك) مقدمًا النصيحة للجميع: "اغفروا يُغفر لكم".
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ لقد أسلم بواسطة الآب (رو 8: 32)، كما أسلم نفسه بإرادته (أف 5: 2؛ غلا 1: 3، 4)، فمن الواضح أن عمل الآب وإرادته هما واحد مع الابن.
القديس أمبروسيوس
2. السلوك في نور قيامته
إذ بالحب العملي نتمثل بالله النور نحمل شركة طبيعته،فنُحسب "أَوْلاَدِ نُورٍ" ]8[، لا مكان لظلمة الموت فينا، بل ننعم بنور القيامة، خلال هذا المفهوم يوصينا الرسول أن نسلك عمليًا كأولاد للنور متمتعين بقوة القيامة وبهجتها في داخلنا، معلنة في حياتنا اليومية وسلوكنا الخفي والظاهر، تاركين أعمال الظلمة غير اللائقة بنا، إذ يقول:
"وَأَمَّا الزِّنَا وَكُلُّ نَجَاسَةٍ أَوْ طَمَعٍ، فَلاَ يُسَمَّ بَيْنَكُمْ كَمَا يَلِيقُ بِقِدِّيسِينَ، وَلاَ الْقَبَاحَةُ، وَلاَ كَلاَمُ السَّفَاهَةِ وَالْهَزْلُ الَّتِي لاَ تَلِيقُ، بَلْ بِالْحَرِيِّ الشُّكْرُ. فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ هَذَا أَنَّ كُلَّ زَانٍ أَوْ نَجِسٍ أَوْ طَمَّاعٍ، الَّذِي هُوَ عَابِدٌ لِلأَوْثَان، لَيْسَ لَهُ مِيرَاثٌ فِي مَلَكُوتِ الْمَسِيحِ وَاللهِ. لاَ يَغُرَّكُمْ أَحَدٌ بِكَلاَمٍ بَاطِلٍ، لأَنَّهُ بِسَبَبِ هَذِهِ الأُمُورِ يَأْتِي غَضَبُ اللهِ عَلَى أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ. فَلاَ تَكُونُوا شُرَكَاءَهُمْ. لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ قَبْلاً ظُلْمَةً وَأَمَّا الآنَ فَنُورٌ فِي الرَّبِّ. اسْلُكُوا كَأَوْلاَدِ نُورٍ" ]3- 8[.
يلاحظ في النص الآتي:
أولاً: أبرز أعمال الظلمة التي "لا تليق" بنا كأولاد النور، بل لا تُسم بيننا... كنا قبلاً نمارسها لأننا كنا في ظلمة، أما الآن فنحن نور في الرب. وقد ركز في حديثه عن أعمال الظلمة على ثلاث خطايا، وهي: "الزِّنَا وَكُلُّ نَجَاسَةٍ أَوْ طَمَعٍ" ]3[، هذه الأمور الثلاثة التي لا يليق مجرد ذكر أسمائها بيننا إن كنا بالحقيقة قديسين في الرب. يعود فيكرر نفس هذه الخطايا الثلاث ]5[ كعلة لحرمان الإنسان من ملكوت الله. وكما يقول الأب صرابيون: [يجب علينا أن نتجنب هذه (الخطايا) الثلاث على قدر متساوٍ من الحرص، فإن واحدة منها كما أن جميعها تغلق أمامنا ملكوت المسيح وتستبعدنا عنه بقدر متساوٍ.]
ثانيًا: يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول بولس قدم المجموعة الأولى من الشرور: "كل مرارة وسخط وغضب الخ" (4: 31)، وأن علة هذه الشرور هي الصياح أو الصخب؛ أما المجموعة الثانية "الزِّنَا وَكُلُّ نَجَاسَةٍ أَوْ طَمَعٍ" فهي تنبع عن الشهوات الجسدية وعلتها "كَلاَمُ السَّفَاهَةِ وَالْهَزْلُ" ]4[. عوض كلمات الشكر لله.
كأن الرسول بولس وهو يقدم أعمال الشر يضع أيدينا على علة هذه الأعمال أو بدايتها التي تبدو أمرًا تافهًا ثم تستفحل... فقد يستتفه الإنسان "الصياح" أو "الصخب" عوض الهدوء والسكون... هذا الصخب يفسد عيني الإنسان أو بصيرته الداخلية فيبدأ يغضب، ثم يتحول الغضب إلى حقد ومرارة نحو الغير، وقد يتحول إلى قتل إن لم يكن جسديًا فمعنويًا. هنا أيضًا يبدأ الإنسان بكلمات المزاح غير اللائقة لتتحول إلى كلام السفاهة، فتثير شهوات الإنسان نحو الزنا والنجاسة والطمع. لذا يحذرنا الحكيم سليمان، قائلاً: "ابعد طريقك عنها، ولا تقرب إلى باب بيتها" (أم 5: 8).
الكلمة القبيحة أو كلام السفاهة والهزل ]4[، علامة من علامات الفراغ الداخلي، تهدم ولا تبني، تدفع إلى الزنا وكل نجاسة وطمع، لذا يقول القديس يوحنا الذهبي الفم في تعليقه على هذه العبارات الرسولية:
[الكلمات هي الطريق للأعمال... أي نفع للنطق بالفكاهة؟ إنك مجرد تضحك!
اخبرني، هل يشغل صانع الأحذية نفسه بشيء غير ما يمس مهنته ولمنفعتها؟ هل يشتري أية آلة غير التي تخص عمله؟ لا. فإنه لا لزوم للأمور التي لا نحتاج إليها.
إذن ليتك لا تتفوه بكلمة بطالة، فخلال الكلمات البطالة تسقط في أحاديث غبية. الوقت الحاضر ليس وقت للضحك المتسيّب، إنما هو وقت للحزن والتجارب والبكاء، فهل تمزح؟
أي مصارع يدخل حلقة المصارعة ليناضل ضد خصمه، ينطق بفكاهات؟
إبليس واقف مستعد، إنه يزأر (1بط 5: 8) ليفترسك، إنه يجول من كل جهة، ويقلب كل الأمور ضد حياتك، ويدبر مكائد لينزعك من راحتك، يصرّ بأسنانه ويجأر، يتنفس نارًا ضد خلاصك، فهل تجلس أنت لتنطق بفكاهات وتتفوه بكلمات غبية، وتتحدث بما هو ليس للنفع؟!...
الآن وقت للحرب (الروحية) والصراع، للسهر والحراسة، لللتسلح والتسربل. لا مجال للضحك هنا، فإن هذا خاص بالعالم، اسمع ما يقوله المسيح "العالم يفرح، أنتم تحزنون" (يو 16: 20).
المسيح صلب من أجل شرورك، وأنت تضحك؟...
اسمع ما يقوله النبي: "اعبدوا الله بخشية، هللوا له برعدة" (مز 2: 11). المزاح يجعل النفس رخوة وبليدة...
ليس من هو معيب مثل المازح، فإنه ليس في فمه شيء نافع بل مملوء أتعابًا.]
ثالثًا: قابل الرسول "القباحة وكلام السفاهة والهزل" بعمل مضاد لائق بأبناء النور ألا وهو "الشكر". فالمؤمن لا يُسر بالأعمال السابقة، إنما بالحري بممارسته للحياة الملائكية، حياة الشكر لله والتسبيح الدائم. بهذا يُظهر فرحه الداخلي العميق الذي لا يقوم على تصرفات زمنية سخيفة وإنما على علاقته البنوية على مستوى أبدي.
في حديثه السابق قابل أعمال الإنسان العتيق من كذب وغضب وسرقة وكلام رديء بالعمل الأساسي في الإنسان الجديد ألا وهو "المحبة" التي بها نتمثل بالله (5: 1)، الآن يقابل أعمال الظلمة من زنا وكل نجاسة وطمع وقباحة وكلام السفاهة والهزل بعمل النور الأساسي ألا وهو "الشكر"، عمل الملائكة النورانيين. بمعنى آخر بالحب نعلن بنوتنا لله، وبالشكر نعلن شركتنا مع السمائيين.
رابعًا: يعلل الرسول بولس ضم "الطمع" إلى الزنا والنجاسة، قائلاً: "فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ هَذَا أَنَّ كُلَّ زَانٍ أَوْ نَجِسٍ أَوْ طَمَّاعٍ، الَّذِي هُوَ عَابِدٌ لِلأَوْثَانِ لَيْسَ لَهُ مِيرَاثٌ فِي مَلَكُوتِ الْمَسِيحِ وَاللهِ" ]5[، حاسبًا الطمع ليس بالأمر الهين كما يظن الكثيرون، خاصة إذا قورن بالزنا والنجاسة، فإن الطمع هو "عبادة أوثان" (كو 3: 5)، إذ يقيم الإنسان المال إلهًا له. فإن كان الزنا يعني عبودية الإنسان لشهوات الجسد عوض الحياة المقدسة في الرب، فالطمع هو عبودية الإنسان للأمور الزمنية عوض الحياة الأبدية والمجد السماوي في الرب. فلا يليق الاستهانة بالطمع ولا بالزنا والنجاسة... فإن هذه جميعها من سمات أبناء المعصية، تجلب الغضب الإلهي ]6[.
خامسًا: لم يقل الرسول "كنتم قبلاً في الظلمة، وأما الآن في النور"، وإنما قال: "كُنْتُمْ قَبْلاً ظُلْمَةً، وَأَمَّا الآنَ فَنُورٌ" ]8[. فمن يسلك في الظلمة تمتزج حياته بها فيصير هو نفسه كما لو كان ظلمة، ومن يسلك في نور الرب يصير هو نفسه نورًا وبركةً، كقول الرب: "أنتم نور العالم" (مت 5: 14؛ لو 11: 33- 36؛ يو 5: 35).
سادسًا: إذ صاروا نورًا بالرب "النور الحقيقي" يلتزمون بالسلوك كأبناء للنور ]8[، فتصير الحياة المقدسة ثمرًا طبيعيًا فيهم وليس عملاً مفتعلاً! لذا يقول: "اسْلُكُوا كَأَوْلاَدِ نُورٍ. لأَنَّ ثَمَرَ النُور (الرُّوح)ِ هُوَ فِي كُلِّ صَلاَحٍ وَبِرٍّ وَحَقٍّ. مُخْتَبِرِينَ مَا هُوَ مَرْضِيٌّ عِنْدَ الرَّبِّ" ]8-10[.
+ يقول إنه ليس بفضلكم الذاتي، وإنما خلال نعمة الله تقتنون هذا، فقد كنتم قبلاً تستحقون العقاب، وأما الآن فلا تستحقون.
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ إذ كنتم في الظلمة لم تكونوا في الرب، لكن إذ استنرتم فإنكم تضيئون بالرب وليس من ذواتكم.
القديس أغسطينوس
+ [في حديثه عن بطرس الرسول الذي سار على المياه كأمر سيده]
كان قادرًا أن يعمل ما فعله الرب، لكن ليس من عندياته، وإنما في الرب...
سار بطرس على الماء كأمر الرب، مدركًا أنه يعجز عن التمتع بهذه القوة من ذاته.
بالإيمان صار لديه القوة ليحقق ما يعجز الضعف البشري عن عمله.
القديس أغسطينوس
إن كان السيد المسيح هو شمس البرّ، فإننا بروحه القدوس، الذي هو "النور" ننعم بثمر النور: "كل صلاح وبرّ وحق". فكما أن الحياة الزمنية ما كان يمكن أن يكون لها وجود بدون الشمس، مع الفارق الشاسع لا حياة لنا بدون شمس البرّ واهب كل صلاح وبرّ وحق.
سابعًا: بقوله "مُخْتَبِرِينَ مَا هُوَ مَرْضِيٌّ عِنْدَ الرَّبِّ" ]10[ يميز بين السالكين بأعمال الظلمة والسالكين بأعمال النور، فإن الأولين يمارسون ما هو مرضي لأنفسهم أو لغيرهم، أما أولاد النور فيهتمون كيف يرضون الله، مرددين في أعماقهم عبارة الرسول: "ماذا تريد يا رب أن أفعل؟".
ثامنًا: إذ تمتعنا بالرب النور الذي بقيامته بدّد سلطان الظلمة، فتركنا أعمال الظلمة وانتقلنا إلى النور، فصرنا به نورًا، نحمل ثمر النور، يحذرنا الرسول بولس من النكوص إلى الوراء والعودة إلى الظلمة وأعمالها، قائلاً:
"وَلاَ تَشْتَرِكُوا فِي أَعْمَالِ الظُّلْمَةِ غَيْرِ الْمُثْمِرَةِ بَلْ بِالْحَرِيِّ وَبِّخُوهَا. لأَنَّ الأُمُورَ الْحَادِثَةَ مِنْهُمْ سِرًّا ذِكْرُهَا أَيْضًا قَبِيحٌ. وَلَكِنَّ الْكُلَّ إِذَا تَوَبَّخَ يُظْهَرُ بِالنُّورِ. لأَنَّ كُلَّ مَا أُظْهِرَ فَهُوَ نُورٌ" ]11-13[.
بمعنى آخر أراد الرسول من المؤمنين أن يحددوا موقفهم، إن كانوا أولاد نور أم أولاد ظلمة، وذلك ليس خلال المناقشات الغبية وإنما خلال الحياة العملية. هذا ما يؤكده في أكثر من موضع، إذ يقول: "أية خلطة للبر والإثم؟! وأية شركة للنور مع الظلمة؟! وأي اتفاق للمسيح مع بليعال؟! وأي نصيب للمؤمن مع غير المؤمن؟!" (2كو 6: 14، 15). وبنفس المعنى يقول يوحنا الحبيب: "بهذا أولاد الله ظاهرون وأولاد إبليس، كل من لا يفعل البرّ فليس من الله وكذا من لا يحب أخاه" (يو 3: 10).
تاسعًا: بسلوكنا في النور كأولاد للنور، نأتي بثمر النور، معلنين بذلك أن أعمال الظلمة "غير مثمرة"، بالأولى (أعمال النور) تنفضح أعمال الشرير وتوبَّخ ]11[، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يقول: "أنتم نور"، الآن النور يوبّخ ما يدور في الظلمة، كأنه يقول إن كنتم فضلاء واضحين لا يقدر الأشرار أن يختفوا، وذلك كما لو أضيئت شمعة، يصير الكل في نور، ولا يقدر اللص أن يدخل، هكذا إذ يشرق نوركم ينفضح الأشرار ويُمسكون. عملنا ان نكشفهم، فلماذا يقول ربنا: "لا تدينوا لكي لا تُدانوا" (مت 7: 1، 3)؟ لم يقل بولس: "دينوهم" بل "وبخوهم" أي أصلحوا أمرهم.]
عاشرًا: الآن يختم حديثه عن السلوك في النور بتأكيد تمتعنا بنور قيامته وتأكيد الغلبة والنصرة للنور على الظلمة، مقتبسًا في الغالب تسبحة كانت من صميم ليتورچية العماد، تُمجّد السيد المسيح الذي يهب البشرية الاستنارة عوض الظلمة والحياة المقامة عوض موت الخطية (يو 11: 11)... يهب مؤمنيه الحياة الجديدة المقامة بطريقة خلاّقة جديدة تقابل خلقة النور، إذ يقول: "لِذَلِكَ يَقُولُ: اسْتَيْقِظْ أَيُّهَا النَّائِمُ وَقُمْ مِنَ الأَمْوَاتِ فَيُضِيءَ لَكَ الْمَسِيحُ" ]14[.
+ هذه هي قيامة القلوب أي قيامة الإنسان الداخلي، أو قيامة النفوس.
+ هو بعينه الذي يهب النور للأعمى يقيم الموتى.
القديس أغسطينوس
+ يقصد بالنائم والميت الإنسان الذي في الخطية، فإنه تفوح منه روائح كريهة كرائحة الميت، ويكون متبلدًا كمن هو نائم، فيكون كمن لا يرى شيئًا، وإنما يعيش في الأحلام والأوهام والتخيلات...
أترك الخطية فتقدر أن تعاين المسيح، "لأن كل من يعمل السيئات يبغض النور ولا يأتي إلى النور" (يو 3: 20). فمن لا يرتكبها يأتي إلى النور...
"ليس الله إله أموات بل إله أحياء" (مت 22: 32)، فإن كان ليس إله أموات، فلنحيا نحن.
القديس يوحنا الذهبي الفم
3. التدقيق في السلوك والعبادة
إن كان كلمة الله في محبته وهبنا نور قيامته مشرقًا فينا، فلنقوم من موت الخطية، فمن جانبنا نلتزم بالحياة المدققة، لا كجهلاء بل كحكماء، وقد أوضح الرسول النقاط التالية:
أولاً: "فَانْظُرُوا كَيْفَ تَسْلُكُونَ بِالتَّدْقِيقِ، لاَ كَجُهَلاَءَ بَلْ كَحُكَمَاءَ" ]15[.
الحياة الروحية أشبه بمبنى يُقام أساسه بقيامة الرب الواهبة النور عوض الظلمة، والحياة عوض الموت، لكي يبقى المؤمن يعمل كل أيام تغربه بكل حكمة وتدقيق، لا بذاته إنما بالنعمة المجانية، أي بالحياة المُقامة في المسيح الموهوبة له.
هذا البناء الروحي الداخلي يمارسه كل مؤمن، كما يمارسه العاملون في الكرم لحساب الجماعة كلها، كقول الرسول نفسه: "فلينظر كل واحد كيف يبني عليه" (1كو 3: 10).
هنا نلاحظ أنه لا يكفي التدقيق في السلوك وإنما تلزم "الحكمة" أيضًا في التصرف... فقد حسب البعض أن الإيمان بالمصلوب غباوة وجهالة، وأن الاتكال على الله يعني تجاهل التفكير والحكمة، لذا ركز الرسول كثيرًا على "الحكمة" و"المعرفة" فنجده بعد قليل يؤكد: "فَاهِمِينَ مَا هِيَ مَشِيئَةُ الرَّبِّ" ]17[. هذا الخط واضح في كل كتابات الرسول، إذ دعانا الرب للشركة معه، فننعم بالفهم وإدراك إرادته والتمتع بحكمته.
ثانيًا: "مُفْتَدِينَ الْوَقْتَ لأَنَّ الأَيَّامَ شِرِّيرَةٌ" ]16[.
علامة التعقل والحكمة مع التدقيق في السلوك هو "افتداء الوقت". فالمؤمن يدرك أن حياته الزمنية هي ثروته الحقيقية من جهة كونها علة إكليله الأبدي أو هلاكه، إن افتدى وقته تحول جهاده الزمني السريع إلى إكليل سماوي خالد، وإن أهمل في أيامه القصيرة تحطمت أبديته الحقة!
"الأيام شريرة" لأنها تخدع الإنسان، فينجذب إلى الزمنيات كمن هو خالد في العالم، ليجد نفسه قد طُلبت فجأة لتقف أمام الديان العادل تعطي حسابًا عن وكالتها.
وللقديس البابا ثاوفيلس حديث مع الأم ثيؤدورا بخصوص هذه العبارة سبق عرضه في كتابنا: "قاموس آباء الكنيسة وقديسيها".
يقول القديس أغسطينوس: [أليست هذه أيامًا شريرة بالحق، إذ نقضيها في الجسد الفاسد أو تحت ثقله، وسط التجارب والضيقات العظيمة، فلا توجد إلاَّ المباهج الباطلة، دون فرحٍ أكيد، وإنما يوجد خوف مرعب وطمع جشع وحزن مذبل (للإنسان)؟! يا لها من أيام شريرة، ومع هذا فلا يوجد من يريدها أن تنتهي بل يطلب الناس العمر الطويل.]
حقًا إنها أيام شريرة ومقصرة، إذ يرى كثير من الآباء أن الأنبياء في العهد القديم والرسل في العهد الجديد بل والرب نفسه يؤكدون سرعة مجيء الرب الأخير، لكي نكون دومًا على استعداد لملاقاته، حاسبين أن الزمن، مهما طال، فهو أيام شريرة إن قرون بالأبدية المطوّبة. لذا جاء في نص منسوب للقديس هيبوليتس الروماني: [حقًا، أي عذر لإنسان يسمع هذه الأمور في الكنيسة من الأنبياء والرسل ومن الرب نفسه دون أن يعطي اهتمامًا لنفسه ولا لنهاية الأزمنة والاقتراب من الساعة التي فيها يقف أمام كرسي المسيح؟!]
يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على العبارات السابقة ]15- 17[، قائلاً إنه يطالبهم بالسلوك بتدقيق وبحكمة دون جهالة لينزع عنهم جذور المرارة وكل أساس للغضب، فإنهم قد دعوا كحملان يعيشون وسط ذئاب، يجدون مقاومة من الخارج كما من أهل البيت أيضًا، لذا يحتاج الأمر منهم إلى السلوك بتدقيق وبحكمة، حتى لا يتسرب الغضب إلى قلوبهم، بل يهتموا بإعلان رسالة الإنجيل خلال الحب العملي حتى للمقاومين، وأن نعطي لكل ذي حقٍ حقه (رو 13: 7)... ويختم حديثه بالقول: [عندما يرى بقية العالم أننا نحتمل بصبر يخجلون.]
يكمل القديس يوحنا الذهبي الفم تعليقه موضحًا السلوك بحكمة وافتداء الوقت بالقول:
[الوقت ليس ملككم! في الوقت الحاضر أنتم غرباء ورحّل وأجنبيون، فلا تطالبوا الكرامات، ولا تبحثوا عن المجد ولا السلطة أو الانتقام، احتملوا كل شيء "مفتدين الوقت".
أقول إنني أتصور إنسانًا له بيت عظيم وقد ذهب إليه أناس ليقتلوه، فالتزم بدفع مبلغ كبير ليفدي حياته. هكذا أيضًا أنت لك بيت عظيم وإيمان حقيقي في خزانتك. إنهم يريدون الحضور ليسحبوا هذا كله. أعطهم ما يريدون وإنما احفظ الأمر الرئيسي، أقصد "الإيمان".
يقول "لأَنَّ الأَيَّامَ شِرِّيرَةٌ"...
ما هو شر الجسد؟ المرض!
ما هو شر النفس؟ الشر (الخطية)!
ما هو شر الماء؟ المرارة.
شر كل شيء يناسب طبيعته ويفسده...
بنفس الطريقة كما اعتدنا نقول: "قضيت يومًا رديئًا وشريرًا". الأحداث الصالحة التي تتم في اليوم هي من عند الله، أما الشريرة فهي من الناس الأشرار. إذن فالشرور التي تحدث في الأزمنة هي من صنع البشر، لذا قيل أن الأيام شريرة، كما يقال ان الأزمنة شريرة.]
ثالثًا: "وَلاَ تَسْكَرُوا بِالْخَمْرِ الَّذِي فِيهِ الْخَلاَعَةُ، بَلِ امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ" ]18[.
لوط الذي عذب نفسه بأفعال سدوم وعمورة الأثيمة، حين سكر أنجب من ابنتيه موآب وعمون، فكانا ونسلهما من بعدهما مقاومين لعمل الله ولشعبه عبر الأجيال. وهكذا كل من ينحرف نحو السكر يثمر مقاومة ومضادة لأعمال الله. لذا يحذرنا القديس چيروم، قائلاً: [لقد وجد الموآبيين والعمونيين أصلهم في السُكر (تك 19: 30 - 38).]
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم:
[يليق بالإنسان العادي أن يتحفظ من السًكر من كل جانب، فكم بالأكثر يلزم بالجندي (الروحي) الذي يعيش بين السيوف، ويتعرض لسفك دمه والقتل...
اسمع ما يقوله الكتاب: "أعطوا مسكرًا لهالك، وخمرًا لمرّي النفس" (أم 3: 6)...
لقد أُعطيت الخمر لنا لا لهدف سوى صحة الجسد (أي لنواح طبية)، لكن هذا الهدف فسد بسبب سوء الاستخدام. اسمع ما يقوله رسولنا الطوباوي لتيموثاوس: "استعمل خمرًا قليلاً من أجل معدتك وأسقامك الكثيرة" (1تي 5: 23)...
يقول: أتريد أن تكون فرحًا؟ أتريد أن تشغل اليوم؟ أعطيك المشروب الروحي. لأن السكر يفقدنا حتى صلاح لساننا الواضح، فيجعلنا متلجلجين ومتلعثمين، ويشّوه العينين وكل الملامح. تعلّم التسبيح بالمزامير فتلمس عذوبة العمل. فإن الذين يسبحون بها هم مملوؤن بالروح القدس كما أن الذين يتغنون بالأغاني الشيطانية هم مملوؤن بالروح النجس.]
إذن عوض البهجة بالسُكر هذا العالم لنمتليء بعمل روح الله القدوس الساكن فينا فتسكر نفوسنا بحب الله بلا انقطاع، وتهيم دائمًا في السماوات تطلب البقاء في أحضانه أبديًا.
هنا يليق أن نشير إلى أن الامتلاء بالروح لا يعني حلولاً خارجيًا نتقبله وإنما هو قبول عمل الروح فينا والتمتع بقوته العاملة داخل النفس. لقد عبّر القديس باسيليوس في كتابه عن الروح القدس عن هذا الامتلاء بقوله إن الروح يُعطي للإنسان قدر استعداد الإنسان، وكأن الروح لا يكف عن أن يعطي ما دام الإنسان يفتح قلبه لعمله فيه ويتجاوب معه.
يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على العبارة: "وأما شاول الذي هو بولس أيضًا فامتلأ بالروح القدس وشخص إليه، وقال: أيها الممتليء كل غش وكل خبث يا ابن إبليس يا عدو كل برّ إلاَّ تزال تفسد سبل الله المستقيمة؟!" (أع 13: 9، 10): [لا يفتكر أحد أن بولس لم يكن مملوءً من الروح عندما تحدث مع الساحر، لكن الروح القدس الساكن فيه ملأه قوة ليقف أمام الساحر؛ فكما أن الساحر يحمل قوة الشر قدم له الروح قوة... .]
رابعًا: "مُكَلِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ، مُتَرَنِّمِينَ وَمُرَتِّلِينَ فِي قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ. شَاكِرِينَ كُلَّ حِينٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فِي اسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، لِلَّهِ وَالآبِ" ]19-20[.
لقد أعطانا الرسول نفسه مثلاً إذ قدم لنا في نفس الرسالة الكثير من المقتطفات عن التسابيح الكنسية، موضحًا بطريقة عملية كيف أن هذا التسبيح مبهج للنفس وللجماعة ككل، فقد كانت الكنيسة الأولى "جماعة مقدسة دائمة التسبيح"، يصفها الإنجيلي لوقا، قائلاً: "كانوا يتناولون الطعام بابتهاج وبساطة قلب، مسبحين الله ولهم نعمة لدى جميع الشعب" (أع 2: 46، 47).
التسبيح والشكر هما من عمل الكنيسة السماوية، أو من عمل السمائيين، فإن قبلنا في المسيح الحياة السماوية صار التسبيح نابعًا من أعماق القلب طبيعيًا، يتجاوب معه كل كيان الإنسان، حتى إن كان وسط الضيق. هذا ما هزّ الوثنيون إذ رأوا المسيحيين يسبحون الله داخل السجون، خاصة حين يصدر الحكم بقتلهم.
في القرنين الرابع والخامس على وجه الخصوص كانت الأديرة المصرية وبراريها فراديس لا تسمع فيها سوى صوت التسبيح غير المنقطع، كما أخبرنا القديس يوحنا كاسيان. والكنيسة تعلن طبيعتها المتهللة بالرب بالتسبيح في كل ليتورچياتها، كما في الصلوات الخاصة بكل عضو...
يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على العبارات الرسول السابقة، قائلاً:
[ماذا تعني "في قلوبكم للرب" ]19[؟ إنها تعني أن يكون (التسبيح) بإصغاء شديدٍ وفهمٍ، فمن لا يصغي تمامًا يترنم ناطقًا بالكلمات بينما يجول قلبه هنا وهناك.
يقول: "شَاكِرِينَ كُلَّ حِينٍ..." ]20[، بمعنى: "لتعلم طلباتكم لدى الله بالشكر" (راجع في 4: 6)، فإنه ليس شيء يسرّ الله مثل إنسان شاكر.
نصير نحن قادرين على تقديم الشكر لله بسحب نفوسنا من (الخطايا) السابق ذكرها، وتطهيرها بالوسائل التي أخبرنا (الرسول) عنها.
يقول: "بَلِ امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ" ]18[. هل الروح فينا؟ نعم، بالحق هو فينا، فإننا إذ ننزع الكذب والمرارة والزنا والنجاسة والطمع عن نفوسنا، وإذ نصير هكذا متحننين، مسامحين بعضنا البعض، ليس فينا مزاح، بهذا نحسب مؤهلين، فما الذي يمنع الروح من حلوله فينا وإنارتنا؟
إنه ليس فقط يحل وإنما يملأ قلوبنا، وإذ يلتهب فينا نور عظيم هكذا لا يكون طريق الفضيلة صعبًا بل سهلا ً وبسيطًا.
يقول: "شَاكِرِينَ كُلَّ حِينٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ" ]20[.
ما هذا؟ هل نشكر على كل ما يحل بنا؟ نعم، حتى وإن حلّ بنا مرض أو فقر. فإن كان في العهد القديم ينصحنا الحكيم: "اقبل ما يحل بك بفرح وصبر حينما تصير إلى حال أقل" (ابن سيراخ 2: 4) فكم بالأولى في العهد الجديد؟!
نعم، قدم التشكرات حتى لو لم تعرف الكلمة (التي تقدمها)!...
إن كنت تشكر في الراحة والرخاء والنجاح والغنى فهذا ليس بالأمر العظيم، ولا هو بالعجيب، إنما يلزم الإنسان أن يشكر حين يكون في أحزان وضيقات ومتاعب. ليست كلمة أفضل من القول: "أشكرك أيها الرب"...
لنشكر الرب على البركات التي نراها والتي لا نراها أيضًا، والتي نتقبلها بغير إرادتنا، فإن كثيرًا من البركات ننالها بغير رغبتنا ودون معرفتنا...
حينما نكون في فقر أو مرض أو نكبات فلنزد تشكراتنا، لا أقصد بالتشكرات خلال الكلمات واللسان وإنما خلال العمل والأفعال، وفي الذهن وبالقلب. لنشكره بكل نفوسنا، فإنه يحبنا أكثر من والدينا، وكبُعد الشر عن الصلاح هكذا الفارق الشاسع بين حب الله لنا وحب آبائنا. هذه ليست كلماتي إنما هي كلمات المسيح نفسه الذي يحبنا. اسمعه يقول: "أم أي إنسان منكم إن سأله ابنه خبزًا يعطيه حجرًا؟!... فإن كنتم وأنتم أشرار تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا جيدة فكم بالحري أبوكم الذي في السماوات يهب خيرات للذين يسألونه؟!" (مت 7: 9، 11).
اسمع أيضًا ما قيل في موضع آخر: "هل تنسى المرأة رضيعها فلا ترحم ابن بطنها؟! حتى هؤلاء ينسين وأنا لا أنساك" (إش 49: 15).
إن كان لا يحبنا فلماذا خلقنا؟ هل من ضرورة تلزمه على خلقتنا؟ هل نحن نقدم له عونًا أو خدمة؟ هل يحتاج منا أن نرد له شيئًا؟
اسمع ما يقوله النبي: "قلت للرب: أنت ربي، خيري لا شيء غيرك" (مز 16: 2)...
لنمجد الله على كل شيء!
يقول: "خَاضِعِينَ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ فِي خَوْفِ اللهِ" ]21[.
إن كنت تخضع من أجل الحاكم، أو من أجل المال، أو من أجل التكريم، فبالأولى من أجل مخافة المسيح. ليكن بيننا تبادل الخدمات مع الخضوع، فلا تكون بيننا أنانية. لا يجلس أحد كمن من طبقة الأحرار والآخر كمن من طبقة العبيد، فمن الأفضل أن يخدم السادة والعبيد بعضهما البعض. من الأفضل أن تكون عبدًا بهذه الكيفية عن أن تكون حرًا بالطريقة الأخرى، كما يظهر من المثل التالي:
افترض إنسانًا له مئة عبد يخدمونه بكل طريقة، وآخر له مئة صديق الكل يخدم بعضه البعض، أي الحياتين أسعد؟... في الأولى الكل مُلزمون بالعمل أما في الثانية فيعملون بحرية اختيارهم... الله يريدنا هكذا، لذا غسل أقدام تلاميذه.]
4. العلاقات الزوجية وسرّ المسيح
لقد تحدث الرسول بولس عن الكنيسة من الجانب العملي، خلال سلوك المؤمن اليومي، بنزع أعمال الإنسان القديم وممارسته أعمال الإنسان الجديد، رافضًا أعمال الظلمة كابن للنور، ممتليء بعمل الروح القدس. هذا السلوك يرتبط بعبادته أيضًا فتتحول إلى تسبيح حقيقي داخلي وتشكرات لا تنقطع تنبع لا عن الفم واللسان فحسب وإنما خلال القلب والفكر، وكل الأحاسيس الداخلية كما خلال العمل. الآن يقدم لنا الرسول انعكاسات هذه المفاهيم على حياتنا الأسرية، التي لا تنفصل عن جهادنا الروحي ولا عن حياتنا الكنسية.
إن كانت الكنيسة الجامعة - كما أعلنها الرسول بولس في هذه الرسالة - هي كشف عن سرّ المسيح، أي سرّ حب الله الفائق للبشرية خلال ذبيحة المسيح يسوع ربنا، فإن هذا السرّ الإلهي يقدم لنا مفاهيم عميقة وجديدة للعلاقات الزوجية والأسرية والاجتماعية. ففي الحياة الزوجية نحمل صورة لعلاقتنا مع الآب في المسيح يسوع ربنا، علاقة الحب والوحدة، كما نرى في العرس الأرضي أيقونة للعرس السماوي، والبيت المسيحي ظلاً لبيت الله الأبدي. من هنا فالشريعة الخاصة بالزواج والناموس الخاص بالبيت المسيحي إنما يُستمدان من عمل السيد المسيح الخلاصي.
"أَيُّهَا النِّسَاءُ (الزوجات) اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ كَمَا لِلرَّبِّ..." ]22[
ويلاحظ على النص الرسولي الذي بين أيدينا الآتي:
أولاً: الكشف عن الوحدة الزوجية بين الرجل والمرأة بكونها أيقونة للوحدة مع السيد المسيح وعروسه الكنيسة، الأولى تستمد كيانها من الثانية، لذا وجب أن يتم العرس في ظل الصليب، خلال وحدة الإيمان بالسيد المسيح المصلوب، والارتباط بكنيسته.
+ كيف يمكننا أن نعبر عن السعادة الزوجية التي تعقدها الكنيسة، ويثبتها القربان، وتختمها البركة؟!
العلامة ترتليان
+ يجب على المتزوجين والمتزوجات أن يجروا إتحادهم برأي الأسقف، لكي يكون الزواج مطابقًا لإرادة الله لا بحسب الشهوة.
القديس أغناطيوس النوراني
+ إذا كان لابد أن يعقد الزواج بحلة كهنوتية وبركة، فكيف يمكن أن يكون زواج حيث الإيمان مختلف؟!
القديس أمبروسيوس
ثانيًا: مفهوم الخضوع
كثيرون يسيئون فهم العبارة الرسولية: "أَيُّهَا النِّسَاءُ (الزوجات) اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ كَمَا لِلرَّبِّ" ]22[، فيحسبونها دعوة لخنوع المرأة واستسلامها، ولبث روح السلطة للرجل.
"الخضوع" في المسيحية ليس خنوعًا ولا ضعفًا، ولا نقصًا في الكرامة، هذا ما أعلنه كلمة الله المتجسد حين أعلن طاعته للآب وخضوعه له مع أنه واحد في الجوهر، رافعًا من فضيلة "الخضوع" ليجعلها موضع سباق لعلنا نبلغ سمة المسيح الخاضع والمطيع. والعجيب أن الإنجيلي لوقا يقول بأن "يسوع" كان خاضعًا للقديسة مريم والقديس يوسف النجار (لو 3: 51)، مع كونه خالقهما ومخلصهما، وخضوعه لم يعيقه عن تحقيق رسالته التي غالبًا لم يدركاها في كمال أعماقها، إذ قال بتواضع وصراحة: "لماذا كنتما تطلبانني؟ ألم تعلما أنه ينبغي أن أكون في ما لأبي" (لو 3: 49). فالخضوع ليس استسلاما على حساب رسالة الشخص، ولا طاعة عمياء دون تفكير، وإنما اتساع قلب وقبول لإرادة الغير بفكر ناضج متزن.
قدم لنا القديس هيبوليتس الروماني فهمًا لخضوع الابن للآب، ليس علامة عن انتقاص لأقنومه وإنما على تناغمه واتفاقه ووحدته مع الآب، إذ يقول: [يرتد تدبير الاتفاق إلى الله الواحد. فإن الله واحد: الآب يوصي والابن يطيع والروح يهب فهمًا... الآب أراد والابن فعل والروح أعلن، هذا ما يوضحه الكتاب المقدس كله.]
إذن فخضوع الزوجة لرجلها هو مشاركة السيد المسيح طاعته وخضوعه للآب كعلامة الحب والوحدة، وليس إهدارًا للكرامة أو كإنقاصٍ من شأنها.
والقديس يوحنا الذهبي الفم يرى أن المرأة وهي موضع حب رجلها الشديد يلزمها ألاَّ تقابل هذا الحب بكبرياء بل بخضوع كرد فعل لمحبته، إذ يقول: [المحبة من اختصاص الرجال، أما الخضوع فمن اختصاص النساء، فإن قدم كل إنسان ما يلتزم به تثبت الأمور، فالرجل بحبه للمرأة تصيره هي محبة له، والمرأة بطاعتها للرجل يصير وديعًا معها. لا تنتفخي لأن الرجل يحبك، فقد جعله الله يحبك لتطيعيه في خضوع بسهولة. لا تخافي من خضوعك له، لأن الخضوع للمحب ليس فيه صعوبة.]
والقديس أغسطينوس يطالب الزوجات أن يقتدين بالقديسة مريم التي اتسمت بالتواضع المقدس، فقدمت يوسف رجلها عنها (لو 2: 48) مع أنها نالت شرف ولادتها للسيد المسيح.
بهذا فهم الآباء خضوع الزوجة بمنظار روحي خلال الصليب، لا يفقدها مساواتها له ولا مشاركته التدبير وتحمل المسئولية إنما يزينها بالفضيلة ويمجدها لتكسب أيضًا محبته.
يقول القديس أمبروسيوس: [ليت الرجل يقود زوجته كربانٍ، يكرمها كشريكة معه في الحياة، يشاركها كوارثه معه في النعمة.]
وقد سبق لنا الحديث في شيء من الإفاضة عن خضوع الزوجة في كتاب "الحب الزوجي".
ثالثًا: رئاسة الرجل وحبه
كثيرًا ما يتمسك الرجل بالرئاسة بكونها "سلطة" ودكتاتورية، لذا ربط الرسول بولس الرئاسة بالحب الباذل، إذ يقول: "لأَنَّ الرَّجُلَ هُوَ رَأْسُ الْمَرْأَةِ كَمَا أَنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا رَأْسُ الْكَنِيسَةِ، وَهُوَ مُخَلِّصُ الْجَسَدِ" ]23[.
فرئاسة السيد المسيح لكنيسته أعلنت خلال محبته الباذلة على الصليب لخلاصها، وهكذا إذ يريد الرجل أن يكون رأسًا فليقدم حبًا باذلاً عمليًا! وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [اهتم بها بنفس العناية التي تعهد بها المسيح الكنيسة. نعم، حتى وإن احتاجت أن تقدم حياتك! نعم، وإن احتاجت أن تتقطع أجزاء ربوات المرات! نعم، لتحتمل أي ألم مهما كان ولا تمتنع.]
إن كان الرجل هو الرأس فلا مكان للرأس بدون الجسد، ولا حياة للرأس بدون الجسد. يقول القديس أمبروسيوس: [الرجل بدون زوجته يحسب كمن هو بلا بيت.]
رابعًا: الشركة في الصليب
حينما تمارس الزوجة خضوعها لرجلها في الرب، ويمارس الرجل حبه لعروسه من أجل الرب، إنما يشترك الاثنان معًا بصورة أو بأخرى في عمل السيد المسيح الذبيحي بالبذل الحقيقي، فتصير حياتهما الزوجية علامة منظورة عن شركتهما في عمل السيد المسيح المبذول الخفي. بمعنى آخر يرى الزوجان في ذبيحة المسيح، ذبيحة الحب عن الآخرين، نموذجًا حيًا ورصيدًا لحياتهما الأسرية. هذا ما نلمسه في حديث الرسول بولس: "وَلَكِنْ كَمَا تَخْضَعُ الْكَنِيسَةُ لِلْمَسِيحِ، كَذَلِكَ النِّسَاءُ لِرِجَالِهِنَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ. أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضًا الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا" ]24-25[.
تحت ظل الصليب تقدم الزوجة خضوعها بفرح من أجل الرب، ويعلن الزوج حبه لزوجته مهما كان تصرفها. ممتثلاً بالسيد المسيح الذي قدم حياته لتقديس المؤمنين.
من كلمات القديس يوحنا الذهبي الفم للزوج: [إن رأيتها تزدري بك وتأنف منك وتحتقرك، فتفكيرك العظيم تجاهها ومودتك ولطفك تقدر أن تخضعها لك، فإنه ليس شيء أعظم قوة في الاستمالة أكثر من هذه الرباطات، خاصة من الزوج والزوجة!... نعم فإنه بالرغم مما تعانيه من بعض الأمور من ناحيتها فلا تعنفها، لأن المسيح لم يفعل ذلك.]
في قوة ووضوح تحدث الرسول بولس عن حب المسيح لكنيسته كمصدر حيّ لحب الرجل لزوجته، قائلاً:
"وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا، لِكَيْ يُقَدِّسَهَا، مُطَهِّرًا إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ، لِكَيْ يُحْضِرَهَا لِنَفْسِهِ كَنِيسَةً مَجِيدَةً، لاَ دَنَسَ فِيهَا وَلاَ غَضْنَ أَوْ شَيْءٌ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ، بَلْ تَكُونُ مُقَدَّسَةً وَبِلاَ عَيْبٍ" ]25-27[.
ويلاحظ في محبة السيد المسيح لكنيسته الآتي:
أ. أنه أسلم نفسه لأجلها، لأن المحبة "لا تطلب ما لنفسها" (1كو 13: 5). المسيح في علاقته بنا يطلب خلاصنا، لننعم بشركة الميراث معه؛ هو لا يحتاج إلينا لكنه بالحب يبذل عنا. هكذا ليت الرجل في علاقته بزوجته يحبها لأجل شخصها كمحبوبة لديه، لا لأجل إشباع مطالب معينة بالنسبة له، أيًا كان نوعها!
ب. غاية السيد المسيح من عروسه أن يقدسها ويطهرها بمياه المعمودية وذلك بالكلمة، إذ تتقدس المياه خلال السيد المسيح الكلمة، مقدمًا صليبه ثمنًا لتقديسنا.
كانت - كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم - مملوءة عيبًا وبشعة وملومة، فلم يشمئز منها ولا مقتها، إنما أسلم نفسه من أجلها، كقول الرسول: "وإذ كنا خطاة مات المسيح عنا" (رو 5: 5). [وبالرغم من كونها هكذا أخذها وكساها بالجمال، وغسلها، ولم يرفض أن يسلم نفسه من أجلها.]
في قوة تحدث الرب على لسان حزقيال عن هذا الحب الباذل، قائلاً:
"هكذا قال السيد الرب لأورشليم، مخرجك ومولدك من أرض كنعان، أبوك أموري وأمك حثية. أما ميلادك يوم وُلدت فلم تُقطع سرتك، ولم تُغسلي بالماء للتنظف، ولم تملحي تمليحًا، ولم تقمطي تمقيطًا.
لم تشفق عليك عين لتصنع لك واحدة من هذه، لترق لك، بل طُرحت على وجه الحقل بكراهة نفسك يوم وُلدت.
فمررت بك ورأيتك مدوسة بدمك، فقلت لك: بدمك عيشي...
جعلتك ربوة كنبات الحقل، فربوت وكبرت وبلغت زينة الأزيان.
نهد ثدياكِ، ونبت شعرك، وقد كنت عريانة وعارية.
فمررت بك ورأيتك، وإذا زمنك زمن الحب.
فبسطت ذيلي عليك وسترت عورتك، وحلفت لك، ودخلت معك في عهد يقول السيد الرب، فصرت لي.
فحممتك بالماء وغسلت عنك دماءك ومسحتك بالزيت،
وألبستك مطرزة، ونعلتك بالتخس، وآزرتك بالكتان، وكسوتك بزًا، وحليتك بالحلي، فوضعت أسورة في يديك، وطوقًا في عنقك، ووضعت خزامة في أنفك، وأقراطًا في أذنيك، وتاج جمال على رأسك...
وأكلت السميذ والعسل والزيت،
وجملت جدًا جدًا، فصلحتِ لمملكة.
وخرج لك اسم في الأمم لجمالك، لأنه كان كاملاً ببهائي الذي جعلته عليك يقول السيد الرب" (حز 16: 2 - 14).
إنها صورة رائعة لعمل الله الفائق خلال محبته الباذلة بالصليب!
ج. يقول: "يُحْضِرَهَا لِنَفْسِهِ"، ففي طقس الزواج اليهودي كانت هناك فترة بين عقد الزواج واستلام العروس؛ هكذا وقع السيد عقد الزوجية بدمه الطاهر على الصليب، اشترانا وقبلنا عروسًا له، وفي مجيئه الأخير يستلم العروس حيث يجتمع كل المختارين معه على السحاب، وكأنه يُحضر عروسه لنفسه. لقد أحبها بلا مقابل، لكنه ينتظرها عروسًا له تجاوبه الحب بالحب، وتشاركه المجد الأبدي!
هنا يلزمنا أن نقف قليلاً، فإن كان السيد المسيح في محبته بذل حياته عن عروسه، فهو يطلب تقديسها، فلا ينعم بالعرس إلاَّ المقدسون فيه. وكما يقول القديس أغسطينوس إن بعض السمك الرديء يدخل شبكة المسيح في الكنيسة، لكنه لابد أن يفرز فلا يكون له نصيب مع السمك الجيد.
يقول الأب دوروثيؤس من غزة: [تجسد الرب يسوع المسيح ليعيد الإنسان إلى صورته الأولى. ولكن كيف نرجع إلى تلك الصورة الأولى؟ حين نتعلم من الرسول القائل: "لنطهر ذواتنا من كل دنس الجسد والروح" (2كو 7: 1). لنتطهر فيظهر الشبه (بالله) الذي نلناه. لنعزل عنه دنس الخطية فيظهر بكل جماله خلال الفضيلة. يقول داود في صلاته من أجل هذا الجمال: "أعطيت جمالي قوة" (مز 29: 8). إذن فلنطهر أنفسنا لنعود إلى التشبه بالله، الأمر الذي أقامه فينا.]
د. إذ تحدث عن تقديس الكنيسة خلال محبة المسيح الباذلة، أشار إلى المعمودية، قائلاً: "بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ" ]26[.
+ يعلن الرسول الطوباوي ويؤكد أن المعمودية هي التي فيها يموت الإنسان القديم ويولد الإنسان الجديد، قائلاً: "خلصنا بغسل الميلاد الثاني" (تي 3: 5). فإن كان الميلاد الثاني (التجديد) يتم في الجرن أي في المعمودية، فكيف يمكن لهرطقة - وهي ليست عروس المسيح - أن تلد بنينًا لله خلال المسيح؟
إنها الكنيسة وحدها التي التصقت واتحدت بالمسيح تلد روحيًا أبناءً، كقول الرسول: "أحب المسيح أيضًا الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها، لكي يقدّسها، مطهرًا إياها بغسل الماء" (أف 5: 25، 26). إن كانت هي المحبوبة والعروس، وحدها تتقدس بالمسيح، ووحدها تتطهر بجرنه، فمن الواضح أن الهرطقة - التي ليست عروس المسيح - لا يمكن أن تتطهر ولا أن تتقدس بجرنه ولا أن تلد أبناءً لله.
الشهيد كبريانوس
هـ. إذ أقام السيد المسيح كنيسته جسدًا مقدسًا له، بكونه رأسها، هكذا يرى الزوج في زوجته جسده، فيحبها ويهتم بها، إذ يقول الرسول:
"كَذَلِكَ يَجِبُ عَلَى الرِّجَالِ أَنْ يُحِبُّوا نِسَاءَهُمْ كَأَجْسَادِهِمْ. مَنْ يُحِبُّ امْرَأَتَهُ يُحِبُّ نَفْسَهُ. فَإِنَّهُ لَمْ يُبْغِضْ أَحَدٌ جَسَدَهُ قَطُّ بَلْ يَقُوتُهُ وَيُرَبِّيهِ، كَمَا الرَّبُّ أَيْضًا لِلْكَنِيسَةِ. لأَنَّنَا أَعْضَاءُ جِسْمِهِ، مِنْ لَحْمِهِ وَمِنْ عِظَامِهِ" ]28-30[.
هنا يقدم الرسول ثلاث مقارنات: المسيح والكنيسة، الرجل وزوجته، الرأس والجسد.
في الوقت الذي في أبرز مدى إتحاد الزوج بزوجته بكونها جسده، حتى قال القديس يوحنا الذهبي الفم: [ليس هنا شيء يلحم حياتنا مع بعضنا البعض هكذا مثل حب الرجل وزوجته]، فقد أعلن الرسول أمرين: الأول مدى إتحادنا بالسيد المسيح "لأَنَّنَا أَعْضَاءُ جِسْمِهِ، مِنْ لَحْمِهِ وَمِنْ عِظَامِهِ" والثاني نظرتنا القدسية لجسد: "فَإِنَّهُ لَمْ يُبْغِضْ أَحَدٌ جَسَدَهُ قَطُّ بَلْ يَقُوتُهُ وَيُرَبِّيهِ".
فمن جهة إتحادنا بالسيد المسيح بكوننا أعضاء جسمه، فهو الغاية الأولى والرئيسية في عمل الله الخلاصي وتمتعنا بإنجيله. إذ يريدنا واحدًا معه، ننعم بالشركة معه أبديًا كأبناء روحيين وورثة. هذا الخط واضح جدًا في كل رسائل بولس الرسول، خاصة هذه الرسالة مادام يتحدث عن الكنيسة جسد المسيح.
أما من جهة قدسيتنا للجسد، فقد أوضح أننا لا نبغض الجسد بكونه خليقة الله المقدسة، إنما نبغض شهواته الدخيلة. الجسد لا يمثل عائقًا نود الخلاص منه خلال معادتنا له، بل هو عطية إلهية تبقى مقدسة مادمنا نسلك بالروح. وقد ركز الآباء على هذا الاتجاه الإنجيلي حتى لا ننحرف إلى الأفكار الغنوسية المعادية للجسد بكونه - في نظرهم - عنصر ظلمة يجب إهلاكه.
يقول القديس أغسطينوس: [لنهتم بالجسد، وإنما فقط في حدود الصحة.]
و. إذ يتحدث الرسول عن الوحدة القائمة بين الزوجين يقدم لنا مفهومًا لهذه الوحدة منذ بدء الحياة الإنسانية، يتحقق خلال عمل المسيح، إذ يقول: "مِنْ أَجْلِ هَذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا" ]31[. وقد اقتبس الرسول ذلك عن سفر التكوين (2: 24).
هذه الوحدة تظهر بصورة فريدة بين السيد المسيح وكنيسته، حيث دعاها الرسول "سرًّا"، إذ يقول: "هَذَا السِّرُّ عَظِيمٌ، وَلَكِنَّنِي أَنَا أَقُولُ مِنْ نَحْوِ الْمَسِيحِ وَالْكَنِيسَةِ. وَأَمَّا أَنْتُمُ الأَفْرَادُ، فَلْيُحِبَّ كُلُّ وَاحِدٍ امْرَأَتَهُ هَكَذَا كَنَفْسِهِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلْتَهَبْ (تحترم) رَجُلَهَا" ]32-33[.
لقد قدم السيد المسيح نفسه مثلاً ففي إتحاده بالكنيسة العروس، كما يقول القديس أغسطينوس قام بترك الآب إذ أخلى ذاته عن الأمجاد وأخذ شكل العبد (في 2: 7)، وإن كان يبقى واحدًا معه في الجوهر بلا انفصال، كما ترك أمه أي الشعب اليهودي الذي أخذ عنه الجسد خلال القديسة مريم اليهودية الجنس، ليصير هو مع عروسه جسدًا واحدًا.
من تفسير وتأملات الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الإصحاح الخامس
بعد أن تحدث الرسول عن سلوك المؤمن وسط اخوته يتحدث هنا عن سلوكه وسط المجتمع الفاسد الذى يحاول أن يغويه بخطاياه. ويقول للمؤمن.. لقد صرت مختاراً ونوراً تكشف الظلام، فلا تنجذب للظلام ثانية، هو يذكر الكنيسة بمقامها الجديد ولكنه لم يدعو لاعتزال المجتمع بل رفض الشر.
آية (1):- "1فَكُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِاللهِ كَأَوْلاَدٍ أَحِبَّاءَ. "
هذه الآية تتمة للآية الأخيرة فى الإصحاح السابق. أى هى دعوة أن نكون متسامحين شفوقين فى محبة = كُونُوا مُتَمَثِّلِينَ بِاللهِ: والله محبة. فلنسامح بعضنا كما يسامحنا الله (مت33:18-35). فعلينا كأولاد أحباء أن نتمثل بأبينا فى محبته وتسامحه. وهذا ما عَلَّمَ به المسيح فى نهاية الصلاة الربانية (مت12:6).
آية (2):- "2وَاسْلُكُوا فِي الْمَحَبَّةِ كَمَا أَحَبَّنَا الْمَسِيحُ أَيْضًا وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا، قُرْبَانًا وَذَبِيحَةً للهِ رَائِحَةً طَيِّبَةً. "
وصية بولس أن نسْلُكُ فِي الْمَحَبَّةِ فى كل قول وتصرف. وهو يقول فى المحبة ولم يقل بالمحبة. وهذا يعنى أن تكون المحبة هى الإطار الذى نسلك فيه، وخارجه يمتنع التصرف. وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِنَا: علامة محبته قُرْبَانًا وَذَبِيحَةً وهذا تفسير أسلم نفسه. رَائِحَةً طَيِّبَةً: أى قبل هذا بسرور. وكما مات المسيح ليغفر خطايانا علينا أن نغفر لبعضنا. ومن يغصب نفسه على التسامح ويغفر لمن اخطأ إليه يصير كذبيحة لها رائحة طيبة أمام الله. فنحن نشارك المسيح كهنوته بتقديم حياتنا ذبيحة حب عن الآخرين كما صنع هو. فلنتمثل بمحبة المسيح.
آية (3):- "3وَأَمَّا الزِّنَا وَكُلُّ نَجَاسَةٍ أَوْ طَمَعٍ فَلاَ يُسَمَّ بَيْنَكُمْ كَمَا يَلِيقُ بِقِدِّيسِينَ. "
الزِّنَا وَكُلُّ نَجَاسَةٍ: يشير لكل التصرفات الجنسية اللا أخلاقية وكانت تمارس عند الوثنيين فى الهياكل (وهذا ينطبق على الصور الفاضحة فى الإنترنت والدِش).
أَوْ طَمَعٍ: (كو19:4) كان الطمع يشير للزنا مع زوجات الغير. وراجع أيضاً (1تس3:4-7). ولكن الطمع هنا هو عدم الشبع والاكتفاء بالأمور المادية. (وهذا لهُ علاقة بالزنا، فكلاهما يطلق لنفسه العنان إماّ بشهوة محبة المال أو للشهوه الجنسية ولا يعود فى القلب مكاناً لله) والرسول أطلق على الطمع فى آية 5 عبادة أوثان، فالفضة والذهب صارا آلهة لبعض الناس، (أف5:5) + (كو5:3). وهو عبادة أوثان لأن الطماع صار يعتمد على أمواله فى تأمين مستقبله، إذ هو خائف من المستقبل لكن الله هو الذى يضمن المستقبل، وإلا صار المال إلهاً لهذا الإنسان يضمن له المستقبل. وهناك من قال عن الطمع زنا روحى فهو يفصل بين المؤمن والفضيلة.
لاَ يُسَمَّ: أى لا تتحادثوا فيه ولا تقولوا كلمات خارجة بأفواهكم، فهذا مما يثير الشهوات لدى المتكلم والسامع. كَمَا يَلِيقُ بِقِدِّيسِينَ: قديسين أى مخصصين لله، ومن تخصص لله لا يليق به مثل هذه التصرفات.
آية (4):- "4وَلاَ الْقَبَاحَةُ، وَلاَ كَلاَمُ السَّفَاهَةِ، وَالْهَزْلُ الَّتِي لاَ تَلِيقُ، بَلْ بِالْحَرِيِّ
الشُّكْر. "
الْقَبَاحَةُ: السلوك المشين سواء بالأفعال أو بالأقوال. وكما اتخذ الصياح قبل ذلك علامة على الغضب. نرى هنا كلام القباحة علامة على الشهوة. واللسان القبيح يقود الجسد لإثارة الشهوة والزنا. السَّفَاهَةِ: الكلام الفارغ الذى لا يهدف لشئ. أو الخارج عن حدود اللياقة والتعقل بلا إحساس بالعيب.
الْهَزْلُ: كلام منحل يثير الضحك والرسول لا يقصد الضحك البرئ.
الشُّكْر: كلام النعمة المفيد وخصوصاً المديح والتسبيح لله.
آية (5):- "5فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ هذَا أَنَّ كُلَّ زَانٍ أَوْ نَجِسٍ أَوْ طَمَّاعٍ الَّذِي هُوَ عَابِدٌ لِلأَوْثَانِ لَيْسَ لَهُ مِيرَاثٌ فِي مَلَكُوتِ الْمَسِيحِ وَاللهِ. "
فَإِنَّكُمْ تَعْلَمُونَ: هم يعرفون من كرازته سابقاً ما يقوله هنا ولكن قطعاً فالتوبة مقبولة وتهيئ الإنسان للملكوت. عَبادٌة أَوْثَانِ: راجع آية 3.
مَلَكُوتِ الْمَسِيحِ وَاللهِ: فى النص اليونانى كلمة الله أتت بدون أداة تعريف. إذاً كلمة الله ليست معطوفة على كلمة المسيح. إذاً نحن لسنا أمام ملكوت لله وملكوت آخر للمسيح، بل هو ملكوت الله الواحد، هو ملكوت المسيح الذى هو الله. هذا إشارة لأن المسيح ليس مجرد إنسان بل لأنه هو الله، فبعمله الفدائى أهلنا لملكوته.
آية (6):- "6لاَ يَغُرَّكُمْ أَحَدٌ بِكَلاَمٍ بَاطِل، لأَنَّهُ بِسَبَبِ هذِهِ الأُمُورِ يَأْتِي غَضَبُ اللهِ عَلَى أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ. "
لاَ يَغُرَّكُمْ: فى أصلها لا يغشكم، أى لا يصور لكم أحد أن وراء الخطية سعادة فهذا خداع لأن وراء الخطية غَضَبُ اللهِ ، وإذا غضب الله ينزع الفرح والسلام.
كَلاَمٍ بَاطِل: هناك من يتكلم كلاماً غاشاً يستخف فيه بخطية الزنا والنجاسة ويدعو الآخرين لها على أنها ليست شريرة، بل فيها متعة وتسبب سعادة. وهذه هى النظرة الوثنية لهذه الأمور، والوثنيون يحاولون خداع أهل أفسس بكلامهم. وهذا الخداع مستمر للآن، فالشيطان يستخدم بعض الناس ليوقع أولاده الله بنفس المنطق.
آية (7):- "7فَلاَ تَكُونُوا شُرَكَاءَهُمْ. "
فلنشترك نحن فى أعمال البر والقداسة، ولنشترك مع الملائكة والسمائيين فى التسبيح. ولننفصل عن شركة البطالين الذين بمنظرهم الضاحك قد يخدعون البسطاء.
ولنعلم أن فى وقت بولس الرسول كان هناك بعض الفلافسة والهراطقة يدعون للزنا على أنه شئ عادى وضرورى، ومازال للآن من يغويهم الشيطان على مثل هذه الأقوال الغاشة والدعوة للزنا ويخدعون بها البسطاء.
آية (8):- "8لأَنَّكُمْ كُنْتُمْ قَبْلاً ظُلْمَةً، وَأَمَّا الآنَ فَنُورٌ فِي الرَّبِّ. اسْلُكُوا كَأَوْلاَدِ نُور. "
كُنْتُمْ قَبْلاً ظُلْمَةً: كانوا تجسيداً للظلمة، كان الظلام فيهم ويسلكون فيه بل كانوا مصدراً للإظلام، هذا يعنى إنسان يسير فى الخطية ويدعو الآخرين للخطية فيحول النور الذى فيهم لظلمة. أَمَّا الآنَ فَنُورٌ فِي الرَّبِّ: صرتم تجسيداً للنور، النور الذى يظهر فيهم هو نور المسيح الذى فيهم. نور الحياة فى المسيح (لاتحادهم بالمسيح) فى الفكر والقلب والضمير، فى محبتهم وإيمانهم ورجائهم، فى تسبيحهم وسلامهم وفرحهم، فى صلواتهم وشكرهم المستمر، صاروا خليقة جدية تحيا فى السماء. أَوْلاَدِ نُور: لقد ولدوا من الله ولادة جديدة، والله نور، فهم أولاد نور. ومن يسلك كأولاد نور أى يطيع وصايا الله، فلا يهرب من الله ويختبئ كما فعل آدم، فمن يسلك فى النور لا يخجل، أماّ من يسلك فى الخطية فهو فى ظلمة. كل من لا يستطيع إعلان ما يعمله فهو فى الظلمة يسلك وليس فى النور.
آية (9):- "9لأَنَّ ثَمَرَ الرُّوحِ هُوَ فِي كُلِّ صَلاَحٍ وَبِرّ وَحَقّ. "
ثمر الروح هو محبة فرح سلام... (غل 22:5،23). وهذا ينتج فينا إن كنا نسلك كأولاد نور (انظر آية8). ومن يفعل يشرق النور فى قلبه فُيظهر له ما هو الحق فيتبعه وما هو باطل فيتركه. ثَمَرَ الرُّوحِ يظهر فى أولاد النور أية 8 أى أولاد المعمودية، فالروح يعطى استنارة. لكن على المؤمن أن يغصب نفسه ليسلك بحسب وصايا المسيح. وبعد ذلك يشرق النور فى داخله، فيسلك بالنور الذى فى داخله. ثَمَرَ الرُّوحِ يظهر فى من يعمل صَلاَحٍ وَبِرّ وَحَقّ. صَلاَحٍ: هو سلوك نحو الآخرين. البِر: أى يسلك بالعدل ولا يظلم أحد وبلا طمع فى الناس وبسلوك مستقيم. وَالحَقّ: البعد عن الكذب والخداع والضلال. عموماً المولود من النور يظَهَرْ للناس حبه للخير والحق وبعده عن أى ضلال.
آية (10):- "10مُخْتَبِرِينَ مَا هُوَ مَرْضِيٌّ عِنْدَ الرَّبِّ. "
الأخلاقيات المسيحية ليست وصايا بل هى بحث عن إرضاء الله، وهو إله محب يتوق لأن تكون لأبنائه نفس سجاياه الرفيعة حتى يسروا قلبه. وما الذى سوف يختبره من يرضى الله = مُخْتَبِرِينَ: كل من يرضى الله سيشعر بالراحة، فحين يفرح الله يملأ قلب من أرضاه فرحاً وسلاماً ورضى، والله يريد المحبة والوداعة والتسامح.. أماّ من يسلك سلوكاً خاطئاً فسيفقد سلامه فوراً، بذلك يكون الحزن والغم وفقدان السلام علامة على عدم رضا الله.
الآيات (11-14):- "11وَلاَ تَشْتَرِكُوا فِي أَعْمَالِ الظُّلْمَةِ غَيْرِ الْمُثْمِرَةِ بَلْ بِالْحَرِيِّ وَبِّخُوهَا. 12لأَنَّ الأُمُورَ الْحَادِثَةَ مِنْهُمْ سِرًّا، ذِكْرُهَا أَيْضًا قَبِيحٌ. 13وَلكِنَّ الْكُلَّ إِذَا تَوَبَّخَ يُظْهَرُ بِالنُّورِ. لأَنَّ كُلَّ مَا أُظْهِرَ فَهُوَ نُورٌ. 14لِذلِكَ يَقُولُ: «اسْتَيْقِظْ أَيُّهَا النَّائِمُ وَقُمْ مِنَ الأَمْوَاتِ فَيُضِيءَ لَكَ الْمَسِيحُ»."
أَعْمَالِ الظُّلْمَةِ: لها مظاهر كاذبة تَعِدْ باللذة ولكنها أم التعب. تُغرى بالسعادة وهى تخبئ التعاسة تحت نقابها فهى مخادعة وغير مثمرة.
وَبِّخُوهَا: هذه لابد أن تفهم بطريقة صحيحة. فلن يكون عمل المسيحى أن يعمل واعظاً فى المجتمع وكل عمل خاطئ يقف ويبكته ويوبخ عليه. وكلمة وبخوها يظهر معناها من الإنجليزية EXPOSE THEM أى أظهروها ويكون ذلك بأن نلقى عليها، أو نعرضها للنور، وذلك بأن نسلك فى النور، فالضلال ينكشف عن طريق إظهار الحق. السلوك فى النور يفضح من يسلك فى الخطأ دون أن نتكلم كلمة واحدة. أماّ داخل الكنيسة فعلى المسئولين والخدام علاج الأخطاء التى يرونها فى أولادهم، وأن يظهروا لهم الآلام التى تنشأ من ورائها. وقطعاً فالمفروض أن يكون فى الواعظ نور المسيح لكى يكون كلامه مؤثراً.
ذِكْرُهَا أَيْضًا قَبِيحٌ: الأعمال القبيحة التى تمارس سراً. ذكرها شئ قبيح. فلا يصح حتى مجرد ذكرها أمام الجميع، فهى أشياء يخجل الناس من الكلام فيها. لذلك فالتوبيخ يجب أن يكون سراً. أماّ لو كان الخطأ مُعلَنْ، فاللوم من المسئول يجب أن يكون علناً. ويدينه علناً. كما حدث من بولس تجاه خاطئ كورنثوس (1كو5) ليرتدع الجميع.
وَلكِنَّ الْكُلَّ إِذَا تَوَبَّخَ يُظْهَرُ بِالنُّورِ: الكل أى كل خاطئ يجب أن توضح خطاياه وتفضح سواء علناً (إن كانت خطية علنية) أو سراً (إن كانت خطية سراً). والخطية تفضح بالنور، إما بسلوكنا (وسط المجتمع) أو بتوبيخ أولادنا وتعليمهم (داخل الكنيسة).
لأَنَّ كُلَّ مَا أُظْهِرَ فَهُوَ نُورٌ: هذه تتضح معناها من الترجمات الإنجليزية وتعنى أنه لو توبخت أعمال الظلمة التى فى إنسان ربما يخجل من نفسه ويتوب فيتحول إلى نور.
اسْتَيْقِظْ أَيُّهَا النَّائِمُ: هذا قول مقتبس من (إش2:9+19:26+1:60). لذلك يقول: أى بفم الأنبياء الموحى لهم بالروح القدس. وقطعاً فالآية كما أوردها بولس الرسول هنا لم تَرِدْ بنصها فى العهد القديم. ولكن بولس لا يهتم باللفظ ولكن بالمعنى، فالمعنى موجود فى أيات إشعياء. ويقصد بهذا أن نور المسيح الموعود به فى (إش2:9) قد أتى... فعليك أيها الخاطئ أن تستيقظ فتشعر بنور المسيح القادر أن يكشف لك عن الظلمات التى أنت فيها، والتى جعلتك ميتاً روحياً = قُمْ مِنَ الأَمْوَاتِ. والخاطئ يشبه النائم:
1. فكلاهما فى ظلمة.
2. وكلاهما بلا عمل مثمر.
3. الخاطئ يحيا فى لذة الخطية التى هى كأضغاث أحلام ليس لها قيام.
4. وكلاهما لا يشعر بما حوله حتى ولو كان هناك خطر، والخطر بالنسبة للخاطئ هو غضب الله، ولكنه مستمر فى خطيته (نومه) غير مصدق أن هناك خطر آت. وقيل أن الآية 14 هى ترنيمة تقال وقت المعمودية.
آية (15):- "15فَانْظُرُوا كَيْفَ تَسْلُكُونَ بِالتَّدْقِيقِ، لاَ كَجُهَلاَءَ بَلْ كَحُكَمَاءَ. "
المسيح هو النور وهو أقنوم الحكمة، وإتباع وصاياه هو منتهى الحكمة، لأن من يتبع وصاياه سيحيا فى سلام على الأرض وتكون له حياة أبدية. والله يعطى لأولاده أن يكونوا حكماء. أماّ الجهل فهو مجموع الأوصاف الشريرة والأعمال الشريرة والفاسدة. والمدقق لا يسمح بدخول الخطايا الصغيرة (الثعالب الصغيرة نش15:2) فمن يسمح لنفسه بالخطايا الصغيرة، فهو مع الوقت سيسمح لنفسه بالخطايا الكبيرة.
آية (16):- "16مُفْتَدِينَ الْوَقْتَ لأَنَّ الأَيَّامَ شِرِّيرَةٌ. "
مُفْتَدِينَ الْوَقْتَ: الأب لو خُطِفَ ابنه المحبوب يكون على استعداد أن يدفع أية فدية ليحرر ابنه ويسترده، فابنه غالٍ جداً فى نظره. والرسول باستخدام هذا التعبير يُعلن أن الوقت غالٍ جداً. وأن حياتنا الزمنية هى ثروتنا الحقيقية. فعلامة التعقل هو افتداء الوقت. فأهمية حياتنا الحالية هى فى كونها علة حياتنا الأبدية أو هلاكنا الأبدى. فانظر لأهمية الوقت وكيف تستثمره فمن يسلك فى النور، ويحيا حياة سماوية الآن سيكمل ما بدأه على الأرض فى السماء ويكون نصيبه فى النور فى السماء. أما من يسلك فى الباطل والمسليات الفارغة، أو فى خطايا وظلمة هذا العالم سيكون مكانه فى الظلمة الخارجية ويضيع إكليله السماوى. وما هو الثمن المطلوب لنفتدى الوقت؟ الموضوع يحتاج تدريب لزيادة الأوقات التى نقضيها مع الله، وسهر الليالى فى الصلاة والتسبيح ودراسة الكتاب المقدس، وبخدمة باذلة لله ولأولاد الله ومن يفعل سيبدأ حياته الأبدية من الآن وسيشعر بأنه يحيا فى السماويات وسيكون له كنزاً سماوياً من الآن، هو بهذا سيكون يعمل لحساب أبديته، هو بهذا سيكون يتذوق عربون الأبدية.
الأَيَّامَ شِرِّيرَةٌ: بولس الرسول هنا كأب يحذر أولاده لمحبته لهم وكأنه يقول لهم يا أولادى باقى أيام قليلة وينتهى العالم بالإضافة لأن هذا العالم مملوء شراً = الأَيَّامَ شِرِّيرَةٌ: لأنها تخدع الإنسان فينجذب للزمنيات كمن هو لن يموت أبداً، ثم تطلب نفسه فجأة. لذلك إن لم ننتهز فرصة الوقت ، يضيع هذا الوقت الثمين لحساب العالم الشرير . فلنستثمره ليصير وقتاً للسماويات، ولنبدأ حياتنا الأبدية من الآن.
آية (17):- "17مِنْ أَجْلِ ذلِكَ لاَ تَكُونُوا أَغْبِيَاءَ بَلْ فَاهِمِينَ مَا هِيَ مَشِيئَةُ الرَّبِّ. "
من أجل ذلك: من أجل أن الوقت ثمين جداً وقصير للغاية، ولأجل أن الأيام شريرة، والعالم يريد أن يبتلعنا فنهلك. لا تضيعوا الوقت فى الفراغ والكسل، بل عليكم أن تدركوا مشيئة الله وتستغلوا كل فرصة لتعرفوا إرادته وبذلك تكونوا حكماء فى تصرفاتكم. أَغْبِيَاءَ: من ينجذبوا لملذات العالم الشرير الخاطئ، ظانين انهم لن يتركوا هذا العالم .
آية (18):- "18وَلاَ تَسْكَرُوا بِالْخَمْرِ الَّذِي فِيهِ الْخَلاَعَةُ، بَلِ امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ. "
الْخَمْرِ: هى إحدى خداعات العدو لينسى الإنسان ما يضايقه ويحصل على ساعات فرح، لكنه فرح ظاهرى غاش ليس من ورائه سوى تخريب الحياة وغياب العقل والمقارنة بين الروح
والخمر :
1. يتصور المرء أن فى الخمر فرح ونسيان لهمومه وهذا خداع فالفرح الحقيقى هو ثمر للروح القدس.
2. فى كليهما (الروح القدس والخمر) يخضع الإنسان تحت تأثير قوة تسيطر عليه وعلى إرادته وسلوكه.
3. السكران يصدر كلمات مجنونة، أماّ الممتلىء بالروح فهو يسبح.
بَلِ امْتَلِئُوا بِالرُّوحِ: الروح هو الذى يعطى الفرح الحقيقى. والروح القدس موجود وحاضر بفعل العماد والميرون. ولكن علينا أن نجاهد لنمتلئ أو نهيئ له الحرية للعمل بلا عائق حتى الملء، علينا أن نضرم الموهبة التى حصلنا عليها بالجهاد والتوبة والصلاة. والامتلاء بالروح لا يعنى حلولاً خارجياً نتقبله وإنما هو قبول عمل الروح فينا والتمتع بقوته العاملة داخل النفس، فالروح يعطى للإنسان قدر استعداده وقدر ما يفتح قلبه وقدر ما يطلب. وبالصلاة تتقابل أرواحنا مع روح الله وعدم التوبة معناها مقاومة روح الله. إن من يمتلئ من الروح يفرح كمن شرب خمر الروح. وقوله امتلاء أى لا مكان لشيء آخر، فالروح يملأ المؤمن بفرح لا يحتاج معهُ لفرح من الخارج. وإن دعانى أحد لوسيلة أخرى للفرح سأرفض كمن يدعوك للطعام وبطنك ممتلئة جداً، وفى حالة شبع كامل، بالتأكيد سترفض. وبشكل عام يكون المعنى.. لا تفرحوا بملذات العالم، بل حاولوا أن تكتشفوا أفراح الروح القدس، وما الخطورة على من لم يكتشف أفراح الروح القدس؟ الشيطان مستعد أن يجعلك تعمل معجزات لكن لا تكتشف الوسيلة التى بها تحصل على أفراح الروح القدس.. لماذا ؟ لأن الشيطان يعرف أن العالم ملئ بالآلام والتجارب. فماذا يفعل الإنسان المختبر لأفراح الروح القدس وقت التجربة، هو يجرى إلى مخدعه ليصلى ويمتلئ تعزية وفرح وقت الضيقة. أما الذى لم يختبر أفراح الروح القدس، فهو يكون صيدٌ ثمين لإبليس. فإبليس سيشكو الله فى أذن مثل هذا الإنسان، مصوراً له قسوة الله الذى سمح له بهذه التجربة، فيصطدم هذا الإنسان بالله ويترك الله فيضيع ويزداد حزناً على حزن إلى أن يهلك. لذلك فالملذات هى سلاح إبليس يلهى بها أولاد الله عن أن يكتشفوا أفراح وتعزيات الروح القدس التى يجدونها فى التسبيح والصلاة فى المخدع.
ومن يسكر بالخمر يغنى ويتمايل ويصيح بطرق غير محترمة وغير لائقة، أماّ من يفرح بالروح فهو يسبح، ومن يسبح يزداد امتلاءً وحينئذ يفرح أكثر فيسبح. وهكذا.
الآيات (19-21):- "19مُكَلِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ، مُتَرَنِّمِينَ وَمُرَتِّلِينَ فِي قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ. 20شَاكِرِينَ كُلَّ حِينٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ فِي اسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، ِللهِ وَالآبِ. 21خَاضِعِينَ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ فِي خَوْفِ اللهِ. "
فى الآية السابقة يطلب الرسول منا أن نمتلئ بالروح، والروح هو روح الله إذا هو عطية من الله، وعطايا الله هى نعمة يعطيها لنا مجاناً. لكن لا توجد نعمة بلا جهاد. وهذه الآيات تشرح الجهاد المطلوب منا لنمتلئ بالروح. فكيف نمتلئ؟
1. نتكلم بالمزامير ونسبح فى القلب.
2. شاكرين.
3. خاضعين فى خوف الله.
مُكَلِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِمَزَامِيرَ: المعنى تسبيح صف والرد من الصف الآخر بالتبادل (كما فى التسبحة رُبع بحرى شمال الكنيسة، ورُبع قبلى يمين الكنيسة) وكم من إنسان تحرك قلبه نحو الله بفعل الألحان والتسبيح والترانيم. والخمر المسكر يتلف الجسد ويعقد اللسان ويوقف التفكير، أما الخمر الروحى فيطلق اللسان بالتسبيح ويتكلم الإنسان بالحكمة ويمتلئ الإنسان عزاءً وفرحاً لا ينزعه أحد منه (يو22:16). ولاحظ أنه إذا امتلأنا بالروح ستكون أحاديثنا روحية . وتسليتنا ترديد التسابيح والألحان وإذا بدأنا بترديد التسابيح والألحان نمتلئ بالروح.. وهلم جرا. والبداية بالتغصب. بِمَزَامِيرَ : المزامير هى ترانيم أوصى بها الروح القدس (مز1:45) + (2تى16:3) + (2بط21:1) لذلك فترديد المزامير يُساعد على الامتلاء بالروح فهى كلماته.
فِي قُلُوبِكُمْ: يجب أن يكون الترتيل ليس باللسان فقط. بل بإصغاء شديد وتأمل وفهم. فتخرج الكلمات من القلب كأنها صلاة. وهناك من يسبح بشفتيه أماّ قلبه فيجول هنا وهناك (1كو15:14) + (أش 13:29).
شَاكِرِينَ كُلَّ حِينٍ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ: وهكذا نصلى فى صلاة الشكر، نشكر دائماً وعلى كل حال. فلا شئ يسر الله مثل قلب شاكر. لذلك تعلمنا الكنيسة أن نبدأ كل صلواتنا بالشكر، إن فى أفراح أو أحزان. ولنلاحظ أن الأحزان ليست حقيقية، فلا شئ قادر أن يلحق بنا حزناً، إن كان الله فى داخلنا، متمتعين بعمله فينا، وبمحبته التى تحصرنا. وعمل روحه فينا وسكناه فينا وإعداد الله مكاناً لأحبائه فى السماء. إن فهمنا هذا فلماذا لا نشكر دائمًا. والمسيح حين شفى العشرة البرص رجع واحد فقط منهم ليشكر وفرح به المسيح وسأل عن الباقى لماذا هل المسيح يحتاج للشكر؟ لا لكن نفهم أن المسيح يريدنا أن نعود بالشكر لنحصل على المزيد. فهو أعطى للأبرص شفاء جسده ولما عاد بالشكر حصل على ما هو أثمن بكثير إذ قال له المسيح "قم وامض إيمانك خلصك" (لو 17 :19). فالمسيح يريد أن يزيدنا نعمة فوق نعمة (يو1 :16). والشكر المستمر يجعل القلب فى حالة استعداد وقبول لعمل الله المفرح، ومثل هذا يزيده الله نعمة فوق نعمة. لذلك قال القديس إسحق "ليست عطية بلا زيادة إلاّ التى بلا شكر" أمّا التذمر فيقسي القلب، فيحول أيامنا لأيام شريرة عوضاً عن أن تكون أيام بركة وعلينا أن لا نتوقف عن الشكر حتى فى أيام الضيق والتجارب، فالشكر فى الألم يعتبر ذبيحة شكر بها نشترك مع المسيح فى صليبه. وهكذا يقول هوشع "نقدم عجول شفاهنا" (هو2:14) والمعنى أن التسبيح فى الألم هو مثل ذبائح المحرقات.
فِي اسْمِ رَبِّنَا يَسُوعَ: لا شكر حقيقى من القلب إن لم أكن ثابتاً فى المسيح.
خَاضِعِينَ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ: هذا مبدأ يقيم السلام بين الجميع، خصوصاً داخل الأسرة الواحدة. وهذه وصية الكنيسة للعروسين فى صلاة الإكليل "فليخضع كل منكما لصاحبه" وهذا مما يساعد على الامتلاء بالروح. والخضوع للآخر ليس هو الخنوع، بل القلب المتسع الذى يقبل رأى الآخر فى محبة، طالما ليس فى رأى الآخر خطية = فِي خَوْفِ اللهِ. أماّ القلب الضيق فهو لا يقبل رأى المخالف لهُ. راجع تفسير يع 3 : 18 . لمزيد من الشرح .
والخضوع هو تمثل خطوات المسيح الذى أطاع حتى الموت، فعلينا أن نخضع فى خوف الله للاخوة أى نخدمهم بلا أنانية. فقوله فِي خَوْفِ اللهِ تعنى:
1. الخضوع للآخر إن كان رأيه لا يخالف وصايا الله.
2. خدمة الآخرين بمحبة خوفاً من التعرض لغضب الله لمن يحيا فى أنانية.
3. علاقاتنا مع الناس لن تكون سليمة إن لم نضع خوف الله فى قلوبنا. إذاً علينا أولاً أن نحيا فى تقوى وصلاح.
4. إن كنا نخاف الحكام وغضب الحكام، فلنخف بالأولى من الله ونتشبه بالمسيح ونقدم الخدمة للآخرين وهذا ما نسميه خدمة الميل الثانى.
"إن كانت الكنيسة الجامعة كما أعلنها الرسول فى هذه الرسالة هى كشف عن سر المسيح، أى سر حب الله الفائق للبشرية. ففى الأسرة المسيحية والبيت المسيحى ظلاً لبيت الله الأبدى. ونرى فى الوحدة الزوجية أيقونة للوحدة بين السيد المسيح وعروسه الكنيسة، والأولى أى الوحدة الزوجية تستمد كيانها من الثانية".
آية (22):- "22أَيُّهَا النِّسَاءُ اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ كَمَا لِلرَّبِّ. "
فى آية 21 دعا الجميع لأن يكونوا خاضعين لبعضهم، وهنا رأى أن أهم مكان نرى فيه هذا الخضوع هو الأسرة. حيث يجب أن تخضع الزوجة لزوجها. ويرى الأولاد هذا فيتعلموا الخضوع لأبيهم وأمهم وتصير الأسرة فى وحدتها نموذج لما تكون عليه الكنيسة المتحدة فى محبة، وهذا هو موضوع رسالة أفسس. فالرسول بعد أن تكلم عن الكنيسة وكيف تصل للوحدة المستهدفة، ابتدأ هنا بالأسرة كوحدة اجتماعية قائمة بذاتها، ولكنها نموذج لوحدة الكنيسة.
كَمَا لِلرَّبِّ: أى تخضع كما للرب، فالرجل رأس المرأة كما أن المسيح هو رأس الكنيسة، والله خلق الرجل أولاً وجعله رأساً للمرأة، فإذا خضعت المرأة لرجلها فهى تطيع الرب الذى خلق الأسرة لتكون هكذا، بل بهذا تستقيم الأسرة ويسودها السلام كما قلنا. وليس معنى خضوع الزوجة أنها أقل، فالابن خضع للآب وهما متساويان. ويسوع كان خاضعاً لأمه وليوسف النجار (لو51:2). مع كونه خالقهما ومخلصهما. والخضوع ليس استسلاماً ولا طاعة عمياء دون تفكير، بل باتساع قلب وقبول لإرادة الغير بفكر ناضج متزن. والابن خضع للآب علامة المحبة بينهما. وعلى الزوج والزوجة أن يشعر كلاهما أنهما خاضعين للرب أى لسيد واحد. ان حدث هذا واتسع قلب كل من الزوج والزوجة وتحاورا بدون عناد واصرار على الرأى، وكان حوارهما فى محبة فالروح القدس الساكن فيهما سيرشدهما للقرار السديد . وسيسود السلام هذا البيت . ولاحظ ان ثمر البر يزرع فى السلام ( يع3 : 18 ).
آية (23):- "23لأَنَّ الرَّجُلَ هُوَ رَأْسُ الْمَرْأَةِ كَمَا أَنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا رَأْسُ الْكَنِيسَةِ، وَهُوَ مُخَلِّصُ الْجَسَدِ. "
رَأْسُ الْمَرْأَةِ: فى القيادة والتدبير. ولكن التشبيه بالمسيح كرأس للكنيسة هو درس للرجل حتى لا يفهم كلام الرسول أنه يعطيه الحق أن يسيطر على زوجته بل عليه أن يحبها ويبذل نفسه لأجلها كما فعل المسيح لكنيسته، فالمسيح ملك على كنيسته بمحبته وصليبه، فرئاسة الرجل لزوجته ليست دكتاتورية بل فى محبة. ولاحظ ان الرسول قبل ان يتكلم عن خضوع النساء لرجالهن طلب خضوع الطرفين لبعضهما البعض ( اية 21 ) وهذه وصية الكنيسة فى صلاة الاكليل. والسؤال للرجل ...لماذا لا تعتبر ان رأى زوجتك هو صوت الروح القدس الذى فيها والذى يريد ان يمنعك من قرار خاطئ . عموماً فهذا هو الوضع الامثل ، لكن فى حالة اصرار الرجل فلتخضع المرأة حفاظا على سلام الاسرة .
وَهُوَ مُخَلِّصُ الْجَسَدِ: قد نفهم هذا أن الرجل عليه أن يحافظ على زوجته كما خلَّص المسيح كنيسته. لكن بولس يقول هذا لنعرف الفارق فى التشبيه بين المسيح والكنيسة وبين الرجل والمرأة. فهنا يعطى كرامة فائقة للمسيح مخلص الجميع.
آية (24):- "24وَلكِنْ كَمَا تَخْضَعُ الْكَنِيسَةُ لِلْمَسِيحِ، كَذلِكَ النِّسَاءُ لِرِجَالِهِنَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ. "
الصورة المثالية للأسرة، هى صورة الحب، وحب الرجل لزوجته يظهر فى بذله نفسه عنها، وحب المرأة لزوجها يظهر فى خضوعها له.
آية (25):- "25أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضًا الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا. "
على الرجل أن يحب امرأته كما يحب جسده. وهذا يلغى من الزوجة الشعور بالدونية. بل على الرجل الذى شعر بمحبة المسيح له أن يحب زوجته بنفس المحبة. والمسيح أحب الكنيسة وهى بعد فى خطاياها، لذلك على الرجل أن يحب امرأته لا لأن فيها كل المواصفات الجميلة لكن لأنها زوجته.
آية (26):- "26لِكَيْ يُقَدِّسَهَا، مُطَهِّرًا إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ. "
لِكَيْ يُقَدِّسَهَا: بدمه والتقديس يعنى التكريس عن طريق تسليم النفس لله.
مُطَهِّرًا: التطهير يسبق التقديس. لكن الرسول قَدَمَ العمل الإيجابى على السلبى.
بِغَسْلِ الْمَاءِ أى المعمودية (ى5:3).
بِالْكَلِمَةِ: الأصل اليونانى بدون الـ أى "بغسل الماء وكلمة" فما هى الكلمة المقصودة هناك عدة آراء :
1. ربما الكلمة هى أمر المسيح عمدوهم باسم الآب... (مت 19:28). فيقول الكاهن فى العماد "أعمدك يا فلان باسم الآب.. باسم الابن.. باسم الروح القدس.
2. ربما الكلمة هى الإنجيل والقراءات التى تُقرأ أثناء العماد.
3. ربما الكلمة هى كلمات الإيمان التى يرددها المعمد قبل عماده.
4. ربما الكلمة هى كلمة الله التى تلد الإنسان ثانية (1بط27:1). وهى تنقى السامع(يو3:15).
5. ربما الكلمة هى المسيح نفسه كلمة الله الذى يقدس كنيسته.. وربما كل هذا.
آية (27):- "27لِكَيْ يُحْضِرَهَا لِنَفْسِهِ كَنِيسَةً مَجِيدَةً، لاَ دَنَسَ فِيهَا وَلاَ غَضْنَ أَوْ شَيْءٌ مِنْ مِثْلِ ذلِكَ، بَلْ تَكُونُ مُقَدَّسَةً وَبِلاَ عَيْبٍ. "
غرض التطهير والتقديس أن يُحْضِرَهَا لِنَفْسِهِ: وهذا سيتم بعد انتهاء الحياة الحاضرة. وفى طقس الزواج اليهودى كانت هناك فترة بين عقد الزواج واستلام العروس، هكذا وقع السيد عقد الزوجية بدمه الطاهر على الصليب، اشترانا وقبلنا عروساً لهُ. وفى مجيئه الأخير يتسلم العروس وكأنه يحضر عروسه لنفسه.
كَنِيسَةً مَجِيدَةً: فى أصلها اليونانى "كنيسة فى حالة مجد" (أى ليست صفة).
لاَ دَنَسَ فِيهَا: المسيح غسلها وطهرها وقدسها لأنه أحبها، ليس لأنها تستحق فهى كانت فى حالة ظلام. غَضْنَ: كرمشة أو تجعد الوجه الناتج عن الفقر والحرمان وهذا إشارة للأثار المترتبة على الخطية. لكن المسيح جَمَّلَ كنيسته وزينها (رؤ8:19) + (حز2:16-14) + (نش15:1،16). وهذا ينطبق على من يعيش أميناً طاهراً، وليس من هذا العالم، يعيش فى العالم غريباً عن ملذاته وخطاياه.
آية (28):- "28كَذلِكَ يَجِبُ عَلَى الرِّجَالِ أَنْ يُحِبُّوا نِسَاءَهُمْ كَأَجْسَادِهِمْ. مَنْ يُحِبُّ امْرَأَتَهُ يُحِبُّ نَفْسَهُ. "
على الرجل أن يحب امرأته بالرغم من أى قصور فيها فهى قد صارت جزءً حياً فيه، بسر الزيجة صار الزوجان جسداً واحداً.
آية (29):- "29فَإِنَّهُ لَمْ يُبْغِضْ أَحَدٌ جَسَدَهُ قَطُّ، بَلْ يَقُوتُهُ وَيُرَبِّيهِ، كَمَا الرَّبُّ أَيْضًا لِلْكَنِيسَةِ. "
المسيح يقوت كنيسته ويرعاها وهكذا على الرجل أن يصنع مع امرأته.
آية (30):- "30لأَنَّنَا أَعْضَاءُ جِسْمِهِ، مِنْ لَحْمِهِ وَمِنْ عِظَامِهِ. "
الكنيسة أخذت من جنب المسيح كما أخذت حواء من جنب آدم. فقال "هذه الآن عظم من عظامى ولحم من لحمى" (تك22:2،23). وحينما نقوم سنقوم بجسد يشبه جسد المسيح الذى قام به من الأموات، له لحم وعظام ممجدة (لو39:24). ونحن الآن جسده متحدين به بعد المعمودية (رو5:6). ونتناول من جسده ودمه.
آية (31):- "31«مِنْ أَجْلِ هذَا يَتْرُكُ الرَّجُلُ أَبَاهُ وَأُمَّهُ وَيَلْتَصِقُ بِامْرَأَتِهِ، وَيَكُونُ الاثْنَانِ جَسَدًا وَاحِدًا»."
علاقة الرجل بزوجته أقوى من علاقته بأبيه وأمه، فهو يتركهما، ولكن لا يترك زوجته، وبهذا لا يصير حراً وهى لا تصير حرة بل صار هناك شركة فى الرأى والقرار بينهما بموافقة مشتركة. وعلى نفس التشبيه ترك المسيح مجد أبيه إذ أخلى ذاته عن أمجاده آخذاً شكل العبد (مع أنه يبقى واحداً مع أبيه فى الجوهر بلا انفصال) وترك المسيح أمه أى الشعب اليهودى الذى أخذ منه جسده. ليلتصق بكنيسته عروسه ويصير واحداً معها، يصيران جسداً واحداً، كما خرجت حواء من جنب آدم ليصيرا أيضاً جسداً واحداً.
آية (32):- "32هذَا السِّرُّ عَظِيمٌ، وَلكِنَّنِي أَنَا أَقُولُ مِنْ نَحْوِ الْمَسِيحِ وَالْكَنِيسَةِ. "
سِّرُّ عَظِيمٌ: العلاقة بين المسيح وكنيسته كانت سراً إلى أن كشفه الله لنا. وكما أن اتحاد المسيح بكنيسته سر عظيم فعلى نفس المثال يكون اتحاد الرجل بإمرأته، فسر اتحاد الرجل بزوجته سر عظيم فهو صورة مصغرة للمسيح مع كنيسته.
آية (33):- "33وَأَمَّا أَنْتُمُ الأَفْرَادُ، فَلْيُحِبَّ كُلُّ وَاحِدٍ امْرَأَتَهُ هكَذَا كَنَفْسِهِ، وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلْتَهَبْ رَجُلَهَا. "
الْمَرْأَةُ فَلْتَهَبْ رَجُلَهَا: أى توقره فى مهابة بلا إحساس بالتدنى.
المسيحية رفعت الزواج من المستوى الشهوانى الجسدى لمستوى الحب المقدس الطاهر. وكما يطهر المسيح كنيسته من كل عيب هكذا على الزوجين أن تكون حياتهما طاهرة مقدسة.
وواضح أن تعدد الزوجات كان منتشراً فى أيام بولس الرسول، لكن كلام بولس عن علاقة بين زوج وزوجة واحدة، هو عودة لنظام الزوجة الواحدة وإشارة ضمنية لشريعة الزوجة الواحدة هكذا فى موضوع العبودية فهو لم يدينها (أى بولس لم يدين العبودية) مباشرة إلاّ أنه قدم المبادئ والمثل الأخلاقية التى تعمل كالخميرة فى العجين حتى يأتى الوقت وتختفى هذه الآفات الاجتماعية كما تختفى الظلمة أمام النور الباهر.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الخامس
السلوك المسيحى
(1) المحبة ورفض الزنا والطمع ع 1 - 5 :
ع 1 : يطلب الرسول من أهل أفسس التمثل بالله فى محبته لنا لأننا أولاده الذين نحبه0
ع 2 : لا تكن لنا مشاعر المحبة فقط بل لتتحول إلى سلوك عملى فى محبتنا بعضنا لبعض ، فتكون محبتنا باذلة كما بذل المسيح نفسه لأجلنا طاعة لله الآب0 فنحن من أجل محبتنا لله نضحى بحياتنا فى خدمة الآخرين معتبرين حياتنا أقل شئ نقدمه لله كذبيحة حب من أجل محبته الفائقة لنا ، فتصعد حياتنا كرائحة طيبة أمامه ويفرح بها0
ع 3 : كل نجاسة : كل أنواع الزنا والشذوذ0 الطمع : محبة المال والإقتناء0 لا يُسمَّى : لا تذكر أسماءها ولا يتصف بها أحد المؤمنين0 ينهى الرسول عن الزنا بكل أنواعه ، وكذلك محبة المال والطمع فى ماديات العالم ، فلا يريد التحدث عنها بين المؤمنين القديسين أى المخصصين لله ولا يُدعى أحد بهذه الخطايا الشريرة0
ع 4 : القباحة : كلام السخرية عن الأمور الجنسية0 السفاهة والهزل : التنفيس عن التذمر بكلمات السخرية والتفاهات0 إشتهر أهل أفسس بالمزاح الذى يشمل الكلام النجس والهزل الغير مفيد تنفيساً عن أى ضيق يعانونه ، فينبههم الرسول لترك ما اشتهروا به ، بل ويدعوهم إلى شكر الله على عطاياه التى تغمرهم0
ع 5 : عابد للأوثان : الزانى يجعل الشهوة إلهه والطماع يجعل المال إله فيُعتبران عابدا أوثان0 يحذرنا الرسول من الشهوات الردية ومحبة المال التى نهايتها العذاب الأبدى ، حتى نتوب عنها ونتركها0
+ إنَّ هدفك هو محبة الله والتى تظهر فى محبة لكل من حولك ، وبهذا تترك محبة الخطية وشهوات هذا العالم الزائل0 فعلى قدر ما تقدم خدمة لمن حولك تُنقذ نفسك وتبعدها عن الخطية ، إذ تحل المحبة للآخرين مكان الأنانية وإشباع النفس بلذات الخطية0
(2) أبناء الظلمة وأبناء النور ع 6 - 14 :
ع 6 ، 7 : يحذر الرسول المؤمنين مما يروجه الوثنيون من أفكار تُطابق النظرة الوثنية فى الأخلاق والسلوك ، وهى أنَّ الزنا والنجاسة من الأمور الطبيعية ولا تدنس النفس ، وأمَّا الطمع فيعتبرونه حِكمة وليس حب تملك0 ويؤكد الرسول تحذيره من الإنخداع بتلك الإدعاءات لأنَّ غضب الله يقع على من يرتكبون هذه الأمور ، لأنهم متمردون على الله ويعصون وصاياه فينهاهم عن أن يشتركوا فى خطاياهم ويعرَّضوا أنفسهم للعقاب الإلهى0
ع 8 : الظلمة كناية عن الجهل والشقاء ، وهى الحالة التى كان عليها المؤمنون قبل إيمانهم وقبولهم المسيح فادياً ومُخلصاً ، فأصبحوا بعد إيمانهم مُستنيرين ومصدر بركة ونور لغيرهم0 فالمسيح هو شمس البر وتلاميذه يعكسون نوره على الآخرين حينما يسلكون كما يليق بأبناء الله0
ع 9 : صلاح : أعمال الخير0 بر : النقاوة والعدل0 الحق : الصدق والإستقامة0 إنَّ قصد الله من جهتنا هو أن تظهر فينا نفس صفاته السامية ، فالطبيعة الجديدة التى منحنا إياها تميل إلى عمل الخير وكل ما هو مستقيم0
ع 10 : إنَّ أبناء العالم يبحثون عما هو مرضى لأنفسهم ، أمَّا أبناء النور فيجعلون مشيئة الله هى هدف كل عمل يقومون به أو يمتنعون عنه0
+ ليتنا نتعود أن نسأل أنفسنا قبل كل عمل هل عملى هذا يؤول لمجد الرب ؟ وهل هو ما يريده المسيح منى ؟000إذا قلت هذا القول أو عملت هذا العمل ، هل أكون بذلك محققاً لإرادة سيدى ومُخلصى ؟
ع 11 : أعمال الظلمة هى التى يقوم بها الإنسان غير المؤمن لفساد قلبه وضميره وهى غير مثمرة لعدم نفعها ، بل هى مضرة للنفوس وتعرضها للهلاك الأبدى0 فيجب على أبناء النور عدم الإشتراك فيها ، بل وأكثر من ذلك يظهروا بكلامهم عدم رضاهم عنها ، فيعلم الجميع مدى دنسها وفظاعتها0
ع 12 : مرتكبو الأعمال الشريرة يخافون من النور فيعملونها فى الخفاء ، وهى أمور قبيحة جداً ، حتى أنَّ مجرد ذكرها يُعتبر أيضاً قبيحاً0 فيجب علينا أن نمتنع عن ذكرها0
ع 13 : الكل : كل الخطايا التى تُفعل سراً0 كل ما أُظهر فهو نور : كل خطية نفضحها نتخلص منها فتستنير حياتنا0 يُظهر الرسول قوة الحق الإلهى فى المؤمنين لأنهم يوبخون الشرور التى يفعلها الوثنيون فيعلنون الحق ، لأنَّ الشيطان يجد فرصته بتمادى البشر فى شرهم عندما يخفون خطاياهم0 ولكن إذا واجه الإنسان نفسه خاصة أمام أُناس روحيين يظهر جرم الخطية فيتوب عنها ويستنير بنور الله0 من هنا يظهر أهمية سر الإعتراف عندما يفضح الإنسان خطاياه أمام أبيه الروحى ، فيتخلص منها ويبدأ الجهاد ضدها خاصة عندما يتقوى بالتناول من الأسرار المقدسة0
ع 14 : إقتبس الرسول بولس هذه الآية من اش 60 : 1 ، والإقتباس هنا بالمعنى وليس باللفظ0 والنداء للإستيقاظ من نوم الغفلة ومن موت الخطية ، فهى دعوة للتوبة واليقظة الروحية ، وحينما يقوم الإنسان من الموت الروحى بقوة المسيح المحيية ، فإنَّ المسيح ينير له الطريق فيعيش بعد ذلك ويسلك فى النور ولا يعود يمشى فى الظلمة0
(3) السلوك بتدقيق ع 15 - 21 :
ع 15 : السلوك بتدقيق معناه السلوك بحرص ويقظة روحية ، منتبهين إلى ما قد يضعه الشيطان من فخاخ فى طريقنا ليسقطنا فيها0 فيجب أن نعرف كيف نخطوا كل خطوة ، فالحكيم لا يُخدع أمَّا الجاهل فيسير فى هذا العالم بدون تقدير لعواقب الأمور0
ع 16 : مفتدين الوقت : تعنى الإستفادة من الوقت المتاح لنا فى هذه الحياة ، فلا نضيعه لحساب العالم بل نستخدمه فى عمل الخير0 الأيام شريرة : المقصود بها كثرة التجارب والأخطار التى تحيط بالإنسان خلال حياته الزمنية ، لذلك علينا أن ننتهز كل فرصة متاحة لنكنز لنا الكنوز فى ملكوت السموات بالعبادة المقدسة وعمل الخير0 يدعونا الرسول لإستغلال كل فرصة للحياة مع الله من أجل كثرة حروب إبليس التى تحاول تعطيلنا عنها0
+ إنَّ الباب مفتوح أمامنا اليوم لخدمة الرب والعمل للحياة الباقية قبل أن يُغلق الباب فنكون كالعذارى الجاهلات حينما أُغلق الباب أمامهم0 فليتنا نضع خطة فى بداية كل يوم حتى نستغل وقتنا بطريقة أفضل وكذلك نُحاسب أنفسنا فى نهاية كل يوم لنتوب عن خطايانا ونحترس من السقوط فيها فى الأيام التالية0
ع 17 : لا تتصرفوا بحماقة وبدون حِكمة ، بل يلزم أن تكونوا مدركين مشيئة الرب لأبنائه وهى أن تسلكوا بالقداسة كما يقول الرسول نفسه فى 1تس 4 : 3 " هذه هى إرادة الله قداستكم "0
ع 18 : يحذر الرسول من السُكر بالخمر لأنَّ روح السُكر تهيمن على أفعال السكير وعلى أقواله التى تتسم حينئذٍ بالفجور والعربدة ، الأمور التى لا تليق بأبناء النور الذين يجب أن يسيطر على سلوكهم روح الحق أى روح الله الذى يُنتج كل أثمار الحياة المسيحية التقية0
ع 19 : الممتلئون بالروح القدس يلذ لهم الحديث عن الله الذى يسر بخاصته فيكلمون بعضهم بعضاً عن محبته ونعمته0 والصلاة والتسبيح بكلام الله فى المزامير والتراتيل بأناشيد روحية يساعد أيضاً على الإمتلاء بالروح ، على أن يكون كل ذلك من القلب وليس بمجرد الشفاه0
ع 20 : اسم ربنا يسوع المسيح : باسم المسيح ننال الخلاص وكل البركات الروحية كما نختم الصلاة الربانية بكلمات " بالمسيح يسوع ربنا "0 شكرنا لله يكون دائماً على المراحم الجسدية والروحية التى أنعم بها علينا فى حياتنا الماضية وحتى الآن0 والشكر يكون على كل شئ حتى ما قد يبدو لنا مؤلماً ، لأننا نعلم أنَّ كل الأشياء فى النهاية تعمل معاً للخير ، فنشكر الله على كل عطاياه التى نلناها وننالها بالمسيح الفادى0
ع 21 : الشكر يُشعرنا بأنَّ ما نتمتع به هو من الله ، فنتضع أمامه ويقودنا هذا للإتضاع أمام بعضنا البعض لنتعلم فضائل الآخرين ، ويكون الله أمامنا فنخافه ولا نتكبر ونرفض كل شر ، ويدفعنا هذا إلى إتضاع أكبر بعضنا لبعض ، فنحتملهم ونقدمهم فى الكرامة عنا ونتعلم منهم كل ما هو صالح0
(4) الزواج ع 22 - 33 :
ع 22 : بعدما دعا الرسول كل المؤمنين أن يتضعوا ويخضعوا بعضهم لبعض سواء الرجال أو النساء ، لأنَّ الإتضاع هو صفة جميع المؤمنين ودليل محبتهم لبعض ، يخصص هنا كلامه ويدعو النساء أن يخضعن لرجالهن ، لأنَّ شخصية الرجل ، كما خلقه الله ، تميل للقيادة وتحمُّل المسئولية والبذل لمن هو مسئول عنه ، ولكى ما تتم هذه القيادة يستلزم من الزوجة أن تخضع له لأنَّ الأسرة تحتاج لقائد واحد ولا يمكن أن يكونا إثنين وإلا يحدث تعارض ولا يمكن إتمام القيادة0 ولأنَّ الرجل المسيحى يقود أسرته بخوف الله ، فخضوع الزوجة له هو خضوع لله0 وهذا الخضوع ليس معناه عدم إبداء رأيها أو مشاركتها فى أخذ القرار ، وليس معناه أيضاً تحكُّم وسيطرة من الرجل بل هو تنظيم للعمل وأخذ القرارات داخل الأسرة ، وهو يُناسب نفسية المرأة التى تود أن يكون لها رجل قوى يقود الأسرة وتستند عليه0
ع 23 : الزواج المسيحى هو صورة للعلاقة المجيدة التى بين المسيح وكنيسته0 فكما أنَّ المسيح هو رأس الكنيسة التى هى جسده ، كذلك الزوج المسيحى هو رأس المرأة0 وكما إهتم المسيح بخلاص وسلام الكنيسة ، كذلك على الزوج أن يهتم بسلامة زوجته وإسعادها ، فلهذا أُعطيت له هذه المكانة وليس للسيطرة عليها والعنف فى معاملتها0
ع 24 : فعلى مثال وبمقدار خضوع الكنيسة للمسيح يكون مقدار الخضوع الواجب على المرأة للرجل0 فى كل شئ : أى أنه لا يجوز للمرأة أن تخضع فى بعض الأشياء ولا تفعل ذلك فى بعضها الآخر0 على أن تكون هذه الطاعة فى الرب ، أى لا تخالف وصايا الله طاعة لأمر زوجها0
ع 25 : يقدم الرسول محبة المسيح للكنيسة كمثال يطلب من الرجال أن يتمثلوا به فى محبتهم لزوجاتهم0 فالمسيح أحب الكنيسة لدرجة بذله لنفسه من أجلها ، هكذا ينبغى أن يحب الرجل إمرأته بهذا الحب المعطاء0
ع 26 : الهدف الذى من أجله أحبَّ المسيح الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها هو أن يقدسها ويكرسها ويخصصها لنفسه ، وذلك بتطهيرها من خطايا كل من ينضم لعضويتها بغسل الماء أى بالتغطيس فى ماء المعمودية ، وأيضاً بالكلمة أى بالإيمان بالمسيح0
ع 27 : دنس : نجاسة0 غضن : فساد أو تغيير الشئ فلا يُصبح جيداً ( كرمشة الثوب )0 بفداء المسيح أعطى الخلاص لكنيسته بتجديد طبيعتها من خلال المعمودية ، فاستعادت بهذا مجدها الأول فى جنة عدن وتخلصت من شرورها وكل ما يفسد طبيعتها ، بل صارت مقدسة ومخصصة للحياة معه0 هكذا الزوج بمحبته وبذله يُبعد عن زوجته كل اضطراب وشر ويعيشا فى محبة واحدة مع الله0
ع 28 ، 29 : كما أنَّ المسيح رأس الكنيسة فقد بذل نفسه من أجل الكنيسة جسده ، كذلك الرجال فليعتبروا نساءهم أجسادهم أى جزء منهم ، فيحبونهم ويبذلون كل شئ من أجلهم0 وبمحبتهم لنسائهم يحبون أنفسهم لأنَّ الإثنين صارا واحداً0 وكما أنه لا يتضايق أحد من جسده مهما كانت فيه أمراض أو أوجاع بل يعتنى به ويهتم باحتياجاته ، كذلك يجب على الرجل أن يحب إمرأته مهما كان فيها من أخطاء أو نقائص بل ويهتم باستكمالها ورعايتها كما يفعل المسيح مع كنيسته0
ع 30 : كما يقوت المسيح كنيسته ويربيها لأنها جسده غير المنظور ، فالنسبة بين المسيح وكنيسته كالعلاقة بين آدم وحواء فحواء أُخذت من جسم آدم فهى من لحمه وعظمه ، كذلك المرأة هى جسد الرجل فيهتم به ويرعاه0
ع 31 : هذه الآية إقتبسها الرسول من سفر التكوين تك 2 : 24 0 فالعلاقة المقدسة بين الرجل وامرأته هى أقرب من أية علاقة أخرى ، والأساس الذى ينبغى أن يبنى عليه كل واحد من المؤمنين علاقته بشريك حياته هو الإتحاد الدائم بين المسيح والكنيسة0
ع 32 : السر : ما لا يصل العقل إلى إدراكه0 المقصود بالسر هنا الإتحاد بين الزوجين وهو على مثال الإتحاد بين المسيح والكنيسة ، فهو ليس فقط سر من أسرار الكنيسة السبعة ولكنه أيضاً إتحاد عميق مثل إتحاد المسيح بالكنيسة0
ع 33 : يلخص الرسول علاقة الزوجين بعضهما مع بعض بأن يحب الرجل إمرأته كنفسه ، وهذا هو المطلب الأول لجميع النساء أن يكُنَّ محبوبات ويسمعن تعبيرات الحب دائماً من أزواجهنَّ0 أمَّا مسئولية المرأة فهى إحترام وتقدير زوجها ، وهذا هو المطلب الأول لجميع الرجال0
+ ليت كل زوج ينظر إلى إمرأته على أنها كنيسته فيحبها ويبذل حياته لأجلها كما فعل المسيح0 أمَّا المرأة فتنظر إلى رجلها على أنه مسيحها فتحبه وتخضع له وتُطيعه كما تُطيع الكنيسة وصايا المسيح0
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح