كلمة منفعة
قال الكتاب "ملعون مَنْ يعمل عمل الرب برخاوة".إن الذي يعمل عمل الرب، يجب أن يكون "أمينًا حتى الموت" فالأمانة شرط أساسي للخدمة.
— العمل الجاد
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
افسس - الاصحاح رقم 3 افسس الإصحاح رقم 3 الأصحاح الثالث الكنيسة الجامعة وسرّ المسيح يعتبر الرسول بولس باكتشافه "سرّ المسيح"، لا بقدراته البشرية أو مواهبه إنما بإعلان الله له عن هذا السرّ المكتوم منذ الدهور، الحامل لغنى المسيح الذي لا يُستقصى. ما هو سرّ المسيح إلاَّ دعوة الأمم لشركة الميراث ونوال المواعيد في المسيح بالإنجيل؟! إنه تحقيق جامعية الكنيسة التي تمتد بين الأمم واليهود لتضم كل مؤمن ليكون له موضع "في المسيح" ويكون للمسيح موضع في قلبه. 1. سرّ المسيح ودعوة الأمم 1 - 8. 2. دعوة إلهية أصيلة وسماوية 9 - 11. 3. دعوة أكيدة 12. 4. دعوة تحتاج إلي جهاد روحي 13. 5. شفاعة الرسول عن الكل 14 - 21. 1. سرّ المسيح ودعوة الأمم "بِسَبَبِ هَذَا أَنَا بُولُسُ، أَسِيرُ الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَجْلِكُمْ أَيُّهَا الأُمَمُ، إِنْ كُنْتُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ بِتَدْبِيرِ نِعْمَةِ اللهِ الْمُعْطَاةِ لِي لأَجْلِكُمْ. أَنَّهُ بِإِعْلاَنٍ عَرَّفَنِي بِالسِّرِّ. كَمَا سَبَقْتُ فَكَتَبْتُ بِالإِيجَازِ" ]1- 3[. ويلاحظ في هذا النص وما يليه الآتي: أولاً: يبدأ حديثه بقوله: "بِسَبَبِ هَذَا"... وكأن ما يتحدث عنه قديس بولس كأسير للسيد المسيح إنما بسبب "سرّ المسيح"، أي سرّ انفتاح باب الإيمان أمام الأمم كما أمام اليهود ليصير الكل بناءً واحدًا حيًا، وهيكلاً لله، إن كان القديس بولس قد صار رسولاً بل وأسيرًا إنما لأجهلم في الرب. لقد كرر الرسول كلمة "أنا" أكثر من مرة (1: 15، 3: 1، 4: 1، 5: 32)، ليس لتقوقعه حول ذاته "ego"، وإنما لتأكيد اعتزازه بالرسالة التي أعلن الرب سرّها له، ومن أجلها صار "أسيرًا". كانت إحساسا الرسول بولس تتركز في قبوله "الأسر" بفرح لأجل تمتع الأمم بالحرية، بل ومن أجل إخوته اليهود أيضًا (1تس 2: 14 - 16؛ 2كو 11: 24، 25). إنه يعتز برسوليته، بل وبأسره من أجل خلاص كل نفسٍ، حتى حسب لقب "أسير المسيح يسوع" شرفًا له، لقد شعر بالتزامه بالعمل الكرازي مهما بلغت تكلفته. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [سبق فذكر الرسول عناية المسيح العظيمة المتحننة، الآن يذكر عنايته هو، التي تعتبر تافهة وكلا شيء إن قورنت بعناية المسيح، لكنها كفيلة أن تقربهم إليه، لذا يقول: "أنا أيضًا ملتزم (أسير)" فإن كان سيدي صُلب لأجلكم بالأكثر أُربط أنا لأجلكم. لم يربط السيد نفسه فحسب، وإنما ألزم عبيده أيضًا بذلك لأجلكم أيها الأمم.] لعله أراد بإعلان أسره في روما تأكيد مثابرته على تحقيق "سرّ المسيح" أي الكرازة باسمه وقوته بين الأمم ولأجلهم، وإن كان ثمن هذا كراهية اليهود بني جنسه له وتسليمه للأسر. وربما كانت إحساسات الرسول بولس أثناء أسره في روما تتركز في تأمله في شدة قوة محبة المسيح التي "أسرته" (في 3: 12)، لكي تنتزعه من المقاومة ضد الخدمة إلي العمل لحساب المسيح وبقوته، لذا كثيرًا ما يكرر العبارة: "حسب شدة قوته". كان يشعر أنه أسير محبة المسيح وقوته الجذابة لتستخدمه كأداة تعمل لحساب ملكوته. ثانيًا: يبدوا أن بعضًا ممن يكتب إليهم لم يره وإنما سمعوا عنه [2[، فلا توجد بينهم وبين الرسول روابط علاقات شخصية، لكنه بثقةٍ يشعر أن ما وُهب إليه من نعم هو لأجلهم. إحساسات صادقة وقوية لدى الخادم أن ما لديه من عطايا ليس عن فضل خاص به ولا عن امتياز له عن غيره، لكنه هبة إلهية قُدمت له من الله لأجل المخدومين. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [هنا يلمح إلي النبوة التي أُعطيت لحنانيا في دمشق بخصوصه، حين قال له الرب: "اذهب لأن هذا لي إناء مختار ليحمل اسمي أمام أمم وملوك" (أع 9: 15)؛ ويقصد بـ "ِتَدْبِيرِ نِعْمَةِ " الإعلان الذي ظهر له، كأنه يقول: "لأني لم أقبله من عند إنسان" (غل 1: 12). لقد وهبني الإعلان إنما لأجلكم، إذ قال لي بنفسه: "اذهب، فإني سأرسلك إلي الأمم بعيدًا" (أع 22: 21).] أما قوله: "كَمَا سَبَقْتُ فَكَتَبْتُ بِالإِيجَازِ" ]3[، فإن الكلمة اليونانية Prographo المستخدمة هنا يمكن أن تحمل على الأقل ثلاثة معانٍ: أن ما كتبه نفس الرسالة أعلاه حيث حدثهم عن سرّ مشيئة الله الخاصة بجميع ما في السماوات وما على الأرض في المسيح يسوع (1: 9، 20) أو سرّ المسيح الخاص بمصالحة الأمم واليهود في جسد واحد خلال الصليب (2: 11 - 22). المعنى الثاني أنه يذّكر السامع بما سبق فكتبه في أحدى رسائله السابقة عن هذا الإعلان، وليس بالضرورة أن تكون رسالة موجهة إلي أهل أفسس، إذ كانت رسائله كثيرة التداول؛ والمعنى الثالث أنه سبق فكتب بصفة عامة وليس خلال رسالة معينة. ثالثًا: يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن حديث الرسول بولس السابق عن "سرّ المسيح" الخاص بقبول الأمم في ذات الجسد جنبًا إلي جنب مع اليهود كان موجزًا للغاية لعدم قدرة السامعين على قبوله، إذ لم يكن ممكنًا لليهود أن يدركوا أو يقبلوا عظمة الغنى الذي أغدقه الله على الأمم ليصيروا شركاء في الميراث والجسد ونوال الموعد. هذا السرّ المعلن بقوة للرسول لم يُعلن لأنبياء العهد القديم بذات القوة بل جزئيًا، إذ يقول الرسول: "الَّذِي بِحَسَبِهِ حِينَمَا تَقْرَأُونَهُ تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْهَمُوا دِرَايَتِي بِسِرِّ الْمَسِيحِ. الَّذِي فِي أَجْيَالٍ أُخَرَ لَمْ يُعَرَّفْ بِهِ بَنُو الْبَشَرِ، كَمَا قَدْ أُعْلِنَ الآنَ لِرُسُلِهِ الْقِدِّيسِينَ وَأَنْبِيَائِهِ بِالرُّوحِ: أَنَّ الأُمَمَ شُرَكَاءُ فِي الْمِيرَاثِ وَالْجَسَدِ وَنَوَالِ مَوْعِدِهِ فِي الْمَسِيحِ بِالإِنْجِيلِ" ]4- 6[. كأنه يقول أن حقيقة قبول الأمم للإيمان كانت سرًا بالنسبة للأجيال السابقة، لم يُكشف هذا السرّ كما الآن، فقد أُعلن للرسل والأنبياء (أنبياء العهد الجديد) وذلك بالروح القدس. + "الَّذِي فِي أَجْيَالٍ أُخَرَ لَمْ يُعَرَّفْ بِهِ بَنُو الْبَشَرِ، كَمَا قَدْ أُعْلِنَ الآنَ لِرُسُلِهِ الْقِدِّيسِينَ وَأَنْبِيَائِهِ بِالرُّوحِ" ]5[. اخبرني، ما هذا؟ ألم يعرف الأنبياء هذا (السرّ)؟ إذن، كيف يقول المسيح ان موسى وإيليا كتبا هذا عني؟ وأيضًا: "لو كنتم تصدقون موسى وإيليا تصدقونني" (يو 5: 46)؟ وأيضًا: "فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية، وهي التي تشهد لي" (يو 5: 39)؟ إنه يعني إما أن هذه لم تُعلن لكل البشر، إذ أضاف: "الذي في أجيال أُخر لم يعرف به بنو بشر كما قد أُعلن الآن"، أو يعني أنها لم تُعرف بكل حقائقها وأحداثها: "كما قد أعلن الآن لرسله القديسين وأنبيائه بالروح". تأمل: لو أن بطرس لم يُعلن له بالروح ذلك لما ذهب إلي الأمم. اسمع ماذا يقول: "هؤلاء الذين قبلوا الروح القدس كما نحن أيضًا" (أع 10: 47)، بمعنى أنه بالروح اختار الله أن يقبلوا هذه النعمة. لقد نطق الأنبياء بذلك لكنهم لم يعرفوها معرفة كاملة، حتى الرسل لم يعرفوها بعد أن سمعوها، فقد فاقت كل الحسابات البشرية والتوقعات العامة. + "أَنَّ الأُمَمَ شُرَكَاءُ فِي الْمِيرَاثِ وَالْجَسَدِ وَنَوَالِ مَوْعِدِهِ" ]6[. ما هذا؟ "شركاء في الميراث والموعد والجسد"؟ هذه الأخيرة أمر عظيم، إذ يصيرون جسدًا واحدًا، ويقتربون إليه في علاقة قوية للغاية. القديس يوحنا الذهبي الفم رابعًا: يرى بعض الدارسين أن التعبيرات الواردة في الفقرة 5 مثل "بني البشر، لرسله القديسين وأنبيائه" غريبة في أسلوب الرسول بولس، فهي غالبًا اقتباس نقله الرسول عن تسبحة كنسية في ذلك الحين. خامسًا: يؤكد الرسول أكثر من مرة أن تحقيق "سرّ المسيح" ليس عن فضل بشري، كما لا تعوقه العقبات الإنسانية، إنما يتحقق "حَسَبَ فِعْلِ قُوَّتِهِ (قوة الله)" ] 7؛ 1: 19[، أما من جهة نفسه فهو مجرد خادم أصغر من جميع القديسين أؤتمن على تحقيق خطة الله خلال غنى المسيح الذي لا يُستقصى، إذ يقول: "الَّذِي صِرْتُ أَنَا خَادِمًا لَهُ حَسَبَ مَوْهِبَةِ نِعْمَةِ اللهِ الْمُعْطَاةِ لِي حَسَبَ فِعْلِ قُوَّتِهِ. لِي أَنَا أَصْغَرَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ أُعْطِيَتْ هَذِهِ النِّعْمَةُ، أَنْ أُبَشِّرَ بَيْنَ الأُمَمِ بِغِنَى الْمَسِيحِ الَّذِي لاَ يُسْتَقْصَى" ]7- 8[. يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول بولس إذ يتحدث عن عظمة قوة نعمة الله، يتصاغر جدًا في عيني نفسه، فيتطلع إلي نفسه كأصغر صغار جميع القديسين (Less than the least of all saints)، إذ يقول: [إذ أوشك أن يتحدث عن عظمة نعمة الله، اسمع ماذا يقول: "لي أنا أصغر (من أصغر) جميع القديسين أُعطيت هذه النعمة". كان تواضعًا حقًا، إذ كان ينتحب خطاياه السابقة مع أنها غُفرت له، فكان يذكرها، واضعًا نفسه مقياسًا حقيقيًا حيث دعا نفسه: "مجدفًا ومضطهدًا ومفتريًا" (1تي 1: 13)... مرة أخرى يدعو نفسه: "السقط" (1كو 15: 8). أما أن يضع نفسه بعد قيامه بأعمال عظيمة صالحة فيدعو نفسه: "أصغر من أصغر القديسين" فهذا تواضع بالحقيقة عظيم وفائق. لم يقل "أصغر الرسل" بل "من أصغر القديسين"، فإن التعبير الأول أخف. يقول أيضًا "أنا لست أهلاً أن أدعى رسولاً" (1كو 15: 9) ...] لعل الرسول قد تواضع جدًا بصورة فائقة فحسب نفسه ليس فقط أصغر من الرسل وإنما الأصغر بين أصغر القديسين بوجه عام. وكان هذا التواضع لازمًا لأمرين، أولاً لأنه حيث يكون البناء شاهقًا جدًا يلزم أن تكون الأساسات عميقة للغاية. البناء الذي أمامه غاية في العلو، إذ وهبت له نعمة خاصة ليبشر "بَيْنَ الأُمَمِ"، أي يدخل وسطهم ويكون بينهم كما لو كان واحدًا منهم حتى يقدم لهم "غِنَى الْمَسِيحِ الَّذِي لاَ يُسْتَقْصَى". بمعنى آخر لم يقف "ضد الأمم"، ولا كرز كما من بعيد، لكنه انطلق إلي هؤلاء الذين هم عن بعدٍ شديدٍ ليدخل في وسطهم، يحفر فيهم أساسات عميقة، ليقدم البناء الحيّ اللائق بالمسيح السماوي! هذا من جانب، أما الجانب الآخر فلأنه يتحدث عن أمرٍ يصعب على كثير من اليهود قبوله، لذا يتدرع بالتواضع كسلاحٍ ضد كل هجومٍ يتعرض له. هنا يعلمنا الرسول أن نقابل المقاومين بروح التواضع الشديد فنربحهم ونربح نفوسنا معهم! 2. دعوة إلهية أصيلة وسماوية رأينا الرسول بولس يتواضع للغاية ليعلن تمتعه بنعمة خاصة إلهية هي نعمة الكرازة بين الأمم للتمتع بغنى المسيح الذي لا يُستقصى، هذا العمل أي انفتاح الباب للأمم للدخول إلي غنى المسيح دعاه "سرّ المسيح". هذا السرّ ليس بالأمر الذي هو من عند الرسول نفسه، ولا من وحي فكره الخاص، لكنه أداة يستخدمها الله لتحقيق مقاصده الأزلية المكتومة منذ الدهور. هذا السرّ السماوي الإلهي، كان مكتومًا، والآن انفتح ليضم الجميع وليُعلن للسمائيين أنفسهم الذين يرون في الكنيسة عجبًا. يرون الأمم الأرضيين قد صاروا سمائيين، ودخلوا معهم في شركة! إذ يقول الرسول: "وَأُنِيرَ الْجَمِيعَ فِي مَا هُوَ شَرِكَةُ السِّرِّ الْمَكْتُومِ مُنْذُ الدُّهُورِ فِي اللهِ خَالِقِ الْجَمِيعِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ. لِكَيْ يُعَرَّفَ الآنَ عِنْدَ الرُّؤَسَاءِ وَالسَّلاَطِينِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ بِوَاسِطَةِ الْكَنِيسَة بِحِكْمَةِ اللهِ الْمُتَنَوِّعَةِ، حَسَبَ قَصْدِ الدُّهُورِ الَّذِي صَنَعَهُ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا" ]9- 11[. يلاحظ في هذا النص الرسولي: أولاً: إن كانت نعمة الله قد أنارت عينيه ليرى "سرّ المسيح"، فبالضرورة ملتزم أن يقود، إن أمكن الجميع ليروا ما قد رآه، سرّ الله المكتوم منذ الدهور، سرّ حب الله خالق الجميع معلنًا بيسوع المسيح مخلص الكل، السرّ الأزلي في خطة الله وتدبيره. ثانيًا: يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [حقًا، لم يُعلن (السرّ) لإنسان، فهل أنت تنير السرّ للملائكة ورؤساء الملائكة والرؤساء والسلاطين؟ يقول: "نعم" فإنه كان مكتومًا في الله، بل "فِي اللهِ خَالِقِ الْجَمِيعِ". أتتجاسر وتنطق بهذا؟ يجيب: "نعم". وكيف أُعلن هذا للملائكة؟ " بِوَاسِطَةِ الْكَنِيسَةِ"... ألم تكن الملائكة تعرفه؟... ألم يعرفه حتى رؤساء الملائكة؟ حتى هؤلاء لم يعرفوه؟... لقد دعاه سرًا، لأن الملائكة لم يكونوا يعرفوه، ولا كان قد أُعلن لأحد... حقًا لقد عرف الملائكة أن الأمم مدعوون فعلاً، أما إن يكونوا مدعوين للتمتع بذات امتيازات إسرائيل وأن يجلسوا على عرش الله هذا من كان يتوقعه؟ من كان يصدقه؟!.] ثالثًا: لا شك أن السمائيين قد أدركوا حكمة الله منذ خلقتهم، لكنهم شاهدوا في كنيسة العهد الجديد عجبًا. لذا يقول: "بِحِكْمَةِ اللهِ الْمُتَنَوِّعَةِ"، وحسب ترجمة النص في كتابات الذهبي الفم "المتنوعة جدًا". أقول رأوا أعماقًا جديدة في حكمة الله التي أقامت من الوثنيين ومقاومي الحق أبناءً لله، ورثه مع المسيح. رابعًا: يرى القديس چيروم في النص الذي بين أيدينا إذ يميز الرسول بين الرؤساء والسلاطين وهما طغمتان سمائيتان تتمتعان بإدراك سرّ الله، أن الكنيسة أيضًا تضم أعضاء ينتمون إلي جسد واحد لكن لكل منهم قامته الروحية، أو كما قال الرسول: "إن نجمًا يمتاز عن نجم في المجد" (1كو 15: 41). يقول: [با لتأكيد من يزرع أكثر ومن يزرع أقل كلاهما على الجانب الأيمن، لكن مع انتمائهما إلي طبقة واحدة، أي طبقة الزارعين، غير أنهم يختلفان من جهة القياس والعدد....] 3. دعوة أكيدة إذ يتحدث الرسول عن هذا السرّ الإلهي الأزلي الذي أعلنه له، والذي كرس حياته لتحقيقه، أراد أن يؤكد ثقته في الله أن خطته هذه ستتحقق بالرغم من أسر بولس أو سجنه... حقًا لقد وُضع الرسول تحت قيود منظورة، لكنه يشعر بالحرية والانطلاق بثقة في تحقيق سرّ المسيح، إذ يقول: "الَّذِي بِهِ لَنَا جَرَاءَةٌ وَقُدُومٌ بِإِيمَانِهِ عَنْ ثِقَةٍ (الكلمة اليونانية Parresia تعني حرية)" ]12[. + "لَنَا َقُدُومٌ" لا كأسرى، وإنما كأشخاص يطلبون المغفرة، وليس كخطاة، إذ يقول: "لَنَا جَرَاءَةٌ وَقُدُومٌ"، أي جرأة مرتبطة بثقة متهللة. من أين تأتي؟ من إيماننا به! القديس يوحنا الذهبي الفم 4. دعوة تحتاج إلي جهاد روحي هذه الدعوة لتحقيق "سرّ المسيح" لا فضل للرسول فيها، إنما هي حسب فعل قوة الله... لكن الرسول بولس لم يقف سلبيًا بل جاهد واحتمل حتى السجن، حاسبًا هذا لمجد الأمم؛ الآن يسأل الأمم أنفسهم أن يشاركوه هذا الجهاد قائلاً "لِذَلِكَ أَطْلُبُ أَنْ لاَ تَكِلُّوا فِي شَدَائِدِي لأَجْلِكُمُ الَّتِي هِيَ مَجْدُكُمْ" ]13[. + هكذا أحبهم الله حتى بذل ابنه لأجلهم، وسمح بالآلام لخدامه من أجلهم، فقد أُلقي بولس في السجن لكي ينالوا بركات وقوة. بالتأكيد كان هذا بسبب محبة الله الفائقة لهم. هذا ما قاله الله أيضًا عن الأنبياء، "قتلتهم بأقوال فمي" (هو 6: 5). القديس يوحنا الذهبي الفم 5. شفاعة الرسول عن الكل ما دام تحقيق "سرّ المسيح" هو عمل إلهي، فلا يكفي جهاد الرسول أو جهادهم، وإنما لا يكف الرسول وسط شدائده من الانحناء أمام الآب طالبًا قوته وإمكانياته، إذ يقول: "بِسَبَبِ هَذَا أَحْنِي رُكْبَتَيَّ لَدَى أَبِي رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي مِنْهُ تُسَمَّى كُلُّ عَشِيرَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَعَلَى الأَرْضِ" ]14-15[. لعل الرسول بولس أراد أن يتمثل بمسيحه الذي دخل البستان ليشرب كأس الآلام لأجل مجدنا عندما انحنى على ركبتيه أمام الآب ليحمل الصليب ويحقق المصالحة. هكذا لاق بكل خادم أن يجثو أمام الآب مقدمًا الطاعة ليحمل شركة الصليب من أجل خلاص الغير. + ها هو يظهر روح صلاته عنهم، إذ لم يقل: "أصلي" فحسب، وإنما أظهر تضرعاته القلبية بانحناء الركب. " الَّذِي مِنْهُ تُسَمَّى كُلُّ عَشِيرَةٍ". إنه يعني أنه لم يحسبها ضمن عداد الملائكة بل انه قد خلق عشائر في السماء من فوق، وعلى الأرض من تحت، وليس كما كان اليهود. القديس يوحنا الذهبي الفم بمعنى آخر أن الرسول بولس إذ ينحني بركبتيه كما بكل قلبه لدى الآب يطلب تحقيق مشيئته الإلهية، أن يضم السمائيين والأرضيين كعائلة مقدسة ترتبط معًا في المسيح يسوع ربنا. ماذا يطلب الرسول في شفاعته عنهم؟ أو صلواته من أجلهم؟ أولاً: "لِكَيْ يُعْطِيَكُمْ بِحَسَبِ غِنَى مَجْدِهِ أَنْ تَتَأَيَّدُوا بِالْقُوَّةِ بِرُوحِهِ فِي الإِنْسَانِ الْبَاطِنِ" ]16[. إن كنت بالحب الحقيقي العامل لا أكف عن أنحني بركبتي كما بإنساني الداخلي لأجلكم فإنني أطلب ليهبكم تأييدًا داخليًا في إنسانكم الداخلي، وقوة روحية، ليس من أجل صلواتي ومحبتي وإنما بالحق من أجل غنى مجده. كأنه يقول: إن صلواتي تأتي متناغمة مع مشيئة الله وغنى مجده المشتاق أن يعمل في إنسانكم الباطن أو الداخلي. ما هو التأييد بالقوة بروحه في الإنسان الباطن إلاَّ التمتع بحلول المسيح بالإيمان في قلوبكم؟! ]17[. هنا يركز الرسول بولس أنظارهم نحو الإنسان الباطن ليتجلى السيد المسيح فيه، معلنًا ملكوته في داخلنا. لهذا حينما تحدث القديس يوحنا كاسيان عن الصوم كأحد التداريب الروحية، طالبنا ألاَّ نركز على التصرفات الخارجية كالامتناع عن الطعام وإنما على "الحياة الداخلية في المسيح يسوع"، إذ يقول: [عندما يصوم الإنسان الخارجي يلزم أن يمتنع الإنسان الداخلي عن الطعام الرديء بالنسبة له، إذ يحثنا الرسول الطوباوي أن يظهر الإنسان الداخلي - فوق الكل - نقيًا أمام الله، فيوجد مستحقًا لقبول المسيح ضيفًا في داخله.] سرّ القوة هو "حلول المسيح" بالإيمان في قلوبنا. + يحل المسيح بالإيمان فيك؛ إذ يحضر الإيمان يكون المسيح حاضرًا، استرخاء الإيمان هو نوم للمسيح. قم وحث نفسك، قائلاً: "يا رب إننا نهلك". لا تدع إبليس يفسد إيمانك، لا تدعه يبتلع السمكة! القديس أغسطينوس لقد سبق فأعلن السيد المسيح هذه العطية للقلوب المحبة الأمينة، إذ قال: "إن أحبني أحد يحفظ كلامي ويحبه أبي، وإليه نأتي، وعنده نصنع منزلاً" (يو 14: 23). ثانيًا: "وَأَنْتُمْ مُتَأَصِّلُونَ وَمُتَأَسِّسُونَ فِي الْمَحَبَّةِ، حَتَّى تَسْتَطِيعُوا أَنْ تُدْرِكُوا مَعَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ مَا هُوَ الْعَرْضُ وَالطُّولُ وَالْعُمْقُ وَالْعُلْوُ، وَتَعْرِفُوا مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ الْفَائِقَةَ الْمَعْرِفَةِ، لِكَيْ تَمْتَلِئُوا إلي كُلِّ مِلْءِ اللهِ" ]18، 19[. كما ربط السيد المسيح حلوله في القلب بنقاوة القلب العميقة خلال المحبة الصادقة الحافظة لكلامه (يو 14: 23)، الآن يعلن الرسول أن حلول المسيح في القلب يجعل النفس متأصلة متأسسة في المحبة الإلهية، فتنعم بعطية "الإدراك الروحي"، و"المعرفة الفائقة". إتحادنا بالسيد المسيح المرتكز على الحب، يكشف الأسرار الإلهية، فندرك ما هو العرض والطول والعمق والعلو، ونتعرف على محبة المسيح الفائقة المعرفة، فندخل إلي الملء. إنها سلسلة غير منقطعة بين "الإتحاد مع الله" و"المحبة الفائقة" و"المعرفة الإلهية" و"الملء". هذه عطايا العريس السماوي لعروسه المتحدة به، المتمتعة بمحبته الفائقة، فتنال حق التعرف على أسراره والانطلاق في نموٍ غير منقطعٍ من ملءٍ إلي ملءٍ! + يحل (المسيح) في تلك القلوب المخلصة (الأمينة)، في المتأصلين في محبته، الذين يبقون ثابتين غير متزعزعين. لكي تنالوا القوة (الكاملة)، فالأمر يتطلب قوة عظيمة: " لِكَيْ تَمْتَلِئُوا إلي كُلِّ مِلْءِ اللهِ". ماذا يعني الرسول بهذا التعبير؟ مع أن محبة المسيح ترتفع فوق كل معرفة بشرية، لكنكم ستعرفونها إن كان لكم المسيح ساكنًا فيكم، نعم ليس فقط تعرفون ذلك منه، بل أيضًا وتمتلئون إلي كل ملء الله. القديس أغسطينوس + العرض هو الأعمال الصالحة، والطول هو المثابرة والمداومة على الأعمال الصالحة، والعلو هو رجاؤكم في البركات العتيدة. فمن أجل هذه العلو تؤمرون: "ارفعوا قلوبكم"، اصنعوا خيرًا، ثابروا عليه من أجل جعالة الله. احسبوا الأمور الأرضية كلا شيء. القديس أغسطينوس يرى القديس أغسطينوس في حديث الرسول هنا عن الطول والعرض والعلو والعمق إشارة إلي الصليب بكونه الينبوع الذي يفجر فيها معرفة محبة الله الفائقة. العلو ذاك الذي يضع السيد المسيح رأسه عليه، وهو رمزًا لتوقع المكافأة من عدل الله الفائق، كما جاء في (رو 2: 6، 7) "الذي سيجازي كل واحد حسب أعماله، أما الذين بصبر في العمل الصالح يطلبون المجد والكرامة والبقاء فالحياة الأبدية". والطول هو الصليب وقد وُضع عليه جسد السيد المسيح رمزًا للصبر والمثابرة المستمرة حسب مشيئة الله، أو "طول الأناة". والعمق، هو الجزء المثبت في الأرض، يمثل طبيعة السرّ الخفية، سرّ الصليب، أو سرّ حب الله. يمكننا أن نقول انه خلال السيد المسيح المصلوب فينا يكون لنا العلو حيث تتفتح عيوننا بصيرتنا بالرجاء في الأبدية، ويكون لنا العمق حيث نكون متأسسين بنعمة الله في محبته الخفية، ويكون لنا الطول والعرض أي المحبة العملية لله والناس على المستوى الرأسي والأفقي؛ بمعنى آخر في المسيح يسوع يثبت رجاؤنا وإيماننا ومحبتنا لله والناس. أخيرًا إذ يرى الرسول أن هذه العطايا الإلهية فائقة أكدّها، معلنا أن الله يتمجد فينا خلال أعماله الفائقة في كنيسته، إذ يقول: "وَالْقَادِرُ أَنْ يَفْعَلَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ أَكْثَرَ جِدًّا مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ، بِحَسَبِ الْقُوَّةِ الَّتِي تَعْمَلُ فِينَا، لَهُ الْمَجْدُ فِي الْكَنِيسَةِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ إلي جَمِيعِ أَجْيَالِ دَهْرِ الدُّهُورِ. آمِينَ" [20.] يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [فعل الله "فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ أَكْثَرَ جِدًّا مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ"... إنني بالحق أصلي، لكنه هو يهب أكثر مما نطلب... فإننا لم نطلب هذه الأمور ولا توقعناها.] يشعر الرسول أنه إن كان بدافع الحب يطلب بإلحاح، فإن الله في عطاياه للبشرية يفيض أكثر مما كان الرسول يطلب أو يتوقع، لذا ختم حديثه بتقديم الحمد والشكر لله الذي يتمجد في كنيسته. ما أجمل كلماته " لَهُ الْمَجْدُ فِي الْكَنِيسَةِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ"، فإن الأب يتمجد في الكنيسة عروس المسيح، يتجلى بقوة في حياة أعضائها. من تفسير وتأملات الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين الإصحاح الثالث آية (1):- "1بِسَبَبِ هذَا أَنَا بُولُسُ، أَسِيرُ الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَجْلِكُمْ أَيُّهَا الأُمَمُ. " أَسِيرُ الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَجْلِكُمْ أَيُّهَا الأُمَمُ: هذه لها عدة تفسيرات: 1. بسبب بشارة بولس بأن المسيح جعل الأمم واليهود شعباً واحداً، وأنه قَبِلَ الأمم، سجنوا بولس وثاروا عليه فى أورشليم، ومن أورشليم أُرسِلَ للمحاكمة فى روما. وكان هناك فى الأسر الأول سنة 62م حين كتب هذه الرسالة. فقوله هنا أَسِيرُ الْمَسِيحِ أى أنه مأسور وسجين بسبب كرازته بالمسيح وسط الأمم، وأن الأمم صاروا مقبولين لدى الله كاليهود. 2. هناك نظرة أعمق للأمور، فبولس تصوَّر أنه ليس فى يد اليهود أو الرومان بل هو فى يد الرب ضابط الكل. بولس ليس فى يد نيرون ولا رؤساء الكهنة اليهود ولا فى يد عسكرى مربوط معه بسلسلة، بل هو فى يد الله، هذا يتفق مع قول السيد المسيح "لم يكن لك علىَّ سلطان البته إن لم تكن قد أعطيت من فوق" (يو11:19). وهكذا يجب أن نفكر مثل بولس، فكما أن الله هو الذى سمح بسجن بولس، هكذا فى كل أمور حياتنا، نحن لسنا فى يد إنسان مهما كان مركزه، بل نحن فى يد الله، هو يحمينا. حتى تجارب الشيطان هى بسماح من الله. ونحن لسنا فى يد جرثومة تصيبنا بمرض، بل نحن فى يد الله، ولا نحن خاضعين لحادثة عرضية، بل نحن فى يد الله. 3. وهناك ما هو أعمق من ذلك، فبولس يتصور أنه أسير حب المسيح، محصور بمحبة المسيح. ويتساءل كيف أرد لك يارب محبتك وجميلك، فأنت لا تحتاج لشىء. لذلك سأرد جميلك لأولادك الذين أحببتهم وصلبت لأجلهم، أى سأكرز لهم مهما حدث لى، حتى لو قتلت. لذلك قال أنه مديون لليونانين والبرابرة... (رو14:1). أنا أخذت منك الكثير يارب، وسأحاول أن أرد لهؤلاء الذين تريد أنت خلاصهم. سأرد جميلك عن طريقهم = لأَجْلِكُمْ أَيُّهَا الأُمَمُ. وقوله أنه أَسِيرُ فى الرب المسيح يسوع تعنى حالة الوجود الدائم فى المسيح. وقوله أَنَا وتكرارها يؤكد اعتزازه برسالته التى كلفه بها المسيح واعتزازه بسجنه لأجل هذه الرسالة، لقد إعتبر لقب أَسِيرُ الْمَسِيحِ يَسُوعَ شرفاً لهُ ومعنى كلامهُ هنا أن المسيح مات لأجل محبته لهم، وهو أيضاً مأسور وسجين لأجل محبته لهم وان هذا شىء يُفْرِحَهُ. آية (2):- "2إِنْ كُنْتُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ بِتَدْبِيرِ نِعْمَةِ اللهِ الْمُعْطَاةِ لِي لأَجْلِكُمْ. " يتحدث هنا أن الله أرسله إلى الأمم وكان هذا تَدْبِيرِ نِعْمَةِ اللهِ: وكلمة تدبير كلمة خاصة بتدبير البيت أو الكنيسة أو الدير. والله دَبَّر أن تكون كنيسته شاملة الجميع يهوداً وأمم على السواء. ودَبَّرَ أن الأمم لا يحفظوا ناموس الفرائض. الْمُعْطَاةِ لِي: الله استأمن بولس على نشر هذا الإنجيل حين ظهر لهُ ثم أرسلهُ ليعلم الأمم أن الله اختارهم للمجد. وبسبب بشارته هذه للأمم هو مسجون. فمن تدبير الله أنه ظهر لبولس وان الله أرسله لحنانيا. آية (3):- "3أَنَّهُ بِإِعْلاَنٍ عَرَّفَنِي بِالسِّرِّ. كَمَا سَبَقْتُ فَكَتَبْتُ بِالإِيجَازِ. " أَنَّهُ بِإِعْلاَنٍ: (غل12،11:1). ربما أثناء سفره إلى دمشق، أو وهو يصلى فى الهيكل (أع21:22). او وهو يصلى عموماً. أو وهو مختطف للسماء الثالثة. عموماً هى معرفة موهوبة من الله بوضوح. السِّرِّ = هو قبول الأمم وإنهم صاروا شركاء الجسد والمجد والميراث. ولقد سبق المسيح وقال لى خراف أخر ليست من هذه الحظيرة (يو16:10). وكان يقصد بهذا الأمم. بِالإِيجَازِ: ما قلته فى إصحاح 1، 2 هو إيجاز، وهو قليل جداً بالنسبة لهذا السر العظيم. آية (4):- "4الَّذِي بِحَسَبِهِ حِينَمَا تَقْرَأُونَهُ، تَقْدِرُونَ أَنْ تَفْهَمُوا دِرَايَتِي بِسِرِّ الْمَسِيحِ. " المعنى أنكم لو قرأتم ثانية ما قلته فى إصحاحى 2،1 ستفهمون ما أعنيه بِسِرِّ الْمَسِيحِ: أى السر الخاص بالمسيح من نحو الآخرين، وإرادته فى قبول الأمم كشركاء فى الجسد. هو سر فلم يكن أحد يعرفه سوى الله. وحتى يحكموا على أن بولس له دراية، فمن المؤكد أنه انكشف لهم هم أيضاً هذا السر. آية (5):- "5الَّذِي فِي أَجْيَال أُخَرَ لَمْ يُعَرَّفْ بِهِ بَنُو الْبَشَرِ، كَمَا قَدْ أُعْلِنَ الآنَ لِرُسُلِهِ الْقِدِّيسِينَ وَأَنْبِيَائِهِ بِالرُّوحِ. " كثير من الأنبياء إن لم يكن كلهم تنبأوا عن دخول الأمم للإيمان (أش10:11) + (مز117). ولكن لم يقل أحدهم إنهم سيتساووا مع اليهود فى البنوة والميراث والمجد وأن يصير الاثنان واحداً فى جسد واحد. لم يكن يهودى واحد يتصور ان الأمم الذين يسمونهم كلاب سيكونون شركاء المجد والميراث وهذا يعنى = الَّذِي فِي أَجْيَال أُخَرَ لَمْ يُعَرَّفْ بِهِ بَنُو الْبَشَرِ. لذلك فكلمة أَنْبِيَائِهِ هنا هى عن أنبياء العهد الجديد فهى أتت بعد الرسل. بِالرُّوحِ: الروح القدس هو الذى أعلمهم، فهو روح الإعلان حسب وعد المسيح"هو يعلمكم كل شئ" (يو26:14 + 13:1). آية (6):- 6أَنَّ الأُمَمَ شُرَكَاءُ فِي الْمِيرَاثِ وَالْجَسَدِ وَنَوَالِ مَوْعِدِهِ فِي الْمَسِيحِ بِالإِنْجِيلِ. " هنا يكشف الرسول عن ما هو السر الذى أشار إليه فى (آية3،4) مَوْعِدِهِ: أى الروح القدس (لو49:24). وهذا حدث أولاً مع كرنيليوس. شُرَكَاءُ فِي الْمِيرَاثِ: شركاء اليهود فى الميراث المعد. شُرَكَاءُ فِي الْجَسَدِ: أى فى جسد المسيح الذى وُهِبَ للكنيسة أن تعيش به وفيه أى الكنيسة الواحدة. فِي الْمَسِيحِ بِالإِنْجِيلِ: الروح لا يُسكب إلا على من هم فى المسيح، أى من آمن ببشارة الإنجيل واعتمد "من آمن واعتمد خلص" (مر16:16) ولذلك الكنيسة لا تعطى سر الميرون إلاّ بعد المعمودية أى بعد أن نتحد بالمسيح. آية (7):- 7الَّذِي صِرْتُ أَنَا خَادِمًا لَهُ حَسَبَ مَوْهِبَةِ نِعْمَةِ اللهِ الْمُعْطَاةِ لِي حَسَبَ فِعْلِ قُوَّتِهِ. " الَّذِي صِرْتُ أَنَا خَادِمًا لَهُ: أى خادماً للإنجيل (آية6). والمفهوم أن بولس صار خادماً لإنجيل الأمم كما صار بطرس خادماً لإنجيل الختان. مَوْهِبَةِ نِعْمَةِ اللهِ = أى الرسولية وهذا يتضح من أية 8. حَسَبَ فِعْلِ قُوَّتِهِ = كل ما حدث ليس بقوتى بل هى قوة الله التى حولتنى من مضطهد للكنيسة إلى كارز بإسم المسيح جاب أوروبا كلها. كارزاً وسط أهوال من الاضطهادات. بولس يشهد هنا أن عمل الله فيه ومعه كان قوياً جداً. فالله الذى يكلف أحد بعمل يعطيه المواهب والقوة اللازمة، بل هى قوة ترفعه ضد ضعفات جسده (2كو9:12). وقوة الله إختبرها بولس أيضاً مع الأمم الذين تحولوا من الوثنية إلى مؤمنين قديسين لهم مواهب. حقاً بولس غرس وأبلوس روى لكن قوة الإنماء كانت من الله. آية (8):- "8لِي أَنَا أَصْغَرَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ، أُعْطِيَتْ هذِهِ النِّعْمَةُ، أَنْ أُبَشِّرَ بَيْنَ الأُمَمِ بِغِنَى الْمَسِيحِ الَّذِي لاَ يُسْتَقْصَى. " هنا نرى كيف أعانته هذه القوة وهذِهِ النِّعْمَةُ. أَصْغَرَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ وترجمتها حسب أصلها اليونانى أصغر من أصغر جميع القديسين. الْقِدِّيسِينَ هنا هم كل المؤمنين المسيحيين، فهو فى تواضعه يلغى وجوده، بل هو حين قال "حسب فعل قوته" أية 7 تذكر أعمال الله القوية والعجيبة معه. وكيف أنقذه من كل الأهوال التى صادفته (2كو11). وكيف كانت كرازته مؤثرة.. ولما تذكر عمل الله معه تصاغر فى عينى نفسه. لذلك علينا أن لا ننشغل بما عملناه ولكن بعمل الله معنا فنتصاغر فى أعين أنفسنا ولا نسقط فى فخ الكبرياء. وهذا هو الشعور الصحيح الذى يجب أن يكون داخلنا أننا لا شئ.. مجرد عبيد بطالون. ولا نتفاخر بأى شئ عملناه. بل علينا أن لا نَرْضَى عن أنفسنا أبداً، فإذا كان هناك عمل جيد عملناه فلننسبه لله ونقول الله فعل كذا وكذا. ومن يشعر بالرضى عن نفسه سريعاً ما يسقط فى الكبرياء، أو إدانة الله عن اى تجربة يتعرض لها فيقول "أنا يارب عملت لك كذا وكذا فلماذا تسمح بهذا الألم" لكن المسيح حتى يحمينا من هذا الفخ قال لنا قولوا إننا عبيد بطالون.. فإن أتى الألم، نقول أننا نستحقه، إن أتى النجاح نقول من الله. والحقيقة هى إننا خطاة، ومن انفتحت عينه سيرى هذا، ويقول مع بولس "الخطاة الذين أولهم أنا" ولاحظ أن الفريسي الذى استضاف المسيح وعمل كذا وكذا لم يخلص، بل خلصت المرأة الخاطئة التى بكت محتقرة نفسها. بِغِنَى الْمَسِيحِ الَّذِي لاَ يُسْتَقْصَى: النعمة التى أعطيت لبولس هى أن يبشر الأمم الذين كانوا فى منتهى الجهل بغنى المسيح، وهذا فوق قدرات البشر. وكل ما يتصور بولس الرسول غنى المسيح العجيب وتدبيره ومحبته وقدرته يتصاغر فى عينى نفسه ويرى انه الأصغر. وبولس يبشر بالمسيح الغنى فى مجده، ولكن لقد صار كل ماله هو لنا، فقد صرنا شركاء الميراث آية6. وهذا معنى أن المسيح صار وارثا (عب2:1). أن جسد المسيح ورث المجد، ونحن جسده، فمجده صار لنا لذلك قال المسيح "وأنا قد أعطيتهم المجد الذى أعطيتنى" (يو22:17). الَّذِي لاَ يُسْتَقْصَى: هذه مثل ما لم تره عين وما لم تسمع به أذن ولم يخطر على بال إنسان ما أعده الله للذين يحبونه (1كو9:2). آية (9):- "9وَأُنِيرَ الْجَمِيعَ فِي مَا هُوَ شَرِكَةُ السِّرِّ الْمَكْتُومِ مُنْذُ الدُّهُورِ فِي اللهِ خَالِقِ الْجَمِيعِ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ. " وَأُنِيرَ: هذه هى رسالتى أن أبشر بين الأمم بغنى المسيح. فإذ أنار الله عينيه وعرف السر، وجد نفسه ملتزماً أن يقود الجميع لمعرفة هذا السر، سر حب الله للجميع، بل هو يكشف هذا السر حتى للسمائيين، فقد كان مكتوماً عن الكل. الكنيسة الواحدة تعلن هذا للسمائيين (آيات11،10) مُنْذُ الدُّهُورِ: هنا نرى أزلية خطة الله. فِي اللهِ: كان الله حافظاً هذا السر فى نفسه. السر المكتوم أن البشر سيكون ميراثهم فى السماء. خَالِقِ الْجَمِيعِ: أى الأمم واليهود وكل رتب الملائكة. بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ: المسيح خلق آدم وكل الخليقة. ويخلقنا الآن ثانية فى المعمودية. الآيات (10-11):- "10لِكَيْ يُعَرَّفَ الآنَ عِنْدَ الرُّؤَسَاءِ وَالسَّلاَطِينِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ، بِوَاسِطَةِ الْكَنِيسَةِ، بِحِكْمَةِ اللهِ الْمُتَنَوِّعَةِ، 11حَسَبَ قَصْدِ الدُّهُورِ الَّذِي صَنَعَهُ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّنَا. " لِكَيْ يُعَرَّفَ: لكى عائدة على الآية السابقة، أى أن بولس يكرز ليُعْلم السمائيين أيضاً بالسر. فبكرازة بولس الرسول عَرِف الملائكة السر الذى كان مكتوماً. بِوَاسِطَةِ الْكَنِيسَةِ: فى الكنيسة الواحدة فقط ظهرت وتحققت رحمة الله. حِكْمَةِ اللهِ الْمُتَنَوِّعَةِ: الله له خطة أزلية ينفذها، وهذه كانت غير معلنة حتى للملائكة ماذا كان يرى الملائكة؟ هم رأوا الله يخلق الجنة فى مئات الملايين من السنين ثم يخلق آدم ليسكن الجنة الأرضية. فتصوروا أن مكانهم السماء، أما آدم ونسله يكون مكانهم الجنة. ثم يسقط آدم ويطرد من الجنة، وحزن الملائكة إذ صار مصير آدم مجرد أرض ملعونة. ثم يختار الله إبراهيم ويعطيه كنعان ميراثاً ويهمل الأمم ثم يكون لليهود شعباً لهُ، وينحدر الأمم من فساد لفساد، فظن الملائكة إن الله لا يمكن أن يقبلهم أو يتعامل معهم. وظن الملائكة إن أقصى ما يمكن أن يصل إليه الإنسان التقى هو قطعة أرض يعطيها له الله ليزرعها. وإذا بالمسيح يتجسد ويقبل الأمم ويحولهم من الفساد لقديسين صالحين. وإذا بالملائكة يرون أن من يموت بعد المسيح صار يذهب للفردوس (للمؤمنين الأبرار قطعاً). وإذ بهم يرون المسيح يُكَوَّنْ جسداً واحداً من السمائيين والأرضيين، إذاً لقد صار هناك وحدة بين السمائيين والأرضيين. بل إكتشفوا بكرازة بولس الرسول أن البشر الذين صاروا جسد المسيح، صار ميراثهم السماء مثل الملائكة. هم كانوا يتصورون أن أقصى ما يمكن أن يصل إليه البشر هو ميراث الأرض. فسمعوا من كرازة بولس، ومن شكل الكنيسة الواحدة أن البشر صارت السماء ميراثاً لهم. لقد صار الملائكة الآن يشاهدون كيف أن الله يكون الجسد من السمائيين والأرضيين ليكون مكانهم السماء، ومن يتمرد ويرفض يكون خارج الجسد فى الظلمة الخارجية. حِكْمَةِ اللهِ الْمُتَنَوِّعَةِ: هى قبول اليهود ورفض الأمم فترة. ثم قبول الأمم ورفض اليهود ثم عودة اليهود فى نهاية الأزمنة (رو25:11-36). حَسَبَ قَصْدِ الدُّهُورِ: كل ما عُمِلَ فى الفداء. وقبول اليهود لفترة ثم قبول الأمم كان فى قصد الله قبل الدهور، أى منذ الأزل. وظهرت الآن حكمته. صَنَعَهُ: أى أكمله وأتمه أو حققه فى المسيح. ومن حكمة الله أن الكنيسة تستلم أعمال لله وتخبر بها. وحينما تظهر الكنيسة فى السماء، جالسة فى السماء سيعرف السمائيين مقدار حكمة الله وتدبيره حين يظهر غنى نعمته على الكنيسة. آية (12):- "12الَّذِي بِهِ لَنَا جَرَاءَةٌ وَقُدُومٌ بِإِيمَانِهِ عَنْ ثِقَةٍ. " الَّذِي بِهِ: بالمسيح (من آية 11). بعد أن حَلَّقَ الرسول فى الأبدية نجده ينزل ليأخذ بيدنا ويشرح لنا أنه بالمسيح لنا قدوم لدى الآب (أف18:2). ونتكلم معهُ بجرأة قائلين له أبانا. بِإِيمَانِهِ: أى بالإيمان بالمسيح لنا هذه الجرأة. عَنْ ثِقَةٍ: بعد أن رأينا خطة الله وحبه وتدبيره، الذى دبر لنا بفدائه أن نرث أمجاد السماء، وعرفنا أنها خطة أزلية، أى أن محبة الله لنا أزلية، ألا نتقدم عن ثقة، هل مازلنا نشك فى محبة الله. وقطعاً فإن الإيمان بالمسيح هو الطريق لثباتنا فيه واتحادنا به ووجودنا فيه، وهذا ما يشفع لنا فى أن نقف أمام الله فى ثقه. وبولس فى ثقته هذه يثق أن الكرازة للأمم ستتم رغماً عن سجنه (آية13). آية (13):- "13لِذلِكَ أَطْلُبُ أَنْ لاَ تَكِلُّوا فِي شَدَائِدِي لأَجْلِكُمُ الَّتِي هِيَ مَجْدُكُمْ. " لِذلِكَ: هذه الآية إذاً مبنية على السابقة والمعنى لأن لى ثقة أقول الآتي.. بولس يكتب من سجن روما، وقد يُحكم عليه بالموت فى المحاكمة، وهنا يدعوهم ألاَّ يكلوا ويخوروا فى إيمانهم بسبب آلامه، إذ أن آلامه كانت بسببهم. وإذا فهمتم أن الله يحبنا وله خطة أزلية سيتممها ولن يفشل، فلماذا أنتم حزانى على قيودى التى كانت بسبب كرازتى لكم، فبسببها كان إيمانكم وبالتالى مجدكم، إذاً نفهم أن الآلام صارت مجداً للإنسان بعد أن كانت هواناً، الله من محبته لا يسمح لنا بألم إن لم يكن هذا الألم هو الطريق الوحيد للمجد. فالآم بولس ستكون لمجده هو ولمجدهم هم أيضاً. فآلامه كانت بسبب كرازته لهم وإيمانهم. عموماً فأى تجربة يسمح بها الله هى طريقى للمجد، الضيقة لم تعد عقوبة بل الطريق للسماء، بل هى الطريق الوحيد للسماء، وبها تنفذ خطة الله. هو بدأ فى(1:3). بأنه أسير الرب ثم شرح أن الله لهُ خطة أزلية، لذا نفهم أن آلام الرسول لن تعطل الخدمة، بل هى جزء من خطة الله، فخطة الله لن يعطلها القيود، بل بما أن الله سمح بها لأحد خدامه فهو قادر أن يحولها للمجد وللخير لهذا الخادم بل لآخرين. الله قادر أن يخرج من الجافى حلاوة. الآيات (14-19):- "14بِسَبَبِ هذَا أَحْنِي رُكْبَتَيَّ لَدَى أَبِي رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، 15الَّذِي مِنْهُ تُسَمَّى كُلُّ عَشِيرَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَعَلَى الأَرْضِ. 16لِكَيْ يُعْطِيَكُمْ بِحَسَبِ غِنَى مَجْدِهِ، أَنْ تَتَأَيَّدُوا بِالْقُوَّةِ بِرُوحِهِ فِي الإِنْسَانِ الْبَاطِنِ، 17لِيَحِلَّ الْمَسِيحُ بِالإِيمَانِ فِي قُلُوبِكُمْ، 18وَأَنْتُمْ مُتَأَصِّلُونَ وَمُتَأَسِّسُونَ فِي الْمَحَبَّةِ، حَتَّى تَسْتَطِيعُوا أَنْ تُدْرِكُوا مَعَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ، مَا هُوَ الْعَرْضُ وَالطُّولُ وَالْعُمْقُ وَالْعُلْوُ، 19وَتَعْرِفُوا مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ الْفَائِقَةَ الْمَعْرِفَةِ، لِكَيْ تَمْتَلِئُوا إِلَى كُلِّ مِلْءِ اللهِ. " كل ملء اللاهوت يحل في المسيح نحن مملوؤن فيه (كو10:2) جسد المسيح الإنسان المحدود تبدأ هذه الآيات الرائعة بأن بولس الرسول يحْنِي رُكْبَتَيَّه أى يصلى من أجلهم آية 14... فلماذا يصلى ؟ نفهم هذا من آية 19 لِكَيْ تَمْتَلِئُوا إِلَى كُلِّ مِلْءِ اللهِ: ماذا يعنى كُلِّ مِلْءِ اللهِ ؟ تصور أن جسد المسيح الذى حلَّ فيه كل ملء اللاهوت أنه خزان ضخم جداً جداً. وإنني أنا مجرد آنية صغيرة متصلة بهذا الخزان. هذا اتصال تم بسبب تجسد المسيح ثم فدائه ثم بالمعمودية التى تجعلنا نموت معهُ ونقوم متحدين به ثابتين فيه. ثم بحلول الروح القدس علينا ليثبتنا فى المسيح. ثم بالتناول المستمر. وباتحادنا بالمسيح صار هو قادراً أن يملأنا كما يملأ هذا الخزان الضخم الآنية الصغيرة المتصلة به. ما يحدد ما تأخذه الآنية، محدوديتها. وبماذا نمتلئ؟ من الحكمة والقداسة والبر. لقد كان سليمان مثال الحكمة وداود مثال للوداعة ويوحنا مثال للمحبة. ولكن المسيح قادر أن يملأنى من كل هذا. بل يجعلنى صورة له، أى ألبس المسيح أى تكون لى كل الفضائل التى للمسيح. بل يملأنى أيضاً محبة وفرح وسلام وغيرة... والأهم من هذا كله.. هو أن الله يسكن عندى (1كو16:3) + (يو23:14) بل يملأنى فيصير الله هو مصدر كل شىء أحتاجه. وجوده فى داخلى هو مصدر شبعى وفرحى وسلامى لذلك قال الرسول عن المسيح أنه سلامنا، أى وجوده فى داخلى صار مصدر سلامى. وبنفس المفهوم قال إشعياء عن الله أنه.. خلاصى وقوتى وترنيمتى وقد صار لى خلاصاً (إش2:12). وقوله مِلْءِ.. إذاً لن يكون هناك مكان لشىء لآخر، أى لن أحتاج لمصدر فرح خارجى أو شبع خارجى، لن أحتاج لآخر، فلا مكان لآخر، فهو يملأنى. هذا سيتم بالكامل فى السماء. ولكن هنا نأخذ العربون على الأرض، أى نتذوق شىء من هذا هنا على الأرض وهناك من جرب هذا الشعور، أنه ما عاد يحتاج لشىء من هذا العالم. إن من يمتلئ من الله يصبح هدفه الوحيد وغايته الوحيدة هو الله.. لماذا؟ ببساطة لأنه اختبر هذا الشعور الممتع بأن الله فى داخله نبع أفراح وسلام وتعزيات. بل هو صار يطلب المزيد من الامتلاء. وأماّ من لم يختبر فهو مازال يسعى للشبع من هذا العالم الذى قيل عنه "من يشرب من هذا الماء يعطش" (يو4: 13). وقيل عنه أنه قبض الريح (جا17:1) أى ما يشبه ظاهرة السراب. إن من يمتلىء بالله لا يعود يحتاج لشىء من هذا العالم. هذا ما يطلبه بولس الرسول لنا. ولاحظ أن الفرح الذى يعطيه الله هو فرح حقيقى، ؟أما ما يعطيه العالم فهو أفراح غاشة تزول بزوال المؤثر الخارجى. ومن هنا نفهم لماذا قيل أن محبة العالم عداوة لله (يع4:4). والسبب ببساطة أن من يحب العالم ويسعى وراء شهواته لم يكتشف بعد حلاوة الشبع والملء من الله، لم يتذوق هذا الإنسان العربون الذى يعطيه الله لنا الآن، ومن لم يتذوق العربون فى هذه الأرض، فهو لن يحصل على شئ فى السماء. إن الأكل والشرب.. ألخ ليسوا عداوة لله، ولكن إذا كان العالم فقط هو الذى يشبعك بملذاته، فلن تبحث عن الله. إذاً ماذا ستفعل فى السماء؟ إذا لم تكتشف أن الله قادر أن يشبعك ويفرحك، إذاً ستسير وراء إله آخر يشبعك فى هذا العالم. لذلك فمحبة العالم عداوة لله. وكيف نصل لكُلِّ مِلْءِ اللهِ ؟ تعرفوا مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ الْفَائِقَةَ الْمَعْرِفَةِ ماذا يعنى التعبير: مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ الْفَائِقَةَ الْمَعْرِفَةِ ؟ يعنى ببساطة أننا سندرك أشياء فائقة وسامية جداً لو تذوقنا محبة المسيح. مثال: رجل غنى له قصر مملوء من التحف الرائعة، فإن أسهل طريقة حتى يمكننى أن أرى كل هذا المجد الذى فى داخل القصر، هى أن أدخل فى علاقة حب مع صاحب القصر، فيدعونى هو بدالة المحبة والصداقة للدخول إلى قصره. هكذا إذ دخلنا فى علاقة حب مع الله، فالله سيكشف لى عن أمجاد السماء (1كو9:2-12) إذاً فالروح القدس الذى فينا مستعد أن يكشف لنا كل شىء حتى أعماق الله. بل أن الروح القدس هو الذى يعطينا المحبة (غل22:5) + (رو5:5). وكلما زادت المحبة زاد الإدراك، وشعرنا بأمجاد السماء كما فى لغز أو مرآة الآن (1كو12:13). ولكن ما علاقة المعرفة الفائقة بكل ملء الله؟ المعرفة ليست فقط فى معرفة المجد الذى أعده لنا الله بل هى معرفة الله نفسه، وماذا يمكن أن يعطينى الله وكلما عرفنا الله سنعرف أنه وحده قادر أن يفرحنا ويشبعنا، فنطلب أن نزداد فى الملء. هذا معنى أن الله سيصير غايتنا الوحيدة، لن نريد غيره، لأننا سنعرف الفرح الحقيقى واللذة الحقيقية، ما عاد العالم يخدعنا بملذاته بعد أن عرفنا الحق، والحق حررنا من الباطل أى كل ملذات العالم (يو32:8). لهذا قال السيد المسيح "وهذه هى الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقى ويسوع المسيح الذى أرسلته" (يو3:17). فللأسف فإن معظم الناس لا تعرف طريقاً للشبع سوى ملذات العالم حتى وما هو خاطئ منها، ولم يكتشف أحد منهم أن الله هو المشبع الوحيد، وهذا ما جعل الله يعاتب الناس (أر13:2). مثال: ولد شحاذ فقير لا يعرف طريقاً للطعام الذى يشبعه سوى القمامة الملقاة فى الشوارع. وعرض عليه أحد الأغنياء إسم وجبة فخمة يعطيها له على أن يمتنع عن الأكل من القمامة. من المؤكد أنه سيرفض فهو لا يفهم حتى إسم هذه المأكولات الفخمة. ولكنه يوم يتذوقها سيحتقر تماماً مأكولات القمامة. وهذا معنى مثل السيد المسيح عن الإنسان الذى وجد لؤلؤة كثيرة الثمن، فمضى وباع كل ما كان يملكه من لآلىء. فاللآلىء، أو مأكولات القمامة، هو ما يُشبِعْ الناس الآن من ملذات العالم، لكن يوم نعرف المسيح اللؤلؤة كثيرة الثمن سأطلبه وحده، ولو طلبته سأُعطَى "أسألوا تعطوا" وإذا سألت سأمتلىء من الله. فالمهم أن أعرف محبة المسيح وهذه تنقلنى للإدراك بل حتى فى السماء ستبقى معرفتنا محدودة لأننا سنظل محدودين كبشر أمام الله غير المحدود. وكلما أعرف الله أكثر أفرح وأطلب الإتساع لأعرف أكثر وأفرح أكثر وهكذا بلا نهاية. وهذه هى الحياة الأبدية أن نظل نعرف جديداً عن الله، ونتسع فنفرح ونطلب فنمتلىء. وهذا ما يطلبه الرسول لأهل أفسس أن يعرفوه ويتذوقوه من الآن. آية (14):- "14بِسَبَبِ هذَا أَحْنِي رُكْبَتَيَّ لَدَى أَبِي رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ. " بِسَبَبِ هذَا: بسبب ثقة بولس أن الله قبل الأمم وأحبهم، وأنه يحول كل شىء لمجدهم حتى سجنه هو. هذه الثقة جعلت بولس يصلى لأجلهم = أَحْنِي رُكْبَتَيَّ: فالوضع الأمثل للصلاة هو إحناء الركبة أو الوقوف بخشوع مع رفع الأيادى على هيئة صليب، كما فعل موسى فى حربه مع عماليق (خر12:17). فالصلاة بإسترخاء لا تأتى بنتيجة (نش3: 2،1). وبولس يصلى طالباً لهم: 1. أن يتأيدوا بالقوة بروح الله أية 16. 2. أن يدركوا المحبة وتكون لهم المحبة أية 18. لذلك يقول لدى أبى ربنا يسوع المسيح: فبسبب بنوة المسيح للآب صرنا كلنا أبناء لله. وحينما إتحدنا بالابن صار الآب يحبنا بالحب الذى يحب الآب إبنه به. صارت محبته التى تنسكب فى إبنه، صارت تنسكب فينا أيضاً. وبولس يصلى أن نكتشف هذا الحب. وبسبب إتحادنا بالإبن صار الروح القدس يحل فينا. لذلك فالرسول يذكر أن الآب هو أبى ربنا يسوع المسيح لأن بنوة المسيح للآب وإتحادنا بالمسيح. صارا هما الطريق الوحيد لما يطلبه أى :- 1. إكتشاف محبة الآب لنا. 2. تدعيم وقوة الروح القدس لنا. كأن بولس فى صلاته هذه يُذكّر الآب بأن شعب أفسس صاروا عروساً لإبنه، وبهذه الدالة يطلب أن يتمتع الكل بمحبة الآب. آية (15):- "15الَّذِي مِنْهُ تُسَمَّى كُلُّ عَشِيرَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَعَلَى الأَرْضِ. " الَّذِي مِنْهُ تُسَمَّى كُلُّ عَشِيرَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَعَلَى الأَرْضِ: الإسم فى العبرية يشير للكيان والحياة والشخصية والقدرة. فالمعنى أن الله هو خالق العالم كله ما فى السماء وما على الأرض بقوته. والرسول يريد أن يقول لأهل أفسس " يا شعب أفسس لا تخجلوا أن تطلبوا من الله أن تمتلئوا لكل ملء الله، وتمتلئوا من معرفته ومحبته، فهم أبوكم. ونفهم هذا من قوله لدى أبى ربنا يسوع المسيح فى الآية السابقة، وقوله هنا كُلُّ عَشِيرَةٍ. فهو أى الله صار بيسوع المسيح أبا لنا جميعاً. فلنحذف كل عشيرة ونضع مكانها كنيستنا أو عائلاتنا... الله صار أباً لنا جميعاً فلنطلب منه بلا خجل. وكلمة عشيرة أصلها Patria أى أبوة. فكل أبوة (جسدية أو روحية) هى مستمدة من الآب. وتنتمى لله كأب. فالآب أصل كل حياة. وكل قوة فى الوجود لجميع الكائنات بمختلف فصائلها سواء ملائكة أم بشر. وكلمة تُسَمَّى = تستمد إسمها وكيانها أو تأخذ وجودها وحياتها وقوتها منه. هو مصدر كياننا، هو أبونا، هكذا قال السيد صلوا هكذا" أبانا الذى... آية (16):- "16لِكَيْ يُعْطِيَكُمْ بِحَسَبِ غِنَى مَجْدِهِ، أَنْ تَتَأَيَّدُوا بِالْقُوَّةِ بِرُوحِهِ فِي الإِنْسَانِ الْبَاطِنِ. " أَنْ تَتَأَيَّدُوا بِالْقُوَّةِ بِرُوحِهِ = هذه قطعاً لمن إعتمد وحِلَّ عليه الروح القدس، وصار له إنسان داخلى جديد = الإِنْسَانِ الْبَاطِنِ. وهذا الإنسان الداخلى إماّ أن ينمو أو يضمحل ويضعف. والرسول يطلب لهم أن يمتلئوا من الروح القدس ليدعم إنسانهم الباطن هذا. والروح يبكت على الخطية وعلى البر ويدعمنا لنترك الخطية ونسلك فى البر. وهو يعطينا حياة المسيح وبره نحيا بهما. ولكن الروح القدس يعطى لمن يتجاوب معه ويقرر أن يصلب شهواته، هذا يعطيه الروح قوة تجعل الشهوة الخاطئة ميتة فيه. ومن ماتت الخطية فيه يكون صالحاً لسكنى المسيح فيه أية 17. الروح القدس يبكت بمعنى أنه يقنع المؤمن بان يترك طريق الخطية ويسلك فى البر، ومن يتجاوب معه يعطيه قوة، فهو يعين ضعفانا (رو26:8). والروح يسكب محبة الله فينا (رو5:5) وبهذا يزيل محبة العالم ويضع بدلاً منها محبة الله، فبدلاً من ان ينجذب المؤمن للعالم يصير يشتهى الجلوس مع الله الذى أحبه، أماّ الكراهية فهى رائحة نتانة، معها لا يسكن الله. وإذا إمتلأ القلب من المحبة يكون مستعداً لسكنى المسيح فيه آية 17 أما القلب المنقسم بين محبة الله ومحبة العالم لن يسكن فيه المسيح. والروح القدس يميت محبة العالم (لمن يحاول ويريد) فى القلب يسكن فيه المسيح أية 17. والمسيح كعريس للنفس حتى يسكن فيها يريد تجديد الداخل ويكون هذا بأن يسمح الله ببعض التجارب حتى إذا فنى إنساننا الخارجى يتجدد الداخل يوماً فيوم (2كو16:4)، وحتى لا يفشل المؤمن وسط التجربة يعطيه الروح القدس عزاء ومساندة ومعونة حتى تتم عملية تجديد الداخل إستعداداً ليحل المسيح فى القلب آية 17. والآن كيف نفنى الإنسان الخارجى حتى يتجدد الداخل ؟ 1. أحيا كميت أمام الخطية (رو11:6) + (كو5:3). 2. الحياة فى زهد وأصوام وهذا منهج كنيستنا الأرثوذكسية. 3. قبول الصليب الذى يساعدنا به الله لكى يفنى إنساننا الخارجى.. بشكر. بِحَسَبِ غِنَى مَجْدِهِ: الله مشتاق أن يؤيدك بقوة روحه القدوس، ولكن إلى أى مدى؟ هنا الإجابة بِحَسَبِ غِنَى مَجْدِهِ: أى لا حدود لهذا التدعيم وبسخاء لا يوصف. ولكن الروح القدس مستعد أن ينسكب ويملأ ويدعم ويؤيد القلب المنفتح له، الذى يريده، والذى يطلبه، فالروح القدس يعطيه الله لمن يسألونه (لو13:11). آية (17):- "17لِيَحِلَّ الْمَسِيحُ بِالإِيمَانِ فِي قُلُوبِكُمْ. " لِيَحِلَّ الْمَسِيحُ بِالإِيمَانِ فِي قُلُوبِكُمْ: إذاً صلاة الرسول أن يدعمنا الروح القدس ويؤيدنا حتى يحل المسيح فى قلوبنا. وهذا ما شرحه الرسول فى (غل20:2). "مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فىّ. فما أحياه الآن فى الجسد فإنما أحياه فى الإيمان.." وحين يحل المسيح فى داخلى يملك على عواطفى ومشاعرى. ويتربع على عرش قلبى ويعلن ملكوته فىَّ ويتخذ قلبى مسكناً لهُ والقلب هو جماع العواطف والأحاسيس والإرادة والضمير والفهم، فأحبه ولا أحب سواه. وحلول المسيح فى القلب هو شىء لا يرى بل هو بالإيمان ولكن لنراجع (غل20:2). فكلما مارسنا عملية صلب الجسد مع الأهواء والشهوات كلما كانت لنا حياة المسيح. وحل المسيح فى قلوبنا بالإيمان. عموماً فالإيمان هو المدخل لحياة المسيح فينا، وبلا إيمان لا يكون لنا أى شىء من هذه البركات، فبدون إيمان لا يمكن إرضاؤه (عب6:11). ومن يحيا فى المسيح، اي من يكون المسيح ساكناً فى قلبه يمتلىء بالروح. مثل هذا يتأصل فى المحبة. آية (18):- "18وَأَنْتُمْ مُتَأَصِّلُونَ وَمُتَأَسِّسُونَ فِي الْمَحَبَّةِ، حَتَّى تَسْتَطِيعُوا أَنْ تُدْرِكُوا مَعَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ، مَا هُوَ الْعَرْضُ وَالطُّولُ وَالْعُمْقُ وَالْعُلْوُ. " مُتَأَصِّلُونَ فِي الْمَحَبَّةِ Rooted. مُتَأَسِّسُونَ: الأساس الذى نبنى عليه فأساس علاقتنا مع الله هى المحبة، الله محبة ولا يطيق الكراهية. فالمسيحى الذى يريد أن يقيم علاقة مع الله يجب أن يفهم أن أساس العلاقة مع الله هو المحبة، ويبدأ بقرار أن يجاهد ليسلك بالمحبة، بل لا يكفى الأساس، لكن أن يتعمق فيها. عموماً كل ما يجاهد الإنسان ليحيا بالمحبة سيدخل إلى أعماق المحبة. إن المحبة أسمى من الزهد والتقشف وأى شىء أخر. أى شىء غير المحبة هو كرائحة نتانة أمام الله ، لن نصل إلى أى أعماق يريدها الله لنا، ولا لهذه التى يطلبها الرسول لنا إن لم تكن المحبة هى أساس علاقتنا مع الله ومع كل الناس حتى أعدائى. والروح القدس حقاً هو الذى يسكب المحبة فينا، ولكن لمن يجاهد. كيف نصل لمحبة الله؟ 1. الطلب فى الصلاة للإمتلاء من الروح القدس. 2. عشرة الله لأوقات طويلة، فى صلوات وتسابيح طويلة ودراسة كلمة الله. والروح القدس يحكى لك عن الله فتحبه ومن يزرع بالكرم (وقت طويل مع الله) سيحصد بالكرم. كيف نصل لمحبة الناس؟ يقول السيد المسيح "أحبوا أعدائكم، باركوا لاعنيكم أحسنوا إلى مبغضيكم، صلوا لأجل الذين يسيئون إليكم". فمحبة الأعداء هى نعمة يعطيها الله لمن يجاهد بأن: 1. يتكلم حسناً عن كل الناس حتى أعدائه. 2. يقدم خدمة لكل إنسان. 3. يطلب الخير فى صلواته لكل إنسان. حَتَّى تُدْرِكُوا مَعَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ: ما يقوله بولس هو متاح لكل المؤمنين. من يحيا فى المسيح ممتلئاً من الروح القدس يتأصل فى المحبة، فالروح القدس يفتح عينيه فيدرك محبة الله التى لا تُدرك بالعقل. بل يملأ المؤمن بالمحبة فهو روح المحبة( رو5:5). فعوضاً عن الشهوات العالمية التى ماتت، يحل مكانها أشواق للسمائيات ولله، وحينما نكتشف محبة المسيح يملأ القلب فرح عجيب.. فالمحبة تتحول إلى فرح. وكلما زادت المحبة لله يزداد الفرح الذى يملأ القلب، وهذه أسماها الرسول كل ملء الله، أى كل البركات، بركات الله التى يريد ويحب الله ان يعطيها للإنسان. والله يُسَّر بأن يفرح أولاده. فمن يتخذ قراره بأن يؤسس حياته ويثبتها على أساس المحبة (فالمسيح لا يحتمل ولا يحل فى قلب مملوء كراهية وحسد وبغضة وشهوة إنتقام أو تجريح وإساءة لسمعة الآخرين) من يجاهد أن يسلك فى محبة يعطيه الله أن يمتلىء قلبه بالمحبة كعطية منه، عطية سماوية ومن يحصل على المحبة كعطية من الله ينعم بعطية الإدراك الروحى والمعرفة الفائقة. وعلى هذا الأساس يصل لدرجة " كل ملء الله". الْعَرْضُ وَالطُّولُ وَالْعُمْقُ وَالْعُلْوُ: هى محبة بلا حدود، حدودها هى حدود الله نفسه، فالله محبة، والله غير محدود. محبة الله لا توصف ولا تدرك. لذلك يصفها الرسول بهذه الصفات العرض والطول... ألخ. ليبين مدى اتساعها وشمولها كل البشر. وأن المسيح يغفر جميع الخطايا، ومحبته تشملنا حتى أعماقنا وأن لها سمو فائق يعلو إدراك البشر. الْعَرْضُ: محبة المسيح تضم فى عرضها كل البشر. الطُّولُ: محبة المسيح هى من الأزل وإلى الأبد. الْعُمْقُ: محبة المسيح لا يصل لعمقها مخلوق، هى عميقة عمق الهاوية التى نزلنا إليها بالخطية فنزل إلينا لينتشلنا. الْعُلْوُ: لا يمكن لعدو أن يرتفع إليه. علو محبته هو علو عرش المسيح فى السماء. وهو فى علو محبته سيأخذنا لهذه السماء ولن يعوقه عن ذلك عدو حاسد. آية (19):- "19وَتَعْرِفُوا مَحَبَّةَ الْمَسِيحِ الْفَائِقَةَ الْمَعْرِفَةِ، لِكَيْ تَمْتَلِئُوا إِلَى كُلِّ مِلْءِ اللهِ. " حين تعرفون هذه المحبة العجيبة سوف تدركون عن خبرة مقدار المحبة التى أحبنا بها المسيح والتى تعلو عن كل إدراك بشرى. وعند ذلك سوف تشعرون بحبكم الشديد نحو الله، وتمتلئوا من حب الله. وحين ذلك يصل المؤمن لحالة الإدراك الفائق = الْفَائِقَةَ الْمَعْرِفَةِ.. وبالتالى يمتلىء إِلَى كُلِّ مِلْءِ اللهِ = ملء بركات الله ومواهبه، وملء إشراقه وفيض محبته، وعمق حكمته وسمو قداسته وعظمة قدرته وغنى مجده، مما يفوق كل إدراك. وراجع تفسير ( يو 15 : 9 ) ، ( مت 11 : 27) وفيهما نجد كلمتين يعبران عن الاتحاد بالمسيح الْمَعْرِفَةِ والمَحَبَّةَ . وكل ما ازدادت محبة الله فى قلوبنا كلما ازداد ثباتنا فيه واتحادنا معه. وبهذا نفهم ان المعرفة الفائقة اشارة للاتحاد الكامل مع المسيح . وهذه هى الحياة الأبدية ، ان نعرف الله ( يو 17 : 3 ) . وهذا سيكون وضعنا فى السماء ، محبة كاملة ومعرفة فائقة لله اي اتحاد كامل او قل سنصير حباً ذائباً فى حب . وهذه هى الحياة الأبدية . وهذا هو ملء الله، حين تملأ محبة الله كل كياننا ولا يكون لنا سواه ، يكون هو كل شئ لنا . آية (20):- "20وَالْقَادِرُ أَنْ يَفْعَلَ فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ، أَكْثَرَ جِدًّا مِمَّا نَطْلُبُ أَوْ نَفْتَكِرُ، بِحَسَبِ الْقُوَّةِ الَّتِي تَعْمَلُ فِينَا. " بعد كل ما قاله الرسول، تصور أن من يسمع سيسأل وهل هذا ممكن لى أنا الخاطىء؟ وفعلاً فإن ما صلى بولس لأجله أن نمتليء إلى كل ملء الله هو طلب عجيب. ولكن الله يعطينا أكثر جداً مما نطلب أو نفتكر. فهو يعطينا ، بِحَسَبِ الْقُوَّةِ الَّتِي تَعْمَلُ فِينَا = أى قوة الروح القدس الذى يؤيدنا. وقوة الروح القدس غير محدودة. إذاً فلنطلب بثقة. آية (21):- "21لَهُ الْمَجْدُ فِي الْكَنِيسَةِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ إِلَى جَمِيعِ أَجْيَالِ دَهْرِ الدُّهُورِ. آمِينَ. " أمام عطايا الله العجيبة لا نملك سوى أن نسبحه. والكنيسة التى فى المسيح يسوع هى التى تمجد الله. وعلى كل جيل أن يورث الجيل الذى يليه لغة التسبيح والتمجيد لله. بل أن تسبيح وتمجيد الله سيكون عملنا فى السماء. وعلينا أن نتعلمه على الأرض. ولنلاحظ أن أهم ما يمجد الله ليس ألسنتنا بل أعمالنا "لكى يرى الناس أعمالكم الصالحة ويمجدوا أباكم الذى فى السموات" (مت16:5). فالآب يتمجد فى الكنيسة عروس المسيح.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثالث محبة الله الفائقة فى خلاص الأمم (1) خلاص الأمم على يد بولس ع 1 - 9 : ع 1 : بسبب إنفتاح باب الإيمان أمام الأمم وقيام بولس الرسول بتوصيل هذه الدعوة لهم ، صار أسيراً ومسجوناً بروما لأجل المسيح ولأجل تبشيرهم0 ع 2 : أعلن الله لبولس مشيئته بتدبيره الإلهى مرتين : الأولى عندما ظهر له المسيح بنور شديد وهو فى طريق دمشق اع 9 : 4 - 6 ، والثانية حينما ظهر له فى الهيكل وهو يصلى قائلاً له " إذهب فإنى أرسلك إلى الأمم بعيداً " اع 22 : 6 - 21 0 وفى هذا التدبير نرى خطة الله الحكيمة لدعوة الأمم للخلاص0 ع 3 : السر : خلاص الأمم مثل خلاص اليهود0 يشير هنا إلى الإعلانات السابقة التى أهلته أن يكون رسولاً وعرفته بما لا يمكن معرفته إلا بالوحى وهو أن ينادى بالإنجيل بين الأمم ، كما سبق وكتب أنَّ الدعوة موجهة إلى كل من اليهود والأمم ، وأنَّ الفريقين أصبحا أعضاء كنيسة واحدة مترابطة بالإيمان والمحبة0 ع 4 : بحسبه : ما كتبه بولس قبلاً بإيجاز عن المسيح المُخلص للأمم0 عندما تقرأوا ما سبق فى هذه الرسالة تقدروا أن تفهموا درايتى العميقة بسر المسيح بسبب الإعلان الإلهى ، وتكونوا قد حصلتم على فهم واستنارة لإدراك هذا السر وهو قبول الأمم فى الإيمان0 ع 5 : فى الأجيال التى قبل مجئ المسيح لم يعرف بنو البشر بهذا السر الذى أُعلن لبولس ولبقية الرسل والأنبياء فى العهد الجديد بعد حلول الروح القدس ، رغم وجود بعض التلميحات فى العهد القديم مثل " تهللوا أيها الأمم شعبه " تث 32 : 43 ، " عليه سيكون رجاء الأمم " رو 15 : 12 ، اش 11 : 10 0 ع 6 : هنا يبين بولس الرسول أنَّ سر المسيح هو أنَّ الأمم يشاركون اليهود فى بركات ملكوت المسيح ، وأنَّ متنصرى الأمم يتساوون مع متنصرى اليهود فى حقوق الميراث الروحى وفى كونهم أعضاء الجسد الذى رأسه المسيح ، وأنَّ الوعد بالفداء الذى أُعطِىَ لآدم وحواء وكرر لإبراهيم وأنبياء العهد القديم ، للأمم نصيب فيه مثل اليهود تماماً ، وذلك فى المسيح أى بالإتحاد بالمسيح الذى هو الشرط الوحيد لمشاركة الأمم لليهود فى بركات الفداء ، والإنجيل هو وسيلة إتحادهم بالمسيح0 + إنَّ محبة الله وأحضانه مفتوحة لجميع الناس ليخلص كل من يؤمن به ويحيا فى كنيسته0 فليكن قلبك مفتوحاً بالحب لكل أحد مهما كان بعيداً أو رافضاً لله ، صلِ لأجله وقدم محبتك له ، فالله قادر أن يُغيره ولو بعد حين0 ع 7 : له : الإنجيل أى التبشير للأمم0 خدمة الإنجيل هى العمل الذى عيَّنه الله له ، وهذا التكليف فى تقدير بولس الرسول هو هبة عظيمة وبركة كبيرة منحها له الله0 وهى بذلك ليست فضلاً منه أو لأجل كفاءة شخصية فيه بل الموهبة الإلهية أعطته قوة جبارة للكرازة بالإنجيل0 ع 8 : هنا يتضع بولس الرسول فيقول أنه لم يكن مستحقاً أن يكون رسولاً وأنه أصغر جميع المؤمنين فى الكنيسة الأولى ، ورغم ذلك أُعطيت له هذه النعمة العظيمة أن يكرز بين الأمم بغِنى المسيح أى بحكمته وقداسته وتحقيقه الخلاص لبنى الإنسان ، هذا الغِنى الذى لا يقدر العقل البشرى أن يتصور عظمته أو يدرك تمام الإدراك حقيقته ، لأنَّ اليهود لم يتصوروا أنَّ هناك خلاصاً للأمم البعيدين عن الله0 ع 9 : شرِكة السر المكتوم : أى إشتراك الأمم مع اليهود فى الخلاص ، وهذا السر كان مكتوماً فى قلب الله وأشار إليه الأنبياء ، ثم أُعلن بالمسيح الفادى0 وفى النص اليونانى للإنجيل " تدبير السر المكتوم " بدلاً من " شرِكة " ، ويعنى خطة الله بخلاص الأمم مع اليهود0 وُهب لبولس رسول الأمم أن ينير بنعمة الله أذهان كل بنى البشر ويعلمهم أنَّ خلاص المسيح يشترك فيه الأمم مع اليهود0 وكان هذا فى قلب الله منذ الأزل وأعلنه واضحاً فى العهد الجديد بتجسد إبنه الوحيد وفدائه للبشر0 (2) الملائكة تعرف تدبير الله ع 10 - 12 : ع 10 ، 11 : الرؤساء والسلاطين : بعض رتب الملائكة0 حِكمة الله المتنوعة : أى التى تدبر خلاص اليهود عن طريق تمسكهم بالناموس والوصايا التى تتكلم عن المسيا ، وخلاص الأمم بالتوبة عن خطاياهم والإيمان بالمسيح0 قصد الله من تبشير الأمم بسر الفداء هو إنارة كل الناس فى أمر ذلك السر ، ليس البشر فقط بل ملائكه السموات أيضا ذوى السلطان والشأن العظيم عندما يرون هذا السر يتحقق فى الكنيسة الواحدة ، إذ يرون الأمم وقد أصبحوا أعضاء فى جسد المسيح0 وبهذا أظهر الله حكمته بتجسد المسيح وإرشاد الناس إلى الإيمان حسب خطة الله الأزلية التى تحققت بتجسد إبنه وموته وقيامته0 ع 12 : بالمسيح يسوع أصبح لنا دالة للإقتراب إلى الله واثقين بيقين فى قبوله لنا كأبناء له بالتبنى وذلك عن طريق إيماننا بالمسيح واتحادنا به0 + هل يليق أن تفرح الملائكة بخلاصنا ولا نفرح نحن ؟000تستطيع أن تتمتع بهذا الفرح عندما تشكر الله كل يوم على خلاصه وعطاياه لك ، ثم تسعى لأعمال الخير والرحمة مبتعداً عن مصادر الشر0 (3) صلاة الرسول لتثبيت إيمانهم ع 13 - 17 : ع 13 : يتكلم بولس الرسول من داخل سجنه فى روما ويقول لأهل أفسس ، لا ينبغى أن تضعفوا بسبب الآلام والضيقات التى أتعرض لها الآن من سجن أو ضربات أو إهانات ، بل يجب أن نفرح بالآلام لأجل الكرازة ، فهذه الآلام أصبحت مجداً للإنسان بعد أن كانت عاراً وخزياً0 ع 14 ، 15 : حتى لا يضعُف أهل أفسس ، يعلن بولس الرسول أنه يصلى لأجلهم بكل اتضاع وحرارة فى الطلب ، بسجود وانسحاق أمام الله الذى هو أصل كل حياة لجميع الكائنات بمختلف فصائلها سواء كانت هذه الكائنات من الملائكة بمختلف رتبهم ، أو من عشائر البشر فى كل مكان على وجه الأرض بمختلف أجناسهم0 ع 16 : تتأيدوا بالقوة : يساندكم الروح القدس ويثبتكم0 الإنسان الباطن : الروح الإنسانية0 الطلبة الأساسية فى صلاة بولس هى أن يمجدهم الله ويميزهم عن باقى البشر بعطائه السخى فى عمل روحه القدوس داخلهم0 ع 17 : ليسكن المسيح بصفة دائمة فى القلب ، وحيث يسكن المسيح بروحه تنشأ الحياة الروحية والمعرفة الإلهية0 وبالإيمان نتحقق من وجوده ونقبله ونثق بمواعيده ونتمسك به للخلاص0 + إهتم أن تصلى لأجل كل من حولك خاصة عندما ينزعجون أو يتعثرون ، وواصل صلواتك ودموعك وسجودك بل أصوامك لأجلهم حتى يرفع الله عنهم حروب إبليس وينتصروا ويفرحوا0 (4) محبة المسيح وقدرته ع 18 - 21 : ع 18 : العرض : إتساع المحبة لتشمل كل الأمم على وجه الأرض0 الطول : البشر جميعاً فى كل العصور وحتى نهاية العالم0 العُمق : إنتشال المحبة للناس من أعماق الشر والفساد لتهبهم خلاص المسيح0 العلو : رفع الناس إلى السماء ليتمتعوا بالمجد الأبدى0 بمساندة الروح القدس وسكنى المسيح فيكم تثبتون فى محبة الله مع باقى المؤمنين وتدركون أبعاد هذه المحبة0 ع 19 : الفائقة المعرفة : تفوق إدراك العقل البشرى0 ملء الله : كمال الله0 محبة المسيح لنا فائقة المعرفة ، لا نستطيع كبشر إدراكها تمام الإدراك ، ولكن يلزم المؤمنين أن يتقدموا شيئاً فشيئاً فى إدراك محبة المسيح على قدر ما يستطيعون0 ع 20 : القوة التى تعمل فينا : قوة الروح القدس0 الرب قد فعل أكثر مما نطلب أو نتوقع ؛ فجود الله لا ينحصر فى محدودية طلباتنا أو تصوراتنا لما نحتاج إليه0 فلا حد لوفرة البركات التى تُمنح لمن يسكن المسيح فى قلوبهم بروحه القدوس0 ع 21 : يتمجد الله فى الكنيسة عروسه التى يتجلى فيها ذلك المجد وبدورها تُمجد بواسطة المسيح رأسها فى جميع الأزمنة وفى الأبدية آمين ، أى ليتم ما سأله ويدعو كل قُراء الرسالة أن يوافقوه على ذلك0 + لنا حساب مفتوح لدى الله لنأخذ بركات كثيرة يجب أن نطلبها ونعمل لأجلها بكل إيمان وصبر ، فنتعمق كل يوم وندرك محبته من خلال الصلاة والشكر وكذلك محبة الآخرين والسعى لخلاصهم0
مصادر أخرى لهذا الإصحاح