كلمة منفعة
في كل أعمال الإنسان، لا يكفى أن يكون الهدف مقدسًا وإنما يجب أيضًا أن تكون الوسيلة سليمة.
— الهدف والوسيلة
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
افسس - الاصحاح رقم 2 افسس الإصحاح رقم 2 الأصحاح الثاني الكنيسة وسرّ المصالحة إن كانت الكنيسة في جوهرها هي تمتع بالثبوت "في المسيح" لننعم بحياته عاملة فينا، وننال معرفة أسراره الإلهية على مستوى الخبرة الحيّة العملية، فإن هذه الحياة لها صعيدان: صعيد رأسي وآخر أفقي. على الصعيد الرأسي ننعم بالحياة المقامة في المسيح فنجلس معه في السماويات نمارس وحدتنا مع الله، وعلى الصعيد الأفقي نقترب جميعنا نحو الرأس الواحد، فينشق الحجاب الحاجز بين اليهود والأمم، وبين الشعوب، ليشعر الكل بالعضوية لبعضنا البعض. هذان الصعيدان يتحققان معًا خلال ثبوتنا "في المسيح". كلما اتحدنا مع الآب في ابنه نتحد أيضًا مع بعضنا البعض فيه. 1. القيامة وسرّ المصالحة مع الله 1 - 10 2. سرّ مصالحة البشرية معًا 11 - 22 1. القيامة وسرّ المصالحة مع الله يرى القديس أغسطينوس أن الصليب يتكون من عارضيتن، عارضة رأسية وأخرى أفقية، الأولى تمثل مصالحة الإنسان مع الله وخليقته السمائية، والثانية تمثل مصالحته مع أخيه الإنسان. هذا الصليب بعمله المتكامل يتحقق في الكنيسة كما أعلن الرسول بولس في هذا الإصحاح حيث أوضح قيامة الإنسان المؤمن من موته، وانطلاقه إلي السماويات ليجلس في حضن الآب، واتساع قلبه بالحب لينضم الكل إليه كأعضاء معه في الجسد الواحد. الآن بالنسبة للجانب الأول يقول الرسول: "وَأَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا، الَّتِي سَلَكْتُمْ فِيهَا قَبْلاً حَسَبَ دَهْرِ هَذَا الْعَالَمِ، حَسَبَ رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ، الرُّوحِ الَّذِي يَعْمَلُ الآنَ فِي أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ، الَّذِينَ نَحْنُ أَيْضًا جَمِيعًا تَصَرَّفْنَا قَبْلاً بَيْنَهُمْ فِي شَهَوَاتِ جَسَدِنَا، عَامِلِينَ مَشِيئَاتِ الْجَسَدِ وَالأَفْكَارِ، وَكُنَّا بِالطَّبِيعَةِ أَبْنَاءَ الْغَضَبِ كَالْبَاقِينَ أَيْضًا، اَللهُ الَّذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ، مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا، وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ - بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ" ]1- 5[. لكي يكشف عن قوة النعمة، وعمل المصالحة التي تمت بين الله والإنسان، أبرز أولاً حالة الموت التي بلغناها، والعبودية التي سقطنا فيها تحت سلطان عدو الخير، والفساد الذي دبّ في جسدنا لنتمم الشهوات. عندئذ أظهر غنى رحمة الله المجانية النابعة عن محبته، فقدم لنا الحياة بموت الصليب، ووهبنا الخلاص بنعمته. يلاحظ في هذا النص الآتي: أولاً: أن ما ورد في هذا الإصحاح ككل يقابل ما جاء في الإنجيل بحسب لوقا البشير عن الابن الضال (لو 15: 11 - 32)، كما يقول D. M. Stanley: لوقا 15 أف 2 وإذ كان لم يزل بعيدًا رآه أبوه، فتحنن وركض ووقع على عنقه وقبّله. [20] الله الذي هو غني في الرحمة، من أجل محبته الكثيرة التي أحبنا بها... [4] لأن ابني هذا كان ميتًا فعاش. [24] وأنتم إذ كنتم أمواتًا بالذنوب...[1] وسافر إلي كورة بعيدة. [14] أنتم الذين كنتم قبلاً بعيدين...[13] اخرجوا الحلة الأولى وألبسوه [22] الذين إذ هم فقدوا الحس... [19] فغضب ولم يرد أن يدخل، فخرج أبوه يطلب إليه ... [28-32] لكي لا نكون فيما بعد أطفالاً مضطربين ومحمولين بكل ريح تعليم بحيلة الناس... [14-16] ثانيًا: هذا الأصحاح مشحون بالمقابلات الصارمة بين ضعف الإنسان الشديد وفاعلية عمل الله وقدرته العجيبة. + الأول يبلغ إلي الموت ]1[، والثاني يقيمه من جديد ]5[. + الأول ينحط إلي شهوات الجسد ]3[، والثاني يرفعه إلي السماوات ]6[. + الأول يهرب إلي التغرب عن الله وعن أخيه الإنسان ]12[، والثاني يرده ليصير أهل بيت الله ]19[، واحدًا مع أخيه ]14[. ثالثًا: بدأ حديثه بفاعلية الخطية القاتلة لإنسانيتنا، والطامسة للصورة والتشبه بالله، وكما يقول الأب دورثيؤس من غزة: [بالخطية نطمس ما يخص شبهه فينا، لذا صرنا تحت الموت كقول الرسول: " كُنْتُمْ أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا" (أف 2: 1). إذ خلقنا الله على شبهه، وهو متحنن على خليقته وشبهه صار إنسانًا لأجلنا، وقبل الموت عوضًا عنا، ليقودنا نحن الأموات، ويردنا إلي الحياة التي فقدناها.] هذا التفسير قدمه الأب عند عرضه لسرّ المسيح، في تفسيره لتسبحة القيامة التي وضعها القديس غريغوريوس النزينزي. رابعًا: بالخطية انحدرنا إلي فقدان الحياة، بتركنا الله مصدر حياتنا وقبولنا العبودية لعدو الخير إبليس، بالطاعة له وعصياننا لله، وقد دعا الرسول إبليس هذا: "رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ"، كما دعانا "أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ". كان ينظر إلي "الْهَوَاءِ" كمسكن للشياطين، لهذا أراد تأكيد كمال نصرة المسيح عليه قال: "سنخطف جميعًا معهم في السحب لملاقاة الرب في الهواء" (1تس 4: 17). فإن الشياطين تقطن الهواء، فسيغلبه الرب في عرينه، ويحملنا في ذات الموضع كأبناء الميراث عوض أن كنا أبناء المعصية. هنا نلاحظ أن اليهود - ككثير من الأمم - كانوا يعتقدون أن لإبليس وجنوده مملكة تقوم في ثلاث مناطق: في المياه، وفي البرية، وفي الهواء. ولعل اختيار هذه الثلاث مناطق يقوم على استحالة استقرار الإنسان وتمتعه بالسلام فيها. ففي البحر يشعر الإنسان بالخطر من الغرق، وفي البرية يواجه القفر والجفاف مع الحيوانات المفترسة، وفي الهواء إنما يعني خروج النفس من الجسد خلال الموت لتنطلق في الهواء. إن كانت هذه المناطق في نظر اليهود هي مراكز العدو "إبليس"، فقد أعلن السيد المسيح غلبته عليه في ذات الناطق، ففي المياه اعتمد محطمًا عدو الخير تحت قدميه، واهبًا مؤمنيه قوة الغلبة عليه خلال المعمودية. لذا كان "جحد الشيطان" خطًا واضحًا في طقس العماد، وكما يقول العلامة ترتليان: [في الكنيسة، تحت يد الأسقف نشهد أننا نجحد الشيطان وكل موكبه وكل ملائكته.] أما بالنسبة للبرية فقد جُرب السيد المسيح فيها وغلب المجرب وجاءت ملائكة تخدمه (مر1: 13). وفي الهواء فقد ارتفع السيد المسيح على الصليب كما في الهواء ليعلن بصليبه تحطيم سلطان إبليس وانهيار مملكته. خامسًا: يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول بولس إذ أعلن بشاعة ما بلغ إليه الإنسان بالذنوب والخطايا، ألا وهو موت النفس الذي هو أمرّ من موت الجسد، بل ويمثل جريمة يسقط فيها الإنسان بإرادته، أراد أن يشجع السامعين بإعلان دور عدو الخير "رئيس سلطان الهواء" في حياة البشرية كمثير ومحرض. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ها أنتم تلاحظون لطف بولس، كيف يشجع المستمع في كل المناسبات ولا يثقل عليه. فمع أنه قال لهم: قد بلغتم أقصى درجات الشر (هذا هو معنى أنهم صاروا أمواتًا) فلكي لا يفرطوا في الحزن الشديد (إذ يخجل الناس عندما تُفضح أعمالهم الشريرة السابقة، حتى وإن كانت قد انتهت ولا تمثل خطرًا)، أوضح لهم شريكًا معهم في الجريمة، لكي لا يظنوا أن كل ما فعلوه هو من عندياتهم، وإنما يوجد شريك قوي معهم؛ من هو؟ إنه إبليس.] هكذا أراد الرسول بولس أن يحمل عدو الخير المسئولية معنا، كعدوٍ عنيف يحث البشرية على الشر ويثيرها، لكنه لم يدخل إلي حياتنا قهرًا وإنما بسبب عصياننا لله، إذ يقول: "الرُّوحِ الَّذِي يَعْمَلُ الآنَ فِي أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ" ]2[. فإن كان العدو شريكًا معنا لكننا مسئولون عن تصرفاتنا وعن عمل العدو فينا. إبليس يجد موضعًا له في "أبناء المعصية"، أما "أبناء الطاعة" فلا يقتحمهم هذا الروح إنما يتجلى فيهم روح الله القدوس. سادسًا: أوضح الرسول أن ما بلغ إليه الإنسان يستوي فيه اليهودي مع الأممي، إذ سقط الاثنان تحت سلطان الخطية، فعندما قال: "الَّتِي سَلَكْتُمْ"، عاد فقال: "الَّذِينَ نَحْنُ أَيْضًا جَمِيعًا تَصَرَّفْنَا قَبْلاً بَيْنَهُمْ فِي شَهَوَاتِ جَسَدِنَا، عَامِلِينَ مَشِيئَاتِ الْجَسَدِ وَالأَفْكَارِ، وَكُنَّا بِالطَّبِيعَةِ أَبْنَاءَ الْغَضَبِ كَالْبَاقِينَ أَيْضًا" ]3[. كأن بقوله ليس فقط أنتم وحدكم أيها الأمم قد سلكتم في الخطايا، وإنما نحن أيضًا سقطنا معكم تحت الخطية وحُسبنا معكم أبناء معصية، فلا نستطيع كيهود أن نفتخر بأننا أسمى منكم (رو 3: 9 - 10). لقد كان الكل بالطبيعة "أبناء الغضب" أو كما يقول القديس بفنوتيوس إنهم كانوا في بيت أبيهم القديم أي "إبليس" الذي سحبهم إلي أسفل، لذا وجب على الكل أن يخرجوا منه، مرتفعة أنظارهم إلي بيت أبيهم الجديد، أي أورشليم العليا، إذ يقول: [نخرج من بيت أبينا القديم... إذ كنا بالطبيعة أبناء غضب كالباقين أيضًا، مثبتين أنظارنا تجاه العلويات.] كنا "بالطبيعة أبناء الغضب"، لذا وجب علينا أن نخرج من هذه الطبيعة، طبيعة الإنسان العتيق، ونلبس الإنسان الجديد (في مياه المعمودية). بهذا نكون قد انطلقنا من بيت أبينا القديم الذي خضعنا له في مذلة العبودية إلي بيت أبينا الجديد القدوس. سابعًا: علة موتنا وعصياننا لله ليس "الجسد" بل "مشيئات الجسد وشهواته وأفكاره". فالجسد خليقة مقدسة من عمل الله الصالح القدوس، لكنه إذ انحرف عن غايته وترك خضوعه صارت له "مشيئات متضاربة" وأفكار مقاومة لعمل روح الله. الجسد ليس شرًا، فقد صار الكلمة جسدًا (يو 1: 14)، لكنه فسد حين صار آلة إثم تعمل لحساب الشهوات؛ إن تقدست تتحول إلي آلة برّ تعمل لحساب ملكوت الله. + إذن كيف يمكننا أن نقدم أجسادنا ذبيحة حية لله (رو 12: 1)؟ إن كنا لا نعود نتبع مشيئات الجسد وأفكارنا الذاتية (أف 3: 2)، بل نسلك بالروح ولا نتمم شهوات الجسد (غلا 5: 16). الأب دورثيؤس من غزة هكذا يكشف الرسول بولس عن سرّ الموت الروحي... السلوك حسب شهوات الجسد والعمل حسب مشيئاته وأفكاره ]3[، لكن هذا لا يعفي النفس المسئولية، فإن الإنسان الجسداني، إذ يخضع لشهوات الجسد ومشيئاته وأفكاره تشاركه النفس ويشاركه العقل حتى يصيرا كما لو كانا جسدين. بمعنى آخر، الإنسان يمثل وحدة واحدة، إما أن يكون جسديًا، فيعمل بكليته حسب شهوات الجسد، أو روحانيًا فيعمل بكليته كما لو كان روحًا. في الأول تخضع النفس للجسد كما بغير إرادتها، أما الثاني فيخضع جسده لنفسه كما بغير إرادة الجسد. ولعل هذا ما قصده الأب سرابيون حين قال: [الخطايا الجسدية هي التي تعمل على إشباع شهوات الجسد وملذاته. هذه تهيج العقل أحيانًا ليقبل رغباتها بغير إرادته.] ثامنًا: بعد أن تحدث عما بلغة الكل من يهود وأمم بسبب العصيان أكدّ محبة الله الفائقة نحو الإنسان وترفقه به حتى بعد السقوط، إذ يقول: "اَللهُ الَّذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ، مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا" ]4[، وقد أكد "غنى" رحمة الله، مكررًا هذا التعبير خمس مرات في هذه الرسالة. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [الله ليس رحيمًا فحسب وإنما هو غني في الرحمة، وكما قيل في موضع آخر: "ككثرة رحمتك التفت إليّ" (مز 69: 16)، وأيضًا: "ارحمني يا الله كعظيم رحمتك، ومثل كثرة رأفتك امح أثمي" (مز 51: 1).] تاسعًا: أوضح هذه الرحمة عمليًا، بقوله: "أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ... أَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ" ]5-6[. لقد تحنن علينا لا بكلمات لطيفة أو مشاعر رقيقة وإنما بنزوله إلينا لنشاركه، فنحيا مع المسيح ]5[ ونقوم معه ]6[ ونجلس مع في السماويات ]6[... يؤكد الرسول الشركة مع المسيح بكل قوة! + "وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا، أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ" ]5[. هنا أيضًا يُذكر المسيح، وهو موضوع جدير بإيماننا، لأنه إن كان البكر حيًا، فنحن أيضًا نكون هكذا. لقد أحياه (الآب) وأحيانا نحن. انظر، أليس هذا قد قيل عن المسيح المتجسد؟ أما ترى "عَظَمَةُ قُدْرَتِهِ الْفَائِقَةُ نَحْوَنَا نَحْنُ الْمُؤْمِنِينَ" (1: 19)؟ الذين كانوا أمواتًا وأبناء الغضب أحياهم، انظر إلي "رَجَاءُ دَعْوَتِهِ" ]18[! "وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ" ]6[. أما ترى مجد ميراثه، واضح أنه "َأَقَامَنَا مَعَهُ"... حقًا إنه إلي الآن لم يقم أحد فعلاً إلاَّ الرأس الذي قام فقمنا نحن معه، وذلك كما سجد يعقوب ليوسف فقيل أن زوجته أيضًا سجدت معه (تك 37: 9، 10). بنفس الطريقة يُقال: "أجلسنا معه نحن أيضًا"، فإذ يجلس الرأس يجلس الجسد أيضًا معه، لهذا أضيف: "في المسيح يسوع". القديس يوحنا الذهبي الفم + خلال الجسد (الذي أخذه)، الذي هو عربون خلاصنا، أجلسنا في السماويات. + إنه أساس الكل، ورأس الكنيسة (أف 5: 23)، فيه استحقت طبيعتنا العامة حسب الجسد أن تجلس في العرش السماوي، لقد كُرم الجسد إذ وجد له نصيبًا في المسيح الذي هو الله، بل وكُرمت كل طبيعة الجنس البشري إذ وجدت لها نصيبًا في الجسد. نحن نجلس فيه بأخذه طبيعتنا الجسدية. القديس أمبروسيوس إذن قيامة المسيح وجلوسه في السماويات كباكورة لنا حُسبا قيامة لنا وجلوسًا لنا معه في السماويات. هذا من جانب ومن جانب آخر، فإننا ننعم بذلك حقًا خلال قيامة النفس من موت الخطية وتمتعها بعربون الحياة السماوية. قيامة النفس التي نلناها في المسيح يسوع المقام أعظم من قيامة الجسد، لأن قيامة الجسد تتحقق بدون إرادتنا. حينما قال السيد للميت: "لعازر، هلم خارجًا" (يو 11: 43)، أطاع للحال وقام الميت. وتكرر الأمر في أكثر من مرة حين أقام السيد المسيح ابنة يايرس وابن أرملة نايين. بل وبطرس الرسول إذ صلى إلي الله استطاع أن يقيم طابيثا (أع 9: 4) باسم المسيح. وفي اليوم الأخير سيقيم الأموات في لحظة في طرفة عين (1كو 15: 52). أما قيامة النفس فتتم خلال إيماننا بالمسيح المقام وتمسكنا به حتى النهاية، الأمر الذي لا يتم بطريقة آلية وإنما خلال إرادتنا الحرّة. استمع إلي عتاب السيد المسيح المؤلم: "كم مرة أردت أن أجمع أولادك ولم تريدوا" (مت 23: 37). الأمر الذي يستلزم خضوع إرادتنا البشرية لإرادة الله الصالحة نحونا. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [التأثير على الإرادة أصعب من التأثير على الطبيعة.] عاشرًا: يقول القديس يوحنا الذهبي الفم بأنه لئلا يظن أحد أن قيامة المسيح وجلوسه في السماوات أمران يخصانه دوننا، أكد الرسول فاعليتهما في البشرية عبر العصور حتى نهاية الأزمنة، إذ يقول: "لِيُظْهِرَ فِي الدُّهُورِ الآتِيَةِ غِنَى نِعْمَتِهِ الْفَائِقَ بِاللُّطْفِ عَلَيْنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذَلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. لَيْسَ مِنْ أَعْمَالٍ كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ" ]7- 9[. يقول "لِيُظْهِرَ"، هنا الكلمة اليونانية لا تعني مجرد "الكشف عن" أو "إظهار"، وإنما تعني "البرهان"... فقيامة المسيح وجلوسه في السماوات هما برهان أكيد لغنى نعمة الله الفائق الذي تفجر لحساب الكنيسة خلال الدهور، فينعم المؤمنون بلطف الآب بثبوتهم في المسيح يسوع. صار المسيح الرأس الذي يقدم تأكيدات وبراهين على ما ينعم به المؤمنون خلال إتحادهم به. من هنا نجد أن خلاصنا يتحقق خلال إيماننا به كنعمة مجانية، أو كعطية إلهية، وليس عن استحقاق لبرٍّ ذاتي. + يقول: "لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ" لكي لا تدفعك عظمة البركات الموهوبة نحو التشامخ، لاحظ كيف نزل بك... حتى الإيمان ليس من عندياتنا، لأنه لو لم يأتِ (المسيح) ولو لم يدعنا كيف كان يمكننا أن نؤمن؟!... عمل الإيمان نفسه ليس من ذواتنا. إنه عطية الله، ليس من أعمال. ربما تقول هل يكفي الإيمان لخلاصنا؟ كلا... + اعترف أنك بالنعمة تخلص، حتى تشعر أن الله هو الدائن... فإن أسندنا لله (أعمالنا الصالحة) تكون مكافأتنا عن تواضعنا أعظم من المكافأة عن الأعمال نفسها... + لو كانت النعمة لا تنتظر ما يتحقق من جانبنا لانسكبت بفيض في كل النفوس، لكنها إذ تطلب ما هو من جانبنا تسكن في البعض بينما تترك البعض الآخر، ولا تظهر في البعض، لأن الله يشترط أولاً الاختيار السابق. القديس يوحنا الذهبي الفم + ما أن تتكبر حتى تفقد في الحال ما نلته. القديس أغسطينوس إذن تتحقق مصالحتنا مع الآب خلال النعمة الإلهية الغنية التي فاضت بصليب ربنا يسوع، فغيّرت مركزنا من حالة العداوة إلي البنوة، ورفعتنا من الموت الروحي إلي الحياة المقامة، ومن الانحطاط إلي الجلوس في السماويات. هذا العمل في حقيقته هو أشبه بتجديد للخلقة، تكلفته أكثر من الخلقة الأولى، إذ الأولى احتاجت أن الله يقول فيكون، أما الخلقة الجديدة فثمنها تسليم الابن ذاته لتجديدنا خلال دم صليبه. لهذا يكمل الرسول بولس كلماته معلنًا عمل الله الفائق فينا بقوله: "لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَعْمَالٍ صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا" ]10[. + لاحظ الكلمات التي استخدمها. إنه يلمح هنا إلي الميلاد الجديد، الذي هو بالحقيقة خلقة ثانية. إننا وُجدنا من العدم إلي الوجود. فما كنا عليه قبلاً، أي الإنسان العتيق، إنما كنا أمواتًا. ما صرنا عليه الآن لم يكن لنا من قبل. إذن، بالحق هو عمل خلقة، نعم خلقة أنبل من الأولى. ففي الأولى صار لنا الوجود، أما بالأخيرة هذه فنلنا ما هو أعظم وأفضل، ألا وهو صلاحنا. " لأَعْمَالٍ صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا" ]10[. ليس فقط لكي نبدأ وإنما لكي نسلك فيها، فإننا نحتاج إلي صلاح يبقى معنا في الطريق ويرافقنا حتى يوم الممات. إن كان علينا أن نسافر في طريق يؤدي إلي مدينة ملوكية، وعبرنا الجانب الأكبر منه ثم جلسنا وتراخينا بالقرب من المدينة جدًا، فلا ننتفع شيئًا. فرجاء دعوتنا "لأَعْمَالٍ صَالِحَةٍ" كما يقول إلا فلا ننتفع شيئًا. إنه لا يفرح لأننا تممنا عملاً واحدًا بل كل الأعمال. فإن كان لنا خمس حواس يلزمنا أن نستخدم جميعها في الوقت المناسب، وهكذا يلزم أن تكون لنا فضائل كثيرة. القديس يوحنا الذهبي الفم 2. سرّ مصالحة البشرية معًا يكمل أن الصليب بعارضتيه الرأسية والأفقية، بلا انفصال، فبمصالحة الإنسان مع السماء تاركًا خطاياه خلال نعمة الله المجانية والحياة المقامة ينفتح قلبه بالحب نحو أخيه أيًا كان أصله! لهذا بعدما تحدث الرسول عن مصالحتنا مع الله، عالج موضوع مصالحة البشرية معًا؛ فإذ نُزع الحجاب الذي كان يفصل الإنسان عن المقادس السماوية يلزم بالضرورة، وفي نفس الوقت، أن يُنقض حائط السياج المتوسط الذي أُقيم بين اليهود والأمم. بدأ الرسول حديثه بعرض تغّرب الأمم عن رعوية إسرائيل وتغربه أيضًا عن الله، قائلاً: "لِذَلِكَ اذْكُرُوا أَنَّكُمْ أَنْتُمُ الأُمَمُ قَبْلاً فِي الْجَسَدِ، الْمَدْعُوِّينَ غُرْلَةً مِنَ الْمَدْعُوِّ خِتَانًا مَصْنُوعًا بِالْيَدِ فِي الْجَسَدِ، أَنَّكُمْ كُنْتُمْ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِدُونِ مَسِيحٍ، أَجْنَبِيِّينَ عَنْ رَعَوِيَّةِ إِسْرَائِيلَ، وَغُرَبَاءَ عَنْ عُهُودِ الْمَوْعِدِ، لاَ رَجَاءَ لَكُمْ، وَبِلاَ إِلَهٍ فِي الْعَالَمِ"]11، 12[. هذه هي صورة الأمم قبل قبولهم الإيمان بالسيد المسيح، يُلاحظ فيها الآتي: أولاً: كان الأمم بلا ختان (في الغرلة)، لا يحملون علامة الميثاق مع الله التي طالب بها إبراهيم وبنيه (تك 17: 9 - 14)، إنهم بلا عهد معه. على أن اليهود وإن كانوا قد نالوا العلامة لكنهم للأسف نالوها في الجسد دون أن تكون لها أعماق داخلية، إذ يقول "مَصْنُوعًا بِالْيَدِ فِي الْجَسَدِ" ]11[، إي لا تحمل اتجاهًا داخليًا، ولا تمييزًا حقيقيًا عن الأمم. وكما أوضح في رسالته إلي رومية: "لأن اليهودي في الظاهر ليس يهوديًا، ولا الختان الذي في الظاهر في اللحم ختانًا، بل اليهودي في الخفاء هو اليهودي، وختان القلب بالروح لا بالكتاب هو الختان، الذي مدحه ليس من الناس بل من الله" (رو 2: 28، 29). بعد أن عرض عمل نعمة الله الفائقة في الكل: "نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ"، لم يعد بعد يوجد مجال لافتخار اليهود بختان الجسد، الذي هو ليس إلاَّ من "صنع اليد". شتان ما بين "عمل الله" و"صنع اليد البشرية"! نال الكل ختانًا جديدًا، ليس مصنوعًا باليد في الجسد، وإنما كما يقول الرسول: "ختنتم ختانًا غير مصنوع بيدٍ، بخلع جسم خطايا البشرية بختان المسيح، مدفونين معه في المعمودية، التي فيها أقمتم أيضًا معه بإيمان ..." (كو 2: 11، 12). هكذا لا وجه للمقارنة بين ختان الجسد الرمزي وبين الختان الجديد في مياه المعمودية. ثانيًا: كان الأمم "أَجْنَبِيِّينَ عَنْ رَعَوِيَّةِ إِسْرَائِيلَ" ]12[، أي لا يحملون المواطنة الإسرائيلية، وبالتالي كانوا غرباء عن المواطنة الإلهية، الأمر الذي أفقدهم الرجاء، لأنهم لم ينالوا الشريعة الإلهية ولا تمتعوا بنبوات الأنبياء التي أشارت بقوة عن مجيء المسيا مخلص العالم. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لم يقل الرسول إنهم معزولون بل "أَجْنَبِيِّينَ عَنْ رَعَوِيَّةِ إِسْرَائِيلَ"، إي ليس لكم نصيب في هذه الرعوية. التعبير مؤثر جدًا يدل على عزل واسع جدًا. الإسرائيليون أنفسهم كانوا خارج هذه الرعوية لك ليس كغرباء بل عن إهمال، لذلك سقطوا عن العهود، لا كأجنبيين بل كغير مستحقين لها.] ثالثًا: "وَبِلاَ إِلَهٍ فِي الْعَالَمِ" ]12[. التعبير هنا لا يعني أنهم كانوا ملحدين أو منكرين لوجود الله، وإنما كانوا بلا معرفة عنه، كقوله: "كالأمم الذين لا يعرفون الله" (1تس 4: 5). الآن إذ اقتربوا من السيد المسيح، وقبلوه بالإيمان تغيرت صورتهم تمامًا، وتغير مركزهم بالنسبة لله ولليهود، إذ يقول: "وَلَكِنِ الآنَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، أَنْتُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ قَبْلاً بَعِيدِينَ صِرْتُمْ قَرِيبِينَ بِدَمِ الْمَسِيحِ. لأَنَّهُ هُوَ سَلاَمُنَا، الَّذِي جَعَلَ الإثْنَيْنِ وَاحِدًا، وَنَقَضَ حَائِطَ السِّيَاجِ الْمُتَوَسِّطَ، أَيِ الْعَدَاوَةَ. مُبْطِلاً بِجَسَدِهِ نَامُوسَ الْوَصَايَا فِي فَرَائِضَ، لِكَيْ يَخْلُقَ الإثْنَيْنِ فِي نَفْسِهِ إِنْسَانًا وَاحِدًا جَدِيدًا، صَانِعًا سَلاَمًا" ]13- 15[. في العهد القديم صار اليهود قريبين لله، لا بعلامة الختان فحسب، وإنما بدم الذبائح أيضًا، كقول موسى النبي حين أخذ الدم ورش على الشعب: "هوذا دم العهد الذي قطعه الرب معكم على جميع هذه الأقوال" (خر 34: 8)؛ أما في العهد الجديد فصار البشر قريبين إلي الله في عهد أخوة خلال ذبيحة المسيح. إذ بذل المسيح نفسه ذبيحة حب ضمنا معه في رباط وحدة، ونقض حائط السياج المتوسط الذي أقامه اليهود حول الهيكل حتى لا يعبره غريب، هذا الحائط يمثل العداوة بين اليهود والأمم، والفصل الكامل بينهما، لا من جهة عدم العبور إلي الهيكل اليهودي فحسب، وإنما اعتزال اليهود الحياة الأممية، والانفصال عنهم في كل اتجاهات الحياة، حتى لا يتدنسوا برجاساتهم. يخبرنا يوسيفوس أن هذا الحائط الحجري كان يرتفع 3 بوصات يفصل الدار الخارجية للهيكل عن الدار الداخلية، وُجدت عليه علامات تهدد بالموت كل أجنبي يتعداه. وفي الحفريات التي قام بها Clermont- Ganneua بأورشليم عام 1871 وُجدت إحدى هذه التحذيرات، جاء فيها: "لا يجوز لشخصٍ من أمة أخرى أن يدخل في المنطقة المسوّرة حول الهيكل، ومن يُمسك يحكم على نفسه بالموت". هذا الحاجز ولّد لدى الأمم اتجاهين: البعض أُعجب بنقاوتهم من الرجاسات الوثنية فقبلوا التهود، والبعض الآخر حسبوا هذا تعصبًا فامتلأوا مرارة ضد اليهود واحتقارًا لهم. لم ينقض حائط السياج الحجري لكي يدخل الأمم مع اليهود إلي هيكل أورشليم، وإنما نزع العداوة بدمه ليدخل بالكل إلي العضوية في جسده، " فيَخْلُقَ الإثْنَيْنِ فِي نَفْسِهِ إِنْسَانًا وَاحِدًا جَدِيدًا" ]15[. ربما يقدم هنا تلميحًا إفخارستيًا، حيث يشترك الكل معًا في جسد المسيح الواحد، فيتحقق في الجميع تجديدًا دائمًا وانسجامًا مستمرًا حتى تعلن "الكنيسة الواحدة المتجددة". في الإفخارستيا تلتقي البشرية المؤمنة فتجد لها موضعًا حقيقيًا للسكنى معًا على صعيد الثبوت في المسيح. هذه المصالحة التي تمت في الصليب أكدها الرسول في أكثر من موضع: "ليس يهودي ويوناني، ليس عبد ولا حرّ، ليس ذكر وأنثى، لأنكم جميعًا واحد في المسيح" (غلا 3: 28). "وأن يصالح به الكل لنفسه عاملاً الصلح بدم صليبه بواسطته، سواء كان ما على الأرض أو ما في السماوات" (كو 1: 20). + "لأَنَّهُ هُوَ سَلاَمُنَا، الَّذِي جَعَلَ الإثْنَيْنِ وَاحِدًا" ماذا يعني: "جَعَلَ الإثْنَيْنِ وَاحِدًا"؟ لا يعني أنه أقامنا إلي مركزهم الوضيع، وإنما أقامنا وإياهم إلي ما هو أعلى. لكن البركة بالنسبة لنا أعظم، لأن لهم كان الوعد، وكانوا هم أقرب منا، أما نحن فلم يكن لنا الوعد وكنا أكثر بعدًا منهم، لهذا قال: "وأما الأمم فمجدوا الله من أجل الرحمة" (رو 15: 9). حقًا لقد أعطى الوعد للإسرائيليين، لكنهم لم يستحقوه، وأما نحن فلم يعطنا وعدًا وإذ كنا غرباء، وليس لنا معهم شركة في شيء ما لكننا صرنا واحدًا لا بإتحادنا معهم، وإنما بإتحادنا وإياهم معًا في واحد. أقدم لكم تشبيهًا: هب أنه يوجد تمثالان، أحدهما من الفضة والآخر من الرصاص، وأذيب الاثنان معًا، فصار الاثنان من ذهب، هكذا جعل الاثنين واحدًا. يمكن وضع الأمر بصورة أخرى: لنفرض أن اثنين، أحدهما عبد والآخر ابن بالتبني، وأن الاثنين أذنبا ضده، فصار أحدهما ابنًا غير مستحق للميراث والآخر شريدًا ذاك الذي لم يعرف له أبًا قط. صار الاثنان وارثين، وابنين حقيقيين. كلاهما ارتفعا إلي ذات الكرامة، فصار الاثنان واحدًا، واحد جاء من بعيدٍ جدًا والآخر من مسافة أقل، لكن العبد صار أكثر نبلاً مما كان عليه قبل أن يذنب. + يكمل حديثه: "وَنَقَضَ حَائِطَ السِّيَاجِ الْمُتَوَسِّطَ"، وقد فسر معنى حائط السياج المتوسط بقوله: "أَيِ الْعَدَاوَةَ التي أبطِلها بِجَسَدِهِ، نَامُوسَ الْوَصَايَا فِي فَرَائِضَ". حقًا يؤكد البعض أنه قصد الحائط الذي وضعه اليهود ضد اليونانيين، إذ لم يكن يُسمح لليهودي أن يختلط باليونانيين. أما بالنسبة لي فيبدو لي أن المعنى غير هذا، بل بالحري قال: "العداوة في الجسد"، الحائط المتوسط، كحاجز عام الذي يعزلنا كلنا في وجه المساواة عن الله. وكما يقول النبي: "آثامكم صارت فاصلة بينكم وبيني" (إش 59: 2)، تلك العداوة التي كانت بين الله وبين اليهود كما الأمم، بكونها حائطًا متوسطًا. هذا الحائط لم يُنقض حين وُجد الناموس بل بالعكس تقوّى، كقول الرسول: "لأن الناموس ينشيء غضبًا" (رو 4: 15). وبنفس الطريقة بقوله "الناموس ينشيء غضبًا" لم ينسب كل التأثير للناموس ذاته، وإنما يجب أن نفهم أن السبب هو آثامنا؛ هكذا هنا أيضًا يقول: "حَائِطَ السِّيَاجِ الْمُتَوَسِّطَ" لأنه خلال عصياننا نشأت العداوة. كان الناموس سياجًا، عُمل لأجل الحماية، ولهذا دُعي "سياجًا" ليحيط بما هو في داخله. أنصت أيضًا إلي النبي القائل: "أقمت خندقًا حوله" (إش 5: 2). على أي الأحوال، صار (الناموس) حائطًا متوسطًا لا لسلامهم بل ليعزلهم عن الله. وهكذا تكوّن الحائط المتوسط من السياج. ولكي يشرح ذلك أكمل: "أبْطل العداوة بِجَسَدِهِ، أي نَامُوسَ الْوَصَايَا". كيف تم ذلك؟ بقتله (على الصليب) مبطلاً العداوة. ليس فقط بهذه الوسيلة وإنما بحفظ الناموس ... القديس يوحنا الذهبي الفم + "لِكَيْ يَخْلُقَ الِاثْنَيْنِ فِي نَفْسِهِ إِنْسَانًا وَاحِدًا جَدِيدًا" ]15[. لاحظ أن الأممي لم يصر يهوديًا، بل كلاهما - هذا وذاك - صارا في حالة جديدة.... وُهب الاثنين خليقة جديدة. استخدم كلمة "خلق" في كل المناسبات وليس "غيّر"، ليظهر قوة عمله. + " لِكَيْ يَخْلُقَ الِاثْنَيْنِ فِي نَفْسِهِ"، أي بنفسه، فلم يعهده بهذا الأمر لآخر، بل قام به بنفسه، أذاب هذا وذاك وأقام واحدًا مجيدًا... أمسك اليهود باليد الواحدة، والأمم بالأخرى، وكان هو في الوسط، فمزجهما معًا، وانتزع الخلافات التي كانت بينهما وشكّلهما من جديد من فوق بالنار والماء وليس بالماء والتراب. + " إِنْسَانًا وَاحِدًا جَدِيدًا، صَانِعًا سَلاَمًا"، صانعًا سلامًا لكليهما مع الله، ومع بعضهما البعض. + " فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ" أي في جسده... إذ تحمل هو العقوبة المستحقة. + " بِالصَّلِيبِ، قَاتِلاً الْعَدَاوَةَ بِهِ"، لا توجد كلمات حاسمة وقوية أكثر من هذا، إذ يقول الرسول أن موته قتل العداوة. لقد جرحها وقتلها، لا بتكليفه آخر ليعمل ذلك، ولا خلال عمله فقط وإنما خلال ألمه. لم يقل "حل العداوة" أو "أبطلها" بل ما هو أقوى: "قتلها"، حتى لا تقوم ثانية... مادمنا ثابتين في جسد المسيح ومتحدين معه، لا تقوم العداوة بل تبقى ميتة. القديس يوحنا الذهبي الفم إن كان السيد المسيح قد دفع ثمن هذه المصالحة في جسده المبذول عنا، فإنها مصالحة مفرحة ومبهجة للكل، لذلك يقول الرسول: "فَجَاءَ وَبَشَّرَكُمْ بِسَلاَمٍ، أَنْتُمُ الْبَعِيدِينَ وَالْقَرِيبِينَ" ]17[. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لم يرسل المسيح إلينا هذه الأخبار (المفرحة) على يد آخر، ولا أعلنها لنا خلال الغير، وإنما جاء بشخصه. لم يرسل ملاكًا ولا رئيس ملائكة ليتمم هذا الأمر... بل كان الأمر يستدعي مجيئه.] جاء بنفسه ليبشر الكل - البعيدين والقريبين - لا بكلمات سلام، وإنما أيضًا بعمل سلام... هذه البشرى نظرها إشعياء النبي من بعيد خلال ظلال النبوة، فقال: "سلام سلام للبعيد وللقريب، قال الرب وسأشفيه" (إش 57: 19). المصالحة التي تتم بين الفريقين تحققت بالصليب في جسد المسيح. لكن للآب والروح القدس دورهما الإيجابي في هذا العمل. إذ يقول الرسول: "لأَنَّ بِهِ لَنَا كِلَيْنَا قُدُومًا فِي رُوحٍ وَاحِدٍ إلي الآبِ" ]18[. إنه نص ثالوثي قوي، حيث يعلن الرسول أنه خلال تجسد الابن اقترب البشر إلي الآب بفعل الروح القدس. بمعنى آخر المصالحة هي: اقتراب للآب، خلال الابن المتجسد، وذلك في الروح. تمتع الأمم بعمل الثالوث القدوس، فنزعت عنهم الغربة القديمة وصاروا مع اليهود رعية أهل بين الله، إذ يقول: "فَلَسْتُمْ إِذًا بَعْدُ غُرَبَاءَ وَنُزُلاً، بَلْ رَعِيَّةٌ مَعَ الْقِدِّيسِينَ وَأَهْلِ بَيْتِ اللهِ" ]19[. كان الأمم واليهود طفلين غريبين ضمهما السيد المسيح في جسده بروحه القدوس في أخوّة ليصيرا ابنين للآب من "َأَهْلِ بَيْتِ اللهِ"، ليس لأحدهما فضل على الآخر. صار للأمم - بعد قبلوهم الإيمان بالمسيح - ذات حقوق اليهود، إذ دخلوا في بناء الكنيسة الجامعة التي أساسها الرسل والأنبياء وحجر زاويتها السيد المسيح. بمعنى آخر لم يعد أنبياء العهد القديم، ولا رسل العهد الجديد، ولا المسيح نفسه، حكرًا على أمة اليهود دون غيرهم. يقول الرسول: "مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ حَجَرُ الزَّاوِيَةِ، الَّذِي فِيهِ كُلُّ الْبِنَاءِ مُرَكَّبًا مَعًا يَنْمُو هَيْكَلاً مُقَدَّسًا فِي الرَّبِّ. الَّذِي فِيهِ أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيُّونَ مَعًا، مَسْكَنًا لِلَّهِ فِي الرُّوحِ" [20 - 22[. لقد تحقق باليهود كما بالأمم بناء روحي واحد أساسه الرسل والأنبياء، يربطهما معًا حجر الزاوية السيد المسيح، الذي فيه تحققت نبوات العهد القديم وباسمه تتم كرازة العهد الجديد. إن كانت أورشليم العليا في حقيقتها هي "مسكن الله مع الناس" (رؤ 21: 3)، فقد شاهد القديس يوحنا أسماء الرسل الإثني عشر مكتوبة على أساساتها (رؤ 21: 14) وأسماء الإثني عشر سبطًا على أبوابها (رؤ 21: 12). في أكثر من موضع يشرح لنا القديس أغسطينوس دور السيد المسيح كحجر الزاوية الذي ربط اليهود مع الأمم في بناء واحد، كحائطين ذوي اتجاهين مختلفين التحما معًا. فمن كلماته: [حدث في ذلك اليوم الذي هو يُدعى ميلاده رآه الرعاة اليهود، بينما في هذا اليوم يليق أن يُدعى "الظهور الإلهي" أي "الإعلان" سجد له المجوس الأمميون... حقًا لقد وُلد كحجر زاوية للاثنين، وكما يقول الرسول: "لِكَيْ يَخْلُقَ الاثْنَيْنِ فِي نَفْسِهِ إِنْسَانًا وَاحِدًا جَدِيدًا، صَانِعًا سَلاَمًا، وَيُصَالِحَ الاثْنَيْنِ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ مَعَ اللهِ بِالصَّلِيبِ" ]15-16[. ما هو حجر الزاوية إلاَّ ربط حائطين ذوي اتجاهين مختلفين، وكأنهما يتبادلان القبلة! المختونون مع غير المختونين، أي اليهود مع الأمم، اللذان كانا يحملان عداوة مشتركة، ولهما أمور أساسية تعزلهما عن بعضهما البعض، فاليهود كانوا يعبدون الله الواحد الحق، والأمم كانوا يعبدون آلهة كثيرة باطلة. الأولون كانوا قريبين والآخرون كانوا بعيدين. لقد قاد الفريقين إلي نفسه، ذاك الذي صالحهما مع الله في الجسد الواحد، وكما قال نفس الرسول: وذلك بالصليب قاتلاً العداوة.] يرى القديس أغسطينوس أنه بدعوة السيد المسيح رأس الزاوية، وهو رأس الكنيسة، بهذا تكون الكنيسة هي الزاوية التي ضمت اليهود من جانب والأمم من الجانب الآخر. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ما هو هدف هذا البناء؟ لكي يسكن الله في هذا الهيكل. كل واحد منكم هو هيكل، وكلكم معًا هيكل. الله يسكن فيكم بكونكم جسد المسيح وهيكل روحي. لم يستخدم الكلمة التي تعني مجيئنا نحن إلي الله، بل ما يعني أن الله هو الذي يحضرنا إلي نفسه. فإننا لم نأت من تلقاء أنفسنا، بل الله هو الذي قرّبنا إليه. يقول المسيح: "ليس أحد يأتي إلي الآب إلاَّ بي"، وأيضًا: "أنا هو الطريق والحق والحياة" (يو 14: 6).] من تفسير وتأملات الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين الأصحاح الثاني المسيح رأس الكنيسة شرقاً وغرباً العذراء - الملائكة - الرسل - الكنيسة تمتد وفي كل مكان في العالم الآن الشهداء - المعترفين - نرى فى هذا الإصحاح كيف أن المسيح بصليبه وَحَّدَ السمائيين والأرضيين وصار رأساً لكليهما (أف10:1) نرى الصلح الذى تم بين السماء والأرض بالصليب، ونرى الصلح الذى تم بين اليهود والأمم، وكيف جعلهما المسيح واحداً. راجع آيات 16،14. إذاً تم الصلح بين الله والناس وبين الناس والناس. نرى فى هذا الإصحاح الصليب بخشبتيه الرأسية والأفقية: الرأسية تشير لوحدتنا مع المسيح، نقوم معه ونجلس معه فى السماويات آية 6. والأفقية تشير لوحدتنا مع إخوتنا وكيف يصير الإثنين واحداً آية 14. الرأسية نرى فيها مصالحتنا مع الله آية 16. والأفقية نرى فيها مصالحتنا مع إخوتنا (اليهود والأمم كمثال) فى المسيح أيات 16،15 هذه الوحدة مع المسيح وهذا التصالح الذى تم بالصليب، أدى لأن يملأ المسيح الكل فى الكل (23:1). آية (1):- "1وَأَنْتُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَمْوَاتًا بِالذُّنُوبِ وَالْخَطَايَا. " هنا يصور الأمم فى خطاياهم، أنهم فى حالة موت، موت روحى بسبب الخطية أى منفصل عن حياة الله (كالابن الضال كان ميتاً وهو منفصل عن أبيه) (لو32:15). وفى آيات 5،3 يضع اليهود ونفسه أيضاً تحت الحكم، فالكل أغلق عليه في الموت فى إنتظار المسيح الذى سيحيى الجميع. وهذه الآية نجد الرد عليها فى آية 5 "أحيانا مع المسيح" وكانت حالة الموت هذه حالة عبودية كاملة للشيطان وفساد كامل لجسدنا، إذ كنا نتمم شهواتنا. وقبل المسيح كان الكل فى حالة موت، بل لا يعرفون معنى الحياة فى الله وعلامتها الأعمال الحية (فالأعمال الحية الصالحة علامة الحياة مع الله).وبعد المسيح، حقاً نحن نموت ولكن ليس بمعنى الإنفصال عن الله، ولكن كنوم أو رقاد، وهذا ما قاله السيد المسيح "لعازر.. نام"، " الفتاة نائمة" (يو11:11) + (مت24:9). والنوم يعقبه إستيقاظ، لذلك نسمى الموت حالياً رقاد فهناك قيامة. الْخَطَايَا: هى حالة الطبيعة البشرية الساقطة للكل، يهوداً وأمماً، هى حالة عداوة مع الله، هذه الطبيعة الخاطئة ورثناها من آدم. الذُّنُوبِ = هى حالة التعدى والسقوط بالإرادة نتيجة الطبيعة الساقطة. والمسيح مات ليشفينى من كليهما: 1. طبيعتى الفاسدة الساقطة. 2. لغفران خطاياى التى أسقط فيها الآن. آية (2):- "2الَّتِي سَلَكْتُمْ فِيهَا قَبْلاً حَسَبَ دَهْرِ هذَا الْعَالَمِ، حَسَبَ رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ، الرُّوحِ الَّذِي يَعْمَلُ الآنَ فِي أَبْنَاءِ الْمَعْصِيَةِ. " من لا يسلك بحسب الله منقاداً لنعمته فهو حتماً سالك تحت تسلط القوى الشريرة المضادة لله ويقسمها بولس هنا إلى: 1. العالم. 2. رئيس سلطان الهواء. 3. روح العصيان الذى فى الناس. سَلَكْتُمْ فِيهَا قَبْلاً: شعب أفسس تسلطت عليه هذه القوى الشريرة فسلك فى الخطايا والذنوب قبل أن يؤمنوا بالمسيح. ولكن بعد إيمانهم بالمسيح تغيرت أحوالهم، فالنعمة تعطى سلطاناً على الخطية، فلا تعود تستعبد المؤمن (رو14:6) وللأسف فمازال بعض المؤمنين مستعبدين للخطية وفى حالة فساد وموت. حَسَبَ دَهْرِ هذَا الْعَالَمِ: الأصل يعنى سلسلة من أجيال الزمن، فيها كل جيل يتلو جيل آخر، أى هذه القصة تتكرر من أيام آدم للآن، اى على مر الدهور، إن الفساد الذى فى العالم كان يفرض سلطته على البشر. وما الذى فى العالم؟ قوانين العالم قد ترغم الناس على إنكار المسيح كما حدث أيام إضطهاد الدولة الرومانية للمسيحيين. والضغوط الإقتصادية قد تدفع الإنسان للسرقة، والإباحية التى فى العالم قد تدعو الإنسان للخطية، والمبادىء الفلسفية الإلحادية قد تدعو لإنكار الله.. ألخ. لكن من هو ثابت فى المسيح لا يمكن أن تسود عليه هذه الضغوط، ولن يسقط ولن يفسد. أمَا من انفصل عن المسيح بإرادته وصار ليس ثابتاً فى المسيح فسيسقط ويفسد، كعضو من جسد الإنسان تم قطعه (إصبع مثلاً) فهو لابد وسيفسد خلال ساعات فالدم لا يسرى فيه. رَئِيسِ سُلْطَانِ الْهَوَاءِ: تعبير عن الشيطان وجنوده الذى بعد أن كان فى السماء كالملائكة هبط إلى الأرض. وقوله إنه رئيس سلطان الهواء قد يعنى أن الشيطان تأثيره كالهواء، يلمس كل إنسان تأثيره ولكن لا يراه أحد، ولا يدرى مصدره أحد. هو قوة تتخلل الوجود وتنتشر فيه وتؤثر فيه وغير مرئية، ولكن يعمل ويؤثر فى أبناء المعصية. وقد تعنى كما كان اليهود يتصورون أن الهواء هو مسكن للشياطين. وإبليس وجنوده فى الهواء المحيط بنا يحاولون منعنا من الوصول لله (ولكن نحن بالصلاة باسم يسوع المسيح وبالإيمان نغلب قوات الشر فلا تستطيع أن تعوقنا عن الوصول لله). واليهود فهموا هذا من (تك6:1-8). إذ حين تَكَوَّنَ الهواء فى اليوم الثانى للخليقة، كان هذا اليوم هو اليوم الوحيد الذى لم يُذكر فيه هذه العبارة المتكررة " ورأى الله.. أنه حسن" كما تكررت فى بقية الأيام، فقالوا إن الشيطان اتخذ الهواء مسكناً له وكان اليهود يقولون إن الشيطان يوجد فى 3 أماكن: 1. الهواء حيث تنطلق نفس الإنسان بعد موته. 2. المياه حيث يخاف الإنسان الغرق. 3. البرية القاحلة حيث يهلك الإنسان. ولكى يؤكد الله كمال نصرة المسيح على الشيطان فلقد : 1. صُلِبَ فى الهواء معلقاً على الصليب ليهزمه فى عرينه، وقيل إنه سنخطف جميعاً فى السحب لملاقاة الرب فى الهواء (1تس17:4). وبهذا ما عاد للشيطان سلطان على النفس المنتقلة، فالمسيح بصليبه طَهَّرَ الهواء كما يقول القديس أثناسيوس. 2. لم يَعُدْ الماء الآن مخيفاً بل نحن نولد من الماء والروح فى المعمودية. 3. أمّا بالنسبة للبرية فقد هزم المسيح إبليس فى البرية، وأصبحت البرية أماكن الرهبان القديسين كبرية شيهيت. الْمَعْصِيَةِ: المعصية هى خطية الشيطان نفسه ومازال يعمل فيمن يتبعه بأن يجعله عاصياً مثله. روح إبليس المتمردة مازالت تعمل فى بعض الناس. وكل من لا يؤمن بالمسيح حتى الآن فهو خاضع لسلطان الشر وابناً للمعصية وميت روحياً. وإبليس يجد مكاناً فى أبناء المعصية أمّا أبناء الطاعة فلا يقدر عليهم. وطبيعة المعصية هذه نرثها من آدم "بالخطية ولدتنى أمى". ولكن فى المعمودية تموت الطبيعة القديمة ويولد إنساناً جديداً. آية (3):- "3الَّذِينَ نَحْنُ أَيْضًا جَمِيعًا تَصَرَّفْنَا قَبْلاً بَيْنَهُمْ فِي شَهَوَاتِ جَسَدِنَا، عَامِلِينَ مَشِيئَاتِ الْجَسَدِ وَالأَفْكَارِ، وَكُنَّا بِالطَّبِيعَةِ أَبْنَاءَ الْغَضَبِ كَالْبَاقِينَ أَيْضًا. " هنا يضع الرسول اليهود ومنهم هو نفسه مع الأمم تحت قائمة الخطاة المحتاجين لعمل المسيح. أَبْنَاءَ ْغَضَبِ: حركنا غضب الله بتصرفاتنا. فى شهوات جسدنا الذى كان بالطبيعة ساقط وعاصى وشهوانى ولم يستطع حتى الناموس أن يسيطر على هذه الشهوات. نَحْنُ.. كُنَّا: يقصد نفسه ومعه اليهود. وإبليس يذكّرنا فقط بلذة الخطية ولا يذكّرنا بتبعاتها من حزن وكآبة وألم وفقدان البركة نتيجة غضب الله. عَامِلِينَ مَشِيئَاتِ الْجَسَدِ وَالأَفْكَارِ: نرى هنا بولس الرسول يشرح أن الإنسان كان فى منتهى التسيب، فكل ما يطرأ على فكره يتحرك له جسده خاضعاً. وهنا نرى أن الفكر أصلاً هو سبب الخطية، لأن الشيطان قوة عقلية شديدة التزييف " كذاب وأبو الكذاب" (يو44:8). وهو يزين للإنسان الخطية التى تتفق مع رغبات ومشيئات الجسد الضعيف. والإنسان إمّا ينفذ : عَامِلِينَ. أو يرفض ولذلك أعطى الله الروح القدس للإنسان وهو روح الحكمة والفهم والمشورة والحق، لا كناصح فقط بل شريك حياة له القدرة، وهو يعطى قوة تعين على تطهير الحياة فلا يعود للشيطان مدخل فى الإنسان، وإن دخل خلسة لا يجد استجابة ولا راحة فيهرب مهزوماً. ولكن من يظل يستجيب لصوت الشيطان رافضاً صوت الروح القدس يحزن الروح القدس ويطفئه. بِالطَّبِيعَةِ: أى الحال الذى وُجدنا فيه، خاضعين لشهواتنا. لذلك كنا أبناء غضب. كان هذا حال الإنسان بدون نعمة المسيح. فبخطية آدم ضعفت كل قوى الإنسان، إرادته وعقله وقوة إدراكه، ولكن ظلت الطبيعة البشرية محتفظة ببعض النور الإلهى الذى يدفعها للإيمان، ومن يؤمن ويعتمد يخرج من طبيعته ويلبس الإنسان الجديد. ونلاحظ أن الجسد ليس شراً ولكن الشر أن يخضع الجسد للشهوات والأفكار المقاومة، ومن يخضع لشهوات طبيعته يصبح ابنها (يو44:8) + (1يو10،8:3). أمَا من يقاوم من أولاد الله ويحسب نفسه ميتاً عن الشهوة يجد قوة النعمة تعين بل يصبح خليقة جديدة. الآيات (4-5):- "4اَللهُ الَّذِي هُوَ غَنِيٌّ فِي الرَّحْمَةِ، مِنْ أَجْلِ مَحَبَّتِهِ الْكَثِيرَةِ الَّتِي أَحَبَّنَا بِهَا، 5وَنَحْنُ أَمْوَاتٌ بِالْخَطَايَا أَحْيَانَا مَعَ الْمَسِيحِ ­ بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ. " الله المملوء رحمة ينقذ الإنسان الغارق فى شقاوته وفى الموت يعيش. ومن محبته يقول "أحيانا/ أقامنا / أجلسنا معه فى السماويات". بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ: النعمة هى عطية مجانية، فالله من محبته أعطانا الخلاص والحياة مجاناً، فالمسيح مات عنا ونحن بعد خطاة أى دون أى إستحقاق منا أى مجاناً. وهكذا حل الروح القدس علينا مجاناً، فمن كان يستحق هذا، وأى عمل نعمله به نستحق أن يحل علينا الروح القدس. كان كل ما أخذناه ليس فى مقابل أعمال صالحة عملناها، ولكن أعطى الله ما أعطاه لنا من محبته. ولو كان الله قد أعطى ما أعطاه فى مقابل أعمال صالحة فما هى الأعمال الصالحة التى عملها الأمم حتى يعطيهم الله الخلاص. ولكن: بعد أن ندخل الإيمان يجب أن نعمل أعمالاً صالحة حتى تستمر النعمة منسكبة علينا، أمَا من يحيا فى استهتار فهو غير مستحق للنعمة. هنا يجب أن نفرق بين إستعمالين لكلمة النعمة: 1) فداء المسيح وإرساله للروح القدس كان نعمة مجانية ليس فى مقابل أعمال. 2) تغيير طبيعتى من طبيعة الإنسان العتيق الفاسد إلى الإنسان الجديد هذا يكون بعمل النعمة، وهذه النعمة تستوجب أن نجاهد لأجلها. بِالنِّعْمَةِ أَنْتُمْ مُخَلَّصُونَ: 1. كيف نخلص؟ نحن لنا خلقتين: الأولى كأولاد لآدم، والثانية هى الخليقة الجديدة فى المسيح. بالأولى نموت، وبالثانية نخلص كقول الرسول "لأنه فى المسيح يسوع ليس الختان ينفع شيئاً ولا الغرلة بل الخليقة الجديدة" (غل15:6). إذاً الخلاص هو بالخليقة الجديدة. 2. كيف نحصل على الخليقة الجديدة؟ فى المسيح يسوع كقول الرسول: "إن كان أحد فى المسيح فهو خليقة جديدة " (2كو17:5). 3. كيف نصير فى المسيح يسوع؟ ذلك بأن نتحد بالمسيح وذلك كقول الرسول "كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته. فدفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضاً فى جدة الحياة. لأنه إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته نصير أيضاً بقيامته" (رو3:6-5) إذاً بالمعمودية نتحد بالمسيح. 4. هل يظل المُعمّد متحداً بالمسيح مهما فعل ؟ قطعاً لا وإلا ما كان السيد المسيح يوصينا "اثبتوا فىّ وأنا فيكم". فما يفصلنا عن المسيح هو الخطية كقول الرسول "أية خلطة للبر والإثم، وأية شركة للنور مع الظلمة، وأى اتفاق للمسيح مع بليعال" (2كو15،14:6). 5. وهل لو أخطأ المؤمن تنتهى علاقته مع المسيح؟ قطعاً لا، فكما يقول الرسول: " دم يسوع المسيح ابنه يطهرنا من كل خطية.. إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا ويطهرنا من كل إثم" (1يو7:1-9). فالمقصود أن يحيا المؤمن بسلوك جديد يتناسب مع الحياة الجديدة التى نالها فى المسيح يسوع (رو4:6). "وإن أخطأ فالتوبة والاعتراف يمحوان خطيته"، أى على المؤمن أن يحيا حياة التوبة وأن يجاهد عمره كله. 6. ما معنى الجهاد؟ هناك نوعان: أ‌) جهاد سلبى : يقول عنه الرسول "احسبوا أنفسكم أمواتاً عن الخطية" (رو11:6)+ "أميتوا أعضاءكم التى على الأرض الزنا …" (كو5:3). ب‌) جهاد إيجابى: كالصوم والصلاة التى قال عنها الرسول "صلوا بلا انقطاع" (1تس17:5). والسيد يوصى "إلى الآن لم تطلبوا شيئاً بإسمى. أطلبوا تأخذوا" (يو24:16). ويقول السيد "بدونى لا تقدرون أن تفعلوا شيئاً" (يو5:15). إذاً فالسيد يعلمنا أن نصلى وأن نطلب. 7. ماذا نطلب فى الصلاة؟ أهم ما نطلبه هو الروح القدس (لو13:11). وما أهمية أن نطلب الروح القدس؟ هو الذى يعيننا (رو26:8) + "إن كنتم بالروح تميتون أعمال الجسد فستحيون" (رو13:8). الله مصدر لا نهائى للنعمة والبركة وبالصلاة أستمد المعونة من هذا المصدر اللانهائى. 8. وما هو نصيب المؤمن الذى لا يجاهد ويرتد؟ فلنسمع قول بولس الرسول عن مثل هذا المرتد "ديماس قد تركنى إذ أحب العالم الحاضر" (2تى10:4) ومصير المرتدين هو الهلاك كما يقول الرسول "لأن كثيرون يسيرون ممن كنت أذكرهم لكم مراراً والآن أذكرهم أيضاً باكياً وهم أعداء صليب المسيح الذين نهايتهم الهلاك الذين الههم بطنهم.. الذين يفتكرون فى الأرضيات" (فى19،18:3). 9. أما المؤمن فجهاده أن تكون سيرته فى السموات أى حياته سماوية (فى20:3). 10. وهذا معنى قول السيد المسيح "من وجد حياته يضيعها ومن أضاع حياته من أجلى يجدها" (مت39:10). آية (6):- "6وَأَقَامَنَا مَعَهُ، وَأَجْلَسَنَا مَعَهُ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. " قارن هذه الآية بما قاله فى 20:1 فنرى أن ما حدث للمسيح هو ما سوف يحدث لنا، فهو قام وجلس عن يمين الآب لحساب البشر. أَقَامَنَا مَعَهُ: لقد متنا مع المسيح وقمنا معهُ (كو12:2+1:3) + (رو3:6-5) بعد أن أكمل العقوبة عنا. والمسيح هو الذى قام بالجسد وجلس فى السماء. وكعربون لهذا القيام والجلوس نقوم نحن الآن من موت الخطية ونتذوق عربون الحياة السماوية، هذه هى قيامة النفس وتتم بالإيمان بالسيد المسيح وخضوع إرادتنا لإرادة الله. ونلاحظ أن هناك قيامتان. الأولى: قيامة من موت الخطية (يو25:5). والقيامة الثانية: هى القيامة من الأموات (يو29،28:5). ومن يقوم القيامة الأولى يكون له نصيب فى القيامة الثانية، لأن من يقوم من موت الخطية هو فى نظر الله حى، صار يحيا بحياة المسيح الذى اتحد به فى المعمودية "المسيح يحيا فىّ" (غل20:2). وهذا سر الخلاص، "أننا نخلص بحياته" (رو10:5). فبالمعمودية نحصل على حياة المسيح لكنها تظل مستترة فينا (كو3:3). تظهر حين نموت وندفن ثم نقوم بجسد ممجد، مثل بذرة حية حين تدفن فى التراب تُخرج شجرة حية، أمَا من يرتد فيكون بذرة أكلها السوس إذا دفنت لا تُخرج شجرة. والخاطىء يكون ميتاً، أما لو قدم توبة يعود للحياة (الابن الضال لو32:15). أَجْلَسَنَا مَعَهُ: نحن لم نجلس فى السماويات حتى الآن، بل المسيح وحده الذى جلس فى السماويات عن يمين الآب، فى مجد لا يوصف. ولكن حين نقول إنه أجلسنا، فالجلوس معناه الراحة مؤقتًأ في التعزيات التي يسكبها علينا، فما نحصل عليه الآن هو عربون ما سنحصل عليه فى السماء، فهناك الفرح والمجد الكاملين والمسيح كان باكورة وكان سابق، ونحن سنلحقه بعد القيامة. هو دخل السماء وجلس عن يمين الآب بجسدنا، وهذا معنى أنه ذهب ليعد لنا مكاناً (يو3،2:14). لقد صار لنا ممثل بالجسد فى السماء، ولكن هذه الآية لا تعنى أننا فى السماء الآن. ولكن حتى نقوم مع المسيح ونجلس فى السماويات يلزمنا أن نموت معهُ، أى نحسب أنفسنا أمواتاً، ونقدم أنفسنا ذبائح حية "مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فىّ" (غل20:2). وجلوسنا فى السماويات تم التعبير عنه بجلوسنا فى عرشه (رؤ21:3). وأجلسنا جاءت بصورة الفعل الماضى، كما كان يفعل الأنبياء حين يتكلمون بصيغة الماضى عن أشياء ستحدث فى المستقبل، وذلك كتأكيد، أى أن ما يقولونه محقق كأنه حدث. فكلام الله لا يسقط أبداً. آية (7):- "7لِيُظْهِرَ فِي الدُّهُورِ الآتِيَةِ غِنَى نِعْمَتِهِ الْفَائِقَ، بِاللُّطْفِ عَلَيْنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. حين نحصل على الجسد المُمجد، على صورة جسد مجد المسيح (فى21:3 + 1يو2:3). لِيُظْهِرَ: حين نحصل على الجسد المُمجد فى السماء سيظهر لنا مدى رحمة الله ومحبته ونعمته تجاه الكنيسة، حين يشركنا معه فى مجده الإلهى الفائق. ولكن كل هذا المجد لن يحصل عليه إلاّ من كان ثابتاً فى المسيح الآن = فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. فلا قيامة ولا صعود للسماء ولا مجد إن لم نكن فى المسيح يسوع. غِنَى نِعْمَتِهِ الْفَائِقَ: الفائق أى يفوق كل فكر وكل تصور. بِاللُّطْفِ: إشارة لمنتهى رقة الله وعذوبته فى عطاياه، فلنسبحه ونمجده. قصة طريفة: دَخَلَت إلى أحد الأماكن التى كان يوجد بها أحد المؤمنين المسيحيين، إمرأة تقول أنها تعرف المستقبل، وأصرت على أن تكشف المستقبل بطريقتها لهذا المسيحى فرفض وأشار لها على هذه الأيات السابقة: (أف 3:2) وقال لها هذا هو الماضى بالنسبة لى (أف 4:2-6) وقال لها هذا هو الحاضر الذى أحياه (أف 7:2) وقال لها وهذا هو المستقبل الذى أرجوه ففزعت المرأة حين سمعت ورأت كلام الكتاب المقدس. الآيات (8-9):- "8لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ، بِالإِيمَانِ، وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. 9لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ. " لأَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ: راجع تفسير (أف2: 5). وراجع مقدمة رسالة رومية عن هذه الاية. وَذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ. هُوَ عَطِيَّةُ اللهِ. 9لَيْسَ مِنْ أَعْمَال كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ: كل من يفتخر بأعماله أو بحياته الجديدة ينسى أن الله هو الذى قدم كل شىء هوالذى صنع الفداء دون أن نستحق، وهو الذى أرسل لنا الروح القدس المعين. وهو الذى يعطينا الإرادة الصالحة. اذاً الفداء وارسال الروح القدس ، هذا ما يسمي النعمة التي نلناها دون جهاد او اعمال .أخذناها مجاناً ودون استحقاق. لكن نحن يجب أن نجاهد اي نغصب انفسنا علي عمل البر ،كما قال السيد المسيح ان ملكوت السموات يغصب ( مت 11 : 12 ) ولكننا لانتغير الي الخليقة الجديدة باعمالنا فقط بل النعمة تساندنا، وهى التى تغيرنا لنصير طبيعة جديدة. فالأعمال ليست هى التى تخلصنا بل النعمة التى تغير طبيعتنا فنصير خليقة جديدة.اذاً هناك نعمة حصلنا عليها دون استحقاق ، لكن حتي يبدأ عمل النعمة في تغيير طبيعتنا علينا ان نجاهد. وهذا ما قاله الاباء ان النعمة هي عطية مجانية ولكنها لا تعطي الا لمن يستحقها . والرسول هنا لم يقل "بالنعمة انتم مخلصون ...ليس من اعمال" وسكت. لكنه ينبه ان لا نفتخر ان عملنا فنسقط في الكبرياء ونهلك ، وهذا ما سقط فيه اليهود . الرسول هنا يشبه قول السيد "فمتى صنعت صدقة فلا تعرف شمالك (الافتخار بالعمل والبر الذى صنعت) ما تفعل يمينك (البر الذى صنعته)" (مت3:6). بِالإِيمَانِ: حتى الإيمان هو هبة من الله، وكل دورنا أننا إمَا نقبله أو نرفضه. والإيمان هو المدخل، فكل ما نحصل عليه من نعمة، الوسيلة الوحيدة لحصولنا عليه هو الإيمان، والإيمان هو الثقة فى شخص المسيح والثبات فيه. وهناك ايمان ميت (يع 2 ) هو ان اقول انا اؤمن بالمسيح ولا اعمل . وهناك ايمان حي ان اغصب نفسي علي العمل الصالح فاجد النعمة تساندني ، والتغصب هو تعليم المسيح (مت 11: 12) . وهذا التغصب هو ما نسميه جهاد . ومن يغصب نفسه سيكتشف ان الوصية ليست صعبة . فالمسيح يحمل معي وهذا ما نسميه عمل النعمة، وهذا معني قول المسيح " احملوا نيري فهو هين وحملي خفيف". ليْسَ مِنْ أَعْمَال: ولاحظ أنه يقول " كَيْلاَ يَفْتَخِرَ أَحَدٌ " ولم يقل كيلا يعمل أحد. فلابد أن نعمل ونجاهد، ولكن دون ان نفتخر وإلاّ سقطنا فى الكبرياء. علينا أن ننسب كل عمل صالح لله فهو مصدر كل عمل صالح (يع17:1). ولكن لابد أن نعمل فالنعمة لا تنسكب على إنسان متكاسل لا يريد أن يعمل. ولاحظ الرسول بولس نفسه حين يقول "لا أنا بل نعمة الله التى معى، فهذا لأنه قال قبلها" أنا تعبت أكثر منهم جميعهم" (1كو 10:15). فالنعمة تطلب ما هو من جانبنا، فالمسيح لم يحوّل الماء إلى خمر إلا بعد أن جاهد الناس فى ملء الأجران. وأطعم الجموع ليس من فراغ بل من خمس خبزات وسمكتين كانت هى كل ما مع الشعب. وفى مثال الوزنات عاقب السيد صاحب الوزنة الواحدة لأنه لم يعمل ولم يتاجر ويربح. بل إنه فى آية 10 يقول إن الله خلقنا لأجل أعمال صالحة. إذن علينا أن نعمل أعمالاً صالحة ولا نكون كسالى. ولكن مع ما قلناه من أهمية الأعمال، فعلى من يعمل ألا يظن أنه مستحق بهذا للخلاص : ذلِكَ لَيْسَ مِنْكُمْ: أى الخلاص ليس منا بل هو عطية ونعمة من الله. أَنَّكُمْ بِالنِّعْمَةِ مُخَلَّصُونَ: مخلصون وردت فى صيغة الماضى الذى مازال مستمراً، فالمسيح بدأ خلاصنا فى الماضى، كما أنه مازال يخلصنا فى الحاضر. هو يخلصنا يوماً فيوماً وسيتمم خلاصنا فى المستقبل. الخلاصة: الخلاص هو عطية من الله مجانية، والأعمال التى يتكلم عنها هى أعمال ما قبل الإيمان، سواء كانت أعمال ناموسية أو أعمال بر ذاتى. أما بعد الإيمان فيجب أن نعمل أعمال صالحة لنستحق انسكاب النعمة علينا. ولاحظ قول الرسول بولس "نحن عاملان مع الله" (1كو 9:3). آية (10):- "10لأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لأَعْمَال صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ اللهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا. " الله خلقنا فى البدء حين وُلِدنا من أبوينا. ثم خلقنا ثانية حين وُلِدنا من الماء والروح فى المعمودية (2كو18،17:5). وخلقتنا الثانية أعظم، فالأولى كان الله يقول كُنْ فيكون، أمَا الثانية فاستلزمت الصليب: مَخْلُوقِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. وهنا فالرسول يؤكد أهمية الأعمال الصالحة. فالتعليم بأن الإيمان فقط يخلص، قد يدفع للكسل ثم الفساد الخلقى ثم الإباحية، حقاً فى المسيح يسوع أى من هو فى المسيح يسوع، تكون طبيعته الجديدة قادرة أن تعمل أعمالاً صالحة. ولكن كيف نكون فى المسيح يسوع، ذلك بأن نغصب أنفسنا على فعل الخير (مت12:11). فملكوت السموات يغصب، لذلك علينا أن نجاهد. بل أن الله قبل أن يخلقنا أعدَّ لنا الأعمال الصالحة التى يجب أن نعملها والتى خلقنا حتى نتممها. فلنصلى دائماً "ما العمل الذى تريدنى أن اخدمك به يارب" ولأحرص على أن أقدم خدمات دائماً، وأن تكون أعمالى لمجد اسم الله، ولأغصب نفسى على فعل الخير دائماً. وطالما نحن فى المسيح فنحن نعمل الأعمال به (فى13:2) + (يو5:15). والأعمال الصالحة هى مثل خدمة الإنجيل وخدمة المحتاجين والشهادة للمسيح وهى المحبة الباذلة وترك محبة العالم بل أن نُصْلَبْ للعالم. ومن يغصب نفسه ويجاهد يعطيه الله طبيعة جديدة يستطيع بها أن يتمم هذه الأعمال بالمسيح الذى فيه، وبدون تغصب، بل سيجد فرحاً فى عمله هذا [فما يبدأ بالتغصب (جهاد) ينتهى بالفرح (نعمة)]. وفى النهاية نجلس فى السماويات معه. آية (11):- "11لِذلِكَ اذْكُرُوا أَنَّكُمْ أَنْتُمُ الأُمَمُ قَبْلاً فِي الْجَسَدِ، الْمَدْعُوِّينَ غُرْلَةً مِنَ الْمَدْعُوِّ خِتَانًا مَصْنُوعًا بِالْيَدِ فِي الْجَسَدِ. " كان اليهود يحتقرون الأمم ويسمونهم كلاباً، ويعتبرون أنهم وحدهم هم شعب الله، ولهم موسى العظيم صانع العجائب، ولهم الناموس وعهد الختان وهم أولاد إبراهيم وحدهم. وكان اليهود يفتخرون بالختان مع أنه مصنوع باليد وكان الرجل يفتخر على المرأة لأنه مختون ويصلى شاكراً الله أنه لم يخلقه أممى أو عبد أو امرأة. وبولس المسيحى يرى الآن أنها مجرد علامة جسدية تصنع باليد فى مقابل الختان بالروح وهو المعمودية وحلول الروح القدس وهذه تأثيرها فى القلب. وشتان بين ما يصنعه الله وبين ما يصنع باليد. وكان اليونانيون أيضاً يعتزون بجنسيتهم ويعتبرون أنفسهم أبناء الآلهة ويسمون غيرهم برابرة (وهكذا كان الرومان أيضاً). وقال شعراء اليونان أنهم ذرية الله (أع28:17). والعجيب أن يجمع الله المتنافرون أى الأمم واليهود فى كنيسة واحدة. الْمَدْعُوِّينَ غُرْلَةً: هكذا كان اليهود يطلقون إسم غرلة على الأمم إحتقاراً لهم. مِنَ الْمَدْعُوِّ خِتَانًا: يقصد اليهود فهم الذين أطلقوا اسم غرلة على الأمم. آية (12):- "12أَنَّكُمْ كُنْتُمْ فِي ذلِكَ الْوَقْتِ بِدُونِ مَسِيحٍ، أَجْنَبِيِّينَ عَنْ رَعَوِيَّةِ إِسْرَائِيلَ، وَغُرَبَاءَ عَنْ عُهُودِ الْمَوْعِدِ، لاَ رَجَاءَ لَكُمْ، وَبِلاَ إِلهٍ فِي الْعَالَمِ. " الآية السابقة تشرح وجه نظر اليهود فى الأمم. وهنا نرى وجهه نظر بولس المسيحى فى الأمم. فِي ذلِكَ الْوَقْتِ: قبل إيمانكم. بِلاَ إِلهٍ فِي الْعَالَمِ: أى بلا معرفة عنه. فلم يكن لهم إيمان اليهود الذين كانوا على رجاء، ولهم النبوات التي تعطيهم هذا الرجاء في مجيء المسيح المخلص. وكان لهم رجاء فى حياة بعد الموت. أما الأمم فماذا كان رجاؤهم بعد الموت إلا العدم مثل الحيوانات. أَجْنَبِيِّينَ عَنْ رَعَوِيَّةِ إِسْرَائِيلَ: ليس لهم حقوق شعب إسرائيل الذى كان الله يقيم وسطهم ومجده حالٌ فى هيكلهم. وَغُرَبَاءَ عَنْ عُهُودِ الْمَوْعِدِ: هذه التى أعطاها الله لأبائهم إبراهيم وإسحق ويعقوب وداود. ونلاحظ أن اليهود فهموا رعوية إسرائيل بطريقة خطأ، فهم فهموها بمفهوم جسدى سياسى ولم يفهموا مغزاها الروحى وأنها على أساس الإيمان بالله الحى كإيمان إبراهيم. آية (13):- "13وَلكِنِ الآنَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ، أَنْتُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ قَبْلاً بَعِيدِينَ، صِرْتُمْ قَرِيبِينَ بِدَمِ الْمَسِيحِ. " البعيد هو الأممى (أش19:57) + (أع39:2). والقريب هو اليهودى. ولكن بالمسيح صار الأمم واليهود كلاهما قَرِيبِينَ ، على الصليب تقابل اليهود مع الأمم، ليفدى المسيح الجميع. والدم الواحد غسل الاثنين. الآيات (14-15):- "14لأَنَّهُ هُوَ سَلاَمُنَا، الَّذِي جَعَلَ الاثْنَيْنِ وَاحِدًا، وَنَقَضَ حَائِطَ السِّيَاجِ الْمُتَوَسِّطَ 15أَيِ الْعَدَاوَةَ. مُبْطِلاً بِجَسَدِهِ نَامُوسَ الْوَصَايَا فِي فَرَائِضَ، لِكَيْ يَخْلُقَ الاثْنَيْنِ فِي نَفْسِهِ إِنْسَانًا وَاحِدًا جَدِيدًا، صَانِعًا سَلاَمًا. " هُوَ سَلاَمُنَا: لم يقل يعطينا السلام وإلاّ كان المسيح خارجاً عنا، بل صار المسيح فينا، يحيا فينا (غل20:2). وصارت حياته فينا مصدر سلامنا وخلاصنا، بل صار كل شىء لنا. السلام صار نابعاً من وجود المسيح فينا، صار حياتنا وسلامنا وهذا السلام يملأ القلب ويفوق كل عقل (فى7:4). سلاماً جمع اليهود والأمم داخل الكنيسة، سلاماً وَحَّدَ الكل فى المسيح، فلقد سقط سور العداوة التى دخلت لحياة البشر بسبب الخطية، وهذه العداوة ناتجة عن العداوة التى حدثت بين الله والإنسان بسبب الخطية، ومثال لهذه العداوة، العداوة التى كانت بين اليهود والأمم، لذلك أقام اليهود داخل الهيكل حَائِطَ السِّيَاجِ الْمُتَوَسِّطَ: ليفصل بين اليهود والأمم. وكان هذا الحائط بين الدار الخارجية والدار الداخلية. فكان بعض الأمم يحضرون الصلوات داخل الهيكل لكى يتعرفوا على يهوة الإله العظيم، ولكن عليهم ألاّ يعبروا الحائط المتوسط وإلاّ يقتلوا. وكان هناك لافتة كبيرة على هذا الحائط منقوشة على حجر مكتوب عليه: الذى يعبر هذا السور يقتل وقد إكتشف عالم أثار فرنسى هذا الحجر سنة 1871م. فكان الحائط شاهداً على العداوة بين اليهود والأمم والتى أزالها المسيح. واُبْطِل نَامُوسَ الْوَصَايَا فِي فَرَائِضَ بِجَسَدِهِ: فالمسيح أبطل فرائض الناموس التى كانت سبباً فى العداوة بين الأمم واليهود، مثل عدم الأكل مع الأمم، فكان اليهودى يمتنع عن أن يأكل مع أممى، وكان اليهود مهتمين جداً بالغسلات والتطهيرات،" فهم إذا تلامسوا مع أممى لابد ان يغتسلوا. وكانت الحيوانات النجسة التى يأكلها الأمم لا يأكلها اليهود. والختان علامة اليهود كان الأمم لا يمارسونه. والمسيح أبطل كل هذا بأن تممه بجسده ثم مات على الصليب حاملاً جميع خطايانا، وبموته أبطل فرائض الناموس على الإنسان. ولكنه قطعاً لم يبطل الوصايا العشر ولا كل الوصايا الأخلاقية. ولاحظ دقة قول الرسول أبطل ناموس الوصايا فى فرائض فهو أبطل ناموس الفرائض فقط وليس ناموس الوصايا الأخلاقية. جَعَلَ الاثْنَيْنِ وَاحِدًا … يَخْلُقَ الاثْنَيْنِ فِي نَفْسِهِ إِنْسَانًا وَاحِدًا جَدِيدًا: كان اليهودى مثلاً تمثالاً من فضة، وكان الأممى تمثالاً من رصاص، وأعاد الله سبكهما ليخرج تمثال من ذهب من كل منهما. فاليهودى لم يصر أممى، والأممى لم يصر يهودى، بل وُهِبَ الإثنان طبيعة جديدة، فالمسيح وحد البشرية فى إنسان جديد له طبيعة جديدة بخلقة جديدة = يَخْلُقَ الاثْنَيْنِ فِي نَفْسِهِ: أى صاروا فى المسيح يسوع. لقد وحد المسيح الجميع فيه بلا سور متوسط. جَعَلَ الاثْنَيْنِ وَاحِدًا: وصلت العداوة بين اليهود والأمم لدرجة أن أطلق اليهود على الأمم لفظ الكلاب، وقال اليونانيين عن الآخرين ومنهم اليهود برابرة. ولقد صالح المسيح كليهما وجعل منهما واحداً. فصار أهل فيلبى وأهل كورنثوس يجمعون أموالاً لفقراء أورشليم، علامة على الوحدة والصلح بين الإثنين. ولكن كان هذا الصلح رمزاً للصلح بين أى إثنين كانوا فى حالة عداء وخصام. فالمسيح وَحَّدّ بين الجميع إذ غير الطبيعة القديمة، طبيعة الكراهية والعداء إلى طبيعة جديدة هى طبيعة المحبة. وصارت المحبة تملأ قلوب أبناء الله لأن الروح القدس يسكبها فى قلوبهم (غل22:5) + (رو5:5). وما كان ممكناً ذلك قبل الفداء وإرسال الروح القدس. فالمحبة التى ملأت قلوب أبناء الله راجعة للصلح الذى تم بين الله والإنسان بفداء المسيح، ثم إرسال الروح القدس. جَعَلَ الاثْنَيْنِ وَاحِدًا: رقم 1 يدل على الوحدة وعدم الإنقسام، لذلك فهو يشير لله الواحد. ورقم 2 صار يدل على الإنقسام الذى صار بالخطية ولكنه أيضاً صار يدل على التجسد، فالمسيح جعل الإثنين واحداً. هو جاء لأجل أن يعيد الوحدة المفقودة بسبب الخطية (يو20:17-23). وهذا حدث رمزياً فى أن أول لقاء بين المسيح وتلاميذه كان فى سفينتين لو 2:5. وآخر لقاء معهم كان فى سفينة واحدة (يو1:21-12). جَعَلَ الاثْنَيْنِ وَاحِدًا: واضح أن الرسول يقصد الصلح بين اليهود والأمم، وما تم من وحدة بينهم. ولكن كنيستنا الأرثوذكسية رأت أن الصلح والوحدة اللذان تما ليسا فقط بين أرضيين وأرضيين، بل بين السمائيين والأرضيين، فسبحت التسبحة الشهيرة فلنسبح اسم الرب … لأنه بالمجد قد تمجد جعل الاثنين واحداً.. أى السماء والأرض فالكنيسة رأت أن الصلح بين السماء والأرض أهم من الصلح بين الأرضيين والأرضيين. والمسيح صار رأساً للسمائيين والأرضيين (أف10:1) بعد أن وحدهما فى جسده الواحد الذى صار هو رأساً لهُ. فالسماء كانت فى حالة خصام مع الأرض بسبب خطايا البشر وتعدياتهم ضد الله. ولكن بعد أن صار البشر فى حالة توبة ورجوع إلى الله فرح السمائيين بالبشر وبتوبتهم (لو7:15). وصاروا يسبحون باسم البشر على الخلاص الذى تم (رؤ9:5-14). آية (16):- "16وَيُصَالِحَ الاثْنَيْنِ فِي جَسَدٍ وَاحِدٍ مَعَ اللهِ بِالصَّلِيبِ، قَاتِلاً الْعَدَاوَةَ بِهِ. " تكملة الآية السابقة، فكلا اليهودى والأممى قد خلقا من جديد. المسيح بموته صالح الشعبين معاً، وصالح بينهما وبين الله، ووحدهما فى جسده الواحد، فهو بهذا الجسد أزال العداوة بينهما. ونلاحظ أن المسيح قتل العداوة ولكنها تستيقظ ثانية مع فسادنا وإنحرافنا. ونلاحظ أن هدف المسيح هو مصالحة الجميع وتوحيدهم به ليصالح العالم كله بالله. آية (17):- "17فَجَاءَ وَبَشَّرَكُمْ بِسَلاَمٍ، أَنْتُمُ الْبَعِيدِينَ وَالْقَرِيبِينَ. " الْبَعِيدِينَ: الأمم الذين لا يعرفون الله. وَالْقَرِيبِينَ: هم اليهود لأنهم كانوا يعرفون الله ويتوقعون مجىء المسيا. والتسمية بعيدين وقريبين من (إش21:57). والمسيح وحد البعيدين والقريبين كنموذج لسر الوحدة التى بدأت تسرى فى جسم البشرية. والسلام الذى بشرنا به المسيح هو الروح القدس الذى سيرسله، والروح يملأ القلب سلاماً. على أن السلام يعنى أيضاً السلام بين كل الناس أما الأشرار فلا يوجد لهم سلاماً (إش21:57). آية (18):- "18لأَنَّ بِهِ لَنَا كِلَيْنَا قُدُومًا فِي رُوحٍ وَاحِدٍ إِلَى الآبِ. " كِلَيْنَا: أى اثنين فى خصام (اليهود والأمم كمثال). بالمسيح صار سلام واحد للاثنين، ولهم إنجيل واحد، وروح واحد به يعتمدون. وبذلك صار لهما كليهما دخول أو قدوم واحد بالروح الواحد إلى الآب. قُدُومً: وهو تعبير رسمى يستخدم للدخول إلى القصور الملكية أو إلى محاكم القضاء، إذ ينادى على الإسم فيذهب المقَّدَم ويمسك بيد المنادَى عليه، ويدخل إلى الملك أو إلى القاضى ويقدمه إليه. والمسيح صار هو الباب والطريق. بل هو يعدنا لنكون لائقين أن نقابل الآب، وذلك بأن نكون فى المسيح، لابسين المسيح (رو14:13) ويعطينا أن نكون فى فكر واحد ورأى واحد، هو يكملنا، وبهذا يمكن أن نكون فيه بلا لوم ولا شكوى (أف4:1). وبهذا يمكننا أن نتقدم للآب. فليس أحد يأتى إلى الآب إلا به (يو6:14). والمسيح حين يقف أمام الآب نقف نحن فيه، فهو فينا ونحن فيه. ولكن السؤال هل نحن فيه فعلاً، هل متنا عن شهواتنا، هل لنا الإيمان القوى به. هل نحن مملوئين من الروح لنكون روح واحد وجسد واحد وفكر واحد ومحبة واحدة تربطنا جميعاً. فى هذه الآية نرى الثالوث لأَنَّ بِهِ (بالمسيح)،... فِي رُوحٍ وَاحِدٍ... إِلَى الآبِ. فبدون الثالوث لا يوجد لنا كيان روحى، فالمصالحة هى إقتراب للآب خلال الابن المتجسد وذلك فى الروح. والمسيح هو الذى يسكب الروح من الآب. فِي رُوحٍ وَاحِدٍ: الروح القدس هو الذى يثبتنا فى المسيح الابن (2كو21:1). وبهذا نصير أبناء. والمسيح يأخذنى فيه للآب. والروح الواحد هو فى كلينا (أمم ويهود) والروح الذى فى الأمم هو الذى فى اليهود. لقد صار فينا كلنا روح واحد، يثبتنا كلنا فى المسيح (يثبت كلينا فى المسيح) هذه العبارة تشير للوحدة التى صارت بين أعضاء الكنيسة. وهذا هو منظر مزمور 133 الذى يصور شعب الكنيسة فى حب ووحدة والروح ينسكب من الرأس (المسيح) على الشعب أى الكنيسة (هنا هى اللحية لأنها شعر كثير ملتصق بالرأس). هذا المنظر تصوره الكنيسة. فالشعب مجتمع ليصلى فى روح واحد، فينسكب عليهم الروح القدس، والروح يعمل فى الأسرار ليحولها إلى جسد المسيح ودمه فيثبتنا فى المسيح الذى يحملنا إلى حضن الآب. آية (19):- "19فَلَسْتُمْ إِذًا بَعْدُ غُرَبَاءَ وَنُزُلاً، بَلْ رَعِيَّةٌ مَعَ الْقِدِّيسِينَ وَأَهْلِ بَيْتِ الله. " فَلَسْتُمْ: يقولها الرسول للأمم لقد صار الأمم كما اليهود أعضاء رسميين فى بيت الله بعد أن كانوا غُرَبَاءَ: هذه عكس عضو مواطن فى الدولة. نُزُلا: أى ضيف على صاحب البيت وهى عكس ابن البيت. رَعِيَّةٌ: معناها مواطنون . بَيْتِ اللهِ: الكنيسة التى تضم قديسى العهد القديم وقديسى العهد الجديد. وبيت الله هو هيكل الله. حقاً لقد صرنا أقرباء الله بالجسد إذ تجسد المسيح . آية (20):- "20مَبْنِيِّينَ عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ، وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ نَفْسُهُ حَجَرُ الزَّاوِيَةِ. حَجَرُ الزَّاوِيَةِ: هو الحجر الذى يربط حائطين معاً، والمسيح هو الذى ربط العهد القديم بمؤمنيه والعهد الجديد بمؤمنيه. وصار رأساً للكنيسة الواحدة. وفى الرسم المقابل تجد رسماً لما يقال له : حَجَرُ الزَّاوِيَةِ. ففى كل بناء مقبى أى على شكل قبو يتحتم أن يكون فيه بالنهاية حجر واحد ذات شكل واحد أساسى. ويعتبر حجر الزاوية أهم حَجَرَةْ فى المبنى كله. توضع فى مكان واحد دائماً، لتحكم ربط البناء كله وإلا يسقط، ويسمون هذا الحجر بالإنجليزية key stone ولو رفع هذا الحجر يسقط المبنى فى الحال. عَلَى أَسَاسِ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ: أى عَلَى أَسَاسِ التعاليم التى وضعها الرسل والأنبياء أى الكرازة بالمسيح، والإيمان السليم بالمسيح (غل7:1-9). فلا يوجد أساس سوى المسيح (1كو11:3). والرُّسُلِ : هم أول من آمنوا وأول من تدعم الإيمان بواسطتهم. والكنيسة تسمى رسولية لأنها متمسكة بتعليم الرسل. وَالأَنْبِيَاءِ : هم أنبياء العهد القديم الذين تنبأوا عن المسيح. ويوحنا شاهد فى الرؤيا أسماء الرسل الـ 12 على الأساسات وأسماء الـ 12 سبطاً (الذين أتى منهم الأنبياء) على الأبواب. فبنبوات الأنبياء أُعَّدَ الطريق للمسيح، وهم مهدوا طريق الإيمان به. (1بط11،10:1). وكان أيضاً فى كنيسة العهد الجديد أنبياء (1كو 28:12) + (أع1:13-4). الآيات (21-22):- "21الَّذِي فِيهِ كُلُّ الْبِنَاءِ مُرَكَّبًا مَعًا، يَنْمُو هَيْكَلاً مُقَدَّسًا فِي الرَّبِّ. 22الَّذِي فِيهِ أَنْتُمْ أَيْضًا مَبْنِيُّونَ مَعًا، مَسْكَنًا ِللهِ فِي الرُّوحِ. " هنا نرى عمل الثالوث فى تأسيس الكنيسة، فهى مسكن الله. الله يسكن فيها الَّذِي فِيهِ: فى الرب (الابن)... مَسْكَنًا ِللهِ: (الآب)... فِي الرُّوحِ. وتم تصوير المؤمن بحجارة حية (1بط5:2). يبنى منها البيت، مسكن الله. ونحن نصير حجارة حية لأن المسيح يحيا فينا (غل20:2) + (فى21:1). وقوله فِي الرَّبِّ: فلا حياة لنا إن لم نكن ثابتين فى الرب يسوع. وقوله فِي الرُّوحِ: لأننا نولد من الماء والروح وبالروح نثبت فى المسيح، ويكون المسيح حياتنا، فنكون حجارة حية، وينمو البيت فالكنيسة تبنى وتنمو بعمل الثالوث. والكنيسة تتكون منا أى الأحجار الحية. والله يكون الكنيسة لتكون مسكناً لهُ، أى ليحل فيها ويكون مجداً فى وسطها( زك5:2). ليكون الله الكل فى الكل، وحتى يحل الله فى كنيسته يجب أن تبنى أولاً. والبناء له شقين: 1. بناء داخلى لكل مؤمن، ليكون حجراً حياً،وهذا يتم بأن يكون ثابتاً فى المسيح مملوءاً بالروح. 2. المبنى ككل يبنى، يزداد عددياً، وينمو عدد المؤمنين، ويترابطون فى محبة، وهذه يعملها الروح القدس الذى يربط الكل معاً (يربط بينهم بمفاصل هى المحبة). فالكنيسة لا تفهم أن يحيا فرد فيها منعزلاً، مثل هذا يكون عضواً ميتاً. الله يريد مجتمع مقدس (الكنيسة) ليسكن وسطه ويستريح فيه ويحل فيه. حجر الزاوية كما هو موضح من الرسم السابق يأتى على الرأس، فى رأس المبنى وهو يمسك جميع الأحجار يَنْمُو = تشير للنمو الداخلى لكل مؤمن، والنمو العددى للكنيسة. الْبِنَاءِ مُرَكَّبًا = يُشَبَّه التئام المؤمنين معاً بالإيمان والمحبة برص الحجارة (الحية 1بط 5،4:2). والحجر ينحت أولاً (إشارة لتهذيب المؤمن بالتجارب). ومادة اللصق هى المحبة. على المستوى الفردى فكل مؤمن هو هيكل الله والروح القدس يسكن فيه (يو23:14). وعلى مستوى الكنيسة فهى جسد المسيح والله يسكن فى كنيسته. الَّذِي فِيهِ = بواسطة إتحادكم بالمسيح، فأنتم مبنيون مع المؤمنين الآخرين لكى تصبحوا هيكلاً يسكن فيه الله، بواسطة عمل الروح القدس. أَنْتُمْ = يا شعب أفسس أو ياقراء الرسالة فى كل زمان. مَسْكَنًا ِللهِ فِي الرُّوحِ = الروح هو الوسيلة التى يبنى بها الله بيته الجديد. فالروح القدس هو الذى يبنى نفوس المؤمنين وينميهم، ويضع فى قلوبنا المحبة التى بها نرتبط معاً (رو5:5). وهو الذى يعطينا أن نصرخ كلنا يا آبا الآب فنشعر بالوحدة والأخوة والبنوة جميعاً لله الآب. إذاً الروح هو الذى يعطى اللياقة للمسكن ليحل الله فيه. مَبْنِيُّونَ مَعًا = نحن نُبنى ولكن ليس أفراداً. بل معاً. وإلاّ فلا مبنى أو بيت ونلاحظ أن الآية 21 قالت هيكلاً مقدساً فى الرب (يسوع) والآية 22 قالت مسكناً لله فى الروح فالروح القدس الذى هيأ جسد المسيح فى بطن العذراء مازال يهيىء جسد المسيح أى كنيسته. فالمسيح موجود فى كنيسته التى هى جسده. والروح مالىء الكنيسة ويعمل فى أعضائها ليهيئهم كجسد للمسيح وهيكل لله.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثانى المسيح يوحد البشرية فى كنيسته (1) سلوكنا قبل الإيمان ع 1 - 3 : ع 1 : يصف بولس الرسول الحالة التى كانت عليها الشعوب الوثنية وكل العالم قبل الإيمان ، وهى حالة موت روحى وانفصال عن الحياة مع الله0 ع 2 : فيها : الذنوب والخطايا0 قبلاً : قبل الإيمان بالمسيح0 دهر هذا العالم : الشر السائد فى العالم0 رئيس سلطان الهواء : إبليس وهو روح ورئيس الشياطين التى تحارب البشر وتتحرك فى الهواء المحيط بالأرض0 فهو رئيس الشر المنتشر فى الهواء وليس الهواء فى حد ذاته الذى خلقه الله0 أبناء المعصية : الخاضعين للشر والسالكين فيه وبعيدين عن الإيمان بالمسيح0 يوضح الرسول أنَّ السلوك فى الذنوب والخطايا هو حسب روح الشر ، أى إبليس ، الذى هو رئيس قوات الظلمة التى تعمل وتتحرك فى الهواء أى فى الجو المحيط بالأرض ، وهو إبليس الذى يوحى بالشر والخطايا فى عقول البشر ، ومازال يعمل حتى الآن فى أولئك الذين لا يزالوا تحت سلطانه ويعرض خطاياه على كل البشر0 ع 3 : بينهم000الباقين أيضاً : هم أهل العالم الأشرار أو أبناء المعصية0 نحن اليهود جميعاً قبل أن نؤمن كنا نسلك مثلهم ، أى مثل بقية الأشرار فى العالم الوثنى وذلك قبل أن ينقذنا المسيح ، فكنا نسلك حسب رغباتنا الجسدية منساقين وراء شهوات الجسد والأفكار الشريرة التى تحرك الأهواء0 ونظراً للأعمال الشريرة التى كنا نعملها فقد كنا نستحق الغضب الإلهى والهلاك الأبدى0 + إنَّ نعمة الله المُغيرة قد عملت فينا فصرنا بطبيعة جديدة ، لذا يجب أن نستخدم كل إمكانياتها لمعرفة الله والتمتع بعِشرته ولا ننزلق فى الخطايا التى تركناها ، وإن سقطنا نقوم سريعاً ونجدد طبيعتنا فى سر التوبة والإعتراف0 (2) عمل الله معنا ع 4 - 10 : ع 4 : الله ليس رحيماً فقط وإنما هو غنى فى الرحمة أى كثير الرحمة مز 51 : 1 0 والله محبة أى فيه حب غير محدود يحركه نحونا بالرحمة التى لا نهاية لها0 ع 5 : تمثلت رحمة الله فى إقامتنا من الموت الروحى بالخطية ونحن لسنا فى حالة بر أو قداسة وإنما أحبنا ونحن أعداء له0 هذه هى المحبة الإلهية العجيبة التى أحبنا بها وأظهرها لنا بمجئ إبنه يسوع المسيح فى الجسد وموته عنا على الصليب وقيامته من بين الأموات0 فبقوة قيامة المسيح أقامنا الله من الموت الروحى ، فقيامتنا نابعة من قيامته0 وعبارة " بالنعمة أنتم مُخلصون " هى تلخيص لعمل المحبة والرحمة الإلهية من نحونا ، فيقول الرسول للمؤمنين أنكم نلتم الخلاص من الخطية والقيامة من الموت الروحى بفضل نعمة الله ، أى فضلاً وإحساناً وليس إستحقاقاً0 ع 6 : أقامنا الله بقيامة المسيح ، وكما أنَّ المسيح جلس عن يمين الآب فى السماويات أعطانا أن نكون عن يمين الله مع المسيح ، وذلك عن طريق إتحادنا بالمسيح من خلال التناول فيصبح لنا الحق ، إن ثبتنا فيه ، أن ننال مكاناً فى الملكوت0 فالمسيح نائب وممثل للبشرية بقيامته وصعوده وعظمته فى السموات ، فقيامته وصعوده هى قيامة وصعود للبشر المؤمنين به عندما يتمسكون به ويعمل فيهم الروح القدس حتى يوصلهم بعد هذه الحياة للملكوت ، فيشجعنا هذا على القيام من خطايانا والرجاء فى الحياة الأبدية0 + إنَّ نعمة الله مستعدة أن تعمل فيك مهما كان ضعفك0 فلا تنزعج من تكرار خطاياك أو سقوطك فى خطية صعبة لأنَّ رحمة الله أكبر من كل خطاياك وهو مستعد أن يحررك منها مهما طال زمان إستعبادها لك0 فقط ثابر بإيمان فى التمثل بالله والتوبة واثقاً أنه قادر أن يرفعك فوق كل شر بل يمتعك بعِشرته0 ع 7 : غِنى نعمته الفائق : يعبَّر عن عظمة عمل النعمة الذى يفوق العقل0 لكى يظهر فى الأبدية وينكشف للخليقة كلها وأمام الملائكة أيضاً عظمة نعمته فى محبة المسيح الفادى وطول أناته علينا حتى نتوب ، وتشجيعه ومساندته لنا حتى يهبنا فى النهاية الخلاص فى الأبدية0 ع 8 : ذلك : الإيمان0 قد نلتم الخلاص بتجديد طبيعتكم فى المعمودية واتحادكم بالمسيح فى الإفخارستيا ، كل هذا بعمل النعمة ولكن بشرط إيمانكم بالمسيح ، وهذا الإيمان أيضاً هو عطية ونعمة من الله تقبلونها وتتجاوبون معاً وتتمسكون بها فى جهاد مستمر فتتمتعون بكل بركاتها0 ع 9 : الخلاص الذى نلتموه ليس نتيجة أعمالكم ، فالله قد خلصكم بالنعمة وذلك حتى لا يجد أى إنسان فرصة للإفتخار بعد ذلك0 ع 10 : عمله : خلقنا كبشر ثم جدد خلقتنا فى الولادة الجديدة بالمعمودية0 نحن المسيحيون قد خُلقنا مرة ثانية بالمعمودية ، لأننا كنا أمواتاً بالخطية فأقامنا المسيح وأعطانا الحياة الجديدة بالمعمودية0 وغرض الطبيعة الجديدة هو أن نعمل أعمالاً صالحة من المحبة والقداسة وكل أعمال الجهاد الروحى ، هذه الأعمال كانت فى فكر الله قبل أن يخلقنا ويفدينا وأعدها لنا لنسلك فيها ونتمتع بعِشرته من خلالها0 وواضح من هذه الآية والآية السابقة لها أنَّ الخلاص بدم المسيح وليس بأعمال بشرية ، ولكن النعمة التى تعطينا الخلاص لابد أن تُنتج أعمالاً صالحة نعملها ونجاهد فيها ، وإلا فعدم وجود أعمال صالحة يؤكد أننا لم ننل النعمة ولم نتجاوب معها0 (3) الأمم واليهود شعباً واحداً ع 11 - 22 : ع 11 : مصنوعاً باليد : ختان اليهود لم يكن سوى رسم خارجى لأنَّ الختان الحق هو ختان القلب0 يطلب منهم بولس الرسول أن يذكروا حالهم قبل الإيمان فيقول لهم ، أنكم كنتم وثنيين غير مختونين أى غلفا وبالتالى خارج رعوية الله لشعبه وعهد الله معهم0 وقد دعاهم اليهود غرلة إشارة إلى أنهم ليسوا مرتبطين بعهد مع الله0 ع 12 : بدون مسيح : أى بدون رجاء أو إنتظار لمسيح يأتى لكى ينالوا بواسطته الخلاص0 أجنبيين عن رعوية إسرائيل : ليسوا من شعب الله المختار الذى يرعاهم أى إسرائيل0 غرباء عن عهود الموعد : غرباء عن جوهر الموعد الذى هو المسيح الفادى اع 13 : 32 0 لا رجاء لكم : هو رجاء فى الخلاص بالمسيح الفادى على الأرض ثم خلاص كامل فى الملكوت0 بلا إله فى العالم : بلا معرفة لله أو علاقة به ، فقد فصلوا أنفسهم عنه بالخطية ورفض معرفته0 يحدث أهل أفسس ، وهم أمميون أى غير يهود ، بأنهم قبل الإيمان لم يكن لهم رجاء فى المسيح الفادى المنتظر وبعيدون عن معرفة الله والتمتع برعايته0 ع 13 : دم المسيح : الذى يعطينا الخلاص بالأسرار المقدسة ووسائط النعمة0 فى العهد القديم كان اليهود قريبين من الله بعلامة الختان وبدم الذبائح المقدمة له ، أمَّا الأمم فكانوا بعيدين عنه0 وفى العهد الجديد أصبح المؤمنون ، يهود وأمم ، قريبين من الله من خلال المعمودية والتناول وأعضاء فى جسده أى الكنيسة0 ع 14 : سلامنا : أعطى سلاماً داخل المؤمن فلا صراع بين جسده وروحه ، وسلاماً بين كل المؤمنين يهود وأمم فقد صاروا أعضاء فى جسد واحد0 الاثنين : الجسد والروح ، أو اليهود والأمم ، أو الأرضيين والسمائيين0 حائط السياج المتوسط : الذى يفصل بين اليهود كشعب خاص لله وبين الأمم البعيدين فصاروا شعباً واحداً0 وهذا الحاجز هو أيضاً الخطية التى فصلت بين الإنسان والله وجعلت إنشقاقاً داخل الإنسان بين نفسه وجسده0 كان هناك عداوة بين شعب إسرائيل القديم وبين الشعوب الوثنية ، فلا يختلطون مع بقية الأمم إذ كان اليهود يعتبرون الأممى نجساً ، وكان محظوراً على الأممى الإقتراب من الهيكل ، فيوجد حاجز عالٍ يفصل الدار الداخلية عن دار الأمم0 ولكن فى المسيح يسوع صار الكل واحداً وصالح الأرضيين مع السمائيين وجعل الإثنين واحداً ، صانعاً سلاماً للكل مع بعضهم البعض وبين الجميع مع الله0 ع 15 : العداوة : بين اليهود والأمم وبين الله والإنسان0 الفرائض : التى كانت قائمة فى ممارسات شعب الله مثل الختان والتطهيرات وعدم أكل بعض الحيوانات وقد أبطلها الرب يسوع بموته على الصليب لأنها كانت رمزاً لذبيحته0 المسيح بإتمامه الفداء خلق إنساناً واحداً جديداً ليس يهودياً ولا أممياً وبذلك يصير اليهود والأمم إنساناً واحداً فى المسيح ، فلا يكونون بعد فى عداوة ، بل يسود السلام والمحبة بينهم ، ويصيرون جميعاً سبب سلام لمن حولهم0 ع 16 : قاتلاً العداوة به : بموت المسيح داس وقتل الموت الناتج عن الخطية فأزال العداوة بين الإنسان والله وكذلك بين اليهود والأمم0 بفداء المسيح على الصليب ، أعطى اليهود والأمم الذين آمنوا به طبيعة جديدة فصاروا واحداً معاً وكذلك إتحدوا مع الله وصاروا جسده أى الكنيسة ، إذ رفع المسيح الخطية التى كانت حاجزاً بينه وبين الإنسان0 + الخطية هى سبب الشقاق بين الناس ، لذا فالتوبة هى التى تفتح الطريق للمحبة بينك وبين الآخرين ، وعلى قدر ما تقدم محبة لكل إنسان تُثبت أنك مسيحى وعضو فى جسده ، فتحيا فى سلام داخلك وتنشر السلام والحب بين الناس0 ع 17 : القريبين : اليهود0 البعيدين : الأمم0 جاء المسيح مبشراً بالسلام محققاً لقول إشعياء النبى اش 57 : 19 ، وكان الرسل يكرزون باسمه مبشرين بالسلام والغفران لجميع الشعوب يهود وأمم0 ع 18 : قرَّبنا المسيح إلى الله نحن اليهود والأمم 1بط 3 : 18 ، فحصلنا على مصالحة مع الله وصرنا بواسطته وبعمل الروح القدس ضمن شعبه0 ويظهر هنا عمل الثالوث القدوس فى المصالحة " به ( المسيح )0000فى روح واحد ( الروح القدس ) إلى الآب "0 ع 19 : نُزُلاً : تعنى نُزلاء أى ضيوف مؤقتين0 نُزعت الغربة عن الأمم بعمل المسيح الفدائى ، وصاروا مع اليهود الذين آمنوا بالمسيح شعباً واحداً ، بل صاروا قريبين لدرجة أن يسميهم أهل بيت الله0 ع 20: البناء الذى قام عليه إيماننا أساسه التعليم الرسولى الذى إستلمناه من الرسل وتنبأ عنه الأنبياء ، وهو المرشد لتعليم الكنيسة وحياتها كلها0 وموضوع كرازة الرسل والأنبياء هو يسوع المسيح المُخلص ، الذى يشبهه بولس الرسول " بحجر الزاوية " الذى يربط الحائطين المتعامدين معاً ، ويرمزان لليهود والأمم ، فصاروا شعباً واحداً عندما آمنوا بالمسيح0 ع 21 : فى المسيح رأس الزاوية يتحد المؤمنون به فيشبهوا حجارة مركبة ومثبتة على الأساس رأس الزاوية أى المسيح0 بل إنَّ هذا البُناء ينمو أى يتقدس كهيكل لله بسكناه فى كل واحد بروحه القدوس وسكناه فى كنيسته من خلال الأسرار المقدسة0 ع 22 : يتحدث هنا الرسول عن الكنيسة كلها معاً ، بما فيها الأمم الذين فى أفسس وكنائس آسيا ، أنها تصير هيكلاً مقدساً لسكنى الله كما قال أيضاً فى 1كو 6 : 19 " ألستم تعلمون أنَّ جسدكم هو هيكل للروح القدس الذى فيكم "0 + ليكن التمثل بشخص المسيح أساس سلوكنا وتعاملنا كما هو أساس إيماننا0
مصادر أخرى لهذا الإصحاح