كلمة منفعة
1- هناك أحلام من الله:مثل الأحلام التي ظهرت ليوسف النجار، وللمجوس، قيل له في حلم أن يأخذ الطفل وأمه ويمضى إلى مصر. وقيل لهم في حلم أن يرجعوا من طريق آخر. وكذلك الأحلام التي رآها والتي فسرها يوسف الصديق ودانيال النبي: وكلها أحلام موجهة، ومنبئة بشيء يحدث في المستقبل.
— الأحلام
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
افسس - الاصحاح رقم 1 افسس الإصحاح رقم 1 الباب الأول : سرّ خطة الله "شعب الله المسياني" 1. الكنيسة وسرّ المعرفة ص 1. 2. الكنيسة وسرّ المصالحة ص 2. 3. الكنيسة الجامعة وسرّ المسيح ص 3. الأصحاح الأول الكنيسة وسرّ المعرفة هذه الرسالة في جوهرها "تسبحة حب" تشهد النفس التي تعرفت على مركزها بثبوتها في المسيح، لا كفردٍ منعزلٍ، وإنما بالحري كعضو حيّ في الجسد المقدس خلال إتحاده بالرأس، لتكون على الدوام فيه، تنعم خلاله بمعرفة "سرّ المسيح" على مستوى الخبرة السماوية وبنظرة إنقضائية مجيدة. بمعنى آخر، حمل هذا الأصحاح خطين واضحين هما: "في المسيح"، و"معرفة سرّ الله". فنحن كنيسة الله أو شعبه المقدس لأننا في المسيح، أما غاية إيماننا فهو المعرفة الإلهية، لا على مستوى السفسطة والجدال، وإنما على مستوى قبول إعلان الله لنا عن ذاته وأسراره. 1. البركة الرسولية 1 - 2. 2. تسبحة الكنيسة: "في المسيح" 2 - 14. 3. شفاعة الرسول لنوال المعرفة 15 - 23. 1. البركة الرسولية "بُولُسُ، رَسُولُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ بِمَشِيئَةِ اللهِ، إلي الْقِدِّيسِينَ الَّذِينَ فِي أَفَسُسَ، وَالْمُؤْمِنِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ أَبِينَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ" [1- 2]. تحمل هذه الافتتاحية روح الرسول وفكره، فغالبًا ما يقدم الرسول نفسه للكنيسة التي يكتب إليها بكلمات بسيطة تحمل عمقًا وتناسقًا مع موضوع الرسالة وهدفها، كما يبدأ بتقديم البركة الرسولية التي هي عطية الله نفسه للكنيسة. ويلاحظ في هذه الافتتاحية الآتي: أولا: لما كان موضوع الرسالة هو "الكنيسة الجامعة"، فإن قيام هذه الكنيسة هو من عمل الله نفسه الذي أرسل ابنه متجسدًا ليقيمها جسدًا له، واهبًا إياها حياته المقدسة حياة لها، لذلك نجده يركز على النقاط التالية: أ. أنه رسول "بِمَشِيئَةِ اللهِ"، ليس له فضل في ممارسة العمل الرسولي، خاصة بكونه رسول الأمم، يدعوهم للإتحاد مع اليهود في جسد واحد. اختاره الله بمشيئته رسولاً ليحقق غايته الإلهية فيهم. حقًا إن تعبير "بِمَشِيئَةِ اللهِ" ليس غريبًا عن الرسول في افتتاحية رسائله، لكن ما تتسم به هذه الرسالة هو تكراره التعبير ست مرات (1: 1، 5، 9، 11، 5: 17، 6: 16)، الأمر الذي لا نجده في الرسائل الأخرى، بل وفي الأسفار الأخرى سوى إنجيل يوحنا، ذلك لأن هذه الرسالة تكشف "سرّ المسيح" بكونه سرّ الكنيسة المجتمعة من اليهود والأمم، هذا السرّ يحقق مشيئة الآب الأزلية، ويتمم مسرته نحو البشرية. يفضل بعض الدارسين ترجمة "مشيئة الله" بـ "قرار الله"، إذ يرون في النص ما يعني ليس مجرد الإرادة بل حركة عمل الله الحكيم والقدير والحيّ ككائن محب للبشر، أعلن هذه الحركة الأزلية خلال التاريخ بتدبيره الإلهي. ب. يدعوهم "قديسين" مع أنه يكتب إلي أعضاء من أصل أممي كان لا يزال بعض المسيحيين من أصل يهودي لا يستريحون للانضمام إليهم تمامًا، لذا أراد الرسول أن يؤكد بأن الله الذي اختار شعب اليهود قبلاً كشعب مقدس خاص به، قد فتح باب الإيمان - وهذا هو سرّ دعوتهم هنا بالمؤمنين - ليضّم الأمم دون أن يفقد الشعب قدسيته. لقد كرر هذا التعبين "قديسين" 14 مرة في هذه الرسالة، بطريقة لا نجدها إلاَّ في الرسالة إلي أهل رومية مع ملاحظة أن الأخيرة أطول منها، بمعنى آخر تكرار هذا التعبير هنا عني تأكيد استمرارية قدسية شعب الله القديم بعد اتساعه ليتقبل معه الأمم خلال المسيح يسوع. يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على تعبير "القديسين" هنا بقوله: [لاحظ أنه يدعو الرجال مع نسائهم وأطفالهم وخدمهم "قديسين". هؤلاء الذين دعاهم بهذا الاسم كما هو واضح من نهاية الرسالة، إذ يقول: "أَيُّتهَا الزوجات (النِّسَاءُ) اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ" (5: 2) وأيضًا: "أَيُّهَا الأَوْلاَدُ، أَطِيعُوا وَالِدِيكُمْ" (6: 1)، "أَيُّهَا الْعَبِيدُ (الخدم)، أَطِيعُوا سَادَتَكُمْ" (6: 5). تأملوا مقدار البلادة التي استحوذت علينا الآن، كيف صارت الفضيلة نادرة الآن بينما كان الفضلاء كثيرين جدًا فقيل عن العلمانيين أنهم قديسون ومؤمنون.] قرار الله أو مشيئته ليس فقط أن يختار القديس بولس رسولاً، وإنما أن يتمتع الأمم (رجالاً ونساءً، أطفالاً وشيوخًا، سادةً وعبيدًا) بالحياة المقدسة، وذلك خلال "المسيح" بالإيمان به. الرسالة إلى أهل أفسس في مجملها يمكن أن تُفهم كمقالٍ عن أساس التقديس ووسائله وامتداده وغايته. هذا ويؤكد العلامة أوريجينوس أن المؤمن إذ يُدعى هنا قديسًا، فذلك لأنه قد نال إمكانيات الحياة المقدسة (خلال مياه المعمودية وعمل الروح القدس)، يلتزم أن ينطلق في هذه الحياة المقدسة لينمو بلا توقف، وإلاَّ فقد قدسية الحياة. ج. كثيرًا ما يربط الرسول النعمة بالسلام معًا في البركة الرسولية، بكونهما هبتا الله لكنيسته، غير أنه يكرر تعبير "السلام" في هذه الرسالة سبع مرات بطريقة فريدة (فيما عدا الرسالة إلي رومية) ليعلن أساس الرسالة وإمكانية الوحدة والانسجام بين كل البشر - يهودًا كانوا أم أممًا - وذلك في المسيح. ويلاحظ أن الرسول بولس هنا ينسب "النعمة والسلام" للآب كما للابن بكونهما عطيتهما بلا مفاضلة بين الأقنومين؛ هما عطية الآب كما عطية الابن. وتقديم هذه البركة الرسولية لا يعني أن مؤمني أفسس كانوا فاقدين النعمة والسلام قبل الرسالة، وإنما كانوا يتوقون دائمًا لنوال المزيد. فالنعمة كما السلام هما عطيتان غير جامدتين ينالهما المؤمن ويفرح بهما، فيشتاق إلي المزيد، لعله بالنعمة يبلغ إلي التشبه الكامل بالسيد المسيح والتمتع بشركة سماته، وبالسلام تتحقق مصالحته مع الله والناس على مستوى أعمق. بهذا يتحقق فيه التطويب: "طوبى للجياع والعطاش إلي البرّ لأنهم يشبعون" (مت 5: 6)، ولا يسقط تحت التوبيخ: "لأنك تقول إني أنا غني وقد استغنيت ولا حاجة لي إلى شيء، ولست تعلم أنك أنت الشقي والبائس وفقير ..." (رؤ 3: 17). ثانيًا: كما سبق فأكدنا أن الرسول بولس حاول معالجة تسرب بعض الأفكار الغنوسية إلي المسيحيين مثل التمييز بين إله العهد القديم كإله عادل قاسي، وإله العهد الجديد كإله رحيم مخلص. لذا إذ يقدم النعمة الإلهية والسلام السماوي ينسبهما للآب ويدعوه "أبانا" معلنًا أبوته وحنانه، وللرب يسوع المسيح معلنًا أنه واحد مع الآب في الجوهر، يحمل ذات إرادته. 2. تسبحة الكنيسة: "في المسيح" اقتطف الرسول جزءًا من تسبحة غالبًا ما كانت الكنيسة تترنم بها في العصر الرسولي، حملت هذه التسبحة جوًا سماويًا يليق بطبيعة الكنيسة كحياة سماوية "في المسيح السماوي"، إذ يقول: "مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ" [3]. يرى كثير من الدارسين أن هذه التسبحة لها سمات خاصة بالمعمودية - ربما كانت تستخدم في ليتورچية العماد - إذ تشير إلي بركات المعمودية وفاعليتها، مثل التبني للآب بيسوع المسيح، وغفران الخطايا، والتمتع بالميراث، وختم الروح [5، 7، 14، 13] . بدأ التسبحة بالتعبير الذي كانت تستخدمه السامية: "مبارك"، معلنًا أن كل عطية أو بركة سماوية هي من مراحم الله وأعماله القديرة. وقد دعى بركات العهد الجديد "بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّاتِ" ليميزها عما تمتع به اليهود في العهد القديم من بركات زمنية، إذ يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [هنا يلمح إلي بركات اليهود، فتلك كانت بركة أيضًا، لكنها لم تكن بركة روحية، كيف؟ "يباركك ويبارك ثمرة جسدك" (تث 7: 13)، "ويبارك خروجك ويبارك دخولك" (تث 28: 6). لكن الأمر هنا مختلف، كيف؟ "بكل بركة روحية". ماذا يعوزك بعد؟ لقد صرت خالدًا، حرًا، ابنًا، مبررًا، أخًا، شريكًا في الميراث، تملك مع المسيح وتتمجد مع المسيح. كل شيء يُوهَب مجانًا. قال: "كيف لا يهبنا معه أيضًا كل شيء؟!" (رو 8: 32). باكوراتك تهيم بها الملائكة والشاروبيم والسيرافيم. ماذا يعوزك بعد؟ "بكل بركة روحية"! لا شيء جسدي هنا. بهذا استبعد البركات السابقة، إذ قال: "في العالم سيكون لكم ضيق" (يو 16: 33)، لكي يرشدنا إلي هذه. لأنه كما أن الذين نالوا الجسديات لم يقدروا أن يسمعوا عن الروحيات، هكذا من يهدفون نحو الروحيات لا يستطيعون نوالها ما لم يتركوا الجسديات. أيضًا، ما هي البركة الروحية في السماويات؟ يعني أنها ليست على الأرض كما كان الحال مع اليهود: "تأكلون خير الأرض" (إش 1: 19)، "إلي أرض تفيض لبنًا وعسلاً" (خر 3: 8)، "يبارك الرب أرضك" (تث 7: 13). لا نرى هنا شيئًا من هذا القبيل، فماذا نرى؟ "إن أحبني أحد يحفظ كلامي ويحبه أبي، وإليه نأتي (أنا وأبي)، وعنده نصنع منزلاً" (يو 14: 23). "فكل من يسمع أقوالي هذه ويعمل بها أشبه برجل عاقل بنى بيته على الصخر، فنزل المطر، وجاءت الأنهار، وهبت الرياح، ووقعت على هذا البيت، فلم يسقط، لأنه كان مؤسسًا على الصخر" (مت 7: 24، 25). وما هو هذا الصخر إلاَّ تلك السماويات البعيدة عن كل تغير؟ يقول المسيح. "فكل من يعترف بي قدام الناس أعترف أنا أيضًا به قدام أبي الذي في السماوات، وكل من ينكرني أنكره أنا أيضًا" (مت 20: 32، 33). وأيضًا: "طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله" (مت 5: 8). وأيضًا: "طوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السماوات" (مت 5: 3)، وأيضًا: "طوبى للمطرودين من أجل البرّ لأن لهم ملكوت السماوات" (مت 5: 11). لاحظ كيف يتحدث في كل موضع عن السماء لا عن الأرض أو الأرضيات. وأيضًا: "فإن وطننا (سيرتنا) نحن، هو في السماء التي منها أيضًا ننتظر مخلصًا هو الرب يسوع المسيح" (في 3: 20)، وأيضًا: "اهتموا بما فوق لا بما على الأرض" (كو 3: 2)]. دعاها أيضًا بركة "روحية" نسبة إلى الروح القدس، لأننا ننال عطايا الآب خلال إتحادنا بالابن وذلك بفعل الروح القدس. بمعنى آخر الروح القدس، هو روح الشركة التي يثبتنا في الابن، فننال بفيض ما هو للابن. لهذا إذ صعد السيد المسيح إلي السماء أرسل روحه القدوس على الكنيسة يحملها إليه لتنعم بالعطايا الإلهية. إن كان الله الآب يهب كل بركة روحية في السماويات، إنما يهبها "في المسيح" [3]، فإنه إذ يرانا أبناء له بثبوتنا في الابن الوحيد "المحبوب" [6] يفيض ببركاته الإلهية علينا، كأعضاء جسد المحبوب. نصير "في المسيح" محبوبين لديه كما هو محبوب. يرى الرسول بولس أن سرّ عضويتنا الكنسية وسرّ حياتنا مع الله وتمتعنا بكل بركة هو أننا "في المسيح"، الأمر الذي امتص كل تفكيره، حتى قال أحد الدارسين ان كل أفكار الرسول بولس اللاهوتية يمكن أن تتلخص في كلمتين "في المسيح". فحين يتحدث عن لاهوتيات أو كنسيات أو سلوكيات خاصة أو علاقات أسرية أو اجتماعية إنما من خلال هذه النظرة أننا "في المسيح"، نحمل فكر المسيح وحياته عاملة فينا. فلا عجب إن رأيناه في هذه الرسالة القصيرة يكرر هذه العبارة ومرادفاتها مثل "في المحبوب" أو "فيه" أكثر من ثلاثين مرة. ولعل تكرارها هنا على وجه الخصوص إنما لتأكيد أن إتحاد الجماعة المقدسة المختارة من الأمم يتحقق فيه وتحت قيادته. "في المسيح" ليس فقط نلنا كل بركة روحية وإنما تمتعنا باختيار الآب لنا كبنين له، إذ سبق فعرفنا كأعضاء في جسد ابنه المحبوب. هذا ما يؤكده الرسول بقوله: "كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ" [4]. ماذا عني الرسول بهذا الاختيار الذي شغل فكره وقلبه وكل أحاسيسه ليتكلم عنه بطرق متنوعة في مواضع كثيرة في رسائله؟ بلا شك لا يقصد تجاهل "الحرية الإنسانية" في قبول الإيمان أو رفضه، فإن الله في محبته للإنسان لا يتعامل معه كما مع آلة جامدة أو كما مع قطع من الشطرنج يحركها بإصبعه إنما يتعامل مع كائن عاقل وهبه الحرية، له أن يقبل الله ويتجاوب مع محبته ودعوته أو يرفض دون إلزام. إنما ما عناه الرسول أن الله الذي يريد أن الكل يخلصون، والذي في محبته يدعو الجميع لنوال فيض نعمته المجانية بسابق معرفته رآنا في ابنه المحبوب فعيننا بلا فضل فينا، اختارنا دون إلزام من جانبه عارفًا أننا نقبل دعوته، إذ يقول الرسول: "لأن الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم ليكونوا مشابهين صورة ابنه، ليكون هو بكرًا بين إخوة كثيرين، والذين سبق فعينهم فهؤلاء دعاهمٍ أيضًا، والذين دعاهم فهؤلاء بررهم أيضًا، والذين بررهم فهؤلاء مجدهم أيضًا" (رو 8: 29، 30). لقد أراد الرسول أن يؤكد حقيقة هامة وهي أنه وإن كنا قد تجاوبنا مع دعوة الله لكن الفضل ليس فينا، وإنما ما نناله هو هبة مجانية، أُعطيت لنا في استحقاقات الابن الباذل حياته عنا، الفضل كله يرجع إلي مقاصد الله الخلاصية ونعمته، كقول الرسول: "الذي خلصنا دعانا دعوة مقدسة لا بمقتضى أعمالنا بل بمقتضى القصد والنعمة التي أُعطيت لنا في المسيح يسوع قبل الأزمنة الأزلية، وإنما أُظهرت الآن بظهور مخلصنا..." (1تي 1: 9، 10). هذا ما أحسه القديس إكليمنضس السكندري حينما تحدث عن الإيمان والحرية الإنسانية، مؤكدًا أن الحرية الإنسانية والعقل هما هبة إلهية، لا يقدران أن يقدما للإنسان حياة الشركة دون العون الإلهي. فإن كان الإيمان من صنع الإرادة الحرة، لكنه هبة إلهية. إنه يشبه لاعب الكرة الذي له الحرية أن يمسك بالكرة أو يرفض، لكنه لا يقدر أن يمسك بها ما لم تُقذف إليه. هكذا يمكننا أن نمسك بالإيمان أو نرفضه، لكننا في حاجة إلي يد الله تقدمه لنا. هذا الفكر استقاه تلميذه العلامة أوريجينوس الذي تحدث بفيض عن نعمة الله المجانية مؤكدًا: [ليس شيء من عطايا الله للبشرية يُعطى كوفاء لدين، بل كلها تُعطى من قبيل نعمته]. وفي نفس الوقت يؤكد: [إن نزع عنصر حرية الإرادة عن الفضيلة تدمر كيانها]. يؤكد الرسول أن اختيارنا هذا قد تحقق "فيه"، وأنه لم يحدث جزافًا بل بخطة إلهية "قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ" [4]. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ماذا يعني: "اختارنا فيه"؟ يعني أنه تم بواسطة الإيمان فيه (به) أي في المسيح. فقد دبر هذا لنا بغبطة قبل أن نولد بل وأكثر من هذا "قبل تأسيس العالم". ما أجمل هذه الكلمة: "تأسيس". كأنه يشير إلي العالم على أنه ساقط من ارتفاع شاهق جدًا. نعم، إن سمو الله عالٍ جدًا بطريقة تفوق الوصف، سموه بعيد جدًا لا من جهة المكان، وإنما من جهة إمكانية الطبيعة للحديث عنه.] ماهو غاية الإختيار؟ يجيب الرسول: " لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ" [4]. يمكننا أن ندرك مقاصد الله منا في هذه العبارة الرسولية العميقة، إذ نلاحظ: أولاً: يريد فينا أمرين، أن يرانا الآب نحمل سماته، فنكون قديسين كما هو أيضًا قدوس، إذ يوصينا: "إني أنا الرب إلهكم فتتقدسون وتكونون قديسين لأني أنا قدوس" (لا 11: 44)؛ ويقول القديس بطرس: "لأنه مكتوب كونوا قديسين، لأني أنا قدوس" (1بط 1: 16). وأيضًا أن نكون "بلا لوم"؛ هذه السمة كانت لازمة وضرورية في ذبائح العهد القديم (لا 1: 3، 10). كأنه يريدنا أن نقدم أنفسنا ذبائح حية بلا عيب خلال الكاهن الأعظم والذبيح في نفس الوقت ربنا يسوع. يريدنا "َبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ"، أي ذبيحة حب دائمة تحمل رائحة المسيح الذكية. هذه هي غاية الله فينا أن يرانا نحمل سماته (القداسة) وأن نتحد بالذبيح كذبيحة حب دائمة يشتمها رائحة رضا. لذلك يقول الرسول بولس: "فأطلب إليكم أيها الإخوة برأفة الله أن تقدموا أجسادكم ذبيحة حية مقدسة مرضية عند الله عبادتكم العقلية" (رو 12: 1). يرى القديس يوحنا الذهبي الفم ارتباط القداسة بالحياة التي بلا لوم تحمل إشارة إلي وحدة الإيمان مع الحياة العملية، فإن كانت القداسة هي عطية الله القدوس، خلال هذه العطية يلزمنا أن نسلك بلا لوم، بمعنى آخر نترجم عطيته في سلوكنا العملي، إذ يقول: [القديس هو ذاك الشريك في الإيمان؛ والذي بلا لوم هو ذاك الذي يسلك حياة لا غبار عليها.] ثانيًا: يؤكد الرسول أن هذه القداسة والحياة بلا لوم، إنما تكون "قدامه"، بمعنى أن ما تحمله الكنيسة من قداسة وحياة بلا لوم هو موضع اعتزاز الله نفسه، كالعريس الذي يريد جمال عروسه وزينتها الداخلية لنفسه كما يقدم عذوبة حبه العميق لها. ما أصعب على نفس الرجل أن يجد زوجته تحمل صورتين: إحداهما مشرقة أمام الغير والأخرى كئيبة في لقائها معه على إنفراد. فإن ما يبهجه اللقاء الداخلي والعلاقة الزوجية على صعيد الوحدة العميقة الصادقة. فالله يريدنا نحن، لنكون له، كما هو لنا. هذا ما تؤكده هذه الرسالة، إذ جاء فيها: "لِكَيْ يُحْضِرَهَا لِنَفْسِهِ كَنِيسَةً مَجِيدَةً، لاَ دَنَسَ فِيهَا وَلاَ غَضْنَ أَوْ شَيْءٌ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ، بَلْ تَكُونُ مُقَدَّسَةً وَبِلاَ عَيْبٍ" (5: 27). يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إنه لا يتطلب مجرد القداسة والخلو من اللوم، إنما يريدنا أن نظهر هكذا "أمامه". يوجد أشخاص يبدون أمام الناس قديسين وبلا لوم مع أنهم يشبهون القبور المبيضة ولابسي ثياب الحملان. لا يكن الأمر هكذا، وإنما كما يقول النبي: "كطهارة يدي" (مز 18: 24). أية طهارة؟ التي تكون "أمامه"، إذ يطلب القداسة التي تتطلع إليها عين الله]. ثالثًا: يؤكد الرسول أن نكون قديسين بلا لوم قدامه "فِي الْمَحَبَّةِ" [4]. لعله يقصد أن اختيار الله تم خلال محبته الإلهية الباذلة (يو 3: 18)، وأيضًا تقديسنا وسلوكنا بلا عيب يتحققان خلال نعمته المجانية التي تفيض خلال محبته الدائمة. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ما كان يمكن للفضيلة وحدها أن تخلص أحدًا بدون المحبة. اخبرني، ماذا كان ينفع بولس لو أظهر ما أظهره لو لم يدعه الله في البداية حيث أحبه واجتذبه إلي نفسه؟!] ربما قصد بالمحبة أن ما يشتمه الله فينا، إذ نقف أمامه قديسين بلا لوم هذه هي "المحبة" بكونها علامة التصاقنا به وإتحادنا معه.، بل وعلامة تشبهنا به بكونه "الله محبة" (1يو 4: 8). نقف قدامه، فيزول كل ماضينا لتبقى المحبة التي لا تسقط أبدًا (1كو 13: 8). رابعًا: تحققت محبة الآب الفائقة نحونا، كما تتحقق محبتنا لله خلال الحياة المقدسة التي بلا لوم خلال نعمة البنوة التي ننالها بالمسيح يسوع ابن الله "المحبوب"، إذ يقول: "إِذْ سَبَقَ فَعَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِنَفْسِهِ، حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشِيئَتِهِ، لِمَدْحِ مَجْدِ نِعْمَتِهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْنَا فِي الْمَحْبُوبِ" [5-6]. إن كان القول "في المحبوب" هو تعبير ليتورچي خاص بالمعمودية في غاية القوة (مر 1: 11) كما يرى كثير من الدارسين الغربيين، بهذا نرى أن الله قد عيّن كنيسته لتنال البنوة خلال المعمودية، فتتحقق مسرة مشيئة الآب بقبول أعضاء جدد كأبناء له، لا لفضل فيهم وإنما خلال نعمة المعمودية المجانية، فيعلن بالأكثر "ِمَدْحِ مَجْدِ نِعْمَتِهِ"، بتجلي محبة الله الفائقة والمستمرة. في المحبوب نلنا التبني فصرنا أبناء، لنا حق شركة الميراث، لكن شتان ما بين الابن المحبوب وحيد الجنس، وبين الأبناء بالتبني، إذ يقول القديس أغسطينوس: [أقام الآب شركاء في الميراث مع ابنه الوحيد، لكنهم ليسوا مولودين مثله من جوهره، إنما تبناهم ليصيروا أهل بيته]، [نحن أبناء ذاك الذي أقامنا هكذا بإرادته، لكننا لسنا مولودين من ذات طبيعته. في الحقيقة نحن ولدنا لكن كما قيل بالتبني، نحن مولودون خلال نعمة تبنيه لنا وليس بالطبيعة.] خامسًا: تحققت محبة الآب بقبولنا أبناء لكن "بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ" [5]. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [أما تلاحظ أنه لا يتحقق شيئًا خارج المسيح؟ وأيضًا خارج الآب؟ واحد سبق فعيّن، والثاني يقربنا إليه... عظيمة حقًا هي البركات الممنوحة، ومما يزيدها عظمة أنها خلال المسيح، إذ لم يرسل عبدًا مع أنه مُرسل للعبيد، وإنما أرسل الابن الوحيد نفسه.] سادسًا: إن ما تحقق بالنسبة لنا خلال محبة الآب الأزلية ونعمة ابنه وحيد الجنس لننال البنوة إنما هو موضع سرور لله، إذ يقول "حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشِيئَتِهِ" [5]. هنا يميز القديس يوحنا الذهبي الفم بين مشيئة الله السابقة حيث يريد بغيرة أن الكل يخلصون، وبسرور أن يهب البنوة للجميع، وبين المشيئة (السماح) الذي صار خلال إصرارنا على الشر، فنسقط تحت الهلاك. بمعنى آخر حسب مسرة الله وغيرته يود لنا البنوة والقداسة المتجلية في المحبة، لكنه لا يلزمنا قسرًا، فإن رفضنا يسقطنا تحت الهلاك بسماحٍ إلهيٍ كثمرة طبيعية لما قبلناه بإرادتنا. سابعًا: إن كان الله في مسرة مشيئته قدم لنا هذه النعمة السماوية المجانية، فهي أيضًا: "لِمَدْحِ مَجْدِ نِعْمَتِهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْنَا فِي الْمَحْبُوبِ" [6]. إذ تتجلى نعمته المجانية التي تمجده أمام الكل، خاصة الخليقة السماوية التي تدهش لغنى حبه نحو الإنسانية. يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة، قائلاً: [الآن إن كان بيّن لنا نعمته لمدح مجد نعمته، لكي يعلن نعمته، فعيلنا إذن أن نقطن فيها. "لمدح مجده" ما هذا؟ ومن هم الذين يمدحونه؟ ومن الذين يمجدونه؟ هل نحن أم الملائكة أم رؤساء الملائكة أم كل الخليقة؟ وماذا يكون هذا؟ إنه لا شيء، إذ لا يعوز الطبيعة الإلهية شيء. إذن هل يريدنا أن نمدحه ونمجده؟ إنما لكي تشتعل محبتنا له بالأكثر في داخلنا. هو لا يطلب منا شيئًا، لا خدمتنا ولا مدحنا ولا ما هو من قبيل ذلك. لا يريد سوى خلاصنا. هذه هي غاية كل ما يعمله. فإن من يمدح النعمة التي بيّنها ويُعجب بها إنما يزداد تقوى وغيرة]. الآن يحدثنا عن فاعلية نعمة الله المجانية التي ننالها في المحبوب، والتي أبرزها في النقاط التالية: أولاً: التمتع بالفداء إذ يقول: "الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ، بِدَمِهِ غُفْرَانُ الْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ، الَّتِي أَجْزَلَهَا لَنَا بِكُلِّ حِكْمَةٍ وَفِطْنَةٍ" [7-8]. في القديم عني بالفداء تحرير الله لشعبه من عبودية فرعون ليقتنيه لنفسه (خر 15: 13؛ تث 7: 8)، أما في العهد الجديد فإننا إذ نجد لنا موضعًا في المسيح الفادي أو المحرّر يعتقنا من عبودية الخطية، غافرًا خطايانا بفيض غنى نعمته الفائقة، واهبًا إيانا مع غفران الخطايا كل حكمة سماوية وتمييز أو فطنة. بمعنى آخر لم يعٌد المحرّر خارجًا عنا، بل فينا ونحن فيه، يحررنا لا من عبودية بشرية زمنية، بل بنعمته ينزع عنا خطايانا التي سقطنا تحت أسرها بإرادتنا، بل يزيننا بكل حكمة وفطنة، إذ يسكن فينا ويعلن جماله السماوي في حياتنا الداخلية. أما قوله "الَّتِي أَجْزَلَهَا" فتعني العطاء المجاني بفيض، وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم عن هذه العطية الإلهية: [إنها غنى، وهي جزيلة، انسكبت علينا بقياس فائق الوصف، لا يمكن للكلمات أن تعبر عن البركات التي اختبرناها فعلاً، فهي حقًا غنى، وغنى جزيل.] ثانيًا: التمتع بمعرفة الأسرار الإلهية، إذ يقول: "إِذْ عَرَّفَنَا بِسِرِّ مَشِيئَتِهِ، حَسَبَ مَسَرَّتِهِ الَّتِي قَصَدَهَا فِي نَفْسِهِ، لِتَدْبِيرِ مِلْءِ الأَزْمِنَةِ" [9-10]. إن كان الغنوسيون يعتزون بالمعرفة "gnosis" حتى احتلت في فكرهم عوض الإيمان، وحسبوا أنهم بعقولهم وحدها قادرون على التمتع بالخلاص، فإن الرسول بولس يصحح الوضع معلنًا أن المسيحي الحقيقي "صاحب معرفة"، لكن على مستوى فائق، فإن الله لا يهبه فقط غفران خطاياه، وإنما يرفعه كابن لله إلي السماويات ليعلن له سرّ معرفته. ينال المعرفة gnosis كهبة إلهية وكإعلان سماوي حسب مسرة الله الذي له مقاصده التي تتحقق في ملء الأزمنة. لعل الرسول يقصد هنا بالسرّ الذي يعلنه للمؤمنين هو على وجه الخصوص تحقيق خطة الله في ملء الأزمنة، حيث يعمل بكمال سلطانه وملئها لخلق جماعة مسكونية من المؤمنين في المسيح، مقدسة فيه. في دراستنا لمدرسة الإسكندرية رأينا كثير من آبائها الأولين كانوا يتطلعون إلي "المعرفة الإلهية" كأثمن ما يقدمه المسيح للنفس البشرية، فإذ تتحد به كعروس مع عريسها يقدم لها ذاته فتتعرف على أسراره في حجاله السماوي. لذا يقول القديس إكليمنضس السكندري وتلميذه العلامة أوريجينوس أن هذه المعرفة هي هبة الله للكاملين. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [عجبًا! أية صداقة هذه؟! إذ يخبرنا بخفاياه، إذ يقول "بسرّ مشيئته"، لأن أحدًا يقول بأنه عرّفنا بالأشياء التي في قلبه. هنا حقًا السرّ المملوء حكمة وفطنة. فأية حكمة مثل هذه؟ الذين كانوا لا يساوون شيئًا رفعهم في لحظة إلي الغنى والفيض. أي تدبير حكيم هكذا؟! الذي كان عدوًا ومُبغضًا في لحظة ارتفع إلي العلا... هذا تم في الوقت المعين؛ إنه عمل الحكمة، تحقق بواسطة الصليب.] ثالثًا: أن يجمع الكل فيه، قائلاً: "لِتَدْبِيرِ مِلْءِ الأَزْمِنَةِ، لِيَجْمَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ، مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، فِي ذَاكَ" [10]. جاءت كلمة "أزمنة" هنا Kairos لا تحمل المعنى البسيط المزمن مثل كلمة Chronos، وإنما تشير إلي حقبة جديدة يعمل الله فيها بكل سلطانه ليجمع كل شيء في المسيح، كما تحت رأس واحد. يُسر المؤمن ليس فقط بتحريره من خطاياه، وتمتعه بالبنوة الإلهية، وإدراكه سرّ مشيئة الله، أي نواله المعرفة، وإنما أيضًا بنظره أن الكل يجتمع معًا - على مستوى الأرضيين والسمائيين - تحت قيادة الرأس المسيح. هذا هو ما يفرح قلب المؤمنين، أن تتحقق مشيئة الله خلال إتحاد الخليقة العاقلة المؤمنة، لتعيش كلها معًا بروح الوحدة تنعم بالحضرة الإلهية. فالمؤمن بثبوته في المسيح يفقد الأنانية والفردية ليتسع قلبه بالحب للجماعة كلها دون أن يفقده علاقته الشخصية بمسيحه. يفرح المؤمن الحقيقي إذ يرى في مسيحه أنه لا يضمه وحده إليه لكنه يجمع مختاريه الأرضيين ليقيمهم شعبًا سماويًا، يشاركون العلويين حياتهم الفائقة. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [عانى السمائيون من الأرضيين، ولم يعد لهم رأس واحد. إلي ذلك الوقت كان نظام الخلقة هو أن إلهًا واحدًا فوق الجميع هو للكل، لكن انتهى نظام "البيت الواحد" حيث انتشر خطأ الأمم وسقطوا في العصيان... الآن أقام رأسًا واحدًا بعينه على الكل، أي المسيح حسب الجسد، فوق الملائكة والبشر. بمعنى آخر جعل للملائكة والبشر مملكة واحدة... جمع الكل تحت رأس واحد بعينه مقيمًا رباط الوحدة من فوق.] يقدم لنا القديس يوحنا الذهبي الفم في نفس العظة تفسيرًا آخر لمعنى" لِيَجْمَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ"، إذ يقول: [جمع المسيح في نفسه التدابير التي استغرقت فترة طويلة (منذ السقوط حتى مجيئه متجسدًا) قاطعًا إياها.] بمعنى أن بمجيئه تحققت الوعود والعهود والنبوات التي طال انتظار تحقيقها. رابعًا: الآن إذ يعلن الرسول بولس عن نعمة الله التي جمعت السمائيين مع الأرضيين كما في جسد واحد للرأس الواحد السماوي، وفيه تحققت النبوات والمواعيد التي طال انتظار تحقيقها، أراد أن يثير الأمم بالغيرة ليدركوا غنى هذه النعمة متمسكين بها كعربون للميراث الأبدي أو النصيب السماوي، إذ يؤكد أنه كيهودي قد نال بالمسيح النصيب المعين الذي سبق اليهود الأولون فترجوه، هذا النصيب بعينه يناله الأمم خلال كلمة الحق إنجيل الخلاص. فما ناله اليهود بعد انتظار طويل عبر الآباء والأنبياء لم يُحرم منه الأمم خلال قبولهم الإنجيل. هذا ما عناه الرسول بقوله: "الَّذِي فِيهِ أَيْضاً نِلْنَا (نحن اليهود) نَصِيباً، مُعَيَّنِينَ سَابِقاً حَسَبَ قَصْدِ الَّذِي يَعْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ رَأْيِ مَشِيئَتِهِ، لِنَكُونَ لِمَدْحِ مَجْدِهِ، نَحْنُ الَّذِينَ قَدْ سَبَقَ رَجَاؤُنَا فِي الْمَسِيحِ. الَّذِي فِيهِ أَيْضاً أَنْتُمْ (الذين من أصل أممي)، إِذْ سَمِعْتُمْ كَلِمَةَ الْحَقِّ، إِنْجِيلَ خَلاَصِكُمُ، الَّذِي فِيهِ أَيْضاً إِذْ آمَنْتُمْ خُتِنتُمْ بِرُوحِ الْمَوْعِدِ الْقُدُّوسِ، الَّذِي هُوَ عَرْبُونُ مِيرَاثِنَا، لِفِدَاءِ الْمُقْتَنَى، لِمَدْحِ مَجْدِهِ" [11-14]. يلاحظ في هذا النص الآتي: أ. إن كان الرسول يردد - في هذا النص - كلمتي "نحن" و"أنتم"، قاصدًا بكلمة "نحن" اليهود، وكلمة "أنتم" الأمم، لكنه أكد أن اليهود وإن كانت لهم الأولوية من جهة الزمن لقبول المسيح المخلص، فإن الطرفين - اليهود والأمم - يشتركان معًا في التمتع بذات الحب الإلهي والاختيار ونعمة الله والعضوية في الجسد الواحد. ب. كلمة "نصيب" هنا في اليونانية Kleroَ تعني "يلقي قرعة"، فنوالهم للعطايا الإلهية جاء ميراثًا أو نصيبًا تحقق كما بإلقاء قرعة. لعله بهذا يريد أن يسترجع اليهود إلي أيام آبائهم حين دخلوا أرض الموعد، وصار كل واحدٍ ينتصر بنواله نصيبه خلال القرعة، دون أي فضل له في الاختيار. فما حدث في القديم كان رمزًا لا قيمة له إلاَّ في الإعلان عن ميراث العهد الجديد. هنا أيضًا لا فضل للمتمتع بالنصيب في شيء بل غنى نعمة الله هي التي قدمت له هذا النصيب. ولئلا يُظن أن ما يحدث الآن يتم اعتباطًا بكونه أشبه بإلقاء قرعة تتم دون تخطيط معين أكد الرسول أن ذلك يتحقق "حَسَبَ قَصْدِ الَّذِي يَعْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ رَأْيِ مَشِيئَتِهِ". فما يتم الآن، إن كان لا يدّ لنا فيه/ لكنه في خطة الله السابقة ومشيئته الحكيمة نحونا. يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذه العبارة، بقوله: [استخدم قبلاً الكلمة "اختارنا" [4]، أما هنا فيقول: "نِلْنَا نَصِيباً (ميراثًا)" [11]، ولما كانت القرعة مسألة مصادفة لا تتم عن اختيار مقترن بتدقيق، ولا مسألة فضيلة (إذ تُقترن القرعة غالبًا بجهل ما سنصل إليه بالصدفة، وكثيرًا ما تتخطى الفضلاء وتستقر على من لا قيمة لهم). لاحظ كيف صحح هذه النقطة بالذات، إذ يقول: "مُعَيَّنِينَ سَابِقاً حَسَبَ قَصْدِ الَّذِي يَعْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ" [11]. يمكننا أن نقول إننا لم نكن مجرد أصحاب نصيب، ولا مجرد مختارين (لأن الله هو الذي يختار)، ولا مجرد أصابتنا قرعة (لأن الله هو الذي يحدد النصيب)، وإنما تحقق الأمر "حَسَبَ قَصْدِ الَّذِي يَعْمَلُ". هذا ما يقوله أيضًا في الرسالة إلي أهل رومية: "الذين هم مدعوون حسب قصده، لأن الذين سبق فدعاهم فهؤلاء بررهم، والذين بررهم فهؤلاء مجدهم أيضًا" (رو 8: 28 - 30)... كأنه يقول: لقد ألقيت القرعة والله اختارنا، فتم كل شيء باختيار دقيق. لقد سبق فعيّن أناسًا اختارهم لنفسه وأفرزهم له. رآنا - كما من خلال القرعة - قبل أن نُولد، لأن علم الله سابق عجيب، فهو عالم بكل شيء قبل أن يبدأ كيانه. ج. إذ يتحدث عن الأمم الذين قبلوا الإيمان يقول: "فِيهِ أَيْضاً أَنْتُمْ، إِذْ سَمِعْتُمْ... إِذْ آمَنْتُمْ خُتِمْتُمْ بِرُوحِ الْمَوْعِدِ الْقُدُّوسِ" [13]. فالأمم سمعوا فآمنوا ثم خُتموا. قبلوا الإيمان خلال السمع، لأن السيد المسيح ظهر بين اليهود خاصته، وخاصته رفضته، أما هؤلاء فلم يروه وإنما خلال السماع آمنوا، وإذ آمنوا نالوا عطية الروح القدس بختم روح الموعد القدوس. خامسًا: التمتع بختم الروح كعربون للميراث الأبدي، إذ يقول: "خُتِمْتُمْ بِرُوحِ الْمَوْعِدِ الْقُدُّوسِ، الَّذِي هُوَ عَرْبُونُ مِيرَاثِنَا، لِفِدَاءِ الْمُقْتَنَى، لِمَدْحِ مَجْدِهِ" [13-14]. كان الختم علامة عامة عن الملكية، فكان بعض المكرسين للآلهة الوثنية أحيانًا يسِمون أنفسهم بعلامة في جسدهم تحمل اسم الإله الذي ينتمون إليه ويحتمون فيه. العماد بالروح هو العلامة المنظورة (الختم) لعدم الفساد في المسيح. وقد سبق لنا الحديث في هذا الشأن، حيث قدمنا مقتطفات لبعض أقوال الآباء عن المعمودية كختم، كعلامة الدخول في ملكية الله، والدخول تحت حمايته، والدخول في الجندية الروحية، والامتثال بالسيد المسيح، وأخيرًا كختم روحي أبدي لا يمكن أن ينفك. في العهد القديم كان الختان الجسدي هو الختم كعلامة للعضوية في شعب الله، وبالتالي الدخول في ملكية الله، كقول الكتاب: "إن قسم الرب هو شعبه، يعقوب جبل نصيبه" (تث 32: 9). + أثناء العماد، عندما تأتي إلي حضرة الأساقفة أو الكهنة أو الشمامسة... اقترب إلي خادم العماد ولا تفكر في الوجه المنظور بل تذكر الروح القدس، هذا الذي نتكلم عنه الآن، لأنه حاضر ليختم نفسك. إنه سيهبك الختم الذي يرعب الأرواح الشريرة، وهو ختم سماوي مقدس، كما هو مكتوب: "الذي فيه أيضًا (إذ آمنتم) ختمتم بروح الموعد القدوس". القديس كيرلس الأورشليمي + كما يطبع المالك على قطيعه علامة خاصة يتعرف بها عليه، خلالها تظهر أنها ملك له، هكذا يختم الروح القدس من له في المعمودية بواسطة مسحة الزيت المقدس التي يتقبلونها في العماد. القديس مار افرآم السرياني + النفس التي لم تستتر ولا تجملت بنعمة الميلاد الجديد، لا أعرف إن كانت الملائكة تتقبلها بعد تركها الجسد! حقًا إنهم لا يستطيعون أن يتقبلوها ما دامت لا تحمل الختم Asphragiston، ولا أي علامة خاصة بمالكها. حقًا إنها تصير محمولة في الهواء، وتتجول بغير راحة، دون أن يتطلع إليها أحد، إذ هي بلا مالك. إنها تطلب الراحة فلا تجدها؛ تصرخ باطلاً، وتندم بلا فائدة. القديس غريغوريوس النيسي + كما يُطبع الختم على الجند هكذا يُطبع الروح القدس على المؤمنين. القديس يوحنا الذهبي الفم 3. شفاعة الرسول لنوال المعرفة بعد أن قدم الرسول هذه التسبحة الكنسية، التي تحمل "سرّ المسيح"، فتكشف عن فيض عمل الله المجاني في جمع الكل - يهودًا كانوا أم أممًا - لتحقق فيهم مقاصد الله الآب في المسيح يسوع، ويصير الكل شعبًا واحدًا مقدسًا، وجسدًا للرأس، وأبناءً للآب في الابن المحبوب، الآن يقدم الرسول صلواته وشفاعته لدى الله عن مخدوميه ليهبهم استنارة روحية، فيفتح عيون قلوبهم ويدركوا بحق "سرّ المسيح"، فتكون لهم "المعرفة" الحقيقية. ولئلا يظنوا أنه إذ يصلي عنهم في هذا الشأن يعني عدم إيمانهم أو عدم معرفتهم، قال: "لِذَلِكَ أَنَا أَيْضاً إِذْ قَدْ سَمِعْتُ بِإِيمَانِكُمْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ، وَمَحَبَّتِكُمْ نَحْوَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ، لاَ أَزَالُ شَاكِراً لأَجْلِكُمْ، ذَاكِراً إِيَّاكُمْ فِي صَلَوَاتِي" [15-16]. نلاحظ في هذا النص: أولاً: يبرز الرسول كعادته الجوانب الطيبة، فلا يتجاهل إيمانهم ومحبتهم لذا بفرح يشكرهم... إنه يصلي من أجلهم لأجل الاستزادة. حقًا ما أحوج الكنيسة إلي رعاة كالقديس بولس الذي يسند ويعين ببث روح الرجاء بفرح، دون توقف عن الصلاة من أجل الرعية للنمو على الدوام في النعمة والمعرفة. + لم يكن يوجد ما يعادل حنين الرسول، ولا ما يشبه حنو وعواطف بولس الطوباوي، الذي قدم كل صلاة من أجل جميع الأمم والشعوب، حيث كتب نفس الكلمات للجميع: "لا أزال شاكرًا إلهي من أجلكم، ذاكرًا إياكم في صلواتي" (رو 1: 9؛ 1كو 1: 4؛ في 1: 3، 4؛ كو 1: 3؛ 1تس 1: 2). تأمل كيف كانوا في ذهنه، إذ يحتاج الأمر إلي تعب لتذكرهم. ما أكثر الذين كان يذكرهم في صلواته، مقدمًا الشكر لله من أجل جميعهم. القديس يوحنا الذهبي الفم ثانيًا: يربط الرسول بولس بين الإيمان بالرب يسوع والمحبة نحو جميع القديسين، فعضويتنا في المسيح لا تنفصل عن عضويتنا في الكنيسة، إيماننا بالرأس يجب أن يُترجم عمليًا بالحب لجميع القديسين. هذا من جانب، ومن جانب آخر، إذ يربط الإيمان بالمحبة، إنما يود تأكيد الإيمان الحيّ العامل حتى لا يكون إيمانًا ميتًا خلال عقمه... + في كل المناسبات يقرن الإيمان بالمحبة كزوجين مجيدين. القديس يوحنا الذهبي الفم ماذا يطلب في صلواته عنهم؟ أولاً: "كَيْ يُعْطِيَكُمْ إِلَهُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَبُو الْمَجْدِ، رُوحَ الْحِكْمَةِ وَالإِعْلاَنِ فِي مَعْرِفَتِهِ" [17]. يطلب لهم "روح الحكمة"، كما يطلب لهم "الإعلان في معرفته". لم يقل "في معرفة أسراره"، وإنما "في معرفته" هو، إذ يشتاق أن يدركوه هو شخصيًا ويتعرفوا عليه ككائن يتحدون معه. نحن نحتاج أن يهبنا الله روح الحكمة والمعرفة، فإن كان قد وهبنا العقل من عندياته، لكننا إن سلكنا بالعقل وحده دون الالتجاء إلي الله ننحرف عن الحكمة والمعرفة الحقة. ثانيًا: "مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ، لِتَعْلَمُوا مَا هُوَ رَجَاءُ دَعْوَتِهِ، وَمَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيرَاثِهِ فِي الْقِدِّيسِينَ، وَمَا هِيَ عَظَمَةُ قُدْرَتِهِ الْفَائِقَةُ نَحْوَنَا نَحْنُ الْمُؤْمِنِينَ، حَسَبَ عَمَلِ شِدَّةِ قُوَّتِهِ" [18-19]. يطلب من أجل استنارة عيونهم الداخلية، أي تكون لهم البصيرة الروحية القادرة أن ترى الله بالإيمان وتتمسك بمواعيده، وتدرك غنى مجد ميراثه المُعد للقديسين فتمتلىء النفس رجاءً وتتشدد بالقوة الإلهية. + يحوي القلب العيون التي تنظر الله... إنها تستنير الآن بالإيمان، الأمر الذي يناسب ضعفها، أما فيما بعد فتستنير برؤية الله إذ تكون قوية. "فإذًا... ونحن مستوطنون في الجسد فنحن متغربون عن الرب، لأننا بالإيمان نسلك لا بالعيان" (1كو 5: 6، 7). القديس أغسطينوس تسمى المعمودية "سرّ الاستنارة" كقول الرسول بولس: "الذين استنيروا مرة" (عب 6: 4)، إذ خلالها تفتح بصيرتنا الداخلية بنور الروح القدس لندرك الأمور الثلاثة المذكورة هنا: أ. نعلم ما هو رجاء دعوته، فإننا إذ ندخل إلي العضوية في جسد المسيح بالمعمودية نعلم - بالخبرة الحية - دعوته لنا لنكون أبناء الآب وورثة مع المسيح فيمتليء قلبنا رجاءً فيه. ب. غنى مجد ميراثه في القديسين. بالمعمودية ننعم بعربون الميراث الأبدي المُعد لقديسين، خلاله نختبر الغنى الأبدي غير المنطوق به. ج. عظمة قدرته الفائقة نحونا نحن المؤمنين حسب عمل شدة قوته. إذ بالمعمودية يقيمنا كما من الموت، ويهبنا البنوة لله واهب الحياة ... + الاستنارة وهي المعمودية... هي معينة الضعفاء... مساهمة النور... إنتفاض الظلمة. الاستنارة مركب يسير تجاه الله، مسايرة المسيح، أُس الدين، تمام العقل! الاستنارة مفتاح الملكوت واستعادة الحياة... نحن ندعوها عطية، وموهبة، ومعمودية، واستنارة، ولباس الخلود وعدم الفساد، وحميم الميلاد الثاني، وخاتمًا، وكل ما هو كريم. القديس غريغوريوس النزينزي إن كنا بالمعمودية نلنا الاستنارة يمتلىء قلبنا رجاءً ونتلمس غنى مجد ميراثه، وندرك عظمة قدرته الفائقة نحونا نحن المؤمنين حسب عمل شدة قوته، فإن هذه الاستنارة لا تُعطى في المعمودية بطريقة جامدة وساكنة، إنما تُعطى لكي تتجدد أذهاننا يومًا فيومًا لندخل إلي أعماق جديدة يوميًا خلال إيماننا العامل بالمحبة، وجهادنا بنعمته المجانية الفائقة. لهذا لا يكف الرسول عن أن يصلي من أجل من يكتب إليهم - والذين بلا شك نالوا سرّ العماد - لكي لا تتوقف عطية الله هذه بل تبقى منسكبة بفيض لا ينقطع. إذ يتأمل القديس يوحنا الذهبي الفم هذه العطية الإلهية يجدها فائقة للغاية لا يمكن للغة البشرية لا أن يعبر عنها. لهذا نقول إننا نبقى نطلب من الله أن يعمل فينا على الدوام لننعم بهذه العطية لعلنا نبلغ كمالها. ثالثًا: "الَّذِي عَمِلَهُ فِي الْمَسِيحِ، إِذْ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَأَجْلَسَهُ عَنْ يَمِينِهِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ، فَوْقَ كُلِّ رِيَاسَةٍ وَسُلْطَانٍ وَقُوَّةٍ وَسِيَادَةٍ، وَكُلِّ اسْمٍ يُسَمَّى لَيْسَ فِي هَذَا الدَّهْرِ فَقَطْ، بَلْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَيْضاً" [20-21]. يكشف لنا عن عمل الآب في الابن المتجسد لحسابنا، إذ أقامه وأجلسه وأخضع كل شيء تحت قدميه [22]... وهو لا زال يعمل هذا في جسده الذي هو الكنيسة، يقيمنا ويجلسنا في السماويات ويخضع كل شيء تحت أقدامنا. هكذا يؤكد السيد المسيح: "أبي يعمل حتى الآن" (يو 5: 17). هذا العمل مستمر ودائم، لا يقدر شيء ما أن يوقفه حتى يتحقق جسد المسيح، أي الكنيسة في ملئها، ويكمل المختارون. يتطلع المؤمن إلي كلمة الله الذي بتجسده نزل إلينا وصار كواحدٍ منا، إذ أُقيم من الأموات (في طاعة الآب مات وقام، لكن بقوة لاهوته وليس كعطية مستمدة من الغير) وأُجلس عن يمينه في السماوات وصار فوق كل رئاسة. إنما حدث هذا كله لحسابنا، أي لحساب كل مؤمن، فينعم بهذه الإمكانيات "في المسيح"، أي خلال ثبوته فيه كعضو في جسده. هذا وقد حمل النص: "وَإِيَّاهُ جَعَلَ رَأْساً فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لِلْكَنِيسَةِ" [22] رجاءً حقيقيًا في قلب الكنيسة أن الله لابد أن يتمم مشورته، وأن عمل المسيح في الكنيسة لابد أن يتحقق ويكمل ليعلن المسيح رأسًا للمختارين. هذا الرجاء عاشته الكنيسة الأولى وسط العقبات والإضطهادات، وقد عبّر عنه كثير من الآباء من بينهم القديس إيريناؤس، حين قال: [لابد أن يجتذب كل شيء إليه في الوقت المناسب.] بقوله "لِلْكَنِيسَةِ" يعني أن ما تحقق للرأس إنما هو لحساب الكنيسة، لذا يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم، قائلاً: [إنه لأمر مذهل أيضًا، إلي أين رُفعت الكنيسة؟! إنه كمن رفعها بآلة وأقامها في أقصى الأعالي، وجعلها على العرش هناك، فإنه حيث يوجد الرأس يكون الجسد أيضًا. لا انعزال بعد أو فُرقة بين الرأس والجسد... لقد هيأ كل جنس البشر عامة أن يتبعه ويلتصق به ويصحبه في ركبه. "الَّتِي هِيَ جَسَدُهُ"؛ (يقول هذا) لكي إذ تسمعون عن الرأس لا تفكرون في فكرة الرئاسة فحسب، وإنما في الثبوت فيه أيضًا، فلا تتطلعون إليه فقط كقائدٍ سامٍ وإنما كرأسٍ لجسد أيضًا]. من تفسير وتأملات الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين الأصحاح الأول آية (1):- "1بُولُسُ، رَسُولُ يَسُوعَ الْمَسِيحِ بِمَشِيئَةِ اللهِ، إِلَى الْقِدِّيسِينَ الَّذِينَ فِي أَفَسُسَ، وَالْمُؤْمِنِينَ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. " بِمَشِيئَةِ اللهِ: فى رسائل أخرى مثل كورنثوس تعنى أن الله إختاره لكى يكون رسولاً فعليهم طاعته، وفى هذا رد على من يشكك فى رسوليته (وهذا كان منتشراً فى كورنثوس) . أماّ هنا مع كنيسة مثل أفسس بلا مشاكل ولاهرطقات فهى تحمل معنى التواضع، أى الله أراد أن يعطينى هذا أن أحقق غايته الإلهية فى تكوين كنيسة من اليهود والأمم، أنا غير المستحق. وقارن مع (أف8:3+1كو9:15). إِلَى الْقِدِّيسِينَ: أى الذين أُفرزوا وصاروا مقدسين فى نظر الناس لأنهم خاصين بالله. وبولس يطلق لقب قديسين على كل من تعمدوا وحل عليهم الروح القدس. وهى صفة فيها إمتياز ومسئولية. وهو يدعو الأمم بهذه الصفة فقد صار الكل قديسين بالمعمودية والميرون، التى بهما نالوا إمكانيات الحياة المقدسة. وتعنى قديسين أنه صار عليهم ختم ملكية الله آية13. هم صاروا ملكاً لله. الْمُؤْمِنِينَ: ما يميز شعب أفسس شدة إيمانهم (15:1). فِي الْمَسِيحِ: أى ثابتين فى المسيح ثبات الغصن فى الكرمة، متحدين به، يستمدون منه حياتهم ويعيشون به وثباتهم هذا بدأ فى المعمودية ويستمر بحياة التوبة والتناول. آية (2):- "2نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ أَبِينَا وَالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. " الرسول يساوى ويوحد بين الآب والإبن، فمنهما يصدر النعمة والسلام. والنعمة هى كل ما يعمله الروح القدس فينا. والسلام هو الحالة الروحية الناجمة عن ذلك. آية (3):- "3مُبَارَكٌ اللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ فِي السَّمَاوِيَّاتِ فِي الْمَسِيحِ. " مُبَارَكٌ: تعنى الشكر لله وأنه مستحق أن نمجده ونعظمه. وهذه الكلمة فى العهد الجديد صارت مخصصة لله لتمجيده فقط، ولايوصف بها إنسان. بكل الحب يبارك بولس الآب على عطاياه ومقاصده التى كانت منذ الأزل، ويصلى شاكراً الله فهو أبو ربنا يسوع المسيح، وكأنه يشكر الآب على محبته، إذ أرسل لنا إبنه، وأرسل لنا الروح القدس (البركات الروحية مصدرها الروح القدس). وقوله مبارك الله تعنى مديحه كإله البركات ومعطيها. الَّذِي بَارَكَنَا بِكُلِّ بَرَكَةٍ: كامة بركة هى كلمة عبرية تعنى ان نتكلم حسنا عن احد . وحينما نبارك نحن الله فهذا يعنى ان نسبحه فلا نملك غير هذا لنقدمه لله . وحين يباركنا الله فهو يعطينا من خيراته المادية والروحية . فمنه وحده البركة وإليه تعود بالمدح والشكر. فبولس يباركه أى يمجده لأنه أعطانا كل بركة. والإنسان يتبارك حينما يعطى البركة لله، كما عاد الابرص الذى شفاه المسيح بالشكر ، فنال ما هو اعظم من شفاء الجسد ، وهذا ما حرم منه باقى العشرة . ونحن حين نبارك الله لا نزيده بل نعترف بما هو له. وقوله بِكُلِّ بَرَكَةٍ: أى لا توجد بركات قد حجزها الله عنا، ما نعرفه وما لانعرفه. بَرَكَةٍ رُوحِيَّةٍ: أى منسكبة من الروح القدس، وهى سبب غنى المسيحية. ونحن ننال عطايا الآب خلال إتحادنا بالابن وذلك بفعل الروح القدس. ونحن ننال بفيض ماهو للإبن عندما نثبت فيه أى فى المسيح والروح القدس هو الذى يثبتنا فى المسيح. فالآب يريد أن يعطينا بركات، والإبن نثبت فيه فنصير أبناءً. والروح يثبتنا فى المسيح. والروح القدس الذى ينسكب فينا يملأنا بركات روحية. والروح القدس هو أكبر عطية سماوية إنسكبت علينا من السموات، وهو يعطينا معونة لتكون سيرتنا سماوية. ولأننا نشتهى وننتظر البركات السماوية نصلى "كما فى السماء كذلك على الأرض". وقوله بركة روحية فهذا تمييز عن البركات المادية التى كانت لإسرائيل القديم فى العهد القديم والتى إنحصرت فى بركات الأرض وميراث الأرض "تأكلون خير الأرض" (أش19:1) + "أرض تفيض لبناً وعسلاً" (خر8:3). لكن هذه البركات والأفراح المادية تنتهى بنهاية المؤثر الخارجى، أو بالموت. أما البركة الروحية فهى فى جعل حياتنا مقدسة ومملوءة سلاماً وفرحا ًومحبة وتعزية، ننتظر تحقيق وعوده المقدسة، ان مجده عتيد أن يستعلن فينا، أنه لى وأنا له. هذه الأفراح الروحية لاتنتهى بالموت ولا بالمؤثرات الخارجية فمنبعها هو الروح القدس الساكن فينا. وليس معنى أن الله يعطى خيرات روحية أنه يحرمنا من البركات المادية، فالله مصدر لكليهما (الروحية والمادية). فِي السَّمَاوِيَّاتِ: ما أخذناه نحن فى المسيح كان عطايا سماوية، نأخذ العربون الآن، والباقى فى السماوات ولكن هذا لمن غلب وكانت له حياة سماوية على الأرض (فى20:3). فِي الْمَسِيحِ: كل بركة نأخذها هى ليست خارجاً عن المسيح، لايمكن تذوق هذه البركات خارجاً عن المسيح. والله لايشمخ عليه (غل7:6). فلا يمكن أن نأخذ هذه البركات ونحن فى طريق الخطية، فهذا يفصلنا عن المسيح، وتضيع منا البركات المادية والروحية. وفى هذه الآية الرسول يبارك الآب والابن والروح القدس. آية (4):- "4كَمَا اخْتَارَنَا فِيهِ قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ، لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ قُدَّامَهُ فِي الْمَحَبَّةِ. كَمَا: الله باركنا وهذا نراه فيما يأتى أنه، اخْتَارَنَا فِيهِ: الله رتب فى تدبيره الأزلى أن ترتبط البشرية بابنه الذى سيتجسد فى وقت معين محدد، يحمل جسدها وتثبت فيه، تموت معه، وتقوم معه، وترتفع معه للسماويات وتبقى فى خلود لاتحادها بالإبن (وهذا طبعاً لمن يختار المسيح ويؤمن به ويستمر ثابتاً فيه بحياة التوبة). اخْتَارَنَا: نحن الذين آمنا. وقوله إختارنا إشارة لأنه لا فضل لنا، وليس لفضل فينا (1كو27:1ـ29). وقطعاً فالله إختار من بسابق علمه عرف أنه سيقبل الإيمان بالمسيح ولن يكون من خاصة العالم (رو29:8) فالله يختار أزلياً من يعلم بسابق علمه بتجاوبه معه. الإنسان كلاعب ألقيت له كرة فهو له الحق أن يمسكها أو يتركها، ولكن يجب أن ترمى إليه الكرة أولاً، فيد الله تقدم لنا الإيمان بالمسيح، ونحن أحرار فى أن نمسك به أو نرفضه. اخْتَارَنَا فِيهِ: على أساس الإيمان بالمسيح. قَبْلَ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ: إذاً فالله لم يغير قصده حينما أخطأ الإنسان، بل كان كل شىء مُعد حتى قبل خلق الإنسان. فالله قبل أن يخلق الإنسان صمم له حياته الأبدية عن طريق الفداء. لِنَكُونَ قِدِّيسِينَ وَبِلاَ لَوْمٍ: قديسين هى صفة إيجابية، وبلا لوم هى صفة سلبية وهكذا كانت صفات الذبائح التى تقدم، فيلزم أن تكون بلا عيب، وهكذا يجب أن نقدم أنفسنا ذبائح حية بلا خطية فيقدسنا المسيح، ونحمل سماته فى القداسة ويكمل ضعفاتنا فنظهر أمام الله بلا عيب وبلا لوم. لكن الله لا يقدس من لا يريد أن يتقدس، لكن من يقدم نفسه ذبيحة حية يتحد بالمسيح الذبيح المصلوب فيحمل سماته ويسير فى طريقه. بِلاَ لَوْمٍ: كيف والمسيح وحده هو الذى بلا لوم أى بلا خطية، أجاب المسيح "اثبتوا فىَّ وأنا فيكم" وهذا بالإيمان والمعمودية وأن نجاهد فى حياتنا أن نظل ثابتين فى المسيح، بأن لا نخطىء، وإذا أخطأنا نقدم توبة سريعة، ومن هو ثابت فى المسيح، الله لا يراه فى خطاياه، بل يرى المسيح الذى هو ثابت فيه، والذى هو وحده بلا لوم. قُدَّامَهُ: فالله يفرح بأولاده وهم بلا عيب قدامه، بل هو الذى صالحنا لنفسه كالعريس الذى يفرح بعروسه المزينة، والكنيسة زينتها هى قداستها. فِي الْمَحَبَّةِ: لا يمكن قبول التقديس إلاّ على أساس المحبة، المحبة هى علامة إلتصاقنا به واتحادنا معه وتشبهنا به، فلذلك يجب أن نحب الله والإخوة (أف17:3، 18). والمحبة هى أولاً محبة الله لنا ثم محبتنا له، لأنه أحبنا أولاً. محبة الله لنا ظهرت فى صليبه ومحبتنا له تظهر فى طاعة الوصية. الله لن يرانا قديسين وبلا لوم إلا إذا رأى فينا محبة، فالمحبة تستر كثرة من الخطايا. أما الإنسان الخالى من المحبة فهو غير ممتلىء من الروح، فلا يكون ثابتاً فى المسيح وبالتالى لا يمكن أن يكون بلا لوم. (فأول ثمار الروح المحبة، وحيث لا محبة لا امتلاء من الروح. وإذا لم يكن إمتلاء من الروح فلا ثبات فى المسيح، فالروح هو الذى يثبتنا فيه). آية (5):- " 5إِذْ سَبَقَ فَعَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِنَفْسِهِ، حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشِيئَتِهِ. " هنا نفهم أن الله إختارنا وقدسنا لنستعيد بنوتنا له التى فقدها آدم بخطيته ونحن نحصل على البنوة بالمعمودية التى فيها: 1. موت مع المسيح فتغفر خطايانا. 2. قيامة مع المسيح متحدين معه، فنصير أبناء لأنه هو الابن. فَعَيَّنَنَا: عَيَّنَ من علم بسابق علمه أنه سيتجاوب معه، وهذا تم أزلياً حتى قبل خلقة آدم وسقوطه. ففكرة الفداء فكرة أزلية فى تدبير الله (رو29:8). حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشِيئَتِهِ: المسرة هنا راجعة لله الذى يُسَّرْ بعودتنا له كأبناء، وهى أيضاً عائدة علينا، فنحن نفرح بعودتنا للأحضان الإلهية كأبناء. عموماً كل مشيئات الله فيها مسرة له ولأولاده، فهو لا يشاء سوى ما فيه الخير (رو28:8). والله يفرح بأولاده (أش18:65، 19). آية (6):- "6لِمَدْحِ مَجْدِ نِعْمَتِهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْنَا فِي الْمَحْبُوبِ. " لِمَدْحِ مَجْدِ نِعْمَتِهِ: عمل الفداء ظهر فيه نعمة الله وعظمة قوته التى بها انتشلنا من ظلام اليأس. وأمام عمل الله ماذا يقدم الإنسان لله إلا الشكر والتسبيح. ولاحظ أن الله لا يحتاج لتمجيدنا وتسبيحنا له، بل حينما نمجد نزداد تقوى وتنفتح أعيننا على ما عمله الله لنا، والمجد الذى أعده لنا كأبناء. حينما نكتشف محبة الله وفرحته برجوعنا له كأبناء ، ألا نعلن فرحتنا بهذا الإله المحب. ولكن لن يستطيع أحد أن يسبحَّ ما لم تنفتح عيناه على محبة الله (استنارة) وهذه الاستنارة تأتى بالروح القدس بعد المعمودية. وما يغلقها هو الخطية، فالمستعبد للخطية لا يمكنه أن يسبح "على أنهار بابل (فى العبودية).. سألنا الذين سبونا أقوال التسبيح.. كيف نسبح تسبحة الرب فى أرض غريبة.. هناك فى أرض العبودية علقوا قيثاراتهم (كفوا عن التسبيح)" (مز1:137-4) ولا حل سوى التوبة والرجوع من أرض العبودية أى ترك الخطية. ونأتى للنقطة الثالثة بعد المعمودية والتوبة ألاّ وهى التغصب على التسبيح وهذا ما نسميه جهاد. وأمام الجهاد تنسكب النعمة فأتلذذ بالتسبيح. وكلما زاد تمجيدنا وتسبيحنا لله كلما عرفنا مجد الله ومجد نعمته أكثر فأكثر، إذ ستنفتح أعيننا أكثر وأكثر، كلما سبحنا امتلأنا من الروح القدس، وكلما امتلأنا تنفتح أعيننا ونعرف الله أكثر فيزداد تسبيحنا إذ نعرف عظمته ومجده وهكذا... إن تمجيد الله وتسبيحه هو أمر حتمى على المؤمن حتى يفرح بالله. بل إن نعمة الله صارت هدفاً للمديح والتسبيح والتمجيد من السمائيين، فالسمائيون أيضاً يسبحون الله على عظيم عمله مع الإنسان (رؤ8:5-14). الَّتِي أَنْعَمَ: غفران الخطايا والتبنى والمصالحة وميراث ملكوت الله. فِي الْمَحْبُوبِ: ويسميه الرسول فى (كو13:1) "ابن محبته". الله طبيعته المحبة = الله محبة فهو يشع محبة ويفيض محبة. وهذه المحبة تنسكب من الآب فى الابن المحبوب بالروح القدس= روح المحبة. فالمحبة بين الآب والابن هى طبيعة الله. وهى تعبير عن الاتحاد.والابن المحبوب قال عنه الآب "هذا هو إبنى الحبيب الذى به سررت" (مت17:3+5:17). ولما تجسد الابن دخل المؤمنون (البشر) فى مجال محبة الآب بالبنوة التى حصلوا عليها فى المعمودية، فصرنا فيه محبوبين من الله الآب (اتس4:1+2تس13:2). فمحبة الله قد انسكبت فى قلوبنا بالروح القدس ( رو5: 5) وقول الكتاب عن الابن المحبوب فيه إثبات للثالوث. فقبل أن يخلق الله السماء (الملائكة) والأرض (البشر) من كان يحب ؟ لو قلنا إنه بدأ الحب بعد أن خلق المخلوقات لكان متغيراً، والله غير متغير. آية (7):- "7الَّذِي فِيهِ لَنَا الْفِدَاءُ بِدَمِهِ، غُفْرَانُ الْخَطَايَا، حَسَبَ غِنَى نِعْمَتِهِ. " هذه امتداد للآية السابقة والمسيح افتدانا من غضب الله وعقابه (رو18:1). وكلمة فدية تعنى يحرر مقابل فدية، أى ثمن يُدفع لتحرير مخطوف. غِنَى نِعْمَتِهِ: الله قادر أن يدفع الثمن بحسب غناه، والثمن الذى دُفع ليس مالاً، بل بحسب غناه فى محبته دفع الثمن دم المسيح. ولذلك يسمى الفادى. وبهذا ألغى الموت الروحى كنتيجة للخطية وعتقنا من عبودية الخطية وأعطانا حياة، بل من غنى نعمته أعطانا مجداً فى السماء، وأجساداً ممجدة على شكل جسد مجده (في3: 21). آية (8):- "8الَّتِي أَجْزَلَهَا لَنَا بِكُلِّ حِكْمَةٍ وَفِطْنَةٍ. " الَّتِي أَجْزَلَهَا: أى عطاء مجانى بفيض. والله أعطى هذا العطاء بكل حكمة وفطنة، الحِكْمَةٍ: حكمة الله فى تخطيطه ليعطينا المجد. الفِطْنَةٍ: هي كيف نفذ الله خطته. الفطنة هي الأعمال التى تُعمل. والله يعطينا أيضاً حكمة وفطنة. حكمة بها ندرك النعمة التى أعطاها لنا، فبدون هذه الحكمة لظلت النعمة التى أخذناها مستورة عنا. وبالحكمة ندرك حكمة الله أى دقة مقاصده ونفرز الحق بسهولة، والفطنة هى الوعى المتفتح لإدراك ما يريده الله لنا. الحكمة خاصة لإدراك المبادىء، والفطنة لإدراك الأعمال، وبها ندرك ما هى الأعمال المطلوب أن نعملها حتى لا نخسر ما أعده لنا. ويقول سفر الأمثال " إن الفطنة هى بنت الحكمة ". ومعنى الآية أن الله أفاض علينا من نعمته (آية7) ومعها كل حكمة (آية8) لنفهم ما أخذناه. آية (9):- "9إِذْ عَرَّفَنَا بِسِرِّ مَشِيئَتِهِ، حَسَبَ مَسَرَّتِهِ الَّتِي قَصَدَهَا فِي نَفْسِهِ. " إِذْ عَرَّفَنَا: إذ أعطانا الحكمة والفطنة بهما نعرف مقاصد الله، وما يجب أن نفعله، ونفهم أعمال الله من ناحيتنا. فالله يرفع أبنائه للسماويات ويهبهم سر معرفته كهبة إلهية وكإعلان سماوى. يعلن ذاته للنفس البشرية فتتعرف على أسراره. سِرِّ مَشِيئَتِهِ: الفداء كان أمراً مخفياً منذ الأزل وصار مستعلناً على الصليب. آية (10):- "10لِتَدْبِيرِ مِلْءِ الأَزْمِنَةِ، لِيَجْمَعَ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ، مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا عَلَى الأَرْضِ، فِي ذَاكَ. " لِتَدْبِير: الله يدبر أمور العالم وأمور كنيسته كما يرتب إنسان أمور بيته. وبالنسبة للكنيسة فالله يستخدم إناساً يختارهم لترتيبها (1بط10:4) + (تى5:1-7). مِلْءِ الأَزْمِنَةِ: تعنى أن الأحداث نضجت والظروف صارت مستعدة والعالم مستعداً ليأتى المسيح وينفذ خطته. وحينما يأتى الوقت المحدد من الله والمسمى هنا ملء الأزمنة، يبلغ عمل الله كماله على مستوى الفعل المنظور وتتضح خطة الله أمامنا. وكانت خطة الله الخاصة بنهاية الأزمنة، وهدف الله النهائى أن يجمع كل شىء ما فى السماء وما على الأرض تحت رأس واحد هو المسيح = فِي ذَاكَ: أى فى المسيح وقارن مع (كو19:1، 20). فنرى أن المسيح سوف يجمع كل أجزاء الخليقة فى وحدة، بعدما خلفته الخطية من انقسام وشقاق وتفتت، وسيصنع صلحاً بعد أن أثمرت الخطية عداوة. بل سيصنع صلحاً ووحدة بين السمائيين والأرضيين. وسيعيد الصلح بين الله والإنسان حينما تكون الخليقة بنفس فكر الله، وذلك سيكون عن طريق الوحدة بين المسيح والإنسان (1كو28:15). آية (11):- "11الَّذِي فِيهِ أَيْضًا نِلْنَا نَصِيبًا، مُعَيَّنِينَ سَابِقًا حَسَبَ قَصْدِ الَّذِي يَعْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ رَأْيِ مَشِيئَتِهِ. " أَيْضًا: هى إضافة للآية10 أى نلنا بالإضافة لما قلناه نصيباً سمائياً. نَصِيبًا: اليهود أخذوا أرض الميعاد أيام يشوع بالقرعة، لكن كان عليهم أن يحاربوا ويجاهدوا ليحصلوا عليها. والله بفداء المسيح أعطانا نصيباً سمائياً لكن علينا أن نجاهد لنحصل عليه. الَّذِي فِيهِ: أى فى المسيح وهى عائدة على في ذاك آية 10. نِلْنَا: وفى آية 12 يقول "نحن الذين" ويقصد بهذا الذين سبقوا وكان الرب نصيبا لهم وهم كانوا نصيباً للرب وبولس كان واحداً من اليهود (تث20:4) وعاد بولس فى آية 13 ليقول "الذى فيه أيضاً أنتم " فالمسيح أتى ليجمع الكل معاً يهوداً وأممًا. حَسَبَ قَصْدِ الَّذِي يَعْمَلُ: حسب خطة الله الأزلية سبق الله واختار اليهود أولاً ليكونوا خاصته، ثم أتى ليجمع الكل معًا. وقصد الله أن يعيد الكل للبنوة والمجد. مُعَيَّنِينَ سَابِقًا: سبق الله وعيَّن الشعب اليهودى كشعب خاص له. ولكن اتضح بعد المسيح أن قصد الله هو أن يجمع الكل. رَأْيِ مَشِيئَتِهِ: الرأى هو ما ينشأ عن المداولة مع النفس والتصميم عن طريقة تنفيذ المشيئة. فمشيئة الله أن يجمع الكل فى المسيح. وكان الرأى أن يكون ذلك بالفداء. هنا نلمح تصميم الله رأياً ومشيئة بصورة مطلقة. ونلاحظ أن الأنبياء سبق وتنبأوا فى العهد القديم عن فداء المسيح، مما يثبت أزلية خطة الله. آية (12):- "12لِنَكُونَ لِمَدْحِ مَجْدِهِ، نَحْنُ الَّذِينَ قَدْ سَبَقَ رَجَاؤُنَا فِي الْمَسِيحِ. " معنى آية 11، 12 أن الله اختار اليهود= نَحْنُ الَّذِينَ قَدْ سَبَقَ رَجَاؤُنَا فِي الْمَسِيحِ ، لينطلقوا بالاعتراف والشكر والتسسبيح لمجد الله، وليكونوا نوراً للعالم، فيمجد الله بقية الأمم الوثنية لأنه هكذا بارك الله شعبه، ليعرف الله فى العالم كله. آية (13):- "13الَّذِي فِيهِ أَيْضًا أَنْتُمْ، إِذْ سَمِعْتُمْ كَلِمَةَ الْحَقِّ، إِنْجِيلَ خَلاَصِكُمُ، الَّذِي فِيهِ أَيْضًا إِذْ آمَنْتُمْ خُتِمْتُمْ بِرُوحِ الْمَوْعِدِ الْقُدُّوسِ. " أَنْتُمْ: هنا يستعرض الرسول عمل الله مع الأمم بعد أن أعلن عن عمل الله مع اليهود. والرسول فى الرسالة لأفسس يستعرض عمل الله مع الأمم على 3 مراحل يبدأ كل منها بقوله "أنتم" (13:1+1:2+11:2). الَّذِي فِيهِ: فى المسيح صار نصيب الأمم مثل نصيب اليهود الذين سبقوهم. إِذْ آمَنْتُمْ خُتِمْتُمْ بِرُوحِ الْمَوْعِدِ الْقُدُّوسِ: فالختم هو حلول الروح القدس، فالختم هو علامة يضعها صاحب القطيع على قطيعه لإثبات ملكيته، أو يضعها السيد على عبده لإثبات ملكيته للعبد. فهو إعطاء المالك بَصْمَتَهُ. وكان الوثنيون يَسِمُون أنفسهم بعلامة فى جسدهم تحمل اسم الإله الذى ينتمون إليه. وكان الختان هو ختم العهد القديم، علامة أن المختون صار من شعب الله. هذا الختم غير منظور للبشر الآن، لكنه منظور لله وللملائكة والسمائيين. والروح القدس يحل على المُعمّد فى سر الميرون فيصير من شعب الله. ويسمى موعد الآب (أع2: 33، 38، 39). فالمسيح وعد به وأسماه هكذا (لو49:24). "ها أنا ارسل إليكم موعد أبى" فالله وعد به فى العهد القديم بواسطة أنبيائه (يؤ2: 28، 29) + (أش1:44-4). بل إن السيد المسيح قال "خير لكم أن أنطلق، لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى" (يو7:16). فلماذا هو موعد الآب، ولماذا خير لنا أن ينطلق المسيح ليرسله ؟ 1. الروح يعمل فى الأسرار التى تكون جسد المسيح. فهو يلدنا فى المعمودية وهو يثبتنا فى المسيح الابن (2كو21:1،22).وهو يشهد لأرواحنا أننا أبناء الله(رو16:8).فالمسيح بصعوده تمجدت الطبيعة البشرية فى شخص المسيح وصارممكناً أن يُرسل لنا الروح القدس. 2. لو بقى المسيح بالجسد بحسب ما رآه تلاميذه ، لعرفناه جسدياً ولم نعرفه كإله ولتعثرنا فيه. (كما حدث مع مريم المجدلية) . ولو كان بصورة مجده لهلكنا . أما الروح القدس الآن فهو يعرفنا بالمسيح وبإمكانياتة كإله ويعطينا رؤية حقيقية للمسيح (يو14:16). 3. هو يبكت على خطية.. ويعطى المعونة (يو8:16+رو26:8). 4. هو يعيد تشكيل صورتنا لنكون على شكل المسيح (غل19:4) ونكون خليقة جديدة (2كو17:5). وهذه الخليقة بها نخلص (غل15:6). 5. الروح القدس مشبّه بالماء، ونحن من تراب الأرض، فيعطينا أن يكون لنا ثمار (غل22:5، 23). وهو الذى يعطى المواهب (1كو12+أف11:4) وبدون الروح القدس نصبح أرضاً بور لا نصلح لشىء، بلا ثمار ولا مواهب. 6. هو يعلمنا ويذكّرنا بكل كلام السيد المسيح، وهو المعزى فى ضيقاتنا. 7. يربط الكنيسة فى محبة، ويكون كل عضو، عضو حى. إِذْ سَمِعْتُمْ كَلِمَةَ الْحَقِّ: التى كرزت بها أنا بولس لكم فى أفسس وآمنتم بها. إِنْجِيلَ خَلاَصِكُمُ: بشارة الرسول هى إنجيل فهى بشارة مفرحة بالخلاص. آية (14):- "14الَّذِي هُوَ عُرْبُونُ مِيرَاثِنَا، لِفِدَاءِ الْمُقْتَنَى، لِمَدْحِ مَجْدِهِ. " هذه الآية تجمع اليهود والأمم، عُرْبُونُ مِيرَاثِنَا: العربون هو إعطاء جزء من الكل. فبالروح القدس نلنا بعض الخيرات الأبدية. ولكن فى الحياة الأبدية سننال المجد السماوى. الله يعطينا الروح القدس يعزينا ويطمئننا ويفرحنا ويذيقنا مسبقاً نصيبنا المعد لنا فوق ويعرفنا بنوع الحياة التى دعينا إليها، لذلك ما نحصل عليه هنا هو عَيِّنَةSAMPLE من الذى سنحصل عليه فوق. فما يعطيه لنا الآن الروح القدس.. فرح/ سلام/ محبة/ تعزية/ سلطان على الخطية/ بنوة/ تذوق للمجد.. بل الامتلاء من الروح القدس... كل هذا ما هو إلا عينة. أما فى السماء فسنحصل على الكل لذلك يقول الكتاب " لأن الخروف...يقتادهم إلى ينابيع ماء حيه..." (رؤ17:7). وهذا هو الملء الكامل من الروح لذلك فمن يتذوق الآن أفراح السماء فمن المؤكد أن يحصل على الكل فى السماء ومن هو محروم من أفراح السماء هنا لانشغاله بالأرضيات سيُحرم من الكل فوق أيضاً. فلنجاهد لنتذوق السمائيات هنا ونحن على الأرض. ولكن حتى فى السماء سنمتلىء يوماً عن يوم. شبه أحدهم العربون بأنه خاتم الخُطبة كتأكيد للعروس على الزواج. إعطاء الروح القدس الآن هو عربون الميراث الابدى. وأسماه الرسول باكورة الروح (رو8: 23، 24). ومن له الباكورة يشتهى السماويات، ومن هو كالعذراى الجاهلات أفرغ آنيته من الروح القدس فهو يتشبث بالأرضيات ويفزع من ذكر الإنتقال. لِفِدَاءِ الْمُقْتَنَى: من ضمن ما أخذناه هنا كعينة أو كعربون، التبنى. فالفداء لم يكتمل لنا كل بركاته (المسيح قام بالعمل كاملاً، أى عمله الفدائى، ولكن بالنسبة لنا فنحن لم نحصل بعد على كل بركات الفداء بالكامل)، فالبنوة الآن غير كاملة، أما الفداء الكامل فهو حين نلبس الجسد المُمجد الذى به لا نخطئ، فأبناء الله الكاملين لا يستطيعوا أن يخطئوا (1يو9:3). نحن الآن صار لنا سلطان على الخطية (رو14:6). لكننا بسبب ضعف الجسد مازلنا نخطئ. وحين نحصل على الجسد الذى لا يخطئ فى السماء سنكون أبناء الله بالكامل. وقوله هنا لِفِدَاءِ الْمُقْتَنَى : عبّر عنه سابقاً بقوله التبنى فداء الأجساد (رو23:8)، أي تتميم بركات الفداء بالكامل للإنسان فالْمُقْتَنَى: هو الإنسان الذي اشتراه الله بدمه. وبركات الفداء تكتمل بتحرير الإنسان من الموت والفساد وحصوله على الجسد المُمجد. والروح القدس الذي فينا يعدنا للتغيير الأخير الذي فيه فداء أجسادنا. وهذا الفداء الأخير سيؤدي لمدح مجد الله؛ لِمَدْحِ مَجْدِهِ: إذ يسبح المفديون بكل قلوبهم وألسنتهم ويمدحون مجده العظيم على غنى نعمته الفائق الذي أعطاها لنا في المسيح، أى الله أعطى لنا نعمته فى المسيح. الآيات (15-16):- "15لِذلِكَ أَنَا أَيْضًا إِذْ قَدْ سَمِعْتُ بِإِيمَانِكُمْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ، وَمَحَبَّتِكُمْ نَحْوَ جَمِيعِ الْقِدِّيسِينَ، 16لاَ أَزَالُ شَاكِرًا لأَجْلِكُمْ، ذَاكِرًا إِيَّاكُمْ فِي صَلَوَاتِي. " كانت عطاياهم لفقراء الكنيسة كبيرة وفى حب. وإقتران المحبة بالإيمان هذا علامة على أن إيمانهم إيمان حى. فالمحبة أولاً ثم العطايا. ذَاكِرًا إِيَّاكُمْ فِي صَلَوَاتِي: هذه هى الكنيسة التى فيها كل واحد مشغول بالآخر، وهذا ما يفرح قلب الله، لأن المحبة تشبه محبة الله الذى كان فى مجده مشغولاً بخلاص الإنسان الذى يموت ويهلك. فالله يحب الكل وعلينا أن نتشبه بالله ونصلى لأجل الكل. بل أن بولس يطلب الصلاة لأجل الملوك وبينهم نيرون مضهد المسيحية (اتى2:2). الآيات (17-18):- "17كَيْ يُعْطِيَكُمْ إِلهُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَبُو الْمَجْدِ، رُوحَ الْحِكْمَةِ وَالإِعْلاَنِ فِي مَعْرِفَتِهِ، 18مُسْتَنِيرَةً عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ، لِتَعْلَمُوا مَا هُوَ رَجَاءُ دَعْوَتِهِ، وَمَا هُوَ غِنَى مَجْدِ مِيرَاثِهِ فِي الْقِدِّيسِينَ. " صلاة يطلب فيها الرسول المعرفة والاستعلان لأهل أفسس لإدراك دقائق أسرار الفداء الذى تم، وهذه لا ندركها بعقولنا فقط. إِلهُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ: المسيح بسبب تجسده دخل البشرية كمخلوق، فالله هو إلهه بسبب وضع الجسد. ولهذا قال المسيح "أبى وأبيكم إلهى وإلهكم" (يو17:20). وقوله هنا "إلهكم" يفرحنا، فبعد أن كنا مطرودين بسبب الخطية صار لنا بالفداء قبولاً عند الله وعدنا للحظيرة الإلهية. حقاً الله هو إله كل الخليقة، ولكن قوله "إلهكم" تشير هنا لرضا الله علينا بعد الفداء. ولكن لماذا يستخدم بولس هذا التعبير هنا أى " إِلهُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ "؟ لاحظ أنه يطلب لهم أن الله يعطيهم روح الحكمة أى يطلب لهم حلول الروح القدس أو الامتلاء منه أو عمله فيهم بقوة. والروح القدس ما كان سينسكب على البشر لولا تجسد المسيح، وانسكابه على جسده أولاً0 وصار الروح القدس ينسكب علينا بشروط: 1. أن لا نقاومه ونسمع له. 2. أن نهتم بهذا ونطلب لأجله بلجاجة. أَبُو الْمَجْدِ: هذه مثل رب المجد (1كو8:2) وإله المجد (أع2:7) وتعنى إله كل مجد وأصل كل مجد. والمجد هو النور والبهاء الإلهى. رُوحَ الْحِكْمَةِ وَالإِعْلاَنِ فِي مَعْرِفَتِهِ: عمل الله يقصر دونه أعظم العقول ويحار أمامه الفهم، لذلك نحتاج أن نطلب من الله ليعطينا فهماً حين نطلب، فأمور الله لا يعرفها إلا روح الله (1كو9:2-11). والله روح ولا يُعرف إلاّ بالروح. والله وهبنا روحه القدوس. رُوحَ الْحِكْمَةِ: حينما يعمل الروح فى الفكر يعطيه انفتاحاً وفهماً. وحينما يعمل فى الروح الإنسانية يعطيها تسامى عن الأرضيات وإدراك السماويات، وحينما يعمل فى القلب يعطيه حباً لله وللجميع فالقلب مركز المشاعر، وحينما يعمل فى الجسد يعطيه طهارة وعفة. والمقصود هنا أنه حين يعمل فى الفكر والعقل الإنسانى يعطيه فهماً للأمور الإلهية وفهماً لمشيئة الله وخطط الله. بالإجمال فالروح القدس يعطى للإنسان سلوكاً بالقداسة. وراجع الآيات (3:3-11) فما قاله الرسول فيها ناشىء من روح الحكمة الذى أعطاه له الله. ولذلك نصلى حتى يكون لنا مثلما كان له. ولكن مهما عرفنا الآن فنحن نعرف قليلاً جداً (1كو12:13) ومعرفة الله تزيد النعمة والسلام، (2بط2:1) بل هى الحياة الأبدية (يو3:17). وحينما يعمل روح الحكمة فيهم " تُسْتَنِيرَ عُيُونُ أَذْهَانِكُمْ " = أى تكون لهم فى وعيهم القدرة على النظر إلى الأمور التى يستعلنها الروح، فالروح يعلن حقائق جديدة أو تطبيقات تناسب حياتنا للآيات التى نسمعها = الإِعْلاَنِ. ونحن بعيوننا الجسدية نرى الأرضيات الملموسة، ولا نرى الأمور الروحية. ولكن هناك عيون داخلية نرى بها أمور الله غير المستعلنة مثل الخلاص وأموره، نرى الله بالإيمان ونتمسك به. ولقد أرسل البابا أثناسيوس للقديس ديديموس الضرير مدير الإكليركية رسالة قال له فيها "طوباك يا ديديموس فلقد فقدت عينان ترى بهما التراب ولكن لك عينان ترى بهما الله". مُسْتَنِيرَةً: لا رؤية بلا نور، وكل ما يخص الله فهو فى النور فالله نور. وبنور الله ندرك الحقائق الإلهية. والعين المستنيرة قد أنارها الله، وذلك لمن يحفظ وصاياه، ويحب الله ويحب قريبه أى يسلك فى النور. والمعمودية تُسمى سر الاستنارة (عب4:6) إذ خلالها تنفتح بصيرتنا الداخلية بنور الروح القدس. وخلال إيماننا العامل بالمحبة وجهادنا بنعمتة الغنية المجانية تتجدد أذهاننا يوماً فيوم لندخل لأعماق جديدة. لِتَعْلَمُوا مَا هُوَ رَجَاءُ دَعْوَتِهِ: لنعلم حين يفتح الروح أعين قلوبنا الهدف من دعوتنا. ويعلن لنا الرجاء الذى نتطلع إليه وننتظره، أن نكون مع المسيح فى مجده عند مجيئه. وعمل الروح القدس أن يجعل هذا الرجاء حياً وليس مجرد معلومات نعرفها بالعقل دون أن تكون حقيقية فى قلوبنا. غِنَى مَجْدِ مِيرَاثِهِ فِي الْقِدِّيسِينَ: سبق فى آية 14 أن كلمنا عن ميراثنا، فكل القديسين سيتشتركون فى غنى مجد المسيح وميراثه ويكون مصيرنا مرتبط بالمسيح أبدياً. ولكن هنا نسمع أننا سنصير ميراثه فالقديسين هم ميراث المسيح (1مل51:8، 53) + (مز70:78، 71) + (أش25:19) + (يؤ2:3) فإن كان شعب إسرائيل قيل عنهم ميراث الله، فكم وكم قديسى العهد الجديد. وهو ميراث غنى بالمسيح الذى فينا. وقيل هذا عن الأمم (مز8:2). وكوننا ميراث المسيح فهذا يوضح أن لنا قيمة عظيمة عنده. فالناس يتصارعون على الميراث إن كان ثميناً، والمسيح تجسد ومات وصارع الشيطان على الصليب ليأخذنا منه، ونصير ميراثه، وكونه يصارع لأجلنا إذن نحن نستحق فى نظره هذا، ونحن لنا قيمة عظيمة عنده. بل هو مازال يصارع ليأخذ ما يستطيع أن يأخذه من يد إبليس،لذلك قيل عنه خرج غالباً ولكى يغلب (رؤ2:6). وكوننا غالبين عنده ولنا هذه القيمة أن يكون ميراثه، فهذا ما يفرحنا حقيقة. الآيات (19-20):- "19وَمَا هِيَ عَظَمَةُ قُدْرَتِهِ الْفَائِقَةُ نَحْوَنَا نَحْنُ الْمُؤْمِنِينَ، حَسَبَ عَمَلِ شِدَّةِ قُوَّتِهِ 20الَّذِي عَمِلَهُ فِي الْمَسِيحِ، إِذْ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَأَجْلَسَهُ عَنْ يَمِينِهِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ. " عَظَمَةُ قُدْرَتِهِ: بعد أن تكلم عن رجاء الدعوة قد يقول أحد.. وهل يمكن أن تحدث لى هذه المعجزة؟‍‍‍‍‍ ويؤكد بولس الرسول أن الله قدير وأن قدرته غير المحدودة هى متجهة إلينا نحن المؤمنين لتعمل لأجلنا وتعمل فينا عمله القوى القدير الذى بدأ بالصليب ويكمله فينا لأجل خلاصنا، فالمسيح ما كان محتاجاً أصلاً أن يتجسد ويموت ويقوم، إنما كل ما عمله كان لأجلنا. وما مقياس قدرة الله الفائقة من نحونا؟ الاجابة: على حسب عمل شدة قوته التى عملها فى إقامة المسيح بمجد عظيم. فقوته الجبارة هذه التى أقامت المسيح ستعمل فينا. وبنفس القدرة يقيمنا: أولاً: من موت الخطية. ثانيا : من الأموات وبنفس القدرة سيصعدنا للسماوات. ولأن نفس القوة التى أقامت المسيح ستقيمنا استخدم نفس الألفاظ عن المسيح وعنا: إِذْ أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ، وَأَجْلَسَهُ عَنْ يَمِينِهِ فِي السَّمَاوِيَّاتِ (20:1). وأقامنا معه وأجلسنا معه فى السماويات فى المسيح يسوع (6:2). ونلاحظ هنا أن بولس يستخدم أوصافاً عديدة وقوية ليعبّر بها عن إمكانيات الله التى يستخدمها واستخدمها لأجل خلاصنا. استخدمها مع المسيح لكى يقيمه وسيجعل نفس هذه القوة تعمل لحساب الإنسان فيحيا إلى الأبد بعد أن يقوم من الأموات. عَظَمَةُ قُدْرَتِهِ الْفَائِقَةُ.. عَمَلِ شِدَّةِ قُوَّتِهِ. عَنْ يَمِينِهِ: المعنى أن إنسانية المسيح تمجدت بمجد اللاهوت الفائق الوصف. واليمين فى المفهوم اليهودى يعنى القوة والمجد... وراجع شكل المسيح فى (رؤ10:1-20). آية (21):- "21فَوْقَ كُلِّ رِيَاسَةٍ وَسُلْطَانٍ وَقُوَّةٍ وَسِيَادَةٍ، وَكُلِّ اسْمٍ يُسَمَّى لَيْسَ فِي هذَا الدَّهْرِ فَقَطْ بَلْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَيْضًا. " المسيح فوق كل رتب الملائكة التى نعرفها الآن والتى سنعرفها فى السماء (فى المستقبل) (فى9:2-11) فهناك مخلوقات سماوية سمعنا عنها وهناك من لم نسمع بها. آية (22):- "22وَأَخْضَعَ كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ، وَإِيَّاهُ جَعَلَ رَأْسًا فَوْقَ كُلِّ شَيْءٍ لِلْكَنِيسَةِ. يقول الرسول فى (عب8:2) "على أننا الآن لسنا نرى الكل بعد مخضعاً له"، فهناك من يرفض الله ويتمرد على أحكامه، بل حتى نحن شعبه نخالف وصاياه فى بعض الأحيان. وقارن مع (مز5:8، 6) فالخضوع النهائى سيكون فى اليوم الأخير (1كو24:15- 28) + (عب8:2). راجع نقطة رقم (11) في المقدمة. فالمسيح هو رأس الجسد أى الكنيسة، هو رأس كل شئ، كل خليقة سماوية أو أرضية، فهو خالق الكل، به كان كل شئ (يو3:1+ كو16:1، 17). المسيح بموته وقيامته وبالمعمودية ولدنا ثانية ولادة جديدة فنشأت خليقة جديدة هى الكنيسة التى هى جسده، وبهذا صار المسيح رأس الخليقة الجديدة ومحتفظاً بسيادتة كرأس لكل خليقة أخرى، فهو قد خلق الكل، ما فى السماء وما على الأرض وهو كرأس لهذا الجسد (من السمائيين والكنيسة) سيقدم الخضوع للآب (1كو24:15-28). هناك من سيخضع عن حب إذ اكتشف محبته، وهناك من سيخضع بالقهر وهؤلاء هم إبليس ومن تمرد معه من البشر. آية (23):- "23الَّتِي هِيَ جَسَدُهُ، مِلْءُ الَّذِي يَمْلأُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ. " للكنيسة.. التى هى جسده ملء الذى يملأ الكل فى الكل: وبالإنجليزية Which is His body, the fullness of Him Who fills all In all فالكنيسة هى ملؤه، أى أن جسد المسيح يكتمل بالكنيسة، وبكل ما فى السموات وما فى الأرض (10:1). فهو الرأس والكنيسة الجسد، ولا يوجد جسد بدون رأس ولا رأس بدون جسد. إذاً الكنيسة = جَسَدُهُ: هى مرتبطة بالمسيح رباطاً ذاتياً كيانياً حياً أبدياً. الكنيسة هى جسد المسيح، وهى ملء المسيح من ناحية ناسوته. فكأن الكنيسة يكمل بها عمل المسيح، أو كأن عمل المسيح الكامل يتحقق بواسطة الكنيسة. وكما يكمل الرأس بالجسد أو كما يكمل الجسد بالرأس، أو كما يحدث التكامل بين الرأس والجسد معاً، هكذا أيضاً الأمر بالنسبة للمسيح والكنيسة. والمسيح هو الرأس الذى يدبر والكنيسة هى الأعضاء التى تعمل، لذلك أعطى المسيح للكنيسة الروح القدس الذى يعطيها: 1. أن تترابط بمحبة وفى وحدة كجسد واحد (16:4). 2. المواهب التى تحتاجها لبنيانها (رو5:12، 6 + أف 11:4). 3. القوة لكى تؤدى عملها (16:4 + رو 26:8). فالكنيسة هى المجال لإتمام عمل المسيح (أف11،10:4). ولأن الكنيسة جسد المسيح قال المسيح لشاول حينما إضطهد الكنيسة "لماذا تضطهدنى" (أع4:9) وراجع أيضاً (مت30:25ـ40). الَّذِي يَمْلأُ الْكُلَّ فِي الْكُلِّ: المسيح يحل فيه كل ملء اللاهوت جسدياً (كو9:2) أى فى جسده.ونظراً لإتحاد المؤمنين به جسدياً (فالمؤمن المعَّمد، والذى حَلَّ عليه الروح القدس فى سر الميرون والذى يتناول من جسد المسيح ودمه صار متحداً بجسد المسيح وثابتاً فيه). صار المسيح الذى حلَّ فيه كل الملء (كو19:1)، صار مصدراً لكل البركات والقوة والنعم والمجد والمواهب والسلطان الذى فى الكنيسة. فكل نعمة آخذها، هى نتيجة إتحادى بالمسيح، لذلك يقول المسيح "إثبتوا فىّ وأنا فيكم" فنحن إن لم نكن ثابتين فيه سنخسر كل هذه البركات. والمواهب الروحية التى يعطيها المسيح للكنيسة الآن هى لبنيان الكنيسة (جسده) وتدبيرها. والكنيسة وقد امتلأت به صارت تملأ الكل به وذلك من خلال الأسرار التى أعطى المسيح للكنيسة سلطاناً عليها (يو16،14:1). والمسيح صعد إلى السموات حقاً، ولكن الكنيسة هى جسده، وهو بقى على الأرض فى أشخاص المؤمنين أى جسده ولأن جسد المسيح متحد بلاهوته فنحن حينما نشترك فى جسد المسيح فى الإفخارستيا فإننا نأخذ حياة الله بالجسد (يو57:6). وإذ نتحد بهذا الجسد ونصبح أعضاء جسده من لحمه ومن عظامه (أف30:5) نحيا بالمسيح فينا (غل20:2). فالمسيح هو مصدر حياتى وقوة حياتى، ولأنه هو القدوس فهو يقدس الفكر والمشاعر وينير الذهن ويملأ الحياة بحضوره المحيى فتكون الحياة سماوية حقاً. والمسيح هو يملأ الكنيسة. إن كل ما للمسيح من قوة ومواهب ونعمة يقدمه لكنيسته. وبهذا تصبح شريكة لسيدها فى كل ما يملك حتى تستطيع أن تتمم عمله المبارك فى هذا العالم. النعم والمواهب الإلهية الكائنة فى المسيح تصبح منتقلة للكنيسة حيث يكون ملء المسيح متصلاً ومتحولاً إليها حتى يقال عنها إنها ملؤه. والكنيسة تجاهد لهذا الوضع الأمثل، وهذا هو النمو الكامل حين تبلغ القامة الكاملة لملء المسيح، ليس على المستوى الفردى وإنما كجسد متحد معاً، على أساس تقبل كل مؤمن من المواهب والنعم التى تُكَمَّلَهُ هو فى ذاته، وتؤهله للتكامل مع الآخرين لبلوغ الكل المتحد لبناء الجسد ليبلغ إلى قامة ملء المسيح، أى تصير الكنيسة هى التعبير الكامل للمسيح (أف12،10:4). وكما ملأ المسيح بلاهوته جسده الذى أخذه من العذراء هكذا وهو الكل يملأ كل فرد فى كنيسته،وكما اتحد بجسده هكذا يتحد بكنيسته ويملأها ملئاً كلياً، ولكنها لا تحده. يملأها بمواهبه التى لا تُحد، ويملأها بروحه الذى لا يُحد، ويملأها بوجوده الذى لا يُحد. وهكذا كما تمتلىء حجرة من نور الشمس، فالحجرة ستمتلئ ولكن الحجرة لا تحد الشمس. وتصور الكنيسة عبارة عن منزل به ملايين الحجرات (المؤمنين)، والشمس تملأ هذه الحجرات بنورها وحرارتها، ولكن هذه الحجرات لا تحد الشمس. الابن "مملوء نعمة حقاً ومن ملئه نحن جميعاً أخذنا " (يو14:1-16) فالكنيسة تمتلىء نعمة حقاً.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الأول الله يبارك ويملأ كنيسته (1) التحية الرسولية ع 1 ، 2 : ع 1 : القديسين : المُخصصين للمسيح أى المؤمنين المسيحيين0 إختار الله بولس ليكون خادماً له كما أعلن لحنانيا اع 9 : 15 ، ويُرسل هذه الرسالة إلى المسيحيين فى أفسس0 ع 2 : يرسل بولس تمنياته لكنيسة أفسس بعمل النعمة الإلهية فيهم ، وتشمل كل البركات التى يلخصها فى السلام الذى يشمل قلوبهم ، وهذه البركات ينالونها من الآب والإبن فيظهر مساواة الأقانيم معاً0 + ليتك تبدأ كلامك مع الآخرين بتمنيات البركة لهم أو كلمات المديح فتفرح قلوبهم ويكونون بهذا مستعدين لسماع باقى كلامك0 (2) القداسة والتبنى ع 3 - 5 : ع 3 : مُبارك : مُستحق الحمد والشكر0 أبو ربنا : يتكلم عن الآب الذى خلقنا وأعطانا كل البركات ، وعن المسيح إبنه المتجسد لفدائنا0 فهو يتكلم عن أقنومىّ الآب والإبن0 فى السماويات : البركات الروحية التى أعطاها للسمائيين ويُعطينا منها على الأرض0 فى المسيح : هذه البركات ننالها من خلال المسيح الفادى ، وهى تشمل الأسرار المقدسة وكل عمل الروح القدس فى الكنيسة0 يبدأ بولس حديثه بشكر الله على البركات الروحية التى وهبها للمؤمنين فى الكنيسة0 ع 4 : اختارنا : بسابق عِلم الله ومحبته يعرف من سيؤمنون بالمسيح ، فقبل أن يخلقنا إختارنا ليعطينا بركاته ، وهذا يولد فينا الإتضاع لأنه هو سبب بركتنا وليس نحن0 فيه : فى المسيح الفادى الذى سنؤمن به وننال الخلاص0 قبل تأسيس العالم : أى فى نية الله حتى قبل أن يخلق أى إنسان ، فهو يحبنا ويريد أن يباركنا0 قديسين : مخصصين لمحبته وحياة القداسة والبر معه0 بلا لوم : بلا خطية فنحيا فى نقاوة0 فى المحبة : محبة الله التى خلقتنا وتهبنا وتساعدنا على القداسة0 يوضح بولس الرسول سبباً ثانياً لشكر الله وهو محبته الظاهرة فى إختيارنا قبل أن يخلقنا لنكون أولاده ومقدسين فيه0 فغرض وجودنا فى الحياة هو القداسة والتمتع بعِشرة الله0 ع 5 : عيَّننا للتبنى : إختارنا لنصير له أبناء أحباء0 بيسوع المسيح : أمَّا هذه البنوة فأساسها الإيمان بابنه الوحيد يسوع المسيح والميلاد الثانى من المعمودية0 حسب مسرة مشيئته : فالله يفرح ببنوة أولاده وانتسابهم له وطاعتهم ومباركتهم0 هدف الله من إختياره لنا ليس فقط أن يخلصنا من خطايانا وحُكم الموت ، بل أن نصير أبناءه فنتمتع بكل بركات أبوته0 + ما أعظم نعمة البنوة التى وهبها لنا الله ، فليتنا نستخدمها فى الإقتراب إليه والتمتع بعِشرته ، وفى نفس الوقت نبتعد عن شرور العالم بحفظ وصاياه وقطع أسباب الخطية مهما كانت سائدة فى العالم أو محببة لنا0 (3) نِعم الله للمفديين ع 6 - 11 : ع 6 : حينما نصير أبناء الله بالتبنى فهذا يجعلنا نسبحه ونشكره ونمدح نعمته المجيدة ، تلك التى أنعم بها علينا إكراماً للمسيح0 ففى وقت العماد فى الأردن وفى وقت التجلى كان " المحبوب " هو اللقب الذى لقبه به الآب " هذا هو ابنى الحبيب الذى به سُررتُ " مت 17 : 5 0 فالآب قد أحب الإبن وباتحادنا بالإبن أصبحنا نحن أيضاً محبوبين من الآب فأجزل علينا نعمته0 ع 7 ، 8 : حِكمة : التصرف الحسن فى الوقت المناسب0 فِطنة : مهارة0 الله تمم لنا الفداء بدم المسيح وبهذا الفداء صار لنا غفران الخطايا0 هذا الفداء المجانى أظهر لنا وفرة محبة الله الصادرة عن كنوزه التى لا تُحصى ، وقد أعطتنا هذه النعمة أيضاً بسخاء الحكمة والفطنة0 ع 9 : قصدها فى نفسه : رغبته فى فداء البشرية ببذل نفسه عنها0 الحكمة والفطنة التى أنعم الله بهما علينا جعلت فى مقدرتنا أن نعرف قصد الله وهو فداء شعبه ، وهذا القصد أُخفِىَ فى الأزمنة السابقة ، ولكنه أُعلن الآن بفضل نعمته والحكمة والفطنة التى منحنا إياها0 وهذا القصد والتبرير كان بدون مشورة أحد0 ع 10 : ملء الأزمنة : الزمن الذى تجسد فيه المسيح0 رتب الله الأزمنة والأوقات لإجراء مقصوده وهو إتمام سر الفداء ليجمع المؤمنين أعضاء جسد المسيح ، فالمسيح هو رأس الجميع ، وهو رأس الكنيسة ، ولتتم المصالحة بدم الصليب بين الأرضيين والسمائيين0 ع 11 : الذى فيه : أى فى المسيح0 نصيباً : الله يعطينا نصيباً فى كنيسته من خلال الأسرار المقدسة وعمل الروح القدس فينا0 مُعيَّنين سابقاً : بتدبير محبة الله الأزلية لنا0 الذى يعمل كل شئ : الله العامل فى كل أولاده0 رأى مشيئته : وهى أبوته التى دبرت خلاصنا0 الله يحبنا منذ الأزل ودبر خلاصنا فى ملء الزمان بالفداء على الصليب ، وننال هذا الخلاص فى الكنيسة بنعمة الروح القدس من خلال الأسرار المقدسة وكل الأمور الروحية0 + ليتنا نشكر الله كل يوم على ما نناله فى حياتنا الروحية والجسدية حتى نشعر بقيمة عطاياه ونتمتع بها أكثر وأكثر0 (4) الروح القدس لكل المؤمنين ع 12 - 14 : ع 12 : هذه العطايا منحنا الله إياها لتكون واسطة لحمد وتسبيح عظمته0 " ونحن " هنا تعود على المؤمنين المسيحيين من أصل يهودى الذين كان لهم المواعيد فآمنوا بالمسيح الموعود به فى كتبهم ، فقد تعلموا من نبوات العهد القديم أن يتوقعوا مجئ المسيح0 ع 13 : الذى فيه : أى فى المسيح0 أيضاً أنتم : المؤمنون من الأمم0 كلمة الحق : الإنجيل بكل ما يتضمنه من تعاليم هو حق وليس فيه شئ من التقاليد اليهودية أو الفلسفة اليونانية وهو الحق الذى أتى بالخلاص0 ختمتم : بإيمانكم بالمسيح قد وسمكم الله بأنكم مخصصون له ونلتم سكنى الروح القدس فيكم بسر الميرون0 يخاطب بولس المسيحيين فى أفسس الذين من أصل أممى ويقول لهم أنهم عندما قبلوا البشارة بالإنجيل وآمنوا بها إستحقوا أن ينالوا حلول الروح القدس الدائم فيهم0 ع 14 : عربون ميراثنا : العربون هو جزء من الثمن يُدفع مقدماً ، ويشير إلى البركات الروحية التى ننالها فى الكنيسة فهى عينة مما سنناله من أمجاد وبركات فى السماء0 المُقتنى : المؤمنين بالمسيح الذين إقتناهم بدمه0 يوضح بولس أنَّ ما يناله المؤمنون فى الكنيسة من الروح القدس فى شكل أسرار الكنيسة ووسائط النعمة مثل الصلوات والتأملات فى الكتاب المقدس هو عربون ما سنناله بالأبدية ، ومن أجل هذه البركات التى يهبها لشعبه الذى إقتناه بدمه أى كنيسته ، نشكره ونمجده من أجل هذه العطايا0 + الروح القدس يعمل فى الكنيسة ومستعد أن يعطيك حسبما تريد ، وعلى قدر التصاقك بالكنيسة وخضوعك لعمل الروح القدس ستتمتع به ، بل تذوق لحظات من المشاعر الروحية أعلى من لحظات هذا الزمن إذ هى نور صغير من الأبدية تراه على الأرض0 (5) الإيمان يرشدنا إلى الله ع 15 - 19 : ع 15 ، 16 : القديسين : المؤمنين0 سمع بولس بإيمان كنيسة أفسس ومحبتها لكل المؤمنين ، لذا فهو دائماً يشكر الله لأجل ما أجزل لهم من عطايا روحية ، ويصلى طالباً لهم كل الخيرات0 ع 17 : إله ربنا يسوع : بالطبع ليس الآب إلهاً للإبن فالإثنان واحد فى الجوهر ولكن التعبير هنا معناه أنَّ المسيح فى تجسده وعندما حمل إنسانيتنا صار خاضعاً للآب ، ولا يقصد بولس الإنقاص من لاهوت السيد المسيح إذ هو نفسه قال : عظيم هو سر التقوى الله ظهر فى الجسد000كرز به بين الأمم ، أُومن به فى العالم رفع فى المجد " 1تى 3 : 16 0 روح الحِكمة : أى الروح القدس المميز لكل شئ0 الإعلان فى معرفته : أى كشف حقائق عن الله للإنسان المؤمن وبيان عمله فى خليقته0 يجمع بولس فى هذه الآية الأقانيم الثلاثة ، فالآب أرسل إبنه فى صورة الضعف ليفدى البشرية ثم يرفعها فيه إلى المجد السماوى ، وينبثق منه الروح القدس الذى يربط المؤمنين بالله0 ع 18 : مُستنيرة عيون أذهانكم : تؤمنون وترون ما لا تراه العيون البشرية0 رجاء دعوته : الرجاء فى ملكوت السموات الذى ينادى به الإنجيل0 غِنى مجد ميراثه : عظمة الأمجاد الأبدية0 القديسين : المؤمنين0 يطلب الرسول للمسيحيين فى أفسس أن يؤمنوا بالبشارة ، فيروا بعين الإيمان الرجاء فى الأبدية وأمجادها العظيمة التى يهبها الله لكل المؤمنين به0 ع 19 : يُظهر الرسول مدى قوة الروح القدس العامل فى المؤمنين ويُعبر عن قوته بالكلمات عظمة000الفائقة000شدة ، ليبين قوة الروح القدس فى مساندة الإنسان ليترك خطاياه ويرتبط بالله ويحبه وينمو فى معرفته0 + بدون الصلاة وطلب معونة الله لا يقدر العقل البشرى أن يفهم أمور الله ، فكما يقول الآباء ، الذى لا يحب الصلاة ليس فيه شئ صالح بالمرة0 فليتك تُسرع إلى الله فى كل إحتياجاتك ، بل تهتم أن تسبحه وتشكره فتزداد معرفتك له وأشواق محبتك إليه0 (6) الله يملأ كنيسته ع 20 - 23 : ع 20 : يمينه : ترمز للقوة والمجد الكامل الذى ناله المسيح بصعوده إلى السماوات كنائب عن الجنس البشرى ليفتح الطريق لنا0 يوضح الرسول أنَّ الله بقوة روحه القدوس أقام المسيح وأصعده ومجده فى السماوات ، ليس لتمجيد الإبن فى ذاته ، فهو ممجد منذ الأزل مع أبيه ، ولكن باعتباره إنساناً كاملاً ، فقيامته ترمز لقيامتنا من الخطية وتشجعنا مهما كنا بعيدين ، فروحه القدوس قادر أن يجذبنا ويقيمنا من ضعفاتنا ويهبنا أمجاداً فى السماء مع المسيح ربنا0 ع 21 : ليس فى هذا الدهر فقط بل فى المستقبل أيضاً : أى ليس فقط ما تعرفه من رؤساء وعظماء فى هذه الحياة بل ما يمكن أن نراه فى الأبدية ، فالمسيح فوق الكل0 بصعود المسيح وجلوسه عن يمين الآب إرتفع بإنسانيته فوق كل درجات الملائكة سواء كانوا " رئاسات " أو " سلاطين " أو " قوات " أو " سيادات " ، فكل الرتب الملائكية صارت تحت سلطان المسيح0 وليس فقط كل رتب الملائكة ، بل أيضاً فوق كل سلطان أو قوة فى عالم المخلوقات كلها فى الدنيا والآخرة0 ع 22 : أخضع كل شئ تحت قدميه : والذى تحقيقه الكامل سيتم فى إنتصار المسيح النهائى عند مجيئه الثانى 1كو 15 : 24 ، 25 0 بتمجيد المسيح بجلوسه فى العرش السماوى قد صار رأساً فوق كل شئ ، فهو على عرش رئاسة الكون وهو رأس الكنيسة ، فقد رفعها إلى أعلى مكان وأصبح من حقها الجلوس على العرش معه عندما تُكمل جهادها ، وبذلك أعطاها سلطاناً على كل القوات الأرضية ، فإن تآمروا عليها ذهبت مؤامراتهم باطلاً0 وكما جعل الملائكة تخدمها ، وأخضع الشياطين لها " أبواب الجحيم لن تقوى عليها " مت 16 : 18 0 ع 23 : ملء : الكنيسة ممتلئة بعمل الروح القدس فيها0 الذى يملأ الكل : الروح القدس يملأ كل احتياجات المؤمن0 فى الكل : كل المؤمنين0 الكنيسة هى جسد المسيح فتحيا بحياته وتتمجد بمجده ، ويملأها الروح القدس الذى يملأ كل الإحتياجات فى كل المؤمنين ، فهو يملأ الكنيسة كلها لأنه عندما يتناول المؤمنون جسد المسيح ودمه يتحد بالكل ويملأهم والروح القدس الذى بداخلهم يعمل فيهم ليملأهم كل حين بحسب تجاوبهم معه0 + الله يريد أن يملأك ويُشبعك بل ويرفعك عن كل شرور العالم0 فاعلم أنك لست من هذا العالم لتترك خطاياك وتنفصل عن كل مجالات الشر لتتمتع بعِشرة المسيح ، ناظراً إلى الملكوت الذى ينتظرك0
مصادر أخرى لهذا الإصحاح