كلمة منفعة
هناك فرح تافه بأمور العالم الزائلة، ومتعها..ومثلها فرح سليمان بكل تعبه الذي تعبه تحت الشمس (جا 3)، ومثلها فرح يونان باليقطينة بينما لم يفرح بخلاص نينوى. ومن هذا النوع فرح الابن الكبير بقوله لأبيه "وقط لم تعطني جِديًا لأفرح مع أصدقائي" (لو 15: 29)..
— فرح..  وفرح
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
غلاطيه - الاصحاح رقم 5 غلاطيه الإصحاح رقم 5 الأصحاح الخامس الحرية المسيحية في الأصحاح السابق حثنا القديس بولس على التمسك بالبنوة لله، الأمر الذي لم يكن ممكنًا للناموس أن يقدمه. الآن يوضح مفهوم حرية البنين، حتى لا يُساء فهمها أو استخدامها. 1. خطورة الحرفية على الحرية المسيحية 1-12. 2. حرية الحب والانحلال 13-15. 3. الحرية والسلوك بالروح 16-26. 1. خطورة الحرفية على الحرية المسيحية قرار الإنسان بخصوص الختان - كعملٍ ناموسيٍ ملزم للخلاص - له مفهومه المتسع. فقبوله أساسًا يعنى أن الإنسان يضع نفسه تحت سلطان الناموس كله بثوبه الحرفي. فإن كانت الحرية المسيحية هي إحدى ثمار الخلاص بالنعمة، يدركها المؤمن في ربنا يسوع المسيح ومن خلاله (4: 3-5)، فإننا بالنعمة نتمتع بالتحرر من نير الناموس الموسوي في ثوبه الحرفي؛ هذا لا يعني أن الحرية هي كسر للناموس أو تهاون في حفظ الوصايا. السيد المسيح ليس برجل شرطة، بل هو حمل اللَّه الذي يحمل خطايا العالم (يو 1: 29)؛ بالنعمة يصير الإنسان خاضعًا لناموس المسيح ومتممًا له بفرح (2:6)، بكونه ابنًا يسكنه الروح، ويتقوى به (4: 1-7)، يحمل رغبة داخلية وقوة ليظل حيًا، يمارس ناموس اللَّه الأخلاقي. في ظل عهد النعمة الجديد يعمل الروح القدس في طبيعة المؤمن الجديدة، فيجعله مريدًا أن يطيع إرادة اللَّه، ويذعن لناموسه السلوكي (عب 10: 16). يدرك المؤمن أيضًا أنه سيدان على أعماله كإعداد للتمتّع بالسماء وعليه أن يضع باستمرار في ذهنه أن حريته الحقيقية قد جاءت به إلى الخضوع الكامل للسيد المسيح، وأنه عبد له يلتزم بطاعته على الدوام (رو 12: 1). قد يبدو في هذا تناقض، لكن المسيحي يكتشف أنه يتمتع بأعظم حرية حين يستعبد نفسه بالتمام لربنا يسوع المسيح. "فاثبتوا إذًا في الحرية التي حررنا المسيح بها، ولا ترتبكوا أيضًا بنير عبودية"[1]. + انظروا، كم من الطرق يقودهم بها بعيدًا عن خطأ التهود! أولاً: يُظهر أنه غاية الحماقة أن يبتغى أولئك الذين صاروا أحرارًا بعد العبودية العودة إلى العبودية عِوض الحرية. ثانيًا: أنهم سيدانون على تجاهلهم مصدر النعم التي نالوها وجحودهم إياه، باحتقارهم من يخلصهم وحبهم لمن يستعبدهم. ثالثًا: بقوله "اثبتوا" يُشير إلى تذبذبهم... القديس يوحنا الذهبي الفم + "إنه إن اختتنتم لا ينفعكم المسيح شيئًا" [2]. "ها أنا بولس أقول لكم" [2]؛ تعبير يقدمه من هو واثق فيما يؤكده... من يُختتن إنما يختتن لأجل خوفه من الناموس، ومن يخاف الناموس لا يثق في قوة النعمة، ومن لا يثق لا يمكنه أن يتلقى نفعًا مما لا يثق فيه... إن قال أحد إن في هذا تناقض، مثل هذا لا يؤمن بالمسيح ولا بالناموس أيضًا بل يقف (مذبذبًا) بينهما، راغبًا في الانتفاع بكليهما، بالواحد والآخر، لكنه لا يحصد شيئًًا.... القديس يوحنا الذهبي الفم + أجزاء الناموس مرتبطة بعضها ببعض... فبالنسبة (للرسول) إذا ما وضعت على عاتقك جزءًا صغيرًا منه تخضع للنير كله، وتجلب على نفسك سلطانه الكامل عليك... فمثلاً: الختان مرتبط بالذبيحة وحفظ الأيام، والذبيحة أيضًا مرتبطة بحفظ الأيام والمكان وتتضمن تفاصيل خاصة بتطهيرات لا تنتهي تضم حشدًا كاملاً من طقوس متنوعة... فإن اختتنت، لكن ليس في اليوم الثامن؛ أو كان في اليوم الثامن لكن دون تقديم ذبيحة؛ أو قُدمت الذبيحة لكن ليس في الموضع المحدد لها؛ أو كانت في الموضع المعين لها ولكن ليس حسب الطقوس؛ أو كانت حسب الطقوس لكنك لم تكن طاهرًا؛ أو كنت طاهرًا لكنك لم تتطهر حسب الأحكام السليمة، يُحسب كل شيء لغوًا، لذلك يقول: "إنه ملتزم أن يعمل بكل الناموس" [3]. + إن كان الناموس ضروريًا، يكون هكذا ككلٍ، وليس في جزء منه؛ ليس في وصية واحدة؛ وإن كان ضروريًا ككل ينزع برّ الإيمان شيئًا فشيئًا. إن كنت تحفظ السبت، فلماذا لا تُختتن أيضًا؟ وإن اختتنت فلماذا لا تُقدم ذبائح؟ إن كان يجب حفظ الناموس فليحفظ ككل أو لا يُحفظ ككل. + في النهاية يُعلن خطورة عقابهم الصارم [4]. عندما يعود إنسان إلى الناموس العاجز عن أن يخلصه، يسقط من النعمة، ماذا يتبقى له سوى الجزاء بلا رحمة، فإن الناموس بلا قوة كي يسنده والنعمة ترفضه؟ القديس يوحنا الذهبي الفم هل بالإيمان نكسر الناموس؟ لسنا نكسر الناموس، ولا حتى في طقوسه. فالذبائح على سبيل المثال فد تحققت في ذبيحة المسيح الذاتية الفريدة، المقدمة لحساب كل المؤمنين. والختان تحقق روحيًا بطريقة كاملة في المعمودية. والسبت يحفظ روحيًا كل أيامنا كَسَبْتٍ (راحة) في المسيح. + نحن نفهم أننا لا نزال ملتزمين بحفظ السبت من كل "عمل عبودي"، نحفظه على الدوام وليس فقط في اليوم السابع، خلال كل الزمن. العلامة ترتليان + "فإننا بالروح من الإيمان نتوقع رجاء بره" [5]. يقول إننا لسنا في حاجة إلى حفظ أي طقس ناموسي (حرفي)؛ الإيمان فيه الكفاية لنوال الروح، وبالروح ننال البرّ مع منافع كثيرة وعظيمة. القديس يوحنا ذهبي الفم واضح أن حديث القديس يوحنا الذهبي الفم هنا يخص عدم قبول طقوس الناموس الحرفية كالختان وحفظ السبت والذبائح الحيوانية والتطهيرات كطريق الخلاص، إنما الحاجة إلى الإيمان "العامل بالمحبة" الذي فيه الكفاية مرتبطًا بالتوبة والعماد والمحبة، كما هو واضح من تكملة أحاديثه التي يوردها فيما بعد. ما هو معنى: "السقوط من النعمة" [4]؟ 1. تعني إقصاء إنجيل النعمة الحق، عندما يتكل المؤمن على برِّه الذاتي أو يحفظ الناموس الموسوي في ثوبه الحرفي كمصدر الخلاص والبرّ. 2. عندما يستهين المؤمن بالنعمة، بأن يزرع للجسد شهواته الجسدية، فيحصد فسادًا أخلاقيًا عِوض ثمار الروح القدس، لذا يليق بنا تكريم النعمة الإلهية. الإيمان العامل بالمحبة الإيمان بالمسيح المحرر العامل بالمحبة [6]. ربما كان في ذهن القديس بولس هنا (المحبة) المتبادلة بين اللَّه والإنسان. حب اللَّه يحرك الإنسان فيستجيب له، مطيعًا الوصية كتعبيرٍ عن الحب. + لاحظ جرأته العظيمة في مواجهتهم، إذ يقول إن الذي لبس المسيح يلتزم ألا يهتم بهذه الأمور (حفظ الطقس الناموس الحرفي) [6]... ما هو معنى "العامل بالمحبة"؟ إنه يصفعهم هنا بقوة، مظهرًا لهم أن هذا الخطأ قد زحف إليهم لأن محبة المسيح لم تتأصل في داخلهم. الإيمان ليس هو كل ما يُطلب، إنما يجب أن يثبتوا في المحبة. كأنه يقول: أتحبون المسيح كما ينبغي؟ لا ترتدوا إلى العبودية، وتتخلوا عن ذاك الذي خلصكم؛ لا تزدروا بمن منحكم الحرية. لقد أراد بهذه الكلمات أيضًا أن يصحح مسار حياتهم. القديس يوحنا الذهبي الفم + هذا الإيمان يميزنا عن إيمان الشياطين ( يع2: 19)، وعن سلوك الدنسين الفاسدين... انزع الإيمان يتبدد كل ما تعتقد به! انزع الحب، تتبدد كل أعمالك! فإن عمل الإيمان أن تعتقد والمحبة أن تعمل! + ليس الذين يسمعون الناموس هم أبرار عند اللَّه، بل الذين يعملون بالناموس هم يتبررون (رو 2: 13)، "الإيمان العامل بالمحبة"، "سلام عظيم لمحبي ناموسكم، ولا شيء يسيء إليهم!" + لست أحثكم على الإيمان بل على الحب. فإنكم لا تقدرون أن تقتنوا الحب بدون الإيمان؛ أقصد حب اللَّه والقريب؛ إذ كيف يوجد دون الإيمان؟ كيف يمكن لإنسان أن يحب اللَّه ما لم يؤمن به؟ كيف يمكن للجاهل أن يحب اللَّه، الذي يقول في قلبه ليس إله (مز 53: 1). يمكنك أن تؤمن بأن المسيح جاء دون أن تحبه، لكن لا يمكنك أن تحبه وأنت تقول بأنه لم يأتِ!. القديس أغسطينوس الطاعة في الحب وُصفت الطاعة [7-12] في الحب كطاعة "للحق" الإنجيلي، إذ خشي الرسول لئلا يكون قارئوه نافرين منها. + الذي دعاكم [8]، لم يدعكم إلى مثل هذه التقلبات، لم يضع ناموسًا أن تتهودوا. + "خميرة صغيرة تخمر العجين كله" [7]. بهذا يقول إن الخطأ الطفيف - إن لم يصحح - يكون (كالخميرة الصغيرة التي تخمر العجين) قادرًا على قيادتكم إلى تهود كامل. + في كل موضع يربط شكواه ضدهم بمديحه لهم, هنا [10] يبدو كمن يقول: إنني أعرف تلاميذي، وأدرك استعدادكم للاستقامة. لي رجاء عظيم (فيكم)، جزئيا لأن الرب لا يسمح بهلاك شيء مهما كان تافهًا، ولأنكم ترجعون هكذا إلى إصلاح أنفسكم سريعًا. في نفس الوقت ينصحهم ان يجاهدوا من جانبهم، إذ لا يمكننا التمتع بالمعونة من قبل الله ما لم نجاهد من جانبنا... يحثهم(الرسول) ليس فقط بكلمات التشجيع وإنما بنطقه باللعنة مع التنبؤ ضد معلميهم (الكذبة). لاحظ أنه لم يشر قط إلى أسماء هؤلاء المتآمرين حتى لا يزداد المتآمرون جسارة (وعنفًا).] القديس يوحنا الذهبي الفم + "وأما أنا أيها الإخوة، فإن كنت بعد أكرز بالختان، فلماذا أُضطهد بعد ؟" [11] إن كنت بعد أبشر بالختان، فلماذا أُضطهد؟ إن هذا هو الاتهام الوحيد الذي يوجهه ضدي الذين هم من أصل يهودي. لو أنني سمحت لهم بحفظ عادات آبائهم مع قبولهم الإيمان لما نَصبَ لي المؤمنون منهم وأيضًا غير المؤمنين فخاخًا، متطلعين إليّ أنني لم أعق استخدام ممارساتهم. ماذا إذًا، ألم يكرز (الرسول) بالختان؟ ألم يختن تيموثاوس؟ حقًا، لقد ختنه. فلماذا يقول: "لم أكرز به"؟ لاحظ دِقّته، إذ لم يقل: "إنني لم أقم بالختان" إنما قال: "لم أكرز به"، بمعنى إني لم آمر الناس أن يؤمنوا به. إذًا لا تحسبوا هذا تأكيدًا لتعليمكم، فإني وإن كنت قد اختتنت لكنني لا أكرز به... عندما جاءوا باسطفانوس أمام المجمع، لم يقولوا: "هذا الرجل يعبد المصلوب"، إنما قالوا إنه "يتكلم كلامًا تجديفًا ضد هذا الموضع المقدس والناموس" (أع 6: 13). هذا هو الاتهام الذي وجهوه أيضًا ضد يسوع: إنه كسر الناموس. لذلك يقول بولس: لو سلمنا بالختان يهدأ النزاع القائم بينكم ولا توجد عداوة للصليب وتستمر كرازتنا... إنه يدعو (عدم الكرازة بالختان) عثرة الصليب، لأنها ارتبطت بالتعليم به؛ هذا ما أعثر اليهود أساسًا وعامتهم عن قبول الصليب، أعنى الوصية بهجر ممارسات آبائهم. + لاحظ هنا كيف يتحدث بمرارة ضد مخادعيهم [12]. في البداية وجه الاتهام ضد المخدوعين ودعاهم "أغبياء" مرة ومرات. الآن إذ صحح مسارهم وأرشدهم بما فيه الكفاية تحول إلى المخادعين لهم... حسنًا يقول: "الذين يقلقونكم"، إذ يلزمونهم على ترك وطنهم وحريتهم وعشيرتهم السماوية، ليتغربوا في أرض أجنبية؛ طردوهم من أورشليم العليا والحرة وألزموهم أن يجولوا كأسرى ومهاجرين. القديس يوحنا الذهبي الفم 2. حرية الحب والانحلال تكمن الخطورة في أن يقود التحرر من الطقوس الناموسية المؤمنين إلى المبالغة، هذه التي لا يمكننا الاحتماء منها إلا بممارسة أعمال الحب المسيحي. إنجيل النعمة يحمينا ضد التسيب [13-15]، إذ يجب ألا نخلط بين الحرية والانحلال. فالتحرر من الشرائع التي هي تحت الناموس لا تعني التخلي عن الالتزام. ولكن عِوضًا عن ذلك، يدعونا إلى تحمل مسئوليات أعظم للحياة تحت النعمة، فالإنجيل يطالبنا بما هو أكثر وليس ما هو أقل مما يطلبه الناموس، فإنه وإن طالبنا فقط بالحب، لكنه لم يحدد مضمون هذا الطلب الواحد وحدوده مقدمًا. + "فإنكم إنما دعيتم للحرية أيها الإخوة، غير أنه لا تُصيّروا الحرية فرصة للجسد" [12]... انكسرت قيود الناموس، أقول هذا لا ليهبط مستوانا بل ليرتفع... هكذا يقول بولس إن المسيح يرفع عنك النير، لا لتثب وترفس، بل لكي بغير النِير تتقدم سريعًا إلى الأمام، مُظهرًا الكيفية التي بها يتحقق هذا بسهولة؛ ما هي هذه الكيفية؟ يقول: "بل بالمحبة اخدموا بعضكم بعضًا" [13]... القديس يوحنا الذهبي الفم 3. الحرية والسلوك بالروح إننا نسيء إلى حريتنا بالآتي: 1. الافتقار إلى الحب (5: 13-15): إذ تُمارس الحرية بلا حب يحدث دمار مزدوج، شجار وعنف "كل الناموس في كلمة واحدة يَكمل: تحب قريبك كنفسك" [14]. 2. تجاهل السلوك بالروح [16]: كما أن الحب هو المحتوى اللائق بالحرية، هكذا الروح هو البيئة المناسبة لها؛ يهب الحرية قوة وإرشادًا. نظن أن الحرية إنما تقودنا لنحيا كما يحلو لنا ونفعل ما يعجبنا، لكن النعمة تقودنا لنحيا بفرحٍ حسبما يُسر اللَّه، ونحب ما يحبه هو. يؤكد الرسول أن غاية الناموس الموسوي أن يجتذب الإنسان إلى السيد المسيح لأجل الخلاص وحياة القداسة العملية. كما يقدم الالتزام البشري بقدسيةٍ عملية، قائلاً: "اسلكوا بالروح " [16]. لنا الخيار أن نسلك بقوة الروح أو نكمل "أعمال الجسد" (5: 9-21). المنافسة في حياة الإنسان قائمة بين شهوات الروح وشهوات الجسد (رو8: 4). + من يحب قريبه كما يجب يميل أن يصير خادمًا له بأكثر تواضع من أي خادم... عندما يُرفع نير الناموس عنهم يُوضع نير آخر حتى لا يثبون هنا وهناك؛ نير الحب الأقوى من النير الأول، ومع هذا فهو أخف وأعذب. ولكي يوضح الرسول كيف نطيعه أضاف: لأن كل الناموس في كلمة واحدة يكمل: "تحب قريبك كنفسك" [14]... يقول: "إن أردت أن تتممه لا تختتن، إذ لا يكمل الناموس بالختان بل بالحب". القديس يوحنا الذهبي الفم 3. بالحياة الدنسة [16-26]: منحنا السيد المسيح الروح القدس ليحررنا من الأعمال الشريرة، خاصة الشهوات الجسدية (19-21). دعْ الروح القدس يقود حياتك خلال الحرية، هذا الذي ثمره يقف ضد أعمال الجسد. هذا الثمر (في صيغة المفرد) هو الحصاد الكامل لبرّ المسيح، يتجلى في حياتنا وعلاقتنا مع: - اللَّه: محبة، فرح، سلام. - الآخرين: طول أناة، لطف، صلاح. - أنفسنا: إيمان، وداعة، تعفف. إن عشنا في المسيح (يو 15) نصير أحرارًا، نحمل ثمرًا من اللَّه. هل نُظهر هذا الثمر في حياتنا؟ + "فإن كنتم تنهشون وتأكلون بعضكم بعضًا، فانظروا لئلا تفنوا بعضكم بعضًا" [15]... هذه هي لغة التفهّم والتحذير لا الإدانة... أن تنهشوا تعني إشباعًا لشهوة الغضب، والأكل علامة الوحشية الضارية في أقصى درجاتها... الخصام والانشقاق يدمران ويهلكان حتى من يستخدمهما، ويأكلان كل شيء أكثر من العث... إذ يتحدث عن علة المرض هكذا يورد العلاج الذي يرد الصحة. يقول: "اسلكوا بالروح، فلا تكملوا شهوة الجسد" [16]. يتهم البعض الرسول بأنه قسّم الإنسان إلى جزئين... لكن الأمر ليس هكذا، فإنه بالتأكيد لم يقصد بكلمة "الجسد" الجسم فلو كان يعني هذا فما معنى إضافةه تعبير: "شهوة الجسد ضد شهوة الروح"؟... لقد اعتاد أن يدعو الإرادة الفاسدة لا الطبيعة "جسدًا"، مثل قوله: "لكنكم لستم في الجسد بل في الروح" (رو 8: 8-9)، وأيضًا: "الذين هم في الجسد لا يستطيعون أن يرضوا اللَّه"... ماذا إذًا يعني بالجسد؟ الفكر الأرضي، الكسل واللامبالاة، هذا ما يعنيه هنا بالجسد، وهو ليس اتهامًا للجسم إنما هو اتهام ضد النفس الخاملة. الجسد أداة؛ لا يبغض أحد الأداة أو يكرهها، لكن يبغض من يسيء استخدامها في استخدامه تعبير "الجسد يشتهي ضد الروح" يعني حالتين للعقل؛ يضاد إحداهما الأخرى، أعني تضاد بين الفضيلة والرذيلة، وليس تضاد بين النفس والجسم... إنه يُشير إلى الصراع بين المبادئ الشريرة والمبادئ الصالحة؛ إلى الإرادة أو عدم الإرادة التي تخص النفس، لذلك يقول: "وهذان يقاوم أحدهما الآخر" حتى لا تُترك النفس مستمرة في شهواتها الشريرة... من يبلغ مكانًا رفيعًا ساميًا بدافع داخلي لا يحتاج إلى معلم، ومن كان فيلسوفًا لا يحتاج إلى عالم نحو؛ لماذا إذًا تنزلون بأنفسكم هكذا الآن لتنصتوا إلى الناموس بعدما سلمتم أنفسكم للروح؟ أجبني الآن، يا من تتهم جسدك وتحسبه عدوًا وخصمًا. لنقبل ما تؤكدونه بأن الزنا والعهارة يصدران عن الجسد، ولكن الكراهية والشقاق والصراع والنزاع والبدع والسحر هذه إنما تنبع عن مجرد اختيار سلوكي فاسد. وهكذا بالنسبة للأخطاء الأخرى أيضًا، كيف يمكن أن ننسبها للجسد؟ ها أنتم تلاحظون أنه لا تتحدث (هذه الرذائل) عن الجسم بل عن أفكار أرضية، تزحف على الأرض... "وأما ثمر الروح فهو محبة فرح سلام..." [22] لاحظ أن حديثه لا يرتبط بكيان الجسم بل بالاختيار الأخلاقي الذي قد يكون فاسدًا أو غير فاسد. النفس التي تبلغ إلى السمو بواسطة الروح لا تحتاج إلى تذكير الناموس لها. هنا أيضًا يرفض الناموس تمامًا وبشدة، لا لأنه شرير، وإنما لأنه أقل من الفلسفة (الحكمة) التي أُعطيت بواسطة الروح... إنه لا يعني أنهم دمروا أجسامهم، وإلا كيف هم عائشون؟ "إن كنا نعيش بالروح فلنسلك أيضًا بحسب الروح..." "لنسلك"، أي لنكتفِ بقوة الروح ولا نطلب عون الناموس. القديس يوحنا الذهبي الفم + يضع (الرسول) أمامنا هذا الصراع. ننشغل في هذا المعركة إن كنا في شهوات الجسد ضد الروح والروح ضد الجسد. + عندما تنتهي هذه الحرب تتحول كل الشهوات إلى حب، ولا يبقى في الجسد شيء ما يضاد الروح، لا يبقى ما يُروض أو يُكبح جماحه أو يُخضع إنما يسير كل شيء بتناغم مع البرّ وتتم إرادة اللَّه في السماء والأرض. القديس أغسطينوس كلمة جسد + تُستخدم كلمة "جسد" في الكتاب المقدس بمعانٍ مختلفة: أحيانًا تعني الإنسان بكلّيته (يو 1: 14)... أحيانًا تُستخدم لتمثل الإنسان الخاطئ الجسداني (تك6 : 3)... أحيانًا تُستخدم لتعبر عن الخطايا نفسها (رو8: 9)... وأحيانًا تمثل القرابة والصلة (1 كو 15: 50)... هنا تستخدم الكلمة ببساطة لتعني الإنسان الخاطئ. الأب دانيال + الجسد الذي امتزج بالخطية يجد راحته في أعمال الجسد، أما روح اللَّه فيجد راحته في ثمره. مار اسحق السرياني + في الأشرار تملك الخطية على نفوسهم حيث تستقر كما على عرشها الخاص بها في هذا الجسد المائت حيث تطيع النفس (وتستجيب) للشهوات (رو 6: 12).... العلامة أوريجينوس الجسد وأعمال الجسد + طالما نحن مثقلون بهذا الجسد الضعيف، مادام لنا هذا الكنز في أوانٍ خزفية (2 كو 4: 7)، مادام الجسد يشتهى ضد الروح والروح ضد الجسد، لا تتحقق لنا نصرة أكيدة. القديس جيروم + فأقول هذا أيها الإخوة إن لحمًا ودمًا لا يقدران أن يرثا ملكوت اللَّه (1 كو 15: 50)... بكلمة "جسد" نؤمر أن نتجنبه؛ لا تجنب المادة بل أعمال الجسد، لذلك فإنه باستخدام نفس الكلمة يتبرأ ملكوت اللَّه من أعمال الجسد لا من كيانه؛ فإنه لا يُدان الجسد الذي حدث فيه الشر... وضع السُم هو جريمة، لكن الكأس الذي اُستخدم لا ذنب له. فالجسد هو إناء لأعمال الجسد بينما النفس هي التي تمزج السم كعمل شرير. العلامة ترتليان لا نستطيع تجاهل دور الجسم مع النفس بكونهما يعملان معًا في غير ثنائية، في تصرفات الإنسان الشريرة أو الصالحة. جدير بالذكر أن نلاحظ الفرق بين الجسم والجسد؛ لأن الجسم هو خلقة صالحة وعطية من قبل اللَّه. إنه ليس إناء أو موضعًا مجردًا للنفس، لأن الكائن البشري وحدة واحدة بلا ثنائية: جسد ونفس. أفكار الإنسان وأقواله وأعماله أو حتى مشاعره تخصه ككائنٍ بشريٍ. الجسد والنفس يعملان معا ويتحملان ذات المسئولية وينالان مكافأة مشتركة. آباء الإسكندرية - ربما فيما عدا أوريجينوس- كانت لهم نظرة قدسية للجسم. + نظام الجسد المتناغم يساعد على الفهم الذي يقود إلى صلاح الطبيعة... من يكرس نفسه للحياة الصالحة وهو في الجسد، يدخل إلى حالة خلود. القديس إكليمنضس السكندري + (الروح القدس) يحث (المؤمن) على الدوام أن يجاهد جسدًا وروحًا، لكي ما يتقدسا على ذات المستوى، ويستحقا ان يرثا الحياة الأبدية بالتساوي. + إنه يشعل (في النفس)غيرة لإدراك تطهير كامل للنفس مع الجسد ليصير الاثنان واحدًا في النقاوة. هذا هو هدف تعليم الروح القدس وإرشاده أن يطهرهما تمامًا ويردهما إلى حالتهما الأصلية قبل السقوط، بتدمير كل ما فيهما من نجاسات حلت بهما بسبب حسد الشيطان، حتى لا يوجد فيهما شيء مما للعدو. + بهذه الطريقة يعتاد الجسد كله على كل صلاح، خاضعًا لقوة الروح القدس، فيتغير تدريجيًا، حتى أنه في النهاية يشترك -إلى حد ما- في سمات الجسد الروحي الذي نتقبله في قيامة الأبرار. القديس أنبا أنطونيوس الكبير ثمر الروح + من ليس له المسيح ليس له ثمر... لا تتعجب مما يحدث بعد ذلك، عندما تقود المحبة الطريق. القديس أغسطينوس + ليس إرادة اللَّه ألا نستفيد من النعمة التي حصلنا عليها؛ إنه يطالبنا أن نتألم (نجاهد) فيهبنا ثماره كما يقول الطوباوي بولس [22]. القديس أثناسيوس السكندري من تفسير وتأملات الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين الإصحاح الخامس أنهى الرسول الإصحاح الرابع بأننا أحرار ولئلا يسئ أحد فهم الحرية بدأ هنا فى هذا الإصحاح يحدثنا عن الحرية التى حررنا بها المسيح (يو36:8) فالحرية التى لنا ليست كما يتحدث عنها العالم أى هى ليست حرية إباحية يطلق فيها الإنسان العنان لشهواته. بل نحن نتكلم عن إنسان مؤمن مات مع المسيح عن العالم، صار مصلوبًا عن العالم والعالم مصلوبًا له. لا يستعبده شئ فى هذا العالم (غل 14:6). ونحن بحريتنا نتشابه مع مخلصنا فى بذل حياتنا عن العالم. الحرية الحقيقية هى فى قيادة الروح القدس لحياتنا فيجذبنا لنتحرر من الأرضيات ونحيا فى السماويات. إذا تحدثنا عن الحرية التى قصدها بولس الرسول فهى حرية من الالتزام الحرفى بطقس الناموس ولكنها ليست خروجًا عن ناموس المسيح ولا عن ناموس موسى الأخلاقى كالوصايا العشر مثلاً. الحرية أساء الناس فهم الحرية دائمًا. فحاول أن تقول لإنسان خاطئ: كف عن خطيتك (مثال حاول أن تنصح مدخن أن يكف عن التدخين) فستجد الإجابة المكررة من الجميع: أنا حر. وهكذا أجاب اليهود على المسيح حينما حدثهم عن الحرية وقالوا لم نستعبد لأحد قط (يو32:8ـ36) ولاحظ أنه فى هذا الوقت كان اليهود مستعبدين للرومان. وهكذا كل خاطئ يتصور أنه يمارس خطيته بحرية ولا يدرى أنه مستعبد لها. والله أعطانا الوصايا ليحمينا من أن نُستعبد لغيره، فنُذل. حين يطلب الله أن نعبده ولا نعبد سواه فى الوصية الأولى من الوصايا العشر، كان هذا ليس لأن الله فى حاجة لعبوديتى أو لعبادتى، ولكن الله كأب يخاف على أن أعبد غيره فيذلنى هذا الآخر. سواء صنم أو شيطان أو لذة... والفلاسفة الملحدين فهموا أن الوصايا هى تحكم من الله واستعباد الله لنا. فقال بعضهم: * الله فى برج عاجى لا يشعر بحاجات الإنسان. * الله خلق الإنسان ليستعبده ويذله وأن حرية الإنسان لا تأتى إلا بالإنفلات من الله والتخلص منه، لذلك ناضلوا ضد فكرة وجود الله. ولاحظ أن الإلحاد غير الوثنية. فالوثنية هى عبادة أصنام أما الإلحاد فهو رفض فكرة وجود إله أصلاً. هؤلاء اعتبروا أن الله يقيد حريتهم فرفضوه. وقالوا الإنسان موجود بقدر ما هو حر. * قالوا أبانا الذى فى السموات إبق هناك (أى لا نريدك إلهاً لنا). * قالوا لنترك السماء للملائكة والعصافير (فهم يريدون الأرض). * نيتشة أعلن موت الله وأعلن الكنائس قبوراً له (ليصير هو إلهًا). * قالوا إنهم برفضهم لله يحققون ملء إنسانيتهم. ونرد عليهم 1 ـ الله خلقنا على صورته أحرارًا، فالله يريد أن نختاره بحريتنا ونحبه بحريتنا ولا نحبه كعبيد. لذلك قال: " لا أعود أسميكم عبيد بل أحباء" وإذا كان الله أعطانا الحرية فلماذا يأخذها ثانية. 2 ـ الله الذى يسمى نفسه أب وأخ وصديق وعريس... هل يريد أن يذلنا. 3 ـ كيف يستعبد الله الإنسان ويذله. وهو الذى أذل نفسه بتجسده وصلبه بل ترك العبيد يلطمونه. هو غسل أرجل تلاميذه ومازال واقف على الباب يقرع ينتظر من يفتح له، باحثاً عن الدرهم المفقود. 4 ـ بالحرية التى أعطاها الله الإنسان: أ) رفضه الفلاسفة ب) أهانه الملحدين ج) صلبه اليهود د) خالفنا وصاياه جميعاً. 5 ـ يقال إن الأكثر حبًا أكثر ضعفًا. والله محبة فهو إذًا أكثر حبًا. الإله الذى يتهمونه بأنه يستعبد البشر يقول: " حَولِى عنى عينيك فإنهما قد غلبتانى" ولذلك نجد الله يقف كمهزوم أمام يعقوب. 6 ـ رفضهم للوصايا هو رفض مريض لروشتة طبيبه. 7 ـ هم ظنوا الصلوات والأصوام عبودية. ولكن من جربها شعر بلذة الله وبقوة لا نهائية تسانده. 8ـ هم يريدون تحقيق ملء إنسانيتهم، والله يريد أن يؤلهنا " ألم أقل إنكم آلهة" فالله يريد أن يخرجنا من ذاتيتنا وقفصنا البشرى لنتحد به ونلتصق بألوهيته ونصير شركاء الطبيعة الإلهية. 9 ـ أقصى ما يحلم به هؤلاء هو أن يعيشوا فى لذاتهم الحسية بحرية كالحيوانات وتنتهى حياتهم بالموت مثلهم بلا حياة بعد الموت. أما الله فيخطط لنا لحياة أبدية ومجد أبدى وفرح أبدى. 10 ـ باختصار هم يهاجمون ويرفضون إلهًا ليس هو إلهنا الذى نعرفه. لماذا الوصايا ؟ الله خلق آدم حرًا. وأعطاه وصية حتى لا يفقد حريته. ولما أخطأ وسقط خسر كثيرًا ومات. ولكن الله أعطاه بعض الوصايا حتى يعيش بقدر الإمكان فى سعادة ،الفترة التى سيعيشها على الأرض. إذًا هذه الوصايا ليست لصالح الله، فالله لن يزداد قداسة لو نفذنا الوصايا ولن يقل لو لم ننفذها. إنما هى لصالح الإنسان. آدم فى الجنة كان كمريض بالإيدز (نقص المناعة) الموجود فى غرفة معقمة. وطالما هو فى الغرفة المعقمة ممكن أن يعيش ولا يموت. وقول الله له لا تخطئ، كقولنا لمريض الإيدز، لا تخرج من الغرفة المعقمة لئلا تموت. وحينما أخطأ آدم خرج من الجنة وهذه تساوى خروج مريض الإيدز من الحضّانة. حينئذ يأتى الطبيب ويقول لمريض الإيدز طالما خرجت، فخذ هذه الوصايا لتحيا أطول فرصة ممكنة فى صحة: " لا تمتد يدك إلى شئ ملوث، إغسل المأكولات أولاً..."، وهكذا فعل الله إذ أعطانا الوصايا، ففائدة الوصايا هى أن نحيا سعداء وبلا عبودية وبلا مذلة. هى لصالحنا وليست لمصلحة الله. لذلك فالله فى حزقيال20 حين أراد أن يظهر محبته لشعبه، قال لهم " أنا قد أعطيتكم الوصايا تحيون بها" (حز11:20). فالخطية تستعبد الإنسان. وحينما تذوق آدم من الشجرة وتلذذ بها انفصل عن الله. وهذا ما نبه له الله ألا يتذوق من الشجرة، ولم يستمع وبنفس المنطق يعطى الله الوصايا ليقول لنا: " آدم خالف الوصية فخرج من الجنة وعاش فى آلام الأرض، وأنتم لا تخالفون وصاياى فتتألموا" والله هو الذى خلقنا ويعرف أننا جسد + نفس + روح. أما هؤلاء الفلاسفة فلا يروا سوى الجسد، فأرادوا أن يعطوا هذا الجسد كل ملذاته وشهواته ظنًا منهم أن هذا هو طريق السعادة للإنسان وملء إنسانيته. لكن الله الذى يعرف كخالق لنا أن هناك روح لا تشبع وترتاح سوى بطريق آخر غير اللذات الحسية، أعطانا الوصايا التى من يتبعها تشبع روحه فيجد راحة وسلام وفرح. ونلاحظ أن البلاد الإسكندنافية بها أعلى نسبة من الانتحار والأمراض النفسية مع إنها بلاد بلا مشاكل مادية، والسبب أنهم أشبعوا الجسد فقط بالملذات ولم يشبعوا الروح، التى لا تشبع ولا ترتاح إلا بالقرب من الله وهذا لا يأتى إلاّ بتنفيذ الوصايا، التى أعطاها الله للإنسان كطريق للفرح. وقارن مع السواح الذين لا يأكلون ولا يشربون ولا يتلذذون بملذات العالم لكنهم فى منتهى الفرح. لأن الروح حين تشبع ، تشبع النفس ويشبع الجسد. والعكس غير صحيح. العبودية لله تحرر يعقوب ويهوذا أخو الرب حينما كتبا رسالتيهما فى الكتاب المقدس لم يفتخرا بكونهما إخوة للرب يسوع، بل بكونهما عبيدًا له . فالقرابة الجسدية لا تفيد. لكنهما اكتشفا أن العبودية لله فيها كل البركة والحرية. لسبب بسيط أن الله خلقنا على صورته أحرارًا، فالله لا يريد عبيدًا. بل خلقنا أحرارًا وبحريتنا إما نقبل الله إلهًا نعبده أو نرفضه. والله يحترم حريتنا هذه، فمن رفضه لا يرغمه الله على شئ. والدليل بلايين البشر الذين رفضوا الله ووصاياه والله لم يتخل عنهم بل كان يطعمهم ويعولهم ويشرق بشمسه عليهم. أما العبودية لآخر (شيطان، شهوة، خطية، لذة) فهى تستعبد الإنسان، ولا يستطيع بسهولة الفكاك من هذه العبودية. والإنسان قبل المسيح استُعبد للشيطان وللخطية. وجاء المسيح ليحررنا (يو32:8ـ36) ويطلب منا أن لا نعود للخطية فنُستعبد. فطالما نحن عبيدًا لله، فنحن أبناء لله، نعيش فى بيت الله. فى بيت أبينا. نعيش فى فرح وفى ملء البركة. أما من يرفض كالابن الضال فهو يخرج من بيت أبيه إلى المجاعة فى الخارج وإلى العبودية. وللآن فهناك من يفهم الحرية خطأ، وأن الحرية هى فى ممارسة الخطية، فيستعبد لها ويُحرم من بركات الله له. أما الابن الذى يحيا يعبد الله طائعًا وصاياه فيبقى فى بيت أبيه مستمتعًا بالأحضان الإلهية الأبوية، لا يعود يخاف من شئ فهو فى يد أبيه الإله القوى، لا يخاف إنسان ولا يخاف من الغد ولا يخاف على رزقه ، هو سيتحرر من همومه ويعيش فى حرية. من يستعبد نفسه لله، لن يعود يهتم بالناس بل بأن يرضى الله، فلن يُستعبد لإنسان ولن يهتم بتقدير أحد. بل سيتحرر من العواطف البشرية. فهو قد أحب الله الذى شعر بأحضانه الأبوية أكثر من الناس وأكثر من أقربائه. سيحب الله أكثر من أبيه وأمه... من يستعبد نفسه لله سيفتح الله عينيه على أمجاد السماء فلا يعود يشتهى شيئًا فى الأرض. لذلك قال أغسطينوس: " جلست على قمة العالم عندما صرت لا أشتهى شيئًا فى العالم". وهذا هو سر قوة المسيحية أن نرتبط بالمسيح إلهنا بقوة حب ترفعنا للسماء وتحررنا من الأرضيات ونشعر بالحرية الحقيقية، أى أن نتحرر من كل ما يجذبنا للأرضيات ويجعلنا نلتصق بها، لا يعود لشئ سلطان علينا. هذا ليس معناه أن نترك أعمالنا وبيوتنا. بل ابن البيت يأكل ويشرب ويلعب وهو مستمتع بمحبة وأحضان أبيه. ونحن نعيش ونعمل ونتزوج ونحيا حياة طبيعية ولكن القلب لله، يعبد الله، ويستمتع بمحبة أبيه وأحضانه. وهذه دعوة لكل إنسان. ومن يذهب لله ليعبده يجرى الله نحوه بالأحضان. تعرفون الحق والحق يحرركم: (يو32:8) طريق الحرية الحقيقية هو معرفة الحق. والمسيح هو الحق " أنا هو الطريق والحق والحياة" (يو6:14). والآب هو الحق، والسماء حق. أما الأرض بكل ما فيها فهى باطل الأباطيل (سفر الجامعة). والأرض بكل ملذاتها ومجدها هى باطل الأباطيل، هى قبض الريح، هى سراب نسعى وراءه ولا ندرك شيئًا سوى أن نُستعبد لشهواتها العمر كله. أما من يتذوق معرفة الله الحق ويتذوق لذة السمائيات فيكون كمن وجد لؤلؤة كثيرة الثمن هى (الحق) فمضى وباع باقى اللآلئ (محبة العالم) وباع أى صارت بلا قيمة عنده. أصبح لا يجرى ورائها ولا يهتم بها. لكننا لن نتحرر من محبة العالم ولذاته ما لم نتذوق أولاً حلاوة المسيح أى نعرف الحق. وهذا هو جهاد المؤمن أن يجاهد فى صلاته (يتغصب على الصلاة مت 12:11) ويومًا وراء يوم سيكتشف المسيح. وهكذا فى دراسته للكتاب المقدس سيكتشف المسيح (الحق) ويتحرر من عبودية العالم. الروح والجسد الله خلق الإنسان طاهرًا. وبعد السقوط صار هناك انفتاح على الشر، صار فى الإنسان، إنسان داخلى عتيق، أى طبيعة تميل وتشتهى الشر. وبعد المعمودية تنكمش وتموت هذه الطبيعة (لكن لنا سلطان بحريتنا أن نقيمها ثانية) وتولد فينا طبيعة جديدة، إنسان داخلى جديد منفتح على السماء يشتهى الله. وبحريتنا نحكم على إحدى الطبيعتين (أو الإنسانين) الداخليين بالموت وعلى الأخرى بالحياة. فمن يحيا ميتًا أمام الخطية مصليًا مسبحًا دارسًا للكتاب المقدس فهو يميت إنسانه العتيق ويحيى وينمى إنسانه الداخلى الجديد والعكس فمن يهمل وسائط النعمة ويجرى وراء شهواته فهو ينشط ويحيى الإنسان العتيق وكأنه يحكم على الإنسان الداخلى الجديد بالإنكماش والموت. إنسان مولود بحسب إنسان وُلِدَ فى المعموديه إنسان أهمل جهاده الطبيعة من أبيه وأمه من الماء والروح وسعى وراء شهواته وبولس الذى يتكلم هنا عن الحرية يقول طالما إنك حر فاختار طريق الروح أى أن تجاهد لينمو الإنسان الداخلى الجديد وينتعش الإنسان العتيق. والإنسان الداخلى سواء هذا أو ذاك هو الذى سيقود أعضاء جسدك (رو16:6) فإن قادها الإنسان العتيق صارت آلات إثم. ولو قادها الإنسان الجديد صارت آلات بر. ونسمع هنا قول الرسول " اسلكوا بالروح". والروح هنا ليس هو الروح الإنسانى بل هو الروح القدس. والروح القدس يقود الإنسان الداخلى الجديد. والروح الإنسانى ليس بالضرورة أن يكون طاهرًا. فالمتكبر إنسان روحه متكبرة والشيطان نفسه روح. ويقول الرسول " لا تكملوا شهوة الجسد"= الرسول بهذا لا يهاجم الجسد بل الإنسان الداخلى المنفتح على الشر (العتيق). والرسول يقصد بهذا ان لا نرضى الجسد العتيق ونشبع شهواته. ونسمع فى (غل17:5) أن هذان يقاوم أحدهما الآخر أى الروح والجسد فالروح القدس يعمل مع الإنسان الداخلى الجديد (هذا إن كنت أنا أجاهد وأحافظ على الإنسان الداخلى حيًا منتعشًا ناميًا بالصلوات ودراسة كلمة الله وممارسة وسائط النعمة عمومًا) فيجذب الإنسان ليحيا فى السماويات . والعكس فإن أهمل الإنسان وسائط النعمة يضمر الإنسان الداخلى الجديد ، وينتعش الإنسان العتيق جاذبًا الإنسان للأرضيات. وأحسن تشبيه لهذا الوضع هو المنطاد (بالون يحتوى على غاز خفيف يجذب إلى فوق) ومثبت بالبالون سلة يركب فيها إنسان لتحمله إلى فوق. ويوجد بالسلة أكياس رمل، وتربط السلة بأربطة تمنعها من الطيران. وإذا شاء الإنسان أن يطير يقطع الأربطة ويلقى بأكياس الرمل فيطير البالون. هنا لو تذوق هذا المسافر حلاوة السماء سيلقى بالمزيد من أكياس الرمل بحريته ليرتفع أعلى وأعلى. والرباطات التى تربط البالون بالأرض هى الخطايا والشهوات الخاطئة، وقطع الأربطة هى التوبة. وأكياس الرمل هى اللذات المحللة كالطعام والشراب. وإلقاء أكياس الرمل هو الصوم والزهد والتقشف وهذا لن نمارسه بلذة، ما لم نتذوق طعم السماويات. الروح يجذب لأعلى بأن يقنعنا أن نلقى بأكياس الرمل أى نزهد فى ملذات الدنيا. ثم كلما عشنا فى السماويات وتذوقنا حلاوتها، نزداد فى أصوامنا وزهدنا بحريتنا وهذا ما قاله السيد المسيح من ضيع حياته لأجلى يجدها (مت39:10) . الرسول بعد أن تكلم عن الحرية طلب منا أننا بحريتنا نختار طريق الروح أى نهتم ببناء الإنسان الداخلى الجديد تاركين شهوات الجسد لنحيا فى السماويات. ويكون لنا ثمار الروح (22:5، 23). وهذا يكون بأن نصلب شهواتنا وأهوائنا (نحكم بالموت على الجسد أو الإنسان العتيق 24:5) أما من يعمل للجسد أى يستخدم حريته لإرضاء ملذاته الجسدية الشهوانية فهو يحكم بالموت على إنسانه الداخلى الجديد وينعش العتيق وهذا العتيق أعماله فظيعة سجلها الرسول هنا فى (غل19:5ـ21). كيف نحيا فى السماويات؟ نجاهد أى نغصب أنفسنا أن نسمع وننفذ الوصايا (مت12:11). فيسكن عندنا الآب والابن (يو23:14) ولا نقاوم الروح، فنمتلئ منه، خصوصًا إذا سبحنا وصلينا... وبذلك يسكن عندنا الثالوث. فنصير سماء. وحين نصير سماء ونتذوق حلاوتها يزداد زهدنا فى الأرضيات (نلقى بأكياس الرمل من المنطاد) بحريتنا. فنزداد إحساسًا بالسمائيات إذ نرتفع أكثر وأكثر وبهذا نفهم ترابط الإصحاح. فهو يكلمنا عن الحرية، ثم يشرح معنى الحرية الحقيقية وأن الحرية ليست فرصة للاندفاع وراء شهوات الجسد. فالجسد فى صراع مع الروح وحينما نُغَلِب الروح على الجسد تكون لنا ثمار الروح . الحرية أيضًا يجب أن نفهمها أننا نحيا فى دوائر متماسة، فالله لن يتركنى أعتدى على حرية غيرى. أنا حر الحركة داخل دائرتى لا أتعداها إلى دائرة الآخر الآخر أنا الآخر ا وهذا مثل لاعب الكرة. هو بحريته يعطى الكرة لمن يشاء، ولكن هناك حدود له. فلو ضرب لاعب آخر يعاقب أى أن حريته مقيدة. ولولا أن حريتنا مقيدة سنفسد خطة الله ونعتدى على حياة الآخرين. والله حدد حريتنا لأننا يمكن أن نخطئ، أما الله فحريته مطلقة فهو لا يخطئ. إذًا الله لا يذلنا إذ يعطينا وصايا نعيش بها فهذه لكى نعيش فى فرح ولكى لا نهلك. وإن قال إنسان أنا حر ولم يطع الوصايا فهو كمريض قال أنا حر وترك الدواء الذى وصفه الطبيب. فمن يترك وصايا الله سيحيا فى حزن. والكنيسة لا تذلنا إذ تضع لنا وصايا وصلوات طويلة وأصوامًا طويلة هى تشجعنا بأن نلقى أكياس الرمل، تشجعنا أن نتذوق السمائيات فنلقى نحن بأكياس الرمل بعد ذلك بحريتنا أى نزداد زهداً وتقشفًا. مفهوم الحرية فى غل 5 1 ـ هى حرية من الخطية. فالخطية تستعبد الإنسان. 2 ـ حرية من وثنيتهم القديمة حتى لا يرتدوا إليها. 3 ـ حرية من أعمال الناموس وعوائده مثل الختان والنجاسات والمأكولات النجسة (لا11) والتطهيرات والذبائح وعدم لمس الميت... 4 ـ حرية من تقليدات الآباء اليهود. الذين منعوا السير يوم السبت سوى لمسافة محددة وقال آباءهم إن الله لا يسير مسافة أطول من قامته يوم السبت. والآن فى إسرائيل يأتى الرجل بعامل فلسطينى ليضئ له النور ويطفئه يوم السبت فهو لا يعمل يوم السبت حتى فى إنارة وإطفاء منزله. آية (1):- "1فَاثْبُتُوا إِذًا فِي الْحُرِّيَّةِ الَّتِي قَدْ حَرَّرَنَا الْمَسِيحُ بِهَا، وَلاَ تَرْتَبِكُوا أَيْضًا بِنِيرِ عُبُودِيَّةٍ. " نِيرِ: هى اسم للخشبة التى تربط حيوانين يجران حِملاً. والمقصود لا ترتبطوا بخطية أو بأحكام الناموس فتكون لكم كنير. هو وصف صعب لمن يتعبد لوصايا وأحكام ثقيلة بدون فائدة، ويكون كالبهيمة التى تحمل النير على رقبتها وتجر ثقلاً هائلاً دون أن تفهم أو تدرى عنه شيئًا. والرسول يريد أن يقول إن المسيح حررنا من ثقل الناموس فلماذا نعود لعبوديته. هم لم يستفيدوا من خبراتهم السابقة إذ تحرروا بإيمانهم من أوثانهم وها هم ينتقلون إلى عبودية أخرى للناموس. وفى المقابل يقول السيد المسيح إحملوا نيرى فهو خفيف (مت30،29:11) فهو (أى المسيح) الذى يحمله حقيقة (يو5:15). والمقصود بنير المسيح أى وصاياه. ومن يحاول أن ينفذها سيجدها سهلة التنفيذ لأن المسيح هو الذى يحمل معنا. أما الذى يقف خارجًا ويقول هى صعبة التنفيذ لن يقدر على شئ. لن يقدر أن لم يبادر ويحاول التنفيذ. مثال: لو قلت لك احمل رجل ثقيل جدًا واقف فى الماء، ستقول لا يمكننى حمله. ولكن لو حاولت ستجده خفيفًا جدًا. لأن قوة دفع الماء هى التى تحمله. هذه القوة التى تحمل معنا وتساعدنا فى تنفيذ الوصايا هي النعمة . الْحُرِّيَّةِ الَّتِي حَرَّرَنَا بِهَا الْمَسِيحُ: هى حرية من كل خطية ومن الناموس . (يو34:8 ـ36)= فالمسيح فى هذه الآيات يشير لأنه فك العبيد من نير عبوديتهم ليصيروا أبناء. وهذه لا يقدر عليها سوى المسيح الذى يمنحنا روح البنوة. فَاثْبُتُوا: معناها قفوا بجدية وحزم. مادام المسيح قد حرركم فقفوا بثبات فى هذه الحرية. ولو علّمكم الاخوة الكذبة أن ترتدوا، عليكم أن تثبتوا فى الحرية التى حرركم بها المسيح، ولا ترتدوا للاستعباد لا لخطية ولا للناموس. وقوله اثبتوا فيه إشارة لتذبذبهم. والثبوت فى الحرية هو الثبوت فى الإيمان بالمسيح. لأن المسيح هو الحق، والحق هو الذى يحرر. والروح القدس هو الذى يعرفنا المسيح ويخبرنا عنه فنعرف الحق فنتحرر (يو14:16 + يو6:14 + يو32:8-36). آية (2):- "2هَا أَنَا بُولُسُ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّهُ إِنِ اخْتَتَنْتُمْ لاَ يَنْفَعُكُمُ الْمَسِيحُ شَيْئًا! " أَنَا بُولُسُ: الذى له سلطان من المسيح، وتعليمه من المسيح. بالإضافة إلى أنه هو الذى بشرهم، وعرفوا المسيح بواسطته. وأحبهم وأحبوه. ولمحبته لهم التى اختبروها، ها هو يخبرهم بالصالح لهم. إِنِ اخْتَتَنْتُمْ لاَ يَنْفَعُكُمُ الْمَسِيحُ شَيْئًا: من يذهب ليختتن ظنًا منه أن الختان طريق للخلاص، فهو لا يؤمن بالمسيح مخلصًا وأن فيه الكفاية. هو لا يثق فى كفاية دم المسيح للخلاص. ومن لا يؤمن لا يتبرر، ومن يؤمن بالمسيح أى أن يثق فيه ينال من المسيح خلاصًا وبرًا ومعونة ونعمة بلا حدود. أما من يختتن خوفًا من الناموس فهو لا يثق فى قوة النعمة لذلك فهو يفقد فعلها فى حياته بل يضع نفسه تحت حكم الناموس. آية (3):- "3لكِنْ أَشْهَدُ أَيْضًا لِكُلِّ إِنْسَانٍ مُخْتَتِنٍ أَنَّهُ مُلْتَزِمٌ أَنْ يَعْمَلَ بِكُلِّ النَّامُوسِ. " أَيْضًا: عائدة على الآية السابقة. والختان هو المدخل لكل الناموس اليهودى، هو علامة الدخول لليهودية ومن ثم الإلتزام بالناموس. فمن اختتن يلزمه تقديم ذبائح دموية. ومن التزم بالناموس عليه أن يكمله وإلا صار ملعونًا (غل10:3) وأين فى هذا العالم من استطاع الالتزام بكل ما فى الناموس من وصايا. ومن ارتد للناموس ليتبرر فهو يرتد عن المسيح لأنه إن كان الناموس يبرر، فالمسيح مات بلا سبب (21:2). فالذى استعبد نفسه تاركًا حرية المسيح يجب ألا يسلك فيما بعد كإنسان حر بل كعبد ملتزم بكل قوانين الناموس. أما البر الذى بالمسيح فهو أنه أى المسيح أُسلِمَ من أجل خطايانا وأقيم لأجل تبريرنا (رو25:4). آية (4):- "4قَدْ تَبَطَّلْتُمْ عَنِ الْمَسِيحِ أَيُّهَا الَّذِينَ تَتَبَرَّرُونَ بِالنَّامُوسِ. سَقَطْتُمْ مِنَ النِّعْمَةِ. تَبَطَّلْتُمْ عَنِ الْمَسِيحِ. سَقَطْتُمْ مِنَ النِّعْمَةِ: إذ ذهبوا لمصدر آخر غير المسيح ليتبرروا بطلت العلاقة مع المسيح، فمن يرجع ليحيا تحت لعنة الناموس يسقط من عمل النعمة، فماذا يبقى له حينئذ إلا الغضب لأن الناموس يقف عاجزًا والنعمة تتخلى تمامًا. الناموس ليس لديه قوة والمرتد قد ترك المسيح ونعمته، ولم يعد للنعمة عمل معهم. كل هذه الخسارة تحدث فى حالتين: 1) عندما يتكل المؤمن على أحد غير المسيح أى الناموس فى حالة غلاطية أوعلى بره الذاتى فيفتخر بأعماله (لذلك تعلمنا الكنيسة فى معظم مردات القداس أن نقول يارب ارحم. أى ليس لنا يا رب أن نطلب، إذ نحن غير مستحقين فنحن عبيد بطالون. ولا نطلب سوى مراحمك). 2) أن يرتد المؤمن لطريق الشر، فلا شركة للنور مع الظلمة. عمومًا الإرتداد لأعمال الناموس يفقدنا النعمة، لأن النعمة الشرط الأول لها هو الإيمان. وبدون إيمان لا يمكن إرضاء الله (عب6:11) الإيمان هو المدخل لكل البركات الإلهية (انظر المقدمة). آية (5):- "5فَإِنَّنَا بِالرُّوحِ مِنَ الإِيمَانِ نَتَوَقَّعُ رَجَاءَ بِرّ. " المدخل هو الإيمان بعمل فداء المسيح، وتأتى المعمودية بعد ذلك، وفيها أموت مع المسيح وأقوم معه. ثم الميرون أى حلول الروح القدس. كل هذا لخصه الرسول هنا فقال فَإِنَّنَا بِالرُّوحِ مِنَ الإِيمَانِ: فبدون إيمان كمدخل لن يحل علينا الروح القدس. والروح القدس يعمل على تغيير شكلى لشكل المسيح (كمثال فنان يحول قطعة رخام إلى تمثال جميل) هذا هو الخلاص. والقوة التى تغير طبيعتى هى النعمة التى تجعلنى أموت مع المسيح (عن الخطية) وأقوم معه بطبيعة جديدة (جدة الحياة رو6 : 4 ) هذا ان اردت . والإيمان هو تسليم نفس لتموت الطبيعة القديمة، هى قبولى أن أموت عن العالم (هى تسليم قطعة الرخام للمثّال). هى تسليم نفس للروح القدس، أصابع الله لتعمل فىَ. وكلما عمل فىّ الروح القدس أقترب من صورة المسيح، الصورة السماوية، الخليقة الجديدة التى يريدنى الله عليها وكلما اقترب من هذه الصورة يدخل فىَ رجاء، رَجَاءَ بِرّ: أمل أن الله إذا بدأ عمل يكمله، فالله سيعطينى طالما بدأ معى أن أتبرر وأصلح للمجد السماوى المعد. وبدون هذا الرجاء، فنحن ينقصنا فضيلة مسيحية أساسية (1كو13:13) بعد كل هذا نسأل أين دور الختان فى كل هذا. فالختان لا يعطى رجاء بر. أما الذى يؤمن يعطيه الروح القدس رجاء بر. ونلاحظ فى هذه الآية وآية6 ثلاثية بولس الرسول عن الإيمان والرجاء والمحبة. ونلاحظ هنا ارتباط الإيمان بالرجاء. فالإيمان هو الثقة بما يرجى (عب1:11. وقارن مع 1كو13:13 +عب10:6ـ12 + عب22:10ـ24). آية (6):- "6لأَنَّهُ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ لاَ الْخِتَانُ يَنْفَعُ شَيْئًا وَلاَ الْغُرْلَةُ، بَلِ الإِيمَانُ الْعَامِلُ بِالْمَحَبَّةِ. " كانت الختانة هى علامة العلاقة مع الله فى العهد القديم. والناموس وضع للتهذيب. أما فى العهد الجديد فقد صارت هناك علاقة مباشرة مع الله لا تعتمد على الجسد ولا النسب، بل على العلاقة القلبية مع الله، ولا يمكن أن توجد علاقة قلبية قوية مع الله إلا بالثقة فيه أى الإيمان به بأنه إله قوى قادر على حمايتى وخلاصى، هو يحبنى وهو صانع خيرات، ويدبر كل الأمور للخير. بهذا نرتبط بالله برباط سماوى، فكل ما يدبره للخير، والخير هو خلاصنا ووصولنا للسماء. فكل ما يسمح به هو طريقنا للسماء. إذن الفرق الحقيقى بين الناس ليس فى الختان أو الغرلة بل فى الإيمان. والختان لم ينفع اليهود إذ وهم مختونين صلبوا المسيح. والإيمان كما قلنا هو الطريق للخليقة الجديدة التى بها نخلص لذلك كرر الرسول نفس الآية فى (غل15:6) ولكنه فى الأخيرة أشار للخليقة الجديدة. الإِيمَانُ الْعَامِلُ بِالْمَحَبَّةِ: الإيمان ليس فكرة أو أقوال تصدر من الفم، ليس هو أن أؤمن بأن الله هو واحد مثلث الأقانيم، فهذا النوع من الإيمان تعرفه الشياطين (يع 19:2) إنما الإيمان هو الإيمان الحى، فيه أؤمن بأن الله محبة، وكل ما يسمح به هو للخير، مهما حدث من أمور صعبة لا يهتز إيمانى به ولا ثقتى فيه، ولا تهتز محبتى له، فأنا أحبه أكثر من أبى وأمى.. هذا الإيمان العامل بالمحبة يجعلنى أموت عن العالم وأترك شهواته وخطاياه، فأنا أحب الله أكثر من كل العالم. هذا الإيمان يجعلنى أقف للصلاة وجسدى منهك، فكيف لا أقف لأتكلم مع من أحبه. هذا الإيمان يدعونى أن أقدم خدمات لكل الناس باذلاً نفسى بمحبة فهو إيمان عامل بمحبة. أما الإيمان بدون أعمال فهو إيمان ميت (يع20:2). الإيمان العامل بمحبة هو شكل محبة الله الباذلة التى ظهرت على الصليب. إيمان عامل بمحبة تجعلنى أطيع وصايا الله لأننى أحبه (يو21:14، 23) وفى هذه الآية تأنيب للغلاطيين، كأن الرسول يقول لهم " لو أحببتم المسيح لما حدث لكم هذا الإرتداد". والإيمان يأتى أولاً ثم الحب، فنحن يمكن أن نؤمن أن المسيح قد جاء دون أن نحبه والعكس ليس صحيحًا. آية (7):- "7كُنْتُمْ تَسْعَوْنَ حَسَنًا. فَمَنْ صَدَّكُمْ حَتَّى لاَ تُطَاوِعُوا لِلْحَقِّ؟ " تَسْعَوْنَ: بمعنى السباق والجرى، والمقصود هو جهاد للامتلاء من الروح وجهاد فى سبيل الملكوت بفرح. فَمَنْ صَدَّكُمْ: أى من عوقكم عن همتكم والحقيقة أن من صدهم هو دخول عقيدة خاطئة هى الاهتمام بأعمال الناموس. والعقائد الخاطئة تقلل أو توقف عمل النعمة، لذلك فنشاط الغلاطيين تعوَّق. بولس كان يسمع أخبارًا عن تقدمهم فى الإيمان إلى أن وصلت بعثة الإخوة الكذبة. الْحَقِّ: الإيمان المسلم مرة للقديسين (يه3) وهو أيضًا كلمات الكتاب المقدس. آية (8):- "8هذِهِ الْمُطَاوَعَةُ لَيْسَتْ مِنَ الَّذِي دَعَاكُمْ. " الْمُطَاوَعَةُ: بمعنى الثقة. ومطاوعة الإقتناع هذه ليست مِنَ الَّذِي دَعَاكُمْ: أى ليست من الله. آية (9):- "9«خَمِيرَةٌ صَغِيرَةٌ تُخَمِّرُ الْعَجِينَ كُلَّهُ» " هذا مثل سائد استخدمه الرسول فى (1كو6:5) والخميرة الصغيرة هى عامل الفساد الذى يبدو صغيرًا فى البداية ولكنه فى النهاية يسيطر ويفسد الكل (1كو33:15 + مت 6:16) وبولس هنا يطلب أن ينقى الغلاطيون أنفسهم من أى تعاليم يهودية مثل الختان وخلافه. وهكذا نحن كمسيحيين علينا أن ننقى أنفسنا من أى عقيدة مخالفة لعقيدتنا. وننقى حياتنا من أى خطية مهما بدت صغيرة. وها نحن نرى مثالاًً فبولس يهتم كل هذا الاهتمام بمنع الختان مع إنه شئ بسيط ولكن الإهمال فى الشئ البسيط سيؤدى لإهمال الإيمان كله. آية (10):- "10وَلكِنَّنِي أَثِقُ بِكُمْ فِي الرَّبِّ أَنَّكُمْ لاَ تَفْتَكِرُونَ شَيْئًا آخَرَ. وَلكِنَّ الَّذِي يُزْعِجُكُمْ سَيَحْمِلُ الدَّيْنُونَةَ أَيَّ مَنْ كَانَ. " أَثِقُ بِكُمْ فِي الرَّبِّ: هى كلمة تشجيع لهم. وهى أن الله سيحفظهم من هؤلاء المعلمين الكذبة. ولكن لاحظ أنه لم يقل أثق فى الله أنه... فالروح القدس يعمل مع من يريد. لو الروح القدس يعمل وحده لحوَّل العالم كله إلى قديسين. ولكن قول الرسول أثق بكم يُظهِر أن لهم دور فى الموضوع. ولو فشلوا فالعيب عيبهم وليس عيب الروح القدس. والله لا يعيننا ما لم نقم بواجبنا، واولا ان نريد (اتريد ان تبرأ يو 5 : 6 ) ونرى أن نهاية الإخوة الكذبة هى الدينونة (2كو15:11+عب27:10). وأسلوب بولس فى هذه الآية نجده أيضًا فى (رو14:15-16 + فل21+ 2تس4:3). آية (11):- "11وَأَمَّا أَنَا أَيُّهَا الإِخْوَةُ فَإِنْ كُنْتُ بَعْدُ أَكْرِزُ بِالْخِتَانِ، فَلِمَاذَا أُضْطَهَدُ بَعْدُ؟ إِذًا عَثْرَةُ الصَّلِيبِ قَدْ بَطَلَتْ. " يبدو أن الإخوة الكذبة أشاعوا كذبًا أن بولس كان يكرز بالختان فى أماكن أخرى. وهنا يرد بقوله إن كنت أكرز بالختان مع كرازتى بالصليب لما إضطهدنى اليهود والمتهودين، ولإنتهت عثرة الصليب، فاليهود لا يعثرون فى الصليب بقدر التخلى عن عوائد الآباء. فهم ما كانوا يعثرون بالصليب أى يرفضون الصليب لو إلتزمت بجانب كرازتى بالصليب، بوصايا الآباء. ولكن عثرة الصليب لليهود أن بالصليب وحده الخلاص دون أعمال الناموس. ولاحظ قوله أَكْرِزُ بِالْخِتَانِ: فهو لم يقل أمارس الختان فهو قد مارس الختان مع تيموثاوس. آية (12):- "12يَالَيْتَ الَّذِينَ يُقْلِقُونَكُمْ يَقْطَعُونَ أَيْضًا! " يَقْطَعُونَ: هذه الكلمة لها عدة تفسيرات: 1 ـ يقطعون أنفسهم من شركة الكنيسة والسماء. يقطعون أنفسهم بأنفسهم وذلك بعد أن حُكِمَ عليهم بالدينونة. 2 ـ كان بعض كهنة غلاطية الوثنيين (واسمهم كهنة سيبيل) يقطعون أعضاءهم التناسلية (الخصيتين) إعتقادًا منهم أن هذا يعتبر تماديًا فى التقوى، وأنهم بهذا يتطهرون ويتبررون. وإلتقط بولس هذه العادة من غلاطية وقارن بينها وبين الختان، لأن المتهودين كانوا يعتقدون أنهم يتبررون بالختان. وبولس يهزأ هنا بالمتهودين ويقول لهم يا ليتكم تتمادوا وتتشبهوا بكهنة الأوثان وتقطعوا لا الغرلة فقط بل كل أعضاءكم التناسلية لكى تتبرروا. 3 ـ ربما عنى بولس قطع الأعضاء التى تعثرهم، كعيونهم وأياديهم ويشوهوا أجسادهم بتطبيق حرفى جاهل لما قاله السيد المسيح " إن عينك تعثرك فاقلعها، وإن كانت يدك تعثرك فاقطعها، فليقطعوا أياديهم حتى لا تمتد للسرقة، وليقلعوا عيونهم حتى لا يشتهوا ولا ينظروا بشهوة... هذه السخرية من أناس لا يريدوا أن يفهموا أن طريق التبرير هو النعمة.فبالنعمة يصير الإنسان خاضعاً لناموس المسيح ومتمماً له بفرح بكونه إبناً يسكنه الروح ويتقوى به. فالروح يعين ضعفاتنا. الختان الآن للمسيحى هو ختان القلب بالروح (رو29:2) أى تموت فى القلب محبة الخطية بعمل النعمة (راجع عمل النعمة فى المقدمة). وراجع قول بولس أيضاً "فإن كنتم بالروح تميتون أعمال الجسد فستحيون (رو13:8). ففى المسيحية نحن لسنا وحدنا، لا نعتمد على ذراعنا، بل نحن نعمل والروح القدس يعين. الروح القدس يقتل محبة الخطية فينا ويعطينا أن نعمل أعمال بر بفرح. آية (13):- "13فَإِنَّكُمْ إِنَّمَا دُعِيتُمْ لِلْحُرِّيَّةِ أَيُّهَا الإِخْوَةُ. غَيْرَ أَنَّهُ لاَ تُصَيِّرُوا الْحُرِّيَّةَ فُرْصَةً لِلْجَسَدِ، بَلْ بِالْمَحَبَّةِ اخْدِمُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. " يبدأ الرسول هنا الجزء التعليمى وهو مرتبط بالجزء العقائدى. ولقد دار الجزء العقيدى حول التحرر من الناموس، إذ حررنا المسيح الذى آمنا به لذلك أصبح الموضوع العملى الآن هو كيف نستخدم الحرية التى حررنا بها المسيح ملتزمين بالسلوك الأدبى والأخلاقى. وكأن الرسول يريد أن يقول لا تفهموا الحرية خطأ، فلا تتركوا أنفسكم لشهواتكم، بل بحريتكم إنقادوا للروح لتتذوقوا السمائيات. لقد رفع المسيح عنا نير الناموس فلا تكن هذه فرصة لنرفس بل لنجرى للأمام. وكيف نجرى للأمام؟ هذا بأن نخدم بمحبة فلنخلع نير الناموس ونضع بدلاً منه نير الحب للمسيح وللآخرين وهذا ألذ وأخف لأن المسيح يحمله معنا. الناموس الأدبى يلزمنا بالمحبة ويخضعنا تحت قيادة الروح للسلوك حسب الروح وليس حسب الجسد " لأن الله لم يدعنا للنجاسة بل فى القداسة" (1تس7:4) والله حين يدعو الآن فى عهد النعمة فهو يعطى قوة من الروح القدس الذى حل فينا لتساندنا. أما فى العهد القديم فكان الشعب يمتنع عن الخطية فى كبت خوفاً من العقوبات كالرجم. أما فى العهد الجديد فلقد وهبنا الله القداسة (1تس13:3، 3:4). بَلْ بِالْمَحَبَّةِ اخْدِمُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا: قارن مع (رو8:13) " لا تكونوا مديونين لأحد بشئ غير أن تحبوا بعضكم بعضًا" ويقصد الرسول أن الإنسان المسيحى يشعر بأنه أخذ الكثير من المسيح وهو غير مستحق، ويتساءل كيف أرد الجميل لله؟ لا يوجد طريق سوى أن أحب أولاد الله وأخدمهم، ألم يصلب المسيح لأجلهم، إذًا هو يحبهم، وطالما هو يحبهم فلأخدمهم. لذلك يقول بولس أنه مديون لليونانيين والبرابرة، للحكماء والجهلاء (رو14:1). ومعلمنا يوحنا يقول أن من يحب ينتقل من الموت إلى الحياة (1يو14:3) والمحبة فى المسيحية إرتفعت عن الناموس فصارت " أحبوا أعدائكم " بدلاً من " تحب قريبك كنفسك" وقارن مع (يو25:17، 26+1يو 7:4-12). آية (14):- "14لأَنَّ كُلَّ النَّامُوسِ فِي كَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ يُكْمَلُ:«تُحِبُّ قَرِيبَكَ كَنَفْسِكَ». " هنا ملخص للناموس أى محبة القريب. ومحبة الآخرين لا تأتى إلا من محبة الله أولاً. هنا توجيه لطيف للغلاطيين، فإن كانوا مصرين على العبودية فبدلاً من عبودية الناموس فلتكن عبودية المحبة. فالمحبة أسمى وصايا الناموس. آية (15):- "15فَإِذَا كُنْتُمْ تَنْهَشُونَ وَتَأْكُلُونَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، فَانْظُرُوا لِئَلاَّ تُفْنُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. بعد أن كلمهم عن المحبة يشير لحالتهم التى وصلوا لها من انقسامات ونزاع والرسول يطلب منهم أن يكفوا عن الشجار والنزاع حتى لا يفنوا أنفسهم. وهو يشير للأحقاد التى صارت بينهم حتى صاروا كالكلاب التى تنهش بعضها. وهذا يتفق مع قول يوحنا الرسول فى (1يو15:3) " كل من يبغض أخيه فهو قاتل نفس تَنْهَشُونَ: أى إشباع شهوة الغضب فى أبشع صورة لها. والإنقسامات تبدد حياتنا الجسدية والروحية : لِئَلاَّ تُفْنُوا بَعْضُكُمْ بَعْضًا. ولكن ما الذى أوصلهم لتلك الحالة من قلة المحبة؟ الإجابة ببساطة، الإيمان الخطأ والعقيدة الخاطئة تتسبب فى فساد الحياة الروحية، فهناك علاقة أكيدة بين العقيدة والروحيات. لقد دخلت لهم عقيدة عاجزة معتمدة على الشكليات، فمن يعتقد أن الختان وغسيل الأرجل والأيادى يطهر سيهمل صلواته وجهاده وسعيه (آية 7) وبالتالى تكف النعمة عن أن تعمل فيه، هنا تختفى المحبة وتظهر الأحقاد. وهذا هو حال كل منا إذا إكتفينا بممارسة الطقوس كشكليات دون أن ندخل إلى العمق. آية (16):- "16وَإِنَّمَا أَقُولُ: اسْلُكُوا بِالرُّوحِ فَلاَ تُكَمِّلُوا شَهْوَةَ الْجَسَدِ. " المقصود اسْلُكُوا بِالرُّوحِ فَلن تُكَمِّلُوا شَهْوَةَ الْجَسَدِ: الروح القدس يدعونى أن أطيع الوصية، فلو سلكت بالروح أى أطعت صوت الروح القدس سأكتشف أن هناك فى داخلى قوة تعيننى على أن أنفذ الوصية. وبهذا تظهر فاعلية الروح القدس، فى أنه يعطينى قوة أن لا أكمل شهوة الجسد ، أى الروح يعين الجسد فلا يكمل شهوته (رو26:8 + اف 8:2). مثال: إن أخطأ فيك أحد ستتحرك داخلك شهوة الإنتقام وسيصاحبها غيظ شديد واهتياج. ولو إتخذت قراراً نابعاً من طاعتك لصوت الروح فى داخلك أن تسامح وقلت للمخطئ "الله يسامحك أنا لا أريد منك شيئاً" ستجد السلام يملأ قلبك ولن تحاول أن تنتقم وتضرب وبهذا لن تكمل شهوة الجسد. ولكن علينا بالصلاة لننال هذه النعمة . فالله يعطى الروح القدس للذين يسألونه ( لو11 : 13 ) . وأيضاً لا نقاوم الروح و نصلب أهوائنا وشهواتنا حتى لا نعيش حسب الجسد معترفين دائماً بخطايانا، فالروح يسكن عند المنسحقين ويعين من يصلب شهواته (إش15:57 + غل24:5 + رو1:12 + كو5:3 + رو11:6ـ14+ رو13:8ـ 16). إذًا من يسلك بالروح فهو تلقائيًا لن يكمل شهوة الجسد. والروح هو الروح القدس. وكما قلنا فى مقدمة الإصحاح أن هناك إنسان داخلى جديد يولد فى المعمودية والروح القدس يعمل دائماً على أن ينميه. وطالما أن هذا الإنسان الداخلى فى حالة نمو وصحة روحية فهو يستجيب لصوت الروح القدس، هو يميزه ويسمعه وقادر أن يتجاوب معه وهذا هو السلوك بالروح . لكن هل كل واحد يستطيع أن يسمع صوت الروح القدس؟ قطعاً لا. لأن هناك من أطفأ الروح ، وهذا من يصر ان يقاومه . أما المملوء من الروح فيستطيع أن يسمع ويتجاوب . الامتلاء بالروح: راجع (أف18:5ـ21) فالامتلاء من الروح هو نعمة لكن لا توجد نعمة بدون جهاد. وفى هذه الآيات نجد الجهاد المطلوب وهو الصلاة والتسبيح والشكر والخضوع. أى المطلوب هو الإتصال المستمر بالله. والسيد المسيح وضع شرط طلب الروح القدس (لو13:11) وبولس يقول صلوا بلا إنقطاع (1تس17:5). إذًا لنسمع صوت الروح القدس يجب أن نكون مملوئين. والمملوء سيسلك بالروح. وكلما إستجبنا لصوت الروح القدس نزداد إمتلاءً والعكس فمن يقاوم صوت الروح القدس يطفئه ويقاوم أى يعاند دعوة الروح القدس الذى يبكت يو 8:16. والسؤال الآن … ماذا نعمل الآن إلى أن نمتلئ من الروح... كيف نسلك بالروح: 1) لنتشبه بالمسيح. إسأل نفسك فى كل موقف... لو كان المسيح مكانى ماذا كان سيفعل 2) أطع الوصايا التى تسمعها فى الكتاب المقدس. آية (17):- "17لأَنَّ الْجَسَدَ يَشْتَهِي ضِدَّ الرُّوحِ وَالرُّوحُ ضِدَّ الْجَسَدِ، وَهذَانِ يُقَاوِمُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، حَتَّى تَفْعَلُونَ مَا لاَ تُرِيدُونَ. " الْجَسَدَ: قسمت الفلسفة الأفلاطونية الإنسان إلى قسمين: أ) الجسد وقالوا عنه إنه القسم الحيوانى فى الإنسان. ب) العقل وقالوا عنه إنه القسم الإنسانى فى الإنسان. أما المسيحية فهى لا تهاجم الجسد أو تحط من شأنه. أ) لأن الله خلقه والله لا يخلق شيئاً نجساً. ب) المسيح اتخذ له جسداً، والمسيح لا يمكن أن يفعل هذا لو الجسد شئ نجس. ج) نجد فى الكتاب المقدس أن عظام أليشع أقامت ميت. بل هناك كثير من أجساد القديسين والشهداء نجدها فى حالة سليمة. فلماذا يهاجم بولس الرسول الجسد، أو ما هو الجسد فى أقوال بولس الرسول؟ الرسول يقصد بالجسد، الاٍنسان العتيق الذى فينا أى الاٍرادة المنحرفة أو الطبيعة المنفتحة على الشر، أو الذهن الأرضى الفاسد والمنحرف والمستهتر. ونحن قد ولدنا بحسب الجسد من أمهاتنا بهذا الاٍنسان العتيق. الرُّوحِ: ليست هى الروح الإنسانية ، وليست الروح دائمًا مقدسة، فالشيطان روح. وهناك خطايا كالكبرياء، تنسسب للروح. ولكن الروح مقصود به الإنسان الداخلى الجديد المولود فى المعمودية (2كو16:4) وهو مخلوق بحسب الله فى المسيح. وهذا مدعو للحياة الأبدية. وهو يشتهى الطهارة ليحصل على السماء، وليحيا فى السماويات ويتذوق حلاوتها. وهذا الإنسان الداخلى يقوده الروح القدس، ويرتقى بالروح وينمو يومًا فيومًا بقدر ما يغتذى على كلمة الله فى الإنجيل وبالصلاة والتسبيح وممارسة أسرار الكنيسة . وشهوة هذا الإنسان هو الله (مز2:84،1:42) ويشتهى السماء (فى23:1). الْجَسَدَ يَشْتَهِي ضِدَّ الرُّوحِ: الجسد المقصود به القوة الى تقاوم كل ما هو صالح، الجسد لا يلد إلا الخطية ويجذب الإنسان للشهوات الأرضية والملذات الحسية، هو يجذب لأسفل. أما الروح فهو عمل الروح القدس مع الإنسان الداخلى الجديد ويجذب الإنسان فيشتهى السمائيات. الروح يجذب الإنسان ليصلى والجسد يجذبه لينام وينشغل بكل الملذات الأرضية تاركاً الصلاة، بحجة النوم أو التعب أو أى شئ . المهم أن لا نصلى. كلاهما يُقَاوِمُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ: هذا الصراع بين الجسد والروح سيظل قائماً طالما نحن فى الجسد الترابى الذى يشتهى ما فى الأرض حتماً. وبقدر ما ينمو الإنسان الداخلى الجديد يتقهقر الإنسان العتيق. لأن الجديد ينمو على أساس التخلى عما للقديم من تسلط ووجود وقوة. والإنسان المؤمن المعمد حر فى تغذية أى منهما وجعل أحدهما ينمو. فمن يجاهد حاسباً نفسه ميتاً عن الخطية مجاهداً فى صلاته وتسابيحه ينمو إنسانه الداخلى ويضمر إنسانه العتيق. وهذا قد بدأ فى المعمودية. ولكن كل نعمة نحصل عليها إما أن نجاهد لتنمو فينا هذه النعمة أو نتكاسل فنفقدها. ومن يتكاسل تاركاً جهاده ساعياً وراء شهواته يضمر إنسانه الجديد وينمو إنسانه العتيق. وأى منهما سواء الإنسان العتيق أو الإنسان الجديد قادر فى حالة وجوده نامياً منتعشاً على أن يستخدم أعضاءنا، إما كآلات بر، أو كآلات إثم. فلو كنا نسلك بالروح وإنساننا الداخلى نامياً، فهذا يستخدم أعضاءنا كآلات بر فبعيوننا نرى خليقة الله وبألسنتنا نسبحه وبأيدينا نرفعها للصلاة وبأرجلنا نسعى للسلام والخدمة والكرازة. وهنا يكون لنا ثمار الروح (غل22:5، 23). ولكن هذه لمن صلبوا الأهواء مع الشهوات غل 24:5. أما لو سلكنا بحسب الجسد، فإنساننا العتيق سيستخدم أعضاء جسدنا كآلات إثم وستكون أعمال الجسد فظيعة (غل19:5، 20) . هذا الصراع بين الروح والجسد هو الصراع بين حالتين عقليتين تتصارعان معًا، ولنسميهما الخير والشر، هما صراع بين صوت الروح القدس فينا يدعونى للسماويات وصوت شهواتى الجسدية تدعونى للأرضيات، هو صراع مستمر بين الطبيعة الجسدية الساقطة بغرائزها الطبيعية التى تستخدم الجسم كأداة وبين الروح القدس الذى يستخدم الجسم أيضًا كأداة. والإنسان له حرية الإرادة فى الإنحياز لأيهما. والإنسان الروحانى الذى تذوق السمائيات يتخلى عن شهواته الجسدية وتكفيه لقمة يسند بها جسده. وهذه درجات عبر عنها يوحنا الرائى حين قال 1) كنت فى الروح (رؤ 1: 10 )... ونسمع هنا عن درجة أعلى هى.... 2) صرت فى الروح (رؤ 2:4). بولس هنا كان يتكلم عن الحرية، وكأنه يقول بحريتكم اسلكوا هذا الطريق الروحى وتذوقوا لذاته، ولأن الجسد نهايته التراب أما الإنسان الداخلى الجديد لو كان نامياً ، فهذا نهايته السماء موطنه الموعود (2كو1:5، 6). تَفْعَلُونَ مَا لاَ تُرِيدُونَ: الإرادة منقسمة بين إرادة حسنة لطاعة صوت الله وإرادة شريرة لطاعة شهوة الجسد. فإن إنحاز الإنسان وأطاع شهوة الجسد فإنه يعمل الشر ضد صوت الله الذى يدعوه للخير وهو كان يريده جزئياً فهو يسمع صوت الروح القدس الذى كان يحاول إقناعه (إر7:20) ومن ينحاز للروح القدس (ولكن هذا يحتاج لأن يتغصب الإنسان (مت12:11) وهذا نسميه جهاداً) يجد معونة جبارة (رو8: 6 ) وينال رضى الله والحياة الأبدية. أما من ينحاز لشهوة جسده فهو يحزن الروح القدس بل يطفئه ويكون مصيره الدينونة. آية (18):- "18وَلكِنْ إِذَا انْقَدْتُمْ بِالرُّوحِ فَلَسْتُمْ تَحْتَ النَّامُوسِ. " لَسْتُمْ تَحْتَ النَّامُوسِ: من ينقادون بروح الله تنطفئ فيهم كل الرغبات الشريرة. وبذلك لا يحتاجون لضبط الناموس إذ هم تجاوزوا إمكانياته تماماً. فالذى لا يغضب لا يحتاج لوصية لا تقتل. والذى لا ينظر ليشتهى لا يحتاج لوصية لا تزن. ومن يسمع صوت الروح القدس داخله لن يحتاج لمن يوجهه من الخارج. وهذه الآية هى نفسها بالضبط (23:5) " ضد أمثال هذه ليس ناموس" أى من له ثمار الروح القدس هذه المذكورة فى 22، 23 قطعًا لا يحتاج لناموس. آية (19):- "19وَأَعْمَالُ الْجَسَدِ ظَاهِرَةٌ، الَّتِي هِيَ: زِنىً عَهَارَةٌ نَجَاسَةٌ دَعَارَةٌ. " أعمال الجسد هى ثمار الطبيعة الفاسدة، ينفذها الجسد أو الجسم. ظَاهِرَةٌ: أى معروفة، فمن يسلك فى هذه الخطايا فهو يسلك بالجسد. زِنىً: هو إلتصاق محرم بإمرأة، والزنى يبدأ بالنظرة للشهوة. نَجَاسَةٌ: هى خطية أوسع معنى تشمل الشذوذ الجنسى والإنحلال الخلقى. دَعَارَةٌ: تجارة الجنس عَهَارَةٌ: إظهار الجسد عارياً. آية (20):- "20عِبَادَةُ الأَوْثَانِ سِحْرٌ عَدَاوَةٌ خِصَامٌ غَيْرَةٌ سَخَطٌ تَحَزُّبٌ شِقَاقٌ بِدْعَةٌ. " عِبَادَةُ الأَوْثَانِ: تشمل الطمع وعبادة المال عَدَاوَةٌ: هى إثارة العداوات بين الناس. خِصَامٌ: محبة الشجار والنزاع سَخَطٌ: انفجار بالغضب بلا تعقل. غَيْرَةٌ: ليست الغيرة المقدسة لحساب مجد الله بل حسد الآخرين أو نقمة عليهم. تَحَزُّبٌ: هو إتجاه مشاكس مسوق بقوة شيطانية. بِدْعَةٌ: هرطقة وهى التى تقود للشقاق فالمنشق هو مبتدع. آية (21):- "21حَسَدٌ قَتْلٌ سُكْرٌ بَطَرٌ، وَأَمْثَالُ هذِهِ الَّتِي أَسْبِقُ فَأَقُولُ لَكُمْ عَنْهَا كَمَا سَبَقْتُ فَقُلْتُ أَيْضًا: إِنَّ الَّذِينَ يَفْعَلُونَ مِثْلَ هذِهِ لاَ يَرِثُونَ مَلَكُوتَ الله. " حَسَدٌ: روح حقد لا تحتمل أن ترى نجاح إنسان ، وتمنى الشر له . بَطَرٌ: عربدة وهى نوع من الفرح المفرط نتيجة شرب الخمر. آية (22):- "22وَأَمَّا ثَمَرُ الرُّوحِ فَهُوَ: مَحَبَّةٌ فَرَحٌ سَلاَمٌ، طُولُ أَنَاةٍ لُطْفٌ صَلاَحٌ، إِيمَانٌ. راجع عمل الروح القدس فى تجديد طبيعة الإنسان فى المقدمة. وهذه الثمار لا توجد منفردة فلا محبة بدون فرح وسلام.. وهكذا. هذه الثمار تأتى من تفاعل الروح القدس المشبه بأنهار ماء (يو 38:7، 39) مع الجسد المأخوذ من تراب الأرض. فالماء مع التراب يعطى ثماراً صالحة. أما من يحزن الروح ويطفئه فيكون بلا ثمر. وهنا تظهر طبيعة الجسد المنحرفة أى أعمال الجسد آيات 19، 20. ومن ثمارهم تعرفونهم كما يقول السيد المسيح (مت16:7ـ20) وثمار الروح غير مواهب الروح التى يعطيها الروح لمنفعة الخدمة (1كو4:12، 7-11، 30). مَحَبَّةٌ: هى أول ثمار الروح . فلأنها أول إستعلانات إنسكاب الروح فى القلب (رو5:5). وهى محبة لله أولاً ثم لكل إنسان حتى الأعداء (رو 38:8، 39). فَرَحٌ: المحبة تملأ القلب بفرح حقيقى لا ينزع. سَلاَمٌ: هو صفة مميزة للعهد الجديد. يشمل نفس صحيحة مزدهرة فى إنسجام داخلى وهدوء الفكر والضمير والنفس بسبب النعمة. ونحن حصلنا على السلام يوم ولد المسيح ملك السلام. وفى تسبحة الملائكة إقترن السلام بالمسرة أى الفرح وراجع (فى4:4-7 + يو 1:14، 27). طُولُ أَنَاةٍ: وهذه صفة خاصة بالله (خر5:34-7) وطول الأناة تعنى التمهل (لو7:18، 8). لُطْفٌ: وهى أيضًا صفة لله (رو4:2). صَلاَحٌ: تعنى السخاء والجود وهى ضد الحسد والغيرة. إِيمَانٌ: أى الثقة فى الله وهى أساس لما نأخذه من بر. آية (23):- "23وَدَاعَةٌ تَعَفُّفٌ. ضِدَّ أَمْثَالِ هذِهِ لَيْسَ نَامُوسٌ. " وَدَاعَةٌ: هى القدرة على عدم الغضب أمام تعدى الآخرين الشديد وهذه صفة للمسيح (مت29:11). تَعَفُّفٌ: تعنى النفس الشبعانة بالمسيح فلا تريد معه شيئًا. والمسيح قادر أن يشبعنا روحياً ونفسياً وجسدياً فالسواح فى البرية لم يكونوا يشتهون طعامًا فاخرًا فهم فى تعففهم شبعانين. هذه الصفة، تجعل النفس تحيد عن الشر بطبيعتها. ضِدَّ أَمْثَالِ هذِهِ لَيْسَ نَامُوسٌ: هى نفس آية 18 (راجع شرح الآية) من له الثمار فهو مملوء من الروح، فمن الطبيعى أنه يسمع لصوت الروح وهو لا يقاومه، وبالتالى فهو غير محتاج لصوت خارجى، فهو له الآذان التى تسمع صوت الروح القدس. مثل هذا لا يحتاج لناموس ضده. فالحصان الوديع غير محتاج للجام. الناموس وضع لمن لهم قلب حجر، أما من صار لهم قلب لحم (أى مملوء محبة لله) فلا يحتاجون لناموس يملى عليهم وصايا. آية (24):- "24وَلكِنَّ الَّذِينَ هُمْ لِلْمَسِيحِ قَدْ صَلَبُوا الْجَسَدَ مَعَ الأَهْوَاءِ وَالشَّهَوَاتِ. " من هم الذين لهم ثمار الروح؟ هم الذين صلبوا أهوائهم وشهواتهم لذلك يطلب بولس الرسول أن نقدم أجسادنا ذبيجة حية (رو1:12). ويقول مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فىَ (غل20:2) وحين يحيا فىَ المسيح وأثبت فيه أمتلئ من الروح فتكون لى ثمار الروح. الذى يصلب أهواءه هو الذى باع نفسه للمسيح وصار عبداً له، وصلب نفسه مع المسيح، وقبلت هذا فى جسدى بالمعمودية. ولكن ما حصلنا عليه فى المعمودية ينبغى أن نحافظ عليه بأن نقف أمام العالم كمصلوبين لنتمتع بحياة المسيح القائم فى (كو5:3، 6). والروح يساعدنا على هذا (رو13:8ـ16). ولذلك نجد بولس بالرغم من كل ما هو فيه من ألم يقول أقمع جسدى وأستعبده (1كو24:9ـ27). الأَهْوَاءِ: هى الميول الظاهرة. الشَّهَوَاتِ: هى المفاعيل الخفية فى الجسد والتى تحرك الأهواء والجسد كله. ولو كانت منحرفة تصير الأهواء منحرفة. آية (25):- "25إِنْ كُنَّا نَعِيشُ بِالرُّوحِ، فَلْنَسْلُكْ أَيْضًا بِحَسَبِ الرُّوحِ. " نَعِيشُ بِالرُّوحِ: حياة الجسد الجديد الذى أخذناه بالمعمودية هى بالروح القدس الذى حل فينا. هذه هى هبة المسيح التى بها نفتخر (رو2:5). والتى يشتهى فيها الانسان السماء والسمائيات . نَسْلُكْ بالرُّوحِ: هذا إلتزام أدبى أن نلتصق بالروح ونقتدى بالمسيح فى كل خطوة. الروح صار مصدر حياتنا فليتنا نتركه يقود الطريق ونسلك خاضعين لقيادته وتوجيهه. وإن كانت حياتنا منضبطة بالروح سيكون لنا ثمار الروح. الرسول فى هذه الآية يريد أن يقول… الإمكانية موجودة داخلك فالروح حل فيك. إذاً اسلك بالروح لتمتلئ بالثمار. آية (26):- "26لاَ نَكُنْ مُعْجِبِينَ نُغَاضِبُ بَعْضُنَا بَعْضًا، وَنَحْسِدُ بَعْضُنَا بَعْضًا. " مُعْجِبِينَ: يعجب الإنسان بذاته فى كبرياء. وهذه دخلت لهم من المتهودين، فهذه طباع اليهود. بولس شعر أن المتهودين نقلوا لأهل غلاطية عيوبهم. نُغَاضِبُ بَعْضُنَا: الكلمة تشير للإثارة والإستفزاز ومن هو معجب بنفسه لن يقبل الآخر وسرعان ما سيتغاضب معه.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الخامس الحرية المسيحية (1) إثبتوا فى الحرية ع 1 - 4 : ع 1 ، 2 : فاثبتوا : الفاء لتكميل الحديث الذى أنهى به الأصحاح السابق بأنَّ المؤمنين أولاد سارة الحرة وليسوا أولاد عبودية من الجارية0 والكلمة تدل على تذبذبهم ، فالحرية أُعطيت لهم كهبة وما عليهم إلاَّ أن يثبتوا فيها لأنَّ العبد لا يبقى فى البيت إلى الأبد بل الإبن يبقى ويرث0 لا ترتبكوا : لا تحيدوا عن الإيمان المستقيم وتستعبدوا أنفسكم لفرائض الناموس وأعماله0 لذلك نجد أنَّ العبادة فى المسيحية بالروح والحق ، فالأصوام والصلوات قد وُضعت لا لكى تستعبد الإنسان بل لخدمته ، وبها يقدم ذبائح الشكر والتسبيح لله بمحبة البنين لا بخوف العبيد0 أنا بولس أقول : أى أننى أثق مما أقول بأنَّ من يتمسك بالختان فهو لا يثق بالنعمة فى دم المسيح المُخلص وحده ، وبالتالى لن يستفيد من خلاص المسيح بعدم إيمانه0 يدعوهم الرسول للتحرر من عبودية الناموس والختان ليحيوا مع الله فى الكنيسة بحرية البنين0 ع 3 : من إلتزم منهم بالختان سوف يلتزم بالناموس كله لأنَّ الختان مرتبط بالتطهير وتقديم الذبائح وحِفظ المراسم اليهودية0 فالتمسك بالختان معناه العودة من المسيحية إلى اليهودية والإلتزام بكل فروضها ورفض للمسيح ، وبالتالى ينبه الغلاطيين الذين هم أمميون وآمنوا بالمسيح ألا يختتنوا كما يدعوهم لذلك المعلمون الكذبة وهم يهود متنصرون0 ع 4 : تبطَّلتم عن المسيح : أى جعلتم عمل المسيح باطلاً فيكم0 سقطتم من النعمة : إذا إستعبد الإنسان نفسه لفرائض الناموس ، تخلت عنه النعمة فيسقط من الحياة الأبدية لأنَّ النعمة هى التى تجعله قائماً فى البر والقداسة0 يعلن بولس أنَّ من يتمسك بالختان والناموس سيفقد خلاص المسيح وعمل نعمته فيه0 + لا تفقد عمل نعمة الله فيك باعتمادك على الماديات أو العلاقات أو خوفك من حسد الناس أو قوتهم ، ولكن على العكس ثابر فى صلواتك حتى لو تأخر حل مشاكلك واثقاً من رعاية الله وقوته0 (2) الإيمان العامل ع 5 - 12 : ع 5 ، 6 : بالروح القدس الذى نلناه بالإيمان وسكن فينا بالمعمودية لنا رجاء بر لخلاص إلى النهاية فى المجئ الثانى0 لأنَّ فى المسيح يسوع لا ينفع الختان ولا الغرلة ولكن الذى ينفع هو الإيمان العامل بالمحبة0 فالمطلوب الإيمان وليس الختان والناموس ، ولكن ليس الإيمان النظرى بل الذى يظهر فى أعمال محبة ورحمة للآخرين0 ع 7 - 9 : تسعون : تفيد النشاط واليقظة0 صدَّكم : أى أعاقكم حتى لا تطاوعوا الله الذى دعاكم وتحيدوا عن طريق الحق بخضوعكم لهؤلاء المُضلين الذين طاعتهم ليست من الله0 خميرة صغيرة : المقصود الإلتزام بالختان الذى سوف يقودهم إلى التهود الكامل0 يسألهم الرسول ما الذى جعلهم يحيدون عن طريق الحق بعد ما كانوا يتقدمون فى طريق النعمة0 فالخطأ البسيط إن لم يتداركوه سريعاً سوف يُصبح خطراً كبيراً0 + لا تتهاون مع الخطية الصغيرة لئلا تقودك لما هو أكبر ، لأنَّ الشيطان فى الغالب يسحبك تدريجياً إلى الشر0 فكن مدققاً وراجع نفسك كل يوم فى توبة مع صلاتك ، واهتم بكشف كل خطاياك وأسبابها فى سر الإعتراف0 ع 10 - 12 : لكنى أثق بكم فى الرب : يمتدحهم ويشجعهم على تصحيح خطأهم ، ولكن ثقتنا يجب أن تكون فى إلهنا لا فى أنفسنا0 لا تفتكروا شيئاً آخر : لقد أشاع اليهود أنَّ بولس الرسول يكرز بالختان لأنه يهودى مُختتن وسمح بختان تيموثاوس0 سيحمل الدينونة : هؤلاء المُضلون قد وضعوا أنفسهم تحت الدينونة لأنهم ليسوا فى المسيح0 أى من كان : مهما كان مركزه أو شهرته0 يقطعون : عزلهم عن التعاليم ومخالطة المؤمنين فى الكنيسة0 بعد أن مدح بولس الغلاطيين ، ينفى عن نفسه أنه قد نادى بالختان فيقول ، إن كنت أنا أكرز بالختان فلماذا أُضطهد إذاً من اليهود ؟!!00أمَّا أنا فلا أكرز إلاَّ بصليب ربنا يسوع المسيح الذى هو بالنسبة لليهود عثرة لأنه يجعل الجميع متساويين ، يهوداً وأمماً ، ولكن اليهود يريدون التميز ، فليت هؤلاء يُعزلون من الكنيسة0 (3) الحرية فى المفهوم المسيحى ع 13 - 15 : ع 13 : لقد حررنا الإبن فصرنا بالحقيقة أحراراً من عبودية الخطية بقوة نعمة الله ومن الناموس الموسوى بقوة موت المسيح عنا0 فلا تستخدموا الحرية لإطلاق العنان لشهوات الجسد بل لكى ترتقوا بالروح إلى فكر أسمى ومستوى أرفع0 فالحرية فى المسيحية تجعل المؤمن يستعبد نفسه بنفسه لخدمة الآخرين بالمحبة ، والسارق لا يعود يسرق بل يكدح ويعمل ليساعد المحتاجين0 فنحن محكومون إذاً بناموس المحبة0 ع 14 ، 15 : تنهشون وتأكلون : تسيئون وتطمعون فى بعضكم البعض كما ينقضّ الحيوان على فريسته ليمزقها ويأكلها0 إن كانت خلاصة الناموس هى محبة الآخرين ، فلماذا تسلكون عكسها بإدانة واستغلال بعضكم بعضاً ، وباستمرار هذه الإساءات والتعديات تهدمون أنفسكم وتبتعدون عن الله0 فإن كنتم تنهشون وتأكلون بعضكم بعضاً ، فأين أنتم إذاً من ناموس المحبة ، وهل ينفعكم الختان ؟! + هدف المسيحية هو المحبة ، التى عندما تزداد نحو الله تظهر فى معاملتنا مع الآخرين0 والشيطان يحاول تقييد محبتنا بانشغالات الخطية وهم العالم0 فإذ نتحرر منها بالتوبة ننطلق فى حب نحو كل أحد ، فدليل حريتك هو نمو محبتك نحو الآخرين وميلك للعطاء حتى لمن يُسئ إليك0 (4) أسلكوا بالروح ع 16 - 18 : ع 16 : اسلكوا بالروح : الخضوع للروح القدس0 يدعونا بولس الرسول للسلوك الروحى وعدم الإنسياق وراء الشهوات الجسدية الشريرة0 ع 17 : الجسد : يقصد الشهوات الشريرة الجسدانية0 الروح : يقصد روح الإنسان الخاضعة للروح القدس0 الجسد المائل للشهوات يعارض الرغبات الروحية التى تطلبها روحه ، والروح تسعى بالإنسان للحياة مع الله ولكن يعطلها تعلق الجسد بالشهوات حتى أنَّ الإنسان عندما يشتهى بروحه علاقة نقية مع الله والناس ، يجذبه جسده الشهوانى بتهاونه معه فيفعل عكس ما يريده بالروح0 ع 18 : الذين ينقادون بالروح القدس ، تنطفئ فيهم كل رغبة وشهوة شريرة وبالتالى لا يحتاجون لضوابط الناموس كلما مارسوا وسائط النعمة التى تُزيد عمل الروح القدس فيهم ، مثل التناول ، التوبة ، الصلاة ، قراءة الكتاب المقدس ؛ إختبروا الحياة الجديدة مع المسيح0 (5) أعمال الجسد وأعمال الروح ع 19 - 26 : ع 19 - 21 : أعمال الجسد الذى رفض القيادة للروح القدس تُنتج فساداً ، أمَّا إذا أخضع الإنسان جسده لقيادة الروح القدس ، تُثمر حياته فضائل بعمل الروح القدس0 وأعطى بولس الرسول عينات من الخطايا وهم سبعة عشر خطية تنقسم ثلاثة أقسام : 1- ستة أعمال لإشباع شهوات الجسد ( زنا نجاسة عهارة دعارة ) : إستخدم الغرائز الجنسية للمتعة المحرمة0 عهارة : هى زنى المتزوجين0 نجاسة دعارة : التجارة بالجنس0 سُكر : الإسراف فى شرب الخمر0 بطر : نوع من العربدة والسخط الناتج عن السُكر0 2- عملان ضد الله : عبادة أوثان : ليس فقط بالسجود للأصنام ، ولكن محبة المال تُعتبر أيضاً نوعاً من عبادة الأوثان كو 3 : 5 0 السحر : مرتبط إرتباطاً مباشراً بالشيطان0 3- تسعة أعمال ضد الآخرين : عداوة : بُغضة للآخر أو إثارة العداوات بين الناس0 خصام : كراهية الآخر ومقاطعته0 غيرة : ضيق من تميز الآخر علىَّ ويمكن أن أسعى لإيذائه0 سخط : إنفجار الغضب والغيظ الشديد0 تحزُّب : تجمع يؤدى إلى الإنقسام والإساءة للغير0 شقاق : إنقسامات0 بدعة : هرطقة وتعاليم منحرفة0 حسد : نقمة على الآخرين وحقد لا يحتمل نجاحهم0 قتل : إنهاء الحياة أو قتل أدبى بالإهانة الشديدة0 ومن يفعل أمثال هذه الخطايا لا يرث ملكوت الله0 ع 22 ، 23 : لم يقل ثمار بل ثمر الروح لأنها كلها تُطرح من شجرة واحدة مغروسة على مجارى مياه الروح القدس0 ويذكر منها تسعة ثمار تنقسم إلى ثلاثة أقسام : 1) قسم خفى يُعبِّر عن حالة المؤمن من الداخل : محبة : علامة الولادة من فوق " نحن نعلم أننا قد إنتقلنا من الموت إلى الحياة لأننا نحب الإخوة " 1يو 3 : 14 0 فرح : فرح لا يستطيع أحد أن ينزعه من قلب المؤمن ولا يتأثر بالظروف المحيطة0 سلام : سلام الله الذى يفوق كل عقل يملأ القلب فى أشد الضيقات0 2) قسم ظاهر فى علاقة المؤمن بالآخرين0 طول أناة : بالنعمة يكتسب مقدرة فائقة على الصبر وتحمُّل إساءة الآخرين متذكراً أناة ربنا عليه لخلاصه0 لطف : التعامل بالوداعة والشفقة والرفق والتسامح بدلاً من القسوة والخشونة0 صلاح : عمل الفضيلة فى كل المواقف بسخاء وجود0 3) قسم شخصى : إيمان : الإيمان بأمور لا تُرى بثقة تامة فى الله والإتكال عليه والثبات فيه0 وداعة : تقبُّل الإساءة من الآخرين بسعة صدر مثل السيد المسيح " تعلموا منى لأنى وديع ومتواضع القلب " مت 11 : 29 ، مع هدوء فى الصوت والتصرف0 تعفف : ضبط شهوات الجسد وتقديس الحواس والمشاعر لله0 ضد أمثال هذه ليس ناموس : ناموس الله يوافق على الثمار السابقة وإن قال غير ذلك فهو ليس ناموس من الله0 ع 24 : الذين هم للمسيح : هم الذين قبلوه رباً وفادياً ومُخلصاً وآمنوا به0 المؤمنون بالمسيح هم خاصته الذين تبعوه وقد أماتوا شهوات الجسد بالنعمة وبقوة الروح القدس0 ع 25 : إن كنا نعيش بالروح أى بقوة الروح القدس ، فيليق بنا أن نسلك بحسب مبادئ الروح وننحاز لقيادته0 ع 26 : من يسلك بالروح لا يكون مُعجباً بنفسه أى متكبراً ، لأنَّ خطية الكبرياء تؤدى إلى الغضب والأنانية ؛ فيريد الإنسان كل شئ لنفسه ويحسد الآخرين إذا نالوا شيئاً ليس عنده0 + كما ترك المسيح كل شئ من أجلك على الصليب ، فليتك تترك شيئاً من راحتك ورغباتك المادية من أجله أى تضبط أهواءك وتتوب عن خطاياك وتُعطى لنفسك فرصة للصلاة وسماع صوته فى الكتاب المقدس0
مصادر أخرى لهذا الإصحاح