كلمة منفعة
قال أحد القديسين:لو اجتمع عشرة آلاف من الملائكة، لكان لهم رأى واحد، للأسف حينما يجتمع عدد قليل من البشر، فإنهم يختلفون..!
— الانقسام
الرسالة إلى أهل غلاطيه 1
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
غلاطيه - الاصحاح رقم 1
غلاطيه
الإصحاح رقم 1
الأصحاح الأول
إنجيل واحد
يبدأ القديس بولس رسالته بمقدمة تضم تحية تحمل الفكر اللاهوتي للرسالة في مجملها، يلحقها بالكشف عن سبب الكتابة، حاثًا إياهم على الرجوع إلى إنجيل المسيح الواحد بعيدًا عن فكر المتهودين، مؤكدًا صدق رسوليته.
1. التحية 1-5.
2. ظروف الكتابة 6-10.
3. دفاعه عن رسوليّته 11-23.
1. التحية
يقول Lighfoot G.A.: [ارتبط الخطان الممتدان خلال هذه الرسالة - دفاع الكاتب عن رسوليته وتأكيده عقيدة النعمة - معًا في التحية الافتتاحية.]
1. "بولس رسول، لا من الناس، ولا بإنسان، بل بيسوع المسيح واللَّه الآب." [1] يوضح القديس بولس كمال سلطانه الرسولي من الكلمة الأولى للرسالة، إذ لم يُرسل بناء على دعوة بشرية، ولا تلقى تعليماته بطريقٍ بشريٍ،، بل اختاره اللَّه مباشرة بطريقة إلهية كسائر الإثنى عشر.
+ لقد عمده حنانيا، لكنه ليس هو الذي خلصه من الطريق الخاطئ ولا هو الذي حثه على الإيمان، بل المسيح نفسه بعث إليه صوته العجيب من الأعالي وطوقه في شبكته...
يُعلن لوقا بكلماته: "وبينما هم يخدمون الرب ويصومون قال الروح القدس: افرزوا لي برنابا وشاول" (أع 13: 2). واضح - في هذه العبارة - أن سلطان الابن والروح واحد، فعندما يقول إنه مرسل من الروح إنما يقول إنه مرسل من المسيح.
القديس يوحنا الذهبي الفم
2. إذ تركز الرسالة على الحرية العملية في المسيح، يشير هنا إلى الآتي:
أ. أنه مُعّين بربنا يسوع المسيح [1]، لهذا لا يُخضع نفسه لعبودية إرضاء الناس.
ب. يُشير إلى يسوع القائم من الأموات [1]، إذ يهبنا بقيامته التحرر من الموت. الآب الذي أقام السيد المسيح المصلوب من أجل خطايانا يقيمنا نحن من خطايانا (مصدر الموت الأبدي). خلال الحياة المقامة في المسيح ننعم بطهارة الجسد، ونتحرر من عبودية شهوات الجسد.
قامت رسوليته على دعوة من المسيح المُقام؛ فإن كان لم يُختر من بين التلاميذ (أثناء وجود السيد المسيح على الأرض)، لكن الرب نفسه اختاره بعد قيامته كشاهدٍ حقيقيٍ للقيامة.
ج. يُشير الرسول إلى العالم الحاضر الشرير [4]، لأن فادينا يحررنا من عبودية ما نظنه ذا قيمة في هذا العالم. يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن الرسول لا يقصد بقوله "الحاضر" الزمن، إنما يعني الأعمال والظروف المحيطة. [إنه يظهر لنا بأن المسيح يخلصنا ويهبنا طمأنينة من جهة المستقبل... لم يحقق الناموس شيئًًا من هذين الأمرين، إنما النعمة هي التي كان لنا فيها الكفاية لإشباع احتياجاتنا.]
د. يُشير إلى اللَّه بكونه أبانا [4]، الذي له المجد إلى أبد الآبدين [5.] فإننا ندرك الحرية خلال بنوتنا له، فنجد موضعًا لنا في أحشائه المجيدة، لنعيش فيها أبديًا.
+ هكذا في كل حنايا الرسالة، حتى في المقدمة، ينشر (الرسول) صلاح اللَّه لندرك كلماته هكذا: يا من كنتم قبلاً عبيدًا وأعداء وأجنبيين، من أعطاكم أن تكتسبوا حق دعوة اللَّه أبًا لكم فجأة؟ لم يهبكم الناموس هذه العلاقة، فلماذا تهجرون (المسيح) الذي جاء بكم إلى القربى للَّه وتعودون إلى معلمكم (الناموس)؟
+ لم يقل فقط "الآب" بل قال "أبوكم"، حتى يؤثر عليهم، مُظهرًا أن المسيح جعل أباه أبانا.
القديس يوحنا الذهبي الفم
هـ. الحرية المسيحية حب، لذا نراه يتحدث بلغة الجماعة، علامة حبه للجميع، فيرسل إليهم لا تحيته وحده بل تحية الإخوة الذين معه، ربما يقصد الشعب كله حيث كان يكتب، أو مجموعة الرفقاء الذين كان يرتحل معهم. جاءت تحيته هنا فريدة من جهة ذكره هذا التعبير، ربما لكي يُعلن أن ما يكتبه هنا لا ينبع عن فكرٍ شخصيٍ خاص، إنما هو عقيدة الكنيسة (الجماعة المقدسة). يقول القديس يوحنا الذهبى الفم: ]أراد أن ينزع عنهم تشككهم (إنه كان بمفرده في كرازته)K ولكي يظهر أن كثيرين يعضدونه في عقيدته بمعنى أن ما يكتبه إنما كان بموافقتهم.]
و. الحرية هي نتاج النعمة الإلهية، إعلان الحب الإلهي نحو المؤمنين ليهبهم سلامًا داخليًا، كحالة تمس العقل، ثمرة لهذا الحب. لهذا نراه يُشير إلى النعمة وبعد ذلك السلام. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [كان (الغلاطيون) في خطر السقوط من النعمة، لهذا يصلي بولس من أجل استرجاعها ثانية، وإذ صاروا في حالة حرب مع اللَّه يتضرع إلى اللَّه بأن يرد إليهم ذات السلام (الذي فقدوه).]
ز. صرنا أحرارًا بالصليب [4]؛ إذ هو الجسر الواحد الوحيد الذي يؤدي إلى المصالحة بين اللَّه والإنسان. فقد أخلى ذاته عن مجد العرش ليحرر نفوسنا الملوثة بالخطية ويهبنا برّه، مقدمًا الثمن عن البشرية. ليس أحد بارًا أمام اللَّه، إنما البرّ هي عطية إلهية كلفت الآب ابنه مبذولاً.
+ يقول الرسول "لأجل خطايانا" [1]؛ فقد طعنا أنفسنا بربوات الشرور، واستحققنا أشد العقوبات؛ ولم ينقذنا الناموس بل أداننا، جاعلاً الخطية أكثر وضوحًا، دون أن تكون لديه إمكانية خلاصنا منها أو منع غضب اللَّه عنا. لكن ابن اللَّه جعل المستحيل ممكنًا، لأنه غفر خطايانا، وردنا من حالة العداوة إلى الصداقة، مانحًا إيانا بركات مجانية بلا حصر.
القديس يوحنا الذهبي الفم
ح. آمين : لقد ختم تحيته بذكصولوجية (تسبحة شكر للَّه) تتجلى فيها طبيعة ملكوت اللَّه الأبدية بالمقابلة مع العالم الحاضر الشرير.
+ لن نجد في مقدمة أية رسالة كلمة "آمين"، إنما استخدم هذه الكلمة في بداية الرسالة ليظهر أن ما قاله قبلاً فيه الكفاية ضد اتهامات الغلاطيين، وأن مجادلاته قد كملت. فإن الخطأ الواضح لا يحتاج إلى تجريم مفصل. تحدث (في المقدمة) عن الصليب والقيامة والخلاص من الخطية، وتأمين المستقبل، وغاية الآب، وإرادة الابن، والنعمة والسلام وكل عطاياه الكاملة، خاتمًا كلامه بالتسبيح.
القديس يوحنا الذهبي الفم
هكذا، يُعلن الرسول في تحيته الرسولية بطريقة غير مباشرة عن حريتنا المسيحية من عبودية إرضاء الناس، ومن الموت والخطية والشهوات الجسدية والعالم الحاضر الشرير ومن الشيطان.
"إلى كنائس غلاطية." [2]
+ هكذا يتضح أن لهيب الخطأ قد امتد ليشمل كل شعب غلاطية وليس فقط إلى مدينة أو مدينتين.
لاحظ أيضًا ما حملته العبارة من إهانة خطيرة ضدهم... إذ لم يقل "إلى المحبوبين" ولا "إلى القديسين"، حاذفًا كل لقبٍ يمكن أن يحمل مشاعر حب أو احترام لهم، مخاطبًا إياهم كجماعة مجردة دون ذكر "كنائس اللَّه"، معبرًا بهذا عن عمق حزنه وأسفه عليهم.
القديس يوحنا الذهبي الفم
2. ظروف الرسالة
1. يتعجب الرسول أن الذين قبلوا الإيمان على يديه في غلاطية يتحولون هكذا سريعًا عن الإنجيل الذي قبلوه بنعمة المسيح كما إلى إنجيل آخر، وهو ليس آخر، إنما يضيفون إليه حفظ طقوس الناموس الحرفية كمصدر خلاصهم. أما هو فقد كرز فقط بالإنجيل (الأخبار السارة) لأهل الختان كما لأهل الغرلة.
+ كلمة "(إنجيل) آخر" يعني بها السلوك الذي تأمر به (الشريعة)، لا من جهة العبادة، وإنما من جهة النظام نفسه (حرفية ممارسة الطقس كختان الجسد وحفظ السبت بطريقة ناموسية الخ.)؛... عمل المسيح هو دعوة الناس من الناموس إلى النعمة.
العلامة ترتليان
+ لقد نادوا في الواقع بوصية أو وصيتين - الختان وحفظ الأيام - لكنه بقوله أن الإنجيل قد تحول يعني أن الانحراف البسيط يفسد الكل... الافتقار إلى الحماس في الأمور الصغيرة يسبب كل الكوارث التي تحل بنا، فإننا إذ نهمل تصحيح أخطائنا الهينة كما يليق نعطي الفرصة للأخطاء الجسيمة أن تتسلل داخلنا. كما يحدث بالنسبة للجسد فإن إهمال الجراحات يسبب حمى ثم موتًا، هكذا في النفس تفتح الشرور الهينة الباب للخطيرة... بهذا تدرك لماذا يدعو بولس الختان تحولاً عن الإنجيل.
القديس يوحنا الذهبي الفم
2. ما يثير الدهشة في افتتاحية الرسالة خلوها من تقديم "الشكر" للَّه، الأمر الذي اعتاده الرسول في رسائله الأخرى حيث يقدم شكرًا من أجل إيمان قارئيه أو حبهم. ربما تعمد ذلك ليكشف عن قلقه وغضبه، ليس فقط من جهة المعلمين الكذبة ولكن من أجل قارئيه أيضًا.
3. بالمقابلة مع ما ورد في الرسالة إلى أهل فيلبي (9: 20-23)، يفرح الرسول لأن مقاوميه يكرزون بالإنجيل، أما هنا فلا يظهر أي استعداد للتساهل معهم. المقاومون في فيلبي بشروا بالإنجيل الحق بالرغم من عدم إخلاصهم، أما هنا فالمقاومون لا يكرزون بالإنجيل الحق، ويلزم ألا يلتفت إليهم بغض النظر عن إخلاصهم أو عدمه، ومهما كان موقفهم الشخصي منه.
4. "ولكن إن بشرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشرناكم، فليكن أناثيما". [8-9]
+ تأمل حكمة الرسول، كيف يضم نفسه في الأناثيما حتى يتحاشى الاعتراض بأنه متعال بالمجد الباطل في مدحه لتعليمه الخاص. هنا أيضًا يذكر الملائكة، لأن (المعلمين الكذبة) التجأوا إلى السلطة، أي إلى سلطان يعقوب و يوحنا... وقد أضاف "من السماء" عمدًا، لأن الكهنة أيضًا يدعون "ملائكة".
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ يذكر نفسه أولاً (في الأناثيما)، معبرًا عن نفسه هو كمثال. فإن كان بالنسبة له هو لا يقدر أن يكرز بإنجيل آخر، فإنه ولا حتى ملاك يقدر أن يفعل ذلك.
العلامة ترتليان
+ لا توجد أية شركة بين كلمات القديسين واختراعات البشر المبتكرة من خيالتهم، لأن القديسين خدام الحق، يكرزون بملكوت السموات، أما السالكون في الاتجاه المضاد فليس لديهم أفضل من الأكل حاسبين أن نهايتهم فناء.
القديس أثناسيوس السكندري
5. "أفأستعطف الآن الناس أم اللَّه؟ أم أطلب أن أرضي الناس؟ فلو كنت بعد أرضي الناس لم أكن عبدًا للمسيح." [10]
يدرك القديس بولس أن ربنا يسوع المسيح هو محررنا من عبودية طلب مديح الناس والمجد الباطل. بمثل هذه الحرية يتحدث إليهم أنه يرضى محرره ومخلصه وليس أي مخلوق.
+ يقول القديس بولس: لنفترض أنني أخدعكم بهذه التعاليم، فهل أستطيع أن أغش اللَّه العارف أفكاري التي لا ينطق بها، فإنني أرضي من أسعى إليه بلا توقف؟ أنظر الروح الرسولية، السمو الإنجيلي!... فإنه إذ كان مضطرًا أن يبرر نفسه أمام تلاميذه بكونه معلمهم، فهو يخضع لهم (طالبًا حكمهم عليه)...
+ واضح أنني أكتب إليكم لا من منطلق حب السلطة أو لكي أقتنى لي تلاميذ، أو حتى لأجد كرامة لديكم، إنما أسعى لأرضي اللَّه لا إنسانًا، وإلا كنت قد بقيت في توافق مع اليهود اضطهد الكنيسة. إنني قد هجرت وطني ورفقائي وأصدقائي وأنسبائي وكل صيتي، وعِوض هذا كله قبلت اضطهادات وعداوة ونضالاً ضدي وتهديدات يومية بالموت؛ هذه جميعها برهان واضح أنني لا أتكلم حبًا في مديح الناس.
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ يقول الرسول: "فلو كنت بعد أرضي الناس لم أكن عبدًا للمسيح"، بينما يقول في موضع آخر: "كما أنا أرضي الجميع في كل شيء غير طالب ما يوافق نفسي بل الكثيرين لكي يخلصوا"(1 كو 10: 33)... يقول إنه لا يرضي الناس، لأنه اعتاد أن يسلك بالحق، لا ليرضي الناس وإنما لكي يرضي اللَّه، وذلك بحبه لأولئك الذين يشتهي تغيير قلوبهم، عاملاً ما يرضيهم. لهذا فهو على صواب عندما يقول ما يقول إنه لم يرضِ الناس لأنه بهذا هدف إلى إرضاء اللَّه، وهو أيضًا على حق عندما علّم بسلطان أنه يجب إرضاء الناس، لا لكي نظن أن في هذا مكافأة على أعمالنا الصالحة وإنما لأن من لا يبذل نفسه ويتشبه بمن يشتهي خلاصهم لا يقدر أن يرضي اللّه.
القديس أغسطينوس
+ لقد كفَ عن إرضاء الناس عندما صار خادم المسيح، جندي المسيح يسير في صيت رديء وصيت حسن (2 كو 6: 8)،... لا ينتفخ بالمديح، ولا يحطمه التوبيخ. لا يتعالى بالغنى، ولا يتقوقع على نفسه بسبب الفقر. يحتقر الفرح والحزن على السواء.
+ الفضيلة الأولى للراهب هي الازدراء بحكم الناس عليه.
القديس جيروم
+ لقد زُفت (نفسك) للمسيح فلا تستهن به؛ لقد صيّرك الروح كاملاً، فلا تساوي نفسك به.
يقول بولس: "فلو كنت بعد أرضي الناس لم أكن عبدًا للمسيح"... إنني أكرّم بطرس، لكنني لا أُدعى بطرسيًا، وأمدح بولس لكنني لا أُدعى قط بولسيًا. لا أسمح لنفسى أن أُلقب منتسبًا لإنسان مولود من اللَّه (بالتبني).
إن كنت تُدعى مسيحيًا، لأنك تؤمن بالمسيح أنه اللًّه، فليبق لقبك إلى الأبد، ولتتمسك بالإثنين: اللقب والإيمان، أما إن كان ارتباطك باسم المسيح ينبع عن مشاعر مجردة، فإنك تُنسب إليه كما إلى أسماء أخرى اكتسبتها عن ممارسة أو وقائع.
القديس غريغوريوس النزينزي
3. دفاعه عن رسوليته
قال المتهودون إن بولس لم يكن رسولاً حقيقيًا، فهو لم يرَ المسيح ولا رافقه؛ إنما الإثنا عشر وحدهم هم بالحقيقة تلاميذ، وهم لم يشيروا إلى إلغاء الناموس بالمسيح. لم يرسل المسيح بولس للتبشير، إنه مجرد ممثل للرسل الأصليين الذين تعلم منهم واعتمد عليهم. وقد جاء دفاع بولس عن رسوليته نابعًا لا عن شعوره بجرح كبريائه، وإنما من أجل قارئيه الذين يتوقف قبولهم لتعاليمه على ثقتهم في موقفه الرسولي.
1. تعليمه مخوّل له من الله نفسه [10-24.] الله وحده هو الذي استطاع أن يحوله من مضطهد للكنيسة إلى كارزٍ في وقت قصير. لقد قبل إنجيله من الرب مباشرة، الذي تنازل وأعلن له كل معرفة دون وساطة بشرية. لقد أخذ الرسول موقفًا حازمًا، وهو أن كل من تجاسر بالكرازة بإنجيل آخر غير الذي بشر به هو في زيارته الأولى التأسيسية لهذه الكنائس فليكن محرومًا، إذ هم بالحق مدانون من قبل الله. ما بشر به هو الأخبار السارة، لا توجد غيرها أخبار سارة!
+ إن سُئِلَ بولس أن يثبت بأن اللَّه نفسه هو الذي أعلن له أسراره غير المنطوق بها مباشرة، وهو يقدم حياته الماضية مثالاً مبرهنًا أنه لو لم يكن تحوّله بإعلان إلهي لما حدث ذلك بطريقة مفاجئة.
القديس يوحنا الذهبي الفم
2. يُذَّكر القديس بولس قارئيه بالخلفية اليهودية التي عاشها، وأسلوب حياته قبل تمتعه بخبرة التحول في الطريق إلى دمشق. كان قائدًا في الديانة اليهودية يحتل مقامًا عظيمًا، الأمر الذي يجاهد المتهودون الناموسيون المقاومون له أن يبلغوه بمزج إنجيل النعمة بالأفكار اليهودية الحرفية. كان يضطهد المسيحيين بإفراطٍ شديدٍ، وكان يتقدم في الديانة اليهودية على كثيرين من أترابه من بني جنسه، إذ كان أوفر غيرة في تقليدات آبائه، وأكثرهم عملاً وحماسًا. لكنه ترك هذا من أجل ما هو أفضل. لقد أخذ إعلان النعمة بطريقة إلهية، وصرح به قبلما يرى أحدًا من الرسل الآخرين بزمنٍ طويلٍ.
+ هذا هو بُرهانه؛ إن كانت جهودي ضد الكنيسة نبعت عن باعث ديني لا بشري، مع أن غيرتي كانت خاطئة، فكيف يحركني المجد الباطل وأنا أناضل لحساب الكنيسة وقد اعتنقت الحق؟... ما أن اجتزت إلى تعاليم الكنيسة حتى تخلصت من تعصبي للديانة اليهودية، مظهرًا بهذا غيرة أكثر اتقادًا كدليل على إخلاصي في تحولي، وأن الغيرة التي تملكتني هي من فوق. أية دوافع أخرى إذن أمكنها أن تدفعني إلى هذا التغيير، إذ قايضت الكرامة بالازدراء، وعِوض الطمأنينة دخلت في ضيقات؟ حقًا لا شيء سوى محبة الحق.
القديس يوحنا الذهبي الفم
3. حقًا حدث تحوله وهو في الطريق إلى دمشق حين كان يضطهد كنيسة المسيح، بل يضطهد المسيح نفسه من أجل "التهوّد". لكن دعوته بواسطة النعمة الإلهيّة بدأت وهو في بطن أمه [15]، كما فعل اللَّه مع إرميا (1: 5) وإشعياء (42: 1). لقد أفرزه لمهمة خاصة، دعاه، ثم أعلن له عن حقيقة الابن وعمله الفدائي على الصليب، لكي يبشر العالم غير اليهودي.
+ لماذا يقول: "أن يُعلن ابنه فيّ" [16] ولم يقل "لي"؟ لكي يُشير إلى أنه لم يتقبل تعليم الإيمان خلال الكلمات فقط وإنما بغنى الروح الذي وهب له - الإعلان الذي أنار نفسه كلها، وأن المسيح صار يتكلم فيه.
"لأبشر به بين الأمم" [16]، فإنه ليس فقط إيمانه، بل واختياره للعمل الرسولي قد انبثقا من اللَّه... كان يجب أن يوجد تمايز بين الكرازة لليهود والكرازة للأمم.
القديس يوحنا الذهبي الفم
يرى العلامة أوريجينوس في كلمات الرسول الخاصة بفرزه للعمل وهو في بطن أُمه [15] برهانًا على إرسال اللَّه ملائكة حراسًا لنا حتى قبل ولادتنا.
4. حياته الكنسية: لم يتجاهل القديس بولس الذي قبل الإنجيل من السيد المسيح نفسه المجتمع الكنسي، كما سنرى في لفاءاته مع القديس بطرس وغيره من قادة الكنيسة.
5. تظهر سلطة أو قانونية إنجيل القديس بولس في توبيخه للقديس بطرس (2: 11-12)، مبرهنًا بذلك أن القديس بطرس لم يكن أعظم منه كرسولٍ، فقد أشار إلى كيفية توبيخه له جهرًا، إذ سلك بوجهين بخصوص التقاليد اليهودية حين كان في أنطاكية.
يُشير القديس بولس إلى ثلاثة لقاءان مع القديس بطرس وغيره من الرسل، ليؤكد أن اتصالاته الأخوية معهم لم تكن بغرض أخذ تفويض منهم للكرازة.
اللقاء الأول مع القديس بطرس: (1: 18-24) يؤكد القديس بولس نوعًا من استقلاله عن رسل أورشليم (عدم الاعتماد عليهم كوكيلٍ عنهم كما ادعى المتهودون)، لكن ليس بأسلوب فردي. فقط بعد عبور ثلاث سنوات من تحوله عن الفريسية اليهودية إلى الكرازة بيسوع بكونه المسيا، ذهب إلى أورشليم "ليتعرف" على بطرس [18.] يقول: "ولا صعدت إلى أورشليم إلى الرسل الذين قبلي" [17]. يُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على ذلك، قائلاً: [هكذا لا يتحدث بعجرفة إنما ليظهر كرامة مهمته، إذ تكرارًا قالوا بأن الرسل جاءوا قبله، وكانت دعوتهم سابقة له، لهذا يجيب: "ولا صعدت إليهم". لو كان لزامًا عليه أن يتصل بهم لكان قد أمره المسيح بذلك عندما أعلن له عن مهمته.]
قبل صعوده إلى أورشليم انطلق إلى العربية [17]، ثم رجع أيضًا إلى دمشق [17]. تشير "العربية" غالبًا إلى مدينه جنوب دمشق، في مملكة الـNabataeans وليس إلى منطقة سيناء. لم يسجل الرسول لنا ما فعله خلال هذه السنوات الثلاث. إن كان قد رأى بعض الآباء أن الرسول قد بدأ بالكرازة في الحال لكن كثيرين الآن يفضلون الاعتقاد بأنه كرس حياته في ذلك الوقت للصلاة والتأمل.
+ لاحظ هنا تواضعه، إذ لم يتحدث عن نجاحه (في العربية)، ولا عن من هم الذين علمهم وما عددهم. إنما هكذا كانت غيرته (للخدمة) في الحال بعد عماده، إذ حير اليهود، وأثار سخطهم ضده فتربّصوا له مع اليونانيين لقتله، الأمر الذي ما كان يحدث (أي كراهيتهم له) فلجأوا إلى القتل. هذه علامة تظهر تفوّق بولس عليهم. لم يذكر (الرسول) شيئًا عن هذا النجاح، وهكذا في كل أعماله لم يكن الطموح دافعه، ولا نوال كرامة أعظم من الرسل، ولا استمات لينال تقديرًا ساميًا، إذ يدعو نفسه سقطًا، أول الخطاة، آخر الرسل.
القديس يوحنا الذهبي الفم
زار أورشليم ليلتقي بالقديس بطرس [18]، وهناك رأى القديس يعقوب أخا الرب وأسقف أورشليم. كانت مهمته الكبرى أن يعلن بأنه لا يعمل بروح فردي، منفصلاً عن قادة الكنيسة، وأن يؤكد لهم أن تحوله حقيقي. لقاءات القديس بولس المتتالية مع الرسل لم تضف شيئًا إلى إعلان إنجيل النعمة الإلهية له، إنما اعترفوا تمامًا برسوليته ورسالته.
يقدم لنا القديس يوحنا الذهبي الفم الملاحظات التالية:
أ. يقول القديس بولس إنه "رأى" القديس يعقوب [19]، ولم يقل إنه تعلم منه. ويمكننا القول إنه ذهب هناك "ليتعرف" على القديس بطرس [19] لا ليتعلم منه.
ب. يذكر القديس يعقوب بوقار إذ يقول: "أخا الرب" [19]، فهو خالٍٍ من كل حسد.
ج. خلال شفافية نفسه المقدسة المتواضعة، جاء تبريره لنفسه عظيمًا كمن يقدم حسابًا عن أعماله، مدافعًا عن نفسه كمن في دور العدالة [20.]
د. يُشير إلى رحلته التبشيرية للكرازة في المناطق القريبة من موطنه الأصلي "مدينة طرسوس"، في أقاليم كيليكية وسوريا [21] (بأنطاكية)، ليُعلن أن إرساليته كانت للأمم، وأنه لم يعزم أن يبني فوق أساس أقامه غيره (رو 15: 20).
هـ. يقول بولس: "ولكنني كنت غير معروف بالوجه عند كنائس اليهودية التي في المسيح. غير أنهم كانوا يسمعون أن الذي كان يضطهدنا قبلاً يبشر الآن بالإيمان الذي كان قبلاً يتلفه" [22-23]. في تواضعه ذكر حقيقة اضطهاده للكنيسة، وعند تحوله وتبشيره لم يعجبوا به شخصيًا ولا نال إطراءهم أو دهشتهم، إنما مجدوا الله فيه [24]، ناسبًا كل شيء إلى النعمة الإلهية.
"مجدوا الله"، بمعنى أنه أراد أن يعرّفهم بأنه لا توجد عداوة بينه وبين الكنائس التي هي من أصل يهودي، فإنه وإن كان لم يبشرهم لكنهم فرحوا بعمل اللَّه به في المجتمعات الأممية. يرى القديس أغسطينوس أنهم مجدوا اللَّه لأنهم اعتادوا الصلاة من أجل أعدائهم ومضطهديهم لكي يحولهم السيد المسيح إلى الإيمان. سألوا هذا من الله قبلما يتحقق.
من تفسير وتأملات الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الإصحاح الأول
آية (1):- "1بُولُسُ، رَسُولٌ لاَ مِنَ النَّاسِ وَلاَ بِإِنْسَانٍ، بَلْ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ وَاللهِ الآبِ الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ،"
من أول آية يؤكد بولس أن إرساليته من الله حتى يثبت صدق تعاليمه عن الخلاص بالإيمان بدون أعمال الناموس. وبولس يؤكد على صدق إرساليته ليس عن إفتخار بل لأنه لو ثبت أن الله أرسله وهو يتكلم به وفيه فكلامه صدق وبذلك يثبت كذب تعاليم الإخوة الكذبة.
لاَ مِنَ النَّاسِ: يقصد بالناس البشرية كلها، فهو لم يُدعى بفكر إنسان، فلو إن رسالته من الناس لكانت تحتمل الخطأ. لكن دعوته سمائية، إذاً هى لا تحتمل الخطأ.
وَلاَ بِإِنْسَانٍ: لم يكن هناك وسيط فى دعوته، ولا حتى أرسله الإثنى عشر لأن الإثنى عشر ظلوا على عوايدهم وكانوا يصلون فى الهيكل (أع46:2، 1:3). بل نرى أن بولس يقول إن المسيح يحيا فيه، وبه يحيا ويكرز ويتكلم (غل20:2 + 2كو20:5) بل أنه لم يعد له فكر شخصى (1كو16:2) فالمسيح الذى فيه يلقنه ما يقول وما يفعل وما يعلم به. بولس فهم أن المسيحية هى أن يموت عن العالم فيحيا المسيح فيه. ومع كل هذا نرى دور الكنيسة فى إرسالية شاول، فهو اعتمد على يد حنانيا وعلّمه حنانيا الأوليات (أع6:9، 18،7) ثم وضعوا عليه اليد ثانية لينال نعمة الكهنوت والرسولية (أع2:13، 3). فمع أن الله هو الذى أفرزه وعلّمه، فلقد احتاج بولس للكهنوت الذى فى الكنيسة، فالله هو الذى وضع نظام الكهنوت فى الكنيسة، ولذلك هو لا يخالفه.
بَلْ بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ وَاللهِ الآبِ: فى (أع2:13) نرى أن الذى قال إفرزوا لى شاول هو الروح القدس، وهنا نرى أن الذى دعاه هما الابن والآب. ولاحظ أنه ذكر الابن قبل الآب. وفى (غل3:1) نجده يضع الآب قبل الابن، وهكذا فى (مت19:28). والذى قابله فى الطريق إلى دمشق كان المسيح. من كل هذا نرى وحدانية الثالوث والمساواة بين الأقانيم، ونلاحظ أنه لم يقل بيسوع المسيح والله، فهذا يعنى أن يسوع المسيح ليس هو الله. ولكن نفهم من قوله بيسوع المسيح والله الآب الوحدة بين الآب والإبن. فمشيئة الآب هى مشيئة الابن. ولماذا يذكر الرسول الآب؟ لأن الآب أرسل الرسول ليشهد للمسيح ويبشر به. والله الآب دعا بولس الرسول بواسطة ابنه الذى ظهر له فى الطريق. فالله الآب يدعو لخدمة المسيح والتعرف عليه.
الَّذِي أَقَامَهُ مِنَ الأَمْوَاتِ: هذه الكلمات تشير لعمل المسيح معنا، فالمسيح حين مات متنا معه فى المعمودية فتبرأنا من الخطية، وحينما قام قمنا معه فى قيامته فصرنا أولادًا لله الآب فى المسيح. بولس هنا يشهد أن المسيح الذى أرسله هو الذى رآه فى طريقه إلى دمشق قائمًا من بين الأموات. هو يركز هنا على هذه القيامة التى صرنا بها أبناء لله الآب. هذا هو التبرير الذى ليس من الناموس. ولأن هذه الرسالة هدفها إثبات التبرير بالنعمة وليس بأعمال الناموس، هذه النعمة حصلنا عليها بالقيامة من الأموات، قيامة المسيح، وبالإيمان والمعمودية صرنا نقوم مع المسيح. لذلك فمن أول آية فى الرسالة يشير للقيامة من الأموات التى حصل بواسطتها التبرير. فالرسول يدخل فى الموضوع من الآية الأولى .
آية (2):- "2وَجَمِيعُ الإِخْوَةِ الَّذِينَ مَعِي، إِلَى كَنَائِسِ غَلاَطِيَّةَ: "
بولس فى غضبه قال إِلَى كَنَائِسِ غَلاَطِيَّةَ: دون أن يصفهم بالأحباء أو بالقديسين كما تعود فى باقى رسائله، بل وبلا أى كلمة مديح. 2وَجَمِيعُ الإِخْوَةِ: هو ذكر جميع الإخوة هنا ليشير أن جميعهم متفقين معه فى الإيمان الذى يكرز به.
آية (3):- "3نِعْمَةٌ لَكُمْ وَسَلاَمٌ مِنَ اللهِ الآبِ، وَمِنْ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ،"
الرسول يعطيهم البركة الرسولية ويطلب لهم ملء النعمة كقوة صادرة من المسيح لكل من يؤمن، وهذه النعمة تحفظ المؤمن من الهرطقات. ويطلب لهم السلام الذى يحفظهم من الإنزعاج والتشويش الذى يثيره الإخوة الكذبة. وهم بإرتدادهم عن النعمة يفقدون السلام مع الله. فمن له النعمة يكون له السلام. وسلام الإنسان مع الله علامة على رفع حالة الغضب الإلهى عن الإنسان كمتعد على الله. والنعمة هى عطية الله المجانية، ومن يريد أن يعود للناموس يسقط من النعمة (غل21:2 +4:5). مِنَ اللهِ الآبِ، وَمِنْ رَبِّنَا يَسُوعَ: فالله الآب أكمل لنا نعمة الخلاص بالمسيح الابن. الآب يريد لنا الخلاص، والابن يحوّل هذه الإرادة إلى عمل. فالابن والروح القدس هما اقنومى التنفيذ .
آية (4):- "4الَّذِي بَذَلَ نَفْسَهُ لأَجْلِ خَطَايَانَا، لِيُنْقِذَنَا مِنَ الْعَالَمِ الْحَاضِرِ الشِّرِّيرِ حَسَبَ إِرَادَةِ اللهِ وَأَبِينَا،"
هنا بولس يذكر أهل غلاطية بأن خطاياهم غُفرت بالفداء وليس بالختان أو أعمال الناموس، وراجع ما قاله فى (غل21:2 + 4:5) فهو مكمل لهذه الآية.
وهذه الآية حين تأتى بعد آية 3 نفهم من هذا أن موت المسيح ليغفر خطايانا كان هو السبب فى حصولنا على النعمة والسلام.
لِيُنْقِذَنَا مِنَ الْحَاضِرِ الشِّرِّيرِ: هذا نفس ما قاله السيد المسيح " لست أسأل أن تأخذهم من العالم بل أن تحفظهم من الشرير... أيها الآب إحفظهم فى إسمك" (يو11:17، 15) ونلاحظ أن العالم نفسه ليس شرًا ولكن المشكلة فى الاستخدام الخاطئ للعالم، فالأشجار ليست شرًا، ولكن الشر فيمن أخذ خشب الأشجار وصنع منها تماثيل ليعبدها. فالعالم إذًا ليس شرًا ينبغى علينا أن نتركه، لكن الرسول يطلب من الله أن ينقذنا من المبادئ الفاسدة والأفعال الآثمة التى فى العالم. نحن قد غُفرت خطايانا بالمعمودية ولكننا نظل نعيش فى العالم معرضين لحروب وخداعات ولا غنى لنا عن معونة المسيح حتى لا نهلك (2كو3:11+ أف12:6 + 1يو19:5) والله فى محبته لا يطفئ فتيلة مدخنة، فهو يدرك أولاده بنعمته ليحفظهم، وإن تهاونوا كأهل غلاطية يرسل لهم خدامه الأمناء مثل بولس الرسول، وإذا أصر المؤمن على أن يبتعد عن الله قد يسمح الله بتجربة تعيده إلى صوابه (كما فعل مع الابن الضال إذ سمح له بمجاعة)، ولو فشلت كل هذه الوسائل يترك الله الإنسان لمصيره.
حَسَبَ إِرَادَةِ اللهِ وَأَبِينَا،: فالله يريد أن الجميع يخلصون (1تى4:2) لذلك دبر الفداء، وبالفداء حصلنا على البنوة التى لم نكتسبها بالناموس، فلماذا العودة للناموس. اللهِ وَأَبِينَا: هذه تعنى الله الذى هو أيضاً أبينا.
آية (5):- "5الَّذِي لَهُ الْمَجْدُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ. "
بولس إذ تحدث وشعر بعمل المسيح لأجله يسبحه بهذه التسبحة.
آية (6):- "6إِنِّي أَتَعَجَّبُ أَنَّكُمْ تَنْتَقِلُونَ هكَذَا سَرِيعًا عَنِ الَّذِي دَعَاكُمْ بِنِعْمَةِ الْمَسِيحِ إِلَى إِنْجِيل آخَرَ! "
فى الآيات (6ـ9) نجد الرسول يشير إلى موضوع رسالته دون أى كلمة مديح لهم، بل بدأ بتقريعهم مباشرةً وذلك يعبر عن انزعاجه وغضبه (غل20:4).
تَنْتَقِلُونَ: استخدمت هذه الكلمة فى نقل المواريث. وكان هذا ممنوعًا فى العهد القديم، فالله صاحب الأرض، وهو أعطاها لهم كأمانة، فليس من حقهم بيعها والمعنى الروحى أننا لنا نصيب فى ميراث السماء وعلينا ألاّ نبيعه بشهوة أو لذة خاطئة فهذا ثمن رخيص. وتعنى أيضًا ألاّ نغيّر ما ورثناه من عقائد. أسلمها الله للكنيسة. عَنِ الَّذِي دَعَاكُمْ: الذى دعاهم هو الله الآب نفسه، وبهذا فهم يتحولون عن الله نفسه (1كو9:1 + غل 16،15:1).
بِنِعْمَةِ الْمَسِيحِ: نعمة المسيح هى قوة، فكيف ارتد الذين دعاهم الله ولهم هذه النعمة؟! أولاً لأنهم استهانوا بما حصلوا عليه ولم يتمسكوا به وذلك تحت إغراء الحية فى شخص الإخوة الكذبة، فتسرب سم الحية من أفواه الإخوة الكذبة إليهم. ولكن نجد المسيح لا يترك أولاده فهو بنعمته أرسل لهم بولس الرسول بهذه الرسالة. والمسيح بنعمته قادر أن يستعيد لهم نور الروح القدس المنطفئ فى قلوبهم ليعيدهم إلى حظيرة النعمة. ومن يتمسك بالنعمة التى فيه ويقاوم صوت العدو لا تقدر قوة فى الدنيا أن تزعزعه.
إِلَى إِنْجِيل آخَرَ!: أى بشارة أخرى أو تعليم آخر.
آية (7):- "7لَيْسَ هُوَ آخَرَ، غَيْرَ أَنَّهُ يُوجَدُ قَوْمٌ يُزْعِجُونَكُمْ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُحَوِّلُوا إِنْجِيلَ الْمَسِيحِ. "
لَيْسَ هُوَ آخَرَ: هم انتقلوا من بشارة النعمة المجانية إلى بشارة لها الخلفية المسيحية ولكن عمادها الختان وعوائد الناموس، وهذه ألغاها إنجيل المسيح. ونلاحظ أن لفظ "آخَر" فى آية 6 فى اليونانية مختلف عن آية 7 ففى آية 6 "آخر" تعنى من نوع مختلف تمامًا (مثل إنجيل المسيح وناموس موسى)، أما فى آية 7 "آخر" تعنى إنجيل ثان قد يكون من نفس النوع أو المضمون (مثل إنجيل مرقس وإنجيل يوحنا مثلاً). وبهذا يقصد الرسول بولس أنهم تحوّلوا إلى إنجيل آخر مختلف فى المضمون. لأن الناموس يلغى النعمة. وبالتالى فهم تحوّلوا إلى لا شئ، أى لا إنجيل بالمرة. ونلاحظ أن كل ما دعا إليه الإخوة الكذبة هو الإحتفاظ بالختان والسبت، وهذا سبب كل هذا الغضب لبولس وأسمى بشارتهم إنجيل آخر، فماذا عن الطوائف التى تغيّر أساسات التعليم المسيحى، إن من يسمح بأقل إنحراف عما تسلمناه يفتح الباب لأكبر إنحراف. يُزْعِجُونَكُمْ: يريدون تغيير الإنجيل بالقوة أو بالحيلة أو التشكيك.
آية (8):- "8وَلكِنْ إِنْ بَشَّرْنَاكُمْ نَحْنُ أَوْ مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ بِغَيْرِ مَا بَشَّرْنَاكُمْ، فَلْيَكُنْ «أَنَاثِيمَا»."
أَنَاثِيمَا: باطل أو محروم. وفى الحروب اليهودية كانوا يقتلون من حَرَمَه الله ويحرقون كل ماله. إذًا أناثيما تعنى ملعونًا وخاسرًا لحياته الأبدية. وفى (رؤ18:22، 19) من يزيد أو ينقص كلمات الله يصير محرومًا بهذا المعنى. وبشارة الإخوة الكذبة باطلة وتؤدى إلى حرمان المؤمنين وسقوطهم من نعمة المسيح التى دُعوا إليها.
نَحْنُ أَوْ مَلاَكٌ: هم قالوا إن بطرس ويعقوب أى الإثنى عشر يقولون بعكس ما تقول... فقال ولو حتى ” مَلاَكٌ مِنَ السَّمَاءِ” قال بعكس ما أقوله فليكن محرومًا فما أقوله هو ما تسلمته من الرب مباشرة، والرب هو خالق الملائكة. وقوله ملاك من السماء تمييزًا عن كهنة الكنائس الذين يسمون ملائكة أيضًا (راجع سفر الرؤيا ص 3،2،1). بولس يريد هنا أن يقول بنوع من المبالغة إنه حتى لو ملاك من السماء قال غير ما قلته، وليس فقط الإثنى عشر، فليكن محرومًا. فليس المهم مَنْ الذى يبشر بل نوع البشارة التى نسمعها. والمبالغة التى استخدمها هنا، استخدمها أيضًا فى (رو38:8). وبولس هنا لا يمجد نفسه فهو أدخل نفسه فى دائرة الحرمان لو علَّم بغير ما سبق وقاله لهم ويقوله لهم أيضًا فى هذه الرسالة.
آية (9):- "9كَمَا سَبَقْنَا فَقُلْنَا أَقُولُ الآنَ أَيْضًا: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يُبَشِّرُكُمْ بِغَيْرِ مَا قَبِلْتُمْ، فَلْيَكُنْ «أَنَاثِيمَا»!"
التكرار للأهمية. ونلاحظ أن أى تغيير فى العقيدة يتسبب فى الحرمان .
آية (10):- "10أَفَأَسْتَعْطِفُ الآنَ النَّاسَ أَمِ اللهَ؟ أَمْ أَطْلُبُ أَنْ أُرْضِيَ النَّاسَ؟ فَلَوْ كُنْتُ بَعْدُ أُرْضِي النَّاسَ، لَمْ أَكُنْ عَبْدًا لِلْمَسِيحِ. "
يقصد بولس هنا أنه مسوق من الله ليقول هذا التعليم، وأيضًا هذا الكلام العنيف. هو ينفذ وصايا سيده ويرضيه، ولا يهتم إن كان هذا الكلام يرضيهم أم لا. بل ولا يهتم فى كلماته بأن يرضى الإخوة الكذبة أو يرضى اليهود حتى وإن صمموا على قتله وغالباً فقد روجَ الإخوة الكذبة إشاعة ضد بولس أنه يداهن البشر لأجل منفعته أو ليرضى جماعة ما. وبولس يرد هنا أنه لو كان يخدعهم لما استطاع أن يخدع الله، أما لو أراد أن يرضى الناس. لكان الأصلح له أن يبقى مع اليهود مضطهدًا للكنيسة، أو بعد أن صار مسيحيًا أن يرضى المتهودين، وبهذا يرضى اليهود أيضًا ويرضى الرومان الذين يعترفون باليهودية كدين رسمى فى الدولة. أما الآن فهو يعرض نفسه لغضب الرومان واليهود والمتهودين.
الآيات (11-12):- "11وَأُعَرِّفُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ الإِنْجِيلَ الَّذِي بَشَّرْتُ بِهِ، أَنَّهُ لَيْسَ بِحَسَبِ إِنْسَانٍ. 12لأَنِّي لَمْ أَقْبَلْهُ مِنْ عِنْدِ إِنْسَانٍ وَلاَ عُلِّمْتُهُ. بَلْ بِإِعْلاَنِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ. "
يبدأ هنا بولس الرسول فى سرد جزء من حياته الشخصية لنرى أنه استلم هذا الإنجيل من الله مباشرة. والإنجيل الذى استلمه يتلخص فى أن المؤمن يخلص بفداء المسيح بالنعمة وليس بأعمال الناموس. والله اختاره من بطن أمه خاصة لنشر هذا الإنجيل. وهو لم يستلم ما يعلّم به من الرسل، فالرسل مازالوا يمارسون الصلوات فى الهيكل ويمارسون الختان، بل أن يعقوب نصح بولس الرسول أن يحلق شعره...
آية (13):- "13فَإِنَّكُمْ سَمِعْتُمْ بِسِيرَتِي قَبْلاً فِي الدِّيَانَةِ الْيَهُودِيَّةِ، أَنِّي كُنْتُ أَضْطَهِدُ كَنِيسَةَ اللهِ بِإِفْرَاطٍ وَأُتْلِفُهَا. "
هنا نرى بولس الرسول قبل أن تفعل فيه النعمة فعلها. واعتراف الرسول العلنى هنا يريد به إثبات عمل النعمة فيه.
آية (14):- "14وَكُنْتُ أَتَقَدَّمُ فِي الدِّيَانَةِ الْيَهُودِيَّةِ عَلَى كَثِيرِينَ مِنْ أَتْرَابِي فِي جِنْسِي، إِذْ كُنْتُ أَوْفَرَ غَيْرَةً فِي تَقْلِيدَاتِ آبَائِي. "
نرى هنا أن بولس الرسول يشير إلى أن تعمقه فى الديانة اليهودية أدى إلى وحشيته ضد كنيسة الله فلماذا يريدون الإرتداد لليهودية؟
ولكن هل اليهودية والتعمق فيها تقود للوحشية، كيف وهى ديانة إلهية؟!
هنا نلاحظ دقة تعبيرات بولس الرسول فهو يقول:
إِذْ كُنْتُ أَوْفَرَ غَيْرَةً فِي تَقْلِيدَاتِ آبَائِي: ومن هنا نفهم أن الدين اليهودى فى حد ذاته لا يؤدى للوحشية فهو من كلمات الله نفسه، وكلمات الله لا تؤدى للوحشية ولكن نرى أن ما قاده للوحشية:
1ـ تَقْلِيدَاتِ الآبَاء: فهو استلم الغيرة الجاهلة والتعصب المجنون من آبائه، وما أوصلهم لهذا هو البر الذاتى والأنا. فالمتعصب دائمًا يتعصب لنفسه وليس لله. والمتعصب يصل للتوحش.
2ـ الغَيْرَةً : وهى التعصب المجنون دون فهم وهذا ما أسماه فى (رو2:10) أنها غيرة ليست حسب المعرفة. هذه هى التى أدت لهذه الوحشية. ولكن لو كان بولس تعمق فى اليهودية بتواضع لصاحبته نعمة الله ولصار مثل الاثنى عشر. ولكن الغيرة مع التعصب والكبرياء والذات تصل بالإنسان للضلال. وهذا هو الفارق بين سمعان الغيور (لو15:6) ويهوذا الجليلى (أع37:5). لذلك قال بولس الرسول: " حسنةٌ هى الغيرة فى الحسنى" (غل18:4). ونفهم أن بولس فى غيرته اليهودية ما كانت قوة فى الدنيا قادرة على إقناعه، وإنما إقناعه تم بنعمة إلهية وقوة فائقة. ولقد انتشله الله كشعلة منتشلة من النار (زك2:3) وجعلته النعمة خليقة جديدة (2كو17:5).
إذًا ما قاد بولس للوحشية ليست الديانة اليهودية بل تفسيرات وتعاليم آباء اليهود الخاطئة والتى شوهت الديانة اليهودية، وهذا ما هاجمه السيد المسيح أيضًا (مت1:15 – 9 + 16:23 - 22).
آية (15):- "15وَلكِنْ لَمَّا سَرَّ اللهَ الَّذِي أَفْرَزَنِي مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَدَعَانِي بِنِعْمَتِهِ. "
أَفْرَزَنِي: كلمة فريسى تعنى مفرزًا للناموس، فكانت مسرته السابقة أن يكون مفرزاً للناموس. ولكن مسرة الله دعته ليكون مُفرزًا للإنجيل. ولكى نفهم أن النعمة مجانية، نرى بولس يشرح هذا، بأن الله دعاه وهو مازال فى بطن أمه دون أن تكون له أعمال مثل التى يدعون للعودة إليها كالختان وأعمال الناموس.
الرسول يريد أن يقول: أنتم تقولون إن الخلاص بالختان وأعمال الناموس والله أفرزنى واختارنى بدونها وأنا مازلت فى بطن أمى. وبولس لم يخترع شيئاً جديداً إذ قال هذا. فأرمياء سبق وقال نفس الشىء( 5:1)
آية (16):- "16أَنْ يُعْلِنَ ابْنَهُ فِيَّ لأُبَشِّرَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ، لِلْوَقْتِ لَمْ أَسْتَشِرْ لَحْمًا وَدَمًا. "
دعوة بولس الرسول هى من الله (1كو1:9 + 8:15 + أع14:22، 18).
وحين آمن بولس وعرف المسيح، صار المسيح حياته، وصار له فكر المسيح، صار المسيح يحيا فيه (غل20:2+ فى21:1 + 1كو16:2). وبهذا كانت تعاليم بولس ليست من كتب وقراءات أو من مصادر خارجية بل من المسيح الذى يحيا فيه: يُعْلِنَ ابْنَهُ فِيَّ لأُبَشِّرَ بِهِ: المسيح الذى فى بولس أنار عقله وقلبه فتكلم باختبار حى. المسيح هو كلمة الله، فحينما سكن الله فى بولس سكنت كلمة الله فيه. هو اختبر الابن متحدثًا فيه. هو لا يقدم شيئًا عن المسيح بل يقدم المسيح ذاته (غل1:3). لأُبَشِّرَ بِهِ بَيْنَ الأُمَمِ: فالله دعاه وأعطاه هذه الرؤيا لينفذ خطة معينة، وليتمم عملاً هو بشارة الأمم. والله يضع لكل منا خطة ويطلب منا عملاً معيناً خلقنا لأجله أف 10:2
لَمْ أَسْتَشِرْ لَحْمًا وَدَمًا: لم أسأل الرسل الإثنى عشر، ولم أستشر حتى نفسى ورغائبى. فحتى لو كانت رغبتى ضد دعوة المسيح لما إستجبت لرغبتى. فيونان مثلاً تشاور مع نفسه ورفض دعوة الله. ونحن علينا أن ننفذ وصايا الله دون حتى أن نفكر أو نتشاور مع أنفسنا .
آية (17):- "17وَلاَ صَعِدْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ، إِلَى الرُّسُلِ الَّذِينَ قَبْلِي، بَلِ انْطَلَقْتُ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ، ثُمَّ رَجَعْتُ أَيْضًا إِلَى دِمَشْق. "
من إستلم إرساليته من الله لا يحتاج أن يستشر أحداً وقوله هذا ليس فيه شبهة كبرياء. بل هو لتأكيد أن إرساليته من الله. ولو كان قد سأل الرسل لكان فى شك مما قاله له الله ويريد أن يتأكد . هو يقول هذا ليقطع الطريق على المعلمين الكذبة الذين يشككون فى صدق إرساليته.
انْطَلَقْتُ إِلَى الْعَرَبِيَّةِ: العربية هى شرق بلاد الشام أى سوريا، فبعد ظهور الرب لبولس فى الطريق احتاج لمزيد من الوجود فى حضرة الرب لمراجعة الحياة برمتها، أى ما عرفه وتعلمه كيهودى من الكتاب المقدس وما استلمه حديثاً من الرب. والروح القدس كان يرشده. وهذه هى الخلوة المطلوبة لكل واحد منا، ولذلك يوصى بولس تلميذه تيموثاوس بالتعليم. فى هذه الخلوة وسط ضجيج العالم نسمع صوت الروح القدس يعلمنا ويكلمنا عن المسيح (يو14:16) وهذا لا يمكن سماع صوته إلاّ فى الهدوء، كما سمع إيليا صوت الله فى الهدوء (1مل12:19) وليس وسط الأسواق (نش2:3). إن ما نسمعه فى الخلوة الهادئة من صوت الروح القدس هو الذى ينطبع فى قلوبنا ويؤثر فينا فعلاً. مثال: لقد قرأنا مئات المرات قول الكتاب: " لا تخف" ونعرف عددها فى الكتاب وإنه 365 مرة بعدد أيام السنة، فهل فعلاً نحن لا نخاف؟! لكن إذا سمعنا صوت الروح فى الداخل خلال خلوتنا اليومية لانتزع الخوف من داخلنا ولشعرنا بسلام عجيب.
ذهب بولس للعربية ليتزود بالروح ويسمع صوت الروح، يعلّمه كنوزًا جددًا وعتقاء. قبل أن ينطلق للكرازة، محتملاً آلامًا فى سبيل الرب. وغالبًا فهو قد كرز هناك، وكانت كرازته عظيمة بدليل غضب الحارث والى دمشق عليه ولكنه لتواضعه لم يحكى لنا عن نجاحاته فى العربية.
ثُمَّ رَجَعْتُ أَيْضًا إِلَى دِمَشْقَ: وهناك كان الحارث الذى سمع بأخبار كرازته فنصب له كمينًا ليقتص منه ولكنه هرب من السور فى سلٍ (أع25:9ـ30 + 2كو32:11، 33).
آية (18):- "18ثُمَّ بَعْدَ ثَلاَثِ سِنِينَ صَعِدْتُ إِلَى أُورُشَلِيمَ لأَتَعَرَّفَ بِبُطْرُسَ، فَمَكَثْتُ عِنْدَهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا. "
إذًا نفهم أن بولس قضى 3 سنوات يكرز بالمسيح دون أن يذهب للرسل فهو إذًا لم يستلم إرساليته منهم. لأَتَعَرَّفَ: لا ليتعلم منه أو ليضيف شيئًا لإيمانه. بل هو أراد أن يتعرف ويتباحث مع من هو عمود الكنيسة، هذا الذى سمع عنه كثيرًا، فيتعزوا ويفرحوا معًا بعمل الله فى الكنيسة. وهو قد ذهب إلى بطرس فى محبة متحملاً مشقات السفر. إذًا نزاعه معه بعد ذلك لم يكن بدافع شخصى بل لحماية الإيمان. ولقد ترك بولس الرسول أورشليم بعد ذلك إثر رؤيا (أع17:22ـ21). فالله لا يريد له البقاء فى أورشليم بل أن ينطلق للأمم.
آية (19):- "19وَلكِنَّنِي لَمْ أَرَ غَيْرَهُ مِنَ الرُّسُلِ إِلاَّ يَعْقُوبَ أَخَا الرَّبِّ. "
أَخَا الرَّبِّ: من زوجة سابقة ليوسف أو ابن خالة أو ابن عم.
آية (20):- "20وَالَّذِي أَكْتُبُ بِهِ إِلَيْكُمْ هُوَذَا قُدَّامَ اللهِ أَنِّي لَسْتُ أَكْذِبُ فِيهِ. "
هو يؤكد أقواله أمام الله حتى لا يتهمه أحد بالكذب. قُدَّامَ اللهِ: إن بولس دائمًا يشعر أنه فى حضرة الله (رو8:1، 9).
آية (21):- "21وَبَعْدَ ذلِكَ جِئْتُ إِلَى أَقَالِيمِ سُورِيَّةَ وَكِيلِيكِيَّةَ. "
الله دعا بولس الرسول سنة 36م ثم قضى 3 سنوات فى العربية. ثم زار أورشليم سنة 38 م ولم يرى فيها سوى بطرس ويعقوب. ثم ذهب لسوريا وكيليكية فى شمال البحر المتوسط (شمال شرق)، وطرسوس هى عاصمة كيليكية.
الآيات (22-23):- "22وَلكِنَّنِي كُنْتُ غَيْرَ مَعْرُوفٍ بِالْوَجْهِ عِنْدَ كَنَائِسِ الْيَهُودِيَّةِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ. 23غَيْرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَسْمَعُونَ:« أَنَّ الَّذِي كَانَ يَضْطَهِدُنَا قَبْلاً، يُبَشِّرُ الآنَ بِالإِيمَانِ الَّذِي كَانَ قَبْلاً يُتْلِفُهُ»."
بولس كان غيرمعروفًا بالوجه لكنهم كانوا يسمعون عنه، كيف أنه كان مضطهداً للمسيحية ثم تحوّل إلى كارز لها، لكنهم لم يعرفوه أو يسمعوه ككارز. هم أشاعوا عنه أنه علّم فى اليهودية بضرورة الختان، وهنا ينفى أنه علّم أصلاً فى اليهودية.. معنى كلامه هنا: من أين أتيتم بهذا الكلام وهذه الإشاعات .
آية (24):- "24فَكَانُوا يُمَجِّدُونَ اللهَ فِيَّ. "
لم يقل أعجبوا بىَ، بل مجدوا الله لعمله فىَّ، أى أعطوا المجد لله لأنه غيّر بولس كل هذا التغيير (ملحوظة: حينما نمجد الخادم نجعله ينتفخ. إذًا فلنمجد الله الذى يعمل فى الخادم). فى هذه الآيات يثبت بولس أنه لم يكن هناك عداء بينه وبين مسيحيى الختان فى كنائس أورشليم واليهودية .
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الأول
رفض التعاليم الخاطئة وحياة بولس قبل وبعد الإيمان
(1) تحية بولس ودفاعه عن رسوليته ع 1 - 5 :
ع 1 : لا من الناس ولا بإنسان : أى لم يتتلمذ على يد بشر ولم يرسله إنسان للبشارة0 بل بيسوع المسيح والله الآب : كمصدر واحد للإرسالية ، فالآب والإبن واحد فى الجوهر ، وهذا إعتراف بلاهوت المسيح إذ يقر بولس الرسول بأنه ( المسيح ) ليس من الناس أى ليس إنساناً عادياً0 الذى أقامه من الأموات : نُسبت قيامة المسيح من الأموات للآب أحياناً وللمسيح أحياناً أخرى ، فإذا كان القديس بولس نسبها للآب هنا ، فلا ننسى أنَّ المسيح قال عن موته وقيامته " لى سلطان أن أضعها ولى سلطان أن آخذها أيضاً " يو 10 : 18 0 يبدأ القديس بولس رسالته بلهجة شديدة كغير عادته ، بتعريف نفسه ورسوليته ، التى هى من المسيح الرب ذاته ، شأنه فى ذلك شأن جميع الرسل والتلاميذ الذين أرسلهم المسيح أثناء تجسده ، معلناً أنه ليس مرسلاً من الرسل أو من أى مصدر إنسانى ، ليرد بذلك على الذين يشككون فى رسوليته بحجة أنه لم يعاين المسيح على الأرض ، وبالتالى فهو أقل شأناً فى مكانته وفى قيمة ما يُعلم به ، وذلك لنشر تعاليمهم الغريبة بوجوب الختان والتهود والخضوع لأعمال الناموس0
ع 2 : كنائس غلاطية : كانت غلاطية ولاية أو مقاطعة شملت عدة كنائس ، فهى لم تكن مدينة واحدة أو كنيسة واحدة بل عدة كنائس منتشرة فى بعض المدن مثل " أنثيرا " و " ثافيوم " وقد إنتشرت التعاليم الغريبة فى المنطقة كلها ؛ ويرسل لهم التحية باسمه وباسم مرافقيه فى الخدمة فى ذلك الوقت0
ع 3 - 4 : نعمة لكم وسلام : يتمنى لهم عمل نعمة الله فيهم وخاصة السلام الذى يملأ قلوبهم0 أبينا : أى بالفداء نلنا نعمة التبنى0 ينقذنا من العالم الحاضر الشرير : لم نعد مستعبدين للخطية0 يُظهر بولس الرسول وحدانية الآب والإبن فى الجوهر كمصدر للنعمة والسلام0 فإن كان الإبن قد قدم الفداء ، إلاَّ أنه قد تم حسب إرادة الآب0 وهكذا يظهر وحدانية الإرادة بين الآب والإبن ؛ وأظهر بذلك أنَّ الخلاص بدم المسيح ، وليس كما يُنادى المعلمون الكذبة بأعمال الناموس0
ع 5 : يختتم الرسول المقدمة بتقديم المجد لله ، لأنه مستحق المجد والإكرام إلى الأبد00
+ هل نعطى نحن المجد والشكر دائماً لله على نعمة الفداء والتبنى وأنه يحفظنا كل يوم من شرور العالم الحاضر لنكون معه فى الأبدية ؟!
(2) رفض التعاليم الخاطئة وحرم من يتبعها ع 6 - 10 :
ع 6 : سريعاً : آمن وتعمد الغلاطيون منذ ستة سنوات قبل كتابة هذه الرسالة عندما زارهم بولس فى رحلته الأولى ، وكذلك فى رحلته الثانية منذ ثلاث سنوات كانوا متمسكين بالإيمان السليم0 إذاً فقد كان تغيرهم قبل كتابة هذه الرسالة بزمن قليل ، فيتعجب الرسول لتأثرهم بتعليم المعلمين الكذبة وتركهم الإيمان الذى عاشوه منذ حوالى خمس سنوات0 إنجيل آخر : بشارة أخرى مختلفة أى تعاليم المعلمين الكذبة0 إعتاد بولس الرسول فى رسائله ، بعد المقدمة ، أن يقدم الشكر لله لأجل المرسل إليهم ، أمَّا هنا فيبدأ بتوبيخ شديد اللهجة لخطورة التحول عن الإيمان الصحيح ، فهى قضية حياة أو موت0 ويعطيهم أملاً فى التوبة ، فلا يقول أنتم إنتقلتم وانتهى الأمر بل تنتقلون ، أى أنه يمكنهم التوبة والرجوع والثبات فى الإيمان0 ويستنكر باندهاش لسرعة تحولهم حينما آمنوا على يديه بدعوة من الله الذى دعاهم لنعمة المسيح لنوال الفداء والخلاص المجانى ، إلى دعوة أخرى للخلاص بأعمال الناموس والختان0
ع 7 : ليس هو آخر : أى ليس إنجيلاً بالمرة ، والذين ينادون به يقلقونكم ، لأنه لا يوجد سوى إنجيل واحد ، حتى لو كتبه البشيرون الأربعة ، فمعناه وبشارته واحدة ، بينما قد يكتُب واحد من الناس كتاباً يُناقض نفسه فيه0
ع 8 ، 9 : إن بشرناكم نحن : هنا يضع بولس نفسه فى مرتبة الرسل ، وأنَّ بشارته هى نفسها إنجيل باقى الرسل0 وقد إدَّعى المعلمون الكذبة أنَّ بولس بعدما بشر غلاطية غيَّر تعاليمه ، لذا فهو هنا يحكم على نفسه بالحرمان إن كان قد غيَّر تبشيره كما يتهمه المعلمون الكذبة وذلك لتأكيد البشارة الصحيحة بالمسيح التى بشرهم بها0 ملاك من السماء : الشيطان الذى يمكن أن يغير شكله إلى شبه ملاك نور 2ك 11 : 14 0 بغير ما بشرناكم : أى تسلمتم0 أناثيما : أى محروماً0 يستخدم بولس هنا سلطان الحِل والربط كما سلمه الرب لتلاميذه0 لذلك كان بولس الرسول يشدد على الأمانة فى التسليم 2تى 1 : 13 ، 1كو 11 : 23 ، 2تى 2 : 2 ، وقدمت الكنيسة القبطية الأرثوذكسية آلاف الشهداء للحفاظ على ما تسلمته من الإيمان السليم ، فيجب علينا ضرورة التمسك بالإيمان الذى تسلمناه من الآباء0 ونلاحظ أنَّ السلطان الرسولى لم يكن للإفتخار بل للبُنيان 2كو 10 : 8 0 ويضع بولس نفسه فى دائرة الحرمان إن غيَّر إيمانه0 وبهذا يوضح أنه لا يحتقر بشارة باقى الرسل بل إنَّ البشارة المسيحية مصدرها واحد وهو الروح القدس0
ع 10 : كان بولس يُرضى الناس فى كل شئ حتى وإن كان على حساب نفسه " كما أنا أيضاً أُرضى الجميع فى كل شئ غير طالب ما يوافق نفسى " 1كو 10 : 33 0 ولكن عندما يختص الأمر بالإيمان والعقيدة ، فلا يتنازل ولا يُظهر أى إستعداد للتساهل ، فهو يخضع للحق الذى فى المسيح لأنه عبد للمسيح وليس للناس0
+ هل نحن نُرضى الله أم الناس ؟!00كان بيلاطس متأكداً من براءة المسيح ولكنه أرضى الناس وسلمهم إياه ليُصلب0 فكل من يُرضى الناس على حساب الله فهو يدوس على حق المسيح0 وقد إحتمل بولس آلاماً كثيرة جداً كان فى غِنى عنها لو قال ما يُرضى الناس ، لكنه كان حريصاً على سلامة الإيمان المرضى للمسيح0
(3) دعوة بولس وحياته قبل الإيمان ع 11 - 14 :
ع 11 ، 12 : يدافع الرسول عن صحة الإنجيل الذى يبشر به وأنَّ تعاليمه لم يتسلمها من إنسان بل بإعلان يسوع المسيح نفسه ، وهذا دليل كافٍ لصحة بشارته0 ولابُد أنَّ هذا قد تم من الرب مباشرة فى فترة خلوته فى الصحراء العربية بجوار دمشق بعد رؤياه للرب ع 17 0
ع 13 ، 14 : بإفراط : أى بلا رحمة0 أتلفها : أى أخربها وأُشتت المؤمنين فيها بالإساءة إليهم بكل الطرق حتى القتل0 أترابى : أى الذين فى نفس سِنة من بنى إسرائيل0 يُذكرهم بولس الرسول بسيرته السابقة ، وكيف أنه كان يهودياً غيوراً على تعاليم موسى ، وكان متقدماً فى علوم الديانة اليهودية لأنه تعلَّم على يد أعظم معلمى الناموس وهو غمالائيل اع 22 : 3 ، فى 3 : 5 ، 1تى 1 : 13 وذلك لكى يُظهر قوة النعمة الإلهية فى حياته ، بعدما كان أكثر من أترابه إضطهاداً للمسيحيين0 ولكن عندما دعاه الرب يسوع تحول بكل طاقته لبناء كنيسة المسيح بعدما كان يعمل على إتلافها0 فلقد كان زعيماً دينياً يهودياً متعصباً للتقاليد الناموسية الفريسية ، ولكن بعد أن عرف الحق تحول تماماً للدفاع عن المسيحية والتبشير بها0
+ كن مستعداً لسماع الرأى الآخر ، فيرشدك الله مهما كان إنحرافك وتعود للحق0 لا تهمل رأى غيرك أو تقاطعه ، بل صلِ أثناء سماعك له فتتعلم من كل أحد وتزداد حكمة من الله يوماً فيوم0
(4) حياة بولس بعد قبول الإيمان ع 15 - 24 :
ع 15 ، 16 : أفرزنى من بطن أمى : كانت دعوته من بطن أمه بسابق عِلم الله الذى أفرزه لمهمة خاصة كما أُفرز يوحنا المعمدان من بطن أمه0 أُبشر بين الأمم : كان تركيز بولس فى التبشير على بلاد العالم المملوءة بالأمم ولم يبشر فى اليهودية ، ولكن ليس معنى هذا أنه لم يبشر اليهود القليلين الساكنين بين الأمم بل إهتم بهم لأنَّ عندهم النبوات عن المسيح وساعدوه فى خدمته ببلاد كثيرة0 حقاً حدث تحول فى حياة بولس الرسول وهو فى طريقه لدمشق حين كان ذاهباً ليضطهد كنيسة المسيح ، ولما أعلن الله نفسه لبولس قَبِلَ الدعوة فسرَّ الله أن يعلن إبنه فيه0 ويقول ذهبى الفم أنَّ بولس قال " أن يُعلن إبنه فىَّ " ولم يقل " لى " لكى يشير إلى أنه لم يتقبل الإيمان بالكلمات فقط بل بعمل الروح القدس فيه " أحيا لا أنا بل المسيح يحيا فىَّ " غل 2 : 20 ، فتغيرت حياته وسلوكياته0 للوقت : قَبِلَ بولس الدعوة وانطلق إلى الصحراء ( شرق الأردن ) ومكث فيها ثلاث سنين للصلاة والخلوة ودراسة النبوات عن المسيح ومراجعة ما درسه وطلب مشورة الله ، وهو باتضاع لم يذكر ذلك فى رسالته فقال : لم أستشر لحماً ودماً : فهو يحتاط بسبب الذين يشككون فى رسوليته فيؤكد أنَّ دعوته كانت من المسيح مباشرة ولم يطلب مشورة أحد ، بل ذهب إلى الخلوة فى الصحراء مباشرة0 يبين بولس الرسول أنَّ الله عندما دعاه وهو فى طريقه إلى دمشق ، آمن واعتمد ثم إنطلق إلى صحراء العربية بجوار دمشق فى خلوة لمدة ثلاث سنين إستلم فيها من المسيح كل التعاليم ، فصار رسولاً له مثل باقى التلاميذ الإثنى عشر0
ع 17 : الذين قبلى : كان تجمع الرسل ومركز التبشير فى أورشليم فلم يذهب إليهم بولس ليستشيرهم0 وهو هنا يُعلن أنه رسول وأنَّ تلاميذ المسيح رسل قبله0 العربية : صحراء بالقرب من مدينة دمشق فى سوريا وهى غير شِبه الجزيرة العربية أو صحراء سيناء0 دمشق : مدينة قديمة مازالت بنفس الإسم حتى الآن كعاصمة لسوريا0 رغم أنَّ بولس بقى أياماً فى دمشق بعدما عمده حنانيا ، إلاَّ أنه لم يصعد إلى أورشليم بل إنطلق إلى البرية ، فرجع بقلب نارى ملتهب بعد أن تسلم تعاليمه من الرب نفسه0
ع 18 ، 19 : ثلاث سنين : من عماده على يد حنانيا وقضاها فى صحراء العربية ثم عاد إلى دمشق فترة قصيرة وذهب منها إلى أورشليم0 حينما صعد بولس لأورشليم ليتعرف على بطرس ، لم يبقَ هناك سوى 15 يوماً ، وتقابل مع يعقوب الذى يذكره بوقار قائلاً " أخا الرب " ، وهو إبن مريم زوجة كلوبا وأخت العذراء مريم وكان أسقفاً لأورشليم0 ولم يقابل غيرهما من الرسل لأنهم كانوا يكرزون خارج أورشليم ، فيعلن أنه لم يكن يعمل منفرداً بل بروح غير منفصل عن قيادة الكنيسة0 وهو لم يتعجل فى لقاء بطرس الرسول بعد عماده مباشرة لأنَّ مجال كرازته كان بين الأمم وليس بين اليهود مثل بطرس كما أعلن له المسيح اع 22 : 17 - 21 0
ع 20 ، 21 : مضى بولس الرسول للخدمة فى أنطاكية وكيليكية ( طرسوس موطنه ) ليكرز بين الأمم ، فهو لم يصعد لأورشليم ليتعلم من بطرس بل ليتعرف عليه0 وهو يقول الصدق والله شاهد عليه أنه لا يكذب0
ع 22 ، 23 : يذكر القديس بولس باتضاع أخطاءه السابقة وكيف أنَّ الكنائس التى من أصل يهودى قد قبلته بعد تحوله رغم أنهم لم يكونوا قد شاهدوه من قبل ، بل سمعوا عن سيرته وقسوته فى اضطهاد المسيحيين0
ع 24 : كان المؤمنون فى كنائس اليهودية يُصلون من أجله واستجاب الله لطلبتهم ، لذلك كانوا يمجدون الله بسبب عمله فى حياة بولس ، فكان قبوله لدعوة الله نتيجتها أن قال " يُعلن الله فىَّ000يُمجدون الله فىَّ "0
+ أوصانا السيد المسيح " ليرى الناس أعمالكم الحسنة ويمجدوا أباكم الذى فى السموات " مت 5 : 16 فهل نحن كذلك ؟000إن كانت الكنيسة تعمل تمجيداً لله فى أعياد القديسين لأنَّ المسيح كان يحيا فيهم فظهر بنوره وتعاليمه فى حياتهم العملية ، فهل حياتنا تمجد الله أم تُعثر الآخرين ؟! وهل نُصلى من أجل توبتنا وتوبة الآخرين ليتمجد الله فينا ؟!0
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح