كلمة منفعة
قد يفشل الإنسان في علاقاته مع الآخرين، ليس بسبب سوء القصد، إنما بسبب سوء التعبير.
— التعبير
الرسالة الثانية إلى أهل كورنثوس 8
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
كورنثوس الثانيه - الاصحاح رقم 8
كورنثوس الثانيه
الإصحاح رقم 8
الباب الرابع : خدمة القديسين
خدمة القديسين
مع اهتمام الخادم بحياته الروحية وحياة الآخرين لا يتجاهل خدمة القديسين، لا كعطاءٍ إنسانيٍ بحت بل كعمل روحي.
1. يسألهم الرسول أن يقدموا نفوسهم قبل مالهم (1:8-8) "أعطوا أنفسهم أولاً للرب ولنا بمشيئة اللَّه" (5:8) .
2. إنه ثمر عمل المسيح (9: 11)، فقد علمنا العطاء عمليًا. "من أجلكم أفتقر وهو غنى لكى تستغنوا أنتم بفقره" (9:8). صار السباق بينهم من يصير غنيًا متمتعًا بفقر المسيح الاختيارى.
3. العطاء بسخاء: "لأن المعطي المسرور يحبه اللَّه " (7:9).
الإصحاح الثامن
السخاء في العطاء
إذ تحدث في الإصحاح السابق عن التعزيات المتبادلة والفرح العظيم الذي غمر أهل كورنثوس بتوبتهم، وانعكاس هذا على الرسول بولس، تحدث عن الحب العملي تجاه فقراء أورشليم الذين عانوا الكثير بسبب اضطهادهم وحلول مجاعة بها وأيضًا بسبب الحروب؛ هذا وطلب منهم أن يقبلوا تلميذه تيطس ورفيقيه.
إنه كرسول للأمم لم يتغافل عن احتياجات المسيحيين الذين من أصل يهودي، ولا حسب الخدمة في أورشليم ليست من اختصاصاته. إنه أب محب لكل البشر كسيده، شعر بالالتزام أن يحث المسيحيين من أصل أممي للمساهمة بسخاء في تقديم احتياجات الكنيسة في أورشليم.
في هذا الإصحاح يظهر الرسول اهتمامه الشديد بالفقراء أينما وجدوا، وليس فقط فقراء الكنائس التي يخدم فيها. كما أبرز ضرورة اختيار أناس موثوق في أمانتهم وإخلاصهم أمام اللَّه والناس حتى لا يتعثر أحد فيهم أثناء خدمته الخاصة بالعطاء. كما سألهم أن يربطوا عطاء القلب بالمال، ويربطوا السخاء بالحكمة والاعتدال.
1. سخاء كنائس مكدونية 1-6
2. دعوة للعطاء 7-15
3. توصيته بتيطس ورفيقيه 16-24
1. سخاء كنائس مكدونية
"ثم نعرفكم أيها الاخوة نعمة اللَّه المعطاة في كنائس مكدونية" ]1[.
انتهز الرسول فرصة تقديم كنائس مكدونية، أي الكنائس في فيلبي وتسالونيكي وبيريه وغيرها من منطقة مكدونية، العطاء بسخاء لحث أهل كورنثوس ومسيحيي أخائية للإقتداء بها. السخاء الذي اتسمت به هذه الكنائس ليس نابعًا عن جو من المنافسة، ولا حب الظهور، ولا لمجرد عاطفة بشرية مجردة، إنما هو ثمر نعمة اللَّه التي تعمل في القلب، فيصير محبًا لا لإعطاء المال فحسب، بل ولبذل الذات. إنه عطاء خلال الحب الإلهي المنسكب في النفس.
كل عطاء بل وكل فضيلة صالحة هي عطية أو نعمة من اللَّه. أيضًا إنها نعمة اللَّه هي التي تحول حياتنا لكي تكون بنِّاءة ونافعة في حياة الآخرين.
يقول الرسول بولس أنهم يتقبلون نعمة اللَّه، وأنهم قبلوا كلمة الإيمان بتقوى.
+ الصدقة صناعة، حانوتها في السماء، ومعلمها ليس إنسانا بل اللَّه.
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ نعمة اللَّه يقصد بها بولس اقتناء كل عملٍ صالح. بقوله هذا لا يُستثنى دور الإرادة الحرّة، ولكن التعليم هنا هو أن كل عمل صالح يصير ممكنًا بعون اللَّه.
ثيؤدورت أسقف قورش
إذ تعمل النعمة الإلهية في قلب المؤمن تفتح قلبه بالحب لاخوته فيصير متشبهًا باللَّه.
+ ليس شيء يجعلنا هكذا مقربين من اللَّه وعلى شبهه مثل العمل الحسن.
+ الصدقة قوية وذات سلطان حثى تحل القيود والأغلال،
وتبدد الظلام،
وتخمد سعير نار جهنم،
وتؤهل فاعلها للتشبه باللَّه، لقوله: "كونوا رحماء كما أن أباكم الذي في السماوات هو رحوم".
+ الرحمة بالآخرين فضيلة سامية، يُسر اللَّه بها. وهي صفة عالية تتسم بها النفوس الصالحة وتزيدها فخرًا ونبلاً. إنها من صفات اللَّه.
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ عملان للرحمة يجعلان الإنسان حرًا: اغفر يُغفر لك، أعطِ فتنال.
+ ماذا يشحذ منك الفقير؟ خبزًا. ماذا تشحذ من اللَّه؟ المسيح القائل: "أنا هو الخبز الحيّ النازل من السماء.
+ إن أردت أن تطير صلواتك مرتفعة إلى اللَّه، هب لها جناحين: الصوم والصدقة.
القديس أغسطينوس
"إنه في اختبار ضيقة شديدة فاض وفور فرحهم وفقرهم العميق لغنى سخائهم" ]2[.
مع أن مسيحيي مكدونية فقراء ومضطهدون، يعانون من الضيق لكنهم أغنياء للغاية في البهجة والفرح أنهم وجدوا فرصة سانحة للعطاء للاخوة في ضيقة أشد، أكثر فقرًا واضطهادًا.
هكذا خلال نعمة اللَّه تشعر الكنائس الفقيرة والتي في محنة بالالتزام أن تسند الكنائس التي أكثر منها فقرًا أو ضيقًا. بمعنى آخر لا يُعفى مسيحي من العطاء، لأنه يئن مع أنات من هم أكثر منه تعبًا واحتياجًا.
العطاء بسخاء يِوِّلد وفورًا من الفرح الداخلي. فإذ يعطي الإنسان مما لديه تنفتح أبواب قلبه ليتقبل عطايا السماء السخية المقدمة له.
بالرغم من أن المكدونيين كان لديهم عجز في المصادر المادية كانت نفوسهم غنية، إذ هم يخدمون القديسين بضمير طاهر، محاولين أن يُرضوا اللَّه لا الناس.
+ هذا هو علوّ التسبيح، لأنه في الأحزان يبقون في سلام، وفي أعماق الفقر يعطون بسخاء مما لديهم.
ثيؤدورت أسقف قورش
+ من له نفس رحيمة يكون كمن له كنز من البركات، إذ تكون ينبوعًا لاحتياجات اخوته ومصدر تمتع بكل المكافآت التي أعدها الإله.
+ الرحمة تُصعد الإنسان إلى علوٍ شامخٍ، وتعطيه دالة بليغة عند اللَّه.
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ إن كنت حزينًا وأنت تعطي فأنت تفقد كلاً من الخبز والاستحقاق، لأن اللَّه يحب المعطي المسرور.
القديس أغسطينوس
"لأنهم أعطوا حسب الطاقة، أنا أشهد وفوق الطاقة، من تلقاء أنفسهم" ]3[.
في سخائهم لم يضعوا قاعدة للعطاء كأن يقدموا العشور أو أكثر، إنما كانوا يشعرون بالرغبة في تقديم كل ما يمكنهم تقديمه، بل وفاقوا حتى هذا المبدأ. فقدموا أنفسهم للَّه بكل قلوبهم، وقدّموا لهم من أعوازهم، أكثر فأكثر فوق طاقتهم، متشبهين بالأرملة التي قدمت الفلسين، وهما كل ما كانت تملكه.
"ملتمسين منّا بطلبة كثيرة أن نقبل النعمة وشركة الخدمة التي للقديسين" ]4[.
الرسول في أبوته الحانية رفض مثل هذا العطاء بالرغم من احتياج كنيسة أورشليم، لأنه فوق طاقتهم. ألهب هذا التصرف بالأكثر قلوبهم ليصروا على العطاء، فصاروا يتوسلون إليه بإلحاح لكي يقبل العطية، حاسبين في ذلك نعمة ينالونها من قبل اللَّه وشركة في خدمة القديسين.
كان إصرارهم بثقة كاملة في الإيمان وبذهن نقي متطلعين إلى المكافآت السماوية مما جعل الرسول يقبل عطاياهم في النهاية.
"شركة الخدمة التي للقديسين": بالعطاء نعلن عن عضويتنا العاملة في جسد المسيح المقدس. ما نقدمه للمحتاجين هو عطاء للرأس الذي يهتم بكل أعضاء جسده المقدس.
+ بقدر ما يكون الإنسان من "الأصاغر" هكذا بالأكثر يأتيك المسيح خلاله، لأن من يعطي إنسانًا عظيمًا يفعل هذا بزهوٍ، أما من يقدم للفقراء فبنقاوةٍ يفعل هذا من أجل المسيح.
القديس يوحنا الذهبي الفم
"وليس كما رجونا، بل أعطَوا أنفسهُم أولاً للرب ولنا بمشيئة اللَّه" ]5[.
لم يكن ينتظر بولس الرسول مثل هذا العطاء العجيب فإنهم ليس فقط قدموا ما هو فوق طاقتهم، بل أعطوا أنفسهم للرب وللرسول ومن معه حسب مشيئة اللَّه. قدموا أنفسهم أولاً للرب، وأذ رأوا في مشيئة اللَّه أن يقدموها لخدامه حققوا هذه المشيئة الإلهية لحساب مجد اللَّه.
لن تقبل العطية ما لم تُقدم أولاً للرب وحسب مشيئته ولمجد اسمه القدوس، مقدمين أنفسهم أو قلوبهم قبل ممتلكاتهم.
+ الكلمات "ليس كما توقعنا" تشير ليس فقط إلى رغبة المكدونيين في العطاء، بل وإلى كمية العطاء.
ثيؤدورت أسقف قورش
"حتى أننا طلبنا من تيطس أنه كما سبق فابتدأ كذلك يتمم لكم هذه النعمة أيضًا" ]6[.
بدأ تيطس خطة الجمع لأهل أورشليم حين كان قبلاً في كورنثوس. وكانت الكنيسة هناك قد قبلته بتكريمٍ عظيمٍ، وشعر الكل بحبه لهم. الآن يرسله الرسول لكي يتمم هذه المهمة الخاصة بنعمة العطاء.
+ حسنًا يشير إلى العطاء فيدعوه نعمة... فإنه صلاح عظيم وعطية من اللَّه... هذه النعمة أعظم من اقامة الموتى. فإن اطعام المسيح وهو جائع أعظم بكثير من إقامة الموتى باسمه... فعند عمل آيات تكون أنت مدينًا للَّه، وفي تقديم العطاء تجعل اللَّه مدينًا.
القديس يوحنا الذهبي الفم
2. دعوة للعطاء
"لكن كما تزدادون في كل شيء: في الإيمان والكلام والعلم وكل اجتهاد ومحبتكم لنا، ليتكم تزدادون في هذه النعمة أيضًا" ]7[.
يشجعهم الرسول من أجل مواهبهم وتقدمهم، طالبًا منهم أن يضموا إليها نعمة العطاء.
أظهر فيض هذه النعم عليهم مبتدئا بالإيمان ويختمها بمحبتهم للرسل والخدام، وكأنه يقول لهم بأن لديهم إمكانيات التمتع بهذه النعمة الخاصة بالعطاء، مادام لديهم وفرة من الإيمان وأيضًا الحب. فالإيمان هو مصدر النعم خاصة إن اتحد بالكلام أي بالتعليم، والعلم والمعرفة، والاجتهاد. تحمل كنيستهم كنوز الشهادة الحية مع المعرفة الصادقة لإرادة اللَّه والمثابرة للنمو في ملكوت اللَّه، فماذا بعد ينقصهم؟ لقد تأهلوا عمليًا للعطاء كما يليق. إنهم أغنياء في الإيمان والحب مع المعرفة الروحية الصادقة، وتأهلوا لميراث الملكوت، هذا يدفعهم للعطاء للمضطهدين من أجل الملكوت والمحتاجين.
"لست أقول على سبيل الأمر، بل باجتهاد آخَرين مختبرًا إخلاص محبتكم أيضًا" ]8[.
لم يرد أن يصدر أمرًا بالعطاء ولا أن يضع حدودًا معينة، معطيا لهم الفرصة لكي يظهر كل واحد حبه الداخلي الذي يسمو فوق كل قانون ملزم. قانونهم في العطاء هو حبهم الخالص وقلوبهم المتسعة ومعرفتهم الصادقة لمشيئة اللَّه، وإرادتهم المقدسة الحرة. أما المثل العملي أمامكم فهو غيرة الآخرين (كنائس مكدونية) واجتهادهم، لا بل السيد المسيح نفسه، إذ يقول:
"فإنكم تعرفون نعمة ربنا يسوع المسيح أنه من أجلكم افتقر وهو غني لكي تستغنوا أنتم بفقره" ]9[.
من غنى نعمته أنه وهو الغني، خالق الكل، من أجلنا افتقر، حيث أخلى نفسه وصار في شكل العبد، وأطاع حتى الموت موت الصليب، حتى بفقره الإرادي هذا نتمتع بحبه، ونغتني بنعمته فيصير لنا حق الشركة معه في الميراث الأبدي.
+ صار الرب فقيرًا لكي يعطي راحة للفقراء. صار مع البشر فقيرًا حتى لا ييأس أحد من الخلاص بسبب فقره.
القديس جيروم
+ إن كنت تتمثل باللَّه قدر امكانية طبيعتك، فستلبس أنت نفسك الشكل الطوباوي.
القديس غريغوريوس أسقف نيصص
+ مَن مِن بين البشر يعرف كل كنوز الحكمة والمعرفة المخفية في المسيح ومحتجبة في فقر جسده؟ مع كونه غنيًا صار فقيرًا من أجلنا حتى بفقره نغتني. عندما لبس قبولنا للموت قتل الموت، ظهر في فقرٍ لكنه وعدنا بالغنى الذي ارجأه فقط، إنه لم يفقد الغنى الذي أُخذ منه.
القديس أغسطينوس
+ ليس شيء يثير النفس العظيمة الحكيمة (الفيلسوفة) لإتمام الأعمال الصالحة مثل تعلمها بأنها بهذا تتشبه باللَّه. أي تشجيع يعادل هذا؟ لا شيء! هذا يعرفه بولس تمامًا عندما حثهم على التواضع.
القديس يوحنا الذهبي الفم
"أُعطى رأيًا في هذا أيضًا، لأن هذا ينفعكم أنتم الذين سبقتم فابتدأتم منذ العام الماضي، ليس إن تفعلوا فقط بل إن تريدوا أيضًا" ]10[.
لا يتحدث كمن يصدر أمرًا بل كمن يعطي مشورة، وهي أنكم قد بدأتم هذا العمل منذ عام فيليق بكم أن تكملوه بالعمل مع المسرة.
بقوله "تريدوا" thelein هنا تتمموا العمل مع الإرادة، أو المسرة. عملهم يشبه برعمًا قد نبت لكن يحتاج إلى اهتمام وتكملة حتى لا يموت.
"ولكن الآن تمموا العمل أيضًا حتى إنه كما إن النشاط للإرادة كذلك يكون التتميم أيضًا حسب ما لكم" ]11[.
لا يتجاهل الرسول إرادتهم الصادقة للعمل، لكن يليق بكل شخص أن يعمل قدر المستطاع، فإن الإرادة ينقصها العمل. العمل بغير إرادة جادة تنزع عن النفس الفرح والبهجة، والإرادة بغير عملٍ جاد تقتل ما هو صالح فيها.
"لأنه إن كان النشاط موجودًا فهو مقبول على حسب ما للإنسان لا على حسب ما ليس له" ]12[.
إن كانت الإرادة قائمة ونشيطة تصير مقبولة لدى اللَّه إن تُرجمت إلى عملٍ جادٍ قدر ما يستطيع المؤمن، حسب ما لديه دون إن يقدم مما هو ليس ملكه، كأن يسلب حق والديه عليه أو حق أولاده وزوجته تحت دعوى العطاء.
"فإنه ليس لكي يكون للآخرين راحة ولكم ضيق" ]13[.
فلا يقدم الإنسان للآخرين حتى يصيروا في حالة ترف بينما تئن أسرته من العوز. يلزمه أن يكون حكيمًا في عطائه، فيرتبط الحب بالحكمة.
"بل بحسب المساواة، لكي تكون في هذا الوقت فُضالتُكم لأعوازِهم، كي تصير فُضالتُهم لأعوازِكم، حتى تحصل المساواة" ]14[.
بحكمة يقدم الشخص مما يفضل عنه ليقدم الضروريات للغير، كما يقبل من الغير ما يفضل عنهم لإشباع ضرورياته. فيوجد نوع من المساواة. لقد سمحت العناية الإلهية بوجود نوعٍ من عدم التساوي في ما يمتلكه الأشخاص، لكي تفتح الباب لممارسة الحب عمليًا بالعطاء المتبادل بين البشرية.
+ كيف تكون المساواة؟ أنتم وهم تقدمون من فضلات كل منكم وتشبعون احتياجات الآخر. وأي نوع من المساواة هذا: تقديم الروحيات مقابل الجسديات؟ فإنه من هذا الجانب أسمى من الآخر، فلماذا يدعو ذلك مساواة؟ إما بسبب الفيض والاحتياج، أو يقول هذا بخصوص الحياة الحاضرة فقط. لهذا السبب بعد قوله "المساواة" أضاف "في الحياة الحاضرة". الآن يقول هذه الأمور لكي يصد الأفكار المتشامخة التي للأغنياء، ولكي يُظهر أنه بعد رحيلنا من هنا سيكون للأمور الروحية فضل أعظم. هنا نتمتع بالمساواة، وأما هناك فسيوجد تمييز أعظم وتفوق عظيم عندما يضئ الأبرار أكثر بهاءً مما للشمس.
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ من يقدم عونًا مؤقتًا للذين لهم مواهب روحية إنما يحسبون شركاء في المواهب الروحية. فإنه وان كان الذين لهم مواهب روحية قلة قليلة، بينما كثيرون لديهم الأمور الزمنية بفيض، فإنه بهذه الوسيلة يمكن لمن لهم ممتلكات أن يشتركوا في فضائل المحتاجين، بأن يقدموا مما يفضل عنهم للفقراء المقدسين.
البابا غريغوريوس (الكبير)
"كما هو مكتوب الذي جمع كثيرًا لم يفضل، والذي جمع قليلاً لم ينقص" ]15[.
يشير هنا إلى ما ورد في سفر الخروج (16: 18) حيث جمع بنو إسرائيل من المن في الصباح قبل الدفء، فالذين أكثروا في الجمع لم يكثر، وما تبقى منه إلى اليوم التالي فسد، ومن جمع أقل أكل هو وأسرته وشبعوا ولم يشعروا بالحاجة إلى طعامٍ أكثر. هكذا إذ نعطي أو نأخذ، بالعطاء لا نصير في عوزٍ، وبالأخذ لن يصير لنا ما يفضل عنا، لأننا حتمًا نترك كل ما لدينا.
3. توصيته بتيطس ورفيقيه
"ولكن شكرًا للَّه الذي جعل هذا الاجتهاد عينه لأجلكم في قلب تيطس" ]16[.
ما يشغل قلب بولس يشغل قلب تيطس تلميذه، فقد انطلق من نفسه إلى كورنثوس ليحثهم على العطاء. هنا يقدم الرسول ذبيحة شكر للَّه الذي وضع في قلب تيطس ما وضعه في قلبه نحوهم.
"لأنه قبل الطلبة، وإذ كان أكثر اجتهادًا، مضى إليكم من تلقاء نفسه" ]17[.
لم يتضايق الرسول لأن تيطس تحرك من نفسه للعمل، بل فرح به، وشكر اللَّه الذي عمل في قلب تلميذه كما في قلبه هو. لقد أوصاه الرسول بالذهاب إليهم فوجد أنه كان قد وضع في قلبه أن يفعل ذلك قبل أن يسأله.
"وأرسلنا معه الأخ الذي مدحه في الإنجيل في جميع الكنائس" ]18[.
يرى البعض إن هذا الأخ الذي طلب منه الرسول مرافقة تيطس هو لوقا البشير. هذا الأخ يعرفه كثيرون خلال خدمته، ويمتدحونه في كنائس كثيرة. البعض يرى أن هذا الأخ هو سيلا أو برنابا أو مرقس أو أبلوس. على أي الأحوال كان الشخص معروفًا جدًا للكنيسة في كورنثوس، ورفيقًا للرسول بولس في خدمته، إذ يقول:
"وليس ذلك فقط، بل هو منتخب أيضًا من الكنائس، رفيقًا لنا في السفر مع هذه النعمة المخدومة منّا، لمجد ذات الرب الواحد ولنشاطكم" ]19[.
إنه خادم موثوق فيه يعمل لحساب ملكوت اللَّه ولنمو الكنيسة في كورنثوس.
بقوله: "مُنتخب من الكنائس، رفيقًا لنا في السفر" تكشف أن الرسول بولس كان يقدر رأي الجماعة حتى في اختيار من يرافقه في رحلاته التبشيرية.
+ يبدو لي انه يشير إلى برنابا بكونه هذا الشخص... ولكن ما هذا: "هذه النعمة المخدومة منا"؟ يقصد لكي يعلن الكلمة ويكرز بالانجيل، أو لكي يخدم في أمور المال. نعم بالأحرى يبدو أنه يشير إلى كليهما.
القديس يوحنا الذهبي الفم
"متجنبين هذا: أن يلومَنا أحد في جسامة هذه المخدومة منّا" ]20[.
كان الرسول يهتم جدًا ألا يتعثر أحد فيه أو في من يعمل معه، فكان العاملون معه مختارين من الكنائس، لهم سمعتهم الحسنة وسلوكهم غير الملوم، خاصة وأنه في هذه الخدمة يأتمن الشخص على فيض كبير من العطاء، فلا يسمح لأحد من الأشرار أن يشوه سمعة الخادم أو يتهمه بالطمع أو الخيانة.
"معتنين بأمور حسنة، ليس قدام الرب فقط، بل قدام الناس أيضًا" ]21[.
لا يكفي الخادم أن يكون مشهودًا له من اللَّه فقط العارف بالخفايا وإنما من الناس أيضًا حتى لا يتعثروا في الكنيسة.
+ بينما يناضل (الرسول) من أجل الحياة المستقيمة اهتم أن يدافع عن سمعته الصالحة أيضًا، معتنيًا بأمور حسنة في نظر اللَّه والناس. يخشى اللَّه ويرعى الناس. في نفس حديثه يفضل أن يُسر الآخرين بالأعمال أكثر من الكلام، حاسبًا إن الشيء يُقال عنه حسنًا إن كان متفقًا مع الواقع العملي، وأن المعلم يلزمه أن يضبط الكلمات، ولا يسمح للكلمات أن تتحكم فيه. هذا ما يقوله: "لا بحكمة الكلام لئلا يتعطل صليب المسيح".
القديس أغسطينوس
"وأرسلنا معهما أخانا الذي اختبرنا مرارًا في أمور كثيرة أنه مجتهد، ولكنه الآن أشد اجتهادًا كثيرًا بالثقة الكثيرة بكم" ]22[.
رافقهما خادم ثالث يعرفه الرسول بولس ويثق جدًا في غيرته ومحبته وأمانته، وقد زادت غيرته ونشاطه عندما أعلن أهل كورنثوس ثقتهم هم أيضًا فيه. كما أن الخادم الأمين يلهب قلوب شعب اللَّه للعمل، فإن ثقة الشعب بالخادم تدفع الخادم للعمل بأكثر قوة واجتهاد. علاقة الراعي بالرعية علاقة متبادلة، كل منهما يسند الآخر. يقال أن الخادم الثالث هو أبلوس.
"أما من جهة تيطس فهو شريك لي وعامل معي لأجلكم، وأما أخوانا فهما رسولا الكنائس ومجد المسيح" ]23[.
ختم حديثه بخصوص هذه الإرسالية للجمع بمدح الجميع، تيطس كشريك معه في الخدمة (مع أنه تلميذه) والرسولين الأخوين هما رسولا الكنائس ليعملا لمجد المسيح، غالبًا لوقا وأبلوس الرسولان.
"فبينوا لهم وقدام الكنائس بينة محبتكم، وافتخارنا من جهتكم" ]24[.
بعد أن مدح هؤلاء القادمين إليهم سألهم أن يترجموا محبتهم لهم عمليًا حتى يفتخر الرسول بأهل كورنثوس كشعب محب لخدام المسيح الأمناء.
+ بالكلمات المقدسة "قدام الكنائس" يقصد لمجد الكنائس أو كرامتها. فإن كنتم تكرمونهما فأنتم تكرمون الكنائس التي ارسلتهما. فلا تعبر الكرامة إليهما وحدهما بل وإلى الذين أرسلوهما، الذين ساموهما، وما هو أكثر من هذه لمجد اللَّه. فاننا إذ نكرم الذين يخدمونه، فإن السيرة الحسنة والمديح يعبران إليه، وإلى الجسد العام للكنائس.
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ لم يكن إيليا خادم الرب فى حاجة إلى خدمة الناس، إذ أرسل له الرب الغراب ومعه الخبز واللحم (1 مل 4:17-9). لكن لكي تتبارك الأرملة التقية أرسل لها الرب إيليا. وهذا الذي كان يطعمه الرب سرًا أطعمته الأرملة التقية. وقد أعلن الرب جزاء هذه الخدمة "من يقبل بارًا باسم بار فأجر بار يأخذ، ومن سقى أحد هؤلاء الصغار كأس ماء بارد فقط باسم تلميذ فالحق أقول لكم أنه لا يضيع أجره" (مت 41:10، 42).
القديس أغسطينوس
من وحى 2 كو 8
قلبي بين يديك،
هب له حب العطاء!
+ نزلت إليّ يا أيها الغني،
لكي أقتنيك في داخلي!
افتقرتَ من أجلي، لكي أتجاسر واتحد بك.
أتمتع بك، فتهبني شركة سمائك.
تعطيني من حياتك المقامة، فاغتني بك أبديًا.
+ من يفتح قلبي بالحب، فيجد مسرته في العطاء؟
نعمتك يا أيها الغني تهبني الحب.
لتحمل قلبي إلى سمائك المتسعة،
وليشكله روحك الناري فيصير أيقونتك،
يتسع جدًا ويصير سمائيًا، فيفيض بالعطاء بسرورٍ.
+ نعم، نعمتك هي تشكل أعماقي.
تحوّل قلبي الحجري إلى قلب سماوي.
تجعلني مقربًا إليك، ومتشبهًا بك.
تحل قيود محبتي للعالم الضيق،
وتحطم متاريس أنانيتي.
+ هوذا إرادتي بين يديك، قدسها.
تتناغم مع إرادتك إذ تعمل حسب نعمتك.
+ أجد لذتي في العطاء، متشبهًا بك يا صانع الخيرات.
وأحسب كل ما بين يدي ملكًا لك،
أوكلتني عليه لحساب كل بشرٍ.
فلا أكون كفمٍ يغلق على الطعام ولا يسلمه للمعدة وبقية الأعضاء،
يُصاب الفم بالعفونة ويحطم معه الجسم كله,
ما أوزعه هو ملك الكل، لا فضل لي عليهم.
+ اقبل عطاء نفسي لك مع كل عطاء لإخوتي.
هب لي روح البهجة مع العطاء،
فأختبر عربون تهليل السماءّ
+ مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ،
فمع كل عطاءٍ أراك تهبني التمتع بحضرتك.
مع كل عطاء تفيض مخازن قلبي بالخيرات.
من تفسير وتأملات الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الإصحاح الثامن
في الإصحاحين (8 : 9) يقدم بولس الرسول فلسفة العطاء في المسيحية. فالرسول يقدم خدمة روحية وكرازة. والشعب عليه دور في الشهادة لإنجيل المسيح بتقديم الخدمات المادية، وهذا يعتبر عمل روحي سامي أو درس عملي لا ينفصل عن خدمة الكلمة والكرازة. فالمسيحية هي عقائد وهى حياة عملية بلا إنفصال. لقد طلب المعلمين الكذبة أن يأتى بولس برسالة توصية من أورشليم، وبولس هنا يظهر محبته وإهتمامه بأورشليم أكثر منهم، فهو يطلب من أهل كورنثوس التبرع لأهل أورشليم. ويظهر أن الفقر قد إزداد في أورشليم نتيجة :- 1) مجاعة حدثت 2) الإضطهادات ومصادرة أموالهم (عب 10 : 34).
آية (1):- "1ثُمَّ نُعَرِّفُكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ نِعْمَةَ اللهِ الْمُعْطَاةَ فِي كَنَائِسِ مَكِدُونِيَّةَ،"
يتحدث الرسول هنا لأهل كورنثوس (إقليم إخائية) عن نعمة العطاء والرحمة التي ظهرت في كنائس مكدونية نحو إخوتهم المؤمنين المحتاجين، وذلك ليحث أهل إخائية (وعاصمتها كورنثوس) ليعملوا مثلهم. ونلاحظ من الآية أن الدافع للعطاء هو عمل نعمة الله في القلب.
آية (2):- "2أَنَّهُ فِي اخْتِبَارِ ضِيقَةٍ شَدِيدَةٍ فَاضَ وُفُورُ فَرَحِهِمْ وَفَقْرِهِمِ الْعَمِيقِ لِغِنَى سَخَائِهِمْ،"
فِي اخْتِبَارِ ضِيقَةٍ شَدِيدَةٍ = كان المقدونيون في فقر شديد وضيقة مالية (اتس2 : 14). ولولا نعمة الله لكانوا بسبب الضيقة قد أغلقوا على أنفسهم ولم يهتموا بالآخرين. ونلاحظ أنهم شعروا بفرح عميق إذ أعطوا = فَاضَ وُفُورُ فَرَحِهِمْ. إن فقرهم لم يعطلهم عن العطاء بسخاء. وبولس يستخدم غيرة وعطاء المكدونيون ليثير في الكورنثيين حب العطاء بسخاء مثل المكدونيين. ولم يكن الكورنثيين فقراء مثل المكدونيون (مكدونية هي المقاطعة الشمالية لليونان حالياً وإخائية هي المقاطعة الجنوبية في اليونان وعاصمتها كورنثوس. وكانت تسالونيكى وفيلبى في مكدونية). ويقول ذهبي الفم " إن العطاء لا يقاس بمقدار ما نعطى بل بالروح التي نفيض بها" (لو 21 : 3). وهنا نجد أن المقدونيون فاض فرحهم بوفرة إذ أعطوا بسخاء من أعوازهم.
آية (3):- "3 لأَنَّهُمْ أَعْطَوْا حَسَبَ الطَّاقَةِ، أَنَا أَشْهَدُ، وَفَوْقَ الطَّاقَةِ، مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهِمْ،"
هم أعطوا بإرادتهم الحرة ليس حسب طاقتهم فقط بل أكثر من طاقتهم.
آية (4):- "4مُلْتَمِسِينَ مِنَّا، بِطِلْبَةٍ كَثِيرَةٍ، أَنْ نَقْبَلَ النِّعْمَةَ وَشَرِكَةَ الْخِدْمَةِ الَّتِي لِلْقِدِّيسِينَ. "
مُلْتَمِسِينَ = قد يكون الرسول رفض عطاياهم أولاً لفقرهم، فألحوا عليه فوافق، إذ شعروا أن فرصة العطاء كانت لهم مكسباً روحياً وليس تفضلاً بعطاياهم على غيرهم. الَّتِي لِلْقِدِّيسِينَ = القداسة هي أن يعطى المؤمن ذاته للمسيح القدوس ويتحد به، والفقراء بهذا المعنى هم متحدين بالمسيح، فمن يعطى الفقراء يعطى المسيح.
آية (5):- "5وَلَيْسَ كَمَا رَجَوْنَا، بَلْ أَعْطَوْا أَنْفُسَهُمْ أَوَّلاً لِلرَّبِّ، وَلَنَا، بِمَشِيئَةِ اللهِ. "
لَيْسَ كَمَا رَجَوْنَا = هم أعطوا أكثر جداً ممّا كنا نرجو أن يعطوه. وهنا نرى أن العطاء هو عطاء النفس قبل المال = أَعْطَوْا أَنْفُسَهُمْ = فهم أعطوا أنفسهم لله أولاً بالكلية، ومن يعطى نفسه لله، لن يكون عسيراً عليه أن يعطى ماله، بل أي شئ. لقد رجونا منهم بعض الأموال فأعطوا لا الأموال فقط، بل أكثر مما طلبنا، بل أَعْطَوْا أَنْفُسَهُمْ... وَلَنَا = ساعدونا في الخدمة وربما في جمع العطايا. ولنفهم أننا ومالنا لله، فنحن لا نعطيه إلاّ مما له (1أى 29 : 14)
آية (6):- "6حَتَّى إِنَّنَا طَلَبْنَا مِنْ تِيطُسَ أَنَّهُ كَمَا سَبَقَ فَابْتَدَأَ، كَذلِكَ يُتَمِّمُ لَكُمْ هذِهِ النِّعْمَةَ أَيْضًا. "
يبدو أن تيطس كان قد سبق وإبتدأ الجمع من أهل كورنثوس حين كان في كورنثوس. وبولس يشجع هذا ويرسل تيطس ثانية ليكمل ما بدأه من الجمع.
كَذلِكَ يُتَمِّمُ لَكُمْ هذِهِ النِّعْمَةَ = فمن يعطى هو الذي يأخذ نعمة " فمغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ " (أع 20 : 35)
آية (7):- "7لكِنْ كَمَا تَزْدَادُونَ فِي كُلِّ شَيْءٍ: فِي الإِيمَانِ وَالْكَلاَمِ وَالْعِلْمِ وَكُلِّ اجْتِهَادٍ وَمَحَبَّتِكُمْ لَنَا، لَيْتَكُمْ تَزْدَادُونَ فِي هذِهِ النِّعْمَةِ أَيْضًا. "
كما أرى فيكم زيادة في الإيمان والمواهب، ياليتكم يوجد فيكم أيضاً هذه المحبة العملية في العطاء. فالرسول هنا يربط العطاء بالإيمان والمعرفة وكلمة الكرازة وكل فضيلة لينمو المؤمن في كل جوانب حياته. فِي الإِيمَانِ = التمسك بالمسيح والعقيدة الصحيحة عن المسيح. وهذا الإيمان هو أساس المسيحية وبدونه لا يمكن إرضاء الله (عب 11 : 6). وَالْكَلاَمِ = أي كلام الحكمة والمعرفة والوعظ. وَمَحَبَّتِكُمْ لَنَا = أي محبة الرسل والخدام. إذاً هم لهم وفرة من الإيمان والعلم وينقصهم الحب العملي أي العطاء.
آية (8):- "8لَسْتُ أَقُولُ عَلَى سَبِيلِ الأَمْرِ، بَلْ بِاجْتِهَادِ آخَرِينَ، مُخْتَبِرًا إِخْلاَصَ مَحَبَّتِكُمْ أَيْضًا. "
لست أقول هذا كأني آمركم. بَلْ بِاجْتِهَادِ آخَرِينَ = ضربت لكم مثلاً بإجتهاد أهل مكدونية لتفعلوا مثلهم. ولو فعلتم سيظهر لي إِخْلاَصَ مَحَبَّتِكُمْ.
آية (9):- "9فَإِنَّكُمْ تَعْرِفُونَ نِعْمَةَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنَّهُ مِنْ أَجْلِكُمُ افْتَقَرَ وَهُوَ غَنِيٌّ، لِكَيْ تَسْتَغْنُوا أَنْتُمْ بِفَقْرِهِ. "
العطاء إختيارى وبه نتمثل بالسيد المسيح، فهنا يقول.. لقد ضربت لكم مثالاً بما عمله أهل مكدونية، والآن فلتتمثلوا لا بأهل مكدونية فقط بل بالمسيح الذي وَهُوَ غَنِيٌّ = فهو له مجد أبيه. افْتَقَرَ = أخلى ذاته. وذلك ليهب الغنى الروحي لطبائعنا البشرية. والمعنى أنه لو تمثلنا بالمسيح نغتنى في الروحيات بل نغنى كثيرين.
آية (10):- "10أُعْطِي رَأْيًا فِي هذَا أَيْضًا، لأَنَّ هذَا يَنْفَعُكُمْ أَنْتُمُ الَّذِينَ سَبَقْتُمْ فَابْتَدَأْتُمْ مُنْذُ الْعَامِ الْمَاضِي، لَيْسَ أَنْ تَفْعَلُوا فَقَطْ بَلْ أَنْ تُرِيدُوا أَيْضًا. "
لقد سبقتم أهل مكدونية في رغبتكم في جمع الأموال، والآن تمموا ما نويتم وأردتم أن تفعلوه. لأَنَّ هذَا يَنْفَعُكُمْ = لن يضيع أجركم عن عطاياكم، فالله سيعوضكم عن تعب محبتكم. بَلْ أَنْ تُرِيدُوا = كانت لكم رغبة في هذا العمل، لقد كان هناك عمل جمع منكم ناشئ عن رغبة وليس بالإجبار.
آية (11):- "11وَلكِنِ الآنَ تَمِّمُوا الْعَمَلَ أَيْضًا، حَتَّى إِنَّهُ كَمَا أَنَّ النَّشَاطَ لِلإِرَادَةِ، كَذلِكَ يَكُونُ التَّتْمِيمُ أَيْضًا حَسَبَ مَا لَكُمْ. "
أنتم عزمتم من قبل على أن تقوموا بعمل العطاء، الآن نفذوا هذا العزم
كَمَا أَنَّ النَّشَاطَ لِلإِرَادَةِ = أي كما كان لكم الإستعداد والنشاط في الإرادة.
كَذلِكَ يَكُونُ التَّتْمِيمُ = يكون لكم أيضاً الإستعداد لأن تكملوا العمل بنشاط، لتتم هذه الإرادة، لتكون إرادة مصحوبة بعمل، فإنجازك للعمل هو الذي يشهد عليك.
حَسَبَ مَا لَكُمْ = أي حسب ما تستطيعون فأنا لا أثقل عليكم، ولا الله لا يطلب منكم ما هو أكثر من طاقتكم، أو أكثر مما تستطيعون أو تملكون.
آية (12):- "12لأَنَّهُ إِنْ كَانَ النَّشَاطُ مَوْجُودًا فَهُوَ مَقْبُولٌ عَلَى حَسَبِ مَا لِلإِنْسَانِ، لاَ عَلَى حَسَبِ مَا لَيْسَ لَهُ. "
الآية تعنى متى وُجِدَ الإستعداد والنشاط، يُقبل العطاء على قدر ما يملك الإنسان، لا على قدر ما لا يملك، أي أنا لا أطالبكم بما ليس في مقدوركم.
آية (13):- "13فَإِنَّهُ لَيْسَ لِكَيْ يَكُونَ لِلآخَرِينَ رَاحَةٌ وَلَكُمْ ضِيقٌ،"
أنا لا أطالبكم بأن تحرموا أنفسكم من ضروريات الحياة، لكي تكونوا أسخياء مع فقراء اليهود.
آية (14):- "14بَلْ بِحَسَبِ الْمُسَاوَاةِ. لِكَيْ تَكُونَ فِي هذَا الْوَقْتِ فُضَالَتُكُمْ لإِعْوَازِهِمْ، كَيْ تَصِيرَ فُضَالَتُهُمْ لإِعْوَازِكُمْ، حَتَّى تَحْصُلَ الْمُسَاوَاةُ. "
فُضَالَتُكُمْ لإِعْوَازِهِمْ = ما يفيض عنكم يا أهل كورنثوس إرسلوه للمعوزين في أورشليم. فُضَالَتُهُمْ لإِعْوَازِكُمْ هذه تعنى :-
1) أورشليم الآن محتاجة لعطايا كورنثوس، ولكن حينما يحتاج أهل كورنثوس في وقت ما تكون فضالة مؤمني أورشليم لكورنثوس. فحياتنا الجديدة في المسيح هي عطاء متبادل، فالكل محتاج لإخوته. وقد تعنى
2) أن أهل كورنثوس الأغنياء في الماديات ولكنهم حديثي الإيمان، عليهم أن يعطوا لأهل أورشليم ماديات، وأهل أورشليم الكنيسة الأم ، والأغنياء في الإيمان، فُضَالَتُهُمْ هي صلواتهم الشاكرة وروحياتهم العظيمة سينال أهل كورنثوس حديثي الإيمان = لإِعْوَازِكُمْ = أي ستنالون يا أهل كورنثوس بركات روحية عظيمة إستجابة لصلواتهم وتشكراتهم لله. وربما أن أهل أورشليم بإحتمالهم للضيقات بشكر سيكونون أمثلة حية لأهل كورنثوس.
آية (15):- "15كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ:«الَّذِي جَمَعَ كَثِيرًا لَمْ يُفْضِلْ، وَالَّذِي جَمَعَ قَلِيلاً لَمْ يُنْقِصْ»."
فلتتم إذاً هذه المساواة وفقاً لما هو مكتوب في(خر 16 : 18). أن هذا الطماع الذي جمع كثيراً، أكثر من حاجته، إنتن ما بقى عنده. وهذا الذي جمع قليلاً شبع ولم يحتاج لأكثر مما جمعه. كان هذا حدث مع شعب الله في جمع المن، ويستشهد به الرسول لكي يعطى كل واحد فضالته للمحتاج. ونفهم أن من يجمع ويكدس لن يكون له هذا سبب سعادة وفرح بل زيادة عناء. فلا يطمع إذاً الأغنياء في تكديس أموالهم، فإن هذا بلا نفع، بل يعطوا للفقراء.
الآيات(16-17):- "16وَلكِنْ شُكْرًا ِللهِ الَّذِي جَعَلَ هذَا الاجْتِهَادَ عَيْنَهُ لأَجْلِكُمْ فِي قَلْبِ تِيطُسَ، 17لأَنَّهُ قَبِلَ الطِّلْبَةَ. وَإِذْ كَانَ أَكْثَرَ اجْتِهَادًا، مَضَى إِلَيْكُمْ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِهِ. "
في (آية 6) نجد بولس يطلب من تيطس أن يذهب لهم للجمع، ولكننا هنا نسمع أن الروح حَرَّكَ قلب تيطس أن يذهب، فلم يكن محتاجاً إلى أن يقنعه بولس بالذهاب، ولا أن يلزمه بل ذهب برغبة حارة. ولذلك نجد بولس هنا يشكر الله أنه وضع في قلب تيطس ما وضعه في قلبه هو بولس من محبة.
الآيات(18-19):- "18وَأَرْسَلْنَا مَعَهُ الأَخَ الَّذِي مَدْحُهُ فِي الإِنْجِيلِ فِي جَمِيعِ الْكَنَائِسِ. 19وَلَيْسَ ذلِكَ فَقَطْ، بَلْ هُوَ مُنْتَخَبٌ أَيْضًا مِنَ الْكَنَائِسِ رَفِيقًا لَنَا فِي السَّفَرِ، مَعَ هذِهِ النِّعْمَةِ الْمَخْدُومَةِ مِنَّا لِمَجْدِ ذَاتِ الرَّبِّ الْوَاحِدِ، وَلِنَشَاطِكُمْ. "
الأَخَ الَّذِي مَدْحُهُ فِي الإِنْجِيلِ = غالباً هو لوقا بسبب إنجيله الذي كتبه ووعظه المستمر وكرازته وأمانته، ولوقا كان رفيقاً للسفر مع بولس. وبولس أرسله ليخدم خدمة العطاء مع تيطس ويسميها نعمة (آية 1). وذلك لتمجيد إسم الرب. وَلِنَشَاطِكُمْ = وجود لوقا وتيطس معكم في هذه الخدمة سيزيد من نشاطكم وغيرتكم وإهتمامكم. النِّعْمَةِ الْمَخْدُومَةِ مِنَّا = تشير للكرازة وخدمة العطاء والجمع، وبولس يقوم بهذه وتلك.
آية (20):- "20مُتَجَنِّبِينَ هذَا أَنْ يَلُومَنَا أَحَدٌ فِي جَسَامَةِ هذِهِ الْمَخْدُومَةِ مِنَّا. "
نحن في خدمتنا نأخذ كل هذه الإحتياطات حتى لا نتعرض لشك أو لوم في خدمتنا، وحتى لا يظن أحد أننا نرجو من وراء هذه الخدمة صالحاً شخصياً أو منفعة ذاتية، فأنا لا أجمع وحدي بل أرسلت إثنين لئلا يلوم أحد بولس الرسول. فالأمور المالية إن لم تكن واضحة ومكشوفة تماماً أمام الجميع، قد تسبب إرباكاً للخدمة والشك في الخدام. فالخادم محط أنظار الجميع.
آية (21):- "21مُعْتَنِينَ بِأُمُورٍ حَسَنَةٍ، لَيْسَ قُدَّامَ الرَّبِّ فَقَطْ، بَلْ قُدَّامَ النَّاسِ أَيْضًا. "
ونحن نحرص أن نسلك سلوكاً حسناً ليس فقط أمام ضمائرنا التي يكشفها الله، ولكن أيضاً أمام الناس فتكون أعمالنا الظاهرة موضع رضا الناس.
آية (22):- "22وَأَرْسَلْنَا مَعَهُمَا أَخَانَا، الَّذِي اخْتَبَرْنَا مِرَارًا فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ أَنَّهُ مُجْتَهِدٌ، وَلكِنَّهُ الآنَ أَشَدُّ اجْتِهَادًا كَثِيرًا بِالثِّقَةِ الْكَثِيرَةِ بِكُمْ. "
بولس أرسل شخصاً آخر مع تيطس ولوقا، ويثني عليه هنا كثيراً. وغير معروف من هو. وانا قد اختبرت نشاطه ، وإزداد نشاطه بسببكم.
آية (23):- "23أَمَّا مِنْ جِهَةِ تِيطُسَ فَهُوَ شَرِيكٌ لِي وَعَامِلٌ مَعِي لأَجْلِكُمْ. وَأَمَّا أَخَوَانَا فَهُمَا رَسُولاَ الْكَنَائِسِ، وَمَجْدُ الْمَسِيحِ. "
شهادة لمن أرسلهما حتى لا يتشكك فيهم أحد.
آية (24):- "24فَبَيِّنُوا لَهُمْ، وَقُدَّامَ الْكَنَائِسِ، بَيِّنَةَ مَحَبَّتِكُمْ، وَافْتِخَارِنَا مِنْ جِهَتِكُمْ. "
قدموا لهم البراهين على محبتكم بوفرة وسخاء عطاياكم. وانكم تستحقون ان نفتخر بكم.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثامن
جمع العطايا من كورنثوس للمحتاجين فى أورشليم
(1) سخاء عطايا المكدونيين ع 1 - 6 :
ع 1 : كنائس مكدونية : هى شمال اليونان ومن أشهر كنائسها فيلبى وتسالونيكى0 أرسل بولس إلى أهل كورنثوس فى الرسالة الأولى يدعوهم لجمع الصدقات من أجل إحتياجات المؤمنين الفقراء فى أورشليم0 والآن يشجعهم على العطاء بذكر كنائس مكدونية ، واهتمامهم بجمع التبرعات للمُحتاجين فى أورشليم0
ع 2 : تميزت عطايا أهل مكدونية ليس بكثرتها ، بل بالأحرى لأنها من مؤمنين يعانون من الفقر المادى ولكن يتمتعون بفرح روحى وافر وكثير ، فأعطوا من أعوازهم فوق ما هو متوقع منهم لأجل محبتهم للمسيح ، واهتمامهم بالمحتاجين فى أورشليم0
ع 3 : يُعلن بولس هنا حقيقتين هامتين فى عطايا كنائس مكدونية وهى :
1- أنهم أعطوا فوق طاقتهم إذ هم فقراء ومُحتاجون ، فأعطوا من أعوازهم0
2- من تلقاء أنفسهم وليس بأوامر من بولس أو إلحاح منه ، عكس ما حدث فى كورنثوس ، فتميزوا بإحساسهم المرهف بالمحتاجين0
ع 4 : يوضح بولس هنا فضيلتين جديدتين فى عطايا المكدونيين :
1- إلحاحهم على بولس أن يقبل عطاياهم ، فمحبتهم قوية للمحتاجين ، ولم يمنعهم فقرهم عن ذلك0
2- إتضاعهم فيلتمسون منه ألاَّ يرفض عطاياهم ليتمتعوا بشرِكة الحب مع إخواتهم فى جسد المسيح أى الكنيسة ، معتبرين إشتراكهم فى خدمة العطاء نعمة لا يستحقونها0
ع 5 : الفضيلة الخامسة فى عطاء المكدونيين هى استعدادهم أن يعطوا كل ما عندهم ، بل حتى أنفسهم0 وهذا على مثال ما فعله المسيح ، فلم يكتفِ بشفاء المرضى وإطعام الجموع ، بل بذل نفسه على الصليب لأجل خلاصنا0
ع 6 : كما تحرك المؤمنون فى مكدونية ليعطوا المحتاجين فى أورشليم ، إستحسن بولس أن يشترك الكورنثيون فى هذه النعمة أى خدمة العطاء0 وكان تيطس قد كلمهم عنها عندما كان عندهم ، ثم زارهم بعد ذلك وجمع هذه العطايا0
+ إنَّ أى عطاء تقدمه للمحتاجين ، سواء مادياً أو نفسياً بمساعدة فقير أو زيارة مريض أو الإهتمام بشخص يُعانى من متاعب نفسية ، هو نعمة لك لأنك تقدمها للمسيح الذى يفرح جداً بعطائك ويُكافئك ببركات كثيرة فى الأرض والسماء0
(2) تشجيع الكورنثيين على العطاء ع 7 - 15 :
ع 7 : يمدح بولس أهل كورنثوس لإهتمامهم بالنمو فى الفضائل ، وأعطى أمثلة لها : الإيمان : بالمسيح وعمله فيهم0 الكلام : التحدث عن الروحيات ومساندة وتشجيع الآخرين0 العِلم : معرفة الله والكنيسة وكل ما فيها0 اجتهاد : فى التوبة ورفض الخطايا ، وكذا لإكتساب الفضائل0 محبتكم لنا : فى طاعة بولس وتقدير كلامه وتعاليمه0 ثم يطلب منهم برقة أن يهتموا بالنمو فى هذه النعمة أى فضيلة العطاء0
ع 8 : يبين الرسول أنَّ العطاء ينتج عن المحبة والإحساس بالآخرين ، وليس مجرد إطاعة أوامر يصدرها بولس0 وأوضح أنه يوجه أنظارهم إلى اهتمام أهل مكدونية بالعطاء ، ثم ينتظر نتيجة محبتهم وإخلاصهم أن يعطوا هم أيضاً قدر ما يستطيعون0
ع 9 : يقدم الرسول تشجيعاً ثانياً لأهل كورنثوس على العطاء ، بعد تشجيعهم بعطاء المكدونيين ، وهو أعظم تشجيع لأنه بالمسيح نفسه الذى تنازل عن كل شئ بتجسده وولد فى أحقر مكان أى المزود وعاش فى فقر لكى يفدينا ويُشبعنا ويُغنينا بعطائه لنا0 فهو أخذ الذى لنا وأعطانا الذى له ، كما نقول فى تسبحة يوم الجمعة ، فصرنا شركاء الطبيعة الإلهية ووارثين للملكوت0 وبهذا يكون دافعاً لنا أن نتنازل عن راحتنا ونهتم ونُعطى المحتاجين0 فالمسيح تنازل عن كل شئ ، أمَّا نحن فنتنازل عن القليل من الماديات لنعطى ولو الكفاف للمحتاجين0 يقوى إبليس عليهم فيسقطهم فى الخطية أو يُظهر ضعفهم المادى أمام الأشرار ، ولكن الله يشددهم ويشفيهم ويُقيمهم بقوة مرة ثانية ليواصلوا جهادهم وخدمتهم0
ع 10 : فى هذا أيضاً : جمع العطايا للمحتاجين فى أورشليم0 لأنَّ هذا : الرأى والإرشاد الذى يقدمه بولس فى جمع العطايا0 يمتدح بولس أهل كورنثوس فى أنهم فكروا فى جمع عطايا لإخوتهم المحتاجين فى اليهودية ، وعندما سمع المكدونيون بهذا تحركوا وجمعوا عطايا0 فيشجع بولس الكورنثيين لينفذوا ما فكروا فيه كما جمع المكدونيون0 ويعطيهم إرشاداً فى جمع العطايا يذكره فى الآيات التالية0
ع 11 : العمل : جمع العطايا0 حسب ما لكم : قدر طاقتكم0 يشجع الرسول أهل كورنثوس لإتمام نيتهم فى التبرع للمحتاجين0 فلا يكتفوا برغبتهم وإراداتهم أن يعطوا ، ولكن يُكملوا هذا بنشاط أى جمع فعلى للعطايا حسب طاقة كل واحد وقدرته المالية والروحية0
ع 12 : النشاط : جمع العطايا0 يؤكد الرسول ما قيل فى الآية السابقة أنَّ الجمع يكون حسب طاقة كل واحد0 فلا يُطالب أحد نفسه فوق طاقتها ، فالله يقدر العطية بحسب محبة وتنازل المُعطى وليس كمية العطية0
ع 13 : يستكمل الرسول الفكرة المذكورة فى الآيتين السابقتين ، وهى أنه لا يقصد أن يتنازلوا ويعطوا فوق طاقتهم ، حتى يصيروا فقراء وفى ضيق لأجل راحة غيرهم0 فهذا مستوى روحى عالٍ ولكن يكفى أن يتنازلوا عن القليل ليكون للآخرين شئ من الراحة مثلهم0
ع 14 : فضالتكم لإعوازهم : العطايا المادية للكورنثيين التى تسد إحتياجات المحتاجين فى أورشليم0 فضالتهم لإعوازكم : الرسل والخدام الذين أرسلتهم كنيسة أورشليم لتبشير الأمم فيسدون إحتياجاتهم الروحية ويشبعون بالمسيح مثل المؤمنين فى أورشليم0 يعلن هنا الرسول حقيقة وهى أنَّ كنائس الأمم عندما تُعطى للمحتاجين فى اليهودية ، فهى فى نفس الوقت تنال العطايا الروحية أى التبشير بالمسيح والخدمة والرعاية النابعة من أورشليم0 فكل قسم يعطى بعضاً مما عنده ، الأول يُعطى الماديات والثانى يُعطى الروحيات ولكن ليس على حساب أو فوق طاقة أحد0 فمن يُعطى الماديات والروحيات ، يكون بعض مما عنده وليس كل ما عنده0 وبهذا تكون المساواة ، أى كلا الفريقين يشبع روحياً ومادياً نتيجة عطاء الآخر0
ع 15 : يؤكد بولس كلامه عن المساواة بين الجميع بما كان يحدث مع بنى إسرائيل فى برية سيناء عندما كان المن ينزل على الأرض حول خيامهم ويخرجون لجمعه كل صباح خر 16 : 18 0 فالقوى الذى كان يجمع كثيراً ، كان يأخذ ما يحتاجه فقط ويُعطى الباقى للضعيف ، والضعيف جسمانياً الذى يجمع قليلاً ، كان يأخذ من القوى فيخرج كل واحد بحجم معين وهو مكيال عند بنى إسرائيل كان يُسمى العمر ، فالكل يشبع ولا يُبقى أحد من المن لليوم التالى ، لأنه يفسد إذا بات0
+ كما كان بولس رقيقاً ومشجعاً لأهل كورنثوس على العطاء ، ليتك عندما تطلب من أحد شيئاً ، أو توجهه إلى إصلاح خطأ ما تبتدئ كلامك بالمديح ثم تشجعه بلطف فتكسب محبته وتصل إلى ما تريد0
(3) شهادة بولس عن المرسلين لجمع العطايا ع 16 - 24 :
ع 16 : الاجتهاد : الإهتمام بجمع العطايا0 عينه : مثل اهتمام بولس0 يشكر بولس الله الذى وضع الإهتمام بجمع العطايا فى قلب تيطس كما فى قلب بولس ، لكى يجمعها من أهل كورنثوس ، فالله هو المحرك لكل الفضائل فينا0
ع 17 : الطلبة : طلب بولس من تيطس أن يذهب إلى كورنثوس لجمع التبرعات0 من تلقاء نفسه : كان ينوى الذهاب إلى كورنثوس ، فاستجاب فى الحال لطلب بولس منه ذلك0 يُظهر بولس إهتمام تيطس واجتهاده لجمع العطايا حتى أنه قَبِلَ الذهاب إلى كورنثوس فور طلب بولس منه ذلك0
ع 18 : الإنجيل : أى التبشير0 أرسل بولس مع تيطس أحد الخدام المساعدين له للمساعدة فى جمع العطايا ، ويصف هذا الخادم بأنه معروف وممدوح فى كل كنائس مكدونية التى بشر فيها ، ولم يحدد شخصية هذا الخادم ولكنه غالباً لوقا ، الذى رافق بولس فى معظم أسفاره كما يشهد سفر أعمال الرسل0
ع 19 : النعمة المخدومة منا : جمع التبرعات التى أوصى بها بولس ، واشترك فى جمعها مساعداه تيطس ولوقا0 ذات الرب الواحد : المسيح الذى نؤمن به ونعبده جميعاً ، فهذه العطايا تمجده لأنها تُعلن محبة أولاده لبعضهم البعض0 نشاطكم : إهتمامكم ومحبتكم فى تقديم العطايا0 يؤكد بولس ويستكمل مدحه للوقا المنتخب للقيام بهذه الخدمة ، أى جمع العطايا التى يمجد الله ويُظهر محبتهم لإخوتهم0 كل هذا المديح يقدمه بولس حتى يثق أهل كورنثوس فى لوقا ويقدموا له أموالهم0
ع 20 : جسامة : كبر وعظمة المبلغ المجموع0 المخدومة : خدمة جمع العطايا0 نرى تدقيق بولس باحتراسه عند جمع العطايا لأنَّ المبلغ المجموع كان كبيراً ، فحتى لا يشك أحد فيه أو فى أحد رفقائه مما يدفعهم إلى التشكك فى تعاليم المسيح التى يقولها ، كان حريصاً فى إرسال أُناس موثوق بهم فى جمع العطايا0
ع 21 : لم يجمع بولس العطايا بنفسه ويُعطيها للمحتاجين فى أورشليم حتى لا يشك فيه أحد0 فنظم أن يقوم مندوبون عنه بجمع التبرعات وكذلك مندوبون من أهل البلاد ، حتى يكون كل الشعب مطمئن أنَّ عطاياه فى أيدى أمينة ، وبهذا لا يُعثر أحد0
ع 22 : أرسل بولس مع تيطس ولوقا خادماً ثالثاً تميز باهتمامه ونشاطه فى الخدمة ، بل كان متحمساً لخدمة جمع العطايا من أهل كورنثوس لثقته فى محبتهم وبذلهم ، فتقدم إلى بولس راغباً المُشاركة فى هذه الخدمة ، وهو أحد رفقاء بولس إلى أورشليم وغالباً هو تيخيكس اع 20 : 4 0
ع 23 : يلخص بولس تزكيته وشهادته عن المرسلين لجمع العطايا من أهل كورنثوس وهم تيطس ، الذى يصفه بأنه شريكه فى الخدمة والتبشير ، والأخوان المرافقان لتيطس اللذان هما غالباً لوقا وتيخيكس يصفهما بأنهما رسولان من كنائس الأمم ومندوبان عنها فى جمع التبرعات وتوصيلها إلى أورشليم لإعلان مجد المسيح فى محبة المؤمنين بعضهم لبعض0
ع 24 : بينوا لهم : أظهروا محبتكم لهؤلاء المندوبين الثلاثة فى سخاء عطائكم0 قدام الكنائس : باعتبار هؤلاء المرسلين مندوبين عن كنائس مكدونية ، التى سبقت فجمعت للمحتاجين ، فبينوا لهم محبتكم أيضاً فى عطاياكم0 بينة محبتكم : دليل محبتكم0 افتخارنا من جهتكم : باعتبار بولس رسولهم وهم أولاده ، فمحبتهم وعطائهم يفرحه ويفتخر به0 فى النهاية يشجعهم بولس على السخاء فى العطاء من أجل الله وخدامه الثلاثة الذين سيجمعون التبرعات ، ولكيما يفرح ويفتخر هو أيضاً بمحبتهم0
+ جيد أن يكون قلبك نقياً أمام الله ، ولكن إهتم أيضاً بمشاعر الناس فلا تُعثر أحد حتى ولو بدون قصد0 واهتم بجذب الجميع بمحبتك للمسيح ، ولا ننسى أن نكون معتنين بأمور حسنة قدام الرب والناس ع 21 0
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح