كلمة منفعة
في فترة الصوم يليق بك أن تتدرب على ضبط النفس، كما تدرب نفسك على ضبط جسدك..
— تداريب في ضبط النفس
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
كورنثوس الثانيه - الاصحاح رقم 11 كورنثوس الثانيه الإصحاح رقم 11 الإصحاح الحادي عشر اعتزاز الرسول بجهاده في الاصحاح السابق رفض الرسول أن يقارن نفسه بغيره، خاصة بالرسل الكذبة، حاسبًا أن دعوته إلهية، ومقاييسه ليست حسب الفكر البشري. الآن يحسب نفسه كمختل العقل، إذ صار ملزمًا إن يكشف عن جهاده، ويقارن نفسه ليس فقط بالرسل الكذبة وإنما حتى برسل المسيح وتلاميذه. هذا كله لا للافتخار، لأنه كما سبق فأكد أن من يفتخر فليفتخر بالرب. وإنما لكي يؤكد صدق رسوليته، فيعمل في الكرم الذي يمتد بين أمم كثيرة. 1. غيرة إلهية ملتهبة 1-4. 2. سمو علمه 5-6. 3. رفضه حقه في الاعالة منهم 7-14 4. خداع الرسل الكذبة 13-15. 5. احتمال غباوة افتخاره 16-20. 6. افتخاره حسب الجسد 21-22. 7. أتعاب الرسول الخارجية 23-26. 8. أتعابه بإرادته 27. 9. متاعب كنسية 28. 10. الشركة مع المتألمين 29-30. 11. هروبه من دمشق 31-33. 1. غيرة إلهية ملتهبة "ليتكم تحتملون غباوتي قليلاً، بل أنتم محتملي" ]1[. ليس شيء أصعب على نفس الإنسان المتواضع، خاصة مثل الرسول بولس، أن يضطر إلى الدفاع عن نفسه، والكشف عن جهاده وأتعابه ونجاحه، ومقارنة نفسه باخوته الرسل. لقد حسب نفسه يتكلم كمن في غباوة، كمختل العقل. طلب منهم أن يحتملوا حديثه القادم من أجل بنيان الكنيسة، وإن كان يعلم أنهم محتملوه. + إذ يبدأ بولس يتحدث عن نفسه يقول أنه غبي، لكنه التزم بذلك من أجل أولئك الذين لجأوا إلي أفكار غير لائقة، وكان يليق بهؤلاء أن يفكروا فيه حسنًا. أمبروسياستر لعل الرسول بولس دعى نفسه غبيًا وهو مضطر للدفاع عن نفسه ليبرز أن الرسل الكذبة وقد انتفخوا هم بالحق أغبياء. "فإني أغار عليكم غيرة اللَّه، لأني خطبتكم لرجلٍ واحدٍ، لأقدم عذراء عفيفة للمسيح" ]2[. قبل أن يسرد موضوع افتخاره في الجسد كعبراني وإسرائيلي وابن ابراهيم، وقبل أن يعدد أتعابه التي يلاقيها من الخارج أو بإرادته أو من المشاكل الكنسية، أراد تأكيد وضوح الهدف أمامه. فما يشغله ليس كثرة الأتعاب وإنما سلوكه في الطريق الحقيقي وهو أن يحمل غيرة اللَّه نحو الكنيسة لكي يقدمها عروسًا للمسيح العريس السماوي. ما يشغله إن تكون الكنيسة في كل موضع هو العروس العذراء الطاهرة التي بلا عيب ولا غضن، لن تتسلل إليها أفكار الرسل الكذبة وتعاليمهم الباطلة المفسدة للنفس. إنه يحمل غيرة ليست بشرية وإنما مصدرها اللَّه، لذا يحمل في أعماقه محبة فريدة مع حزم بإخلاص. إنه يخشى أن تفقد الكنيسة في كورنثوس ما قد تسلمته من الرسول من بركات إلهية. أبرز الرسول بولس غيرته على أولاده، فإنهم يشبهون ابنة له مدعوة لتكون عروسًا لعريسٍ سماوي، وهو كأبٍ يحرص علي تقديمها عروسًا، مقدسة بلا عيب، لا يقبل من يهينها أو يسيء إلي سمعتها. وكما يهتم بهم كأبٍ يليق بهم أن يردوا هذه الغيرة المقدسة بغيرة مقدسة فلا يسمحوا لأحد أن يخطئ في حق الرسول بولس أبيهم. من يهينهم يهين أباهم، ومن يهينه يهينهم. إنه يشبه أيضًا أبًا غيورًا على فتيات بلده العذارى، يهتم أن يتهذبن بثقافة عالية، وأن يسكن بوقار، ويتهيأن للزواج كما يليق. في العهد القديم كان رئيس الكهنة ملتزمًا ألا يتزوج أية فتاة ما لم تكن عذراء طاهرة (لا 21: 3). وكان ذلك ظلاً لما يليق برئيس الكهنة السماوي، أسقف نفوسنا، الرب يسوع، الذي بدمه يجعل من كل الكنيسة في العهدين القديم والجديد، عروسًا واحدة عذراء طاهرة بلا لوم. + يستخدم بولس هنا كلمة أقوى بكثير من "الحب" المجرد. فالنفوس الغيورة تلتهب بحماس من جهة المحبوبين لها. الغيرة تفترض عاطفة قوية. لذلك فلكي لا يظنوا أن بولس يطلب سلطة أو ثروة أو كرامة يضيف أن غيرته إلهية. فقد قيل عن الله إنه غيور، ليس بطريقٍ بشريٍ، وإنما لكي يعرف كل واحدٍ حقه في السيادة علي من يحبهم، وأن ما يفعله هو من أجل نفعهم المتزايد. تقوم الغيرة البشرية أساسًا على الأنانية، أما الغيرة الإلهية فهى قوية ونقية. لاحظ الفارق بين العروس البشرية والكنيسة. ففي العالم المرأة العذراء قبل الزواج تفقد بتوليتها بزواجها. أما في الكنيسة فإن الذين كانوا بتوليين إلي حدٍ ما قبل رجوعهم إلى المسيح يتمتعون بالبتولية فيه. لذلك فإن الكنيسة كلها عذراء. + يقال أيضًا عن اللَّه أنه غيور، فلا يظن أحد أن (اللاهوت) به هوى، وإنما لكي يعرف الكل أنه يفعل كل شيء ليس إلا من أجلهم هؤلاء الذين يغير عليهم، لا ليقتني شيئًا بل لكي يخلصهم. + ماذا يرى النبي في الملائكة ما يستحق الإعجاب؟ "الصانع ملائكته رياحًا وخدامه نارًا ملتهبة" (مز4:103). هذا أيضًا نراه في بولس، كنارٍ وريحٍ، عبر الأرض طولاً وعرضًا ينقّيها أثناء ترحاله. + الوقت الحاضر هو وقت الخطبة... إنه يضع نفسه بالنسبة لها، كمن يقوم بدور من يقوم بتجميع الخطيبين وهم في موضع العروس. القديس يوحنا الذهبي الفم + "يضع خاتمًا في إصبعه" (راجع لو 15: 22). الخاتم هو كرامة، علامة الحرية، عربون الروح الواضح، ختم الإيمان، مهر الزواج السماوي. اسمع الرسول: "خطبتكم لرجلٍ واحد لأقدم عذراء عفيفة للمسيح". + اختيرت فتاة مخطوبة لتشير إلى الكنيسة كعروس المسيح... حقًا إنها عروس، هذه التي بميلاد بتولي تهب حياة لطفولة المسيح الجديدة. الأب بطرس خريسولوجوس + هذا الذي أبرع جمالاً من بني البشر، ابن القديسة مريم، عريس الكنيسة المقدسة، هذا الذي أقامها على شكل أمه. فقد قدمها لنا لتكون أمًا لنا، واحتفظ بها لتكون عذراء له. + اسمع الرسول يقول لا للنساء المتدينات فحسب، بل ولكل الكنيسة معًا: "خطبتكم لرجلٍ واحد لأقدم عذراء عفيفة للمسيح". ولأن الشيطان مفسد البتولية أضاف: "ولكني أخاف أنه كما خدعت الحية حواء بمكرها هكذا تفسد أذهانكم عن البساطة التي في المسيح". فإن قلة هم الذين لهم البتولية في الجسد، والتزموا بها في القلب. + لماذا يوجه بولس الحديث إلى كل هؤلاء الناس المختلفين بأنهم "عذراء عفيفة" ما لم يشر إلى إيمانهم ورجائهم وحبهم؟ + الكنيسة مثل مريم، لها كمال لا ينتهك وإخصاب غير فاسد. ما استحقته مريم جسديًا راعته الكنيسة روحيًا، مع استثناء أن مريم أنجبت طفلاً واحدًا، أما الكنيسة فلها أطفال كثيرون معينون لكي يجتمعوا كجسدٍ واحدٍ لذلك الواحد. + أتريد أن تعرف كيف تكون الكنيسة عذراء؟ اسمع الرسول بولس، اسمع صديق العريس الغيور لا لنفسه بل للعريس... إنه يتحدث إلى الكنيسة. أية كنيسة؟ إلى كل من يمكن أن تصلهم رسالته... يقول "أخاف عليكم لئلا كما خدعت الحية حواء" جسديًا، هل فعلت ذلك؟... لقد حطمت بتولية قلبها... هل تقولون لي: "إن كانت الكنيسة عذراء فكيف تنجب اطفالاً؟ أو إن كانت لا تنجب اطفالاً فكيف نقدم أسماء (للعماد) لكي يولدوا منها؟" أجيب: "إنها عذراء وتلد أيضًا اطفالاً" إنها تتمثل بمريم التي ولدت الرب. ألم تلد القديسة مريم طفلها وبقيت بتولاً؟ هكذا أيضًا الكنيسة تلد اطفالاً وهي بتول. وإن أعطيت الأمر اعتبارًا خاصًا فإنها تلد المسيح لأن الذين يعتمدون هم أعضاؤه. القديس أغسطينوس + تُعرف نفوس كل الرجال والنساء إنها عروس المسيح، إن كانوا راغبين في حفظ الطهارة الجسدية وبتولية القلب. إذ يُفهم المسيح أنه عريس نفوسهم وليس أجسادهم البشرية. قيصريوس أسقف آرل "ولكنني أخاف إنه كما خدعت الحية حواء بمكرها، هكذا تفسد أذهانكم عن البساطة التي في المسيح" ]3[. يعود الرسول بولس بهم إلى بدء الحياة البشرية حيث تسللت الحية وبثت سمومها في حواء، فأفسدت بساطتها وحرمتها هي وأولادها من الاتحاد باللَّه. الآن في غيرة مقدسة يود الرسول ألا يسمح للمعلمين الكذبة، الحاملين لسم الحية القديمة، أن يبثوا سموم تعاليمهم في الكنيسة، فيفسدوا بساطتها وشركتها مع المسيح يسوع عريسها الأبدي. + حقيقة، تقول إنه يستخدم هذه الكلمات عن نفسه أيضًا حيث يقول: "اخشى لئلا بعدما كرزت للآخرين، أصير أنا نفسي مرفوضًا. القديس يوحنا الذهبي الفم "فإنه إن كان الآتي يكرز بيسوعٍ آخر لم نكرز به، أو كنتم تأخذون روحًا آخر لم تأخذوه، أو إنجيلاً آخر لم تقبلوه، فحسنًا كنتم تحتملون" ]4[. إذ لا يوجد سوى يسوع واحد هو مخلص العالم كله، والروح القدس الواحد الذي يقود الكنيسة ويقدسها، وإنجيل واحد يعلن بشرى الخلاص، فلماذا يستمعون للمعلمين الكذبة الذين يهاجمون ذاك الذي كرز بينهم وأنشأ الكنيسة في كورنثوس؟ هل يكرز بيسوع آخر أو بروح آخر أو إنجيل آخر؟ أو هل يستطيعون هم تقديم هذا المخلص الواحد والروح الواحد والإنجيل أفضل من الرسول بولس؟ ماذا قدموا لهم؟ هل نالوا شركة مع يسوع أفضل من تلك التي تمتعوا بها خلال كرازة الرسول؟ أو هل نالوا مواهب روحية أكثر أو أفضل؟ أو هل نجحوا في الكرازة بالإنجيل أعظم مما فعل الرسول بولس؟ + كان هؤلاء الأشخاص يفتخرون كما لو كان تعليم الرسول غير كاملٍ، وأنهم جاءوا بما هو أكثر مما قدمه الرسل. من المحتمل بهذا الحديث الذي بلا معنى جاءوا بنفايات لا يقبلها العقل يغطوا بها هذه التعاليم. لذلك أشار إلى الحية وحواء التي خُدعت بتوقع معرفة أكثر. من المحتمل أنهم باستخدام الحكمة التي من الخارج تحدثوا بأمورٍ لا معنى لها. ما يقوله هو هذا: إن كان هؤلاء الأشخاص قالوا بأمور أزيد، وكرزوا بمسيحٍ مختلف ينبغي أن يُكرز به، ونحن قد تجاهلناه فحسنًا تحتملوهم... ولكن إن كان هذا يجب ألا يُقال، ولم نقله نحن، أو إذا كانوا يقولون فقط بالأمور التي نحن قلناها، فلماذا أنتم تنشقون عنا هكذا متعجبين بهم؟... هكذا إن كان شيء ما كان يجب أن يقال ونحن تجاهلناه، وهم حققوه فإننا لا نمنعكم من الإصغاء إليهم، ولكن إن كان كل شيء قد تم بالكامل بواسطتنا ولم ننقصكم شيئًا فمن أين لهم أن يردوكم عنا؟ القديس يوحنا الذهبي الفم 2. سمو علمه "لأني أحسب إني لم انقص شيئًا عن فائقي الرسل" ]5[. إنه لم ينقص عن فائقي الرسل مثقال ذرةٍ؛ في كرازتهم بيسوع المسيح المخلص، وخدمتهم بالروح، ونشرهم لإنجيل الخلاص. إنهم ليسوا بأكثر أثرًا مما فعله الرسول بولس. "وإن كنت عاميًا في الكلام، فلست في العلم، بل نحن في كل شيء ظاهرون لكم بين الجميع" ]6[. إن كان يلتزم أن يتحدث معهم في بساطة بلا تكلف، كرجل عامي لا يستخدم البلاغة، لكنه ليس بلا خبرة في معرفة اللَّه، وفي الأمور السماوية الروحية، أو في معرفة طبيعة النفس البشرية، أو الحق الإنجيلي. إنهم شهود له عن خبرته وعلمه في كل هذه الجوانب. ما كان يشغل قلب الرسول هو تقديم الحق لا ابراز بلاغة اللغة. ربما كان قادرًا أن يتحدث بفصاحة، لأن ثقافته هيلينية، لكنه كان يهتم باللغة التي تعبر به إلى قلوب سامعيه، وهي لغة الحب مع البساطة والحكمة. يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أنه يقصد بفائقي الرسل بطرس ويعقوب ويوحنا. + إذا فرضنا أن الرسول كان فقيرًا في الكلام، وكانت لغته بسيطة إلا أنه لم يكن أُميًّا في المعرفة. + واضح أن الرسل الكذبة كان لديهم موهبة البلاغة التي نقصت بولس. ولكنه لا يعني شيئًا ما دام جوهر الكرازة قائم، وتلقي ظلاً على مجد الصليب، فهذه (البلاغة) ليست إلا مظهرًا جذابًا. القديس يوحنا الذهبي الفم + كان بولس متعلمًا الأدب العبري، جلس عند قدمي غمالائيل هذا الذي لم يخجل من أن يعترف بذلك (أع22 :3)، لكنه أظهر استخفافًا بالبلاغة اليونانية، أو على الأقل أخذ موقف الصمت بالنسبة لها بسبب تواضعه، حتى لا تكون كرازته قائمة على اقناع كلماته بل على قوة آياته. القديس جيروم + بدون الرب يسوع وعمل قوته الإلهية لا يستطيع أحد أن يعرف أسرار اللَّه وحكمته... فلاسفة اللَّه هم أولئك الذين ينقادون بالقوة الإلهية، ويقتاتون وينضبطون بها في الإنسان الباطن. يتعلم الفلاسفة اليونانيون صناعة الكلام، بينما الآخرون هم "عاميّون في الكلام". القديس مقاريوس الكبير 3. رفضه حقه في الاعالة منهم "أم أخطأت خطية إذ أذللت نفسي، كي ترتفعوا أنتم، لأني بشرتكم مجانًا بإنجيل اللَّه" ]7[ أساء المعلمون الكذبة استغلال محبة الرسول بولس، فإذ سبق في الرسالة الأولى وسجل لهم عن تنازله عن أحد حقوقه الرسولية، وهي أن يعيش من الإنجيل الذي يكرز به، متسائلين: لماذا يعمل بيديه ليعيش هو ومن معه بينما يعيش بقية الرسل على الكرازة؛ وتلتزم الكنائس بمئونتهم؟ اعتبروا هذا نوع من عدم المساواة مع الرسل. وقد أجاب عليهم بالقول: "إذ أذللت نفسي كي ترتفعوا أنتم". حسب المعلمون الكذبة أن ممارسته للعمل اليومي العادي يتنافى مع تكريس الرسول الحقيقي لكل وقته للعمل الكرازي. لم يكن دافع الرسول في هذا سوى أن يعطي لهم الفرصة ليقبلوا الكلمة دون عائق مادي، أو دون أن يثقل عليهم بأية التزامات. يرى أمبروسياستر أن القديس بولس فعل ذلك مقابل اهتمام الرسل الكذبة بالكرازة لا لمجد اللَّه وإنما لنفعهم الخاص. وربما فعل ذلك لكي لا يفقد سلطانه فى مراقبة الخطاة بسبب اعالتهم له. "سلبت كنائس أخرى، آخذًا أجرة لأجل خدمتكم، وإذ كنت حاضرًا عندكم واحتجت، لم اثقل على أحدٍ" ]8[. بقوله "سلبت كنائس أخرى" يظهر الرسول بولس أن هذه الكنائس لم تقف عند تشجيعه في خدمته أهل كورنثوس، بل قدموا له عونًا ماليًا ضخمَا لحساب هذه الخدمة. ولعله بهذا يود أن يلمح إلى قبوله مساهمات أهل مكدونية لأنهم اصلحوا طرقهم، ورفض مساهمات أهل كورنثوس حتى يحققوا الإصلاح وعندئذ يقبل المعونة منهم. كلمة أجرة opsoonion هنا تعبير عسكري يشير إلى ما يتسلمه الجندي من مالٍ ومئونةٍ يوميةٍ حتى يتفرغ للعمل العسكري. وكأنه يقول لهم: "لم ألزمكم بشيء، إنما سلبت كنائس أخرى لأتسلم منها قوتي اليومي، وضروريات الحياة اليومية من طعام وملبس أثناء خدمتي وكرازتي لأجل خلاصكم، فهل تحسبون هذا جريمة؟ أو تحسبونه إهانة للعمل الرسولي؟" ربما يتساءل البعض: لماذا أحيانًا يرفض الرسول الإعالة من الكرازة وأحيانا يقبلها؟ يجيب القديس يوحنا الذهبيّ الفم قائلاً: + كان إنسانًا ذا نواحٍ عديدة وأوجه كثيرة، ولا أعني بذلك أنه متصنع، حاشا للَّه. ولكنه صار لكل الناس كل شيءٍ، حسب ما تتطلبه احتياجات الإنجيل وخلاص البشرية. فصار بذلك مُتشبهًا بمعلمه (السيد المسيح). ظهر اللَّه نفسه كإنسانٍ حينما تطلب الأمر ذلك، وظهر في العهد القديم كنارٍ عندما اقتضى الأمر. نراه في زيّ المحارب المستعد، أو في احتياج الرجل المسن، أو في نسمة الريح، أو كمسافرٍ كإنسانٍ حقيقيٍ وفي هذه الحالة لم يرفض الموت. وإني أجد ضرورة تكرار عبارة "حينما لزم الأمر" لئلا يظن أحد أن اللَّه مُلزم أن يفعل ذلك، بل فعل كل تلك الأشياء من نبع حبه للإنسان. تارة جلس على عرش، وأخرى على الشاروبيم، وعمل اللَّه ذلك حسبما تطلب الأمر في ذلك الوقت. وإذ تمثل بولس بسيده لا نلومه، إذ نراه مرة كيهودي ومرة أخرى كأممي، مرة يدافع عن الناموس وأخرى ضده، تارة يتمسك بالحياة الحاضرة وأخرى يستخف بها، تارة يطلب مساعدته في الاحتياجات وأخرى يرفض العطايا، تارة يقدم الذبائح ويحلق رأسه وأخرى يعتبر من يفعل ذلك أناثيما (أي محرومًا)، تارة يسمح بالختان وأخرى يُحاربه ويمنعه. فما عمله بولس يظهر من الخارج نوع من التناقض، ولكن الهدف والحكمة وراء ما عمله مُقنع جدًا حسبما يتطلب الموقف. القديس يوحنا الذهبي الفم يظهر الرسل الكذبة أنهم صالحون على السطح، لكن عمليًا كانوا يسلبون النفوس. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [إنهم بالحق يأخذون مالاً مع أنهم حرصوا على إخفاء ذلك]. "لأن احتياجي سدّه الاخوة الذين أتوا من مكدونية، وفي كل شيء حفظتُ نفسي غير ثقيلٍ عليكم، وسأحفظها" ]9[. حين كان حاضرًا في كورنثوس يكرز فضِّل ألا يطلب شيئًا من أحدٍ حتى ضروريات الحياة، حتى لا يُثقل عليهم، بل طلبها من الذين حضروا من مكدونية. فمن الذي يُلام: الرسول أم أهل كورنثوس؟ ربما يشير هنا إلى المئونة التي بعثت بها الكنيسة في فيلبي بمكدونية، إذ وهو في تسالونيكي بعث إلى أهل فيلبي يقول لهم بأنهم أرسلوا له ضرورياته مرة ومرتين (في 4 : 15-16). "حق المسيح فيَّ، إن هذا الافتخار لا يُسد عني في أقاليم أخائية" ]10[. يرى البعض أن هذا نوع من القسم بأنه ينطق بحق المسيح الذي فيه، ويرى آخرون أنه تعبير عن الثبات في الحق الذي ليس خارجًا عنه، بل هو ساكن فيه. يؤكد الرسول أن كرازته بلا مقابل حتى ولا بالضروريات، ليس فقط في كورنثوس، وإنما في كل مقاطعة أخائية. "لماذا، ألأني لا أحبكم؟ اللَّه يعلم" ]11[. خشى لئلا يعود فيوقع المعلمون الكذبة بينه وبينهم، بدعوى أنه لم يطلب منهم مئونته الضرورية، وطلبها من غيرهم أثناء اقامته عندهم، بسبب نقص في محبته لهم أو عدم الثقة فيهم. لهذا أكد محبته لهم، مقدمًا اللَّه نفسه شاهدًا على ما يكتبه. "لكن ما أفعله سأفعله، لأقطع فرصة الذين يريدون فرصة، كي يوجدوا كما نحن أيضًا في ما يفتخرون به" ]12[. يبرر التجاءه إلى آخرين لنوال مئونته أنه لا يريد أن يعطي فرصة للمعلمين الكذبة أن يفتخروا بأنهم لا يطلبون أجرة بينما يطلب الرسول ذلك، فيتهمونه بالمادية والطمع. 4. خداع الرسل الكذبة "لأن مثل هؤلاء هم رسل كذبة، فعلة ماكرون، مغيِّرون شكلهم إلى شبه رسل المسيح" ]13[. يستغل المعلمون الكذبة كل فرصة لإفساد الخدمة، وتشويه الحق، والتشكيك في شخصية الرسول بولس وهم يتظاهرون بعدم نوال أجرة، وأنهم روحانيون، حتى يبدو كأنهم رسل للمسيح وليسوا مخادعين. لكن حتما سيظهروا فيما بعد على حقيقتهم أنهم فعلة ماكرون. ينادون باسم المسيح ويكرزون ويعملون بقوة، لكن تعاليمهم وحياتهم مملوءة خداعًا. "ولا عجب، لأن الشيطان نفسه يغيِّر شكله إلى شبه ملاك نور" ]14[. لا عجب، فإن هؤلاء الكذبة يمارسون أعمال أبيهم الكذاب والمخادع، إبليس، الذي يغير شكله إلى شبه ملاك نور. لقد ظهر لأول أم، حواء، كمن يقدم لها مشورة صالحة وينير ذهنها لمعرفة حقائق مجهولة بالنسبة لها، فخدعها وقادها إلى العصيان. يتشكل عدو الخير بكل الطرق للخداع، تارة يتحدث خلال حية ماكرة، وأخرى يظهر كأسدٍ زائرٍ، وثالثة كملاك نور الخ. كل هذا لكي يفسد حياة المؤمن الروحية ويحرمه من بركات الخلاص. + اخترع الهرطقات والانشقاقات لكي يتلف الإيمان، ويفسد الحق، ويحطم الوحدة. وإذ يعجز عن أن يحفظنا في طرق الخطأ الجديد المظلمة يسحبنا إلى متاهة جديدة للخداع. إنه يصطاد الناس بعيدًا عن الكنيسة نفسها، وإذ يظنوا أنهم اقتربوا من النور وهربوا من ليل العالم يغمرهم في ظلمة جديدة وهم غير مدركون لها. ومع أنهم لا يتمسكون بالإنجيل ونظام المسيح وناموسه يدعون أنهم في النور خلال مداهنات العدو المخادعة، هذا الذى يقول عنه الرسول أنه يغير نفسه إلى ملاك نور ويزين خدامه كخدام للبرَ. يدعون الليل نهارًا، والموت خلاصًا، واليأس رجاءً، والخيانة أمانة، وضد المسيح المسيح، ويثبط الحق بالخداع بإبراز الحق بصورة كاذبة. هذا هو ما يحدث يا اخوتي عندما لا نعود إلى ينبوع الحق، عندما لا نتطلع إلى الرأس ونحفظ التعليم الصادر من السماء. القديس كبريانوس يقدم لنا القديس جيروم تفسيرًا لماذا يتخفّى الشيطان في شكل ملاك نور؟ يقول بأن العروس تطلب عريسها السماوي في الظهيرة (نش7:1) حيث نور المعرفة الكاملة ونور الأعمال الصالحة، لهذا يتخفّى العدو في الهراطقة والمعلّمين الكذبة، فيظهرون كمن هم مشرقون بنور المعرفة ويعدون بملكوت السموات خلال تعاليمهم الزائفة، مقدّمين نور الشيطان الخادع، لا نور المسيح السماوي. + أتريدين أن تجديني؟ تجديني عند الظهيرة، في كمال المعرفة، في الأعمال الصالحة، في النور البهي. وإذ لنا الظهيرة لهذا يغيّر الشيطان نفسه كملاك نورٍ ويبدو كمن له النور والظهيرة. عندما يعد الهراطقة بما يدعوه من أسرار، ويعدون بملكوت السموات، ويعدون بالعفة والأصوام والقداسة ونبذ العالم إنما يعدون بالظهيرة. وحيث أن ظهيرتهم ليست نور المسيح فإنها ليست بالظهيرة بل ظهيرة شيطان. القديس جيروم + ملاك النور هو كائن يتكلم بحرية حيث يقف بالقرب من اللَّه، هذا ما يتظاهر به إبليس. القديس يوحنا الذهبي الفم "فليس عظيمًا إن كان خدامه أيضًا يغيِّرون شكلهم، كخدام للبرّ، الذين نهايتهم تكون حسب أعمالهم" ]15[. إن كان خدام ابليس يتشبهون به، فيخدعون الآخرين كخدام للبرّ، فإن هذا لن يستمر بل يبقى إلى حين، وتصير نهايتهم باطلة كما أن أعمالهم باطلة. + من عادة إبليس أن يقلد الأمور الخاصة باللَّه. إنه يقيم رسلاً كذبة ليقاوموا الرسل الحقيقيين، ويأخذ شكل ملاك لكي يخدع البشر. ثيؤدورت أسقف قورش + من يمدح الفضيلة وفي نفس الوقت يخفي أخطاءه، فيأخذ الناس عنه فكرة طيبة، فهو كاذب. لأنه يتحدث عن الفضيلة كمن قد اقتناها أو لكي يدين الآخرين. هكذا فإن الأشرار والهراطقة مثل الشيطان، لأنهم يخدعون الآخرين، لأن الفضيلة التي فيهم مزيفة وغير حقيقية، لأنه مكتوب: "الشيطان نفسه يغيِّر شكله إلى شبه ملاك نور". فلا عجب إذا كان خدام الشيطان أنفسهم يغيّرون شكلهم إلى شبه رسل البرّ. القديس دوروثيؤس + ليس شيء سوي رحمة اللَّه هي التي يمكنها أن تخلص الإنسان من خطأه حيث يظن الملائكة الأشرار أنهم ملائكة صالحون، والأصدقاء الكذبة أصدقاء حقيقيون، وتنقذه من المعاناة من دمار كامل خلال الخداع الشيطاني المميت تمامًا ولا يُعبر عنه بكلمات. القديس أغسطينوس 5. احتمال غباوة افتخاره "أقول أيضًا لا يظن أحد إني غبي، وإلا فاقبلوني ولو كغبي، لافتخر أنا أيضًا قليلاً" ]16[. إذ يبدأ الحديث في شيء من التفصيل عن مؤهلاته وسمادته وجهاده في الخدمة خشي أن يُتهم بالغباوة كمن يطلب مجدًا لنفسه. "الذي أتكلم به لست أتكلم به بحسب الرب، بل كأنه في غباوة، في جسارة الافتخار هذه" ]17[. ما سينطق به ليس بحسب الرب، لأن الرب لا يريدنا أن نفتخر بما نعمله. وقد خشي الرسول لئلا يجدوا في كلماته فرصة لكي يفتخر كل واحدٍ بما أنجزه أو احتمله من آلام من أجل الخدمة. وكأنه يخبرهم بأنه يفعل ذلك كمختل العقل، كأمر استثنائي للغاية لتأكيد رسوليته. + لا تقولوا لي عما كتبه في رسائله، لأن ما احتفظ به في داخله أكثر مما أفصح عنه. فلم يبُح بكل ما في داخله حتى لا يُتهم بالافتخار، ولكنه أيضًا لم يلتزم الصمت في كل شيء، لأن هذا سيقيم عليه ألسنة الأنبياء الكذبة ضده. لم يفعل شيئًا بطريقة عشوائية، ولكن كان كل شيءٍ بنظامٍ وتخطيطٍ جيدٍ. فكل أعماله بجوانبها المتعددة تتميز بالمديح (العالمي) من الجميع. دعوني أستفيض في ذلك، إنه لشيءٍ جيدٍ عدم الافتخار بالنفس، ولكن بولس تكلم بتلقائية شديدة، حتى أنه مُدح على كلامه أكثر من لو بقى صامتًا. لأنه لو التزم الصمت لاستحق النقد أكثر من هؤلاء الذين يمدحون أنفسهم بخزي. لو لم يتغنى بأعماله لفُقد كل شيء وقوي أعداؤه. لقد عرف كيف ينتفع من كل فرصة متاحة وبالطريقة الملائمة، عرف ما هو خطأ، ولذا كسب مجد طاعة الوصية. اكتسب بولس مجدًا بافتخاره أكثر ممن اكتسبه أي شخص آخر أخفى أعماله الصالحة، لأنه لا يوجد شخص أخر أخفى أعماله الصالحة، ونال ما حصل عليه بولس الرسول بالكلام (بالافتخار). الأمر العجيب ليس في أنه تحدث عن نفسه، ولكن أنه تحدث بالقدر الملائم الصحيح، فلم يستفض في وصف المواقف الصالحة حتى لا يقع في مديح النفس، لكنه عرف متى وأين يتوقف. ولم يفعل ذلك إرضاءً لنفسه، ولكنه وصف نفسه كمختل ليوقف الآخرين عن الانغماس في مديح النفس من أجل المديح ذاته، لأنه فعل ذلك فقط في المواقف التي تطلبت ذلك. القديس يوحنا الذهبي الفم "بما أن كثيرين يفتخرون حسب الجسد، افتخر أنا أيضًا" ]18[. بقوله: "يفتخرون حسب الجسد" يشير إلى المؤمنين الذين من أصل يهودي الذين يفتخرون حسب الجسد أنهم من أصل عظيم لأنهم أبناء ابراهيم حسب الجسد. إن كان كثيرون يفتخرون بأمور خارجية وزمنية، فمن جهته يستطيع أن يفتخر مثلهم وإن كان لا يريد أن يفتخر هنا. + ما هذه الأمور الزمنية التي يفتخر بها بولس؟ ميلاده، غناه، حكمته، شعبيته. إنه يعرف تمامًا أنه ليس شيء من هذه الأمور لها أدنى قيمة. هذا هو السبب الذي لأجله دعى نفسه غبيًا. القديس يوحنا ذهبيّ الفم "فإنكم بسرور تحتملون الأغبياء، إذ أنتم عقلاء" ]19[. لعل الرسول حسب هؤلاء المعلمين الذين ينادون بضرورة التهود، أي ممارسة الختان وحفظ السبت الخ. أغبياء، إذ يسلكون حسب الجسد مع اهتمامهم باقتناء الكرامة الزمنية وغيرها، هؤلاء احتملهم الكورنثيون. ربما يتحدث هنا باسلوب فيه نوع من السخرية حيث ادعى الكورنثيون أنهم حكماء، واستطاعوا بالحكمة أن يدركوا إن الرسول غبي. إن كان الكورنثيون يحسبون أنفسهم حكماء، والحكيم يحتمل غباوة الآخرين وضعفاتهم، فلماذا لم يحتملوا الرسول بولس إذ ظنوه غبيًا. "لأنكم تحتملون إن كان أحد يستعبدكم، إن كان أحد يأكلكم، إن كان أحد يأخذكم، إن كان أحد يرتفع، إن كان أحد يضربكم على وجوهكم" ]20[. إذ حسبوا أنفسهم حكماء ظنوا أنهم قادرون على احتمال الضعفاء؛ وبهذا صمتوا أمام المعلمين الكذبة الذين استعبدوهم بافكارهم الخاطئة وافسدوا حياتهم، وتشامخوا عليهم، بل وضربوهم على وجوههم، إذ جعلوهم في خزي. كل ذلك لأنهم غير مختومين ولم يحفظوا الناموس حرفيًا. يرى البعض إن هؤلاء المعلمين كانوا يهودًا ينادون بضرورة التهود، أي ممارسة القوانين والشرائع الموسوية حرفيًا كالختان وحفظ السبت وشرائع التطهيرات. هكذا استعبدوهم للحرف القاتل، وصاروا يأكلونهم كما يفعل الفريسيون الذين يظلمون الأرامل ولعلة يطيلون الصلوات، ويأخذونهم إلى المجامع اليهودية، ويطالبونهم بالذهاب إلى الهيكل في أورشليم. ينتفخون عليهم بكونهم أولاد ابراهيم من شعب اللَّه المختار الذي له المواعيد والعهود فهم أعظم من كل المسيحيين الذين من أصل أممي. ويضربونهم على وجوههم إذ يهينوهم، ناظرين إلى الأمم ككلاب لن يبلغوا مرتبة ابناء اسرائيل. 6. افتخاره حسب الجسد "على سبيل الهوان أقول كيف أننا كنّا ضعفاء، ولكن الذي يجترئ فيه أحد، أقول في غباوة أنا أيضًا اجترئ فيه" ]21[. من أجل التوبيخ لا من أجل الافتخار اضطر بولس الرسول أن يعلن أن ما يفتخر به هؤلاء المتهودون يمكنه أن يفتخر هو به أيضًا، حاسبًا إن هذه الأمور ليست موضوع فخر، بل موضوع ضعف تحرر منها ليعيش بروح القوة. + ما يريد أن يقوله هو هذا: ألا نستطيع نحن أن نفعل كل هذه الأمور؟ نعم، لكننا لا نفعلها. لهذا هل تحتملون هؤلاء الناس كأننا لا نقدر أن نفعل نحن مثلهم؟... فإن هذا هو نوع جديد من الخداع. فإن الذين يخدعون يعطون ويتملقون، أما هؤلاء فيخدعون ويأخذون ويهينونكم. ليس لكم عذر ما، فإنه من جانبٍ أنتم تهينون الذين يتواضعون من أجلكم لكي تفتخروا أنتم، ومن الجانب الآخر تُدهشون ممن يفتخرون لكي ما تهانوا أنتم. أفلا نستطيع أن نفعل هذه الأمور مثلهم؟ نعم، لكننا لا نرغب في ذلك؛ فاننا نطلب نفعكم. + يعني بولس بهذا أنه يستطيع أن يفعل كل الأشياء المشار إليها هنا، لكنه لا يفعل ذلك. بينما يفتخر الرسل الكذبة بالكورنثيين علانية ويسلبونهم سرًا. ويبدو أن الشعب لم يدرك ذلك إذ خدعوهم. القديس يوحنا ذهبيّ الفم "أهم عبرانيون؟ فأنا أيضًا. أهم إسرائيليون؟ فأنا أيضًا. أهم نسل إبراهيم؟ فأنا أيضًا" ]22[. يبرز الرسول هنا أنه ليس بأقل من هؤلاء المعلمين الذين يفتخرون من جهة الجسد، إذ لا ينقصه عنهم شيء، وهو بهذا يؤكد أن اتهاماتهم ضده باطلة. من جهة المولد هم عبرانيون ويعتزون بذلك، والرسول أيضًا عبراني مثلهم، لكنه يعتز بأنه صار كارزًا بالكنيسة التي لا تتحيز لجنسٍ دون آخر، بل يصير الكل أعضاء في جسد المسيح الواحد. هم يتحدثون بالعبرية ويقرأون العهد القديم باللغة التي كتب بها. إنها لغته، لكنه يتدرب على لغة السماء. هم إسرائيليون، يحسبون أنفسهم من شعب اللَّه المختار، وهو أيضًا إسرائيلي من نسل يعقوب لا عيسو، هو من سبط بنيامين عن أبيه وأمه. لكنه يرى إسرائيل الجديد الذي هو عروس المسيح الحقيقية تضم من كل الأمم والألسنة والشعوب. هم يفتخرون أنهم من نسل ابراهيم، أبناء الختان وأصحاب العهد. ليكن، والرسول من نسل ابراهيم، خُتن في اليوم الثامن لميلاده وعاش ينتظر التمتع بالوعود الإلهية. الآن هو ابن للَّه يمارس أعمال أبيه السماوي. 7. أتعاب الرسول الخارجية "أهم خدام المسيح؟ أقول كمختل العقل: فأنا أفضل، في الأتعاب أكثر، في الضربات أوفر، في السجون أكثر، في الميتات مرارًا كثيرة" ]23[. بعد أن استعرض ما يفتخرون به من جهة مولدهم وجنسهم كيهودٍ عبرانيين لهم حق نوال العهود والمواعيد الإلهية، واضطر أن يعلن عن نفسه أنه يحمل ذات الميزات التي لهم، لكنه يراها ليس موضوع قوةٍ وفخرٍ بل هي ضعفات، الآن إذ يفتخرون أنهم خدام المسيح، فكمختل العقل يقول أنه أفضل منهم. إنه ليس بخادم للمسيح عادي، فقد حسبه اللَّه أمينًا ودعاه للخدمة. أما من جانبه ففاقهم في أعمال الرسولية. إنه يعتز بنعمة اللَّه التي قادته وسندته لكي يحتمل أتعاب في الرسولية أكثر منهم. كرسولٍ للأمم أبغضه اليهود جدًا، وكالوا له متاعب واضطهادات أكثر مما فعلوه مع غيره من الرسل. كلما حانت الفرصة لمقاومته بذلوا كل الجهد لتعذيبه ومحاولة قتله. من جهة الأتعاب كان كثير الترحال من بلدٍ إلى بلدٍ، من مقاطعةٍ إلى أخرى. وكثيرًا ما كان يضطر إلى الانطلاق للكرازة في بلاد أخرى تحت ضغط اليهود والمقاومين له والمصممين على قتله. كان يلمس يد اللَّه التي تحول هذه المتاعب لانتشار الكرازة وإقامة مملكة النور عوض الظلمة في مواضع كثيرة. من جهة الضربات فهي أوفر، فقد تعرض لضربات الوثنيين الذين لا يحكمهم قانون معين في وضع العقوبات، فضربوه بلا رحمة بجلدات كثيرة (16 : 22-23). "في السجون أكثر": تاريخ الرسول بولس كله مليء بالسجون (أع 21: 11)، وقد سجن على الأقل لمدة عامين في روما (أع 28)، لكن لم يسمعوا عن رسول كاذب قد سُجن. "في الميتات مرارًا كثيرة"، كان يترقب الموت كل يوم بسبب كثرة ما تعرض له من اضطهادات. + ليس من أحد آخر وُهب له مثل هذا الحب للرب مثل هذه الروح الطوباوية. أقصد كأنه قد تحرر من الجسد وارتفع في الأعالي، قل أحسبه كمن وطأ الأرض وخلص نفسه من كل هذه العلامات. أنتم ترون أن شوقه للَّه وحبه الملتهب رفع فكره من الأمور المادية إلي الروحية، من الحاضر إلى المستقبل، من المنظورات إلى غير المنظورات. هذا ما يجلبه الإيمان، الحب للَّه فوق كل شيء. لكي تبرهن هذا الاتجاه السليم تطلعوا إلى هذا الرجل بحبه العظيم للرب، ورغبته المتقدة نحوه. كان مُطاردًا ومُضطهدًا وتحت العقوبة، وتحت آلام لا حصر لها... وإذ كان يعاني من كل هذه الأمور فرح وابتهج. ها أنتم ترون كيف كان مقتنعًا تمامًا بأن أتعاب الحياة الحاضرة هي فرصة لينال مكافأة عظيمة. وأن الأخطار هي مصدر الإكليل. أضف إلى هذا إن كان بدافع الحب لراحيل حسب يعقوب فترة السبع سنين كأيامٍ قليلةٍ كم بالأكثر هذا الطوباوى حسب كل هذه الأمور كلا شيء بسبب التهابه بحب اللَّه واستعداده لاحتمال كل شيء من أجل محبته للمسيح. أسألكم أيضًا اهتموا بمحبة المسيح. فالمسيح لا يطلب منكم شيئًا، سوى أن تحبوه من كل قلوبكم وتقبلوا وصاياه كما يقول الكتاب المقدس. + تقول: نجد في الكتاب إعجابًا بيعقوب بن اسحق وذلك لقوته (تك28:32). لكن أي نفس، مهما بلغت صلابتها، تعادل قوة احتمال بولس؟! لقد احتمل العبودية ليس فقط لمدة أربعة عشر عامًا (تك18:29، 27) بل كل أيام حياته من أجل عروس المسيح. احتمل ليس حر النهار وبرد الليل فحسب، بل عواصف من التجارب لا تُحصى، من جلدٍ ورجمٍ ومصارعة وحوشٍ مفترسة وأخطارٍ في البحر وأصوامٍ متواصلة نهارًا وليلاً وعُرىٍ وأخطارٍ في كل موضع (2 كو 23:11 الخ) حتى يتفادى الشباك ويخطف الحملان من بين أنياب الشيطان. + إنه يعرف حسنًا أن يصحح تلاميذه في الوقت المناسب، بطريقة جادة ولطيفة. بالتأكيد لديه مصادر أخرى كأن يوضح بها الحق الخاص بكرازته بآيات وعجائب، مع مخاطرٍ وسجونٍ، وميتاتٍ يومية، وجوعٍ وعطشٍ، وعريٍ وما أشبه ذلك. الآن لا يتحدث عن الرسل الكذبة بل عن الرسل الحقيقيين الذين اشتركوا في ذات المخاطر، مستخدمًا وسيلة أخرى. فإنه عندما أشار إلى الرسل وضع مقارنة معهم مظهرًا احتماله للخطر، قائلاً: "أهم خدام المسيح؟ ... فأنا افضل أكثر، في الضربات أوفر، في الميتات مرارًا كثيرة". القديس يوحنا الذهبي الفم "من اليهود خمس مرات قبلت أربعين جلدة إلا واحدة" ]24[. جُلد خمس مرات من اليهود هؤلاء الذين لا تسمح لهم الشريعة بالجلد سوى أربعين جلدة (تث 25: 3). فمن أجل تنفيذ الناموس جلدوه 39 جلدة حتى لا يخطئوا في العدد فيكسروا الناموس. وقد سبق لنا الحديث عن ذلك في تفسير سفر التثنية. حسب المشناة الإنسان الذي لا يحتمل الأربعين جلدة يُجلد 18 جلدة، ويُحسب أنه قد وفى كل العقوبة. كان المحكوم عليه بالجلد تُربط يداه في عمود، ويقوم خادم المجمع بنزع ثيابه أو تمزيقها حتى يصير ظهره وصدره عريانين. يوضع حجر خلفه يجلس عليه الخادم منفذ الحكم ويمسك بالسوط الذي من الجلد غالبًا به ثلاثة فروع. ثلث الجلدات على صدر المجرم، والثلث على كتفه الأيمن والثلث الباقي على كتفه الأيسر. يضرب الخادم بكل قوته، أما المجرم فينحني، لا يكون جالسًا أو واقفًا. لم يكن يُسمح بالجلد أكثر من مرة إلا بالنسبة للمجرمين العتاة جدًا. + انظروا كيف لا يفتخر في أي موضع بصنعه الآيات بل باضطهاداته وتجاربه!... في كل موضع نجده في اضطراب وفي ثورة مما يحل عليه من ذويه ومن الغرباء. هذه شخصية رسولية؛ بهذه الأمور يُنسج الإنجيل. القديس يوحنا الذهبي الفم "ثلاث مرات ضربت بالعصي، مرة رجمت ثلاث مرات، انكسرت بي السفينة، ليلاً ونهارًا قضيت في العمق" ]25[. ضُرب بالعصي وذلك حسب القانون الروماني، وقد حدث ذلك في فيلبي (أع 16: 22)، أو تكرر ذلك مرتين أخريتين في مناطق أخرى. رجم في لسترة (أع 14: 19) انكسرت به السفينة قضى في العمق، أي في زنزانة في السجن الداخلي كسجين نهارًا وليلاً. + يعجب الناس من اسحق في أمور كثيرة، خاصة صبره. فقد حفر آبارًا (تك18:26 )، وحين نُزعت عنه أملاكه لم يتشاجر بل سمح بردم آباره، وكان دائم الترحال من مكانٍ إلى آخر. لم يحشد قواته ضد العدو، بل كان يرحل تاركًا وراءه ممتلكاته حتى يُشبع عدوه رغبته في الظلم. أما بولس فحين رأى ليس آباره تُردم بالتراب بل جسده يُرجم بالحجارة لم يرحل من مكانه كما فعل هذا الرجل، بل جرى وراء راجميه وجاهد، حتى يقودهم إلى السماء. كلما سُدت الآبار كلما فجَّر بالأكثر فيه أنهار الاحتمال. القديس يوحنا الذهبي الفم "بأسفار مرارًا كثيرة، بأخطار سيول، بأخطار لصوص، بأخطار من جنسي، بأخطار من الأمم، بأخطار في المدينة، بأخطار في البرية، بأخطار في البحر، بأخطار من اخوة كذبة" ]26[. "في أسفارٍ مرارًا كثيرة": يتحدث هنا عن أسفاره من أجل الكرازة والاهتمام بالكنائس. "باخطار سيول"، يفهم من الكلمة اليونانية potamoon أنها أنهار. وكما يقول أمبروسياستر كان الرسول في خطر من الأنهار في الشتاء حيث كان المطر ينهمر، دائمًا والأنهار تفيض على شواطئها. "بأخطار لصوص": غالبًا ما هوجم من لصوص وقطاع طرق، ولكنه كشخص فقير لا يملك شيًئا لم يصبه ضرر في شيء، لكنه كان في خطر عظيم. "بأخطار من جنسي": تطلع إليه اليهود كأخطر مرتدٍ عن الإيمان وكمقاومٍ للناموس الموسوي، حتى دبروا مؤامرة لقتله (أع 23: 12). "بأخطار من الأمم" التي انطلق ليكرز بينهم. "بأخطار في المدينة": فقد وضعت فتن مختلفة ضده خاصة في أورشليم وأفسس ودمشق. "بأخطار في البرية" التي التزم بأن يعبر بها أثناء رحيله من مدينة إلى أخرى، إذ كان يتعرض إلى قطاع الطرق والوحوش المفترسة كما إلى البرد القارص ليلاً والحر الشديد في الظهيرة، وربما إلى جوعٍ وعطشٍ. "بأخطار في البحر" حيث يتعرض لقراصنة البحار أو الزوابع الشديدة. يشير هنا إلى خطر انكسار السفينة حين أراد الجند أن يقتلوا المسجونين الذين على السفينة لئلا يهربوا إن تركوهم يسبحون (أع 27: 42- 44). "بأخطار من اخوة كذبة": هِؤلاء الذين تظاهروا بالإيمان بالمسيح وانضموا إلى الكنيسة، لا لبنيانها بل لهدمها، ولكي يجدوا علة على الرسول بولس، فيثيروا الكنيسة في كورنثوس ضده. كما عانى أيضًا من المرتدين. + تقول: يُعجب كل بشرٍ بأيوب، وهو بحق يستحق ذلك، فإنه حارب في معركة عظمى، ويمكن أن يقف في مقارنة مع بولس في صبره، وفي طهارة حياته، وشهادته للَّه، وصراعه الشجاع مع الشيطان، ونصرته التي أنهى بها صراعه. لكن صراع بولس استمر ليس بضعة أشهر فحسب بل سنوات طويلة. كان دائمًا يندفع في فم الأسد، ويصارع في مواجهة تجاربٍ بلا عدد، مثبتًا أنه أكثر قوة من أية صخرة. لم يلعنه ثلاثة من الأصدقاء أو أربعة بل كل الاخوة الكذبة الخائنين، اُفتري عليه، تُفل عليه وُشتم. + بالحقيقة إن غيرته الزائدة لم ُتشعِرُه بالآلام المصاحبة لحياته في الفضيلة. ولم يكن ذلك الأمر هو الوحيد العظيم في حياته، وإنما أيضًا لم يكن له دافع خفيٌ وراء سعيه نحو الفضيلة. إننا نتخاذل في تَحمٌل الآلام من أجل الفضيلة حتى لو عُرضت علينا المكافأة مُقدٌمًا، لكن بولس احتضن الآلام بمحبة بلا مُقابل، وتحْمَل بكل فرح ما اعترضه من صعوبات وعوائق في طريق الفضيلة. فلم يتضايق من ضعف الجسد أو ضغوط المسئولية أو بطش العادات ولا من أي شيء آخر. عِلاوة على ذلك فاقت مسئولياته كل مهام القادة والملوك، لكنه كان يزداد في الفضيلة يوميًا. وصار ازدياد المخاطر سببًا في التهاب غيرته بالأكثر، فقال "أنسى ما هو وراء وأمتد إلى ما هو قدام" (فى 13:3). القديس يوحنا الذهبي الفم + يقتني البعض وظيفة الرعاة المكرمة لكي يرعوا قطيع المسيح، وآخرون يحتلون هذا لمركز لكي يتمتعوا بكرامات زمنية ومكاسب عالمية ترتبط بهذه الوظيفة. بالضرورة يوجد هذان النوعان من الرعاة، بعض منهم يموت والآخرون يخلفونهم، وهم مستمرون في الكنيسة الجامعة وحتى نهاية الزمن ويوم الرب للدينونة. إن كان في عصر الرسل وُجد اناس هكذا عانى الرسول من سلوكهم وأحصاهم ضمن التجارب التي حلت به: "بأخطارٍ من اخوة كذبة"، ومع هذا لم يطردهم بغطرسة بل بطول اناة احتملهم، فكم بالأكثر يقومون في أيامنا حيث يقول المسيح بكل وضوح عن عصرنا الذي قارب إلى النهاية: "بسبب الشر تبرد محبة الكثيرين" (مت 24: 12-13). ما جاء بعد ذلك يعزينا ويرشدنا: "من يصبر إلى المنتهى فهذا يخلص". + يا لعظم الشكاوى التي أثارها الرسول بولس ضد الاخوة الكذبة. ومع هذا فإنه لم يتدنس بصحبتهم الجسدية، بل اعتزلهم خلال نقاوة قلبه التي تميزه. القديس أغسطينوس يرى القديس أغسطينوس أن الرسول بولس هنا في دحضه للرسل الكذبة استخدم الحكمة مع البلاغة مع أنه يقول بأنه يتكلم "كأنه في غباوة" ]17[. "الحكمة هي قائدة له، والبلاغة هي رفيقة له، تبع الأولى والثانية هي التي تبعته، ومع ذلك لم يستخف بها عندما تبعته". 8. أتعابه بإرادته "في تعبٍ وكدٍّ، في أسهارٍ مرارًا كثيرة، في جوعٍ وعطشٍ، في أصوامٍ مرارًا كثيرة، في بردٍ وعريٍ" ]27[. "في تعب وكد": كانت المتاعب رفيقة له أينما حلّ. قضى الرسول بولس ليالٍ كثيرة في أسهارٍ، تارة بإرادته مصليًا من أجل الخدمة أو كارزًا مبشرًا، وتارة بغير إرادته أثناء اضطهاده. عانى الرسول أيضًا من البرد عندما انكسرت السفينة عند جزيرة مالطة وجاء الشعب لينقذه (أع 28: 1-10). لم يكن بالأمر الهين على شخص مثل الرسول بولس، الذي كان له اعتباره كقائدٍ يهودي غيور، له سلطانه وقدراته وثقافته التي كان يعتز بها، من أسرة لها مركزها الاجتماعي، إن يعاني من أتعابٍ وكدٍ وأسهارٍ وجوعٍ وعطشٍ وبردٍ وعريٍ! + تقول: أكل يوحنا المعمدان جرادًا وعسلاً بريًا (مت4:3)، أما بولس فمع أنه عاش في العالم ولم يسكن البرية ولم يأكل جرادًا ولا عسلاً بريًا لكنه كان مكتفيًا بمائدة أكثر بساطة ونسكًا، متجاهلاً حتى الضرورات من أجل غيرته للكرازة. القديس يوحنا الذهبي الفم 9. متاعب كنسية "عدا ما هو دون ذلك التراكم عليَّ كل يوم الاهتمام بجميع الكنائس" ]28[. بجانب ما عاناه من الخارج وضع على نفسه أن يشارك مسيحه صليبه بأن يحمل أتعاب جميع الكنائس التي كرز فيها، سواء من الجانب الروحي أو السلوكي أو العقيدي أو النظام الكنسي، أو المتاعب المادية أو المضايقات التي تحل به. إنه أب لا يئن من احتمال كل ما يحل بأبنائه. + تقول إن الدود والجراحات قد أصابت أيوب بآلامٍ حادة غير محتملة. هذا حق، لكن لنأخذ في اعتبارنا الجلدات التي تحملها بولس عبر السنين، والصوم المستمر، والعري، والقيود، والسجن، والمخاطر، والمكائد من أهل بيته ومن الذين هم في الخارج من الطغاة ومن العالم كله. أضف إلى ذلك خبراته المرة، أي الآلام التي عانى منها من أجل الساقطين، واهتمامه بكل الكنائس، والافتراءات التي تحملتها نفسه بشجاعةٍ وصلابةٍ تفوق الحديد والصخر الذي لا يُكسر. احتمل بولس روحيًا ما تألم به أيوب جسديًا. نعم، فقد احتمل حزنًا أمرْ من أي دود يقرض في نفسه من أجل الساقطين. كانت ينابيع دموعه تنهمر نهارًا وليلاً، يتألم من أجل كل نفسٍ أكثر من آلام امرأة في حالة مخاضٍ، هذا قاده للقول: "يا أولادي الذين أتمخض بكم" (غلا 19:4). القديس يوحنا الذهبي الفم 10. الشركة مع المتألمين "من يضعف وأنا لا اضعف؟ من يعثر وأنا لا التهب؟" ]29[ يجد مسرته في مشاركة أولاده متاعبهم، يتعاطف مع كل كنيسة مضطهدة، ويئن مع أنات كل مؤمن، بل ويشعر بمرارة مع ضعف كل إنسان في خطية ما. من يضعف في إيمانه ولا يشعر الرسول كأنه هو الذي ضعف؟ ومن يتعثر ولا يحترق قلب الرسول بنيران الحب والغيرة ويثبته في الإيمان الحي العملي؟ + بماذا نقارن بولس الذي يئنٌ يوميًا من أجل كل انسانٍ في هذا العالم، من أجل كل جنسٍ ومدينةٍ، من أجل كل نفسٍ؟ لقد كانت عزيمته أشدٌ قوة من الحديد، وأكثر حزمًا من الصلب، فبأية كلمات تصف هذه الروح؟! القديس يوحنا الذهبي الفم + سبي اخوتنا يجب أن يُحسب كأنه سبينا نحن. أحزان الذين في خطر هي أحزاننا. يلزمكم أن تتأكدوا بأنه يوجد جسم واحد لوحدتنا. ليست محبتنا وحدها بل وأيضًا تديننا يدفعنا ويشجعنا أن ننقذ أعضاء أسرتنا. القديس كبريانوس + لا يعني بولس هنا أنه كان متظاهرًا بأنه يحمل ضعفاتهم، وإنما كان متعاطفًا معهم. القديس أغسطينوس + يا له من شعور عجيب في الراعي. يسقط الآخرون ويقول: إني أؤكد حزني. يتعثر آخرون فيقول: تلتهب نيران آلامي! ليت كل الذين عُهد إليهم قيادة القطيع العاقل أن يتمثلوا بهذا، ولا يظهروا أنهم أقل من الراعي الذى يهتم إلى سنوات كثيرة بقطيع غير عاقلٍ. ففي حالة القطيع غير العاقل لا يحدث ضرر يًذكر حتى إن حدث إهمال، أما في حالتنا فإن هلك خروف واحد أو افتراس سيكون الضرر خطيرًا جدًا ومرعبًا والعقوبة لا يُنطق بها، فوق هذا كله إذ سبق الرب واحتمل سفك دمه من أجله، فأي عذر يقدمه هذا الإنسان أن يسمح لنفسه أن يهمل ذاك الذى اهتم به الرب وبذل كل الجهد من جانبه لرعاية القطيع؟ القديس يوحنا الذهبيّ الفم "إن كان يجب الافتخار، فسأفتخر بأمور ضعفي" ]30[. لا يفتخر الرسول بقدراته الطبيعية ولا بما قدمه إليه الرب من مواهبٍ، فإن هذه كلها لن تبرره ولا تهبه اكليلاً في يوم الرب العظيم، لكنه يفتخر بما وهبه اللَّه من احتمال للاضطهادات والمضايقات التي هي من أجل الكرازة والإيمان بالمسيح. لا يقصد بالضعفات هنا سقوطه في ضعف ما، أو خطية ما، فإن هذا ليس موضوع فخره، إنما يقصد الآلام والأتعاب. + يفتخر بولس بتجاربه، الأمور ذاتها التي تظهر ضعفه. القديس يوحنا ذهبيّ الفم 11. هروبه من دمشق "اللَّه أبو ربنا يسوع المسيح الذي هو مبارك إلى الأبد، يعلم إني لست أكذب" ]31[. يثَّبت الرسول ما يورده هنا بأن يشهد اللَّه الآب أنه لا يكذب، خاصة في مشاركته للضعفاء والمتألمين، الأمر الذي لا يستطيع أحد أن يحكم فيه سوى فاحص القلوب والكلى. استخدم الرسول مثل هذه الشهادة الإلهية أو القسم في (2كو 11: 10)؛ (رو 9: 5)؛( غلا 1: 20). هنا لا يستخدم اسم اللَّه باطلاً، إنما يشهده لأجل خلاص اخوته وسلام الكنيسة. لا يطلب الرسول ما لنفسه بل ما هو للآخرين في الرب. وقد عالج القديس أغسطينوس هذا الأمر عندما تحدث عن "عدم القسم" في كتابه عن "الموعظة على الجبل". "في دمشق والي الحارث الملك كان يحرس مدينة الدمشقيين يريد أن يمسكني" ]32[. إذ رأى والي دمشق أن اليهود دبروا مكيدة للرسول أراد أن يفسد خطتهم باستخدامٍ خاطئٍ لسلطانه. فقد كانت نيته أن يلقي القبض على الرسول بولس لكي يسعد اليهود من جانب، ومن جانب آخر لكي يظهر أنه يمارس عمله بطريقة لائقة. هذا حدث في بدء خدمة الرسول بولس (أع 9:9). + أين كانت إذن القوة الإلهية المصاحبة له؟... حدثت هذه الأمور بتدبير العناية الإلهية، وفي بعض الحالات كانوا يصنعون الآيات والعجائب، وفي حالات أخرى كانوا بلا قوة لكي يظهر الفرق بين الذين يؤمنون والذين لا يؤمنون. ولكي تُمتحن وتظهر حرية الإرادة. هل يعثر البعض عندما يرون (الرسل) ضعفاء؟ فلو كان الرسل قد فعلوا كل ما يشاءون في كل شيء لكانوا قد أتوا بالناس إلى خدمة اللَّه بالقوة الجبرية. ولا يكون الأمر حينئذ مسألة إيمان أو عدم إيمان. المسيحية هي "حجر صدمة وصخرة عثرة" (رو 33:9). القديس مقاريوس الكبير "فتدلّيتُ من طاقة في زنبيل من السور ونجوتُ من يديه" ]33[. إن كان خلاص القديس بولس من والي دمشق تم بيدٍ بشريةٍ حين دلوه من سور المدينة، لكنه إذ كان يضع حياته في يد اللَّه ويتكل عليه حسب أن ما تم كان خلال عناية اللَّه. فالاتكال على اللَّه لا يعني رفض ما يقدمه البشر من عون، إنما رفض الاتكال على يد بشرية. هذا وكما يقول القديس يوحنا ذهبى الفم أن الرسول لم يخجل من ذكر هذا الحادث عند الضرورة أنه قد تدلى بزنبيل. لقد كانت فرصة سمح بها اللَّه لخلاصه، ليس خوفًا من الموت، وإنما لكي يجد فرصة للكرازة. في الآيتين الأخيرتين (32-33) أشار الرسول بولس إلى حدث معين خاص بآلامه كما لو كان قد نسي أن يشير إليه عندما وضع قائمة بأتعابه، ربما لأن عمل اللَّه واضح جدًا في انقاذه من يد الملك الحارث Aretas، وهو حمى هيرودس انتيباس Antipus. أو لأنه كان لهذه الواقعة أثرها الخاص لأنها أول اضطهاد موجه ضده لقتله. وُجد ثلاثة أشخاص يحملون هذا الاسم: الأول ورد في مكابيين الثاني 5: 8؛ والثاني ذكره المؤرخ يوسيفوس، والثالث الذي ذكره الرسول بولس هنا. يتساءل البعض كيف يمكن لدمشق، عاصمة سوريا أن تكون تحت حكم ملك عربي؟ لذا يرى البعض أن الرسول يقصد هيرودس انتيباس الذي تزوج ابنة الحارث، وقد قام بتطليقها ليتزوج هيروديا امرأة أخيه. أقام الحارث Aretas حربًا ضد هيرودس، فلجأ الأخير إلى طيبريوس Tibrius ليسانده وأرسل الامبراطور القائد Vitellius ليحضر Aretas حيًا أو ميتًا إلى روما. لسبب أو لآخر تأخر Vetillius، وفي نفس الوقت مات طيبريوس فنجا الحارث واستولى على دمشق. يبدو أن أعداء الرسول بولس طلبوا من الملك القبض عليه بكونه جاسوسًا يعمل لحساب الدولة الرومانية. وفي نفس الوقت إذ هرب حسبوا هذا هروبًا من الصليب. + عندما تدلى الرسول بولس من الكوة في زنبيل حتى لا يلقي الجند القبض عليه، وهرب من يديه ألم يترك الكنيسة هناك من أجل خدمة ضرورية؟ ألم يرً اخوة آخرون بان هذا التصرف لم يكن ما يبرره لتحقيق ذاك الهدف؟ لقد فعل الرسول ذلك مذعنًا لرغباتهم لكي يُنقذ من أجل الكنيسة، إذ كان هو الشخص الوحيد الذى يطلبه المُضطهِد. ليت خدام المسيح، خدام الكلمة وأسراره يفعلوا ما يأمر به أو يسمح به. ليتهم يهربوا بكل وسيلة من المدينة عندما يُطلب أحدهم بواسطة المضطهدين، ما دامت الكنيسة لا يهجرها آخرون غير مطلوب اضطهادهم حتى يهتموا بزملائهم العبيد، مدركين أنه بدون ذلك لا يعيشوا. أما إذا كان الخطر عامًا على الكل أي يلحق بالأساقفة والكهنة والشعب فلا يُترك القادة من هم تحت القيادة. فإما أن يتحرك الكل ويلتجئوا إلى مواضع للجوء، أو إن بقي الشعب فلا يهجرهم خدامهم الذين يقدمون لهم احتياجاتهم الروحية. هكذا يعيشون الكل بالتساوي، ويتألمون حسبما يرغب سيد البيت. القديس أغسطينوس من وحي 2 كو 11 كنيستك أم لنا ولود! كنيستك عذراء عفيفة لك، يا أيها العريس السماوي! + هب لنفسي أن تكون لك عذراء عفيفة، فها أنت تُعد لها حجال العرس السماوي! اجعلها أيقونة لك، فتتأهل لشركة مجدك! ارفعها الآن إلى سمائك، فتجتذب معها الكثيرين! بل ولن تستريح حتى ترى إن أمكن كل البشرية لك! هب لكنيستك أمنا الجديدة أن تتهلل كل يوم بولادات لا تنقطع! احمها من حيل الحية القديمة، التي أفسدت بتولية قلب أمنا القديمة حواء! + هب لي مع الرسول بولس أن أشهد لإنجيلك، هذا الذي سلمته لعروسك ويهيئها لك! نعم، يجدد البشرية عبر العصور! هو كتاب كل عصرٍ، وكتاب كل إنسانٍ! هو الحياة الجديدة المُقامة، يحمل الأجيال إلى ما وراء الزمن! + لأشهد لإنجيلك مع الرسول بولس، لا بالبلاغة والألفاظ البرَّاقة، بل بروح الحب الحقيقي والقوة! + هب لي مع الرسول ألا أطلب شيئًا في كرازتي بإنجيلك! فليس من مكافأة أعظم من خلاص اخوتي! مكافأتي أن أراك متجليًا في كل قلبٍ! مكافأتي أن يتمتع الكل بمعرفة أسرارك الإلهية! + احمني وإياهم من عدو الخير إبليس، هذا المُضل الذي لا يكف عن الخداع. إنه يغير شكله إلى شبه ملاك نور، وهو رئيس قوات الظلمة. في كل جيل يبعث رسله، المعلمين الكذبة. يحملوا صورة التقوى والبرّ والمعرفة. ليضللوا كأبيهم البسطاء. بماذا أتكلم أمام جهاد العظيم بين رسلك. عاش يحتمل الميتات اليومية، ويُسر بالاضطهادات غير المنقطعة. عاش كمن هو بلا جسد! بالحق من يشبهه؟! من تفسير وتأملات الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين الإصحاح الحادى عشر آية (1):- "1لَيْتَكُمْ تَحْتَمِلُونَ غَبَاوَتِي قَلِيلاً! بَلْ أَنْتُمْ مُحْتَمِلِيَّ. " بولس أعلن أنه لا يريد أن يمدح نفسه، لكن الظروف أرغمته علي ذلك للدفاع عن صدق إرساليته. والإفتخار بدون داعٍ هو جهل وغباء، ولكن ما أجبر الرسول علي هذا هو داعٍ قوي ألا وهو غيرته عليهم لئلا يفسدهم الرسل الكذبة، وهو يريدهم عروس نقية للمسيح، فكأنه وعد المسيح بهم حين بشرهم. فبولس يعلم أنه ليس من الصواب أن يتكلم عن نفسه ولكنه مضطر. ويقول عن نفسه حين يفتخر بنفسه أنه غبي، وفي هذا درس لنا حتى لا نفتخر بأنفسنا أبداً، وأيضاً هو إتهام ضمني للرسل الكذبة بأنهم أغبياء إذ هم يفتخرون بأنفسهم. بل أنتم محتمليَّ = أنا واثق أنكم ستحتملون كلماتي. آية (2):- "2فَإِنِّي أَغَارُ عَلَيْكُمْ غَيْرَةَ اللهِ، لأَنِّي خَطَبْتُكُمْ لِرَجُل وَاحِدٍ، لأُقَدِّمَ عَذْرَاءَ عَفِيفَةً لِلْمَسِيحِ. " أَغَارُ عَلَيْكُمْ غَيْرَةَ اللهِ = قبل أن يتكلم الرسول عن أتعابه نراه هنا يظهر محبته فما يدفعه لإحتمال كل هذه الآلام محبته لله ولكنيسة الله وقوله غَيْرَةَ اللهِ = تعني أنا أحبكم بغيرة شديدة تماماً كمحبة الله، والغيرة البشرية أنانية ولكن الغيرة الإلهية نقية. فهو إذاً لا يهدف لشيء إلاّ مصلحتهم، هو خائف أن تفقد الكنيسة ما حصلت عليه من بركات. وفي التعبيرات اليهودية حين يُضاف لفظ الله لكلمة ما فهذا يعني الضخامة، فقوله غيرة الله تعني غيرة شديدة جداً. وأيضاً قد يعني تعبير غيرة الله أن مصدر هذه الغيرة هو الله الذي وضع محبتكم في قلبي. فأنا أغار عليكم ليس من أجل نفسي بل من أجل المسيح لأنني خطبتكم له وأريد أن أقدمكم إليه كعذراء عفيفة نقية طاهرة السيرة، بعيدين عن كل ضلال أو خداع أو خطيئة. وما يحطم عذراويتنا هو ان ننجذب الى أي محبة غريبة لخطية ننخدع بها كما إنخدعت حواء. وطالما أن المسيح هو رجل واحد فهو يريدكم كعروس أن تكونوا متحدين في الإيمان والمحبة. بولس هنا يُظهر نفسه كواسطة بينهم وبين المسيح، هو يريد أن يظهرهم في أجمل صورة كخاطبة تريد أن تظهر العروس في أحلي صورة للعريس حتى لا تخجل هى من صورتها امام عريسها ولا يخجل هو ايضا من صورتها فهو الذى قدمها له. وتشبيه علاقة المسيح بالكنيسة كأنها علاقة عريس بعروسته. إستخدمها الرسول في (أف 5 : 23 – 32). وبعد الخطبة يأتي العرس، وكمال الإتحاد بين العريس وعروسته سيكون في السماء. راجع (رؤ 21 : 2) أورشليم الجديدة... مهيأة كعروس مزينة لرجلها. آية (3):- "3وَلكِنَّنِي أَخَافُ أَنَّهُ كَمَا خَدَعَتِ الْحَيَّةُ حَوَّاءَ بِمَكْرِهَا، هكَذَا تُفْسَدُ أَذْهَانُكُمْ عَنِ الْبَسَاطَةِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ. " الكنيسة حواء الجديدة مخطوبة لآدم الأخير أي المسيح (1 كو 15 : 45). وعلى حواء الجديدة أن تحترس من سماع صوت إبليس (الحية) كما فعلت الحية مع حواء الأولي، فأفقدتها بساطتها وحرمتها هي وأولادها من الإتحاد بالله. الْبَسَاطَةِ = هي النقاوة وعدم الغش. الْبَسَاطَةِ الَّتِي فِي الْمَسِيحِ = أي فكر واحد مكرس للمسيح ومتجه له وحده، وعمل الحية هو توجيه فكر العروسة أي حواء الثانية (الكنيسة أو النفس البشرية) عن النظر لعريسها المسيح فتفقد طهارة القلب ونقاوته التي يجب أن تكون لنا تجاه المسيح، وتفقد التعاليم السليمة النقية الطاهرة والإيمان القويم الذي يجب أن يكون لدى المؤمنين نحو المسيح، الإيمان الذي لا تشوبه الحكمة العالمية الكاذبة (وهذا ما يعمله الرسل الكذبة معهم) بل يكون مستنيراً بنعمة الله. آية (4):- "4فَإِنَّهُ إِنْ كَانَ الآتِي يَكْرِزُ بِيَسُوعَ آخَرَ لَمْ نَكْرِزْ بِهِ، أَوْ كُنْتُمْ تَأْخُذُونَ رُوحًا آخَرَ لَمْ تَأْخُذُوهُ، أَوْ إِنْجِيلاً آخَرَ لَمْ تَقْبَلُوهُ، فَحَسَنًا كُنْتُمْ تَحْتَمِلُونَ. " إِنْ كَانَ الآتِي = إن أتاكم أحد ليعلمكم ويقدم لكم مسيحاً آخر غير المسيح الذي قدمناه لكم، وهذا لا يمكن فلا يوجد سوى مسيح واحد. والرسول هنا يقصد المعلمين الكذبة. والمعني أن إعتباركم للرسل الكذبة أكثر منا هو في غير محله لأنهم لم يعلموكم أكثر مما تعلمتم منا. ولو أنهم علموكم في المسيح تعليماً أوفي وأحسن من تعليمنا، أو أنفع من تعليمنا، أو قبلتم على يدهم من مواهب الروح القدس، مواهب أفضل من التي قبلتموها على يدنا، أو لو أنهم شرحوا لكم الإنجيل شرحاً أوضح من شرحنا، لحق لكم أن تفضلوهم علينا، وأن تحتملوهم في تعظيمهم أنفسهم علينا وإستغلالهم لكم مادياً. ولكن لا أرى شيئاً من ذلك. وانتم لم تروا منهم سوي كلمات إدعاء وكبرياء، بل إن تعاليمهم مغشوشة ومشوشة. آية (5):- "5لأَنِّي أَحْسِبُ أَنِّي لَمْ أَنْقُصْ شَيْئًا عَنْ فَائِقِي الرُّسُلِ. " في هذه الآية كما في أيات أخرى يحاول الرسول أن يدعم مركزه وأحقيته في الخدمة كرسول للمسيح، ويبين أنه لا ينقص شيئاً عن الرسل وخاصة عن هؤلاء المعتبرين أعمدة = فَائِقِي الرُّسُلِ = ويقصد بطرس ويعقوب ويوحنا، فهؤلاء ليسوا بأكثر أثراً في الكرازة من بولس الرسول. لذلك فعلى أهل كورنثوس أن لا يرفضوا رسالته وكرازته. آية (6):- "6وَإِنْ كُنْتُ عَامِّيًّا فِي الْكَلاَمِ، فَلَسْتُ فِي الْعِلْمِ، بَلْ نَحْنُ فِي كُلِّ شَيْءٍ ظَاهِرُونَ لَكُمْ بَيْنَ الْجَمِيعِ. " الرسل الكذبة إتهموا بولس بأنه لا يجيد الخطابة مثل الخطباء اليونانيين وبولس يقبل هذه التهمة أنه عَامِّيًّا فِي الْكَلاَمِ = فربما كان بولس ليس خطيباً مفوهاً يملك موهبة الخطابة، أو هو كان لا يفضل إستخدام هذا الأسلوب في الوعظ، ويفضل إستخدام اللغة البسيطة في محبة. وهو يعني أنه وإن كان غير فصيح لكنه من ناحية أخرى ليس عامياً في المعرفة والعلم = فِي كُلِّ شَيْءٍ ظَاهِرُونَ = إنكم لمستم ما أقوله سواء في تعاليمنا أو أعمالنا، فهذه كلها كانت ظاهرة واضحة وليس فيها خفاء. وهذا يعني ضمناً أن الرسول يريد أن يقول أن الرسل الكذبة وإن كان لهم فصاحة في الكلام، إلاّ أنها مظاهر جوفاء. آية (7):- "7أَمْ أَخْطَأْتُ خَطِيَّةً إِذْ أَذْلَلْتُ نَفْسِي كَيْ تَرْتَفِعُوا أَنْتُمْ، لأَنِّي بَشَّرْتُكُمْ مَجَّانًا بِإِنْجِيلِ اللهِ؟" أَذْلَلْتُ نَفْسِي = 1) بمحبته وسلوكه بوداعة بينهم 2) لم يطلب منهم أي مطالب مادية يعيش بها، بل عمل خياماً (أي في صناعة الخيام) ليعيش. وهم حولوا حتى هذا إلى مصدر تحقير لهُ = لأَنِّي بَشَّرْتُكُمْ مَجَّانًا = فالرسل الكذبة قالوا أنه اقل من باقي الرسل الذين تلتزم الكنائس بنفقاتهم. إن بعض الناس لا يقدرون ما يأخذونه مجاناً. والرسول يقول أنه أذل نفسه ليرتفعوا هم، فشابه بهذا المسيح (يرتفعوا أي يؤمنوا فصاروا أولاد الله) فهل يا ترى أنا أخطأت بعملي هذا، أي تواضعي وإنكاري لذاتي. ولاحظ أنه في تلك الأيام كان الخطباء اليونانيون عرضة للشك إذا لم يطلبوا أجراً. وربما كان بولس لا يطلب أجراً حتى يكون حراً في مقاومة المخطئين منهم. الآيات (8-9): -"8سَلَبْتُ كَنَائِسَ أُخْرَى آخِذًا أُجْرَةً لأَجْلِ خِدْمَتِكُمْ، وَإِذْ كُنْتُ حَاضِرًا عِنْدَكُمْ وَاحْتَجْتُ، لَمْ أُثَقِّلْ عَلَى أَحَدٍ. 9لأَنَّ احْتِيَاجِي سَدَّهُ الإِخْوَةُ الَّذِينَ أَتَوْا مِنْ مَكِدُونِيَّةَ. وَفِي كُلِّ شَيْءٍ حَفِظْتُ نَفْسِي غَيْرَ ثَقِيل عَلَيْكُمْ، وَسَأَحْفَظُهَا. " و من أجل ألا أثقل عليكم كنت استكمل حاجات الجسد الضرورية من كنائس أخرى مثل كنيسة فيلبى (في 4 : 15، 16). وذلك لأجل نَفعكم الروحي. وفي هذا تلميح أنه قبل من أهل فيلبى إذ أصلحوا أنفسهم، وقد يقبل من أهل كورنثوس إن أصلحوا أنفسهم هم أيضاً. آية (10):- "10حَقُّ الْمَسِيحِ فِيَّ. إِنَّ هذَا الافْتِخَارَ لاَ يُسَدُّ عَنِّي فِي أَقَالِيمِ أَخَائِيَةَ. " هذَا الافْتِخَارَ لاَ يُسَدُّ عَنِّي = لا أحد سوف يمنعني عن هذا الإفتخار. حَقُّ الْمَسِيحِ فِيَّ = أنا لدىَّ الحقيقة التي أعطاها لي المسيح. وأنا ثابت في الحق الذي هو ليس خارجاً عنى، بل هو ساكن فيَّ لأن المسيح فيَّ، والمسيح هو الحق. ومعنى الآية أنني سوف أستمر في إعلان الحق الذي فيَّ في كل إخائية، ولن يمنعني أحد بأن أفتخر بأنني أقدم هذه الخدمة مجاناً، حتى لا أثقل على أحد. آية (11):- "11لِمَاذَا؟ أَلأَنِّي لاَ أُحِبُّكُمْ؟ اَللهُ يَعْلَمُ. " أرجو ألا تفهموا عدم قبولي المساعدة منكم على أنه نقص في محبتي لكم. آية (12):- "12وَلكِنْ مَا أَفْعَلُهُ سَأَفْعَلُهُ لأَقْطَعَ فُرْصَةَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ فُرْصَةً كَيْ يُوجَدُوا كَمَا نَحْنُ أَيْضًا فِي مَا يَفْتَخِرُونَ بِهِ. " هذه الآية لها تفسيران : - الأول : - هؤلاء الرسل الكذبة يُعَلَّمون ولكنهم يستغلونكم جداً، فلو أخذت منكم سيقولون، وماذا عملناه من خطأ فنحن نأخذ مثل بولس، وأنا أريد أن أقطع عليهم الطريق فلا أكون مثلهم، أنا أريد أن تصل إليكم كلمة الله وبلا أجر. الثاني : - الرسل الكذبة كانوا لا يأخذون أجراً، وكانوا يريدون أن يتفاخروا على بولس ويتهمونه بالمادية والطمع إذا أخذ أجراً، فقطع بولس عليهم الطريق. ويبدو أن التفسير الأول هو الأقرب للصحة لأنه في آية 20 يشير لأن هؤلاء المعلمين الكذبة يأكلونهم أي يستغلونهم، ويستعبدونهم. آية (13):- "13لأَنَّ مِثْلَ هؤُلاَءِ هُمْ رُسُلٌ كَذَبَةٌ، فَعَلَةٌ مَاكِرُونَ، مُغَيِّرُونَ شَكْلَهُمْ إِلَى شِبْهِ رُسُلِ الْمَسِيحِ. " هؤلاء ليسوا رُسُلاً حقيقيون بل يتكلمون بالغش والخداع والكذب ويعملون بالمكر والدهاء فيظهرون كما لو كانوا رُسُلاً حقيقيون. هؤلاء يستغلون كل فرصة للتشكيك في رسولية بولس الرسول ليشوهوا الحق. آية (14):- "14وَلاَ عَجَبَ. لأَنَّ الشَّيْطَانَ نَفْسَهُ يُغَيِّرُ شَكْلَهُ إِلَى شِبْهِ مَلاَكِ نُورٍ! " الإنسان من السهل عليه أن يغير شكله، ويتظاهر، بل أن الشيطان هكذا أيضاً يستطيع أن يغير شكله. آية (15):- "15فَلَيْسَ عَظِيمًا إِنْ كَانَ خُدَّامُهُ أَيْضًا يُغَيِّرُونَ شَكْلَهُمْ كَخُدَّامٍ لِلْبِرِّ. الَّذِينَ نِهَايَتُهُمْ تَكُونُ حَسَبَ أَعْمَالِهِمْ. " إن كان إبليس يغير شكله فخدامه يصنعون هكذا أيضاً ويظهرون كَخُدَّامٍ لِلْبِرِّ = وخدمة البر تقال عن خدمة العهد الجديد في مقابل خدمة الدينونة التي تقال عن خدمة العهد القديم. حَسَبَ أَعْمَالِهِمْ = نهاية الرسل الكذبة ستكون باطلة كما أن أعمالهم كانت باطلة آية (16):- "16أَقُولُ أَيْضًا: لاَ يَظُنَّ أَحَدٌ أَنِّي غَبِيٌّ. وَإِلاَّ فَاقْبَلُونِي وَلَوْ كَغَبِيٍّ، لأَفْتَخِرَ أَنَا أَيْضًا قَلِيلاً. " من يفتخر بنفسه يكون غبياً وأنتم ألزمتموني أن أسلك هكذا. فبولس يحاول إثبات صدق رسوليته ففي هذا إثبات لصدق تعاليمه. آية (17):- "17الَّذِي أَتَكَلَّمُ بِهِ لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ بِحَسَبِ الرَّبِّ، بَلْ كَأَنَّهُ فِي غَبَاوَةٍ، فِي جَسَارَةِ الافْتِخَارِ هذِهِ. " كَأَنَّهُ فِي غَبَاوَةٍ = كما يحسبها الناس إذا تكلم أحد عن نفسه، ولكن بولس هنا يتكلم كوضع استثنائي. وفى هذا فهو يقطع الطريق على الرسل الكذبة حتى لا يفتخروا هم أيضاً بأنفسهم. لَسْتُ أَتَكَلَّمُ بِهِ بِحَسَبِ الرَّبِّ = أي الرب لا يريدنا أن نفتخر بأنفسنا أو بما نعمله، ولكن فلنلاحظ أن بولس وهو فى دائرة الروح ووحي الروح القدس يتكلم بهدف إثبات صدق رسوليته وبالتالي تعاليمه وذلك ليخلص على كل حال قوماً. والروح القدس يعطى دروس بما قاله بولس، فمما قاله يتعلم الخدام إلى أي مدى عليهم أن يتحملوا صليب الخدمة. آية (18):- "18بِمَا أَنَّ كَثِيرِينَ يَفْتَخِرُونَ حَسَبَ الْجَسَدِ، أَفْتَخِرُ أَنَا أَيْضًا. " كَثِيرِينَ يَفْتَخِرُونَ حَسَبَ الْجَسَدِ = أي يفتخرون بالبنوة الجسدية لإبراهيم أو بالختان كعلامة في الجسد إثباتاً لأنهم من شعب الله، أو بأعمالهم الجسدية. آية (19):- "19فَإِنَّكُمْ بِسُرُورٍ تَحْتَمِلُونَ الأَغْبِيَاءَ، إِذْ أَنْتُمْ عُقَلاَءُ! " هذا كلام مملوء بالمرارة منهم وفيه تهكم = إِذْ أَنْتُمْ عُقَلاَءُ = والمعنى أنا سأفتخر وأنتم سوف تحتملون هذا الفخر لأنكم وأنتم عقلاء يجب أن تحتملوا غباوة الأغبياء، أي تحتملوا افتخاري الذي هو فى نظركم غباوة، كما إحتملتم هؤلاء الرسل الكذبة إذ إفتخروا بأنفسهم ونادوا بضرورة التهود والختان... الخ آية (20):- "20لأَنَّكُمْ تَحْتَمِلُونَ: إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَسْتَعْبِدُكُمْ! إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْكُلُكُمْ! إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَأْخُذُكُمْ! إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَرْتَفِعُ! إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَضْرِبُكُمْ عَلَى وُجُوهِكُمْ! " عليكم أن تحتملوا غباوتي (آية 19) كما تحتملون المعاملة السيئة من الذي يَسْتَعْبِدُكُمْ = بان يعيدكم لأحكام الناموس الذي تحررتم منه. والذي يَأْكُلُكُمْ أي يستغلكم مادياً بطلباته الكثيرة والذي يَأْخُذُكُمْ = أي يسلب ما لديكم من أموال إغتصاباً أو بالعنف. والذي يَرْتَفِعُ = أي يضع نفسه كسيد لكم ويتفاخر عليكم ببنوته الجسدية لإبراهيم ويمدح نفسه لأنه من شعب الله المختار الذين لهم المواعيد والعهود. والذي يَضْرِبُكُمْ عَلَى وُجُوهِكُمْ = المعنى المجازى يعنى يذلكم ويهينكم فاليهود يعتبرون الأمم كلاب. وقد تعنى الضرب فعلاً بإدعاء الغيرة الإلهية على حق الله. آية (21):- "21عَلَى سَبِيلِ الْهَوَانِ أَقُولُ: كَيْفَ أَنَّنَا كُنَّا ضُعَفَاءَ! وَلكِنَّ الَّذِي يَجْتَرِئُ فِيهِ أَحَدٌ، أَقُولُ فِي غَبَاوَةٍ: أَنَا أَيْضًا أَجْتَرِئُ فِيهِ. " عَلَى سَبِيلِ الْهَوَانِ = TO OUR SHAME. إنه من المخجل أن أتكلم عن ضعفاتي، ولكن احتملوني على إفتراض أن الضعف الذي يعيرونني به هو أمر حقيقي، فأنا لم أستغلكم ولا أهنتكم، ولا مارست سلطاني ضدكم مثلهم، بل كنت كمن هو ضعيف بينكم. ومع ذلك فما يستطيعون أن يفتخروا به أستطيع أن أفتخر أنا أيضاً بمثله، فأنا لست أقل منهم، أنتم ألزمتموني أن أفتخر. ولكننا نجد الرسول هنا يفتخر بضعفاته هذه، فهم بل العالم كله يفتخر بالقوة والمراكز، أما أولاد الله صاروا يفتخرون بالآلام التي يحتملونها لأجل المسيح (أع 5 : 41). ولذلك نفهم قوله عَلَى سَبِيلِ الْهَوَانِ أَقُولُ = أنه سيتكلم عن ضعفاته التي يعتبرها العالم شيئاً مخجلاً مهيناً، لكن الرسول يفتخر بها فهي شركة في صليب المسيح. العالم يظن أن ضعف أولاد الله علامة تخلى الله عنهم، أما أولاد الله فيفتخرون بهذا الضعف فهو شركة صليب مع المسيح ومن ثم فهو شركة مجد معه. لذلك نسمع بولس الرسول في (2كو 12 : 9، 10) يعلن إفتخاره بالضعفات آية (22):- "22أَهُمْ عِبْرَانِيُّونَ؟ فَأَنَا أَيْضًا. أَهُمْ إِسْرَائِيلِيُّونَ؟ فَأَنَا أَيْضًا. أَهُمْ نَسْلُ إِبْرَاهِيمَ؟ فَأَنَا أَيْضًا. " عِبْرَانِيُّونَ = يتكلمون العبرانية، وبولس كان يتكلم العبرانية مع أنه مولود في طرسوس. إِسْرَائِيلِيُّونَ = من شعب الله المختار، مختونون في اليوم الثامن. آية (23):- "23أَهُمْ خُدَّامُ الْمَسِيحِ؟ أَقُولُ كَمُخْتَلِّ الْعَقْلِ، فَأَنَا أَفْضَلُ: فِي الأَتْعَابِ أَكْثَرُ، فِي الضَّرَبَاتِ أَوْفَرُ، فِي السُّجُونِ أَكْثَرُ، فِي الْمِيتَاتِ مِرَارًا كَثِيرَةً. " كَمُخْتَلِّ الْعَقْلِ = من يفتخر بنفسه ويعتبر نفسه أفضل من الباقين يكون هكذا فبولس لا يحب أن يعمل هذا ولكنه ملزم لإثبات صدق رسوليته. هم ألزموه. فِي الأَتْعَابِ = كثير الترحال من بلد إلى بلد. فِي الْمِيتَاتِ = كان من شدة الضرب يصل لدرجة الموت تقريباً. ولكن الله كان يقيمه. آية (24):- "24مِنَ الْيَهُودِ خَمْسَ مَرَّاتٍ قَبِلْتُ أَرْبَعِينَ جَلْدَةً إِلاَّ وَاحِدَةً. " أقصى عقوبة للجلد 40 جلدة، واليهود لأنهم خافوا أن تزداد عن 40 فيكسروا الناموس لو أخطأوا العد، كانوا ينقصونها لتصبح 39 جلدة. آية (25):- "25ثَلاَثَ مَرَّاتٍ ضُرِبْتُ بِالْعِصِيِّ، مَرَّةً رُجِمْتُ، ثَلاَثَ مَرَّاتٍ انْكَسَرَتْ بِيَ السَّفِينَةُ، لَيْلاً وَنَهَارًا قَضَيْتُ فِي الْعُمْقِ. " لَيْلاً وَنَهَارًا = أي قضى يوماً كاملاً في المياه وحفظه الله. في العمق أي متعلقاً بألواح السفينة الغارقة. هذه الأتعاب تعنى كرازة الرسول المستمرة آية (26):- "26بِأَسْفَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، بِأَخْطَارِ سُيُول، بِأَخْطَارِ لُصُوصٍ، بِأَخْطَارٍ مِنْ جِنْسِي، بِأَخْطَارٍ مِنَ الأُمَمِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْمَدِينَةِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْبَرِّيَّةِ، بِأَخْطَارٍ فِي الْبَحْرِ، بِأَخْطَارٍ مِنْ إِخْوَةٍ كَذَبَةٍ. " سفر أعمال الرسل مملوء من الأهوال التي لاقاها الرسول على يد اليهود والوثنيين، وكيف كان اليهود والإخوة الكذبة يحركون الوثنيون ضده. بِأَسْفَارٍ = للكرازة. لُصُوصٍ = كان قطاع الطرق منتشرون في كل مكان. مِنْ جِنْسِي = أي اليهود الذين إعتبروه كأخطر مرتد ودبروا مؤامرات لقتله. فِي الْمَدِينَةِ = فقد حدثت فتن ضده في أورشليم وأفسس ودمشق آية (27):- "27فِي تَعَبٍ وَكَدٍّ، فِي أَسْهَارٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، فِي جُوعٍ وَعَطَشٍ، فِي أَصْوَامٍ مِرَارًا كَثِيرَةً، فِي بَرْدٍ وَعُرْيٍ. " فِي جُوعٍ وَعَطَشٍ = خلال أسفاره أَسْهَار= كان يصلى ويعظ فيها آية (28):- "28عَدَا مَا هُوَ دُونَ ذلِكَ: التَّرَاكُمُ عَلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ، الاهْتِمَامُ بِجَمِيعِ الْكَنَائِسِ. " بجانب أتعابه كان عليه الإهتمام بكل الكنائس التي بشرها من الجانب الروحي والعقيدي والسلوكي. آية (29):- "29مَنْ يَضْعُفُ وَأَنَا لاَ أَضْعُفُ؟ مَنْ يَعْثُرُ وَأَنَا لاَ أَلْتَهِبُ؟" وَأَنَا لاَ أَضْعُفُ = هو شعور بشرى حينما يسمع عن ضعفات الآخرين او ارتدادهم ولكن الله سريعاً ما يعوضه بقوة من عنده. هو شعور فيه تذبل نفس الخادم إشفاقاً على من ضَعُفَ وخشية عليه. فالخادم الحقيقي يشارك وجدانياً من يضعف ويسقط، وإن تألموا يتألم لألامهم. مَنْ يَعْثُرُ = يرتد عن الطريق الصحيح وَأَنَا لاَ أَلْتَهِبُ = أشعر كأن اللهيب إندلع في صدري. هنا نرى متاعب الخادم الحقيقي. آية (30):- "30إِنْ كَانَ يَجِبُ الافْتِخَارُ، فَسَأَفْتَخِرُ بِأُمُورِ ضَعْفِي" ما إعتبره الناس ضعفاً وحقارة تسبب الخجل، أي الألام والتجارب التي وقعت عليه وقاسى منها، وهذه لم يحتمل مثلها الرسل الكذبة. هذه الضعفات أظهرت عمل الله فيه بالرغم من ضعفه، وهذا يدل على سمو فضله وكونه رسولاً حقيقياً، إذ أن الله يعمل فيه وليس بقوته الخاصة. ولاحظ أنه يفتخر بآلامه ولم يفتخر بالمعجزات التي صنعها ولا بمواهبه. آية (31):- "31اَللهُ أَبُو رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي هُوَ مُبَارَكٌ إِلَى الأَبَدِ، يَعْلَمُ أَنِّي لَسْتُ أَكْذِبُ. " هنا يثبت كلامه الماضي والآتي بأن يشهد الله الآب أنه لا يكذب ليصدقوه. الأيات (32-33):- 32فِي دِمَشْقَ، وَالِي الْحَارِثِ الْمَلِكِ كَانَ يَحْرُسُ مدِينَةَ الدِّمَشْقِيِّينَ، يُرِيدُ أَنْ يُمْسِكَنِي، 33فَتَدَلَّيْتُ مِنْ طَاقَةٍ فِي زَنْبِيل مِنَ السُّورِ، وَنَجَوْتُ مِنْ يَدَيْهِ. " راجع (أع 9 : 9 – 25). ونجد هنا تطبيق لما قاله في آية 30 أنه يفتخر بأمور ضعفه، فها هو يهرب في سل من على السور، ولم يكن له قوة إعجازية يواجه بها جنود الحارث، ولكن تظهر هنا عناية الله التي أنقذته، فالله يريده أن يكرز ويبشر. والرسول يضع هذه الحادثة هنا في آخر سلسلة ألامه، إذ هي أول إضطهاد وقع ضده. والحارث هو ملك البتراء العربية. وكان هيرودس أنتيباس متزوجاً من إبنة الحارث وتركها ليخلو له الجو مع هيروديا، فحاربه الحارث وهزمه سنة 36 م في حرب دُمِّرَ فيها جيش هيرودس. وإنتهز الحارث فرصة صداقته مع كاليجولا الإمبراطور الروماني ليضم دمشق إلى ولايته. وأقام الحارث على دمشق والياً من قبله، وهذا الوالى عَلِمَ أن اليهود كانوا يريدون القبض على بولس فأراد الوالي أن يقبض هو عليه ليرضيهم، لكن بولس الرسول هرب منه في سلٍ من على السور.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الحادى عشر دفاع بولس عن رسوليته وخدمته (1) دفاع بولس عن رسوليته ع 1 - 6 : ع 1 : نهى بولس الرسول أى أحد عن مدح نفسه مثل المعلمين الكذبة المقاومين له ، ويعتبر هذا جهل وغباء لأنَّ المدح يكون من الله0 ولكن هنا يضطر أن يمدح نفسه ليثبت رسوليته وبالتالى التعاليم التى بشر بها أهل كورنثوس0 فلأنَّ الظاهر هو مدح نفسه ، قال لهم إحتملوا غباوتى0 ويمتدحهم أنهم تميزوا أصلاً بفضيلة الإحتمال ، ولأنهم يحبونه فسيحتملونه0 ع 2 : أغار عليكم : أحبكم وأرفض أن تنحرفوا فى الشر والتعاليم الخاطئة لتظلوا فى إيمانكم السليم ، ومحبتى تجعلنى أتعب إذا رأيتكم مرتبطين بالعالم وليس بالمسيح0 غيرة الله : من أجل مجد الله وليس لغرض شخصى0 خطبتكم : بشرتكم وآمنتم وارتبطتم كعروس مع عريسها السماوى المسيح0 يبين بولس محبته لكنيسة كورنثوس أنه يحزن ويتضايق إذا ابتعدوا عن المسيح ، لأنه بتبشيره لهم ربطهم به كعروس فيلزم أن يظلوا فى نقاوة كالعذراء المخطوبة لخطيبها المسيح0 ع 3 : يستكمل بولس إظهار مشاعره نحو كنيسة كورنثوس التى يخاف عليها من أن تُخدع بأفكار المعلمين الكذبة ، كما خدع الشيطان فى شكل الحية أمنا حواء قديماً0 فيطلب إليهم أن يظلوا فى بساطة الإيمان ويحترسوا من مكر المقاومين الأشرار0 ع 4 : يسوع آخر : غير يسوع المسيح إبن العذراء مريم0 روحاً آخر : غير الروح القدس0 إنجيلاً آخر : غير الإنجيل الذى بشر به بولس الذى يعلن أنَّ يسوع المسيح هو الله0 يفترض بولس وجود معلمين يُعلمون بيسوع آخر وروح قدس آخر وإنجيل آخر يؤكدون به تعاليمهم ومعجزات تثبته ، كل هذا قد يكون خداعاً قوياً يبعد أهل كورنثوس عن الإيمان فيصير لهم عذر مقبول ، ولكن المعلمين الكذبة لم ينادوا بهذا بل يشوشوهم بأفكار غريبة لأجل كبريائهم ، فلماذا ينساقون وراءهم ؟ كان الأجدر أن يتمسكوا بالتعليم الصحيح الذى بشر به بولس ويرفضوا أفكار المقاومين0 ع 5 : فائقى الرسل : الرسل المتقدمين وهم بطرس ويعقوب ويوحنا ، الذين خصهم المسيح ببعض المواقف مثل التجلى0 شكك المقاومون فى رسولية بولس ، وهو هنا يدافع عنها حتى يثبت أيضاً التعاليم التى علمها لهم ، فيعلن أنه ليس فقط رسولاً لأنَّ المسيح ظهر له وسلمه كل شئ ، بل لا يقل عن الرسل المعتبرين أعمدة لأجل أتعابه فى الخدمة والمواهب التى خصه بها الله0 وإدخاله الأمم إلى الإيمان لا يقلل من رسوليته كما يتهمه المقاومون بل يثبتها0 ع 6 : لعل بعض المقاومين إتهموا بولس بالضعف فى الخطابة باليونانية لأنه لم يتعلم فى المدارس اليونانية المشهورة ، مع أنه بالحقيقة يتميز بفصاحته0 فيدافع بولس معلناً أنه لو كنتم حكمتم بأنى ضعيف فى الخطابة أى عامى ، ولكن فى العِلم والمعرفة الروحية لست ضعيفاً لأنى تعلمت كل شئ من المسيح رأساً0 وقد ظهرت معرفتى هذه من خلال تبشيرى بينكم وفى كل مكان بشرت فيه0 ولعل التبشير بالعامية كان ضرورة فى كثير من الأحيان لشرح الحقائق اللاهوتية لبسطاء الناس ، وهذا لا يقلل من عمق المتكلم بأية حال0 + دافع عن نفسك لأجل الله وحتى لا تُعثر آخرين ولكن لا يكن دفاعك من أجل كرامتك أو تبرير أخطاءك ، بل إتضع واعتذر عن أخطاءك فتكون قوياً وتكسب محبة من حولك0 (2) خدمة بولس المجانية ع 7 - 15 : ع 7 : أذللت نفسى : إحتملت تدبير نفقات معيشتى بعمل يدى0 ترتفعوا أنتم : ترتبطوا وتنموا فى معرفة الله ، غير منشغلين بتدبير نفقاتى أنا ومن معى لعل خدمتى المجانية تشجعكم على الإرتباط بمحبة المسيح0 أعلن بولس حق الرسول فى أن يأخذ نفقات معيشته ممن يخدمهم 1كو 9 : 6 - 12 ، فاعترض المقاومون على رسوليته لأنه لا ينال نفقات معيشته ممن يخدمهم ، فرد عليهم بأنَّ من حقه أن يأخذ هذه النفقات ولكنه تنازل عنها حتى لا يعطلهم عن إرتباطهم بالمسيح ومحبته0 ع 8 - 9 : سلبت : قبلت عطايا من كنائس أخرى لأجل خدمتكم ، مع أنه كان يمكن أن يدبر المؤمنون فى كورنثوس نفقاته ولكن محبة منه لم يثقل عليهم ، فدبر إحتياجاته من عمل يديه ومن تبرعات كنائس أخرى0 كنائس أخرى : كنائس مكدونية ع 9 وبالأخص كنيسة فيلبى0 يضيف الرسول فى عدم تثقيله على كنيسة كورنثوس فى تدبير نفقاته ، أنه كمَّل إحتياجاته من تبرعات كنائس أخرى ، وترَّفع عن أن يكون ضيفاً ثقيلاً على أحد0 ع 10 : هذا الإفتخار : الخدمة المجانية فى كورنثوس0 لا يُسد : لا يمنعه أحد عنى0 أخائية : المنطقة الجنوبية من اليونان التى عاصمتها كورنثوس0 يؤكد بولس صدق كلامه فى المسيح الذى علمه الصدق ، أنَّ إفتخاره بأنه خدم مجاناً كنيسة كورنثوس لا يستطيع أحد أعضاء هذه الكنيسة أن يمنعه عنه أو يعاره فيه لأنه واضح أمام الجميع0 ع 11 : يتساءل بولس لماذا لم يأخذ من كنيسة كورنثوس نفقاته ، هل لأنه لم يحبهم ؟00 بالطبع لا0 ويؤكد كلامه بأنَّ الله يعلم مقدار محبته لهم0 ع 12 : يضيف أنه سيستمر يخدم كنيسة كورنثوس مجاناً حتى لا يأخذ عليه المقاومون شيئاً فى أنه يخدم لأجل الربح المادى0 فإذ يهدمون مكانة بولس ، يصير لهم مكانة وقوة0 وقد يكون تعليم المعلمين الكذبة يؤدونه مجاناً ويفتخرون بذلك ولذا يحرص بولس على الخدمة المجانية حتى لا يستخدم هؤلاء المقاومون ذلك سبباً فى إتهامه بأنه يريد الربح المادى0 ع 13 : يكشف بولس شر المقاومين له فى كورنثوس ، فيصفهم بأنهم ليسوا رسلاً حقيقيين بل كاذبون وبأنهم ماكرون ويخدعون البسطاء بتعاليمهم الكاذبة0 فالمسيح لم يرسلهم بل هم يدَّعون ذلك0 ع 14 - 15 : يزيد الرسول بفضح المقاومين وكشف تظاهرهم بأنهم مرسلون من المسيح مثلما يفعل رئيسهم وهو الشيطان ، الذى يمكن أن يظهر بشكلا ملاك نور مع أنه شيطان وسلوكه عكس الملائكة تماماً ، ولأنهم خدام للشيطان ، فليس غريباً أن يقلدوه فى خداع الناس بتظاهرهم أنهم رسل للمسيح ، ولكن الله سيجازيهم عن أعمالهم الشريرة بالعذاب الأبدى إن لم يتوبوا0 + قدم محبتك لمن حولك مجاناً ، ولا تطلب مقابلاً مادياً ، بل حتى لو قصروا فى تقدير أتعابك أو أساءوا إليك بكلمات توبيخ وإهانة ، لا تتخلَ عن محبتك لهم0 وإن لم تستطع أن تقدم لهم محبة فعلى الأقل صلِ من أجلهم0 (3) إضطرار بولس لمدح نفسه ع 16 - 21 : ع 16 : إضطر بولس أن يمتدح نفسه لإثبات رسوليته ، فيقول لأهل كورنثوس لا تظنوا أنَّ هذا غباء منى عندما أمدح نفسى لأنى لا أقصد كرامة خاصة لى ، بل لأجل تثبيت إيمانكم أفعل هذا عندما أثبت رسوليتى0 وحتى لو ظننتم أنَّ هذا غباء ، فاحتملونى واسمعونى كما سمعتم المعلمين الكذبة عندما مدحوا أنفسهم مع أنهم ليسوا رسلاً من المسيح0 ع 17 : الذى أتكلم به : أى ما دافع به بولس عن رسوليته وبدا فى صورة إفتخار0 بحسب الرب : ليس مثل المسيح المتضع الذى لم يمدح نفسه0 كأنه فى غباوة : يبدو أنه جهل وغباوة0 جسارة الإفتخار : الجُرأة فى مدح نفسه0 يعلن بولس أنَّ مقاومة المعلمين الكذبة هى التى اضطرته لأن يمدح نفسه لإثبات رسوليته0 وليس هذا هو المنهج الذى سلكه المسيح ويطلب من تلاميذه أن يسلكوه ، ولكنه حالة خاصة إضطرته لذلك0 فيبدو أنه غباء وجرأة بلا داعى ، ولكن من يدقق سيعرف أنَّ هذا من أجل تثبيت إيمان كنيسة كورنثوس0 ع 18 : كثيرين : المعلمين الكذبة0 حسب الجسد : أى أنهم يهود ومختونين ويلتزمون بالناموس0 السبب فى إفتخار بولس هو أنَّ المعلمين الكذبة إفتخروا باطلاً بأمور جسدية ليجذبوا الناس إلى تعاليمهم الخاطئة0 فاضطر بولس أن يفتخر ولكن لسبب سليم وهو تثبيت تعاليم المسيح التى قالها له0 ع 19 : يمتدح بولس أهل كورنثوس بأنهم عقلاء واحتملوا غباوة المعلمين الكذبة فى إفتخارهم ، فليستكملوا إحتمالهم بسماع دفاع بولس حتى لو ظنوه كلاماً جاهلاً0 إنها حكمة من بولس أن يجتذبهم لسماعة بمدحهم وباتضاعه إذ وصف نفسه كأنه جاهل ، مع أنَّ الحقيقة أنَّ أهل كورنثوس كانوا جهلاء بانسياقهم وراء تعاليم المقاومين وتنازلهم عن تعاليم بولس الذى بشرهم0 ع 20 : يستعبدكم : للرسوم الموسوية الموجودة فى شرائع الناموس حينما ألزموهم بها بعد تنصرهم0 يأكلكم : الإستغلال المادى0 يأخذكم : يتسلط عليكم ويأخذكم كفريسة يستغلها0 يرتفع : يتكبر عليكم ويذلكم0 يضربكم على وجوهكم : جميع أنواع الإهانات0 يقول بولس لأهل كورنثوس أنكم إحتملتم المعلمين الكذبة ، الذين إستعبدوكم للعوائد الناموسية واستغلوكم وأهانوكم ، فاحتملونى فى مدحى لنفسى0 ع 21 : على سبيل الهوان : الإهانات التى احتملها بولس0 كنا ضعفاء : باتضاع يصف بولس نفسه ومن معه أنهم ضعفاء ، أو أنَّ المقاومين كانوا يصفونهم بالضعف0 الذى يجترئ فيه : مدح المقاومين لأنفسهم0 يعلن بولس أنه إحتمل ظهوره بمظهر الضعف والذل لأجل التبشير بإنجيل المسيح ، ولكنه الآن مضطر أن يُظهر قوته بمدح نفسه ليثبت رسوليته أمام الإدعاءات الباطلة ومدح المعلمين الكذبة لأنفسهم0 + إحتمل الإهانات لأجل الله ودافع عن نفسك أيضاً لأجله وليس لإظهار كرامتك أو لغيظ فى داخلك وتكبر0 أى إفعل ما تريد ولكن لغرض واحد هو تمجيد الله وليس تمجيد نفسك0 (4) أنواع الأتعاب التى احتملها بولس فى خدمته ع 22 - 33 : ع 22 : يعلن بولس أنه ليس أقل من المعلمين الكذبة فى أنسابه0 عبرانيون : نسبة إلى " عابر " أحد جدود " إبراهيم " أو إلى إبراهيم الذى عبر نهر الفرات إلى أرض كنعان ، فيسمى إبراهيم عبرانى تك 14 : 13 ونسله عبرانيون0 إسرائيليون : نسبة إلى إسرائيل الذى هو يعقوب ، ومعنى إسرائيل أنه جاهد مع الله وأقتدر تك 32 : 28 ، أى هم شعب الله الخاص0 نسل إبراهيم : الذى نال المواعيد من الله ، فهم ورثة هذه المواعيد وخاصة أنَّ منهم يأتى المسيح المخلص0 ع 23 : أنا أفضل : يدَّعى المعلمون الكذبة أنهم خدام المسيح ، أمَّا بولس فهو بالحقيقة خادم لله بالحب والإتضاع ، والله أرسله للتبشير فهو ليس مزوراً أو مدعياً ولذلك فهو أفضل0 الأتعاب : من أجل الخدمة0 الميتات : تعرضه كثيراً للموت0 فى هذه الآية يُظهر بولس ليس فقط مساواته للمعلمين الكذبة فى النسب بل أيضاً تميزه عنهم فى الخدمة ، سواء فى كثرة أتعابه واحتماله الضرب والجلد والإلقاء فى السجون وأكثر من هذا تعرضه للموت مراراً كثيرة0 ع 24 - 25 : أربعين جلدة إلاَّ واحدة : كانت شريعة موسى تقضى بألا يزيد الجلد عن أربعين ، فاعتادوا أن يضربوا 39 لئلا يسقطوا فى خطأ0 وكان الكرباج له ثلاث شُعب فتحسب كل جلدة بثلاثة ، أى يُضرب 13 مرة0 ضُربت بالعصى : غالباً من الرومان0 مرة رُجمت : كان ذلك فى لسترة وغاب عن وعيه اع 14 : 19 0 ثلاث مرات إنكسرت بى السفينة : لم يُذكر هذا فى سفر أعمال الرسل ، وذُكرت مرة رابعة حدثت بعد كتابة هذه الرسالة حين كان ذاهباً إلى رومية اع 27 : 41 0 فى العمق : حين كان متعلقاً بأحد ألواح الخشب فى البحر وقضى ساعات طويلة سواء ليلاً أو نهاراً حتى نجاه الله ، وقد حدث هذا فى حالة إنكسار السفينة به ثلاث مرات0 يبين بولس بعضاً من الأتعاب التى إحتملها فى خدمته وتميز بها عن المعلمين الكذبة مثل الجلد والضرب والرجم وانكسار السفينة به وتعلقه بألواحها فى البحر0 ع 26 : أسفار : تحمل آلام السفر ومشقاته فى تنقله بين كثير من البلاد مع ملاحظة أنَّ طرق المواصلات كانت بدائية ففيها معاناة كثيرة0 سيول : وهى أمطار غزيرة تنزل على بعض البلاد وقد تودى بحياة الكثيرين الذين تكسحهم فى طريقها0 لصوص : وهم قطاع الطرق الذين يهاجمون المسافرين للإستيلاء على ما عندهم فيتعرض المسافرون للقتل0 جنسى : أى اليهود الذين قاوموه سواء فى أورشليم أو فى بلاد العالم المختلفة التى بشر فيها0 الأمم : الذين بشر بينهم فى العالم كله وهيجوا عليه الكثيرين لقتله0 المدينة : أى المدن التى بشر فيها وقاموا ضده وضربوه وحاولوا قتله0 البرية : وهى الصحارى التى مر بها أثناء رحلاته التبشيرية0 البحر : حيث سافر بحراً بالسفن مرات كثيرة وكانت السفن بدائية فانكسرت أكثر من مرة وكان معرضاً للغرق0 إخوة كذبة : المعلمون الكذبة وهم اليهود المتنصرون الذين قاوموا تعاليمه لأنه أظهر أنَّ العوائد الموسوية كانت رمزاً للمسيحية ، فلا داعٍ للتمسك بمعظمها0 بيَّن الرسول بعض المعاناة التى قابلها فى خدمته وعرضته للموت ، فهذا يدل على محبته لله واستحقاقه أن يُدعى رسولاً وخادماً لأهل كورنثوس أكثر من المعلمين الكذبة0 ع 27 : أسهار : سهر بولس وهو يعظ ويعلم وكذا فى عمل اليدين ليدبر نفقات معيشته0 جوع وعطش : إحتمل أثناء تبشيره الفقر الشديد أحياناً إذ لم يكن يجد قوته الضرورى0 أصوام : التى كان يصومها ويُقرنها بالصلوات من أجل خدمته ، سواء الأصوام التى قررها الرسل للكنيسة كلها أو أصوام إضافية من أجل طلب معونة الله0 برد وعرى : لأنه تعرض للفقر الشديد ، فلم يجد ما يكسوه ويدفئه أثناء تبشيره فى البلاد الباردة الجو0 يستكمل الرسول المتاعب التى تحملها فى خدمته فيبين مثابرته فى إحتمال أتعاب الخدمة والفقر واحتياجاته للقوت والكساء الضرورى ، بالإضافة للأصوام ليتحنن الله عليه0 ع 28 : يذكر بولس أنَّ ما سبق ذكره هو بعض الآلام وتوجد أتعاب أخرى كثيرة أقل من هذه الآلام مثل إهتمامه برعاية الكنائس التى بشر فيها وكذلك تدبير الخدمة ومتابعتها0 ع 29 : يضعف : يتعب جسدياً أو يتأثر روحياً0 لا أضعف : أشفق عليه وأتأثر لضعفه ، أى يتحرك قلبى نحوه0 يعثر : ينصرف عن الإيمان0 لا ألتهب : أى يمتلئ قلبى حماساً وغيره لإنقاذه ومساندته0 يوضح بولس أنَّ كل الأتعاب المذكورة السابقة كان يجتاز فيها ليس كآلام جسدية ، بل يتأثر نفسياً من أجل خطايا وسقطات وانحراف الكثيرين من المؤمنين عن الله ، فيتحمس لوعظهم وإظهار محبته لهم حتى يعيدهم إلى الكنيسة0 ع 30 : إفتخر المعلمون الكذبة بعلمهم وفصاحتهم وأنسابهم ، أمَّا بولس فافتخر بأتعابه وما إحتمله من أجل المسيح إذ هو دليل محبته ؛ وهذا يؤكد أنه خادم حقيقى0 ع 31 : يستشهد بولس على صدق كلامه السابق بالله نفسه حتى يثقوا فيما يقوله لهم0 ع 32 - 33 : دمشق : مدينة قديمة معروفة فى سوريا0 والى : حاكم المدينة0 الحارث : لقب لملوك العرب وسوريا مثل فرعون لملوك مصر0 يحرث مدينة الدمشقيين : يراقب الأبواب حتى يقبض على بولس إذ حاول الهرب ، لأنَّ اليهود هيجوه عليه0 طاقة : نافذه فى بيت ملاصق للسور0 زنبيل : سلة كبيرة أى مقطف كبير0 يبدو أنَّ هذه الحادثة كانت خطيرة وكان موت بولس خلالها شبه مؤكد ، لذا ذكرها منفردة وبيَّن حماية الله له ، إذ إستطاع أن يهرب من المدينة بينما عساكر الوالى يحاولون القبض عليه0 وخرج متدلياً فى سلة وأخذ يمشى وحده فى البرية حتى وصل إلى مدينة أخرى0 + اُنظر إلى محبة المسيح وما احتمله على الصليب من أجلك حتى تتحرك فى بذل لأجل كل من حولك وتخدم بكل طاقتك واثقاً من مساندة الله ورعايته لك0
مصادر أخرى لهذا الإصحاح