كلمة منفعة
إن الله هو الحق. وقد قال عن ذاته (أنا هو الطريق والحق والحياة) (يو 14: 6) وقال أيضًا: (وتعرفون الحق، والحق يحرركم) (يو 8: 32) وقال الكتاب عن الروح القدس أنه (روح الحق) (يو 15: 26).
— أنت..  والحق
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
كورنثوس الاولى - الاصحاح رقم 2 كورنثوس الاولى الإصحاح رقم 2 الإصحاح الثاني سرّ الحكمة المكتومة تحدث الرسول بولس في الاصحاح الأول عن موضوع وحدة الكنيسة، بدأ بالكشف عن المرض ثم تحدث عن المسيح الواحد، المصلوب من أجل الكل، وباسمه نلنا العماد، مقدمًا صليبه لنا كي نختبر قوة اللَّه وحكمة اللَّه, فيه يتمتع جميع المؤمنين بالحكمة والبر والقداسة والفداء. الآن يكشف الرسول عن عمل الروح القدس، روح المسيح الذي يوحدنا معه في حياتنا اليومية. إنه يهبنا معرفة الصليب، ويقدم لنا القوة لمواجهة الضيقات والاضطهادات والمخاوف. ويعطينا برهان الروح والقوة، وخبرة سرّ مجدنا الأبدي، ويعلن لنا عن أسرار اللَّه، ويمتعنا بالتمييز الروحي وفكر المسيح. في هذا الاصحاح يوضح لهم الرسول بولس كيف بدأ معهم الخدمة. ذكَّرهم بمنهجه الإنجيلي الذي استخدمه، وقد حوى هذا المنهج ثلاثة جوانب: الجانب السلبي: وهو عدم استخدامه سمو الكلام أو الحكمة البشرية. الجانب الإيجابي: تتحقق الشهادة للَّه بإعلانٍ إلهيٍ. النهاية: ركّز على شخص المسيح المصلوب حتى يتمتع المؤمنون بكنز الحكمة الحقيقية السماوية التي تفوق كل حكمة بشرية في هذا العالم، وبقوة اللَّه عِوض الانشغال بالحوارات العقلية الجافة. بالصليب يتجلى الرب فيهم ويتمجد في الكل. يمثل الإصحاح رحلة النفس المؤمنة تحت قيادة الروح القدس الذي يعبر بها إلى فكر اللَّه قبل الدهور الخاص بخلاصنا، وينطلق بها إلى الأمجاد الأبدية الخاصة بمجدنا. 1. الصليب وبرهان الروح 1-4 2. قوة اللَّه والحكمة الكاملة 5-6. 3. سرّ الحكمة المكتومة 7-8. 4. سرّ المجد الأبدي 9-12. 5. الإنسان الروحي 13-15. 6. لنا فكر المسيح 16. 1. الصليب وبرهان الروح "وأنا لما أتيت إليكم أيها الاخوة، أتيت ليس بسمو الكلام أو الحكمة مناديًا لكم بشهادة اللَّه" [1]. يكمل الرسول بولس حديثه عن سرّ الوحدة الكنسية وارتباطها بالصليب أو بحكمة اللَّه التي يراها اليهود عثرة واليونانيون جهالة. الآن يؤكد الرسول انه لم يأتِ إليهم كخطيبٍ بليغٍ ولا كفيلسوفٍ ماهرٍ، ولم يُظهر حكمة بشرية بألفاظٍ براقةٍ. فقد تربى في مدرسة جديدة هي مدرسة الحكمة الإلهية المكتومة، بروح التواضع والمخافة الإلهية. حمله روح اللَّه إلى الأمجاد التي لا يُعبر عنها، ويكشف له الإلهيات الفائقة. رفعه من إنسان جسداني وطبيعي إلى إنسان روحي يحمل فكر المسيح. يؤكد لهم أنه إذ جاء إليهم يكرز بالإنجيل لم يستخدم البلاغة وسمو الكلام مثل فلاسفتهم، إنما قدم لهم الحق الإلهي في بساطة. كأنه يقول لهم: "وأنا أيها الاخوة كجاهلٍ وضعيفٍ ومحتقرٍ استخدمني اللَّه لمجد اسمه. جئت أتحدث في بساطة لكي يكون حديثي متناغمًا مع خطة اللَّه الخلاصية". في طرسوس درس الرسول بولس كتابات الفلاسفة، وحسب أن الفكر الهيليني هيأ الطريق للخلاص لكنه فشل في تجديد العالم، حيث يحتاج الأمر إلى عمل إلهي. تمتع الرسول بولس بالثقافة اليونانية (الهيلينية) التي اهتم بها بعض اليهود في طرسوس والإسكندرية، كما تمتع بالجنسية الرومانية بالميلاد التي حفظته من استخدام العنف معه وهو يكرز بين الأمم، ودرس الشريعة الموسوية والتقليد اليهودي في أورشليم. وتفاعل الثلاثة معًا في حياة الرسول بولس لخدمة الكرازة، لكن ما يشغل قلب الرسول بولس وفكره هو التمتع بخدمة الكرازة بالقوة الإلهية العاملة للخلاص خلال صليب رب المجد يسوع. + لم يتهيأ أحد للمعركة مثل روح بولس، أو بالأحرى أقول ليس روحه (إذ لم يكن هو نفسه مخترع هذه الأمور)، بل لا يوجد ما يعادل النعمة العاملة فيه الغالبة لكل شيء. القديس يوحنا الذهبي الفم "شهادة اللَّه": جاءت في بعض النسخ القديمة "سرّ اللَّه". يُدعى الإنجيل "شهادة المسيح"؛ هنا يقصد الشهادة التي يحملها الإنجيل من نحو خطة اللَّه الخلاصية بالصليب لا بالبلاغة اللغوية. + ما يدعوه بولس هنا شهادة هو اللَّه الكلمة المتجسد، المخفي عن كل الدهور مع اللَّه. يقوم الهراطقة بدور متهور ومتهاون في هذه الأمور. إنهم يكرزون بتعاليمهم الشريرة ببلاغة عظيمة، سالكين بحكمة العالم. إنهم ينزعون عن صليب المسيح قوته. أمبروسياستر "لأني لم اعزم أن أعرف شيئًا بينكم إلا يسوع المسيح وإياه مصلوبًا" [2]. وجد الرسول بولس في صليب يسوع المسيح شبعه الداخلي، وأدرك أنه ينبوع الحكمة وكل سعادة. لهذا فإن موضوع كرازته هو أن يتعرف الكل على الصليب. إنه لا يهدف إلى تقديم معرفة أخرى ولا إلى الكرازة بأمرٍ آخر، أو اكتشاف أسرارٍ أخرى، فقد أُبتلع كل قلبه وفكره وأحاسيسه بشخص المسيح المصلوب. فالمسيح هو جوهر الكرازة، وصليبه هو العَلَمْ الذي يدعو الكل ليحتموا تحت ظله. هكذا بروح اللَّه القدوس دخل سرّ الحكمة الأزلية، فعرف سرّ الصليب الذي كان في خطة اللَّه حتى قبل السقوط، وانطلق به إلى الأبدية ليرى الأمجاد التي أعدها المصلوب لمؤمنيه. + إنه الكلمة المتجسد الذي تمم سرّ خلاصنا. هو الذي حررنا وخلصنا. إننا نؤمن به ذاك الذي هو مخلصنا بالصليب وبقيامته. ماريوس فيكتوريانوس + أتيت إليكم لا ببلاغة وحكمة، ولا نطقت بشيء سوي أن "المسيح قد صُلب". القديس يوحنا الذهبي الفم + ينطق بولس بهذا لأنه يتحدث عن أولئك العاجزين عن أن يبصروا التعاليم السامية جدًا عن لاهوت المسيح. القديس أغسطينوس "وأنا كنت عندكم في ضعفٍ وخوفٍ ورعدةٍ كثيرةٍ" [3]. لعل ضعف الرسول وخوفه ورعدته كان بسبب شعوره في البداية بمقاومة البعض له وفشله في الخدمة. "فقال الرب لبولس في رؤيا في اللَّه: لا تخف بل تكلم ولا تسكت لأني أنا معك، ولا يقع بك أحد ليؤذيك، لأن لي شعبًا كثيرًا في هذه المدينة" (أع 18: 9-10). هكذا يقدم لنا الرسول صورة حية للخادم الذي يدرك ضعفه وعجزه وخوفه ورعدته، فيقبل عمل روح اللَّه القدوس الذي يهبه قوة ويسنده فينجح بالنعمة الإلهية. + هذا أيضًا موضوع آخر، وهو أن المؤمنين ليسوا فقط غير متعلمين ولا أن المتحدث غير متعلم... ولكن مع هذا الأمور توجد أيضا مقاومة أخرى ومخاطر وخطط ومخاوف يومية لكي تصطاده. فإن كلمة "ضعف" بالنسبة له في مواضع كثيرة يقصد بها الاضطهادات. "ضعفي الذي في جسدي لم يزدروا به" (غلا 4: 14). "إن كان يجب الافتخار فسأفتخر بأمور ضعفي" (2 كو 11: 30)... بالحق أنه بسبب إحساسه بالتصميم حتى وهو خائف من الموت والضرب لم يخطئ بسبب الخوف. لذلك فإن الذين يدعون بأن بولس لم يكن خائفًا من الضرب ليس فقط لا يكرمونه بل وينزعون عظمته. فإن كان بلا خوف فأي احتمال أو ضبط للنفس كان له عندما احتمل المخاطر؟... من جانبي إني أعجب به من هذا الجانب، فإنه وهو في خوفٍ، وليس في خوفٍ بل وفي رعبٍ وسط مخاطره يجري هكذا لكي يحفظ إكليله ولا يستسلم بسبب أي مخاطرٍ، وذلك للعمل في العالم، في كل موضعٍ، سواء بالبحر أو الأرض غارسًا الإنجيل... بماذا تقول، هل يخاف بولس من المخاطر؟ كان يخاف ويرتعب منها جدًا، فمع كونه بولس إلا أنه إنسان. لكن هذا ليس اتهام ضد بولس بل هو ضعف الطبيعة البشرية. القديس يوحنا الذهبي الفم + بالكرازة بالمسيح ظهر بولس كغبي للحكمة البشرية وبهذا أثار ضده الكراهية والاضطهاد. أمبروسياستر ولعله يقصد أنه كان في خوف ورعدة ليس من الناس، ولكن من أجل الناس، فكان قلبه يحترق مع كل متعثرٍ، ويضعف مع كل ضعيفٍ. هذا ما اختبره أهل كورنثوس أثناء حضرة الرسول بولس التي استمرت على الأقل سنة ونصف (أع 18: 11). اتسم الرسول بولس بروح التواضع والوداعة، خاصة عند الكرازة حتى اتهمه بعض الكورنثوسيين بالضعف: "الرسائل ثقيلة وقوية وأما حضور الجسد فضعيف والكلام حقير" (2 كو 10:10). يبدو أن صوت الرسول كان خافتًا، وجسمه قليلاً، وملامحه غير جذابة، هذا بجانب عدم استخدامه للبلاغة أو الفلسفة. ومع هذا كانت الوثنية تتحطم أمامه، والقلوب تلتهب بحب السماء. فكان اللَّه مُعلنًا في عمله، وأما إمكانياته البشرية فلا تشغل المستمعون إليه. بضعفه وخوفه ورعدته تجلى مسيحنا المصلوب الحامل ضعفنا ليعلن قوته، إذ "اختار اللَّه ضعفاء العالم يخزى الأقوياء" (1 كو 1: 27). "وكلامي وكرازتي لم يكونا بكلام الحكمة الإنسانية المقنع، بل ببرهان الروح والقوة" [4]. كانت كلمات الرسول بولس ممسوحة بالروح تجتذب القلوب، وفى نفس الوقت تحمل قوة. هذا ما نلمسه من الرجل الأعرج في لستره: "هذا كان يسمع بولس يتكلم فشخص إليه" (أع 14: 9) وإذ شفاه "فالجموع لما رأوا ما فعل بولس رفعوا صوتهم بلغة ليكأونية قائلين إن الآلهة تشبهوا بالناس ونزلوا إلينا، فكانوا يدعون برنابا زفس وبولس هرمس إذ كان هو متقدم في الكلام" (أٍع 14: 11،12). تأثر الكل بروح القوة، فأراد كاهن زفس أن يذبح له حتى مزق الرسولان ثيابهما وبالجهد منعا الجماهير من أن يذبحوا لهما. قدم الرسول بولس الكرازة بالسيد المسيح المصلوب القائم من الأموات ليس في ثوبٍ فسلفيٍ براق، وإنما في بساطة اللغة والكشف عن الحقائق الإلهية والتدبير السماوي، كما سلمه له الروح القدس القادر أن يخترق قلوب الناس ويعمل فيها لقبول الكلمة. بهذا استطاع أن يقول: "إن إنجيلنا لم يصر لكم بالكلام فقط بل بالقوة أيضًا وبالروح القدس، وبيقينٍ شديدٍ كما تعرفون أي رجالٍ كنا بينكم من أجلكم" (1تس1:5). "كلامي وكرازتي"، لعله يقصد بالكلام التعاليم التي نادى بها والأفكار الإيمانية الخاصة بإنجيل الحق، أما الكرازة فتحمل معنى الشهادة لهذا الإيمان ليس بالكلام فحسب وإنما بالعمل والسلوك. هذا ما أعلنه الروح القدس بقوةٍ خلال تجديد النفوس والقلوب، فتمتع المؤمنون بالقداسة والطهارة والحب، الأمور التي تعجز فلسفات العالم أن تحققها. ولعله قصد بالكلام الأحاديث الخاصة في اللقاءات الفردية أو العائلية، وبالكرازة الأحاديث العامة. + القول بأن الإنجيل يُكرز به بدون حكمة لا يُقلل من شأنه، بل هذه هي عظمة الإنجيل الكبرى، والآية الأكثر جلاء بأنه إلهي ومن السماء. فالبرهان بالحكمة الخاصة بالكلمات البشرية أضعف، بالحوار بأن له مهارات بلاغية عظمى... البرهان بالأعمال والآيات أكثر قوة منه بالكلمات... إذ يرى أنه توجد عجائب خادعة، كتلك التي يفعلها العرافون فإنه ينزع هذا التشكك أيضًا. إذ لم يقل فقط "القوة" بل يقول أولا "برهان الروح" ثم "والقوة، فيعني أن الأمور التي صنعت روحية. فإنه ليس الأمر فيه احتقار أن الإنجيل لم يُعلن بواسطة الحكمة، بل بالأحرى هذا زينة عظمي للغاية. فإنه إذ يحدث هذا فهو علامة واضحة علي أنه إلهي، تمتد جذوره في الأعالي، وأنها من السماء. لذلك يضيف أيضًا: "لكي لا يكون إيمانكم بحكمة الناس بل بقوة اللَّه" [5]. فإن الدليل بالأعمال والآيات أعظم من الكلمات. القديس يوحنا الذهبي الفم + لو أن الأسفار المقدسة اجتذبت الناس للإيمان لأنها مكتوبة بفن البلاغة ومهارة فلسفية لكان إيماننا قائمًا بلاشك على فن الكلمات والحكمة البشرية أكثر منه على قوة اللَّه. العلامة أوريجينوس 2- قوة اللَّه والحكمة الكاملة "لكي لا يكون إيمانكم بحكمة الناس، بل بقوة اللَّه" [5]. يبدأ الرسول حديثه هنا بتأكيد أن الحكمة التي اتسم بها حقيقية وفعالة، حتى أن العالم رفضها، مقدما مثالاً عمليًا لذلك, فقد ذكرهم بمجيئه إليهم في ضعفٍ ورعدةٍ ولم يستخدم أسلوب الفلاسفة، مع ذلك جذب الروح القدس كثيرين إلى الحق الإنجيلي, نجاح الرسول في كورنثوس برهان قوي علي إمكانية الحكمة الإلهية في العمل في حياة الناس. يؤكد الرسول أن إيمانهم يقوم علي استنارة نفوسهم وتمتعهم باللقاء مع اللَّه، ليس فيه شيء بشري. فالمسيحي الحقيقي يحمل شهادة لقوة الإنجيل وحكمته في أعماقه، خلال خبرته وتجديد طبيعته، الأمر الذي لن يقدر كائن ما أن يفعله سوى اللَّه نفسه. يشهد المؤمن أن رجاءه وأفراحه وسلامه وتقديسه واشتياقه للعبادة وتمتعه بأسرار الكتاب المقدس وحبه للَّه والناس والتهاب قلبه بالسماويات وشركته مع الملائكة هذه كلها تتحقق بقوة اللَّه العامل فيه. + الحكمة البشرية تجحد الصليب، أما الإيمان فيُعلن قوة اللَّه. الحكمة لم تفشل في إعلان الأمور التي يبحث عنها البشر ولكنها أيضًا تشجعهم على التشامخ من أجل ما بلغوه. أما الإيمان فليس فقط يقدم لهم الحق، وإنما يشجعهم أيضًا على تمجيد اللَّه. القديس يوحنا الذهبي الفم "لكننا نتكلم بحكمة بين الكاملين، ولكن بحكمة ليست من هذا الدهر، ولا من عظماء هذا الدهر الذين يبطلون" [6]. يرى البعض إن الرسول بولس وهو يتحدث عن الحكمة في ذهنه أربعة أنواع: حكمة الأمم، أو الفلسفة اليونانية، وتدعى في العبرية yewaniyt أوchokmaah، يرذلها اليهود، ويحسبون من يلتصق بها تحل عليه اللعنة، ومن يعلم ابنه الحكمة اليونانية يسقط تحت اللعنة. حكمة اليهود الخاصة بالكتبة والفريسيين الذين ظنوا في صلب المسيح تحقيقًا للحكمة (1 كو 2:8). حكمة هذا الدهر بالعبرية aioonos وباليونانية toutou، وهى الحكمة التي استقاها اليهود من كتابات معلميهم، خاصة بالحياة الزمنية، يميزونها عن حكمة الدهر الآتي، أي الخاصة بأيام المسيا. فحكمة هذا الدهر تنطبق إما على حال الأمم المنهمكين في فلسفات نظرية أو حالة اليهود الذين فسروا كلمة اللَّه بطريقة حرفية أفسدت المفاهيم الروحية السماوية. حكمة الإنجيل: وهى تمس خلاصنا ومجدنا الأبدي. لم يأتِ الرسول بولس إليهم بسمو الحكمة البشرية سواء حكمة الأمم أو حكمة اليهود أو حكمة هذا الدهر، بل فتح لهم كنوز الحكمة العلوية الحقيقية التي هي حكمة الإنجيل، التي يدركها الكاملون، هؤلاء الذين صاروا ناضجين في معرفة اللَّه والذين استناروا بروح اللَّه القدوس. لقد صاروا حكماء وكاملين بالحق الذي تمتعوا به. فيقصد بالحكمة هنا ليس فقط التعرف على خطة اللَّه الخلاصية بل والتمتع بها، أي المعرفة الإختبارية الحية. هذه التي يختبرها الكاملون الذين يسعون نحو الأبدية. وكما يقول الرسول بولس عن المجاهدين الذين يسعون نحو جعالة دعوة اللَّه العليا في المسيح يسوع: "فليفتكر هذا جميع الكاملين منا، وإن افتكرتم شيئا بخلافه فاللَّه سيعلن لكم هذا أيضًا" (في 3: 15). الحكمة التي يقدمها الرسول مختلفة تمامًا عن حكمة عظماء هذا الدهر، فهي ليست حكمة سياسية ولا حكمة الفلاسفة ولا حكمة الحرفيين في دراستهم للشريعة، بل حكمة سماوية خفية مكتومة، تُقدم للراغبين في الحياة المقدسة في الرب، لا لطالبي المجد الزمني. عظماء هذا الدهر لا يريدون التفكير في حقيقة حالهم، انهم أشبه بالخاطئ الذي لا يرغب في الانشغال بما وراء الزمن. انهم يرفضون حكمة اللَّه التي تقودهم إلى الرجاء في المجد الأبدي. بقوله "يبطلون" يشير الرسول إلي فاعلية الحكمة الباطلة، فإن خططها حتمًا تبطل وتنتهي. ومن يتمسك بالباطل يصير هو نفسه باطلاً، حيث تنتهي حياته وأمجاده عند القبر ولا يتمتع بالمجد الأبدي بل يسقط تحت دينونة مهلكة. + الاسم الذي أعطاه للإنجيل هو "حكمة" بكونه وسيلة الخلاص، الذي يتحقق بالصليب. "الكاملون" هم "الذين يؤمنون". إذ هم بالحقيقة كاملون، هؤلاء الذين يعرفون أن كل الأمور البشرية عاجزة تمامًا، متطلعين إليها وهم مقتنعون بأن مثل هذه لن تنفع شيئًا،هكذا هم المؤمنون الحقيقيون... بقوله "عظماء الدهر" هنا يعني الفلاسفة وأصحاب البلاغة. هذه النوعية متسلطة، غالبًا ما يصيروا قادة الشعب. يدعوهم "عظماء الدهر" لأن سلطانهم لن يمتد بعد العالم الحاضر. القديس يوحنا الذهبي الفم + عندما يتحدث بولس عن حكمة عظماء هذا الدهر يبدو أنه كان يتحدث لا عن حكمة واحدة مشتركة بينهم، بل عن أنواعٍ مختلفة من الحكمة خاصة بكل واحدٍ منهم. العلامة أوريجينوس + الكاملون هم الذين يكرزون بالصليب بكونه الحكمة، إذ يشهدون عن قوة اللَّه العاملة. إنهم يعرفون أن الأعمال تنطق بصوتٍ عالٍ أعظم من الكلمات. حكمتهم ليس من هذا الدهر بل من الدهر الآتي، حينما يُعلن حق اللَّه للذين ينكرونه الآن. أمبروسياستر 3- سرّ الحكمة المكتومة "بل نتكلم بحكمة اللَّه في سرّ، الحكمة المكتومة التي سبق اللَّه فعينها قبل الدهور لمجدنا" [7]. لا يفتخر المؤمن بالجهل، ولا يحسب الجهالة فضيلة، لكنه وهو يتطلع إلى جمال حكمة اللَّه العجيبة ويتذوق عمله الخلاصي، تشبع نفسه فتدوس عسل العالم. يختبر الحكمة الأبدية فلا ينشغل بالحكمة الزمنية. حكمة اللَّه لا تُقارن بحكمة العالم، فاللَّه في حبه وبحكمته يشرق بنوره علينا، فندرك إننا مرضى نحتاج إلى الطبيب السماوي، ونعانى من تفليسة تحتاج إلي واهب الغنى. حكمة اللَّه لا تقوم على التغطية لكنها وهى تكشف الضعف تهب قوة، وهى تعلن حالة الموت تقدم لنا قوة القيامة. أما الحكمة البشرية فكثيرًا ما تقوم علي التغطية للمواقف دون إمكانية تقديم الحلول الإيجابية القوية. مصدر الحكمة التي قدمها الرسول هو اللَّه نفسه، التي ترجع إلى ما قبل الدهور حيث تدبير اللَّه الأزلي لخلاصنا، وتمتد إلى ما بعد الدهور حيث تدخل بنا إلى شركة المجد السماوي. حكمة اللَّه تعمل لتقيم من الإنسان قديسًا ممجدًا. تعمل في حياته الزمنية لكي تحمله إلي ما فوق الزمن، فيحيا في هذا العالم محتميًا بقوة اللَّه وفى العالم الآتي متهللاً بالمجد الفائق. لم يقل الرسول: "بل تكلم في جهل" بل "تكلم بحكمة اللَّه" فالرسول وهو يتحدث عن عدم اتكاله على الحكمة البشرية يعلن التزام المؤمنين خاصة الخدام أن يتسلموا حكمة اللَّه، وهي أعظم وأقوى وأكثر جاذبية من كل حكمة بشرية. لم يقل الرسل إن كرازتهم كانت سرية ولا أن تعليمهم لا يُدرك بالعقل، إنما يشير إلى حقيقة هذه الحكمة إنها كانت "مخفية في سرّ" عن البشرية حتى جاء الزمان اللائق لإعلانها بالإنجيل، وهى حكمة تفوق الإدراك البشري لكنها لا تناقضه. بقوله "لمجدنا" يشير إلى المجد الذي يناله المؤمن حيث يتمتع بالبنوة للَّه وسكنى الروح القدس فيه كعربون للمجد الأبدي الُمعد لنا في السماء (2 كو 4: 17). + بالحكمة يقصد بولس الصليب وكل تدبير الخلاص. ثيؤدور أسقف الميصة + كيف يدعوها سرًا؟ لأنه ليس ملاك ولا رئيس ملائكة ولا أية قوة أخري عرفها قبل تحقيقها عمليًا. لهذا يقول: "لكي يعرف الآن عند الرؤساء والسلاطين في السماويات بواسطة الكنيسة بحكمة اللَّه المتنوعة" (أف 3: 10)... مع أن غير المؤمنين يسمعون إلا أنه يبدو كأنهم غير سامعين، أما المؤمنون فإذ لهم المهارة بواسطة الروح القدس، يحملون معني الأمور المخزنة فيها. هذا عينه ما يعنيه بولس عندما قال أنه حتى الآن الكلمة التي يكرز بها سرّ، تشير الكلمة أيضًا إلي أن الإنجيل يضاد كل ما هو متوقع. لا يود الكتاب المقدس أن يدعو ما يحدث فوق كل رجاء وفوق كل فكر البشر غير هذا الاسم: "سرّ"... لذلك فإن ما هو فوق كل الأشياء سرّ، يُكرز به في كل مكان، لكنه لا يعرفه الذين ليس لهم فكر سليم، ولا يُعلن خلال الحكمة بل بواسطة الروح القدس، وإذ يصعب جدًا قبوله دعي سرّا، بمعني انه ليس أحد من القوات العليا يتعلم هذا قبلاً منا، وليس كثيرون الآن يعرفونه. + يعتبر خلاصنا مجده، كما يدعوه غناه (أف 3:8)، مع أنه بذاته غني في الصلاح ولا يحتاج إلي شيء ليصير غنيًا. يقول "سبق فعينها" [7]، مشيرًا إلى العناية الخاصة بنا... فانه لو لم يحبنا لما سبق أن عين لنا غنانا. القديس يوحنا الذهبي الفم + يشهد بولس أنه مُرسل ليُعلن عن حكمة خفية لم يعرفها عظماء هذا العالم، ولذلك يُنعتون بُالغباء. حكمة اللَّه مخفية لأنها ليست في كلمات بل في قوة. يستحيل إبرازها بتعبيرات بشرية، وإنما يُعتقد بها بقوة الروح. سبق اللَّه فرأى خطايا العالم المقبلة ولذلك شرع هذه الحكمة بطريقة مربكة للذين يريدون يحولون حكمته إلى غباوتهم، وأيضًا لكي يمجدنا نحن الذين نؤمن به. أمبروسياستر + لا يقصد بولس أنه يتحدث الآن في أسرار وغومض، وإنما الرسالة التي يكرز بها كانت قبلاً مخفية. + كان السرّ مخفيًا، لكنه كان معدًا قبل العالم. ثيؤدورت أسقف قورش "التي لم يعلمها أحد من عظماء هذا الدهر، لأن لو عرفوا لما صلبوا رب المجد" [8]. إن كان الرسول قد تمتع بالحكمة السماوية ليقدمها للمؤمنين، فإن عظماء هذا الدهر من الرومانيين واليهود واليونانيين يجهلونها. ولعله قصد هنا الوالي الروماني والقادة المدنيين وقادة اليهود من رئيس الكهنة والكتبة والفريسيين والناموسيين الخ. هؤلاء هم عظماء هذا الدهر الذين لو عرفوا الحكمة الإلهية وأدركوا شخص المسيا لما صلبوا رب المجد. لم يعرفوا الحق فأصابهم العمى وسلكوا في جهالة. يرى البعض أن هذا ينطبق على هيرودس وبيلاطس لكن لا ينطبق بنفس الطريقة على رئيسي الكهنة والكتبة، إذ عرفوا يسوع أنه المسيح. إنهم مثل العاملين في الكرم القائلين: "هذا هو الوارث، هلمّ نقتله، فيصير لنا الكرم" (مت 38:21). ويرى آخرون أن قادة اليهود لم يدركوا حقيقة شخص المسيح ولا حكمة خطته ولا فهموا رسالته، فأُغلقت أعينهم عن فهم نبوات العهد القديم، ورفضوا شخص يسوع، ولم يقبلوه أنه هو المسيا، لذا صلبوه في جهلٍ. لقد كان كل ما يشغلهم هو الخلاص من الأعداء الظاهرين والتمتع بالمجد الزمني. كانوا يطلبون مسيحًا حسب فكرهم البشري الطبيعي. صلبوا "رب المجد" أو "ملك المجد" الذي انشد له السمائيون في مزمور (24: 7-9) يطلبون من الأبواب الدهرية أن ترتفع لكي يدخل إلى عرشه. هذا اللقب: "رب المجد" الذي دعي به السيد المسيح خاص بيهوه (أع 7: 2). + بخصوص الكلمات: "لو عرفوا" يبدو لي إنها قيلت هنا ليست بخصوص شخص المسيح، وإنما فقط بخصوص التدبير المخفي وراء هذا الحدث. وكأنه يقول، لم يعرفوا ما يعنيه "الموت" و"الصليب"... إذ لم يعرفوا أن الصليب يشرق هكذا ببهاء، وأنه يحقق خلاص العالم، والمصالحة بين اللَّه والناس، وأن مدينتهم تؤخذ منهم، وانهم يصيرون في أبأس حال. بقوله "الحكمة" يقصد كلاً من المسيح والصليب والإنجيل... فإذ يري (الرسول) أن الصليب الذي حُسب موضوع عارٍ كان مجدًا عظيمًا. ولكن كانت هناك حاجة إلي حكمة عظيمة لا ليعرفوا اللَّه فقط بل ويدركوا أيضًا هذه الخطة الإلهية. + ماذا إذن؟ هل غفرت خطيتهم بخصوص الصليب؟ بالفعل تم ذلك، إذ قال: "اغفر لهم" (يو 23: 34). إن تابوا تُغفر لهم. فإنه حتى ذاك الذي وجه ضربات بلا حصر ضد اسطفانوس واضطهد الكنيسة، بولس نفسه صار قائدًا للكنيسة. القديس يوحنا الذهبي الفم + ظن اليهود أنه يُمكن أن يُغلب فسخروا به وعلقوه علي الشجرة قائلين: "إن كان ابن اللَّه فلينزل عن الصليب ونحن نؤمن به" (مت 27:42). رأوا جانبًا منه، ولم يعرفوا الجانب الآخر. "لأن لو عرفوا لما صلبوا رب المجد". + ما هو ظاهر فيه أُحتقر، وما هو مخفي فيه لم يُعرف، "لأن لو عرفوا لما صلبوا رب المجد". القديس أغسطينوس + غفر اللَّه لبيلاطس وهيرودس وقيافا والبقية من أجل جهلهم أثناء الصلب، ولكن بعد أن قام المسيح وصعد إلى السماء وحلّ الروح القدس وصنع الرسل عجائب سلّمهم للعقوبة، إذ قاوموا في عدم إيمان. ثيؤدورت أسقف قورش + عظماء هذا الدهر ليسوا هم العظماء بين اليهود الرومانيين بل كل قوة روحية تقيم نفسها ضد اللَّه. لا يمكن لعظماء اليهود أن يُحسبوا عظماء هذا الدهر لأنهم كانوا خاضعين للرومان. ولم يصلب الرومان يسوع، لأن بيلاطس نفسه قال أنه لم يجد عليه علة. العظماء الذين صلبوه هم الشياطين. لقد عرفوا أن يسوع هو المسيا، لكن لم يعرفوا أنه ابن اللَّه، ولذلك يمكن القول أنهم صلبوه في جهل. أمبروسياستر + ولكن لو لم يحكم على المسيح بالموت، لما مات الموت. لقد انهزم الشيطان بنصرته ذاتها، إذ فرح عندما أغوى الإنسان الأول، وطرده إلى الموت. بإغوائه الإنسان الأول قتل نفسه (تك 1:3-19). وبقتله الإنسان الأخير فلت الأول من شباكه. القديس أغسطينوس أما عن نسبة الصلب لرب المجد، فالكتاب المقدس استخدم تبادل الألقاب بين لاهوت السيد المسيح وناسوته Communicato idiomatum، فتُنسب كل أعمال وكلمات السيد للأقنوم الواحد، كلمة اللَّه المتجسد. + إذ أخذ نفسًا وجسد إنسان لم تحدث إضافة إلى عدد الأقانيم، إذ بقي الثالوث كما هو قبلاً. وذلك كما أنه في كل إنسان فيما عدا ذاك الذي وحده أخذ اتحادُا اقنوميًا فإن النفس والجسد يمثلان شخصًا واحدًا، هكذا في المسيح الكلمة ونفسه البشرية وجسده يمثلون شخصًا واحدًا. وكما أن اسم "الفيلسوف" كمثال يُعطي لإنسان بالتأكيد بخصوص نفسه وحدها، إلا أنه لا يُحسب سخافة، بل هو أمر عادي ولائق في اللغة، أن نقول بأن الفيلسوف قتل، الفيلسوف مات، الفيلسوف دفن، مع أن هذه الأحداث جميعها تسقط علي جسده وليس علي العنصر الخاص به كفيلسوف, هكذا بنفس الطريقة اسم اللَّه أو ابن اللَّه أو رب المجد، أو أي اسم آخر يعطي للمسيح بكونه الكلمة، ومع هذا فإنه من الصواب القول بان اللَّه صُلب، إذ لا مجال للتساؤل في انه احتمل هذا الموت في طبيعته البشرية وليس في تلك التي بها هو رب المجد. القديس أغسطينوس + والكلمة صار جسدًا. هنا بولس العجيب للغاية إذ يحث الذين يستمعون إليه علي التواضع يتحدث عن يسوع المسيح الذي وهو صورة اللَّه أخلى ذاته ليحمل شكل عبد، وتواضع حتى الموت، موت الصليب. مرة أخري في عبارة أخرى يدعو المصلوب "رب المجد". "لأن لو عرفوا لما صلبوا رب المجد". حقا إنه يتحدث بأكثر صراحة من هذا عن ذات الطبيعة الجوهرية بواسطة اسم "الرب" إذ يقول "الآن الرب هو الروح" (2 كو 3: 17). إذن فالكلمة الذي كان في البدء، وهو الروح، هو الرب، ورب المجد. + النفخات الخاصة بالعبد الذي فيه تُنسب للرب، والكرامات الخاصة بالرب أحاطت بالعبد، حتى انه خلال الالتصاق والاتحاد بين الطبائع تجعل سمات الواحدة تنسب للأخرى. لقد قبل الرب جلدات العبد، بينما تمجد العبد بكرامة الرب. لهذا قيل عن الصليب انه "صليب رب المجد"، ولهذا يعترف كل لسان إن يسوع هو الرب لمجد اللَّه الآب. + تمجدت الطبيعة البشرية إذ أخذها له، ولم تفسد الطبيعة الإلهية بتنازله، بل جعلت العنصر البشري يخضع للآلام بينما بقوته الإلهية تتحقق قيامة المتألم. هكذا لا ينسب إلى اللاهوت خبرة الموت ذاك الذي صارت له شركة في طبيعتنا الممكنة باتحاده بالناسوت، بينما في نفس الوقت الأسماء المجيدة الإلهية تُنسب للإنسان، حتى أن ذاك الذي ظهر علي الصليب يُدعي "رب المجد" حيث تُنقل الأسماء المجيدة من اللاهوت إلى الناسوت خلال اتحاد طبيعتهما بالطبيعة الأقل. القديس غريغوريوس أسقف نيصص 4- سرّ المجد الأبدي "بل كما هو مكتوب ما لم ترَ عين، ولم تسمع أذن، ولم يخطر على بال إنسان ما أعده اللَّه للذين يحبونه" [9]. الحياة الأبدية وأمجادها وخلودها أمور أعلنها الإنجيل (2 تي 1: 10)، هذه التي لا تستطيع الحواس أن تتلمسها ولا اللغة البشرية بكل بلاغتها أن تتحدث عنها، ولا الفكر البشرى أن يتخيلها. إنها فوق كل حكمة أو إمكانية بشرية. + ما يناله أولئك السالكون في الحياة الصالحة من أمور صالحة مذكورة في الأناجيل لا يمكن وصفها بدقةٍ. إذ كيف يمكن ذلك للأشياء التي لم ترها عين ولم تسمع بها أذن ولم تخطر علي قلب إنسان؟ القديس غريغوريوس أسقف نيصص + أسألكم حبوا اللَّه محبة صادقة، ليس خوفا من جهنم بل رغبة في الملكوت، وبالأكثر من أجل الأمور المقبلة عندما "يطأ أعداءه تحت قدميه" (1 كو15: 25). فلا يوجد بعد مقاوم. عندما يرى الأبرار الأمور المباركة التي لم ترها عين ولم تسمع بها أذن ولم تخطر علي قلب إنسانٍ. القديس يوحنا الذهبي الفم + رجاؤنا أيها الاخوة ليس في الأمور الحاضرة ولا في هذا العالم، ولا في السعادة التي أعمت الناس فنسوا اللَّه... فلم نصر مسيحيين من أجل بركات الزمان الحاضر. وإنما من أجل ما وعد به اللَّه، ولم ندركه بعد. فقد قيل عن هذا الصلاح "ما لم تره عين.... + عطاياه عظيمة للغاية، لكننا ننال ما هو أقل، لأن إمكانياتنا ضيقة في قبولها. لذلك قيل لنا: "كونوا أنتم أيضا متسعين، لا تكونوا تحت نيرٍ مع غير المؤمنين" (2 تي 6: 13، 14). فإنه بالنسبة لبساطة إيماننا وثبات رجائنا واتقاد رغبتنا، بأكثر اتساع نتقبل ما يُقدم لنا بفيض عظيم هذا الذي "لم تره عين"، لأنه ليس له لون، ولم تسمع به أذن، إذ ليس لها صوت، ولم يصعد إلي قلب إنسان بل قلب الإنسان يصعد إليه. + سنرى اللَّه، سنحيا ونكون في آمان وسلام، فلا نعاني من جوعٍ وعطشٍ، ولا نسقط في قلقٍ، ولا يضغط علينا نوم. كل هذه ماذا تكون بالنسبة للسعادة برؤية اللَّه؟ فإن اللَّه لا يُمكن أن يعلن عنه الآن كما هو، لكننا سنراه. الصلاح الذي سنراه "ما لم تره عين وما لم تسمع به أذن" هو الرحوم الذي ستعاينه. هذا ما سيراه المؤمنون، سيراه أولئك الذين ينعمون بالنصيب الصالح في قيامة الجسد، إذ كانت لهم الطاعة في قيامة القلب. القديس أغسطينوس + يُعلن لنا الكتاب المقدس أن الخيرات المقبلة لا يمكن إدراكها وليس لها شبيه هنا. مار اسحق السرياني + من هذا يمكننا أن ننال فكرة عن مدى عظمة السمو والجمال والبهاء التي للجسد الروحي. لا يظن أحد أن اللَّه يتحيز فيُعلن السرّ للبعض ويسمح للآخرين أن يهلكوا في الجهالة. بالأحرى يلزم معرفة أنه هذا سابق معرفة تتحقق بقوته (الإلهية). لقد أعد اللَّه الأمور اللائقة لكل شخص حسب استحقاقاته، إذ سبق فعرف ما سيختاره كل أحد قبل أن يحدث. سيفريان أسقف جبالة "فأعلنه اللَّه لنا نحن بروحه، لأن الروح يفحص كل شيء حتى أعماق اللَّه" [10]. أعلن اللَّه عن حكمته بالإنجيل، فأعدنا للتمتع بالمجد الأبدي والسعادة السماوية. يعلن أسراره المفرحة وأعماله المجيدة لمؤمنيه الذين ينتظرونه. وكما قيل: "لم ترَ عين إلهًا غيرك يصنع لمن ينتظره" (إش34: 4)، "ويقال في ذلك اليوم: "هوذا إلهنا انتظرناه فخلصنا. هذا هو الرب انتظرناه؟ نبتهج ونفرح بخلاصه" (إش 25: 9). يعلن اللَّه عن حكمته بروحه القدوس، الروح الذي أعلن كلمة اللَّه فتمتعنا بالكتاب المقدس، إذ تحدث رجال اللَّه قديمًا مسوقين بالروح القدس (2 بط 1: 21). وتحدث الرسل في العهد الجديد بذات الروح القدس. هذا الروح الذي ليس كروح الإنسان المحدود الذي يعرف أعماق الإنسان، بل الروح الإلهي الذي يعرف أعماق اللَّه. معرفته غير محدودة، يكشف الأسرار الإلهية الخفية. الروح القدس هذا الذي أعلن الخطوط العريضة للحق السماوي خلال الأنبياء قدم الحق كاملاً خلال الرسل والإنجيليين. + لا يحتاج الروح القدس إلى تعليم بالكلام، فبكونه اللَّه يقول الرسول انه "يفحص كل شيء حتى أعماق اللَّه". القديس غريغوريوس أسقف نيصص + الذين لهم الروح يطلبون أعماق اللَّه، أي الأسرار الخفية التي تحول بالنبوة. القديس إكليمنضس السكندري + الروح وحده يقدر أن يفحص كل شيء تعجز النفس البشرية عنه. هذا هو السبب الذي لأجله نحن في حاجة أن نتقوى بالروح ما دام يخترق حتى أعماق اللَّه. العلامة أوريجينوس + يعلن اللَّه هذه الأمور بروحه لمؤمنيه، لأن الأمور الخاصة باللَّه لا يمكن معرفتها بدون روحه، فروح اللَّه يعرف كل ما يخصه. + يعلمنا روح اللَّه ما يعرفه بالطبيعة لا ما تعلمه. لذلك يعلمنا سرّ المسيح، فإنه وهو روح اللَّه هو أيضًا روح المسيح. أمبروسياستر + من ينال إعلان الروح يتقبل أيضًا فهم الروح. ثيؤدورت أسقف قورش "لأن منْ من الناس يعرف أمور الإنسان إلا روح الإنسان الذي فيه؟ هكذا أيضًا أمور اللَّه لا يعرفها أحد إلا روح اللَّه" [11]. لا يستطيع إنسان أن يدخل إلى أعماق إنسان آخر ويدرك أفكاره وخططه الخفية ومقاصده وما يدور في ذهنه، ولا يعرف أحد شيئًا من هذه سوى الإنسان نفسه، هكذا لا يعرف ما للَّه سوى روح اللَّه الذي يعلن هذه الأسرار للرسل المهتمين بتحقيق خطة اللَّه من جهة خلاص العالم0 + بتوزيع ثروتهم بين الفقراء، هكذا يخزنوها في أكثر الأماكن أمانًا في كنز السماء. إن وُجد عائق يمنعك من صنع هذا بسبب التزامات أسرتك، فأنت تعرف نفسك أي حساب تقدمه للَّه عن استخدامك لغناك فإنه لا يستطيع أحد أن يعرف ما يجتاز داخل إنسان إلا روح الإنسان الذي فيه. يليق بنا ألا نحكم في شئ قبل الوقت حتى يأتي الرب الذي سينير خفايا الظلام ويظهر آراء القلوب، وحينئذ يكون المدح لك من اللَّه (2 كو 4: 5) . القديس أغسطينوس "ونحن لم نأخذ روح العالم، بل الروح الذي من اللَّه، لنعرف الأشياء الموهوبة لنا من اللَّه" [12]. لم نأخذ روح العالم، أي لم نتسلم من العالم فكره وفلسفته في المعرفة. نظرتنا إلى الحق لا تقوم على نظريات فلسفية متغيرة لكنها عطية روح اللَّه واهب الحق. ما ينطق به الرسول لم يتعلمه بحكمة بشرية بل هو عطية الروح القدس للكنيسة. إنها لا تتقبل إيمانها بروح العالم بل بروح اللَّه، لهذا لم يغَّلف كرازته بثوب بشري براق، بل يقدمها في بساطة حسبما تسلمت الكنيسة من اللَّه. البلاغة والفلسفة والحكمة البشرية تعجز عن تقديم ما يخص اللَّه، لكن روح اللَّه وحده قادر أن يقدم ما يخص اللَّه. يتحدث الرسول عن نفسه وعن بقية الرسل الحقيقيين أنهم قبلوا روح اللَّه الذي به يعرفون ما للَّه، خلال هذه المعرفة يكرزون بالمسيح المصلوب. إنهم لم يقبلوا روح العالم الذي للمعلمين اليهود، هؤلاء الذين يطلبون مملكة زمنية ومسيحًا أرضيًا، مفسرين ما ورد في العهد القديم بطريقة مادية زمنية. + روح العالم هو ذاك يقتنيه أناس متباينون. إنه لا يعرف الحق، وإنما يمكنه أن يستخدم الحدس (التخمين)، لهذا فهو يخدع الآخرين، كما هو نفسه ينخدع بالمظاهر. أمبروسياستر + يظهر بولس بقوله هذا أن الروح القدس ليس مخلوقًا بل له طبيعته الإلهية. ثيؤدورت أسقف قورش 5- الإنسان الروحي "التي نتكلم بها أيضًا، لا بأقوال تعلمها حكمة إنسانية، بل بما يعلمه الروح القدس، قارنين الروحيات بالروحيات" [13]. "قارنين الروحيات بالروحيات" كثيرا ما ينشغل الدارسون بتقديم الإيمان خلال مقارنته بالعلم أو باستخدام النظريات الفلسفية. الحاجة إلى الكشف عن الروحيات بالروحيات، فما ورد في العهد الجديد هو تحقيق لنبوات العهد القديم التي نطق بها رجال اللَّه مسوقين بالروح القدس. وكل عبارة في الكتاب المقدس تكشفها أسفار الكتاب, نتعرف على الأسرار الروحية بإعلانات الروح ولغة الروح. لا يستطيع الجسدانيون أن يفهموا الروحيات، إذ يقول الرسول يهوذا: "هؤلاء هم المعتزلون بأنفسهم نفسانيون لا روح لهم" (يه 19). الذين لا يتمتعون بتقديس الروح لا يمكنهم إدراك الروحيات. فإن الفهم الروحي تحطم بفساد الخطية وصارت الحاجة ملزمة أن يتقدس الإنسان بروح الرب فيتهيأ ذهنه وقلبه وكل أعماقه لإدراك الروحيات والتجاوب معها. فالإنسان الجسداني يحمل أعينا ضعيفة عاجزة عن رؤية أشعة شمس البرّ والتمتع بجمالها. لذا لا يقبل النور بل يود أن يعيش في جهالة الظلمة. كأنه يقول: لا نعود نستخدم لغة اليهود أو الأمم حين نتحدث عن اللَّه والإلهيات، إنما نستخدم لغة روح اللَّه، فننطق بالروحيات، لغة البساطة والوضوح والصراحة. بقوله "قارنين الروحيات بالروحيات" يعني أيضًا أنه لا يستطيع أن ينطق بالأمور الروحية إلا ذاك الذي صار روحيًا. فالأمور الروحية تحتاج إلى أناس روحيين (1 كو 2: 6، 9-10، 14-15، 3: 1). + بعض الحقائق الروحية غير واضحة وتحتاج إلى تفسير، لكن هذا يمكن تحقيقه فقط بمقارنتها بأمور روحية أخرى. كمثالٍ عندما أقول أن المسيح قام من الأموات، أقارن ذلك بخلاص يونان من بطن الحوت (يونان 10:2). وعندما أقول أنه وُلد من عذراء أقارن ذلك بالحبل الذي يتم للعواقر مثل سارة ورفقة وغيرهما (تك1:21-7؛ 21:25) . القديس يوحنا الذهبي الفم + هذا لا يعني أن بولس لم تكن لديه أية حكمة بشرية، وإنما يكرز بحكمة الروح. ثيؤدورت أسقف قورش "ولكن الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح اللَّه، لأنه عنده جهالة، ولا يقدر أن يعرفه، لأنه إنما يحكم فيه روحيًا" [14]. لكي يستطيع الإنسان الطبيعي أن يحكم يلزمه أن يعرف فكر الرب. ومن يقدر أن يعرف ذلك؟ تُفهم الكلمات هنا هكذا: "هل يقدر الإنسان الطبيعي أن يعرف فكر الرب؟" أو "من يدرك فكر ألا يلزمه أن يعلم به؟". ماذا يعنى الإنسان الطبيعي؟ يرى البعض أن الإنسان الطبيعي هو مقابل الإنسان الروحي. فالأخير يقوده الروح القدس فيقدس جسده وفكره ونفسه وروحه وكل طاقاته حتى يبدو كأنه كله روح. أما الإنسان الطبيعي فتحكمه الغرائز الطبيعية والشهوات الحيوانية. ويرى بعض الكتاب اليونانيين أن الإنسان الطبيعي يشترك مع الحيوانات في الانحصار في المحسوسات دون أن يسمو ليحيا بالفكر المرتفع والضمير الحي. يدعوه البعض "الإنسان الحيواني". يرى البعض أن كلمة "طبيعي" تشير هنا إلي الجسد قبل القيامة، والروحي إلى "الجسد القائم من الأموات" كما جاء في 1 كو 15: 44 "يُزرع جسمًا حيوانيًا وُيقام جسمًا روحانيًا". فالإنسان طبيعي هو المحصور في ملذات الجسد الترابي، أما الروحاني فهو الذي يجد لذته في المجد الأبدي. يرى كثيرون أن الإنسان الطبيعي هو ذاك الذي يجعل نفسه الحيوانية animal soul (psuche) تحكم في روحه، فلا يقودها روح اللَّه ا(يه 19). مثل هذا الإنسان لا يحي الروح جسده، فيكون غريبًا عن الإلهيات. الإنسان الجسداني هو الإعلان العملي للإنسان الطبيعي، يقوده عدو الخير فيحمل حكمة "أرضية نفسانية شيطانية" (يع 3: 15). يرى البعض انه يعني الإنسان الذي لا يتعدى عقله وقلبه وأعماقه الأمور الطبيعية، فيحبس حتى عواطفه ومشاعره في الشهوات الحيوانية. مثل هذا الإنسان لا يقدر أن يدرك قيمة الروحيات، فهو ينكرها بل ويقاومها. السماء بالنسبة له وهم وخيال. لا يستطيع الإنسان الطبيعي أن يدرك الروحيات كما أن الأذان البشرية لا تقدر أن تسمع موجات الراديو العالية، ولا يستطيع الأصم أن يحكم في مسابقات الموسيقى، ولا الأعمى أن يميز الألوان. + أعطانا اللَّه عقلاً لكي نتعلم ونتقبل عونًا منه، لا أن يكون العقل مكتفيًا بذاته. الأعين جميلة ونافعة، لكنها إن أرادت أن ترى بدون نورٍ يصير جمالها بلا نفع، بل وقد يصير ضارًا. هكذا إذ تختار نفسي أن ترى بدون الروح تصير في خطر... الإنسان الطبيعي ينسب كل شيء إلى البراهين العقلية، حاسبًا أنه ليس في حاجة إلي عون علوي، هذه علامة الغباوة التامة. فإن اللَّه منحنا العقل لكي نتعلم ونقبل العون منه، لا أن نحسبه مكتفيًا بذاته. فالأعين جميلة ونافعة لكن إن اختارت أن ترى بدون النور فجمالها لا ينفع شيئا، ولا إمكانياتها الطبيعية، وأيضًا أن اختارت أن ترى بدون الروح تصير عائقًا لنفسهًا. + كما أنه لا يقدر إنسان أن يتعلم الأمور السماوية بهذه الأعين، هكذا لا تقدر النفس التي لا يسندها الروح. ولماذا أتحدث عن الأمور السماوية؟ فإنها لا تقدر حتى أن تقبل الأمور الأرضية كلها. فإننا عندما نتطلع من بعيد إلي برج مربع نظن أنه دائري. هذا هو خداع النظر، هكذا نرى أن الإنسان الذي بفهمه وحده يفحص الأمور البعيدة يبلغ إلي نتائج سخيفة. إذا يقول: "عنده جهالة" [14]. هذا لا يتحقق من طبيعة الأشياء نفسها، وإنما من ضعفه، إذ هو عاجز عن أن يتقبل عظمتها خلال أعين نفسه. + تبدو الظلمة مناسبة للعين المريضة أكثر من النور، لذلك يفضلون الذهاب إلي حجرة بها ظل. هذا هو أيضًا الحال بالنسبة للحكمة الروحية. تبدو الحكمة التي من اللَّه جهالة للذين هم في الخارج، مع أن حكمتهم هم التي بالحق جهالة ويحسبونها حكمة. ذلك مثل شخص ذو خبرة في الإبحار ويعد بأنه يعبر البحر الذي بلا حدود بدون مركب، ويجاهد أن يبرهن عقلانيًا أن هذا الأمر ممكن، وشخص آخر يجهل كل هذه الأمور ويعهد بنفسه لدى قائد المركب والبحارة والسفينة، فيسير في أمان. ما يبدو انه جهالة لهذا الإنسان هو أحكم من حكمة الأول. القديس يوحنا الذهبي الفم + الإنسان الحيواني لا يعرف ما لروح اللَّه لأن عنده جهالة. يقول بعد ذلك بقليل لأناسٍ من هذا النوع، أي لأناسٍ حيوانيين (جسديين): "وأنا أيها الاخوة لم أستطيع أن أكلمكم كروحيين بل كجسديين" (1 كو 3:1). هذا يُفسر بنفس الطريقة إن الجزء يؤخذ ليعَّبر عن الكل. فإن كلاً من النفس والجسد يكونان الإنسان ويمكن استخدام أحدهما ليعني الإنسان كله، وهكذا الإنسان الحيواني والإنسان الجسداني ليسا شيئين مختلفين بل هما واحد، نفس الشيء، إنسان يعيش حسب الإنسان. القديس أغسطينوس + الإنسان غير الروحي هو ذاك المسرور بأفكاره ولا يقبل تعليم الروح ولا يفهمه. ثيؤدورت أسقف قورش + بالنسبة للجهلاء والحسيين تبدو الأمور الباطلة أكثر جمالاً من تعاليم الحق. العلامة أوريجينوس "وأما الروحي فيحكم في كل شيء، وهو لا يُحكم فيه من أحد" [15]. الذي يتقدس ويتمتع بذهن روحي فيهتم بما للروح (رو8:6) يحكم في كل شيء ويميز كل الأمور. فإنه إذ يتمتع بمذاقٍ روحيٍ للحقائق الإلهية الصادقة يستطيع أن يحكم حتى في الحكمة البشرية. يدرك الأسرار الإلهية، ويتمتع بقوتها، ويتهلل بإعلاناتها. حياته مخفية في المسيح حكمة اللَّه (كو 3:3). أما الإنسان الجسداني، فمهما نال من معرفة بشرية، يبقي غريبًا عن خبرة الحياة الإلهية وأسرارها، فلا يقدر أن يدرك ما في ذهن اللَّه، ولا يتعرف على الحق الإلهي. من له فكر المسيح يستطيع أن يميز ويحكم بالروح. جاء في مناظرات القديس يوحنا كاسيان حديث للأب دانيال يكشف عن التمييز بين الإنسان الروحي الذي يهتم بالأعماق الداخلية والنمو الروحي المستمر، وبين الإنسان الطبيعي الذي ينشغل بالممارسات الخارجية والنسك الجسدي دون الاهتمام بالأعماق. فهو يحذر الرهبان من ذلك فيقول: [لقد بدأنا نعتزل التعامل مع الذين في العالم، ولم يعد لنا ما نفعله علانية بخصوص فساد الجسد. لكن يليق بنا أن نحرص علي الجهاد بكل إمكانياتنا حتى يبلغ حالة روحية (نصير روحيين)، لئلا نخدع أنفسنا فنظن إننا بلغنا أعالي الكمال بمجد إنساننا الخارجي وتخلصنا من دنس الزنا الجسدي. فنكون مهملين ومتراخين في أمر نقاوتنا من الأهواء الأخرى، وإذ نبقى هكذا نعجز عن بلوغ مرحلة التقدم الروحي.] + من يتقبل موهبة الروح ينتعش ليعلم الآخرين، وإلا ما ينطق به يكون بلا نفع تمامًا. ثيؤدورت أسقف قورش + الإنسان الروحي قادر أن يحكم في كل شيء، سواء كان يونانيًا أو بربريًا، حكيمًا أو غبيًا. ولا يمكن أن يحكم عليه أحد بسبب عمق فهمه وتجاوبه. العلامة أوريجينوس + من يقدر أن يدين شخصًا يخبر بالحق؟ عندما يقول عنه أنه باطل وهو حق؛ فإن اتهاماتهم تصير كلا شيء إذ يدينهم حكم الحق. أمبروسياستر + إذ يحكم الروحي في كل شيء ولا يحكم عليه أحد، يليق أن نتحدث عنه بكونه كرسي اللَّه. القديس أغسطينوس + يتعرف الرسول علي ثلاث أقسام من الأوضاع، يدعو واحدًا منها "جسديًا" وهو المشغول بالبطن واللذات المرتبطة بها. والآخر "طبيعيًا" الذي يحتل مركزًا متوسطًا ما بين الفضيلة والرذيلة، فيرتفع عن القسم الأول ولكن دون شركة ظاهرة مع القسم الآخر. وآخر يدعوه "روحيًا" وهو الذي يدرك كمال الحياة التقية. لذلك عندما يتحدث مع الكورنثوسيين موبخًا إياهم علي انهماكهم في الملذات والشهوات يقول "أنتم جسديون"، غير قادرين علي قبول التعليم الأكثر كمالاً, بينما في موضع آخر يقارن بين النوع المتوسط من الكمال فيقول: "ولكن الإنسان الطبيعي لا يقبل ما لروح اللَّه، لأنه عنده جهالة... وأما الروحي فيحكم في كل شيء وهو لا يُحكم فيه من أحد". القديس غريغوريوس أسقف نيصص 6- لنا فكر المسيح "لأنه من عرف فكر الرب فيعلمه؟ وأما نحن فلنا فكر المسيح" [16]. في اختصار أراد الرسول بولس في هذا الأصحاح أن يسحب قلوب الشعب من الانشغال بالانشقاقات الكنسية إلى البركات الإلهية التي تمتعوا بها خلال الإيمان. بينما ينشغل الفلاسفة بالكلمات والتعبيرات الفلسفية غير المجدية ينال المؤمنون قوة اللَّه المجددة لأعماقهم فيصيروا كاملين. يجهل العظماء فكر اللَّه، بينما يستنير المؤمنون بالروح القدس ويدركوا حكمة اللَّه الأزلية. بينما يعيش العظماء بروح العالم كأناس طبيعيين، يتمتع المؤمنون بروح اللَّه كأناسٍ روحيين. لا يقدر العظماء إن يحكموا في الإلهيات بينما يحكم الروحى فيها ولا يحكم عليه أحد. بينما يعيش العظماء بالفكر البشري المجرد، يتمتع المؤمنون بفكر المسيح. يا لعظمة عطية اللَّه لنا، فقد صار لنا فكر المسيح معلنًا لنا بروحه القدوس. + عندما يقود المسيح النفس لكي تدرك فكره، يُقال إنها تدخل في حجال الملك، الذي فيه تختفي حكمته ومعرفته. + تسأل عروس المسيح عن أماكن الراحة في الظهيرة، وتطلب من اللَّه فيض من المعرفة لئلا تظهر كأنها أحد مدارس الفلاسفة، والتي يقال عنها أنها ترتدي حجابًا، لأن فيض الحق مخفي ومُحتجب. أما عروس المسيح فتقول: "وأما نحن فنرى مجد اللَّه بوجهٍ مكشوفٍ" (2 كو 3: 18). العلامة أوريجينوس + "لنا فكر المسيح"، أي ما هو روحي وإلهي، وليس فيه شيء بشري. فإن المسيح نفسه وليس أفلاطون ولا فيثاغورس يضع أموره في أذهاننا. القديس يوحنا الذهبي الفم + اللاهوت عقل وكلمة. ففي "البدء كان الكلمة". كان لأتباع بولس فكر المسيح [16] يتكلم فيهم. لم تُحرم البشرية تمامًا من هذا، فانك تري في نفسك كلمة وفهمًا، يتمثلان بالعقل ذاته والكلمة ذاته. القديس غريغوريوس أسقف نيصص + يقول بولس ذلك لأن المؤمنين شركاء في الحكمة الإلهية. أمبروسياستر + بعطية الروح القدس لم يكن قلب الأنبياء قلبًا بشريًا بل كان قلبًا روحيًا.هكذا يقول هنا "لنا فكر المسيح". وكأنه يقول: "قبل نوالنا بركة الروح وتعلم الأمور التي لا يقدر إنسان أن ينطق بها، لم يكن أحد منا ولا من الأنبياء مدركًا هذه الأمور في ذهنه. كيف يمكننا ذلك إن كان حتى الملائكة أنفسهم لم يدركوها؟". يقول: أية حاجة لنا أن نتحدث عن عظماء هذا العالم إذ لا يوجد إنسان يدرك هذه الأمور، حتى القوات العلوية؟ + نحن نعرف الأشياء التي في فكر المسيح، والتي يريد أن يُعلنها لنا. هذا لا يعني أننا نعرف كل شيء يعرفه المسيح، بل بالأحرى كل ما نعرفه هو من عنده وهو روحي. القديس يوحنا الذهبي الفم + يبرهن بولس بوضوح كافٍ أنه لا يوجد شيء ناقص في تعليم اللَّه. لا يعني هذا أنه يحوي كل المعرفة، لكن اللَّه يخرج لنا الحكمة كما من مخزنٍ لكي نفهمها بلياقة. ثيؤدورت أسقف قورش + يشير فكر المسيح إلى الآب، فيقول بولس أن لدينا أب المسيح فينا. أوكومينوس من وحي 1كو 2 ليدخل بي روحك القدوس إلى فكرك فأتعرف على سرّ حكمتك المكتومة! + لأعزف عن الحكمة المتعجرفة، وأتعرف على صليبك، يا أيها العجيب في حبك وتواضعك! حكمة العالم لها جاذبيتها ولكن بلا عمل، صليبك يحملني إلى عرشك، ويدخل بي إلى حجالك السماوي، يا أيها العريس الأبدي! + عظماء هذا الدهر يودون صلبك، والخلاص منك في أعماقي! آه لو عرفوك، وأدركوا سرّ صليبك لما فارقوك! بل يحبوك ويرتفعوا ليروا ما أعددته لهم! حقًا لطلبوا روحك العجيب ليدخل بهم إلى أعماقك! + أعترف لك إني إنسان جسداني، من يجعلني روحاني سوى روحك الناري؟ في غباوة أردت أن أكون طبيعيًا، وأنت بحبك لن تقبل أن أكون أقل من روحاني! تريدني أصير وكأن كل كياني قد صار روحًا! تريد حتى جسدي يصير خفيفًا للغاية، فأطير وأكون معك في سمواتك! + هب لي روحك عاملاً فيَّ بلا انقطاع! أحمل فكرك وأدرك الحق! نعم، لا يحكم فيَّ أحد، بل أحكم في كل شيء! لأنك أنت فيَّ وأنا فيَّ، يا أيها الحق! من تفسير وتأملات الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين الإصحاح الثاني بولس هنا يُظهر أنه منقاد بالروح القدس، ويدعونا أن نعطى فرصة للروح القدس أن يقودنا ويعلمنا ويعمل فينا. آية (1):- "1وَأَنَا لَمَّا أَتَيْتُ إِلَيْكُمْ أَيُّهَا الإِخْوَةُ، أَتَيْتُ لَيْسَ بِسُمُوِّ الْكَلاَمِ أَوِ الْحِكْمَةِ مُنَادِيًا لَكُمْ بِشَهَادَةِ اللهِ،" سبق في (1 : 28) أن قال أن الله إختار المزدرى وغير الموجود ليعمل بهم. وهو هنا يحسب نفسه من بين المزدرى وغير الموجود الذي أرسله الله ليكرز. وبولس لم يأتى بفلسفات عالية عالمية أو بشرية، فأية حكمة أو فلسفة عالمية هذه القادرة أن تجعل أحداُ يؤمن بإله هو نجار صُلِبَ ومات ويقول بولس أنه قام. هذا يحتاج لقوة عمل الله الذي عمل في بولس فتكلم، وعمل في أهل كورنثوس فتحركت قلوبهم وآمنوا. ولاحظ أنه يكلم اليونانيين وهؤلاء قد إشتهروا بالفلسفة والحكمة. وهناك أنواع من الحكمة 1) حكمة عالمية يحصل عليها الإنسان من خبراته في هذه الحياة وهى تفيد في هذه الحياة لكنها لا تصلح للكرازة 2) حكمة شيطانية، وهذه نجد الإنسان فيها يكذب ويحتال ويغش ليصل إلى ما يريده، وهذه مرفوضة تماماً. 3) حكمة يعطيها الروح القدس، وهذه هي التي تكلم بها بولس في كرازته وهذه الحكمة طالما هي من الروح القدس تكون مصحوبة بقوة تؤثر في السامع. آية (2):- "2لأَنِّي لَمْ أَعْزِمْ أَنْ أَعْرِفَ شَيْئًا بَيْنَكُمْ إلاَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ وَإِيَّاهُ مَصْلُوبًا. " الصليب هو علامة حب الله غير المحدود لنا " ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه " (يو 15 : 13). والتأمل فيه يلهب النفس بحب الله إذ نكتشف محبته. لذلك كان موضوع كرازة بولس هو الصليب ولم يترك هذا الموضوع، فجوهر الحياة المسيحية هو الصليب، والمسيح المصلوب الذي دفع ثمن خطايانا... " بموتك يارب نبشر " ولذلك نجد الصليب في كل مكان في الكنيسة. ومن ينشغل بحب المسيح الظاهر على الصليب فهو لن يلتفت لشيء آخر مثل الخصومات وهذه ناشئة عن الأنا، بل أن الصليب له قوة تأثير على النفس فينسى الإنسان كل ما عداه. إذ لا يؤثر في الخاطئ فلسفات الكلام ولا السفسطة بل أن الله أحبه ومات لأجل أن يغفر له. وصليب المسيح عكس الأنا تماماً . آية (3):- "3وَأَنَا كُنْتُ عِنْدَكُمْ فِي ضَعْفٍ، وَخَوْفٍ، وَرِعْدَةٍ كَثِيرَةٍ. " الرسول كان في ضَعْفٍ، وَخَوْفٍ.. 1) واجه مقاومة شديدة من اليهود واليونانيين دون أي حماية مادية 2) كان خائفاً على من آمنوا أن يضعفوا فيتركوا الإيمان " من يضعف وأنا لا أضعف " (2كو 11 : 29) 3) كان خائفاً أن لا تنجح رسالته. ولكنه لم يأتى بشجاعته الشخصية ولا معتمداً على فلسفته أو قوته، بل كان معتمداً على قوة الله، فالقوة والشجاعة تناسب إنساناً يعتمد على نفسه. ولذلك نجد في (أع 18 : 9) أن الله يشجعه قائلاً " لا تخف بل تكلم ولا تسكت لأني أنا معك ولا يقع بك أحد ليؤذيك " (أع 18 : 9، 10). والخوف طبيعي ناشئ من ضعف الطبيعة البشرية. آية (4):- "4وَكَلاَمِي وَكِرَازَتِي لَمْ يَكُونَا بِكَلاَمِ الْحِكْمَةِ الإِنْسَانِيَّةِ الْمُقْنِعِ، بَلْ بِبُرْهَانِ الرُّوحِ وَالْقُوَّةِ،" لم أعتمد في كلامي وكرازتى على إثباتات عقلية بل على عمل الروح القدس الذي أقنع السامعين فتركوا شهواتهم الماضية وتابوا بل صارت لهم مواهب وعمل عجائب. وعلى كل منهم أن ينظر داخله ليرى ثمار الروح = بُرْهَانِ الرُّوحِ وَالْقُوَّةِ = قوة تغييرهم من حال إلى حال. فإذا كان الله هو الذي عمل فيه وفيهم فلماذا يتحزبوا له أو لغيره ويكون هناك شقاق. آية (5):- "5لِكَيْ لاَ يَكُونَ إِيمَانُكُمْ بِحِكْمَةِ النَّاسِ بَلْ بِقُوَّةِ اللهِ. " لم يستعمل بولس الحكمة البشرية لئلا يُنْسَبْ إيمانهم لفضل بشرى فيتعطل صليب المسيح. فكل حكمة بشرية هي متزعزعة غير ثابتة. بينما قوة الله فثابتة والروح القدس يُعطى الإقناع للسامع، ويُعطى الكارز قوة عمل المعجزات. آية (6):- "6لكِنَّنَا نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةٍ بَيْنَ الْكَامِلِينَ، وَلكِنْ بِحِكْمَةٍ لَيْسَتْ مِنْ هذَا الدَّهْرِ، وَلاَ مِنْ عُظَمَاءِ هذَا الدَّهْرِ، الَّذِينَ يُبْطَلُونَ. " الْكَامِلِينَ = الناضجين روحياً أي المتقدمين في حياتهم الروحية، الذين إختبروا المسيحية كقوة تغيير في حياتهم تجعلهم مولودين من جديد بحياة جديدة وليس كعلم ونظريات فقط. لكِنَّنَا نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةٍ = سبق في آية 4 وقال أنه لا يتكلم بحكمة وكان يقصد بذلك الحكمة الإنسانية. وهنا يقول أنه يتكلم بحكمة أعطاها له الروح القدس. وهذه الحكمة يفهمها الكاملين. حِكْمَةٍ لَيْسَتْ مِنْ هذَا الدَّهْرِ = حكمة هذا الدهر لا تستطيع أن تقنع أحد بالمسيحية، بل لها ميول وإتجاهات خاطئة من غش وتحايل وكذب وَلاَ مِنْ عُظَمَاءِ هذَا الدَّهْرِ = مثل مجمع السنهدريم ورؤساء الكهنة عند اليهود ومثل هيرودس وبيلاطس وملوك الرومان، فهؤلاء قادتهم حكمتهم لأن يصلبوا الرب يسوع، وهؤلاء العظماء يُبْطَلُونَ = مصيرهم الزوال وسلطانهم مؤقت، لذلك ففي كرازتى أنا بولس لا أعتمد على هؤلاء بل على قوة الله. آية (7):- "7بَلْ نَتَكَلَّمُ بِحِكْمَةِ اللهِ فِي سِرّ: الْحِكْمَةِ الْمَكْتُومَةِ، الَّتِي سَبَقَ اللهُ فَعَيَّنَهَا قَبْلَ الدُّهُورِ لِمَجْدِنَا،" بِحِكْمَةِ اللهِ فِي سِرّ = حكمة الله هي تدبير الله للخلاص أي تجسد وفداء المسيح، وبالصليب تم خلاص اليهود والأمم، وصار لهم ميراث السماء = لِمَجْدِنَا. وهذا هو الإنجيل الذي يبشر به بولس. وكان هذا سراً مكتوماً منذ الأزل، لم يُكشف لا لليهود ولا للأمم بل ولا للملائكة. وإحتفظ به الله سراً حتى لا يفسد الشيطان خطة الصليب (آية 8). وما زال هذا الأمر سراً على غير المؤمنين وعلى الأشرار والأطفال في الإيمان. هو سر لا يدركه العقل البشرى وحده دون أن يستنير بنعمة الروح القدس. وبالروح نكتشف ما أعده الله لنا من مجد. وتدبير الخلاص أزلي أي أنه غير مستحدث. والله كضابط الكل يجعل الأمور تسير بحرية الناس ولكن يتم من خلال هذا قصد الله. آية (8):- "8الَّتِي لَمْ يَعْلَمْهَا أَحَدٌ مِنْ عُظَمَاءِ هذَا الدَّهْرِ، لأَنْ لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ. هنا مقارنة بين الكاملين الذين إنكشفت لهم أسرار المجد الأبدي، وبين عظماء هذا الدهر الذين في عماهم الروحي لم يكتشفوا شخص المسيح فصلبوه. وهذه لنا دعوة للتواضع وعدم الشعور بالعظمة، فهذا يطمس العيون، ونعيش في حسد وخصام. لأَنْ لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ الْمَجْدِ = هذه تنطبق أيضاً على الشياطين، إذ أنهم لو عرفوا حقيقة الفداء، ومن هو المسيح لما حركوا يهوذا ولا رؤساء الكهنة ولا اليهود، بل لحاول الشيطان أن يوقف الصليب. ولاحظ أن المسيح قال عن الشيطان " رئيس هذا العالم " (يو 14 : 30) فهم عظماء هذا الدهر. آية (9):- "9بَلْ كَمَا هُوَ مَكْتُوبٌ:«مَا لَمْ تَرَ عَيْنٌ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى بَالِ إِنْسَانٍ: مَا أَعَدَّهُ اللهُ لِلَّذِينَ يُحِبُّونَهُ»." كانت حكمة الله المكتومة في سر ليست فقط في الفداء بل في أنه أعد أمجاد أبدية للإنسان. هنا يظهر الرسول أن حكمة الله التي وهبها لنا، بها نعرف الأمجاد التي أعدها الله لنا في المسيح يسوع. وما أعده الله لنا كان سراً مخفياً قبل المسيح، والآن فالروح يعلنه لنا. ولا توجد آية صريحة إقتبسها بولس الرسول بهذا المعنى. ولكن بولس فهم هذا من (أش 64 : 4 + 65 : 17 + أر 3 : 16). فبولس إستعان بهذه الآيات وأعاد صياغتها بإرشاد الروح القدس. آية (10):- "10فَأَعْلَنَهُ اللهُ لَنَا نَحْنُ بِرُوحِهِ. لأَنَّ الرُّوحَ يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ اللهِ. الله أظهر لنا هذه الأشياء المكتومة بواسطة روحه الذي يَفْحَصُ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَعْمَاقَ اللهِ = قوله = يَفْحَصُ إشارة للمعرفة الدقيقة الكاملة، فهو يعرف الأشياء العميقة والسرية التي تختص بالله، وبالتالي يعرف مقدار حب الله لنا وما أعده لنا من أمجاد، هو يعرف فكر الله وقصده وتدبيراته. هنا نرى تمايز الروح القدس عن الآب كأقنوم. والله يعلن لنا هذه الحقائق السماوية حتى نشتهيها. ونحن في المسيح إقتنينا حواس روحية يفتحها الروح القدس ويدربها (عب 5 : 14) وهذه غير الحواس الجسدية، وبهذه الحواس تكون لنا القدرة أن نلتقط ونعرف إعلان الروح لنا. والخطية تطمس هذه الحواس الروحية، لذلك فالإنسان الطبيعي(المولود بحسب الجسد يو 1 : 12، 13) لا توجد له هذه الحواس الروحية، وبالتالي لا يستطيع أن يحكم على الروحيات، أمّا المولود من الله فله هذه الحواس. ومن طمست الخطية حواسه الروحية يقول عنه الكتاب " لك إسم أنك حي (بحواسك الجسدية) ولكنك ميت (بدون حواس روحية) (رؤ 3 : 1)" أمثلة للحواس الروحية :- النظر :- طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله (مت 5 : 8) السمع :- من له أذنان للسمع فليسمع ما يقوله الروح للكنائس (رؤ 3 : 6) التذوق :- ذوقوا وأنظروا ما أطيب الرب (مز 34 : 8) اللمس :- جاءت من ورائه ومست هُدْب ثوبه (مت 9 : 20) + قال يسوع من الذي لمسني (لو 8 : 45) " هذه لمسة كلها إيمان " لذلك قال " قوة خرجت منى " (لو 8 : 46). آية (11):- "11لأَنْ مَنْ مِنَ النَّاسِ يَعْرِفُ أُمُورَ الإِنْسَانِ إِلاَّ رُوحُ الإِنْسَانِ الَّذِي فِيهِ؟ هكَذَا أَيْضًا أُمُورُ اللهِ لاَ يَعْرِفُهَا أَحَدٌ إِلاَّ رُوحُ اللهِ. " نستطيع أن نفهم أن الروح يفحص كل شئ حتى أعماق الله بالنظر لأنفسنا فلا يوجد من يعرف ما في داخلي سوى نفسي، خفايا قلبي لا يعلمها سواي، هكذا لا يعلم أمور الله سوى روح الله. لذلك نفهم أننا بالعقل يستحيل أن ندرك أمور الله أو نعرف الله، ما لم يعلن الروح لنا " ليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلاّ بالروح القدس "(1كو 12 : 3). آية (12):- "12وَنَحْنُ لَمْ نَأْخُذْ رُوحَ الْعَالَمِ، بَلِ الرُّوحَ الَّذِي مِنَ اللهِ، لِنَعْرِفَ الأَشْيَاءَ الْمَوْهُوبَةَ لَنَا مِنَ اللهِ،" رُوحَ الْعَالَمِ = قد تعنى الروح التي إتخذت معرفتها وحكمتها من هذا العالم الغريب عن الله. وقد تعنى الروح التي لم تتجدد بعد ويسود عليها الشيطان الذي يطمس بصيرتها فلا يمكن أن تفهم أو تقبل البركات الروحية المذخرة لنا في الصليب (2كو 4 : 4 + أف 6 : 11، 12). وقد تعنى روح العالم روح إبليس الذي قيل عنه " الروح الذي يعمل الآن في أبناء المعصية " (أف 2 : 2). بَلِ الرُّوحَ الَّذِي مِنَ اللهِ = نحن أخذنا نعمة الروح الذي أعطى لنا من الله لكي نعرف ما وهبه لنا الله، بل أصبحنا نفهم أسرار الله بسهولة كسر الفداء والتجسد. آية (13):- "13الَّتِي نَتَكَلَّمُ بِهَا أَيْضًا، لاَ بِأَقْوَال تُعَلِّمُهَا حِكْمَةٌ إِنْسَانِيَّةٌ، بَلْ بِمَا يُعَلِّمُهُ الرُّوحُ الْقُدُسُ، قَارِنِينَ الرُّوحِيَّاتِ بِالرُّوحِيَّاتِ. " الَّتِي نَتَكَلَّمُ بِهَا = بحكمة من الروح القدس نتكلم في الروحيات وليس بحكمة بشرية كالتى يستخدمها البشر في تعاليمهم. الأشياء التي وهبت لنا من الله هي التي نفتخر بها ونعلم بها، ولكن طالما هي روحيات فالأمر متروك لا لحكمتنا البشرية، بل لما يرشدنا إليه الروح القدس ويضعه في أفواهنا. قَارِنِينَ الرُّوحِيَّاتِ بِالرُّوحِيَّاتِ = بالروح القدس ننعم بمقاييس روحيه صادقة فلا نحكم على الروحيات بمقاييس بشرية زمنية، بل نقارن الأفكار الروحية بأفكار روحية والحقائق الروحية نفسرها بحقائق روحية بإرشاد الروح القدس. فبالمقاييس الروحية فمن يترك العالم ويبيع كل ما يملك ويوزعه على الفقراء ويذهب للدير، هذا يعتبر نوع من الجنون، ولكن بالمقاييس التي يعطيها الروح القدس أن مثل هذا الإنسان، إذ عرف الرب يسوع ومحبته حسب كل الأشياء نفاية (في 3 : 8). وبالمقاييس البشرية فلا أحد يقبل الآلام والصليب، أما بالمقاييس الروحية فالمؤمن يفرح بها فهي الطريق الوحيد ليحيا فىّ المسيح (غل 2 : 20). ومن هذه الآية نفهم خطورة إستخدام الآية الواحدة. فإن أردت أن تفهم موضوع إجمع كل الآيات حول هذا الموضوع. آية (14):- "14وَلكِنَّ الإِنْسَانَ الطَّبِيعِيَّ لاَ يَقْبَلُ مَا لِرُوحِ اللهِ لأَنَّهُ عِنْدَهُ جَهَالَةٌ، وَلاَ يَقْدِرُ أَنْ يَعْرِفَهُ لأَنَّهُ إِنَّمَا يُحْكَمُ فِيهِ رُوحِيًّا. " الإِنْسَانَ الطَّبِيعِيَّ = هو الإنسان المولود بحسب الطبيعة من أب وأم، وُلِدَ من دم ومن مشيئة جسد، مشيئة رجل (يو 1 : 13). مثل هذا الإنسان يقول عنه (المزمور 51 : 5) " هانذا بالإثم صورت وبالخطية حبلت بي أمي " ويسميه الرسول هنا " الجسدي " (1كو 3 : 1 – 4) ويسميهم في (رو 8 : 5 – 8) الذين هم حسب الجسد. والإنسان الجسدي هو من لم تتجدد طبيعته ولم يولد من جديد، ولم يحل عليه الروح القدس، ولم تعمل فيه نعمة الروح القدس فلم يتجدد قلبياً وذهنياً، يعيش فقط لحياته الجسدية وشهواته، مثل هذا الإنسان تكون كل مقاييسه مادية ولا يفهم الروحيات. لا يقبل التعاليم الروحية التي يعلم بها روح الله، بل تبدو أمامه كما لو كانت غير منطقية أو كأنها جهالات (1كو 1 : 23). فالمرأة ساكبة الطيب تصور البعض أن ما عملته هو إتلاف. والولادة الثانية من الماء والروح لم يستطع نيقوديموس أن يفهم معناها. هذا الإنسان الجسدي لا قدرة له على فهم الأمور الروحية فهذه لا يمكن فهمها إلاّ بواسطة الإستنارة التي يعطيها الروح القدس وهذه ليست موجودة عند الإنسان الطبيعي. مثل هذا الإنسان الطبيعي من طبيعته أنه بسبب الأنا الموجودة فيه يدخل في خصومات وشقاقات ويكون كثير المشاكل (1 كو 3 : 1 – 4). هذا الإنسان يكون غير خاضع لعمل الروح القدس الذي يملأ القلب محبة. هذا الإنسان الطبيعي يريد إثبات ذاته فيتشاجر ويحسد، والحسد فكر داخلي يترجم لعمل خارجي هو الخصومات. لأَنَّهُ عِنْدَهُ جَهَالَةٌ = الإنسان الطبيعي يعتبر التجسد والفداء والقيامة جهل. يُحْكَمُ فِيهِ رُوحِيًّا = كل مالروح الله لا يميزه إلاّ من يسكن عنده روح الله فيعطيه إستنارة ويحرك ذهنه ليقتنع، وحينئذ يطيع الإنسان الوصية بالفكر والإرادة والعاطفة. آية (15):- "15وَأَمَّا الرُّوحِيُّ فَيَحْكُمُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَهُوَ لاَيُحْكَمُ فِيهِ مِنْ أَحَدٍ. " وَأَمَّا الرُّوحِيُّ = الإنسان الروحي هو من آمن وإعتمد وحل عليه الروح القدس، ويحيا في توبة ونقاوة، فتكون حواسه الروحية مفتوحة. هذا الإنسان الروحي لم يعد إنسانا طبيعياً بل صار مولوداً من الله (يو 1 : 12). هذا عملت فيه النعمة فجددت ذهنه وفتحت حواسه، صار خليقة جديدة في المسيح (2 كو 5 : 17). لقد أعاد الروح القدس تشكيله من جديد. وهناك مشكلة فإن بعض المؤمنين إذ يسقطون في خطايا كثيرة يعطون لأنفسهم العذر، أنهم مثل باقي البشر، وهذا فيه إنكار لعمل الفداء وتجديد الروح القدس. ولنعلم أن من لا يصير خليقة جديدة تختلف عن العالم فلا نصيب له في السماء (غل 6 : 15). الإنسان الروحي لو أهين سيسمع صوت الروح القدس " لا تنتقم لنفسك " فيقول لمن أهانه " الله يسامحك ". مثل هذا الإنسان يسمع عظة أو يقرأ في الكتاب المقدس فيتزلزل داخله، صارت له حساسية لصوت الله، ولو دعاه أحد لخطية ينفر نفوراً شديداً. وكيف نكون روحيين ؟ بأن نمتلئ من الروح. وكيف نمتلئ من الروح ؟ بالصلاة والطلب بلجاجة أن نمتلئ (لو 11: 13، 9 + لو 18 : 1 – 8 + اف 5: 18-21) ولاحظ أن الإنسان الطبيعي أقصي ما يصل إليه أن يعيش بحسب حكمة هذا العالم، لكنه لا يستطيع أن يمتد ببصره إلي السماء، يفرح بها أو يشتهيها أو يراها. أما الروحي فيستطيع أن يرى السماويات ولكن قطعاً كما في لغز كما في مرآة (1 كو 13 : 12). فالروحي حصل علي الروح القدس الذي يفحص كل شيء حتى أعماق الله. ولكن عمل الروح القدس يبدأ بالتبكيت علي الخطية وعلي البر.. ومن يستجيب يبدأ الروح يعلمه، فهو يعلم ويذكر بما قاله المسيح وبعد هذا يخبرنا عن المسيح فنحبه ومن يمتلئ قلبه حبا تنكشف له السماويات (يو 16 : 8 – 10) + (يو 14 : 26) + (يو 16 : 14) + (1 كو 2 : 10) . هذا أسماه الرسول " محبة المسيح الفائقة المعرفة " ( اف3 : 19 ) ولاحظ أن الرسول هنا يعاتب أهل كورنثوس علي التحزبات والشقاقات بينهم (من يتبع بولس ومن يتبع أبلوس، ولكن وراء كل هذا الأنا). ومعني كلام الرسول أن من لا يزال في شقاق فهو جسداني. أمّا الروحاني الذي إنكشفت له أمجاد السماء، فهو في فرح بما إنكشف له، وما عاد منشغلاً بأي تفاهات في هذا العالم، بل ما عاد منشغلاً بذاته ولا بهذه الأنا. ولاحظ السلم الروحي الذي في هذه الآيات. فقاع السلم، من فقدوا الحواس الروحية، ولم يعرفوا المسيح فصلبوه.ومثل هؤلاء اليوم من لا يوافق علي أحكام الله ويصطدم به. وقمة السلم الإنسان الروحاني وعينه مفتوحة علي السماء، أحب المسيح وشبع به، ورأي أمجاد السماء. هذا الإنسان الروحي الذي تجدد بالروح القدس ويقوده روح الله. فهذا تكون له الإمكانية أن يحكم في كل شيء، فهو يستطيع أن يحكم علي الأشياء المادية بحكم أنه إنسان. ويستطيع أيضاً أن يحكم في الروحيات بفاعلية الروح القدس الذي يسكن فيه. لقد صار له روح التمييز. أما الإنسان الطبيعي فلا يُدرك حقيقة الإنسان الروحي ولا الأمور الروحية. آية (16):- "16«لأَنَّهُ مَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبِّ فَيُعَلِّمَهُ؟» وَأَمَّا نَحْنُ فَلَنَا فِكْرُ الْمَسِيحِ. " لأَنَّهُ مَنْ عَرَفَ فِكْرَ الرَّبِّ فَيُعَلِّمَهُ = الاقتباس من (أش 40 : 13) أي الإنسان الطبيعي لا يُدرك ولا يستطيع أن يدرك الإنسان الروحي، فهو غير مستنير بروح الله، وهذا لا يستطيع أن يعرف فكر الله ومشيئته. مثل هذا الإنسان ليس من حقه أن يحكم علينا أو يعلمنا لأنه لا يعرف فكر المسيح. ما يُريد الرسول أن يقوله أن حُكم الفلاسفة على تعليمي باطل فهم لا يعرفون فكر الله. أمّا من عَرِف فكر الرب فهذا يستطيع وله الحق أن يُعَلِّمَهُ للناس، وهذا ما يعمله الرسول. وَأَمَّا نَحْنُ فَلَنَا فِكْرُ الْمَسِيحِ = الله في محبته حين رآنا غير قادرين أن نقترب إليه بسبب آثامنا، إقترب هو إلينا ليخلصنا، ووضع فينا أن نثبت في المسيح وتكون لنا الحياة هي المسيح (في 1 : 21) (راجع في المقدمة - نقطه (Ι) في "كيف فهم بولس الرسول أهمية الألم والصليب") وبهذا وضع الله فينا كل ما للمسيح حتى فكر المسيح، وفكر المسيح هو فكر باذل وليس فكر شقاق وخصومات. وإن كان الله يعطينا فكره فكيف ننحاز لأشخاص. وهذا هو موضوع الإصحاح القادم الذي يتكلم عن الشقاقات. ملحوظة :- من له فكر المسيح كيف يحكم فيه من أحد. ولا يعنى هنا أننا صرنا نعرف كل ما يعرفه المسيح، بل أن ما نعرفه هو من عنده.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثانى الحِكمة الروحية (1) الكرازة بِحِكمة الروح القدس ع 1 - 8 : ع 1 - 2 : يُذكرهم بولس الرسول ، أنه عندما بشَّرهم بالإنجيل لم يعتمد على البلاغة والفلسفة ، ولكن تركز حديثه فى قصة الخلاص الذى تم بيسوع المسيح على الصليب ، فتأثيرها على كل من يسمعها يفوق فى قوته أية بلاغة فى التعبير0 + لا تعتمد فى إقناعك للآخرين على فلسفتك وقدراتك الخاصة ، بل بالصلاة تنال نعمة فى عرض كلامك بطريقة بسيطة ومُقنِعة0 وإن أراد الله سيُرشدك باستخدام طرق الإقناع المختلفة ، فيكون إعتمادك على الله فى كل شئ0 ع 3 : يقصد بولس الرسول أنه لم يُبشر بالمسيح معتمداً على أية قُدرة أو قوة بشرية ، بل على العكس كان إحساسه بحجم المسئولية يجعله فى حالة خوف شديد0 ع 4 : كذلك لم يُبشرهم مُعتمداً على الحِكمة الإنسانية والإقناع العقلى البلاغى ، بل إعتمد على إرشاد الروح القدس القوى0 ع 5 : هذا لكى يعلموا جميعاً ، أنَّ الفضل فى إيمانهم لا يرجع إلى إثباتات عقلية ، بل إلى القوة الإلهية القادرة على تثبيتهم فى الإيمان0 + جيد أن تقدر حجم المسئولية التى عليك ، وتُصلى طالباً معونة الله وتُتمم العمل بتدقيق لأنك مُعرض للخطأ ، وتقبَّل إرشاد الآخرين وإستكمالهم لما تعمل0 ع 6 : يستطرد بولس الرسول قائلاً ، أنه يتكلم بين أُناس ناضجين روحياً بِحِكمة ليست من هذا العالم ، أى ليست من إبتكار البشر أو عظماء الدُنيا الذين سينتهى بهم المصِير إلى الزوال0 ع 7 : يتكلم بولس بِحِكمة الله التى أعلنها فى الإنجيل ، والتى هى بمثابة سر لغير المؤمنين0 والسر هنا هو كل ما أُعلن فى الإنجيل من أمور الفداء بيسوع المسيح ، لأنهم لا يستطيعون إدراكها لأنها الحِكمة المُخفاة عن العقل البشرى ، بالرغم من أنَّ الله أعدَّها منذ الأزل لكنه ولم يُعلنها إلا فى هذا العصر ليكون لنا نصيب فى المجد الأبدى0 ع 8 : هذه الحِكمة لا يمكن لعظماء الدُنيا أن يتوصلوا إليها ، لأنهم لو عرفوا أنَّ المسيح هو إبن الله لما تجاسروا وصلبوه0فعلينا نحن المسيحيين ، ألا نتباهى بِحِكمتنا الأرضية ، بل بالأولى نسعى للإمتلاء بالحِكمة الإلهية التى يهبها لنا الروح القدس ، كما قال يعقوب الرسول إن كان لنا غيره مُرَّة وتحزب فى قلوبنا فلنعلم أنَّ هذه الحِكمة ليست نازلة من فوق0 (2) عمل الروح القدس ع 9 - 13 : ع 9 : يُعبر الرسول هنا عن المجد الأبدى الذى أعدَّه الله لنا ، والذى يفوق كل ما يمكن أن تعيه حواسنا0 فلا يمكن لأحد أن يتخيله ، ولم يسبق لأحد من البشر رؤيته أو السمع عنه0 فعلينا ، نحن أيضاً ، أن نختار بين الكمال الروحى الذى يقودنا إلى المجد الأبدى ، أو العظمة الباطلة التى تُسبب حسداً وخصومات0 ع 10 : نستطيع بالروح أن نستشعر جلال هذا المجد من خلال ما يُعلنه الله لنا بواسطة روحه القدوس الذى يعرف كل ما لله0 ع 11 : لإيضاح هذا المفهوم ، يضع الرسول أمامنا الإنسان كمثال0 فكما أنَّ روح الإنسان تعرف نواياه وأفكار قلبه ، هكذا أيضاً روح الله يعرف كل أمور الله ويُعلنها لنا0 ع 12 : الأمور الروحية التى تُعلن بالروح القدس نعرفها من الروح القدس الساكن فينا ، الأمر الذى يستحيل على أهل العالم الذين لا يسكنهم روح الله0 فنحن بالمعمودية والميرون قد حلَّ فينا الروح القدس ، وأصبحنا مؤهلين لنوال مواهب وثمار الروح القدس0 فلنحرص على ألا " نُطفئ الروح " بل نُمارس الوسائط الروحية لكى ما ننمو فى الروح0 ع 13 : يستطرد الرسول قائلاً : ونحن أيضاً حينما نتحدَّث عن هذه الأمور خلال تبشيرنا لا نستخدم الحِكمة البشرية فى توصيل مفاهيمها للناس ، وإنما نستمد الحِكمة من الروح القدس الساكن فينا ، فنستخدم التعبيرات الروحية لنقدم المفاهيم الروحية0 فلا يصح أن يُحكم على الروحيات بمقاييس ومعايير أرضية زمنية0 + إنَّ الروح القدس الساكن فيك يستطيع أن يفحص أعماق الله0 فما أعظم هذه النعم ، لأنك بها تستطيع أن تنمو فى صلواتك وتتمتع بِعِشرة الله ، وأيضاً تفهم وتتلذذ بكلامه فى الكتاب المقدس ، فالله يُريد أن يُدخلك فى أحضانه وتتحد به وتفرح بالوجود الدائم معه0 فاطلب معونة الروح القدس فى كل مُمارساتك الروحية فتمتلئ حيوية وإحساس بالله0 (3) فِكر الإنسان الروحى ع 14 - 16 : ع 14 : الإنسان الطبيعى ، وهو الإنسان الذى يعيش فى الماديات ويحكم على الأمور بمقياس مادى ، يستحيل عليه تقبُّل الأمور الروحية ، بل أنَّ تعاليم الروح القدس بالنسبة له تُعتبر خاطئة وغير سليمة لأن هذه الأمور تحتاج معرفتها إلى المعرفة الروحية الأعلى تماماً عن حدود معرفته البشرية0 ع 15 : الإنسان الروحى له فوق قدراته المادية قدرات روحية ، يأخذها من الروح القدس الساكن فيه ، فيستطيع أن يُميز ليس فقط الأمور الجسدية بل الروحية أيضاً0 لذا فإنه ليس من حق الإنسان الذى له القدرات البشرية فقط أن يحكم على الإنسان الروحى ، فكيف يحكم على أمور روحية لا تدخل إطلاقاً فى نِطاق معرفته الجسدية ؟ وعلى العكس فالإنسان الروحى يُميز ويحكم بسهولة على كل من حوله0 ع 16 : الذى يعرف فِكر الرب ، يستطيع أن يُعلمه للآخرين ويحكم فيهم على أساس هذا الفِكر0 إذاً فالإنسان الطبيعى ، الذى لا يعرف فِكر المسيح ، ليس من حقه أن يُعلمنا ويحكم فينا نحن الذين لدينا فعلاً فِكر المسيح0 ومعنى أن يكون لدينا فِكر المسيح ، هو أن نرى الأشياء كما يراها المسيح ، ونقيسها بالمقياس الذى يقيس المسيح به0 فالرسول يُريد أن يقول أنَّ حُكم الفلاسفة على تعليمى بالجهل حُكم باطل لا يُعتد به0 + لا تنزعج من إعتراضات البعيدين عن الكنيسة على تصرفاتك الروحية ، واثبت فى حياتك مع الله خاضعاً لإرشادات أب إعترافك ومُرشديك الروحيين ، واطلب إرشاد الروح القدس لتفهم السلوك السليم مع كل من حولك0
مصادر أخرى لهذا الإصحاح