كلمة منفعة
إن الناس في حاجة إلى من يفرحهم، ويخفف عنهم متاعبهم، وبالرجاء الذي فيه يفتح طاقة من نور، تشرق وسط ضيقاتهم فتبددها وتعطيهم أملًا جديدًا..
— كُنْ بِشارة مُفْرِحَة
إنجيل يوحنا 19
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
انجيل معلمنا يوحنا - الاصحاح رقم 19
انجيل معلمنا يوحنا
الإصحاح رقم 19
الأصحاح التاسع عشر
صلب يسوع المسيح
لاحظنا في الأصحاحات السابقة أن الإنجيلي يوحنا لم يمل إلى سرد التاريخ، إذ يهدف نحو الكشف عن شخصية يسوع المسيح بكونه كلمة الله المتجسد الذي جاء لأجل خلاص العالم. أما وقد بدأ يتحدث عن صلب السيد فلم يعبر على الأحداث التاريخية بقدر ما قدم شخصية السيد المسيح المصلوب كفادٍ للبشرية. إنه يعتز بالصليب ويفتخر به.
1. محاكمته أمام بيلاطس 1 - 15.
2. الحكم بالصلب 16 - 19.
3. عنوان علته 19 - 22.
4. توزيع ثيابه 23 - 24.
5. اهتمامه بأمه 25 - 27.
6. تقديم خل له 28 - 29.
7. تسليم الروح 30.
8. طعنه بالحربة 31 - 37.
9. دفنه 38 - 42.
1. محاكمته أمام بيلاطس
"فحينئذ أخذ بيلاطس يسوع وجلده". (1)
حاول بيلاطس أن يطلق السيد المسيح إذ وثق من براءته، وظن أنه يمكنه تحقيق ذلك، إذ اعتاد أن يطلق لهم سجينًا في وقت الفصح، لكنه أمام ثورة الجمهور فشل. مع هذا فلا يزال بيلاطس مقتنع بأنه ليست ثمة جريمة حقيقية يمكن أن تُنسب إلى يسوع المسيح. استخدم وسيلة أخرى، بأن سمح لجنوده أن يجلدوه ويسخروا منه كملك، حتى يؤكد للجمهور أنه لا حول له ولا قوة، فيعفوا عنه.
يقدم لنا الإنجيلي عرضًا لمحاكمة السيد المسيح المملوءة ظلمًا، فالمدَّعون أنفسهم كانوا في حالة ارتباكٍ، والقاضي كان مرتبكًا جدًا بين شعوره بالظلم الساقط على شخص يسوع وبين ثورة الجماهير عليه، وادعاء أنه يقيم نفسه ملكًا، لأنه يقاوم قيصر. فشلت محاولة بيلاطس في تبرئة يسوع، فالتزم أن يواصل سير الدعوى حسب الأصول المرعيّة. كان لابد من التعامل معه بقسوة، وذلك بسبب خطورة الاتهام وطبيعته. أول تنازل من جانب بيلاطس أمام عناء الجماهير أنه أمر بجلد يسوع، فعامله الجنود كصانع فتنة، مع أمله في إظهار براءة يسوع على الصعيد القانوني.
لم يكن بيلاطس جادًا في الحكم بالعدل، فمع إدراكه أن يسوع بار حكم عليه بالجلد كمجرم (1). يذكر لوقا الإنجيلي أن بيلاطس قال للجماهير أنه يؤدبه ويطلقه. وكأن غاية بيلاطس هو جلده مترجيًا أن يتراجع اليهود عن طلبهم الخاص بصلبه بعد أن تأكد أنه ليس ما يستوجب صلبه (لو 23: 16).
يبدو أن الجلد قد تم حسب النظام الروماني وهو أعنف بكثير منه حسب النظام اليهودي. كان من عادة الرومان جلد المقدمين للصلب. من أجلنا قبل السيد المسيح ذلك، وكما جاء في إشعياء: "بذلت ظهري للضاربين وخدي للناتفين، وجهي لم أستر عن العار والبصق" (إش 50: 6). ويقول المرتل: "على ظهري حرث الحراث، طوَّلوا أتلامهم" (مز 129: 3). كما سبق السيد المسيح نفسه فقال: "ويسلمونه إلى الأمم لكي يهزأوا به ويجلدوه ويصلبوه" (مت 20: 19؛ راجع مر 10: 34؛ لو 18: 33). يقول القديس بطرس أن بجلداته شفينا (1بط 2: 24)، فقد جُلد الطبيب لكي يُشفى المرضى. احتمل الجلدات من أجلنا، لكي يجد المؤمنون مسرتهم في احتمالهم الآلام من أجله، ومشاركتهم إياه آلامه وصلبه (أع 5: 41؛ 16: 22، 25).
كان الجلد عقوبة مرعبة، حيث كان يستخدم السوط من عدة سيور توضع بها قطع معدنية أو عظام، حتى متى جُلد الشخص يتهرأ جسمه، وتظهر أحيانًا شرايينه وبعض طبقات جسمه الداخلية كما يخبرنا يوسابيوس المؤرخ. ويروي لنا الكاتب الروماني شيشرون Cicero أن الجلد أحيانًا يؤدي إلى الموت. وكان الجلادون الرومان قساة لا يعرفون الرحمة. ولعله بسبب الجلدات لم يحتمل يسوع المسيح أن يحمل الصليب حتى موضع الصلب، ويبرر البعض موته سريعًا على الصليب بسبب الجلدات القاسية. هذا ونلاحظ أن الإنجيليين أشاروا إلى جلد السيد كحقيقة تمت دون الحديث عن مدى آلامه أثناء الجلد.
استهان السيد بكل أنواع العذابات والسخرية من أجل محبته لنا وشوقه لخلاصنا، حتى نحسب شركتنا معه في عاره وآلامه مجدًا لا نستحقه.
+ قال يوحنا الرسول: "أخذ بيلاطس يسوع وجلده". لعل بيلاطس أراد بذلك أن يحل غيرة اليهود ويتلافاها، لأنه إذ لم يقدر أن ينقذ السيد المسيح بأقواله الأولى سارع لوقف شرهم إلى هذا الحد.
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ يلزمنا أن نعتقد بأن بيلاطس فعل هذا لا لسبب سوى أن اليهود إذ يرون فيض الأذية التي لحقت به يشعرون بالاكتفاء، ويحجمون عن رغبتهم الجنونية نحو موته. بذات الهدف سمح الحاكم لكتيبته أن تمارس ما حدث بعد ذلك، وربما أمرهم بذلك، وإن كان الإنجيلي قد صمت عن ذكر هذا.
القديس أغسطينوس
"وضفر العسكر إكليلاً من شوك، ووضعوه على رأسه، وألبسوه ثوب ارجوان". (2)
اعتاد الجند أن يسخروا بمن يسقطون تحت الحكم، خاصة وأنهم يمثلون السلطة المحتلّة الساخرة بمن يثير الفتنة ضد روما. جاءت السخرية تتناسب مع نوع الاتهام: "ملك اليهود". إنهم لم يجدوا ملكًا يُقدم للموت كل يوم، فحسبوا السخرية بملك اليهود تمثيلية هزلية يصعب أن تتكرر.
الأرجوان: لون صباغة ثمينة يشمل البنفسجي والأحمر، تُستخدم من بعض أصناف صدف السمك، يصعب العثور عليه، وكانت ثياب الأرجوان غالية الثمن. ارتبط الأرجوان بالحياة الملوكية، كما يلبسها الأغنياء وذوي المكانة الرفيعة وكبار موظفي الدولة.
يروي متى البشير أنه ثوب قرمزي (مت 27: 28)، تستخرج صبغته من بعض أجسام الحشرات الميتة، لذا فالثوب القرمزي أرخص بكثير من الأرجوان، وهو خاص بالقادة العسكريين، ولعل الجند جاءوا بثوبٍ قديمٍ لقائد عسكري ألقاه بسبب قِدَمه. فاستخدمه الجند كثوبٍ أرجوانيٍ يرتديه جليلي فقير (يسوع)، إذ يقيم نفسه ملكا!
إكليل الشوك والثوب الأرجواني الأحمر يعترفان بالمرتبة الملوكية، لكن العالم يقلبانها إلى الهزء به.
+ قال: "وضفر العسكر إكليلاً من شوك، ووضعوه على رأسه، وألبسوه ثوب أرجوان" ليرضي بيلاطس غيظ اليهود، ولهذا الغرض أخرج إليهم السيد المسيح مكللاً بالشوك، حتى إذا أبصروا المسبة الواصلة إليه يتنفسوا من مرضهم قليلاً، ويقذفوا سمهم.
القديس يوحنا الذهبي الفم
"وكانوا يقولون: السلام يا ملك اليهود، وكانوا يلطمونه". (3)
هكذا سلمه بيلاطس للجند كي يسخروا به، فضفروا له إكليلاً من شوك، ووضعوه على رأسه عوض إكليل الملك، وألبسوه ثوب أرجوان كملكٍ، وفي سخرية كانوا يلطمونه، وهم يقولون: "السلام لك يا ملك اليهود".
"فخرج بيلاطس أيضًا خارجًا، وقال لهم: ها أنا اخرجه إليكم، لتعلموا إني لست أجد فيه علة واحدة". (4)
أخرجه بيلاطس أمام القيادات اليهودية وجمهور الثائرين ليروا أن شكواهم ضده بأن يقيم نفسه ملكًا نوعًا من الخيال. فها هو أمامهم قد تهرأ جسمه من الجلدات، وصار أضحوكة وموضع سخرية.
إذ أساء بيلاطس للسيد المسيح وهو يعلم أنه بريء قدمه للمدعين عليه لعلهم يسحبون دعواهم ضده. لقد شهد بيلاطس أنه بحسب القانون الروماني "لست أجد فيه علة واحدة" (4)، ليس من دعوى حقيقية يمكن توجيهها ضد، مكررًا ما سبق أن أعلنه (يو 18: 38). بهذا دان بيلاطس نفسه، لأنه مادام ليس فيه علة واحدة لماذا جلده، ولماذا سلمه للجند كي يسخروا به، ولماذا أخرجه للمدعين عليه ولم يطلقه فورًا كما تستوجب العدالة؟
"فخرج يسوع خارجًا، وهو حامل إكليل الشوك وثوب الأرجوان. فقال لهم بيلاطس: هوذا الإنسان". (5)
ربما بقوله: "هوذا الإنسان" يود أن يؤكد لليهود إن كنتم تتطلعون إليه كمن يثير فتنة ليقيم نفسه ملكًا يقاوم قيصر، فها أنتم ترونه في صورة الضعف الشديد عاجز عن المقاومة، وليس من أتباعٍ له حاولوا مقاومة السلطات. بهذا لا مجال لتخوفكم منه.
إخراجه للمدعين وقد وُضع إكليل الشوك على رأسه وقد امتلأت رأسه ووجهه مع بقية جسمه بالدماء أعطى فرصة للمدعين أن يصروا على صلبه، لأن بيلاطس عامله كعبدٍ، قام بتعذيبه بغير حقٍ. فالعبد ليس من حقه الدفاع عن نفسه، أما الحرّ فيلزم إثبات إدانته قبل تعذيبه خاصة بهذه الصورة المؤلمة.
خرج السيد المسيح ليكون مشهدًا أمام الناس، يحمل العار عنهم. الأمر الذي دفع الرسول بولس فيما بعد أن يشتهي الخروج معه خارج المحلة حاملاً عاره (عب 13: 13).
إذ صار مشهده مؤلمًا للغاية قال بيلاطس: "هوذا الإنسان" (5) ولم يذكر اسمه، كنوع من الاستخفاف به. هذا المنظر سحب قلب الحكيم منذ قرابة ألف عام قبل حدوثه فقال: "أخرجن يا بنات صهيون وانظرن الملك سليمان بالتاج الذي توجته به أمه في يوم عرسه، وفي يوم فرح قلبه" (نش 3: 11).
يرى البعض أن قول بيلاطس: "هوذا الإنسان" حمل معني سريًا. فكلمة "آدم" في العبرية تعني إنسانًا. وكأن هوذا الإنسان معناها: هوذا آدم الذي خلقه الله ليكون ملكًا على الخليقة، صاحب سلطان، صار في بؤسٍ شديدٍ جلب اللعنة لنفسه كما للخليقة. هكذا احتل آدم الثاني، السيد المسيح، مركز آدم الأول ليجلب الحياة الملوكية السماوية لمن فقدوا حتى سلامهم الزمني، وعوض الموت الذي جلبه آدم الأول حلت الحياة الأبدية بآدم الثاني (1 كو 5: 22، 45).هذا ما نطق به بيلاطس دون أن يدرك معناه!
أمام هياج شرس لمبغضي يسوع أعلن بيلاطس براءته ليكون شاهدًا على ذلك عبر التاريخ، أما يسوع فلم ينطق ببنت شفةٍ. قال بيلاطس: "هوذا الإنسان" ولم يقل؛ "هوذا المذنب"، وكأنه يقول لهم إنه لا يزال في نظره منزهًا من أي ذنب يمكن أن يسنده إليه.
"فلما رآه رؤساء الكهنة والخدام صرخوا، قائلين: أصلبه، أصلبه. قال لهم بيلاطس: خذوه أنتم واصلبوه، لأني لست أجد فيه علة". (6)
كان يمكن للشعب بعد أن سمع بيلاطس يكرر تعليقه أنه لم يجد فيه علة واحدة، وقد نظروا جسمه تمزق بالجلدات، ورأسه وجبينه قد نُخسا بالأشواك، ووجهه تورم باللطمات، أن يطلبوا إطلاقه، لكن سرعان ما تحرك رئيس الكهنة وحراس الهيكل ليصرخوا قائلين: "أصلبه، أصلبه" (6). قد بلغ حسدهم وحقدهم عليه أقصى الحدود فلم يذعنوا لحكم بيلاطس، ولا تأسفوا لآلام السيد، بل حسبوه مستوجب الموت حتى وإن كان بريئًا. فسلامهم وسلام المدينة - كما ظنوا - يستوجب صلبه والخلاص منه.
لقد جاء رؤساء الكهنة وأتباعهم لهدفٍ واحدٍ، وهو تأكيد ضرورة صلبه، مهما كانت التكلفة. لم يصغوا لأية كلمة نطق بها بيلاطس، وإنما إذ لاحظوا رغبته الملحة في إطلاقه لأول مرة تظهر كلمة "أصلبه"، هذه التي نطق بها رؤساء الكهنة وخدام الهيكل. لقد افصحوا عما في قلوبهم.
للمرة الثالثة يعلن بيلاطس براءة السيد المسيح، طالبًا منهم: "خذوه أنتم واصلبوه لأني لست أجد فيه علة" (6). إنه يعلم تمامًا أنهم لن يستطيعوا أن يصلبوه، وإنما قال هذا ليوبخهم. وكأنه يقول لهم: "إن كان حقدكم عليه يدفعكم لصلبه، فلا تستخدموني أداة طيعة لهذا الحقد، فأرتكب شرًا ضد العدالة. ضميري غير مستريح! نفذوا شهوة حقدكم إن استطعتم!"
+ انظروا كيف قدم القاضي دفاعه بطرقٍ كثيرةٍ، مبرئًا إياه من الاتهامات الموجهة ضده. لكن ليس شيء من هذا كله جعلهم في خزي من تحقيق هدفهم... فإن القول: "خذوه أنتم واصلبوه" تعبير لشخصٍ يبرئ نفسه من ارتكاب جريمة، ويدفعهم لممارسة عمل غير مسموح لهم به. فقد احضروا (السيد) لكي يتم الأمر بقرار الحاكم، لكن حدث العكس، فإن الحاكم أبرأ السيد ولم يدنه بقرارٍ منه.
القديس يوحنا الذهبي الفم
"أجابه اليهود: لنا ناموس، وحسب ناموسنا يجب أن يموت، لأنه جعل نفسه ابن الله". (7)
إذ بطلت حجتهم أنه مقاوم لقيصر وللسلطات الرومانية، وأنه مثير للشغب قدموا اتهامًا آخر ليس من حق بيلاطس أن يتدخل فيه، وهو أنه مجدِّف ومقاوم للناموس اليهودي. هذا من اختصاص رئيس الكهنة ومجمع السنهدرين، وليس لبيلاطس ورجاله التدخل في الشئون الدينية الداخلية.
لقد جدف وادعى الألوهية، "لأنه جعل نفسه ابن الله". لقد أدركت القيادات الدينية خلال أحاديث السيد المسيح الكثيرة أنه عني بقوله "ابن الله" مساواته لله، لهذا اتهموه بالتجديف.
قدم المدَّعون صحيفة الاتهام، وهي أنه قد جدَّف فهو مستحق للموت (لا 24: 16). كانوا يفتخرون بالناموس حتى وهم يكسرون الناموس ويخطئون في حق الله. "الذي يفتخر بالناموس، أبتعدي الناموس نهين الله" (رو 2: 23). وهم يسيئون إلى الناموس ظنوا أنهم يكرمونه. لم ينصتوا للقول النبوي: "ويل للذين يقضون أقضية الباطل وللكتب الذين يسجلون جورًا" (إش 10: 1).
+ تأملوا الاتهام: "جعل نفسه ابن الله " (7). اخبروني، هل هذا أساس اتهام، أن الذي يمارس أعمال ابن الله يدعو نفسه ابن الله؟ ماذا إذن يفعل المسيح؟ بينما كانوا يواصلون هذا الحوار الواحد يلي الآخر واصل هو سلامه، متممًا قول النبي: "لم يفتح فاه، في تواضعه نزع حكمه" (إش 53: 7، 8 LXX).
القديس يوحنا الذهبي الفم
"فلما سمع بيلاطس هذا القول ازداد خوفًا". (8)
إذ سمع بيلاطس أن المتهم ليس فقط نسب لنفسه الملوكية وإنما الألوهية، اضطرب بالأكثر وخاف. صار الأمر بالنسبة له أكثر صعوبة. فقد كان يمكنه أن يقوم بدورٍ لتهدئة الشعب بالنسبة لنسبه الملوكية لنفسه، أما أن ينسب لنفسه الألوهية فليس في مقدرة بيلاطس أن يهدئ من روع الشعب. وفي نفس الوقت خشي بيلاطس من شخصية يسوع، إذ لم يكن ممكنًا التحقق منها. لقد تأكد من حقد القيادات الدينية عليه، لكن كيف يتأكد أنه بالحقيقة ابن الله. لقد خشي بيلاطس أن يكون مشتركًا معهم في الجريمة مقاومًا ابن الله المتأنس.
"فدخل أيضًا إلى دار الولاية، وقال ليسوع: من أين أنت؟ وأما يسوع فلم يعطه جوابًا". (9)
قدم بيلاطس سؤالاً للمتهم في داخل دار الولاية يكشف عما يدور في ذهن الوالي، وهو أن شخصية يسوع تمثل لغزًا. كأنه يسأله: "ما هو أصلك الخفي السرّي؟ من أنت؟ اخبرنيّ". إنه سؤال كثيرًا ما وُجِّه إلى شخص السيد، فقد سأله اليهود، "من تجعل نفسك؟" (يو 53:8). أما إجابته فهي أنه لن يعرفه إلا ذاك الذي هو معه في كل حين، من ذات جوهره، إذ يقول: "إن كنتُ أمجد نفسي، فليس مجدي شيئًا؛ أبي هو الذي يمجدني" (يو 54:8). لقد تحيّر اليهود إذ يعلن: "أبي هو الذي يمجدني، الذي تقولون أنتم أنه إلهكم، ولستم تعرفونه، وأما أنا فأعرفه" ( يو 54:8-55).
أمام حيرة بيلاطس وخوفه سأل السيد المسيح: "من أين أنت؟" (9). تحدث معه في دار الولاية في قاعة القضاء، بعيدًا عن ضجيج القيادات اليهودية والشعب.
أجاب يسوع على أسئلة بيلاطس السابقة، أما عن هذا السؤال "فلم يعطه جوابًا" (يو 9:19). لأن بيلاطس يطلب معلومات عنه من معطيات هذا العالم، بينما تتطلب الاجابة الخروج من العالم لإدراك ذاك الأزلي، فهو ليس بنبي مجرد بين الأنبياء ولا أحد المعلمين أو صانع عجائب وأشفية، لذا صمت.
لقد سبق فسأله: "أنت ملك اليهود؟" (18: 33)، "أفأنت إذن ملك؟" (18: 37). أجابه: "أنت تقول إني ملك". الآن لم يسأله: "من أنت؟" ولا "هل أنت ابن الله؟" إنما سأله بطريق غير مباشر: "من أين أنت؟" (9) هل أنت من البشر أم قادم من السماء؟ من أسفل أم من فوق؟ كان بيلاطس يعلم موطن السيد المسيح كابن بشر، إنما كان يسأله ليتأكد هل هو أعظم من البشر أم لا. لم يكن ممكنًا أن يقدم السؤال مباشرة لئلا يُتهم بأنه يتدخل في المعتقدات الدينية التي تحكم فيها القيادات اليهودية وحدها.
صمت السيد المسيح ليس عن عجز، ولا عن عدم اكتراث بخلاص بيلاطس، وإنما ليعطي بيلاطس فرصة للتفكير المتزن، لأنه سبق فأجاب على سؤاله بقوله: "مملكتي ليست من هذا العالم" (يو 18: 26)، كما أوضح له من أين هو خلال الحوار التالي.
بروح النبوة دُهش إشعياء لصمت السيد المسيح، فتحدث عنه في أكثر من موضع: "لا يصيح ولا يرفع ولا يسمع في الشارع صوته" (إش 42: 3)، "ظُلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه، كشاهٍ تُساق إلى الذبح، وكنعجةٍ صامتةٍ أمام جازيها فلم يفتح فاه" (إش 53: 7).
+ خاف بيلاطس إذ سمع من اليهود أن السيد المسيح "جعل نفسه ابن الله" (7)، وارتاع لئلا يكون ما قالوه صدقًا، ويظن أنه يتجاوز الناموس، فلهذا السبب لم يسأله أيضًا: ماذا عملت، لكن إذ زعزعه خوفه صار يفحصه من جهة شخصه، إذ قال: "من أين أنت؟" إلا أن السيد المسيح لم يعطه جوابًا، لأن قد سمع: "مملكتي ليست من هذا العالم" (يو 18: 36) و"لهذا وُلدت ولهذا قد أتيت إلى العالم لأشهد للحق" (يو 18: 37)، فقد وجب عليه ألا يعاند ما سمعه.
+ وقال يوحنا الرسول: "وأما يسوع فلم يعطه جوابًا"، فإذ صمت السيد المسيح عن جواب بيلاطس أوضح أنه جاء إلى التألم طائعًا.
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ كان يجتاز ماثلاً للقضاء دون أن يفتح فاه، ليس في سمة حملٍ فعل هذا بضمير شريرٍ مقتنعٍ بخطاياه، وإنما منْ هو في وداعته يقدم نفسه ذبيحة عن خطايا الآخرين.
القديس أغسطينوس
"فقال له بيلاطس: أما تكلمني؟ ألست تعلم إن لي سلطانًا أن أصلبك، وسلطانًا أن أطلقك؟" (10)
في اعتزاز بالسلطة ثار بيلاطس لرفض السيد المسيح أن يجيبه على سؤاله. لذلك قال له: "أما تكلمني؟ ألست تعلم أن لي سلطانًا أن أصلبك وسلطانًا أن أطلقك؟" بالغ بيلاطس في نظرته لسلطانه، إذ ظن في نفسه إنه سيد الموقف؛ ولم يدرك أنه من جانب ليس من حقه أن يصلب من كان بريئًا، ولا أن يطلق من يستحق الصلب حسب القانون الروماني، ومن جانب آخر نسي أنه يوجد إله ضابط الكل، وأنه لا يحدث أمر ما بدون سماح منه.
رأينا أن صمته لم يكن رفضًا من جانب ربنا يسوع عن الإجابة، لكنه قائم على عجز بيلاطس عن إدراك الحقيقة، لهذا إذ ظن بيلاطس أن له سلطان أن يصلبه أو أن يطلقه (10) أجابه يسوع معترفًا بما لبيلاطس من سلطان في حدود ما سُمح له به من فوق.
+ أرأيت كيف أن بيلاطس قد أوجب الحكم على نفسه مقدمًا، لأنه إن كان الحل والربط كله عنده، فلِم لم يطلقه إذ لم يجد فيه علة واحدة؟
القديس يوحنا الذهبي الفم
"أجاب يسوع: لم يكن لك عليّ سلطان البتة لو لم تكن قد أعطيت من فوق، لذلك الذي أسلمني إليك له خطية أعظم". (11)
ربما توقع بيلاطس أنه بهذا يفتح المجال ليسوع المسيح كي يتحدث معه لعله يطلقه، لكن السيد وبخه على كبريائه وافتخاره بالسلطة فوق العدالة مع تجاهل دور الله ضابط الكل. جاوبه السيد المسيح لكي ينزع عنه هذه الحماقة. وكما يقول الحكيم: "جاوب الجاهل حسب حماقته، لئلا يكون حكيمًا في عيني نفسه" (أم 26: 5). حين استخدم بيلاطس سلطانه وجلده ظلمًا صمت ربنا يسوع، لكنه حين أعلن في كبرياء عن هذا السلطان وبخه، حتى يدرك بيلاطس حقيقة حجمه. لقد نسي بيلاطس: "لأن فوق العالي عاليًا يُلاحظ، والأعلى فوقهما" (جا 5: 8). هذه هي آخر كلمات نطق بها السيد المسيح مع بيلاطس في هذا السفر. لقد طالبه أن يدرك أن كل سلطانٍ أرضيٍ يتمتع به الشخص بناء على سماح الهي، يصدر من فوق، من السماء، وليس مستمدًا من روما. صاحب السلطان الحقيقي على كل شئون البشر هو الله، لا الإمبراطور أو من يعينهم حكامًا وولاة.
لم يمر بيلاطس بلحظات مثل هذه حين وجد نفسه يحاكم شخصًا يتطلع إليه كثيرون أنه ابن الله وملك إسرائيل. فقد صار مصير هذا الإنسان بين يديه، لهذا أراد السيد المسيح أن يكشف له أنه إنما هو أداة في يد الله، ما كان يمكنه أن يفعل شيئًا بدون سماح السماء (أع 4: 27-28). مع هذا قدم له السيد المسيح شيئًا من العذر إن قورنت خطيته بخطية الذين سلموه له. هذا لن يبرر بيلاطس ولا يعفيه من المسئولية. مسئولية مسلميه الذين قرأوا العهد القديم وسمعوا عن النبوات التي تحققت فيه بجانب ما رأوه من معجزات لا حصر لها وما حمله من سلطان إلهي. هذا كله جعل خطيتهم أعظم من خطية بيلاطس.
يرى البعض أن السيد المسيح هنا يشير إلى يهوذا التلميذ الخائن الذي سلمه. لكن واضح أنه لا يقصد من أسلمه "يهوذا" وحده، لكنه يعني الأمة اليهودية كلها ورؤساء الكهنة، وكما قال بيلاطس قبلاً: "أُمتك ورؤساء الكهنة أسلموك إليّ" (يـو 35:18). حقًا لم يجد بيلاطس في يسوع المسيح علة تستوجب الموت، أما يهوذا فكان تلميذًا وصديقًا نال الكثير من البركات والإمكانيات للعمل لحساب الملكوت السماوي. انحرف بيلاطس عن العدالة، لكنه لم يأخذ رشوة كيهوذا. أخطأ بيلاطس في عدم ثباته لإطلاق البريء، لكنه لم يحمل روح الحسد والحقد والضغينة التي اتسمت بها القيادات اليهودية ضد يسوع المسيح.
ماذا يعني بالخطيئة هنا؟ في نظر الإنجيلي يوحنا هي "عدم معرفة" اللَّه في استعلانه في يسوع المسيح.
+ لقد حطم السيد كبرياء (بيلاطس) وتشامخه، إذ قال: "لم يكن لك عليّ سلطان البتة لو لم تكن قد أعطيت من فوق"، موضحًا أن هذا الحادث ليس على بسيط ذاته مثل حوادث كثيرة، لكنه يتم بطريقة سرية.
+ وإذا سمعت قول السيد المسيح لبيلاطس: "لو لم تكن قد أعطيت من فوق" لا تظن أن بيلاطس بريء من كل زلة، لذلك قال: "الذي أسلمني إليك له خطية أعظم"، موضحًا أن بيلاطس مُطالب بخطية.
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ عندما لم يجب كان صامتًا كحملٍ، وعندما أجاب علمنا كراعٍ. لذلك ليتنا نتعلم مما قاله، كما علمنا أيضًا برسوله: "ليس سلطان إلا من الله" (رو 13:1). وأن من يسلم للسلطان بريئًا لكي يُقتل لهو خاطئ أكثر من صاحب السلطان نفسه إن قتله خوفًا من سلطانٍ أعظم منه.
القديس أغسطينوس
"من هذا الوقت كان بيلاطس يطلب أن يطلقه، ولكن اليهود كانوا يصرخون قائلين: إن أطلقت هذا فلست محبًا لقيصر، كل من يجعل نفسه ملكًا يقاوم قيصر". (12)
حديث السيد المسيح لم يثر بيلاطس ضده للدفاع عن سلطانه، بل على العكس صار أكثر حماسًا وغيرة على تبرئته وإطلاقه. هذا واضح من ثورة اليهود وصراخهم ليحولوا الاتهام ضد بيلاطس نفسه كمن هو ليس محبًا لقيصر، وكمتهاونٍ مع من يقاومه، وكمن لا يصلح أن يحتل هذا المركز ويمارس واجباته.
وجد الخصوم وسيلة لزيادة الضغط على بيلاطس بتوجيه تهمة التهاون مع من يزرع الفتنة والتمرد. فمع حرص الشرع الروماني على احترام حقوق الشعوب المستعمرة وعاداتهم عند ممارستها في إطار جماعتهم، إلا أنه كان قاسيًا عديم الشفقة في قمع التمرد والعصيان. بهذا قد يلحق بيلاطس الأذى إذا ما أصرت الجماهير على الشكاية عليه لتهاونه في هذا الاتهام.
خشي بيلاطس من الوشاية لدى طيباريوس قيصر ضده، فقد عُرف أنه من أكثر الأباطرة انفعالاً. سمع لوشايات ضد كثيرين، وكان لا يثق فيمن يخدمونه. كان بيلاطس مستعدًا أن يطلق يسوع، ولكنه لم يكن مستعدًا أن يواجه اتهامًا بأنه فشل في مهمته كصديقٍ لقيصر، ويدخل في متاعب مع روما مهما كانت التكلفة.
+ لما أراد اليهود أن يجدوا في الشريعة علة على السيد المسيح فلم تنفعهم، انقلبوا بمكرهم إلى الشرائع التي هي خارج شريعتهم، إذ قالوا: "كل من يجعل نفسه ملكًا يقاوم قيصر". وأنا أسأل اليهود: وأين ظهر السيد المسيح عاصيًا مغتصبًا؟ من أين يجوز لكم اتهامه بذلك؟ أرجو أن توضحوا هذا؟ أمن تاجه؟ أم من شكله؟ أم من جنده؟ أم من مشيه مع تلاميذه الاثني عشر، مستخدمًا البساطة في الطعام والثوب والمبيت؟
القديس يوحنا الذهبي الفم
"فلما سمع بيلاطس هذا القول أخرج يسوع، وجلس على كرسي الولاية، في موضع يقال له البلاط، وبالعبرانية جباثا". (13)
البلاط هنا أشبه برصيف حجري غالبًا في هواء طلق، حيث كان يوجد فيه كرسي العدالة للقضاء خاص بالولاة والحكام ليحكموا من خلاله. كان الموضع مرصوفًا بحجارةٍ ملونة ورخامٍ أزرق وأبيض وأسود.
كان الموضع يُدعى بالعبرانية "جباثا"، مشتقة من "جابا"، معناها "مرتفع" أو "عالٍ"، حيث كان موضع الحكم غالبًا ما يكون مرتفعًا في دار القضاء حتى يمكن للكل أن يروا القاضي أو الحاكم ويتابعوا الحوار، ويسمعوا الحكم. كان القاضي يصعد عليه بواسطة درجات رخامية، ولعل هذه الدرجات هي التي كانت تُدعى "البلاط". ويرى البعض أن كلمة "جباثا" تعني مكانًا مغلقًا، إذ كان محاطًا بسورٍ حتى لا يقتحمه أحد من الحاضرين لإساءة التصرف مع المتهمين أثناء محاكمتهم. ويرى البعض أن هذا الموضع كان مخصصًا لمحاكمة المجرمين خاصة في الأمور الخطيرة التي تمس كيان الدولة.
بات إصدار الحكم قريبًا، لأن الوالي يجلس على كرسي الولاية الرسمي curule، وهو كرسي من العاج خاص بالقضاة الرومانيين وما يمثلونه.
"وكان استعداد الفصح، ونحو الساعة السادسة، فقال لليهود: هوذا ملككم". (14)
بعد عرضه لمكان المحاكمة عرض الإنجيلي أيضًا التوقيت فكان وقت الاستعداد للفصح نحو الساعة السادسة أي ظهرًا. كانت أيام عيد الفطير (لو 23: 54)، وكان اليهود يستعدون لسبت الفصح. جاء التوقيت يضخم من ذنب صالبيه، إذ لم ينتظروا عبور العيد، مما يكشف عن مرارة حقدهم واندفاعهم وتسرعهم. لقد نزعوا الخمير القديم من كل بيت، لكنهم لم ينزعوا أعمال الإنسان القديم من قلوبهم وأفكارهم وسلوكهم.
كان ذلك ما بين الساعة الثالثة والساعة السادسة، إذ رُفع على الصليب في تمام الساعة السادسة.
تحدث الإنجيلي مرقس (15: 25) عن صلب السيد المسيح في وقت الساعة الثالثة حيث حسب الجلد منذ بدأ جلد السيد، أما الإنجيلي يوحنا فحسبه وقت الساعة السادسة حيث بدأ رفعه على الصليب.
يرى البعض أن الساعة السادسة هنا حسب التوقيت الروماني حيث يبدأ اليوم الجديد من منتصف الليل وليس كالتوقيت اليهودي الذي استخدمه الإنجيليون الآخرون، حيث يبدأ اليوم من الغروب إلى الغروب، أي السادسة صباحًا حيث كاد أن يصدر الحكم وتبدأ الإجراءات الفعلية للصلب. وفي بعض المخطوطات وبعض نصوص الآباء جاءت "نحو الساعة الثالثة" وليس "السادسة".
إذ اتجه اليهود إلى اتهام بيلاطس نفسه في غضب سخر بهم قائلاً لهم: "هوذا ملككم" (14). وكأنه يقول لهم: "إن كنتم بكل طاقتكم تريدون صلبه، فأنتم تسيئون إلى أنفسكم، إنه ملككم". لعله بهذا يلقي بآخر سهم لإنقاذ يسوع المسيح من الصلب!
+ أسلم بيلاطس السيد المسيح إلى اليهود، ظانًا أنه يستعطفهم، والدليل على أنه عمل هذا العمل على هذا القصد اسمع ما قاله لهم: "هوذا ملككم".
القديس يوحنا الذهبي الفم
في سخرية باليهود أعلن بيلاطس: "هوذا ملككم"، ولعله إلي هذه اللحظات كان السيد مكللاً بإكليل الشوك ومرتديًا ثوبًا أرجوانيًا أو قرمزيًا قديمًا. لم يدرك بيلاطس أنه بالحقيقة ليس فقط ملك اليهود، بل ملك العالم كله الذي فيه تحققت النبوات بكونه مسيح الرب. قديما رفض جدعون إقامته ملكًا على إسرائيل متطلعًا إلى الرب نفسه بكونه الملك الحقيقي (قض 8: 23). وعندما أراد الشعب أن يقيم لهم صموئيل النبي ملكًا كسائر الأمم، أعلن له الله أنهم لم يرفضوا صموئيل، بل رفضوه هو نفسه كملكٍ عليهم (1 صم 8: 5 ،7). وكان رجال العهد القديم يترقبون تحقيق الوعد الإلهي: "أنت ابني وأنا اليوم ولدتك. اسألني فأعطيك الأمم ميراثًا لك، وسلطانك إلى أقطار الأرض، لترعاهم بقضيب من حديد." (مز 2: 7-9)
كان يليق ببيلاطس أن يعلن لكل العالم: "هوذا ملككم الذي يرعى النفوس ويقيمها في مملكته السماوية الأبدية".
جاء السيد المسيح، حمل الله، لكي يرفع الخطية عن العالم (1: 29). إنه محب للبشرية لكنه لا يطيق رؤية خطاياهم. إنه يرفع خطاياهم ليتقدموا في حضرة الآب حاملين برَّه. أما هنا فنجد الإنسان لا يطيق مخلصه، يريد أن يرفعه عن عينيه حتى لا يراه. لا يحتمل الشرير حب الله، ولا يقدر حتى على معاينته!
"فصرخوا: خذه، خذه! أصلبه! قال لهم بيلاطس: أأصلب ملككم؟ أجاب رؤساء الكهنة: ليس لنا ملك إلا قيصر". (15)
ازدادت الصرخات بأنهم لا يطيقون رؤيته "خذه، خذه" (15)، فقد رفضوا نسبتهم إليه، أو انتسابه إليهم، ليس لهم ملك إلا قيصر. تطلع إليهم إشعياء النبي فقال عنه: "مكروه الأمة" (إش 49: 7)، كما قال: "لا صورة له ولا جمال فننظر إليه، ولا منظر فنشتهيه، محتقر ومخذول من الناس، ورجل أوجاع ومختبر الحزن، وكمُستر عنه وجوهنا، محتقر فلم نعتد به" (إش 53: 2-3).
كان الحكم بالإعدام صلبًا معروفًا قديمًا في الإمبراطورية الرومانية وخارجها. وكان العالم القديم يتطلع إلي الصلب كأبشع أنواع الموت، إذ يمثل عارًا وخزيًا. وكان الكتاب القدامي يحجمون عن الكتابة عن الصلب في شيء من التفصيل. قال شيشرون أن الصلب "أقسى أنواع العقوبات وإثارة للاشمئزاز". وتحدث عنه يوسيفوس بأنه "أدنى أنواع الموت". وتحدث الفيلسوف الروماني سينيكا عن الصلب كموت بطيء ومؤلم للغاية، متسائلاً إن كان يوجد شخص يود أن يموت بإرادته بهذه الوسيلة: "هل يمكن وجود شخص يفضل أن يضيع وقته في ألم بموت عضوٍ يلي عضوًا، أو بترك حياته تنتهي نقطة فنقطة عوض أن يسلم النفس مرة واحدة؟ هل يمكن أن يوجد إنسان يرغب في تثبيته على خشبة اللعنة، يلتصق بها إلى مدة طويلة وقد تشوه شكله، انتفخ جسمه بحُبُر (آثار الجراحات) على كتفيه وصدره، يتنسم الحياة وسط آلام مريرة ممتدة؟ حقا إنه يجد مبررات كثيرة لكي يفضل الموت قبل أن يرتفع على الصليب".
كان يندر جدًا الحكم بالصلب على مواطنٍ روماني، إنما كانت هذه العقوبة تُستخدم لضبط العبيد حتى لا يفكروا في الثورة، ويبقوا في مذلة وضعهم مهما كانت متاعبهم.
أمام ثورتهم ضد السيد المسيح لم تعد لهم رغبة في الحرية ولا قيمة للخلاص، كل ما يترجوه هو الخلاص من شخصه، حتى وإن صاروا عبيدًا لقيصر. لقد فقدوا إحساسهم بأنهم تحت الاستعمار الروماني. حقًا كان اليهود - خاصة القيادات - يكرهون قيصر ولا يطيقون من ينتدبهم حكامًا أو ملوكًا عليهم، لكن أمام بغضهم لشخص السيد المسيح حسبوا الولاء لقيصر والاستعباد له أفضل. كانوا مستعدين للخضوع لأي طاغية من قبل قيصر، يطيعون أوامره برضا إن كان في هذا خلاصًا من شخص السيد المسيح.
جواب رؤساء الكهنة فيه تخوِّف من جهة تهديد مؤسستهم الكهنوتية بالزوال. إنهم يقبلون قيصر ملكًا وحيدًا عليهم متناسين ملكوت اللَّه.
+ تطلع باهتمام إلى الرب وهو يُحاكم، فقد سمح لنفسه أن يقوده الجنود. جلس بيلاطس في الحكم. الذي يجلس عن يمين الآب يقف ليُحاكم! الشعب الذي عتقه من أرض مصر... يصرخ: "خذه! أصلبه!"
لماذا أيها اليهود؟ هل لأنه شفى عميانكم؟ أم لأنه جعل العرج منكم يمشون؟ ووهب البركات للآخرين؟! يدهش النبي فيقول: "على من تفغرون الفم وتدلعون اللسان؟" (إش 4:57) ويقول الرب نفسه في الأنبياء: "صار لي ميراثي كأسد في الوعر. نطق عليّ بصوته. من أجل ذلك أبغضته" (إر 8:12). لم أرفضهم لكنهم رفضوني، لهذا أقول: "قد تركت بيتي" (إر 7:12).
القديس كيرلس الأورشليمي
+ ضغطوا عليه، قائلين: "أصلبه". ولماذا كانوا يجاهدون كي يقتلوه بهذه الوسيلة؟ إنه موت شائن! لقد خشوا لئلا يكون له فيما بعد أي ذكرى، فأرادوا أن يسقطوا عليه عقوبة لعينة، وهم لا يدرون إن الحق يتمجد خلال العوائق. لتأكيد إن هذا الشك كان لديهم اصغوا إلي ما قالوه: "سمعنا أن هذا المضل قال بعد ثلاثة أيام أقوم" (مت 27:63). لهذا قاموا بإثارة الكل ليقلبوا الأوضاع ويحطموا الأمور فيما بعد. وقد فسد الشعب المشوش بواسطة حكامه، وصرخوا مكررين: "أصلبه!"
+ "ليس لنا ملك إلا قيصر". بإرادتهم اخضعوا أنفسهم للعقوبة. لذلك سلمهم الله، إذ وهم أولاد طردوا أنفسهم عن عنايته وإشرافه الفائق. وحيث أنهم بصوتٍ واحدٍ مجدوا سلطانه سمح لهم بالسقوط حسب طلبتهم.
+ هنا انحدروا عن مملكة المسيح، ودعوا لأنفسهم مملكة قيصر.
القديس يوحنا الذهبي الفم
2. الحكم بالصلب
"فحينئذ أسلمه إليهم ليصلب، فأخذوا يسوع ومضوا به". (16)
إذ لم تكن فيه مخافة الله بل مخافة البشر وقَّع بيلاطس على الحكم بصلبه، وسلمه للقائمين بالتنفيذ. ذاك الذي شهد مرارًا وتكرارًا ببراءته أخيرًا أصدر الحكم عليه كمجرمٍ. لقد غسل يديه (مت 27: 24)، ليعلن أنه برئ من هذا الحكم، لكن غسل يديه لن يبرئه أمام الله.
انطلقت القيادات اليهودية مع منفذي الحكم كي يكسبوا الوقت، فقد خشوا تراجع بيلاطس في الحكم، إذ رأوه بين الحين والآخر يعلن براءته. ومن جانبٍ آخر حتى لا يجد الشعب فرصة لمراجعة أنفسهم، وتذكر أعمال السيد المسيح العجيبة مع شهادة بيلاطس بنطس ببراءته، فتسير الأمور على خلاف هواهم. هكذا يثير عدو الخير تابعيه لانتهاز كل فرصة للإسراع بقتل الإيمان بالسيد المسيح في حياة كل مؤمن حتى لا يتمتع به.
في نظرهم شعر القادة أن خطتهم قد نجحت، وسقطت الفريسة في شبكتهم. فانطلقوا بالحمل إلى الذبح، ولم يدركوا أن ما يحدث سبق فتنبأ به الأنبياء، بكونه خطة الله الخلاصية.
+ إذ سمع بيلاطس هذه الأمور سلمه ليُصلب؛ قطعًا بلا تعقل! كان يجب أن يتحقق إن كان المسيح قد هدف نحو نوال سلطة ملوكية، لكنه نطق بالحكم خلال الخوف وحده. ولكي لا يحدث هذا قال المسيح مقدمًا: "مملكتي ليست من هذا العالم"، ولكن إذ أسلم بيلاطس نفسه بالكامل للأمور الزمنية لم يمارس الحكمة كما يلزم. كان يكفي لحلم زوجته أن يرعبه، لكن شيئًا من هذا كله لم يجعله يتصرف حسنًا؛ إذ لم يتطلع إلى السماء بل سلَّم المسيح.
الآن وضعوا عليه الصليب كفاعل شرٍ. لقد أبغضوا الخشبة ولم يقبلوا حتى أن يلمسوها. هذا هو حال ما كان رمزًا حيث حمل اسحق الخشب. لكن الأمر كان وقتئذ متوقفًا على إرادة أبيه، لأنه كان رمزًا، أما هنا فقد تمت الحقيقة عمليًا.
القديس يوحنا الذهبي الفم
"فخرج وهو حامل صليبه إلى الموضع الذي يقال له موضع الجمجمة، ويقال له بالعبرانية جلجثة". (17)
كجزء من آلامه حمل الصليب حرفيًا. الجسم النحيف الرقيق حمل خشبة الصليب بكل ثقلها، حملها وحده أولاً. وإذ لم يستطع بسبب ضعف الجسد مع الجلدات التي عانى منها وجراحات إكليل الشوك واللطم، عاونه سمعان القيرواني في حمله (مت 27: 32). وكما حمل اسحق حطب المحرقة وهو في طريقه ليُقدم محرقة، هكذا حمل المسيح خشبة الصليب. وكما يقول النبي: "وُضع عليه إثم جميعنا" (إش 53: 6). ويقول القديس بطرس: "الذي حمل هو نفسه خطايانا في جسده على الخشبة لكي نموت عن الخطايا فنحيا للبرّ" (1بط 2: 24).
جاءوا به إلى موضع التنفيذ خارج المدينة يدعى الجلجثة. أشار العلامة أوريجينوس إلي تقليد بأنه في هذا الموضع دُفن آدم. هنا حيث غلب الموت آدم الأول وحوله إلى تراب، مات المسيح - آدم الثاني - لكي يقتل الموت، ويرد الحياة لآدم وبنيه. كان هذا الموضع على جبل المُريا حيث قدم إبراهيم ابنه اسحق ذبيحة محرقة، لكن الله أرسل كبشًا يُقدم عوضًا عن اسحق. يرى البعض أن السيد المسيح قد صُلب على تلٍ يحمل شكل الجمجمة.
+ يقول البعض أن آدم مات ورقد هناك، وأن يسوع قدم النصرة في نفس الموضع الذي ملك فيه الموت، إذ ذهب حاملاً الصليب كغالبٍ على طغيان الموت. كان كتفاه رمزًا للنصرة. ماذا يهم إن كان اليهود قد فعلوا ذلك بنية مغايرة.
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ تألم بآلامنا حتى قَبِل آلام الصليب، قَبِِل أن يأخذ جسدنا. لو لم يتألم لما شاركنا حياتنا البشرية. أولاً تألم، وبعد ذلك نزل. ولكن ما هذا الألم الذي احتمله لأجلنا؟ إنها آلام الحب!
العلامة أوريجينوس
"حيث صلبوه، وصلبوا اثنين آخرين معه من هنا ومن هنا، ويسوع في الوسط". (18)
صُلب معه اثنان آخران واحد عن يمينه، والآخر عن يساره. ربما لم يكن ذلك الوقت هو موعد صلبهما، لكن رؤساء الكهنة أصروا على ذلك كنوعٍ من الإهانة أنه مصلوب بين مجرمين. ولعله لهذا السبب كان اللصان يعيرانه ويسيئان إليه، لأن بصلبه عجل بحياتهما ليُصلبا معه. لم يطلب رئيس الكهنة صلب تلميذين حوله لئلا يُحسب ذلك كرامة أن جميعهم صلبوا من أجل الحق، وأن تلميذيه شاركا آلامه، بل أصر أن يُصلب مجرمان، يحتمل أن يكونا من فرقة باراباس اللص.
أراد قادة اليهود أن يعلنوا أنه أشر الثلاثة لأنه صلب في الوسط، ولم يدركوا أنه بذلك تحققت النبوة أنه أحصى مع آثمة.
+ وإن قلت: فما غرض اليهود إنهم "صلبوه، وصلبوا اثنين آخرين معه"؟ أجبتك: إنهم في هذا الفعل أتموا النبوة كارهين، لأن هذا الفعل قد تقدم إشعياء النبي فذكره منذ قديم الزمان فقال "وجعل مع الأشرار قبره ومع غني عند موته" (إش 9:53). أراد إبليس أن يضع حجابًا يخفي ما قد حدث، لكنه كان عاجزًا. فإن الثلاثة قد صُلبوا، لكن يسوع وحده كان مجيدًا، حتى تدركوا أن سلطانه فوق الكل.
تمت معجزات عندما سُمر الثلاثة على الصليب، لكنه لم ينسب أحد شيئًا من المعجزات لأحد الاثنين، وإنما ليسوع وحده. لقد بطلت خطة إبليس تمامًا، وارتدت على رأسه، إذ خلص أحد الاثنين. إنه لم يهن مجد الصليب بل ساهم في مجده ليس بقليلٍ. فإن تجديد لص على الصليب والدخول به إلى الفردوس ليس بأقل من اهتزاز الصخور.
القديس يوحنا الذهبي الفم
3. عنوان علته
"وكتب بيلاطس عنوانًا، ووضعه على الصليب، وكان مكتوبًا: يسوع الناصري ملك اليهود". (19)
ما قد كُتب على الصليب دعاه يوحنا "عنوانًا" أو "لقبًا "titlos، ودعاه متى "علته" أو "الاتهام accusation - citiei"، ودعاه مرقس ولوقا "نقشًا apigraphe".
اهتم الإنجيلي يوحنا بالكشف عن إبراز الصليب في حياة يسوع المسيح. ففي الاصحاح الثالث، في لقاء يسوع الليلي مع نيقوديموس قال السيد: "وكما رفع موسى الحيَّة في البرية، هكذا ينبغي أن يُرفع ابن البشر" (يو 14:3). مرة أخرى في حديث السيد مع اليهود قال: "متى رفعتم ابن الإنسان فحينئذ تفهمون إني أنا هو" (يو 28:8). وفي حديثه مع بعض اليونانيين يقول: "وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إليّ الصليب.
يرفع الإنجيلي أذهاننا لنراه يكشف عن الرفع أو السمو في المجد الذي صار لنا خلال المصلوب. فيه نرى مسيحنا ممجدًا في أبيه ومعه، حيث صار لنا حق الانطلاق نحو حضن الآب. جوهر الصليب أن يرتفع عن الأرض ليجتذب الجميع إليه، فيعيشوا على مستوى أرفع وأسمى من الأرض.
يرى الرسول بولس أن محبة اللَّه ترتسم على البشرية بشكل الصليب، إذ يتحدث عن العرض والطول والعمق والعلو لحب اللَّه (أف 18:3). كأن أبعاد الصليب هي التعرف على سرّ الحب الإلهي.
في التقليد الشرقي يُحتفل بالصليب كشخصٍ حيّ، فيرونه يسوع المصلوب. يطلب العلويات، يفصل بين الظلمة والنور، وبين المعرفة والجهل. لذا صار للدينونة، يميز بين من يشتهي النور الأبدي ومن يستطيب الانطلاق في الظلمة.
الصليب هو ارتفاع إلى ما وراء هذا العالم، وانفتاح على العالم الآخر حتى تُستعاد الشركة وتُضاء المعرفة، فيتسنّى للإنسان الذي جاء إليه اللَّه أن يتجه بدوره إلى اللَّه، بل وأن يدخل حياته.
استخدام الكلمتين "فوق" و"أسفل" أمر حيوي في إنجيل يوحنا الذي يكشف عن شخص المصلوب وعمله. فإن كان الإنجيلي قد أغفل العشاء السرّي إلا أنه أسهب في عرض حديث السيد المسيح عن سرّ الشكر، مؤكدًا أنه الخبز النازل من السماء (أي فوق) (يو 22:6-40). وفي حديثه عن المعمودية وهي تغطيس يسحب قلوبنا إلى الولادة من فوق لنعاين عبر الصليب أعماق حب اللَّه أبينا (يو 8:3).
في اختصار، بالصليب نتحقق أننا وإن كنا في العالم لكننا لسنا من العالم (يو6:7، 14، 16، 18)، بل من فوق. نصير شركاء المسيح القائم من الأموات الذي لم تعرفه المجدلية حتى ناداها باسمها، وظنت أنه غريب. وأيضًا التلميذان الذاهبان إلى عمواس اللذان رافقا السيد المسيح الطريق ظنّاه هكذا غريبًا.
+ المسيح هو ملك اليهود، لكن اليهود بختان القلب في الروح وليس الختان بالحرف؛ الذين مدحهم ليس من الناس بل من الله (رو 2: 29)، الذين ينتمون لأورشليم الحرة، أمنا الأبدية في السماء، سارة الروحية التي طردت الجارية وأولادها من بيت الحرية (غلا 4: 22-31). لذلك ما قد كتبه بيلاطس كتبه، لأن الرب قال ما قاله.
القديس أغسطينوس
+ جمع بيلاطس بذلك غرضين هما: انتقامه من اليهود، واعتذاره للسيد المسيح، لأنهم لما أنزلوا السيد المسيح بمنزلة رديئة، وأرادوا أن يحققوا ذلك بمشاركته اللصين على الصليب أطبق أفواههم وأفواه جميع الذين يريدون أن يلوموا السيد المسيح، وأوضح أنهم إنما ثاروا على ملكهم.
هذا عن انتقامه من اليهود، أما عن اعتذاره للسيد المسيح فكما يوضع على قاهر غالب علامته، كذلك وضع القاضي الكتابة في اللوح، مبديًا صوتًا بهيًا، موضحًا ظفره مُشيدًا بمملكته، وإن لم يكن بإشارة كاملة.
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ شهد أعداء الرب يسوع المسيح أنه هو الملك، ملك إسرائيل، حيث كتبوا فوق رأسه على الصليب "هذا هو يسوع ملك اليهود" (مت 27:37). ونحن نقبل هذه الشهادة حتى ولو يًفهم منها أنها تُضعف شمول قوته وتحّد من ألوهيته على الإسرائيليين. يحمل العنوان المكتوب على الصليب شهادة بألوهية المسيح، ليس على اليهود فقط، بل على جميع الناس. هو ملك على كل الأرض، ويحكم على كل أجزائها.
القديس غريغوريوس النيسي
"فقرأ هذا العنوان كثيرون من اليهود، لأن المكان الذي صُلب فيه يسوع كان قريبًا من المدينة، وكان مكتوبًا بالعبرانية واليونانية واللاتينية". (20)
سُجل هذا العنوان بالثلاث لغات الرئيسية في ذلك الحين: العبرية لغة الناموس، واليونانية لغة الفلاسفة، واللاتينية لغة الحكام، فقد صُلب السيد ليملك على الجميع.
+ حتى في صلب السيد المسيح حسده رؤساء كهنة اليهود، وأنا أخاطبهم: إن هذا العنوان ما سبب لكم ضررًا، لأنه إن كان السيد المسيح ميتًا ضعيفًا وقد أزمع أن يُنزع ذكره، فلماذا خوفكم هذا من ألفاظ الكتابة القائلة: "يسوع الناصري ملك اليهود"؟ (19)
القديس يوحنا الذهبي الفم
"فقال رؤساء كهنة اليهود لبيلاطس: لا تكتب ملك اليهود، بل أن ذاك قال: أنا ملك اليهود". (21)
لم يشفِ الصليب غليل المتهمين، فراحوا يضغطون على بيلاطس أن يأمر بتغيير العنوان: "ذاك قال أنا ملك اليهود" (21). لكن بيلاطس رفض الخضوع لطلبهم، فقد سقط تحت ضغوط كثيرة من فريق رؤساء الكهنة، ولم يعد يحتمل ضغطا آخر. أرادوا إبراز انه مغتصب للكرامة والسلطة، وأنهم هو مخلصون لقيصر وفي ولاءٍ له، مع أنهم كانوا في مذلة الاستعمار، وكانوا في داخلهم يطلبون ملكًا يهوديًا له كامل السلطات. لم يدركوا أن رئيسهم يجب أن يُقطع (دا 9: 26).
"أجاب بيلاطس: ما كتبت قد كتبت". (22)
كانت القوانين الرومانية تمنع تغيير منطوق الحكم متى نُطق به. يبدو أن بيلاطس قد تنبأ بغير إرادته، أنه هذا هو المسيا الملك الذي لن يملك آخر غيره على القلوب. وردت هذه النبوة في مزمور 22: 18 حوالي 1000 عام قبل الصلب.
4. توزيع ثيابه
"ثم أن العسكر لما كانوا قد صلبوا يسوع، أخذوا ثيابه، وجعلوها أربعة أقسام لكل عسكري قسمًا، وأخذوا القميص أيضًا، وكان القميص بغير خياطة منسوجًا كله من فوق". (23)
إذ حمل خطايانا لم يستنكف من أن يُعرى على الصليب لنرى عرينا، ونطلب أن نلبس السيد المسيح، إذ هو برنّا.
وُجدت عادة قديمة في العالم كله تقريبًا، بموجبها تعود مقتنيات المحكوم عليهم بالإعدام إلى الجلادين وغالبًا للذين ينفذون الحكم. يقدم لنا القديس يوحنا الإنجيلي تركة السيد المسيح التي تبدو هزيلة للغاية، وهي ثيابه بعد أن عرّوه ليُصلب، كانت ملقاة على الأرض، اقتسمها الجنود الأربعة الذين نفذوا الحكم، وبقي القميص الذي بغير خياطة. وهو منسوج كله من فوق، ألقوا عليه قرعة حتى لا يشقوه. صار كمن لا يملك شيئًا حتى القميص الذي يُحسب كجلدٍ ثانٍ للشخص. كانت ثيابه ملقاة كمن لا صاحب لها، لأن المحكوم عليه بالموت لا رأي له بعد، ولا حقوق، حتى بالنسبة لثيابه. كانت ملابس الرجل في منطقة إسرائيل في ذلك الحين هي الثوب الخارجي والثوب الداخلي وغطاء الرأس وحزام والنعلين وملابسه الداخلية الخ. غير أنه لم يُوجد نعلان للسيد المسيح بين ملابسه.
يرى فيلون اليهودي السكندري أن قميص رئيس الكهنة في هيكل أورشليم كان دائمًا منسوجًا كله من فوق بغير خياطة بموجب فريضة طقسية. ورأى البعض أن ذلك رمزًا إلى كهنوت المسيح. يرى البعض أن هذا القميص كان مشابهًا لقميص رئيس الكهنة، وقد وصفه المؤرخ اليهودي يوسيفوس أنه غير مخيط، بل هو قطعة واحدة على الكتفين والجانبين، وكان طويلاً، له فتحة للرقبة وله فتحتان لليدين. قيل أن هذا القميص كان من صنع يدي والدته وهو طفل، وأنه لم يتمزق ولا قدم، وذلك كما حدث مع ثياب شعب بني إسرائيل في البرية.
+ على ما يلوح لظني أن يوحنا البشير قال هذا القول مضمرًا فيه حقارة الثياب وبساطتها.
القديس يوحنا الذهبي الفم
يرى العلامة أوريجينوس في هذا القميص إشارة إلى كمال تعليم المسيح الذي يلزمه حفظه دون شقه أو تقسيمه إلى أجزاء. ويري القديس كيرلس الكبير فيه رمزًا لميلاد المسيح البتولي، حيث بقيت والدته بتولاً بعد ولادته. ويرى القديس كبريانوس الذي كان يئن من الانقسامات التي وُجدت في كنيسة شمال أفريقيا أن القميص الذي بغير خياطة يشير إلى الكنيسة الحقيقية الواحدة التي لا يمكن أن تُشق ولا أن تُرتق.
وفي رسالة للقديس أغسطينوس إلى الدوناتست كتب: [لماذا تريدون أن تقسموا ثياب الرب، ولماذا لا تحفظوا قميص الحب هذا مع بقية العالم ككلٍ منسوجًا من أعلى، هذا الذي لم يستطع حتى مضطهدوه أن يشقوه؟].
يرى الأب ثيؤدور أسقف المصيصة أن مثل هذا النسيج كان عامًا في وقت السيد المسيح، وإن كان في أيامه لم يعد يوجد مثل هذا النسيج إلا بين ملابس الجنود.
+ قُسمت ثيابه لحسابنا. لا يستطيع أحد أن يملك كل شيء، إذ تُلقى قرعة، لأن توزيع الروح القدس لا يأتي حسب إرادة إنسان. إذ "أنواع مواهب موجودة، ولكن الروح واحد... ولكن هذا كله يعملها الروح الواحد بعينه، قاسمًا لكل واحدٍ بمفرده كما يشاء" (1 كو 12: 4، 11)... هكذا قُسمت الثياب، أعمال المسيح أو نعمته...
نقرأ أن (القميص) "منسوجًا كله من فوق"، لأن الإيمان بالمسيح منسوج هكذا، حيث ينزل إلى الناسوت... مادام هو مولود من الله قبل الدهور. وقد قبل الجسد...
القول: "وكان القميص بغير خياطة" يشير أيضًا إلى أن الإيمان يلزم ألا يتمزق بل يبقى بكامله.
القديس أمبروسيوس
+ ترمز ثياب الرب يسوع المسيح التي قُسمت إلى أربعة أجزاء إلى الكنيسة الرباعية، إذ تنتشر في كل العالم، الذي يحوي أربع أرابع، وبالتساوي بمعنى بانسجام، موزعة على كل الأربع مناطق. لهذا يقول في موضع آخر أنه سيرسل ملائكته ليجمع مختاريه من الأربعة رياح (مت 24: 31). وما هذا إلا من الأربعة أرابع للعالم: الشرق والغرب والشمال والجنوب؟
+ يشير القميص الذي أُلقي عليه قرعة إلى وحدة كل الأجزاء التي تُحتوى في برباط المحبة. وعندما يريد الرسول أن يتحدث عن المحبة يقول: "أريكم طريقًا أفضل" (1كو 12: 31). وفي موضع آخر: "لتعرفوا محبة المسيح الفائقة المعرفة" (أف 3: 19). وفي موضع آخر: "وفوق كل هذه المحبة التي هي رباط الكمال" (كو 3: 14) فإن كانت المحبة طريقًا أفضل، ومعرفة فائقة وتُفرض فوق كل الأشياء، لذلك كان من اللائق أن هذا القميص الذي يمثل المحبة يكون منسوجًا من فوق، وبغير خياطة.
القديس أغسطينوس
"فقال بعضهم لبعض: لا نشقه بل نقترع عليه لمن يكون، ليتم الكتاب القائل: اقتسموا ثيابي بينهم، وعلى لباسي ألقوا قرعة، هذا فعله العسكر". (24)
+ أنظر النبوات التي تمت بالأفعال التي تباحث بها العسكر، لأن المصلوبين كانوا ثلاثة، إلا أن أقوال النبوات كملت في السيد المسيح، فلأي سبب لم يعملوا هذا العمل بالآخرين إنما لهذا وحده؟! تأمل استقصاء النبوة، لأن داود النبي لم يقل إنهم اقتسموا ثيابه فقط، لكنه ذكر مع ذلك ما لم يقتسموه، لأن بعضها اقتسموها، ولباسه لم يقتسموه، لكنهم جعلوا امتلاكه بالقرعة.
القديس يوحنا الذهبي الفم
إذ يكتب القديس جيروم لأستوخيوم Eustochuim عن حياة البتولية والسلوك اللائق بالعذارى، يرى أن اللواتي يمارسن هذه الحياة يتشبهن بالسيد المسيح الذي كان له ثوب منسوج من فوق (سماوي). [ليت المتزوجات يخيطن لأنفسهم ثيابًا، لأنهن فقدن الثوب المنسوج من فوق].
وفي نفس الرسالة يطالب العذارى ألا يرتدين أحذية فيقول: [أُمر موسى ويشوع أن يخلعا أحذيتهما، لأن الأرض التي وقفا عليها كانت مقدسة (خر 5:3؛ يش 15:5)، كان لهذا الأمر معنى سريًا. هكذا أيضًا عندما عُيّن التلاميذ للبشارة بالإنجيل طًلب منهم ألا يأخذوا معهم أحذية ولا سيور أحذية (مت 10:10). وعندما جاء الجند ليٌلقوا قرعة على ثياب يسوع لم يجدوا أحذية ليأخذوها، لأنه لم يكن ممكنًا للرب أن يملك ما قد منع عبيده منه].
5. اهتمامه بأمه
"وكانت واقفات عند صليب يسوع، أمه وأخت أمه مريم زوجة كلوبا ومريم المجدلية". (25)
جاء عن مريم زوجة كلوبا في مت 27: 56؛ مر 15: 40 أنها أم يعقوب الصغير ويوسي؛ وأن ابنها يعقوب هو ابن حلفى Alpheus، مما يبدو أن حلفى وكلوباس هما شخص واحد. يقول هيجيسبوس Hegesippus نقلاً عن يوسابيوس أن كلوباس هو أخ يوسف خطيب القديسة مريم.
بينما هرب جميع التلاميذ ماعدا يوحنا إذا بالنسوة - والدته وأختها ومريم المجدلية - استمررن في مرافقته حتى الصليب. لم يخشين عنف الأشرار ولا رعب المنظر. حقًا لم يكن في إمكانيتهن أن يعملن شيئًا له، لكنهن أظهرن إخلاصهن حتى النهاية، رافقنه في طريق الخلاص الذي سار فيه، لقد تحقق قول سمعان الشيخ للقديسة مريم أنه يجوز في نفسها سيف (لو 2: 35).
مع حزنهن الشديد لم يقمن بتصرفات غير لائقة كما كانت عادة النسوة في الجنازات في ذلك الحين. لقد رافقن السيد من أجل إخلاص حبهن له. حقًا إنها نعمة الله الفائقة هي التي سندت هؤلاء النسوة في تلك اللحظات العصيبة، خاصة القديسة مريم والدته.
بينما وُجد أربعة جند يقومون بتنفيذ حكم الصلب بكل عنفٍ وقسوة كان مقابل ذلك أربع نساء يرافقن المسيح وسط آلامه.
+ وقفت النسوة عند الصليب، الجنس الضعيف الذي ظهر أكثر رجولة، وهكذا تغيرت كل الأمور تمامًا.
القديس يوحنا الذهبي الفم
"فلما رأى يسوع أمه والتلميذ الذي كان يحبه واقفًا، قال لأمه: يا امرأة هوذا ابنك". (26)
حتمًا في هذه اللحظات كان قلب القديسة مريم قد انشغل تمامًا بآلام ابنها، أما هو فآلامه لم تشغله عنها، بل هي ثمرة حبه الشديد لها ولكل البشرية. ما يشغله خلاص الكل وبنيانهم ومجدهم. في بادرة حنان أخيرة نحو أمه أراد أن يَّؤمن لها عناية وعونًا بعد ذهابه، فسلّمها إلى من كان يحبه، والذي يعلم أنه الأقرب إليه من كل تلاميذه. بلا شك كان يوسف النجار قد تنيح منذ سنوات، ولم يعد من يهتم بالقديسة مريم، لذلك سلمها السيد المسيح وهو على الصليب للقديس يوحنا الحبيب بكونها أمه وهو ابنها. فنال يوحنا علاقة جديدة، البنوة لأم يسوع رب المجد.
لم يترك لأمه شيئًا، إذ لم يكن له ذهب ولا فضة لكي ترثه عنه، فالصندوق العام لحساب كل التلاميذ كان في يد يهوذا الذي غالبًا ما بدده، حتى ثيابه ورثها العسكر، ليس له ما يقدمه لها سوى تسليمها في يد من يحبه: يوحنا الرسول!
بالصليب تمتعت أمه بنوعٍ من الأمومة نحو الآخرين بعد ارتفاع ابنها الوحيد يسوع إلى الصليب.
لم يقل لها: "يا أماه" بل "يا امرأة"، ليس استخفافًا بها، ولا جحدًا لأمومتها، وإنما لكي لا يزداد جرحها كأم تسمع ابنها في اللحظات الأخيرة قبيل موته. ولعله أراد أن يؤكد لها أنه ليس من هذا العالم، فيخاطبها ليس من خلال العلاقات الدموية المجردة، وإنما كممثلةٍ للكنيسة موضوع حبه الفائق.
يقول نيسيفورس Nicephoros بأن العذراء مريم عاشت في بيت يوحنا 11 عامًا في أورشليم، ويرى البعض أنها ذهبت معه إلى افسس.
+ أطلب إليكم أن تتأملوا كيف فعل (السيد) كل شيء على الصليب بدون اضطراب، فتحدث مع تلميذه عن أمه، متممًا النبوات، مقدما رجاءً حسنًا للص، مع أنه قبلَ بإرادته أن يُصلب ظهر وقد تصبب منه العرق وتألم واضطرب. ماذا يعني هذا؟ إنه ليس بالأمر الصعب ولا المبهم. لقد أظهر قبل الصلب ضعف الطبيعة (كإنسان)، هنا يظهر عظمة السلطان.
بجانب هذا فإنه بهذين الأمرين يعلمنا أنه قبل حدوث الأمور المرعبة نضطرب، دون أن ننفر منها، ولكن عندما ندخل المعركة نحسب كل الأمور ممكنة وسهلة.
إذن ليتنا لا نخاف الموت. بالطبيعة نفوسنا تحب الحياة، لكن يحدث لنا أن نحل رباطات الطبيعة، فتصير هذه الرغبة (في الحياة الزمنية) ضعيفة.
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ نال ذاك التلميذ مائة ضعف أكثر مما تركه عندما استلم أم ذاك الذي وهب كل شيءٍ.
القديس أغسطينوس
"ثم قال للتلميذ: هوذا أمك. ومن تلك الساعة أخذها التلميذ إلى خاصته". (27)
+ وهو على الصليب شهد المسيح وقسم أعمال التقوى بين الأم والتلميذ. قدم الرب شهادة ليس فقط على المستوى العام، بل وعلى المستوى الخاص. وأشار يوحنا إلى هذه الشهادة التي للمسيح شاهدًا عن عظمة هذه الوصية.
+ وقفت أمه لا تبالي بالخطر الذي يحدق بها، وذلك من أجل غيرتها للتقوى. استهان هو بمخاطره، وقدم لأمه صفوًا تقويًا. تعلمنا القراءة هنا أنه يلزم اتباع الحنو المادي، وتوقير الأبناء (لأمهاتهم)...
أعلن أن هذه التي ولدت الله بقيت عذراء. ومع ذلك فسُلمت بطريقة سرائرية ليوحنا، الأصغر (بين التلاميذ). هنا سرّ الكنيسة التي ارتبطت قبلاً بالمظهر، وليس عمليًا بالشعب القديم، ولكنها إذا ولدت الكلمة مزروعة في أجساد الناس وعقولهم خلال الإيمان بالصليب ودفن جسد الرب بوصية الله، اختارت أن تتبع الجنس الأصغر.
القديس أمبروسيوس
+ يا للعجب من هذه الكرامة التي رام بهـا السيد المسيح تلميذه! ما أوفر هذه الكرامة، لأنه لما انصرف هو في ذلك الوقت سلمها إلى تلميذه المهتم بها، وإذ كان لائقًا بها أن تحتاج إلى مساعدة سلمها إلى محبوبه.
+ يعلمنا أن نقدم توقيرًا فوق المعتاد لأمهاتنا. فعندما يقاومنا الوالدون بخصوص أمور روحية يلزمنا ألا نتمسك بما لنا. ماداموا لا يعوقونا يلزمنا أن نقدم لهم وقارًا، وأن نفضلهم عن الآخرين، لأنهم ولدونا، وربونا واحتملوا ربوات الأمور المرعبة من أجلنا.
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ لكي تتعلم بأكثر تدقيق من الكتاب المقدس الإلهي أنه ليس فقط يُدعى "ابًا" من هو أب طبيعي بل وغيره أيضًا، اسمع ماذا يقول الرسول؟ "لأنه وإن كان لكم ربوات من المرشدين في المسيح لكن ليس آباء كثيرون، لأني ولدتكم في المسيح يسوع بالإنجيل" (1 كو 15:4). كان بولس أبًا للكورنثويين، ليس لأنه ولدهم حسب الجسد بل خلال التعليم، وولدهم مرة أخرى حسب الروح.
اسمع أيضًا أيوب: "أب أنا للفقراء". لقد دعا نفسه أبًا، ليس لأنه ولدهم جميعًا، بل من أجل اهتمامه بهم.
وابن اللٌه الوحيد نفسه عندما سُمر على الشجرة وقت الصلب لما نظر مريم أمه حسب الجسد ويوحنا تلميذه المحبوب جدًا من تلاميذه، قال له: "هوذا أمك". وقال لها: "هوذا ابنك"، معلمًا إياها أن تصب حبها "الوالدي" فيه، شارحًا بطريقة غير مباشرة ما قيل في لوقا: "وكان أباه وأمه يتعجبان منه"، هذه الكلمات التي يتصيدها الهراطقة قائلين أنه وُلد من رجل وامرأة.
فكما دعيت مريم أمًا ليوحنا من أجل حبها الوالدي وليس لأنها أنجبته، هكذا دعي يوسف أبًا للمسيح من أجل عنايته بتربيته وليس لأنه أنجبه. إذ يقول الإنجيل: "لم يعرفها حتى ولدت ابنها البكر" (مت 25:1).
القديس كيرلس الأورشليمي
+ إنه الابن البتول الذي قبل الأم البتول ميراثًا من الرب.
القديس جيروم
6. تقديم خل له
"بعد هذا رأى يسوع أن كل شيء قد كمل، فلكي يتم الكتاب قال: أنا عطشان". (28)
سبق فذكر الإنجيلي في حديثه عن لقاء السيد المسيح مع المرأة السامرية أنه كان عطشانًا، وكان ذلك أيضًا في وقت الساعة السادسة. وكما يرى البعض أنها ساعة الظهيرة التي فيها خرج آدم من الفردوس. هكذا يعلن اللَّه محبته الفائقة للبشرية وعطشه إلى الرجوع إلى أحضانه الإلهية.
أثناء خدمته أعلن السيد المسيح للمرأة السامرية أنه عطشان (يو 4: 6-7)، إذ كان يطلب إيمانها. وفي آخر رحلته هنا، وهو على الصليب، يعلن عن عطشه نحو كل نفسٍ بشريةٍ لتتمتع بأعماله الخلاصية. إن كانت نيران الجحيم قد جعلت من الغني إنسانًا عطشانًا، يطلب قطرة ماء يبلل بها لسانه، فقد احتل مسيحنا مكاننا ليعلن عن عطشنا لكي نرتوي بينابيع حبه.
كان العطش أمرًا طبيعيًا لمن يُصلب حيث يفقد الجسم الكثير من الماء بسبب العرق والجراحات. لم يشكو مسيحنا كل آلام الجلد وإكليل الشوك والمسامير والحربة، لكن الشكوى الوحيدة التي نطق بها هي أنه عطشان، معبرًا عن عطشه الداخلي بجانب آلام جسده. سبق فتنبأ المرتل داود في المزمور الخاص بالصلب فقال: "لصق لساني بحنكي" (مز 22: 15). كما جاء أيضًا في المزمور 69: 21. لم يشر الإنجيليون الإزائيون إلى عطش السيد، بل انفرد الإنجيلي يوحنا بذلك.
"وكان إناء موضوعًا مملوءً خلاً، فملأوا إسفنجة من الخل، ووضعوها على زوفا، وقدموها إلى فمه". (29)
مال البعض إلى احتساب ذلك إمعانًا في قسوة لا موجب لها بحق من يحتضر، إذ كان من المعتاد تقديم كأس خمر للمصلوبين حتى يخففوا عن آلامهم في لحظات موتهم، أما بالنسبة للسيد المسيح ففي شيء من السخرية قدموا إسفنجة بها خل. ويرى البعض الأمر عكس ذلك تمامًا، فإن من تقصّوا الحقيقية أضحى ثابتًا منذ زمن طويل أن الجند الرومانيين كانوا يزوَّدون في البلاد الحارة بشرابٍ خاص يُدعى pouska، وهو مزيج من الماء والخل، من شأنه أن يقطع العطش.
يتساءل البعض كيف يمكن رفع الاسفنجة المملوءة خلاً على زوفا وهو نبات ضعيف لا يقوى على البلوغ إلى فم المصلوب؟ ظن البعض أن الكلمة هنا تعني "جريدة"، لأن الكلمتين "زوفا" و"جريدة" في اليونانية متقاربتان جدًا، خاصة وأنه وجدت الكلمة الأخيرة في نسخة ترجع إلي القرن الحادى عشر. لكن أغلب الدارسين يرفضون ذلك، إذ جاءت الكلمة "زوفا" في كل المخطوطات السابقة وفي مخطوطات آباء الكنيسة الأولي.
يقول Raymond E. Brown أنه يوجد 18 نباتًا يدعي "زوفا"، وأن أكثر من صنف له ساق طويلة قادرة أن تحمل الإسفتجة حتى تبلغ إلى فم الشخص المصلوب.
لقد رفض السيد المسيح أن يشرب خمرًا قبل رفعه على الصليب (مت 27: 34؛ مر 15: 23)، هذا الذي يُقدم لكي يخفف الآلام.
+ من له السلطان هكذا لكي يكيِّف ما يفعله مثل هذا "الإنسان" الذي نظم كل شيء بخصوص آلامه؟ لكن هذا الإنسان هو الوسيط بين الله والناس، الإنسان الذي نقرأ عنه في النبوة... من يعرفه؟... إنه ذاك الذي أظهر نفسه محتملاً كل هذه الأمور، هو نفسه أيضًا كان مختفيًا، إذ هو الله الذي أعد كل الآلام.
لقد رأى كل هذا سيتم، فسأل أن يتحقق، لهذا قبل أن يشرب الخل... "في عطشي سقوني خلاً" (مز 69: 21).
+ "قال أنا عطشان" (27)، كما لو قال: "أمر واحد فشلتم أن تفعلوه، وهو أن تعطوني ما أنتم عليه. لأن اليهود أنفسهم كانوا خلاً مستخرجًا من خمر الآباء البطاركة والأنبياء، وامتلأوا كإناء مملوء من شر هذا العالم، قلوبهم كإسفنجة، مخادعين في شكل أعماق بها مسام معوجة. أما الزوفا التي وضعوا عليها الإسفنجة المملوءة خلاً فبكونها عشبًا ضعيفًا يطهر القلب فإنه يناسب تواضع المسيح نفسه الذي حاصروه وتخيلوا أنهم أوقعوه في الفخ تمامًا. لذلك قيل في المزمور: "اغسلني بزوفاك فأطهر" (مز 51: 7). فإننا نتطهر بتواضع المسيح. لأنه لو لم يتواضع ويطيع حتى موت الصليب (في 2: 8) ما كان يُسفك دمه لأجل غفران الخطايا، أو بمعنى آخر لتطهيرنا.
القديس أغسطينوس
7. تسليم الروح
"فلما أخذ يسوع الخل قال: قد أكمل. ونكس رأسه، وأسلم الروح". (30)
بقوله "قد أكمل" أعلن السيد المسيح أن عداوة مضطهديه قد بلغت النهاية، وإن النبوات الخاصة بصلبه قد تحققت بالكامل. قد زال الظل تمامًا وتحققت الحقيقة: بيع بثلاثين من الفضة، ثُقبت يداه ورجلاه، قسمت ثيابه، وعلى لباسه ألقوا قرعة، والآن قدموا له خلاً في عطشه، وطُعن جنبه. الآن كملت آلامه لكي ينطلق يحمل الغنائم إلى الفردوس. عوض الجو المملوء كآبة يفتح أبواب الفردوس لكي تتهلل النفوس التي رقدت على رجاء. الآن قد تم تقديم ذبيحة جسده، وها هو كرئيس الكهنة الأعظم السماوي ينطلق إلى الآب ليشتمها رائحة سرور ورضا عنا.
"أسلم الروح": لم تغتصب حياته منه بالقوة، بل سلمها بكامل حريته. لقد قال للآب: "في يديك استودعك روحي"، معبرًا عن قبوله للموت باختياره، فدية عن كثيرين.
"نكس رأسه":ُ الذين يُصلبون عادة يرفعون الرأس للتنفس ولن ينكسوا الرأس إلا بعد آخر نسمة في حياتهم، أما السيد المسيح فلكي يبرز دوره الاختياري أحنى رأسه أولاً كمن ينام، أو كمن يخضع ليعلن أنه حمل ثقل خطايانا وشرورنا، إذ يرى البعض أنه بتنكيس رأسه أعلن مدى ثقل خطايانا التي حملها بإرادته عنا. "لأن آثامي عليّ، طمت فوق رأسي، كحملٍ ثقيل أثقل مما أحتمل" (مز 38: 4). "لأن شرورًا لا تُحصى قد اكتنفتني" (مز 40: 12). احناء الرأس أيضًا يعلن عن خضوعه وطاعته لأبيه الذي يُسر بتقديم ابنه الوحيد ذبيحة حب عن البشرية.
عند الصليب أسلم يسوع روحه البشرية في يدي الآب، لكي يسلم روحه القدوس إلى كنيسته.
+ إذ أحنى رأسه سلم الروح، بمعنى أنه مات. مع ذلك فإن لفظ النفس الأخير لا يأتي بعد انحناء الرأس، ما حدث هنا هو على النقيض. إنه لم يحدث له ما يحدث معنا أن يحني رأسه عندما سلم النفس الأخير وإنما عندما أحنى الرأس أسلم الروح قد أظهر الإنجيلي بكل هذه أنه رب الكل.
+ أرأيت كيف كان السيد المسيح عاملاً كل ما يشاء بسلطانٍ وبخلوٍ من الاضطراب؟
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ أحنى الرأس، وتمم رحيل روحه في عملٍ مريحٍ لها، كما في حضن الآب القادر أن يدللها ويقويها في حضنه.
العلامة أوريجينوس
+ من يقدر أن ينعس متى يريد، مثلما مات يسوع حينما أراد؟ من هو هذا الذي خلع ثيابه عندما شاء، كما خلع جسده حسب مسرته؟ من هو هكذا يرحل عندما يريد، كما رحل هذا من هذه الحياة حسب مسرته؟ يا لعظمة سلطان ذاك الذي نترجاه ونرهبه إذ هو الديان، إن كان هكذا هو سلطانه الذي أعلنه وهو إنسان ميتٍ!.
القديس أغسطينوس
8. طعنه بالحربة
"ثم إذ كان استعداد، فلكي لا تبقى الأجساد على الصليب في السبت، لأن يوم ذلك السبت كان عظيمًا، سأل اليهود بيلاطس أن تُكسر سيقانهم ويُرفعوا". (31)
كانت كل السبوت أيام مقدسة، لكن هذا السبت الذي كان يقع في أسبوع الفصح حيث الفطير غير المختمر، الذي يُقدم فيه البكور كما يرى البعض، فهو "اليوم العظيم megale hemera"، وهو أعظم يوم من أيام الإعداد الطبيعي للفصح.
كان الإعداد لكل سبت يبدأ في الساعة التاسعة من يوم الجمعة (3 ظهرًا). جاء في يوسيفوس أن الإمبراطور أوغسطس أصدر منشورًا لصالح اليهود أنه لا يُلزم أحد أن يقدم تحية في يوم السبت، ولا في الاستعداد له منذ الساعة التاسعة (حسب الطقس اليهودي).
لم يكن يُسمح ببقاء الأجساد الميتة في الأيام العادية (تث 21: 23) ولعل ضميرهم بدأ يوخزهم فلم يحتملوا بقاء جسمه معلقًا أمامهم يذكرهم بجريمتهم البشعة، فيفسد عليهم فرح العيد. هذا وبمناسبة العيد كانت أورشليم مكتظة بالغرباء، فلم يرد اليهود أن يبقى جسم المسيح المصلوب معلقًا.
يرى البعض أنهم لم يطلبوا قطع رؤوسهم لكي يموتوا سريعًا بلا آلام متزايدة، وإنما طلبوا كسر سيقانهم من أجل معاناتهم من آلام أكثر. وهكذا حتى في طلب الرحمة (إنزال أجسادهم من على الصليب) كانوا قساة للغاية. وعندما تظاهروا بالقداسة - عدم ترك الأجساد حتى لا تتدنس الأرض - مارسوا الشر. اهتموا بحفظ السبت ولم يراعوا العدالة والبرّ.
+ كان اليهود يبلعون الجمل ويصفون عن البعوض، إذ مارسوا إثمًا جسيمًا ودققوا جدًا بخصوص (حفظ) اليوم.
القديس يوحنا الذهبي الفم
"فأتي العسكر وكسروا ساقي الأول والآخر المصلوب معه وأما يسوع فلما جاءوا إليه لم يكسروا ساقيه، لأنهم رأوه قد مات". (32 - 33)
مات السيد المسيح سريعًا قبل اللصين، ربما لأن جسمه كان نحيفًا، ولأن شخصه كان رقيقًا، فلم يحتمل كل هذه الآلام. أو لعله سمح لنفسه بالموت قبلهما ليدرك الكل أنه مات بإرادته، إذ سلم روحه في يدي الآب في الوقت الذي اختاره. لقد خضع للموت بإرادته لا عن التزام، وإنما خلال نصرته بالحب.
"لكن واحدًا من العسكر طعن جنبه بحربة، وللوقت خرج دم وماء". (34)
لم ترد قصة طعن جنب المسيح إلا في هذا الإنجيل.
يسوع الذي مات حقيقة حسب الجسد، إذ فارقت النفس الجسد، يُعلن أنه مبدأ الحياة الغالبة للموت. بموته غلب الموت وأعاد إلينا الحياة الأبدية.
يرى آباء الكنيسة الأولى مثل القديسين أغسطينوس وأمبروسيوس ويوحنا الذهبي الفم في هذه الظاهرة إشارة أولى إلى سرّي المعمودية (الماء) والإفخارستيا، حيث يكون الارتواء مباشرًا من الجرح في جنب ربنا يسوع. ويرى كل من العلامة ترتليان والقديس كيرلس الأورشليمي والقديس جيروم أن الماء والدم هنا هما رمزان للمعمودية والاستشهاد. ويرى البعض أنهما رمز للعهدين القديم (الماء) والجديد (الدم) حيث فيه تم العهد وتمتع رجال العهدين بالخلاص.
يُقال أن هذا الجندي يُدعى لونجينوس Longinus، وأنه إذ خرج دم وماء من جنب السيد سقطت قطرات دم على عينيه العليلتين فبرئتا، فآمن به، وأنه كرز في كبدوكية، ونال هناك إكليل الشهادة. يرى البعض أن اسم لانجينوس جاء تحريفًا من كلمة Longchee اليونانية، ومعناها حربة أو رمح وردت هنا في النص.
لازال النقاش مستمرًا حول موضع الحربة، هل على الجانب اليمين أم اليسار من السيد المسيح. وإن كان الروح القدس لم يعلن لنا خلال الأناجيل عن ذلك، مكتفيًا بأنه طعن بالحربة تحقيقًا للنبوة. يرى البعض في طعن السيد المسيح بالحربة حتى قلبه إنما كان ذلك أشبه بنافذة تطل من خلالها النفس على أحشاء المسيح الداخلية أو قلبه، لترى فيض حبه الإلهي، أو لهيب الحب الفائق نحو البشرية. إنه النافذة المفتوحة التي من خلالها يمكن للمؤمن أن يلتقي بالله، ويرسل إليه مشاعر حبه. إنها نافذة القلب التي لا تُغلق قط أمام أي تائب.
سمح الله للجندي أن يضرب قلب السيد المسيح بالحربة لكي نرى في القلب الصخرة المضروبة لأجلنا (1كو 10: 4)، والينبوع الذي يفيض علينا (زك 13: 1)، وآبار الخلاص التي حُفرت من أجلنا (إش 12: 3)، والنهر الذي يفيض بمجاريه لكي يفَّرح مدينة الله.
+ جُرح الرب في آلامه، ومن هذا الجرح خرج دم وماء... الماء للغسل، والدم للشرب، والروح لقيامته. فالمسيح وحده هو رجاؤنا وإيماننا وحبنا. رجاء في قيامته، وإيمان في الجرن، وحب في السرّ.
القديس أمبروسيوس
+ جاء الجند وكسروا سيقان الآخرين ولم يكسروا ساقي المسيح. لكن هؤلاء ضربوا جنبه بالحربة ليبهجوا اليهود، وكنوعٍ من الإهانة للجسد الميت... الآن تحققت النبوة: "ينظروا إلى الذي طعنوه" (راجع زك 12: 10). ليس هذا فقط، وإنما صار هذا العمل برهانًا على الإيمان بالنسبة للذين لم يؤمنوا بعد ذلك، مثل توما ومن على شابهته. هذا أيضًا حمل سرًا فائق الوصف قد تحقق، إذ خرج دم وماء. لم يحدث هذا بلا هدف، ولا مصادفة، حيث صدر الينبوعان. لأن بهذين الاثنين معًا تتكون الكنيسة. يعرف ذلك المبتدئون في الأسرار، فإنهم بالماء ينالون الميلاد الجديد، وبالدم والجسد ينتعشون. هكذا وُجدت الأسرار في البداية حتى عندما تقتربون إلى الكأس المهوب تقتربون كما من جنبه ذاته لتشربوا.
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ كما أن عمله الأرضي (خدمته على الأرض) بدأت بالماء، هكذا انتهت به. طُعن جنبه بالحربة، وفاض دم وماء، رمزان للمعمودية والاستشهاد.
القديس جيروم
+ لقد أُعلن عن ذلك مقدمًا عندما أُمر نوح أن يقيم بابًا في جنب الفلك (تك 6: 16)، حتى تدخل منه الحيوانات لكي لا تهلك من الطوفان، والتي كانت تشير إلى الكنيسة. لهذا خُلقت المرأة الأولى من جنب الرجل وهو نائم (تك 2: 32) ودُعيت الحياة (حواء) وأم كل حي (تك 3: 30)... أحنى آدم الثاني هذا رأسه ونام على الصليب حتى تتشكل العروس مما يصدر عن جنب النائم... أي شيء أطهر من مثل هذا الدم؟ أي شيء يهب صحة أكثر من هذا الجرح؟
القديس أغسطينوس
"والذي عاين شهد، وشهادته حقٌ، وهو يعلم أنه يقول الحق لتؤمنوا أنتم. لأن هذا كان ليتم الكتاب القائل: عظم لا يُكسر منه". (35 - 36)
بقوله هذا يشهد القديس يوحنا أنه عاين ذلك بنفسه، وأن ذلك حدث معجزيًا. وقد أشار إلى ذلك لأن الإنجيليين الآخرين لم يشيروا إلى هذا الحدث، وهو يؤكد حقيقة موته.
لقد تم الكتاب حسب الوعد الذي قُدم لكل الأبرار كإشارة لما يتحقق مع يسوع البار (مز 34: 20) أن الله يحفظ كل عظامه، وواحدة منها لا تنكسر. ويقول داود بالروح: "كل عظامي تقول: يا رب من هو مثلك؟" (مز 35: 10). هذا وقد مُنع اليهود من كسر عظمة من عًظام خروف الفصح (خر 12: 46؛ عد 9: 12). فالمسيح فصحنا ذُبح لأجلنا (1كو 5: 7)، إنه حمل الله (يو 1: 29)، لذلك لا تُكسر عظامه.
تشير العظام في العبرانية إلى قوة الجسم، بكونها تكَّون الهيكل العظمي للإنسان. فعدم كسر عظامه يرمز إلى أن السيد المسيح وإن كان قد قَبِلَ أن يصلب كما في ضعفٍ، لكن في ضعفه قوة. فالخطية تكسر عظامنا وتنزع عنا قوتنا، لذا يقول المرتل داود في مزمور التوبة: "تبتهج عظامي المنسحقة" (مز 51: 8). لكن الخطية لم تقدر أن تكسر أو تسحق عظام المسيح، إنما وقف بثبات يحمل ثقل خطايانا حتى يخلصنا منها.
+ لقد تمت تلك النبوة، إذ لم يكسر اليهود للسيد المسيح عظمًا، وأن هذا القول قيل في وصف الخروف عند اليهود، إلا أن الرسم حاضر من أجل الحق، وفي هذا خرج أكثر وضوحًا، ولهذا السبب اقتاد البشير ذكر ما قاله الكتاب إلى وسط كلامه.
+ يعلن القديس يوحنا بصوتٍ عالٍ عن الأسرار اللازمة مقدمًا، وإذ رأى الكنز ملقيًا فيها كان دقيقًا بخصوص ما حدث وكيف تحققت النبوة أيضًا... "عظمة واحدة منه لا تنكسر" (راجع خر 12: 46؛ مز 34: 20). فإن هذا قد قيل بخصوص حمل اليهود، وذلك من أجل الحقيقة التي سبق فتنبأ عنها الرمز، ففيه تحققت النبوة بأعظم كمالٍ. لهذا فإن الإنجيلي قدم النبي. وإذ هو يقدم نفسه على الدوام كشاهدٍ ربما يبدو أن شهادته غير موضع ثقة جلب موسى (كشاهدٍ) وقال أن ما حدث لم يكن بغير هدفٍ، بل سبق فكُتب عنه قبلاً في القديم.
القديس يوحنا الذهبي الفم
"وأيضًا يقول كتاب آخر: سينظرون إلى الذي طعنوه". (37)
تم قول الكتاب أيضًا بخصوص طعنه بالحربة، إذ جاء في سفر زكريا النبي ينظر إليه الذين طعنوه وينوحون (12: 10؛ رؤ 1: 7)، وأنه جُرح في بيت أحبائه (زك 13: 6).
+ سيتطلع هؤلاء البؤساء إلى الذي سخروا به، إذ رأوه معلقًا على الصليب الثمين. سيروه متوجًا بالمجد الإلهي، وسينحدرون إلى هوة الدمار في مجازاة عادلة على شرهم من نحوه.
القديس كيرلس الكبير
+ مرة أخرى يثبت كلمات النبي بشهادته هو.
أخبرتكم بهذه الأمور لتتعلموا العلاقة العظيمة بين الرمز والحقيقة. ألا ترون بأي اجتهاد أخذ هذه الأمور لكي يؤمنوا من خلال ما يبدو خزيًا وعارًا؟
إهانة الجندي للجسم الميت كانت أشر من صلبه... لكن ولا خلال العار يقدر أحد أن يؤذى قضيتنا. فإن ما يبدو خزيًا عظيمًا للغاية هو نفسه سجل مهيب للغاية عن الأمور الصالحة.
القديس يوحنا الذهبي الفم
9. دفنه
"ثم أن يوسف الذي من الرامة، وهو تلميذ يسوع ولكن خفية لسبب الخوف من اليهود، سأل بيلاطس أن يأخذ جسد يسوع. فأذن بيلاطس، فجاء وأخذ جسد يسوع". (38)
إذ كان الفصح اليهودي وشيكًا وجب التعجيل في الدفن. يظهر الإنجيلي عملية الدفن بطريقة مؤثرة كعملٍ وقورٍ، من صنع الإيمان والحب، التزم بها تلميذان ليسوع خفيّان.
كان يوسف الرامي تلميذًا للسيد المسيح، في ضعفه كان متخفيًا طوال خدمة السيد، لكن في اللحظات الحاسمة حيث عُلق جسد الرب على الصليب، في شجاعة انطلق إلى بيلاطس يستأذنه في أخذ الجسد، فنال كرامةًً عظيمةً. رافقه في ذلك نيقوديموس الذي جاء ليلاً إلى السيد، والآن لا يخشى طرده من مجمع السنهدرين. لو لم يفعلا ذلك لقام العسكر بدفنه مع اللصين في قبرٍ قديمٍ، ولم تكن قيامته قد تأكدت، بل كان يمكن الادعاء بأن الذي قام شخص آخر.
+ لم يكن يوسف هذا تلميذًا من الاثني عشر، لعله كان من السبعين.
القديس يوحنا الذهبي الفم
"وجاء أيضًا نيقوديموس الذي أتى أولاً إلى يسوع ليلاً، وهو حامل مزيج مر وعود نحو مائة منا". (39)
يُستخدم المزيج من المر والعود لحفظ الجسم مدة طويلة. يرى البعض أن المائة من المزيج يكفي لتطييب 200 جسمًا من الراقدين. وقد ظنوا أن في ذلك خطأ في النسخ. لكن هكذا كانت العادة بالنسبة للشخصيات الهامة أو المحبوبة، فقد قيل عن جنازة أرسطوبولس Aristobulus أن كمية ضخمة من الأطياب اُستخدمت، وقيل أن 500 خادمًا حملوا عودًا لتطييب جسد هيرودس في جنازته. وأن 80 رطلاً من الأطياب استخدمت في جنازة غمالائيل الكبير.
المن: وزن يوناني وروماني يساوى نحو مائة درهم.
+ لديكم مر من أجل الدفن. وعصارة الصبر من أجل العبور إلى العالم السفلي، حيث كل نقطة تنحدر إلى اسفل، وقرفة لأجل تدبير الجسم على خشبة الصليب.
القديس باسليوس الكبير
+ رائحتك الأولى فوق كل الأطياب (نش 10:4)، هذه التي أُستخدمت في دفن المخلص (39). تفوح الرائحة الذكية من إبادة ملذات الأعضاء. أما الرائحة الثانية فهي مثل رائحة لبنان (نش 11:4) تطلق رائحة عدم الفساد الذي لجسد ربنا، زهرة العفة البتولية.
القديس أمبروسيوس
"فأخذا جسد يسوع، ولفاه بأكفانٍ مع الأطياب، كما لليهود عادة أن يكفنوا". (40)
+ ماذا يعني أن يوسف ونيقوديموس يدفنان المسيح وليس التلاميذ؟
واحد منهما صالح وبار (لو 23: 50)، والثاني لا يُوجد فيه نفاق، فإن دفن المسيح يتحقق دون خداع أو شرٍ. فقد أغلق على أي بابٍ للمراوغة...
لو أن الرسل دفنوه لقال اليهود بكل تأكيد أن هؤلاء لم يدفنوه... لكن إنسانًا بارًا كفن جسم المسيح في كتانٍ ثمينٍ (مت 27: 59؛ لو 23: 53) وإنسان غير مرواغ دهنه بالطيب، لذلك فإن هذا الأمر لم يتم بلا هدف، لأن البرّ يلبس الكنيسة، والبراءة تخدم النعمة.
لتغطوا جسد الرب (الكنيسة) بالثياب... ولتدهنوه بالمر والسيخة فيكون لها رائحة المسيح الذكية (2 كو 2: 15).
قدم يوسف كتانًا ثمينًا، ربما هو ما رآه بطرس نازلا ًمن السماء، وفيه كل أنواع الحيوانات كرمزٍ للأمم (أع 10: 12).
هكذا تُكفن الكنيسة التي ترتبط بتنويع من الشعب في شركة إيمانها بهذا الطيب النقي السري.
القديس أمبروسيوس
+ أظن أنه ليس بدون هدف يقول: "كما لليهود عادة أن يكفنوا" (40)، فإنه بهذا - إن كنت لا أخطئ - يحثنا على ممارسة مثل هذا الواجب من أجل الميت، حسب عادة كل أمة.
القديس أغسطينوس
"وكان في الموضع الذي صلب فيه بستان، وفي البستان قبر جديد لم يوضع فيه أحد قط". (41)
دُفن جسد المسيح في قبرٍ جديد،ٍ كان قد أعده يوسف الرامي في بستان له خارج المدينة، قريب من موضع الصلب "الجلجثة"، ولم يكن يتوقع أنه سيكون قبرًا للسيد المسيح.
في بستان أحنى السيد المسيح رأسه ليسلم إرادته بين يدي الآب في مسرة ليحمل الصليب، وهناك أُلقي القبض عليه، وفي بستانٍ قام السيد المسيح ليعلن بآلامه وموته أنه غلب الموت ووهب القيامة. في البستان دُفنت حبة الحنطة التي تحدث عنها السيد المسيح (يو 12: 24)، وأثمرت ثلاثين وستين ومائة. في البستان فجَّر السيد ينابيع الحياة (نش 4: 15).
كان القبر جديدًا، وقد قام السيد والحجر موضوع عليه، فكما وُلد من البتول هكذا قام من قبر بتول. كل شيء بالنسبة له كان جديدًا حتى القبر لكي يهبنا الحياة الجديدة.
+ في هذا الفردوس غنيت لعروسي في نشيد الأناشيد: "قد دخلت جنتي يا أختي العروس" (نش 1:5)، فقد كان مكان الصلب بستانًا. ماذا أخذ من هناك؟ " قطفت مري مع طيبي، إذ شرب المر مع الخل، وبعد ذلك قال: "قد أُكمل". لأن السرّ تم، والمكتوب تحقق، والآثام غُفرت. "لأن المسيح وهو قد جاء رئيس كهنة للخيرات العتيدة، فبالمسكن الأعظم والأكمل غير المصنوع بيدٍ، أي الذي ليس من هذه الخليقة، وليس بدم تيوس وعجول ولكن بدم نفسه دخل مرة واحدة إلى الأقداس، فوجد فداءًا أبديًا. لأنه إن كان بدم ثيران وتيوس ورماد عجلة مرشوش على المنجسين يقدس إلى طهارة الجسد، فكم بالأحرى يكون دم المسيح؟!" (عب 11:9-14).
+ يعود فيقول في نشيد الأناشيد "نزلت إلى جنة الجوز" (نش 11:6)، إذ صلب السيد في البستان. فإنه وإن كان الموضع الآن مزينًا بالهبات الملكية لكنه كان قبلاً بستانًا، ولا تزال العلامات والآثار قائمة. إنه "جنة مغلقة وينبوع مختوم" (نش 12:4). قيل هذا عن اليهود، هؤلاء الذين قالوا: "تذكّرنا أن ذلك المضل قال وهو حيّ إني بعد ثلاثة أيام أقوم، فمرْ أن يُضبط القبر" وعلى هذا "مضوا وضبطوا القبر بالحراس وختموا الحجر" (مت 63:27، 65).
+ في بستان كان دفنه، حيث زُرعت هناك كرمة، إذ قال عن نفسه: "أنا هو الكرمة" (يو 1:15). لقد زُرع في الأرض لكي يقتلع اللعنة التي حلّت بسبب آدم حيث سُلِّمت الأرض للشوك والحسك. لقد طلعت الكرمة من الأرض ليتم القول: "الحق من الأرض أشرق، والعدل من السماء اطلع" (مز 10:84).
وماذا يقول ذاك المدفون في البستان؟ "قطفتُ مرّي مع طيبي" (نش 1:5) وأيضًا: "مرّ وعود مع كل أنفس الأطياب" (نش 14:4). وهذه هي علامات للدفن، إذ جاء في الأناجيل "أتين (النسوة) إلى القبر حاملات الحنوط الذي أعددنه" (لو 1:24). "وأحضر نيقوديموس أيضًا خليطًا من مرّ وعود" (يو 39:19)، ومكتوب أيضًا" أكلت خبزي (شهدي) مع عسلي" (نش 1:5). إذ أكل المُر من قبل الصليب والعسل بعد القيامة.
القديس كيرلس الأورشليمي
+ كما أنه لم يحبل بأحد من قبله أو بعده في رحم العذراء مريم، هكذا لم يُدفن أحد في هذا القبر قبله أو بعده.
القديس أغسطينوس
"فهناك وضعا يسوع لسبب استعداد اليهود، لأن القبر كان قريبا". (42)
لم تقم خدمة جنازة للسيد المسيح، لأنه مات مصلوبًا، مرفوضًا من خاصته. ولم يكن يوجد وقت لأنه كان يلزم دفنه سريعًا قبل الغروب. دُفن شمس البرً مع غروب الشمس، ولم يكن ممكنًا للقبر أن يحبس نوره، ولا للظلمة أن تسيطر عليه. حرسه الجند لئلا يقوم فيعلن وفاء ديننا وقبول ذبيحته عنا، ويبررنا أمام الآب، لكن صارت الحراسة شهادة حقيقية عن قيامته.
واضح من هذا التصرف أنه لم يكن موضوع قيامته في ذهن أحد بالرغم من الإشارات المستمرة إليها قبل صلبه. وتم الدفن هكذا بسبب ضيق الوقت مع عدم الإعداد بمقبرة خاصة به، كما لم يفكر أحد في دفنه في مقابر الأسرة، ربما لأن الغروب قد اقترب جدًا، ومن الصعب التدبير بين الأسرة للدفن في ظروف مرة كهذه. هذا من الجانب البشري، أما من جهة التدبير الإلهي فكان كل شيء معدًا بتدبيرٍ عجيبٍ سبق فأعلن عنه إشعياء النبي قبل ذلك بأكثر من 700 عامًا حيث قال عنه أنه مع غني يكون قبره (إش 53: 9).
+ دبر أن يوضع جسد السيد المسيح في قبر جديد لم يكن قد وضع فيه أحد، حتى لا يُظن أن القيامة صارت لآخر موضوع معه، وحتى يتمكن تلاميذه من أن يجيئوا ويعاينوا ما يحدث، لأن القبر كان قريبًا.
القديس يوحنا الذهبي الفم
من وحي يوحنا 19
معك أُدان، ومعك أُصلب!
+ اقتادوك إلى المحاكمة، وأنت ديان الكل!
تقدست المحكمة بوجودك،
وصار قبول الظلم حبًا فيك وفي أولادك لذة لنفسي!
صمت أمام بيلاطس، فاضطرب.
أعلنت له عن ملكوتك، أنه ليس من هذا العالم،
فاشتاق أن يعرف من أنت.
أطلقوا باراباس اللص،
وصُلبت أنت أيها البار.
نعم، فتحت باب السبي،
وأطلقت نفسي من الحبس.
+ لأخرج معك إلى الجلجثة.
أجد في عمل صليبك كرامة لا استحقها.
أتطلع إلى إكليل الشوك،
فأراك تعد لنفسي إكليل مجدٍ أبدي.
+ صار طريق الجلجثة طريقًا ملوكيًا،
من يستحق أن يعبر فيه،
ليدخل معك إلى مجدك السماوي؟
+ حملت خشبة الصليب لكي تحمل كل البشرية المؤمنة فيك.
في حبك العجيب عطشت إلى كل البشرية،
سقوك خلاً، لكي تسقينا من نهر الحياة في أورشليم العليا.
أحنيت رأسك، وسلمت روحك في يد أبيك،
لكي ترفع رؤوسنا أمام أبيك،
وتمجد نفوسنا مع أجسادنا!
+ جُرحت بالحربة، فأفاض جنبك لي دمًا وماء!
بدمك تقدست بكليتي،
وخلال الماء تهبني روح البنوة للآب.
+ في صلبك أُحصيت مع آثمة،
لكي تعلن أنك مخلص الخطاة.
وفي موتك دُفنت في قبر غني،
أنت محب الخطاة لكي تبررهم،
أنت تضم الفقراء والأغنياء.
أنت محب للجميع.
+ في بستان دفنوك،
لأن في البستان مات آدم الأول،
وفي البستان تتقدم فترد لنا الحياة من جديد.
من أقوال الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
الإصحَاحُ التَّاسِعُ عَشَرَ
* يوم الجمعة العظيمة:
- محاكمته أمام بيلاطس: يوحنا 28:18-16:19
- صلب يسوع: يوحنا 16:19-37
- دفنه: يوحنا 38:19-42
(آية1): "فحينئذ اخذ بيلاطس يسوع وجلده."
بيلاطس هنا يريد أن يستدر عطف الشعب بأن يعاقب المسيح عقوبة شكلية ثم يطلقه. ولكن نلاحظ أن هذه العقوبة كانت دون حكم رسمي بل هي لإرضاء الشعب الهائج. ولكن بيلاطس دون يدرى أكمل كأس آلام السيد التي تحملها عنا. وكل ما فعلوه بعد ذلك هو الهزء منه كملك. والمسيح قبل هذا الهزء ليعيد لنا كرامتنا. ولبس إكليل الشوك ليرد لنا إكليل المجد. والجلد كان عقوبة رهيبة وكان من يُجْلَدْ يسقط أمام قضاته كتلة من اللحم المشوه الممزق. ويقال أن الجلد كان الساعة 9صباحاً.
آية(2): "وضفر العسكر إكليلاً من شوك ووضعوه على رأسه وألبسوه ثوب أرجوان."
هنا نرى الإستهزاء بالمسيح كملك. وثوب الأرجوان خلعه عليه هيرودس إستهزاء به. والشوك نتيجة للخطية (تك17:3،18). وكان منظر المسيح وهو لابس إكليل الشوك هو منظر الإنسان المطرود من أمام وجه الله خارجاً من جنة عدن حاملاً اللعنة والشوك.
آية(3): "وكانوا يقولون السلام يا ملك اليهود وكانوا يلطمونه."
السلام يا ملك اليهود= هي التحية التي تقال للملوك. وأخذ منها كلمة السلام الملكي. فالسلام الملكي بالموسيقى هو تحية الملوك عوضاً عن أن يقولوا السلام للملك. وهي نفسها هايل سيزار ومنها أخذت التحية الألمانية "هايل هتلر" فالسلام الملكي بالموسيقى صار عوضاً عن قولهم هايل سيزار.
آية(4): "فخرج بيلاطس أيضاً خارجاً وقال لهم ها أنا أخرجه إليكم لتعلموا أني لست أجد فيه علة واحدة."
لقد حاول بيلاطس أن يوقظ الروح الإنسانية عند اليهود ولكنه فشل.ولكن إستسلامه لليهود كان إدانة لهُ هو أيضاً.
آية(5): "فخرج يسوع خارجاً وهو حامل إكليل الشوك وثوب الأرجوان فقال لهم بيلاطس هوذا الإنسان."
هوذا الإنسان= يقولها بيلاطس بعد أن رفع عنه كل كرامة ليظهره لليهود كإنسان ضعيف بلا ثوار يساندونه كملك، أو قالها ربما ليذكرهم بإنسانيتهم وأنه أخوهم في الإنسانية ليتنازلوا عن موضوع صلبه ولكن هذه الكلمة تشير للمسيح وقد أخلى ذاته آخذاً صورة عبد، بل حمل عار العبيد ومذلة البشر. هو الإنسان الكامل والنموذج السليم للإنسان حسب قصد الآب الذي بلا خطية لكنه صار إبن الإنسان الذي حمل خطايا الإنسان وعاره. وهو الإنسان المملوء نعمة وهو الإنسان الذي سيأتي يوماً في مجد الآب، ليس في صورة المصلوب المهان بل كديان الأرض كلها العادل. هو الإنسان الذي ليس مثله، ليس إنساناً عادياً. هو الإنسان محل الخلاف والقضية أيها اليهود. بل وحتى الآن. هي نبوة من بيلاطس دون أن يدرى كما تنبأ قيافا دون أن يدرى (يو50:11،51).
آية(6): "فلما رآه رؤساء الكهنة والخدام صرخوا قائلين اصلبه اصلبه قال لهم بيلاطس خذوه انتم واصلبوه لأني لست أجد فيه علة."
كان فعلاً لابد للصلب أن يتم ليتم الفداء. ونرى حتى هذه اللحظة أن بيلاطس غير موافق على الصلب. وبذلك حمَل بيلاطس اليهود دم المسيح (أع13:3-15). ولكن خطأ بيلاطس أنه فضّل موت المسيح وهو يعلم ببراءته حتى لا يحدث إضطراب سياسي أو تُشَوَّهْ صورته لدى قيصر .
آية(7): "أجابه اليهود لنا ناموس وحسب ناموسنا يجب أن يموت لأنه جعل نفسه ابن الله."
اليهود هنا يرفضون المساومة مع بيلاطس رفضاً تاماً. ومعنى كلامهم أن حكمهم على المسيح هو حكم إلهى وما على بيلاطس سوى التنفيذ. واليهود هنا أظهروا للوالي الوثني معتقد اتهم الدينية لعله يقبل بصلبه أي لو وجدته أنت بريئاً من الناحية المدنية فهو من ناحية ديننا فهو محكوم عليه. ولكن ذكرهم أنه إبن الله أتى بأثر عكسي إذ خاف منه بيلاطس.
آية(8): "فلما سمع بيلاطس هذا القول ازداد خوفاً."
لقد أحس بيلاطس بالرهبة في حديثه أولاً مع المسيح حين ذكر أصله الإلهي، والآن يزداد خوفاً حينما يسمع أن المسيح هو إبن الله. وبحسب فكر بيلاطس الروماني أنه بدأ يدخل حرباً مع الآلهة. فالرومان يعتقدون أن الآلهة يمكن أن تتجسد وتنزل وسط الناس.
آية(9): "فدخل أيضاً إلى دار الولاية وقال ليسوع من أين أنت وأما يسوع فلم يعطه جواباً."
من أين أنت= يقصد هل أصلك سماوي أم أرضى. والمسيح لم يرد فبيلاطس لن يفهم لأن مفاهيم بيلاطس عن البنوة لله مأخوذة من الأساطير اليونانية. فهو لن يفهم قطعاً ما هو المقصود. فإن كان اليهود وعندهم النبوات لم يفهموا أفيفهم بيلاطس.
الآيات(10،11): "فقال له بيلاطس أما تكلمني الست تعلم أن لي سلطاناً أن أصلبك وسلطاناً أن أطلقك. أجاب يسوع لم يكن لك علي سلطان البتة لو لم تكن قد أعطيت من فوق لذلك الذي أسلمني إليك له خطية اعظم."
المسيح هنا يشرح لبيلاطس من أين يستمد سلطانه، فهو يصحح معلومات بيلاطس. هنا المسيح يشرح لبيلاطس أن الله هو ضابط الكل، وأن أي شئ يصيبنا هو بسماح من الله وليس بسبب سلطان الرؤساء. فنحن في يد الله ولسنا في يد إنسان. فالله هو الذي أعطى السلطان للرؤساء [رو1:13+أع23:2+26:4-28]. وإن هذا ليشعرنا بمنتهى الإطمئنان. "التقليد القبطي يقول أن بيلاطس وزوجته صارا مسيحيين وإستشهدا"
لهُ خطية أعظم= فبيلاطس أخطأ لأنه إستخدم القانون المدني تقتل المسيح خوفاً ولكن رؤساء الكهنة خطيتهم أعظم إذ هم إستخدموا الناموس الإلهي في تلفيق تهمة ضد المسيح، فهم خطيتهم تعتبر قتل مع سبق الإصرار والتعمد.
آية(12): "من هذا الوقت كان بيلاطس يطلب أن يطلقه ولكن اليهود كانوا يصرخون قائلين أن أطلقت هذا فلست محباً لقيصر كل من يجعل نفسه ملكاً يقاوم قيصر."
رد المسيح على بيلاطس جعله يزداد خوفاً، وكان يريد إطلاقه، وهنا يتمسح رئيس الكهنة بقيصر، فإن رفض بيلاطس قتل المسيح يلصق به تهمة خيانة قيصر ورئيس الكهنة بفعلته هذه ترك الله ليذهب لأوثان قيصر. في لحظة إنقلب هؤلاء اليهود المتعصبون للناموس إلى رومان متعصبين لقيصر. محباً لقيصر= كان هذا لقب الضباط العظام الذين يقومون بأعمال جليلة لحساب الإمبراطورية. واللقب المضاد "ليس محباً لقيصر" يشير للخيانة وهذا ما قالوه لبيلاطس يقام قيصر. وكان طيباريوس قيصر سامعاً للوشايات يلقى بمن يتهم بأنه ضده مع المنبوذين ويرفع من يسمع عنهم أنهم يحبونه. لذلك خاف بيلاطس أن تصل هذه التهمة لطيباريوس. "ويقول يوسيفوس أن بيلاطس وُشى به بعد ثلاث سنوات عند طيباريوس فعزله فإنتحر يأساً"
ولاحظ أن السنهدريم حاكموا المسيح بتهمة دينية بأنه إدعى أنه إبن الله. ولما ذهبوا لبيلاطس إتهموه بتهمة مدنية أنه ضد قيصر ويمنع دفع الجزية (لو2:23). ولماّ برأه بيلاطس من هذه التهمة (لو14:23) بل وهيرودس (لو15:23) غيروا التهمة أمام بيلاطس إلى تهمة دينية مرة أخرى (يو7:19). وحاول بيلاطس إطلاقه إذ شعر بزيف التهمة. فغير اليهود كلامهم ثانية أن يسوع يقاوم قيصر (يو12:19). ما يحدث هو تلفيق تهم ضد المسيح لقتله بآي وسيلة.
آية(13): "فلما سمع بيلاطس هذا القول اخرج يسوع وجلس على كرسي الولاية في موضع يقال له البلاط وبالعبرانية جباثا."
بيلاطس أدرك خطة اليهود الخبيثة ضده فلم يجازف بحياته بل ضحى بالمسيح وكان شعاره فلأحيا أنا وليمت المسيح. جلس على كرسي الولاية= لينطق بحكم الصلب ضد المسيح. جبّاثا= البلاط= هو رصيف مرتفع مرصوف بقطع بلاط مرمر يتبع البيت وهو مرتفع مستدير ليراه كل الواقفين. يقع بين قاعة أنطونيا وبين الهيكل. وكان يجلس عليه الوالي وقت إصدار الأحكام.
آية(14): "وكان استعداد الفصح ونحو الساعة السادسة فقال لليهود هوذا ملككم."
هنا يحدد يوحنا يوم الحكم= إستعداد الفصح وساعة الحكم= السادسة= أنظر موضوع الساعة السادسة فيما يلي. ويوم الجمعة عموماً ماّ يسمى الإستعداد للسبت ولكن هذه الجمعة إسمها بالذات إستعداد الفصح لأن الفصح كان يوم السبت لذلك سمى هذا السبت عظيماً (آية31) هوذا ملككم= هنا بيلاطس يسخر من اليهود. ولكنه دون أن يدرى يسجل الحقيقة.
آية(15): "فصرخوا خذه خذه اصلبه قال لهم بيلاطس أأصلب ملككم أجاب رؤساء الكهنة ليس لنا ملك إلا قيصر."
هم يريدون أن يتخلصوا من المسيح الذي يبكتهم. أأصلب ملككم= فيها أيضاً سخرية من بيلاطس فاليهود ملكهم هو الله. ولكنهم بلعوا السخرية بل زادوها بقولهم ليس لنا ملك إلاّ قيصر= ولنلاحظ أن الذي قال ذلك ليس الشعب إنما رؤساء الكهنة وقارن مع (يو33:8). نجدهم هنا وقد طمسوا معالم إيمانهم بل لقد جدّفوا. والله إستمع لما طلبوه فملًّك عليهم قيصر فأذلهم بل أحرقهم وأحرق دولتهم وإستعبدهم وشتتهم في كل الأرض "مخيف هو الوقوع في يدي الله الحي" (عب31:10) ولكن لنلاحظ أن الله إستخدم والٍ وثنى ليسمع اليهود ورؤساء كهنتهم كلام حق.
آية(16): "فحينئذ أسلمه إليهم ليصلب فاخذوا يسوع ومضوا به."
حسب القانون الروماني كان يتحتم أن يمر يومان على الأقل بين صدور الحكم بالإعدام ويوم تنفيذه. بل في أيام طيباريوس قيصر صارت المدة عشرة أيام، لعله يظهر دليل براءة للمتهم فلا يتم التنفيذ. ولكن عموماً لم يراعى أحد القوانين في هذه القضية فاليهود متشوقين لقتله سريعاً خوفاً من تردد بيلاطس. هم حسبوا أن بيلاطس قد يأمر ثانية بإطلاق سراحه. وجنود الرومان ملهوفين على ذلك بدافع غطرستهم وتعصبهم لجنسهم (مزمور1:2،2) ومع أن الذي قام بالصلب عساكر الرومان قيل اسلمه إليهم ليصلب فمسئولية الصلب واقعة على اليهود حتماً.
هل صلب المسيح في الساعة الثالثة أم السادسة
في (مرقس 25 : 15) وكانت الساعة الثالثة فصلبوه."
وفى ( يوحنا 19 : 14) "وكان استعداد الفصح ونحو الساعة السادسة فقال لليهود هوذا ملككم."
في (مر25:15) وكانت الساعة الثالثة فصلبوه وفي (يو14:19) وكان إستعداد الفصح ونحو الساعة السادسة فقال (بيلاطس) هو ذا ملككم.. فحينئذ أسلمه اليهود ليصلب:
كان اليهود يقسمون الليل إلى 4ساعات كبيرة ويقسمون النهار إلى 3ساعات كبيرة (الساعة الكبيرة = 3ساعات بتوقيتنا).
وتبدأ ساعات النهار عند شروق الشمس ولمدة (3ساعات بحسب ساعاتنا وتسمى الساعة الأولى. وتبدأ بعدها الساعة الثالثة ولمدة (3ساعات) وبعدها الساعة السادسة. وبهذا تنتهي الساعة الثالثة عند نصف النهار وتنتهي الساعة السادسة عند بعد الظهر وتمتد الساعة التاسعة للغروب. ولم تكن هناك ساعات في يدهم لتحديد الزمن، بل بالتقريب. وربما يطلقون على نهاية الساعة الثالثة أنها الساعة السادسة وعلى بداية السادسة أنها الثالثة. فالتدقيق في الساعات لم يكن مهماً في ذلك الوقت. فإن قال مرقس أن الصلب قد حدث في الساعة الثالثة فهو يقصد نهايتها وإذا قال يوحنا أن الصلب حدث في الساعة السادسة فهو يقصد بدايتها وكلاهما يصح التعبير عنه بطريقتهم كما حدث. ويقول أحد المفسرين أن نهاية أحد السواعى هو إبتداء الساعة الأخرى والقدر الذي بين الساعتين من الزمان مجهول. والفعل قد ينسب إلى زمانين (الثالثة والسادسة) لجواز وقوع طرفيه في طرفيهما، أي طرف الساعة الثالثة وطرف الساعة السادسة.
شروق الشمس
الساعة الأولى
الساعة الثالثة
الساعة السادسة
الساعة التاسعة
أحداث الصلب
بدأت في الثالثة وعلِّق السيد في السادسة
وأحداث الصلب (تسليم بيلاطس السيد في يد اليهود/ الحكم بالصلب/ الجلد/ الإهانات/ كتابة اللوح/إقتسام الجند لثيابه/محاورة اللصين/ إستهذاء العابرين/ إعتراض المجتازين/ صلب المسيح على الصلب) هذه الأحداث بدأت في الساعة الثالثة وإنتهت في الساعة السادسة. والظلمة حدثت في الساعة السادسة وإستمرت حتى الساعة التاسعة. وغالباً فقد قصد مرقس أن هذه الأحداث بدأت بصدور الحكم الذي صدر في خلال الساعة الثالثة. ويوحنا يشير بقوله نحو الساعة السادسة أن الأحداث التي يشير إليها كانت في نهاية الساعة الثالثة وقد إقتربنا من الساعة السادسة. أماّ قول مرقس فصلبوه فيشير لصدور الحكم ضد السيد بالصلب وبداية الأحداث وإتفاق قرار بيلاطس مع إرادة اليهود في الصلب.
· إلاّ أن بعض المفسرين ذهبوا لأن يوحنا يقصد بقوله الساعة السادسة أنها الساعة بالتوقيت الحالي أي فجراً ودليلهم على ذلك أن يوحنا كان يعيش في أفسس التي كانت تستخدم توقيتات مشابهة، وأنه عُثِرَ على كتابات تعود لذلك الزمان أن الشهيد فلان أستشهد في الساعة الثامنة صباحاً. والشهيد فلان أستشهد في العاشرة صباحاً مماّ يشير لإستخدام توقيت مشابه لتوقيتنا. والرأي الأول أرجح.
(يو16:19-37)
آية(17): "فخرج وهو حامل صليبه إلى الموضع الذي يقال له موضع الجمجمة ويقال له بالعبرانية جلجثة."
كان مكان المحاكمة قريباً من الباب الشمالي الغربي المؤدى إلى خارج المدينة حيث مكان الصلب. فخرج وهو حاملٌ صليبه= فخرج= تشير لخروجه خارج المحلة (أورشليم) ليحرق كذبائح الخطية والكفارة (لو31:9). أما عن الصليب يقول التاريخ أنه لم يستطع حمله سوى إلى باب المدينة ويقال أنه سقط به 3مرات. وبعد خروجه بدأ طريق الآلام (عب11:13-14). والمسيح خرج من دار الولاية أمام قلعة أنطونيا عبر شوارع المدينة من المرتفع الذي يقال له جبَّاثا. وكان النسوة يستقبلنه بالبكاء. وخرج من باب سور المدينة الشمالي الغربي الذي يُدعى باب دمشق لأنه قرب الطريق المؤدى إلى دمشق. وسموه بعد ذلك باب إسطفانوس فخارج هذا الباب رجموا إسطفانوس. موضع الجمجمة= بالعبرانية جولجوثا وباليونانية إكرانيون وباللاتينية كالفاريا. ومكان الصلب سمى هكذا حسب رأى البعض أنه فيه دُفِن آدم ورأى آخر أن الصخرة تشبه الجمجمة ورأى ثالث أن المكان مخصص للرجم والصلب وبه جماجم كثيرة. ومكان الصلب كان على بعد دقائق من باب المدينة (يو20:19) وكان يوجد في المكان بستان به المغارة التي دفن فيها المسيح، وفي هذا المكان قدم اسحق ذبيحة.
آية(18): "حيث صلبوه وصلبوا اثنين آخرين معه من هنا ومن هنا ويسوع في الوسط."
الرومان جعلوا الصلب للمجرمين الخطرين في مستعمراتهم، وأيضاً للعبيد. ولما جاء قسطنطين وقَبِل الإيمان المسيحي الغي الحكم بالصلب وأنتهي من العالم نهائياً بمنشور تحذيري. والتقليد القبطي يقول أن إسم اللص اليمين هو ديماس. وهناك تفسير لماذا لم يذكر يوحنا حديث اللصين وتعييرات الناس؟ يقول التفسير أن يوحنا ذهب ليحضر العذراء مريم، فأتى بعد أن صُلِب المسيح وهو لا يذكر سوى ما رآه.
آية(19): "وكتب بيلاطس عنواناً ووضعه على الصليب وكان مكتوباً يسوع الناصري ملك اليهود."
كانت العادة الرومانية أن يوضع فوق رأس المصلوب لوحة بها إسمه وعلَّة صلبه (مت37:27). وهناك تفسير لماذا إختلف البشيرون فيما كتب على هذه اللوحة أن المكتوب كان بثلاث لغات وربما إختلف ما جاء بكل ترجمة، والتفسير الآخر أن البشيرين إهتموا بالمعني وليس بالحرف. وما كتب كان بالعبرية واللاتينية واليونانية
العبرانية = هي لغة الشعب والكتاب المقدس والدين اليهودي، وبهذا كانت الكتابة بالعبرية فيها شهادة أن يسوع المصلوب هو المسيا الموعود.
اللاتينية = لغة الحكام والسياسة. وهذه الكتابة شهدت أن المسيح ملك الملوك، ملك المؤمنين.
اليونانية = هي لغة الثقافة والفلسفة التي كانت سائدة في العالم كله. ولغة الفلسفة شهدت أن المسيح هو رب الحق.
ولنلاحظ أن اليونانية سادت العالم كله وبهذا إنتشر الإنجيل الذي كُتِبَ باليونانية.
وحينما إمتلك الرومان العالم إهتموا بشق الطرق في كل مكان لتؤدى إلي روما وكانوا على كل طريق يكتبون المسافة إلى روما. ومن هنا جاء المثل "كل الطرق تؤدى إلى روما" وشق الطرق أدى لسهولة إنتقال الرسل عبر العالم كله لينتشر الإنجيل.
ولماذا كتب بيلاطس يسوع الناصري ملك اليهود INRI
1- هو كتبها باللاتينية ليظهر لقيصر أنه قتل من إدّعى الملك وقاوم قيصر، فيكافئه.
2- كتبها بالعبرانية إهانة لشعب اليهود، فهوذا ملككم مصلوباً، فهو مغتاظ منهم لأنهم قاوموه وأصروا على صلب المسيح وكان هو يريد أن يطلقه. وهو لم يعبأ بإحتجاجهم، بل هو أعلن أمامهم أن حجتهم في شكايته لقيصر قد إنتهت بصلب ملك اليهود. وربما أراد أن يحررهم من إنتسابهم الزائف إلي قيصر.
3- والبعض قالوا أن بيلاطس كان يكن للمسيح شعوراً فائقاً جعله يكتب هذا تعبيراً عن مشاعره وتقديراً له وإعتذاراً عما حدث.
آية(20): "فقرا هذا العنوان كثيرون من اليهود لأن المكان الذي صلب فيه يسوع كان قريباً من المدينة وكان مكتوباً بالعبرانية واليونانية واللاتينية."
لأن مكان صلب المسيح كان على مقربة من الطريق المؤدى إلى دمشق، وهو طريق هام وعام. قرأ العنوان كثيرون من الداخلين والخارجين إلى المدينة. ونلاحظ أن الوقت كان وقت الفصح والزائرين بمئات الألوف أو بالملايين. وهم حملوا هذه الأخبار للعالم كله فمهدوا الطريق للبشارة.
آية(22): "أجاب بيلاطس ما كتبت قد كتبت."
لقد نصَّب المسيح نفسه ملكاً على العالم بالصليب وإستخدام بيلاطس ليعلن هذا للعالم.
الآيات(23،24): "ثم أن العسكر لما كانوا قد صلبوا يسوع اخذوا ثيابه وجعلوها أربعة أقسام لكل عسكري قسما واخذوا القميص أيضاً وكان القميص بغير خياطة منسوجاً كله من فوق.فقال بعضهم لبعض لا نشقه بل نقترع عليه لمن يكون ليتم الكتاب القائل اقتسموا ثيابي بينهم وعلى لباسي القوا قرعة هذا فعله العسكر."
يقول يوسيفوس أن القميص المنسوج كله من فوق بغير خياطة لم يحل لبسه إلاّ لرؤساء الكهنة، وبالتالي فهذا القميص الذي يشبه ملابس رئيس الكهنة جعل المسيح يذهب إلى صليبه كرئيس كهنة يقدم ذبيحته. وكان القميص بهذه الطريقة ثمين جداً لذلك لم يشقوه بل ألقوا عليه قرعة. وكونهم لا يشقوه فهو يشير للكنيسة التي لا تنشق ولا تنقسم (قارن مع مزمور22. والعسكر هم عساكر الرومان). منسوجاً من فوق= إشارة لأن الله هو الذي أسس كنيسته ليس لإنسان أن يمزقها.
آية(25): "وكانت واقفات عند صليب يسوع أمه وأخت أمه مريم زوجة كلوبا ومريم المجدلية."
بعد أن إطمأن اليهود أن فريستهم قد صُلِبَ ذهبوا لإعداد الفصح فتركوا المكان وأعطوا فرصة لأحبائه أن يقتربوا من الصليب، فإقترب يوحنا مع العذراء الأم.
وفي (مت56:27) نجد من حول الصليب مريم المجدلية ومريم أم يعقوب ويوسى وأم إبنى زبدى. وفي (مر40:15) نجدهم مريم المجدلية ومريم أم يعقوب الصغير ويوسى وسالومه وهنا نجدهم أمُّه وأخت أمه مريم زوجة كلوبا ومريم المجدلية. وفي الترجمات الإنجيليزية جاءت الآية أمه وأخت أمه، مريم زوجة كلوبا ومريم المجدلية وبالتالي نفهم أنهن كن أربعة حول الصليب
(مت56:27)
مريم المجدلية
مريم أم يعقوب ويوسى
أم إبنى زبدى
(مر40:15)
مريم المجدلية
مريم أم يعقوب
الصغير ويوسى
سالومة
(يو25:19)
أمه (العذراء)
مريم المجدلية
مريم زوجة كلوبا
أخت أمه
1)من هذا الجدول نفهم أن سالومة هي أخت العذراء مريم وزوجها إسمه زبدى وهي أم يوحنا ويعقوب الكبير إبنا زبدى. وبالتالي فيوحنا هو إبن خالة السيد المسيح وهو تواضعاً لم يذكر إسم أمه. كما يتحاشى ذكر إسمه هو شخصياً.
2)مريم زوجة كلوبا (وإسمه حلفى أيضاً) ويوحنا أسماها زوجة كلوبا حتى لا يظن أحد أنها أمه (أو أم يعقوب أخيه) لو قال أم يعقوب. وهي لها ولدان يعقوب الصغير ويوسى. (يعقوب الكبير هو أخو يوحنا). ومرقس قال أم يعقوب الصغير حتى لا يظن أحد أنها أم يعقوب ويوحنا. وطبعاً فإن يعقوب ويوسى هنا هم غير يعقوب ويوسى إخوة الرب (مر3:6).
3) يوجد شخصان بإسم يعقوب، أكبرهم سناً هو يعقوب بن زبدى أخو يوحنا وأصغرهم سناً هو يعقوب بن حلفى (أو كلوبا).
4)متى لم يحدد يعقوب بأنه الصغير إذ هو أورد اسم يعقوب الآخر بقوله إبنى زبدى وهما معروفان بأنهما يعقوب الكبير ويوحنا. فلم يجد ضرورة لتعريف يعقوب بن حلفى بأنه الصغير.
5) يوحنا يذكر أولاً العذراء مريم ثم أختها دون أن يذكر إسمها. ويبدو أن العذراء مريم لم يكن لها سوى أخت واحدة.
6)لم يذكر متى ومرقس وقوف العذراء بجانب الصليب لأنها غالباً لم تكن موجودة منذ بداية الصلب وأن يوحنا أتى بها أخيراً. وهو قد أحضرها لأنه شعر أن السيد يريد أن يودعها وهي أيضاً. وهذا ما حدث فعلاً (آية 26).
آية(26): "فلما رأى يسوع أمه والتلميذ الذي كان يحبه واقفاً قال لأمه يا امرأة هوذا ابنك."
يا إمرأة هو ذا إبنك= صارت أماً للتلميذ الذي يحبه يسوع بل هي صارت أماً لكل كنيسة يسوع، جسده. والمسيح هنا يسميها إمرأة وهذه صفة الأم، أم الكنيسة جسد إبنها يسوع. فنحن بالمعمودية بالروح القدس نصير جسد المسيح وبهذا أيضاً صار يوحنا أخاً للمسيح، لقد رفعه المسيح الذي صار بكراً بين إخوة كثيرين (عب11:2). كلٌ منا إبن لحواء وإبن للعذراء مريم لقد سميت حواء إمرأة وصارت أماً للعالم والعذراء سميت إمرأة لكونها صارت أم الكنيسة.
آية(27): "ثم قال للتلميذ هوذا أمك ومن تلك الساعة أخذها التلميذ إلى خاصته."
كون أن المسيح يسلم العذراء ليوحنا فهذا دلالة قاطعة على أنها لم يكن لها أولاد آخرين بالجسد وإلاّ لكان قد أسلمها لهم وهي أيضاً خالته. ونرى هنا أن المسيح رفع مستوى الأمومة والبنوة من مستوى الجسد واللحم والدم إلى أمومة روحية وبنوة روحية. هي وحدة روحية لبناء الكنيسة. ويوحنا أخذ العذراء فوراً معهُ في علية صهيون وكانت معهم يوم الخميس. وهي إستمرت مع يوحنا 11سنة في أورشليم ثم رافقته إلى أفسس وغالباً ماتت هناك إذ يوجد قبر للعذراء مريم في تركيا. ولكن يوجد قبر آخر للعذراء بنت عليه الملكة هيلانة كنيسة يقول تقليد آخر أنه قبر العذراء. وكان يوحنا من الجليل ولكن غالباً لهُ بيت في أورشليم أخذ العذراء مريم إليه.
آية(28): "بعد هذا رأى يسوع أن كل شيء قد كمل فلكي يتم الكتاب قال أنا عطشان."
(مز15:22+21:69). ونلاحظ أن المسيح لم يشتكى كل مدة الصلب إلاّ بهذه العبارة لأنه كان قد وصل لقمة العذاب، وسال دمه وعرقه ووصل إلى لحظة الإحتضار بعد سلسلة من الآلام الجسدية كان قمتها الصلب وألام نفسية من خيانة الأحباء وتخلى التلاميذ وإستهزاء الناس وألام روحية إذ حجب الآب وجهه عنه حينما حمل خطايا العالم وصار ذبيحة إثم أمام الله. والمسيح لم ينتبه إلى ألامه وعطشه إلاّ بعد أن تمم الخلاص وكان كل شئ قد كمل، وتمم كل النبوات (أع27:13-29). والخل الذي شربه كان يزيد من إحساسه بالعطش. ولكن لو قارننا هذه العبارة بقول السيد للسامرية "إعطني لأشرب" فنفهم أن السيد كان عطشان لخلاص النفوس.
آية(29): "وكان إناء موضوعاً مملؤاً خلاً فملأوا إسفنجة من الخل ووضعوها على زوفا وقدموها إلى فمه."
الخل هو نوع من النبيذ الرخيص يستعمله الجنود. وكان من أعمال الرحمة للمصلوب أن يسقوه خلاً مع مرارة لتسكين الألم لذلك كانت الزوفا والإسفنجة موجودتين بالمكان للزومهما لعملية الصلب (أم6:31).
آية(30): "فلما اخذ يسوع الخل قال قد اكمل ونكس رأسه واسلم الروح."
المسيح أسلم روحه بإرادته وهو في ملء الحياة. وقوله قد أكمِلَ= هي صرخة النصر الأخيرة فهو أكمل الخلاص. نكس رأسه= أي أمال رأسه. وكل إنسان يسلم الروح ثم ينكس الرأس بغير إرادته. فالإنسان يظل رافعاً رأسه بقدر إمكانه حتى آخر لحظة حتى يمكنه التنفس وإذ يموت تسقط رأسه. أماّ المسيح ففعل العكس إذ نكس رأسه ثم أسلم الروح فهو أسلمها بإرادته ونكس رأسه بإرادته (يو18:10) وهكذا قال إشعياء "سكب للموت نفسه" (12:53) فلم تؤخذ روحه منه كالبشر بل سكب هو نفسه بنفسه، بإرادته، أسلم روحه في يد أبيه كمن يستودع وديعة هو وشيك أن يستردها.
آية(31): "ثم إذ كان استعداد فلكي لا تبقى الأجساد على الصليب في السبت لأن يوم ذلك السبت كان عظيماً سأل اليهود بيلاطس أن تكسر سيقانهم ويرفعوا."
استعداد= كل يوم جمعة أسمه إستعداد. وكان هذا السبت عظيماً لأنه يوم الفصح. ولكنه صار عظيماً إذ دخل المسيح فيه إلى راحته وأدخلنا معه للراحة. وكان الرومان إمعاناً في التشهير بالمجرمين يصلبون المصلوب عارياً تماماً ولكن اليهود منعوا ذلك فكانوا يسترون المصلوب وحرّموا صلب المصلوب عارياً تماماً. وكان الرومان يتركون الجثة على الصليب لأيام حتى تفتك بها الطيور عبرة لكل مجرم ولزيادة هيبة القانون. ولكن الناموس اليهودي يمنع ذلك (تث23:21). ولذلك ذهب اليهود لبيلاطس يطالبون بكسر سيقان الكل حتى لا تبقى الأجساد على الصلبان، فهم يبحثون هنا عن تتميم حرفية الناموس خصوصاً أن هذا السبت كان يوم الفصح، وكان سبت فلا يصح أن تترك في نظرهم الأجساد عل الصلبان. ولكن غالباً كان هذا مزيد من التشفي من المسيح ولضمان موته. وكانوا يكسرون السيقان بمطرقة خشبية ثقيلة، وهو عمل وحشي لا يطيق الإنسان النظر إليه. والمصلوب قد يبقى على الصليب لأيام ينازع الموت لكن بتكسير السيقان يموت سريعاً. ولذلك تعجب بيلاطس أنه مات سريعاً على غير العادة. وإذا لم يمت المصلوب بتكسير ساقيه طعنوه بحربة في القلب وهنا ما فعلوه مع المسيح ليطمئنوا أنه مات. لكن ما حدث كان بترتيب إلهي ليخرج الدم والماء فنري أن جسد المسيح بالرغم من موته كان فيه حياة لإتحاده باللاهوت.
آية(32): "فآتى العسكر وكسروا ساقي الأول والآخر المصلوب معه."
كان لكل مصلوب حارس، وحارسا اللصين تقدما وكسرا أقدامهما أولاً.
آية(33): "وأما يسوع فلما جاءوا إليه لم يكسروا ساقيه لأنهم رأوه قد مات."
الإنسان بطبيعته يتعلق بالحياة فيقاوم الموت لذلك يصارع الإنسان الموت ويبقى معلقاً على الصليب فترة طويلة، أماّ المسيح فإذ أكمل مهمته أسلم روحه سريعاً إذ هو غير متعلق بالأرض، بل هو مشتاق أن يذهب ليكرز للأرواح التي في السجن ويخرج من كانوا في الجحيم (1بط19:3).
آية(34): "لكن واحداً من العسكر طعن جنبه بحربة وللوقت خرج دم وماء."
(زك10:12) هم طعنوه ليتأكدوا من موته. وبطعنة هذا العسكري تحققت النبوة أولاً وتحقق الجميع أن المسيح مات فعلاً فلا يقول اليهود حينما يقوم المسيح أنه كان فاقداً لوعيه. وللوقت حينما طعنه العسكري خرج دم وماء خرج دم حي خلافاً لما قد ينزل من أي إنسان ميت حين يطعن والميت يتجمد الدم في عروقه. وخرج مع الدم ماءٌ نقى، والميت لا يخرج منه ماء نقى. إذاً خروج دم وماء من جسد ميت يخالف طبيعة الإنسان. وهذا فيه إشارة واضحة أن الجسد مات ولكن لم يَرَ فساداً. وبالتالي فهو جسد إبن الله حقاً. وبسبب ما حدث نمزج في كأس الإفخارستيا ماء مع الخمر. نحن هنا أمام صورة ذبيحة حية فما أمامنا يخالف الموت الطبيعي وعلاماته، هي ذبيحة حية ناطقة على المذبح الناطق السمائي تعلن أن الفداء قد تم والعقوبة استكملت، ومات الحي الذي لا يموت. وكانت الحياة في هذا الجسد الميت راجعة لأن لاهوت المسيح لم يفارق ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين، لكن الروح الإنسانية فارقته، وظل لاهوته متحد بناسوته في القبر، ولاهوته متحد بروحه الإنسانية التي ذهبت للجحيم لتفرج عن المحبوسين وتنطلق بهم إلى الفردوس.
كان موت المسيح كما شبهه داود كنائم ثمل من الخمر (مز65:78،66). إذاً خروج الدم والماء من جنبه يلزم أن يُعتبر كعلامة حياة وسط الموت. فبينما كان ميتاً على الصليب كان حياً بلاهوته فلاهوته ظل متحداً بناسوته حتى بعد أن مات. وهذا ما أعطى لناسوته حياة. ونلاحظ أن الذي إهتم بتسجيل هذه الحادثة هو يوحنا الذي كتب إنجيله ليثبت أن المسيح هو إبن الله، فهو يثبت لاهوته ويهتم بالأحداث التي تثبت لاهوته، خصوصاً أنه هو وحده الذي كان بجانب الصليب ورأى خروج الدم والماء من جنب المسيح.
لنجينوس:
هذا هو إسم الجندي الذي طعن المسيح بالحربة فخرج من جنبه دمٌ وماء. وهذا قد حيَّر لنجينوس، خصوصاً بعد ما شاهده من إظلام الشمس والزلزال ثم غالباً كان هو من حراس القبر و شاهِدْ على القيامة، وسأل الله أن يرشده عمن يكون المسيح فأرسل الله لهً بطرس وبشره فآمن وترك الجندية وذهب إلى بلاده ليبشر بالمسيح، وسمع بيلاطس بهذا فأرسل إلى طيباريوس قيصر الذي أمر بقطع رقبته و أستشهد لونجينوس وتُعَيِّدْ له الكنيسة بذكرى استشهاده في يوم 23أبيب (السنكسار).
خروج الدم:
دم المسيح قدم الصلح( كو20:1) + التقديس(عب29:10) + أن به نغلب(رؤ11:12) + وفيه الصفح عن الخطايا السالفة(رو25:3)+ وبه نحصل علي التبرير المجانى(رو9:5) + وبه نغتسل من كل دنس و تعدِّ ونصير أطهاراً أمام الله(رؤ5:1): وبهذا الدم يكون المسيح قد اشترانا من العالم لحساب الله أبيه لنحيا معه(رؤ9:5)+ وبه نتطهر من جميع خطايانا(ايو7:1). فالفداء والكفارة والخلاص كلهم يدورون حول الدم، الدم المسفوك من ذبيحة أكملت حتى الموت التام، دماً حياً فيه قوة حياة أبدية، من ذبيحة إلهية ماتت موتاً إختيارياً وهي بلا عيب ولا لوم. وكان العهد القديم يكرر أن الدم هو حياة ولذلك يمنع العهد القديم شرب الدم نهائيا فالحياة، حياة الذبيحة هي لله (تك4:9+لا17:3+لا27:7). الدم كله لله يرش تحت المذبح(لا2:3،8) إذاً خروج الدم إشارة للحياة، ولاشك فدم المسيح هو بروح أزلي قدَّم لنا الصلح والفداء، هو ثمن مدفوع لله الآب عن خطايانا. ويوحنا فم الذهب يقول أن الكنيسة تأسست بالدم والماء. فنحن نولد ثانية من الماء وطعامنا هو جسد المسيح ودمه. ويقول فم الذهب إن من يشرب دم المسيح في سر الإفخارستيا فهو يشرب من جنب المسيح المطعون. إذاً طعنة الجندي كانت لا لتميت المسيح فهو كان قد مات قبلها، بل أظهرت وجود حياة تخرج من هذا الجسد المائت.
خروج الماء:
كان خروج الماء من الصخرة حين ضربها موسى بالعصا رمزاً لخروج الماء من جنب المسيح. فالمسيح كان الصخرة (1كو4:10). وهكذا يرمز الماء الذي خرج من تحت عتبة البيت (الهيكل) (حز1:47-12) لهذا الماء الخارج من جنب المسيح.
ونلاحظ أن عصا موسى كانت ترمز للصليب وللحربة التي بها ضرب المسيح. وبنفس المفهوم تنبأ يوئيل (18:3) (السنط يشير للحياة بعيداً عن الرب)
إذاً ما هو الماء؟ يقول السيد المسيح من آمن بي تخرج من بطنه أنهار ماء حي .. قال هذا عن الروح القدس (يو38:7،39). إذاً كان خروج الماء من جنب المسيح أعظم تعبير عن الروح الذي استعلن منسكباً من جسد المسيح الميت، فهو مات ليعطينا الروح القدس المحيى، وهو وعد بأن يُرسِلهُ. إذاً كان الماء الذي خرج من جنب المسيح يحمل الحياة. والمعمودية هي موت المسيح وقيامته وحياة مع المسيح، وهي إغتسال روحي بالماء الذي خرج من جنب المسيح الميت الحامل للحياة، أي أننا إذ نموت معهُ ننال الحياة من سر الماء لنحيا كما هو حي، وهذا معنى الولادة الجديدة (موت مع المسيح وحياة مع المسيح). فموت الولادة اللحمية أي بالجسد ماته المسيح من أجلنا، حتى نجوز مباشرة بموته إلى الولادة الثانية الروحية، أي نحيا معه، فهذا الماء الخارج من الجسد الميت هو ماء محيى حامل الحياة الجديدة لنا، هو أعظم تعبير عن سر المعمودية. وقيل أن الماء يشير للمعمودية العادية بينما أن الدم يشير لمعمودية الدم أي الإستشهاد من أجل المسيح.
الدم والماء:
هما معاً سر إستبدال الموت بالحياة في الإغتسال بالماء الحي الخارج من جنب المسيح الميت إذ حين ندفن مع المسيح في المعمودية نقوم معه متحدين به فتكون لنا حياة (رو3:6-5) والروح القدس هو الذي يوحدنا بالمسيح في موته وقيامته عند نزولنا وخروجنا من الماء. وذلك بعد الإنفكاك من أسر العبودية للخطية بالفداء بسر الدم الذي نبع من جنب المطعون أي من الذبيحة الحية.
وأغسطينوس شبه رقاد آدم ليصنع الله من ضلعه حواء، بموت المسيح على الصليب لتولد الكنيسة من جنبه المطعون. لأنه لما عُلِّق المسيح على الصليب ومات وصار بلاحياة شابه آدم الراقد في سبات. ولماّ طُعِنَ في جنبه خرج دمٌ وماء وهما السران الرئيسيان اللذان بنيت بهما الكنيسة التي هي حواء الجديدة (المعمودية والإفخارستيا) ونلاحظ أنه في العهد القديم كان الماء يستخدم لغسل الأدوات والآنية والأجساد للتطهير، والدم كان يرش للتطهير (راجع مر4:7+عب19:9-22) لكن التطهير في العهد القديم كان للجسد من الخارج، أماّ الدم والماء اللذان خرجا من جنب المسيح فهما للتطهير والتقديس الروحي الداخلي، حتى الضمير (عب14:9+مت28:26). والماء صار ماءً للمعمودية لغسل الخطايا (أع16:22+تى5:3) بل للدخول لملكوت الله (يو5:3). ونلاحظ أن يوحنا وضع الدم قبل الماء لأنه يجب الإيمان والإعتراف بالدم المسفوك على الصليب قبل المعمودية.
ومن رسالة معلمنا يوحنا الأولى (1يو8:5) نجد أن هناك ثلاث شهود هم الماء والدم والروح. الروح الذي يعمل في الماء في سر المعمودية، والروح الذي يحول الخمر إلى دم في الإفخارستيا. والروح القدس بعمله في المؤمنين بعد أن يلدهم من الماء ويعطيهم حياة وتقديس في الإفخارستيا ويكرسهم ويخضعهم لله في سر الميرون يشهد في حياتهم للمسيح.
آية(35): "والذي عاين شهد وشهادته حق وهو يعلم انه يقول الحق لتؤمنوا انتم."
يوحنا يعلن أنه شاهد عيان وأنه بالروح القدس كان يرى الحقائق ويفهمها
آية(36): "لأن هذا كان ليتم الكتاب القائل عظم لا يكسر منه."
(مز19:34،20)+ خروف الفصح لا يُكسر منه عظم. والله سبق وأخبر بما سيحدث حتى يؤمن الجميع ولا يكون لهم عذر في عدم إيمانهم. ولتكمل ملامح خروف الفصح كان الإسراع في نزول جسده من على الصليب = لا تبقوا منه إلي الصباح (خر10:12). والمعنى الروحي لعدم كسر عظامه، أن كنيسته لا يستطيع أحد أن يفسدها. فعظم المسيح هو كنيسته، هيكله
آية(37): "وأيضاً يقول كتاب آخر سينظرون إلى الذي طعنوه."
إشارة إلى (زك10:12). ولكن هناك من يطعنه بالتجديف والإنكار والخطيئة (رؤ7:1)
أين ذهب المسيح بعد موته؟
نقول في القداس الباسيلى "نزل إلى الجحيم من قبل الصليب" فمن أين فهمنا هذه الحقيقة.
1-(أف8:4،9) "لذلك يقول إذ صَعِدَ إلى العلاء سبى سبياً وأعطى الناس عطايا. وأماّ أنه صعد فما هو إلاَّ أنه نزل أيضاً أولاً إلى أقسام الأرض السفلي .. هنا نرى المسيح نزل إلى أقسام الأرض السفلي (كناية عن الجحيم) ثم سبى سبياً (أخذ نفوس الأبرار) وأعطى الناس عطايا (أخذهم للفردوس).
2-(1بط18:3،19) "فإن أيضاً المسيح تألم .. مماتاً في الجسد ولكن محيى في الروح. الذي فيه أيضاً ذهب فكرز للأرواح التي في السجن". فهو بموته بالجسد ولكن بحياته فهو الحياة، ذهب للسجن (الجحيم) ليبشر الأبرار الذين فيه، أن وجودهم في هذا الجحيم قد إنتهي وسيأخذهم للفردوس .. ثم إلى الملكوت الأبدي.
3-(زك11:9،12) "وأنتِ أيضاً فإني بدم عهدك (دم المسيح) قد أطلقت أسراكِ (الذين رقدوا على الرجاء) من الجب (الجحيم) الذي ليس فيه ماء (قال الغنى لإبراهيم إرسل لعازر ليبل لساني) إرجعوا إلي الحصن (المسيح) يا أسرى الرجاء (إسم الرب برج حصين يركض إليه الصديق ويتمنع)
4-(أش7:42) "لتخرج من الحبس المأسورين، من بيت السجن الجالسين قي الظلمة"
5-(أش14:51) "سريعاً يطلق المنحنى ولا يموت في الجب"
6-(أش1:61) ".. لأنادى للمسبيين بالعتق وللمأسورين بالإطلاق. إذاً ذهب المسيح إلى الجحيم ليقود الأبرار الراقدين على رجاء ويصعد بهم إلى الفردوس وفتح أبوابه وأدخلهم هناك ومعهم ديماس اللص اليمين.
لذلك يسمى يوم السبت التالي للصليب بسبت النور، الذي أشرق فيه السيد المسيح على الجالسين في الظلمة وظلال الموت (اش2:9+مت16:4)
(يو38:19-42)
آية(38): "ثم أن يوسف الذي من الرامة وهو تلميذ يسوع ولكن خفية لسبب الخوف من اليهود سأل بيلاطس أن يأخذ جسد يسوع فأذن بيلاطس فجاء واخذ جسد يسوع."
عجيب أن موت المسيح جذب تلاميذه الذين كانوا مختفين(يو32:12). والمحبة تظهر وقت الشدائد. كلمة مشير تعنى أنه من السنهدريم. وكان تسليم بيلاطس جسد يسوع ليوسف الرامي عملاً يُحسب لبيلاطس فعادة تسليم الأجساد يكون برشاوى.ويوسف أخذ يسوع خوفاً من أن يعتدي عليه اليهود.
آية(39): "وجاء أيضاً نيقوديموس الذي آتى أولاً إلى يسوع ليلاً وهو حامل مزيج مر وعود نحو مئة مناً."
نيقوديموس كان غنياً جداً وهو عضو بالسنهدريم وكان أيضاً فخالفاً لرأيهم(يو50:7-53) ولكنه أيضاً كان خائفاً منهم، والتقليد يقول أنه صار مسيحياً بعد ذلك. ووزع يوسف ونيقوديوس العمل بينهما. فإشتري يوسف الكتان وإشتري نيقوديموس المر والعود، وتُمهيدَ إلى يوسف بطلب أخذ جسد المسيح ربما لجسارته وتقابلا عند الصليب وقد فارقهما الخوف
حاملٌ مزيج مر وعود= (مز8:45) "كل ثيابك مرٌ وعود وسليخة" والمصريون إستخدموا المر فى التحنيط. وهو يستعمل طبياً كمطهر، ويستخدم كعطر، وأتى به المجوس كهدية(نبوة عن آلامه وموته) والعود ثمين جداً يوزن بوزن الذهب ورائحته نفاذة تبقى لسنين عديدة(عد6:24) مائة مناً= تشير للتوقير الذي كان يكنه هذا الفريسى للمسيح(هكذا فعلوا مع ملوكهم وهذا مذكور مع آسا، وهذا فعله هذا الدارس للناموس مع المسيح كملك. ومن هذه العطور أخذت الكنيسة خميرة الميرون المقدس كذ خيرة حياة
آية(40): "فأخذا جسد يسوع ولفاه بأكفان مع الأطياب كما لليهود عادة أن يكفنوا."
مع الأطياب= يبدو أن المر والعود كانا على هيئة مسحوق وقد أضيف لهما بعض الزيوت العطرة فتكون مزيج سائل يمكن دهن الجسد به قبل ربطه. وعادة اليهود في التكفين هي بغمس شاش (كتان) في العطور ولف الرجلين، كل رجل وحدها ثم الصدر، ثم اليدين كل يد وحدها. ويوضع منديل على الرأس.
آية(41): "وكان في الموضع الذي صلب فيه بستان وفي البستان قبر جديد لم يوضع فيه أحد قط."
لقد أراد يوسف قبراً لدفن موتاه فصار قبراً لإعلان القيامة والحياة. ونلاحظ أن المسيح وُلِدَ من عذراء لم تحمل أحشاؤها أحد قبله. وركب أتاناً لم يركبه أحد قبله ودفن في قبر لم يدفن فيه أحد قبله. وهذا يذكرنا بالصوم قبل التناول فلا يدخل جوفنا شئ قبله. بستان= أخطاء آدم الأول في بستان وآدم الأخير بدأ خلاصه في بستان.
آية(42): "وكان في الموضع الذي صلب فيه بستان وفي البستان قبر جديد لم يوضع فيه أحد قط."
كأنه يريد أن يقول أن الإستعجال في الدفن وعدم تقديم كل واجبات التكفين والتجنيز كان بسبب عامل السرعة بسبب إقتراب السبت وأيضاً كان الإستعداد للسبت هو السبب في إختيار القبر القريب من موضع الصلب أي قبر يوسف الرامي الجديد. والمسيح سبق وتنبأ أنه لن يكون هناك وقت لتكفينه (يو2:12-11).
ويقول التقليد الكنسي أن نيقوديموس سبح تسبحة "قدوس الله قدوس القوي قدوس الحي الذي لا يموت" والتي أخذتها منه الكنيسة وهو يكفن جسد المسيح؟
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الإصحاح التاسع عشر
19
صلب المسيح و موته و دفنه
[ 1 ] استمرار المحاكمة أمام بيلاطس ( ع 1 - 16 )
ع 1 - 4 : تارجح بيلاطس بين صوت الحق ( الضمير ) و بين ضعف اليهود و شراسة ندائهم بصلب المسيح ، فاسلمه أولا للجلد لعله يهدئ من ثورة اليهود ؛ و يؤكد القديس لوقا هذا في ( 23 : 16 ) : " أنا اؤدبه ثم اطلقه " . و قد اورد كل من متي و مرقس الجلد و الصلب معا ( مت 27 : 26 ؛ مر 15 : 15 ) . و لكن القديس يوحنا فصل بينهما و كذلك محاولات بيلاطس الضعيفة لتبرئة المسيح . و ينتقل القديس يوحنا لمنظر استهزاء الجند الرومان بالمسيح أثناء الجلد ، فسخروا منه والبسوه ثوب يمثل في لونه ثياب الملوك ، و كذلك ضفروا اكليل من شوك و توجوه به ( راجع إش 53 : 5 )
" كانوا يلطمونه " و يضيف متي ( 27 : 30 ) ضربوه علي راسه ، ولا نعتقد انهناك لسان أو كاتب يستطيع أن يصف أو يعبر عن هذا المشهد الاثيم ...
+ و لكن نكتفي بسؤال رب المجد : لماذا يا الهي احتملت يد الخطاة الاثمة تمتد علي وجهك البار القدوس و كيف يحدث هذا ؟!
فتاتي إجابته : من جل خلاصك يا بني !!!
و في محاولة لتبرئة ضميره ، يخرج بيلاطس و يعلن مرة ثانية براءة المسيح ولكنه اعلان دون الحكم بذلك .
ع 5 - 6 : اخرج بيلاطس يسوع بعد الجلد و هو لابس الارجوان و علي راسه الشوك ، في محاولة اخيرة يتلمس بها عطف اليهود فيطلق المسيح . و لكنهم ازدادوا قساوة و طالبوا بصلبه فشهد بيلاطس شهادته الثالثة ببراءة يسوع ( راجع ص 18 : 38 ؛ ص 19 : 4 - 6 ) . و في محاولة تنبيه اليهود ، أراد بيلاطس اخلاء يده من المسئولية فقال لهم : " خذوه انتم و اصلبوه " دون اشراكي في جريمتكم .
ع 7 : قدم اليهود اتهامهم الاول بان المسيح فاعل شر ( ص 18 : 30 ) و عند فشلهم ، قدموا الاتهام الثاني بانه خائن لقيصر ، و دفع المسيح هذا الاتهام عنه عندما أجاب بان مملكته ليست من هذا العالم ( ص 8 : 36 ) . و هنا اتي اليهود باتهام ثالث بانه مجدف علي الناموس أي دينهم ، و بحسب ذلك يجب أن يموت و بهذا يبطلون دفاع بيلاطس عن المسيح في انه لا يجد فيه علة .
ع 8 : و قد ارتعب بيلاطس عند ذكر اليهود أن المسيح " ابن الله " و لنا أن نفهم فهو مرعوب لاصدار حكم علي برئ لا يدينه في شئ ، و لكنه يشعر بمكيدة و قسوة اليهود اللتين تقودانه في تيار الحكم عليه ، و مرعوب أيضا لكلمة " ابن الله " إذ كان الرومان و اليونانيون يعتقدون في امكانية ظهور الالهة و تجسدهم أو التناسل منهم ... و لعل المسيح أحد ابناء الالهة ، فهل يوقع بيلاطس نفسه في خصومة مع الالهة ؟ نضيف إلى ذلك أيضا سببا لرعبه ، و هو الحلم الذي حلمته زوجته و اخبرته به قائلة له " اياك و ذاك البار " ( مت 27 : 19 )
ع 9 - 11 : في محاولة للانتصار علي رعبه و خوفه اخذ بيلاطس يسوع إلى داخل ليستفسر منه : " من أين أنت " هل من السماء ؟! هل أنت ابن للآلهة كما سمعت ؟! و عدم إجابة المسيح هي قناعة شخصه المبارك بان ما يقوله لن يغير من الوضع شئ . و كان كافيا علي بيلاطس ما سمعه منه لتبرئته . و لدفع المسيح للكلام ، هدده بيلاطس بسلطانه أن يقتله أو يطلقه .
فجاءت إجابة المسيح القوية و التي ارعبت بيلاطس : " ليس لك سلطان علي أبدا ما لم يكن أبى سمح لك بذلك " . فالصلب اذن هو إرادة الأب و موافقة و خضوع الابن وليس لسلطان ارضي أو زمني أن يتحكم فيه ، و في نفس الوقت لم يعف بيلاطس من المسئولية لأنه متردد و سلبي ولم يعلن براءته . و لكن الذي اسلمني أي يهوذا و اليهود حسدا خطيتهم اعظم من خطيتك ؛ و لعل سبب تخفيف خطية بيلاطس انه اممي لا يعرف الكتب و لا المواعيد كما يعرفها هؤلاء .
ع 12 : لا نعرف كيف كان بيلاطس يطلب أن يطلق المسيح ، هل باحاديث مع الجمع أو بعض رؤساء الكهنة ؟ و لكن من المؤكد أن رعبه و حيرته زادا أمام ضميره و فحصه ليسوع من جهة و أمام صراخ اليهود و تهديدهم من جهة أخرى . فهدوده بما لم يكن في حسبانه ، و هو انه إن اطلق من يدعي انه ملك لليود فانه يوافق ضمنا علي وجود ملك بخلاف قيصر ، و هذا ما لا نرتضيه نحن ويجعلك أيضا خائنا لقيصر . و نجح اليهود بذلك في ادخال نوع جديد من الخوف علي قلبه و هو الخوف علي المنصب السياسي ومعاداته لقيصر نفسه .
ع 13 : اخرج بيلاطس الرب يسوع من دار الولاية إلى الساحة حيث ينتظر اليهود و جلس علي كرسيه الذي يستخدمه الولاة الرومان عند اصدار احكامهم . ويضيف القديس يوحنا لاشراكنا في المشهد ، مكان و وضع الكرسي فهو كان علي ربوة مرتفعة ( جباثا ) بالنسبة للسحاة التي تجمع فيها اليهود ، و يقال لها أيضا ( البلاط ) لأنه كان مبلطا برخام و مرمر .
ع 14 : و إذ اقترب من الساعة السادسة ، ولم يبق إلا ثلاث ساعات علي تقديم الفصح ( في التاسعة ) كان لزاما علي بيلاطس انياخذ قرارا بالنسبة للمسيح فحاول للمرة الاخيرة التخلص من القرار و ترك اليهود يحكمون عليه قائلا : "هو ذا ملككم ".
ع 15 - 16 : استفز قول بيلاطس " هو ذا ملككم " اليهود و ازدادت عصبيتهم و اجابوه "خذه أنت ، لماذا تعطينا اياه ؟ خذه و اصلبه " و عندما سالهم " أأصلب ملككم ؟" صرخوا : " ليس لنا ملك إلا قيصر " و هذا انكار و تنازل ... فاليهود يعلمون انهم ليس لهم ملك سوي الله ، و أن الرومان يحتلونهم و كانوا ينتظرون الخلاص منهم .
أما أن يصرخوا ألان بان ملكهم هو قيصر ، فهم بذلك مثل للإنسان الذي يغير كل مبادئه في لحظة من اجل خبث في قلبه ، و بذلك طبقوا مبدا " الغاية تبرر الوسيلة " . و جاءت نهاية مشهد المحاكمة الهزيلة بخضوع من خاف علي مركزه من الشعب فواحد يموت حتى لو كان بريئا لانجوا أنا بنفسي و يا له من مبدا !!!
+ أيها القارئ الحبيب من السهل علينا هنا أن ننتقد بيلاطس علي سوء استخدام سلطانه ، وكذلك خوفه و جبنه . و لكن في مواقف أخرى في حياتنا اليومية ، ألعلنا نكذب لننجو من فعلة نستحق عليها توبيخا أو نتهرب من مسئولية إعلان الحق محاولين نفض أيدينا و إلقاء المسئولية علي آخرين كما صنع بيلاطس أو نفعل مثل اليهود ؛ نجد تبريرا لشرورنا نخدر به ضمائرنا ؟! ارحمنا يا رب .
[ 2 ] رحلة الصلب ( ع 17 - 24 )
ع 17 : أي من دار الولاية أولا ، ثم من أورشليم ثانيا ، ليصلب خارج المحلة ( الجلجثة ) . و يتامل في ذلك القديس بولس : " لذلك يسوع أيضا ، لكي يقدس الشعب بدم نفسه ، تالم خارج الباب ، فلنخرج إذا إليه خارج المحلة حاملين عاره " ( عب 13 : 12 - 13 )
+ و لتلاحظ أيها القارئ العزيز أن كنيستنا في ابراز هذا المعني الروحي ، راعت في طقس اسبوع الالام ترك الهيكل و خورس الشمامسة و الصلاة في صحن الكنيسة للخروج مع المسيح خارج أورشليم .
" جمجمة جلجثة " كان التقليد الموروث عند اليهود يقول إنها المكان الذي دفنت فيه جمجمة ادم . أما العلماء فيصفونها إنها ربوة متوسطة الارتفاع ، شكلها الصخري يشبه الجمجمة في تكوينها ، و كان هذا المكان يستخدم للرجم و قريبا من المدينة .
ع 18 : أشار القديس يوحنا للصلب إشارة سريعة و ذكر اللصين دون أن يذكر الحوار مع المسيح . و لهذا لمراجعة احداث الصلب ، انظر النصوص ( مت 27 ؛ مر 15 ؛ لو 23 ) في الأجزاء المتعلقة باحداث الصلب لاستكمال الصورة كلها .
ع 19 - 22 : كان يكتب علي الصليب اسم المصلوب و سبب صلبه . و نذكر القديس يوحنا هنا أن ما كتب كان أولا بامر بيلاطس شخصيا . و ثانيا بلغة اليهود العبرانية . و لغة الفكر و العلم اليونانية ، و لغة الدولة الرسمية اللاتينية . و لان المكان كان مرتفعا و قرا ذلك كثير من الشعب ، اعترض رؤساء الكهنة علي التصريح بان المسيح ملكهم . لان في هذا ادانة لهم علي قتلهم ملكهم . و لكن هذا الاعتراض قوبل بجفاء من بيلاطس ، و اصر علي كلامه في أن المسيح هو ملك اليهود . و لا نعلم إن كان هذا بدافع الكناية في رؤساء الكهنة أو توقيرا لشخص لم ير فيه شرا .
ع 23 - 24 : كان القديس يوحنا اكثر من اوضح لنا قصة اقتسام الثياب ، فنفهم انهم كانوا أربعة من العسكر كل منهم اخذ جزءا . و لكن القميص كان منسوجا غير قابل للانقسام ، فالقوا عليه قرعة فيما بينهم لمن يكون . و يذكرنا القديس يوحنا ، كما فعل أيضا متي ( 27 : 35 ) ، بما قاله داود في نبواته عن الام الصلب : " يقسمون ثيابي بينهم و علي لباسي يقترعون " ( مز 22 : 18 )
[ 3 ] كلمات الصلب و الموت ( ع 25 - 37 )
ع 25 : منهن النساء اللواتي ذكرهن الكتاب المقدس عند الصلب ؟! بمراجعة نصوص البشائر كلها نلخص بانهن العذراء مريم أولا ، و اختها " سالومة " ثانيا كما ذكرها مرقس في انجيله ( 15 : 40 ، 16 : 1 ) ، و كما أشار لها متي ( 20 : 20 ) أم ابني زبدي وهي أم القديس يوحنا و ثالث النساء هي مريم زوجة كلوبا أم يعقوب الصغير و يوسي ، و اخرهن هي مريم المجدلية التي ذكرها متي في بشارته أولا نظرا لتقواها بعد توبتها ( 27 : 56 )
و يلاحظ أن القديس يوحنا لم يذكر اسم امه حتى لا يخرج عن منهجه الذي اعتاده في عدم ذكر اسمه .
ع 26 - 27 ) لم ينس وسط الامه و صلبه ، و في اصعب لحظاته ، امه بالجسد القديسة العذراء مريم . و إذ لم يكن لها ابناء بالجسد سواه ، قدم المسيح لها يوحنا ابنا ، وحمل المسيح يوحنا مسئولية رعاية امه ، و يوضح استجابة الطرفين لوصية المسيح إذ اخذها التلميذ المحب إلى خاصته .
+ و لكن لماذا يوحنا الذي نال هذا الشرف ؟ أليس أيها العزيز هو الوحيد المتبقي وسط كل الالام بينما هرب الاخرون ؟!
يا صديقي نال القديس يوحنا كرامة استضافة والدة الإله في منزله ، لأنه لم يترك صليب رب المجد فهناك عطية خاصة لكل من لا يهرب من صليبه بل يقبله من الله بفرح .
ع 28 - 30 : " بعد هذا " تفيد اكثر من معني :
الاول : أي بعد ثلاث ساعات الظلمة
الثاني : أي بعد كل الحوارات أو الكلمات التي حدثت علي الصليب سواء ذكرها يوحنا أو لم يذكرها.
الثالث : أي بعدما اطمان علي تسليم القديسة مريم إلى يوحنا
و قد أشار القديس يوحنا أن هناك نبوتين اخيرتين عن الام المسيح : " لصق لساني بحنكي " ( مز 22 : 15 ) ، " و في عطشي يسقوني خلا " ( مز 69 : 21 )
كان لابد لهاتين النبوتين أن تتما ، لذلك صرخ راوي البشرية كلها بدماء حبه : " أنا عطشان " . و لم يذكر إناء الخل هذا سوي يوحنا ، و هذا الخل هو نبيذ اخذ في الفساد ، و لهذا يدعي خلا . و كان الحراس يتناولونه لرخص ثمنه ، أو بدلا من التخلص منه فيعتبر خمرا مجانيا ، و اخذ الحراس ساق نبات الزوفا ( كانت غصونه تستعمل لرش المياه المقدسة حسب الطقوس اليهودية ) لتوصيل الاسفنجة المشبعة بالخل إلى فم المسيح . و هذا الخل كان غير الخل الاول الممزوج بالمر ، و الذي كان يستخدم لتخدير الحواس لمن هم قادمون علي الام الصلب ؛ و هذا الاول رفض المسيح شربه ليجوز الالام كاملة بلا تخفيف .
" قد اكمل " : أي اتم ما جاء من اجله من تقديم ذاته ذبيحة إثم و كفارة عن خطايانا و كلمة " قد اكمل" هي الكلمة السادسة في ترتيب الكلمات التي قالها المسيح علي الصليب ، و هي بالترتيب التالي :
(1) " يا أبتاه اغفر لهم لانهم لا يعلمون ماذا يفعلون " ( لو 23 : 24 )
(2) " يا امرأة هو ذا ابنك ... هو ذا امك " ( ع 26 ، 27 )
(3) " أنا عطشان " ( ع 28 )
(4) " اليوم تكون معي في الفردوس " ( لو 23 : 43 )
(5) " ايلي ايلي لما شبقتني " ( مت 27 : 46 )
(6) " قد اكمل " ( ع 30 )
(7) " يا أبتاه في يدك استودع روحي " ( لو 23 : 46 )
ع 31 - 34 : " إذ كان استعداد " أي حالة الاهتمام القصوي باحتفالات الفصح. و أول سبوت اسبوع الفصح كان اقجس سبوت العام عند اليهود . وكان هذا لا يتناسب مع وجود الاجساد معلقة علي الصلبان . فاستاذن اليهود بيلاطس في كسر السيقان ، و هو تقليد كان معروفا للقضاء علي المصلوب بسرعة ، و ذلك بزيادة نزف الدم بعد تحطيم الأرجل ، و هذا حتى لا يدنس السبت ببقاء المصلوبين علي أرضهم ، و اتم الجنود المهمة في الاول و الاخير ، أما يسوع فلم يقترب أحد منه و تعجبوا إذ اسلم الروح هكذا سريعا ( راجع مر 15 : 44 ) ، و زيادة في التاكد طعن أحد الجنود جنبه فخرج منه دم و ماء .
" خروج دم وماء " : وقف كل اباء الكنيسة القدامي أما " ظاهرة " خروج الدم و الماء من جنب المخلص المطعون وقفة كان فيها الكثير من التاملات ، نورد منها القليل التالي :
يري ذهبي الفم : " إننا ولدنا من الماء و اطعمنا من الدم ، و لهذا فاننا عندما نقترب من كاس الافخارستيا نشرب من الجنب المطعون ذاته "
و يقترب القديس ترتليان في تامله من ذهبي الفم فيقول : " نحن نعتمد بالماء و نتمجد بالدم ، ندعي بالماء و نختار بالدم ، لهذا كان جنبه المجروح ؛ فالذي يغتسل بالماء يستعد لشرب الدم" .
أما القديس امبروسيوس و العلامة اوريجانوس فقد اتفقا تقريبا علي معني واحد : " انه بعد الموت يتجمد الدم و لا يخرج ماء من الجسد ، و لكن كان لابد أن يحدث هذا ، لنعلم انه من جسد المسيح المائت خرجت كل الحياة "
ع 35 - 37 : يشير القديس يوحنا إلى نفسه كالمعتاد باشارة مستترة ، ويوضح سبب عدم كسر رجلي الرب يسوع و طعن جنبه بالحربة و خروج الدم و الماء لنؤمن بالمسيح الذي تحققت فيه النبوات التالية :
(1) عظم لا يكسر منه : كانت هذه الوصية متعلقة بخروف الفصح و الذي يرمز مباشرة إلى شخص المسيح ، و جاءت في ( خر 12 : 46 ) و أشار القديس بولس أيضا لها في ( 1كو 5 : 7 ) عندما قال : " لان فصحنا أيضا المسيح قد ذبح لأجلنا " و أيضا النبوة التي ذكرها داود في ( مز 34 : 20 ) " يحفظ جميع عظامه و واحد منها لا ينكسر "
(2) فينظرون إلى الذي طعنوه : ( زك 12 : 10 ) : " و افيض علي بيت داود و سكان أورشليم ... فينظرون إلى ( المسيح ) الذي طعنوه و ينوحون عليه كنائح علي وحيد له يكونون في مرارة عليه كمن هو في مرارة علي بكره " أي كما سبق و قال يوحنا أن الموت قد تم ، و لكن يد الله هي التي حركت يد الجندي لطعن جنب المسيح ، حتى يتم ما سبق و اعلنه الأب بالروح القدس في مسيحه .
+ و لنا هنا وقفة أيها الحبيب ، فجنب المسيح المطعون ليس اثباتا للنبوة فقط ، بل هو علامة حب يحمله المسيح في جسده ، بجانب المسامير ، فصار الجنب المطعون منبعا للرجاء و الحماية بداخله من كل حروب المشاكس الشرير . فاذا شككت يوما بانه ليس لك مكان في حضن المسيح ، تذكر ماء المعمودية الذي اغتسلت به ، و الدم المتدفق الخارج الذي ينتظرك علي المذبح ، فتتجدد امالك و يلتهب قلبك برجاء حب من و احبك .
[ 4 ] الدفن ( ع 38 - 42 )
ع 38 : لماذا اختار المسيح يوسف الرامي من ضمن تابعيه ( تلاميذه ) ليدفن جسده؟
(1) كان غنيا و يملك قبرا جديدا في نفس موضع الصلب حسب النبوة : " و جعل مع الاشرار قبره و مع غني عند موته " ( اش 53 : 9 ) ، ( مت 27 : 57 - 60 )
(2) كان مشيرا ذا مكانة مرموقة فاستطاع الدخول إلى بيلاطس ( مر 15 : 43 )
ع 39 - 40 : " و جاء نيقوديموس ... و اخذ جسد يسوع " : تشير الاحداث و تتابعها إلى توزيع المهام ثم مقابلتها سويا للتكفين . فيوسف ذهب إلى بيلاطس و احضر نيقوديموس متطلبات التكفين ، و اخذا سويا الجسد . و يشير القديس يوحنا إلى نيقوديموس بانه الذي اتي أولا إلى يسوع ( راجع ص 3 ) و هو نفسه الذي حاول الدفاع عن يسوع أمام مجلس رؤساء اليهود في ( ص 7 : 50 ) . أما ما حمله نيقوديموس فكان مرا ، و هو عصارة إحدى الاشجار المعروفة ، وكان يستخدم للتطهير أن تقليل الالم ، وكان من مواد التحنيط التي استخدمها الفراعنة ونقلها عنهم اليهود . أما العود فهو مسحوق اساسه شجر عطر و له رائحة طيبة ... ومقدار ما اتي به نيقوديموس هو مائة منا ، و المنا مقياس حجم و وزن روماني ماخوذ عن اليونانيين ، و هو يبلغ حجما نصف لتر تقريبا و وزنا يعادل 340 جراما.
" لفاه باكفان " قاما بخلط مزيج من الاطياب و الزيوت العطرة و وضعاه علي الجسد ثم لفاه بالكتان .
" كما لليهود عادة " تعني ما اخذوه عن المصريين من عادات التحنيط .
ع 41 - 42 : القبر الذي دفن فيه المسيح كان جديدا و منحوتا في صخرة داخل بستان مملوك ليوسف الرامي بالقرب من مكان الصلب ، مما ساعد علي انهاء اجراءات التكفين و الدفن بسرعة قبل الثانية عشر ، وهي السادسة مساء بتوقيتنا حتى لا يدخلوا في السبت العظيم .
و لعل استسلام جسد المخلص بين بدي مكفناه آخر مشاهد اتضاع الإله الذي سوف نراه بعد ذلك في امجاد قيامته .
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح