كلمة منفعة
الإنسان المعتد بذاته، قد يصل إلى درجة تكون خطرة عليه، ومتعبه لكل من يتعامل معه.
— الاعتداد بالذات
إنجيل يوحنا 16
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
انجيل معلمنا يوحنا - الاصحاح رقم 16
انجيل معلمنا يوحنا
الإصحاح رقم 16
الاصحاح السادس عشر
إرسال المعزي
إن كان الألم قد دخل إلى العالم كثمرة من ثمار العصيان، لكن الله في حبه سمح لابنه الحبيب أن يتأنس ويتألم كذبيحة حب مقدمة عن كل البشرية. هكذا تحول الألم من ثمرة خطية إلى علامة حب. وصار من حقنا أن نتألم معه لكي نتمجد أيضًا معه. خلال هذه الذبيحة الفريدة ندرك مفهوم الوعد الإلهي أنه يجرح ويشفي (تث 32: 39). حدثهم السيد المسيح صراحة عن ما سيعانوه من آلام، مقدمًا لهم روحه القدوس المعزي الذي سيحل عليهم ويعمل فيهم ويهبهم تعزياته الإلهية.
+ تحتاج النفس إلى السراج الإلهي، وهو الروح القدس، الذي ينير البيت المظلم، وإلى شمس البرّ الساطعة التي تضيء وتشرق في القلب، وتحتاج إلى الأسلحة التي تغلب بها في المعركة.
القديس مقاريوس الكبير
1. سهام الحب الجارحة 1 - 6.
2. إرسال المعزي 7 - 15.
3. وعد باللقاء معهم بعد قيامته 16 - 22.
4. استجابة صلواتهم 23 - 27.
5. صعوده إلى السماء 28.
6. تركه عند آلامه 29 - 32.
7. غلبته لحسابهم 33.
1. سهام الحب الجارحة
في إخلاص كامل كشف لهم السيد المسيح عما سيلحقهم من متاعب أثناء الإرسالية التي يبعثهم إليها، لكنها متاعب حب، هي سهام حب من أجله، حيث يبغضهم العالم كما يبغضه هو.
"قد كلمتكم بهذا لكي لا تعثروا". (1)
تكرر تعبير "قد كلمتكم بهذا" سبع مرات في مقاله هذا، وقد جاء في اللغة اليونانية يحمل نوعًا من الاستمرارية مع الوقار، وكأن هذه الأمور التي يتحدث عنها في حديثه الوداعي لا تمس زمنًا معينًا بعينه، بل أمورًا خاصة بالكنيسة عبر الأزمنة، وأنها أمور جوهرية.
كلمة "تعثروا" هنا يترجمها البعض "تسقطوا في فخ"؛ كما يسقط طير أو حيوان في شرك.
يخبرهم عما سيعانوه من آلام مقدمًا حتى لا يتعثروا، أي لئلا يفقدوا إيمانهم وتُصاب نفوسهم بضررٍ، كما يحدث مع الجسد عندما يعثر في الطريق أو يسقط على حجرٍ أو في فخٍ.
+ "قد كلمتكم بهذا لكي لا تعثروا" (1)، فإنه إذ ينسكب الروح القدس في قلوبنا بالروح القدس المُعطى لنا (رو 5 : 5) يكون لمحبي شريعة الله سلام عظيم، فلا يتعثروا في شيء.
القديس أغسطينوس
"سيخرجونكم من المجامع، بل تأتي ساعة فيها يظن كل من يقتلكم أنه يقدم خدمة لله". (2)
يدعو وقت الألم "ساعة التجربة".
الالتصاق بالمسيح والشهادة له تُحسب جريمة دينية أو تجديفًا، لهذا يقطعون من المجامع ويُحرمون من حق العبادة كأشخاص تحت اللعنة، غير مستحقين أن يمارسوا العبادة لله والشركة مع المؤمنين. لم يكن الألم الذي يصيب اليهودي الذي يؤمن بالسيد المسيح بطرده من الهيكل وحرمانه من التمتع بالانتساب إلى الأمة اليهودية أقل من القتل، إذ يفقد إحساسه بالانتساب لشعب الله في ذلك الحين، والتمتع بالامتيازات الخاصة به، واعتباره كاسرًا للناموس. يُنظر إليه كسامري أو وثني أو عشار، خائن لدينه وشعبه ووطنه.
لا يقف الأمر عند الطرد، وإنما يتعقبون المؤمنين بالسيد المسيح لتقديمهم ذبائح بشرية، ويحسبون ذلك لمجد الله. وكما جاء في إشعياء: "قال اخوتكم الذين أبغضوكم وطردوكم من أجل اسمي ليمتجد الرب" (إش 66: 5). هذا ما حدث مع بولس الرسول حين نذر 40 شخصًا ألا يأكلوا ولا يشربوا حتى يقتلوه (أع 23: 12-13). وقد جاء في التلمود Talmud "من يسفك دم كافرٍ يعادل من يُحضر تقدمة لله". وهكذا يحمل الذئاب ثوب الحملان، ويظهر أعداء الله كأنهم خدام غيورون على مجده، يمارسون العداوة كأنها التزام ديني لحساب السماء.
+ بحق قيل لمثل هؤلاء: "سيخرجونكم من المجامع"، أي أن الذين لهم غيرة لله، ولكن ليس حسب المعرفة، إذ يجهلون برّ الله، وليس لهم ما يستدعي الخجل من استبعادهم بواسطة الناس، مادام الله هو مجد قوتهم.
+ إنهم لا يعرفون الآب ولا ابنه هؤلاء الذين يحسبون أنهم يقدمون الخدمة له بقتلكم. هذه كلمات أضافها السيد لأجل تعزية خاصته الذين يُطردون من المجامع اليهودية... "ستأتي ساعة فيها..." يقول هذا بطريقة كمن يسبق فيخبرهم عن أخبارٍ صالحةٍ تتبعها شرور ضخمة... إنهم بالحق يشتتونكم وأنا أجمعكم، أو إنهم بالحق يشتتونكم لكن تأتي ساعة فرحكم.
القديس أغسطينوس
"وسيفعلون هذا بكم، لأنهم لم يعرفوا الآب، ولا عرفوني". (3)
شتان ما بين من يتحدث أو يكتب عن الله وبين من يعرف الله والله يعرفه. هنا إذ يتحدث السيد عن المعرفة لا يقصد بها مجرد المعرفة العقلية، إنما معرفة الخبرة والحياة، لهذا عندما يقول للأشرار في يوم الدينونة: "لست أعرفكم" لا يعني أن الله يجهلهم، لأنه عارف بكل شيءٍ، لكنه لا يعرفهم معرفة الصداقة والشركة.
علة شرهم عدم المعرفة الحقيقية، وكما جاء في هوشع: "لأنهم قد تجاوزوا عهدي، وتعدوا على شريعتي، إليّ يصرخون: يا إلهي نعرفك نحن إسرائيل" (هو 8: 1-2). إنهم قد يعرفون إرادة الله، لكنهم يجهلونه عمليًا في سلوكهم. يدرسون الكتاب المقدس، لكنهم يحرفون معانيه حسب أهوائهم.
+ كأن السيد المسيح يقول لتلاميذه: يكفيكم للتعزية أن معاناتكم هذه المصاعب هي من أجلي ومن أجل الآب. هنا يذكرهم أيضًا بتطويبه الذي قاله حين ابتدأ تعليمه: "طوبى لكم إذا عيروكم وطردوكم وقالوا عليكم كل كلمة شريرة من أجلي كاذبين. افرحوا وتهللوا، لأن أجركم عظيم في السماوات، فإنهم هكذا طردوا الأنبياء الذين قبلكم" (مت 5: 11-12).
القديس يوحنا الذهبي الفم
"لكني قد كلمتكم بهذا، حتى إذا جاءت الساعة، تذكرون إني أنا قلته لكم، ولم أقل لكم من البداية، لأني كنت معكم". (4)
لم يقل هذا من بداية التصاقهم به حتى لا يربكهم أو يقلقهم، أما وقد صاروا تلاميذه فأعلن لهم هذا كأمرٍ جوهري في حياتهم وشركتهم معه. سبق فأعلن لهم عن ساعة التجربة لكي يدركوا أن ما سيحل بهم لم يحدث مصادفة كما يظن البعض، ولكن بسماحٍ إلهي، وفي الحدود التي يسمح بها الله. هذا وبحديثه هنا يهيئهم لكي يستعدوا لهذه الساعة بأسلحة روحية، خاصة بسيف الكلمة الإلهية.
لماذا أخبرهم بذلك في هذا التوقيت؟ لأن ساعة التجربة قد اقتربت. حانت ساعة آلامه، وستحل ساعة آلامهم، وأنه سيفارقهم بالجسد. حين كان معهم بالجسد كان يعزيهم ويسندهم. الآن يترك لهم كلمته ووعوده ويرسل لهم الروح القدس يعزيهم.
+ لا يندهش أحد أننا مستنزفون باضطهاداتٍٍ متواصلةٍ، ونسقط تحت ضغوط فوق العادة، مادام الرب قد أنبأنا مقدمًا بأن هذه الأمور ستحدث في نهاية العالم، وقدم تعليمات لجيشنا بكلماته التي تعلمنا وتشجعنا.
الشهيد كبريانوس
+ من هذه الكلمات يمكنكم أن تحكموا وتثقوا في بقية كلماتي. إذ لا تستطيعون القول أنني أتملقكم بأن أذكر لكم فقط ما هو يسركم، ولا أقدم لكم كلمات خداع. لأن من يود أن يخدع لا يخبركم مقدمًا بأمور كهذه تجعلكم تنصرفون (عنه). لذلك أخبركم مقدمًا أن هذه الأمور ستحل عليكم حتى لا تضطربوا بعدم توقعكم لها.
وأيضًا لسبب آخر وهو ألا تقولوا إننا لسنا نعرف مقدمًا أن هذه الأمور ستحدث. تذكروا إذن أنني أخبرتكم بها...
ليتنا نحن أيضًا نضع هذه الأمور في الاعتبار أثناء تجاربنا، عندما نعاني شيئًا من الأشرار، "ناظرين إلي رئيس إيماننا ومكمله" (عب 12: 3)، وأن هذه يسببها الأشرار، وأنها من أجل الفضيلة، ومن أجله.
فإن تأملنا في هذه الأمور سيكون كل شيء سهلاُ ومحتملاً. فإن كان من يتألم من أجل محبوبيه يفتخر بذلك، فما هي مشاعر ذاك الذي يحتمل هذا من أجل الله؟
إن كان هو من أجلنا حسب ذاك العار، أي الصليب، مجدًا (13: 31)، فكم بالأكثر يلزمنا نحن أن نأخذ موقفًا كهذا؟
وإن كنا نستطيع أن نستخف بالآلام، كم بالأكثر نستطيع أن نستهين بالغنى والطمع؟
+ "لم أقل لكم من البداية، لأني كنت معكم" (4). قيل هذا بطريقة بشرية، كأنه يقول لهم: "إذ كنتم في آمان، وكان في سلطانكم أن تسألوني متى أردتم، وكانت العاصفة كلها تهب علي، لذا كان من غير الضروري أن أخبركم بهذه الأمور في البداية".
القديس يوحنا الذهبي الفم
يتساءل القديس يوحنا الذهبي الفم لماذا قال لهم أنه لم يسبق أن يخبرهم بهذا مع أنه عندما دعا الاثنى عشر قال لهم أنهم سيقفون أمام ملوك وولاة من أجل اسمه ويجلدونهم في مجامعهم (مت 10: 18،17). يجيب على ذلك أنه ما سبق أن أخبرهم عنه كان يخص ما سيحدث في المستقبل حين يكرزون بين الأمم؛ أما ما يخبرهم عنه هنا فهو ما سيعانوه من اليهود، وأنه قد صار على الأبواب، وهو أمر لم يسبق أن يخبرهم عنه".
"وأما الآن فأنا ماضٍ إلى الذي أرسلني، وليس أحد منكم يسألني أين تمضي". (5)
سبق أن سأله بطرس هذا السؤال (يو 13: 36) وأيضًا توما (يو 14: 5)، وكلاهما نالا إجابة منه، أما الآن فيطالبهم ألا يسألوه، لأن قلوبهم امتلأت حزنًا (6).
يليق بهم عوض أن يسألوه أين يمضي أن يدركوا ويثقوا أن كل الأمور تعمل معًا لخيرهم كأحباء الله (رو 8: 28).
+ الآن يعدهم أنه يمضي بطريقة خلالها لا يسأله أحد إلى أين يمضي. لأن سحابة استقبلته عندما صعد من بينهم، وعند ذهابه إلى السماء لم يسأله أحد شفاهًا، بل كانت هناك شهادة عينية (أع 1: 9-11).
القديس أغسطينوس
"لكن لأني قلت لكم هذا قد ملأ الحزن قلوبكم". (6)
سبق فملأهم السيد المسيح بالفرح (يو 15: 11)، لكن إذ اُمتصت أفكارهم في الضيق ملأ الحزن قلوبهم، ولم يتركوا مجالاً لفرح المسيح أن يملك عليها. كانت أفكارهم مشغولة بملكوت المسيح الخارجي والمجد الزمني وأنهم يملكون معه، وإذ تسللت أفكار العالم إليهم ملك حزن العالم عليهم.
+ حزنت مشاعرهم البشرية، لأن رؤيتهم له جسمانيًا تنتهي تمامًا. لكنه عرف ما هو نافع لهم، لأن تلك النظرة الداخلية التي بها يهبهم الروح القدس تعزية بلا شك أسمى... إذ يسكب نفسه في قلوب الذين آمنوا. عندئذ أضاف: "إنه خير لكم أن أنطلق. لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي. ولكن إن ذهبت سأرسله إليكم" [7]. وكأنه يقول لهم: خير لكم أن يُنزع من أمامكم هذا الشكل الذي للعبد، إذ جاء الكلمة جسدًا بالحق وحلّ بينكم. لكنني لست أريد أن تستمروا في محبتكم لي جسديًا، وتكتفون بهذا اللبن، مشتهين أن تبقوا أطفالاً على الدوام... إن التصقتم بالجسد بطريقة جسدانية، لا يكون للروح مجال لكم...
ماذا يعني "إن لم أنطلق لا يأتيكم الروح القدس" سوى أنكم لا تقدرون أن تقبلوا الرب مادمتم مستمرين في معرفة المسيح حسب الجسد؟ لهذا يقول أحد الذين نالوا شركة الروح: "وإن كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد، لكن الآن لا نعرفه بعد" (2كو 5: 16). فإننا الآن حتى جسد المسيح نفسه لم يعرفه بطريقة جسدانية، حيث بلغ إلى المعرفة الروحية للكلمة الذي صار جسدًا.
+ بالرحيل الجسدي للمسيح كل من الآب والابن كما الروح القدس صاروا حاضرين معهم. فإن كان المسيح قد فارقهم بطريقة ما ليبقى في موضعه وليس معهم، لكي يصير الروح القدس حاضرًا فيهم، فماذا يعني وعده عندما قال: "هأنذا معكم دائمًا وإلى انقضاء الدهر" (مت 28: 3)، أنا والآب "إليه نأتي وعنده نصنع منزلاً" (يو 14: 23)؟...
القديس أغسطينوس
+ الحزن المفرط أمر مرعب يوَّلد موتًا. لذلك يقول بولس: "لئلا يبتلع مثل هذا من الحزن المفرط" (2 كو 2: 7).
+ إنها تعزية لهم ليست بقليلة أن يعلموا أنه يعرف شدة قنوطهم. فإنهم بجانب حزنهم لتركه إياهم وما سيحل بهم من أمور مرعبة قادمة، لم يكونوا يدركون أن كانوا يستطيعون أن يحتملوا هذا بثبات عزمٍ.
القديس يوحنا الذهبي الفم
2. إرسال المعزي
"لكني أقول لكم الحق أنه خير لكم أن انطلق، لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي، ولكن إن ذهبت أرسله اليكم". (7)
كان الأنبياء في العهد القديم يعزون الشعب وسط ضيقاتهم بمجيء المسيا المخلص كمعزٍ لهم (إش 9: 6؛ ميخا 5: 6؛ زك 3: 8). الآن جاء المسيا وها هو يفارقهم بالجسد، فصارت الحاجة ملحة إلى معزٍ آخر هو روحه القدوس. أما مجيئه فيتطلب رحيل المسيح (7). لم يكن ممكنًا للتلاميذ أن يقبلوا هذا، لذلك أكد السيد المسيح "أقول لكم الحق" (6) أنه لخيرهم أن ينطلق. هذا التعليم كان غير متوقع وغريبًا على مسامعهم. صعوده ليس لراحته بل لخيرهم، فإن كان ما فعله خلال تجسده هو لحساب مؤمنيه، فصعوده هو صعود للرأس الذي لا تفارقه أعضاء الجسم.
سبق فأعلن لهم عن ضرورة موته لخلاص البشرية (مت 20: 19؛ 26: 2؛ مر 9: 31؛ 10: 33؛ لو 9: 44؛ 18: 32)، الآن لا يكرر ما سبق فأعلنه، إنما يكشف عن خطة الله من جهة إرسال الروح القدس إلى العالم، الذي لن يتم ما لم يتحقق خلاصنا بالصليب والقيامة والصعود إلى السماء.
لماذا لا يأتي الروح القدس ما لم ينطلق المسيح أولاً؟ لأنه قادم ليستقر في النفس البشرية التي اشتراها السيد بدمه ووهبها برَّه وأعطاها حق الدخول إلى السماء. فموت السيد المسيح وقيامته وصعوده هو طريق التمتع بحلول الروح القدس على الكنيسة، واستقراره في داخلها لكي يتمتع المؤمن بهذه السكنى.
من الجانب الآخر فإن صعوده إلى السماء كمخلصٍ ممجدٍ لا ينزع عنه انشغاله بعروسه التي افتداها بدمه، بل يرسل لها من يقدسها له، ويجَّملها ويجعلها أيقونة له، تتهيأ للعرس السماوي الأبدي. بهذا فإن حلول الروح القدس الذي هو روح المسيح أفضل للكنيسة من بقاء السيد المسيح جسديًا على الأرض. فبقاء السيد المسيح جسديًا على الأرض يسحب أنظار البشر الجسمانية إليه، أما حلول روحه القدوس فيسحب قلوبهم إلى المسيح الممجد في السماء، فتلتهب أعماقهم لا للبقاء على الأرض بل للانطلاق إلى العريس.
صعد السيد المسيح إلى السماء في لحظات حاسمة، وظروف غريبة، إذ ترك التلاميذ لا قوة لهم، ولا عمل لهم سوى الانتظار.
1. فمن جهة حياتهم الخاصة وإيمانهم، كانوا حتى لحظات الصعود في خوفٍ وضعفٍ وقسوة قلبٍ وضعف إيمانٍ (مر 14:16). تركهم بالجسد وترك لهم وصاياه الصعبة، وطريقه الضيق، وصليبه الصعب. من يقدر أن يحتمل هذا كله؟!
2. ومن جهة عملهم أثقل عليهم الرسالة: طالبهم بالكرازة والتلمذة في العالم كله. "اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم" (مت 19:28)، وسألهم أن يكرزوا باسم الثالوث القدوس. رسالة صعبة في فترة لم يعودوا فيها يصنعون معجزات ويطهرون برص ويخرجون شياطين كما كانوا في فترة خدمته على الأرض قبل الصلب.
من أجل هذا كانوا في حاجة إلى من يسند ومن يعين، لذلك وعدهم بذلك الروح الناري، روح اللَّه القدوس نفسه، الذي يعمل فيهم من أجل تقديسهم وتقديس الآخرين، "أنا أرسل إليكم موعد أبي، فأقيموا في أورشليم على أن تلبسوا قوة من الأعالي" (لو 49:24). من أجل هذا تحول صعود الرب إلى موضوع فرحهم وتهليل نفوسهم، لأنه فيما هو يباركهم انفرد عنهم وصعد إلى السماء، فسجدوا له ورجعوا إلى أورشليم بفرحٍ عظيمٍ، وكانوا كل حين في الهيكل يسبحون ويباركون اللَّه (لو 24). لأنه كما قال لهم الرب: إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي. ولكن إن ذهبت أرسلته إليكم (يو 7:16).
في عيد العنصرة تحدث القديس يوحنا الذهبي الفم عن "مواهب الروح القدس" قائلاً:
[قبل هذه الأيام، صعد إلى السماوات، وأخذ عرشه السماوي، واسترد مجلسه عن يمين الآب. وها هو اليوم يمنحنا حلول الروح القدس، وخلاله يقسم علينا المواهب السماوية الأخرى. لأنه أية موهبة من بين المواهب التي نتمتع بها في داخل خلاص نفوسنا لم ننلها خلال خدمة الروح (القدس)؟!
فخلاله نتحرر من العبودية، وندعى إلى الحرية!
خلاله صرنا أولاًد اللَّه، بتبنيه إيانا!
وفوق هذا كله، إن أمكنني أن أقول، إننا قد تجددنا، خالعين عنا ثقل الخطايا الكريه!
خلاله نرى قدامنا طغمات الكهنة!
خلاله يساعدنا معلمينا! منه ننال مواهب الإعلانات، ومواهب الشفاء، وكل المواهب الأخرى التي بها يزين الروح القدس كنيسة اللَّه.
هذا ما يعلنه الرسول بولس قائلاً: "ولكن هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه، قاسمًا لكل واحدٍ بمفرده كما يشاء" (1 كو 11:12). يقول "كما يشاء" وليس "حسبما يؤمر". ويقول: "قاسمًا" وليس "مقسمة"، مظهرًا أنه هو صاحب هذه المواهب، وليس كمن يخضع لسلطان آخر.
فالسلطان الذي يشهد عنه الرسول بأنه للآب هو نفسه ينسب للروح القدس. وكما قال عن الآب: "ولكن اللَّه واحد الذي يعمل الكل في الكل"، ويقول أيضًا عن الروح القدس: "ولكن هذه كلها يعملها الروح الواحد بعينه قاسمًا لكل واحد بمفرده كما يشاء".
انظروا كمال السلطان، فإذ الطبيعة (الإلهية) واحدة، لذلك فإنه لا يوجد أدنى شك من جهة السلطان، وإذ توجد مساواة في الكرامة فإن القوة والسلطان واحد].
+ أظهر الإنجيليون الثلاثة الآخرون بوضوح بما فيه كفاية أنه نطق بمثل هذه النبوة قبل أن يقترب من العشاء (مت 24: 49؛ مر 13: 9-13؛ لو 21: 12-17)... إذ صار المعزي أو الشفيع ضروريًا عند رحيل المسيح، ولهذا يتحدث عنه منذ الابتداء حيث كان هو معهم، وكان حضوره تعزية لهم. ولكن في ليلة رحيله لاق به أن يتحدث عن مجيء ذاك الذي به يُسكب الحب في قلوب الذين يكرزون بكلمة الله بكل جسارة. ومعه يحملون داخليًا الشهادة للمسيح، ولا يجدون أية علة للعثرة عندما يطردهم أعداؤهم اليهود من المجامع ويقتلونهم، ظانين أنهم يقدمون خدمة لله. لأن المحبة تحتمل كل شيء (1كو 13: 7)، هذه التي تنسكب في قلوبهم بعطية الروح القدس (رو 5: 5).
القديس أغسطينوس
+ كأنه يقول علانية: "إن كنت لا أسحب جسمي من مفهومكم الجسماني لا أستطيع بروحي المعزي أن أقودكم إلى رؤيا روحية.
البابا غربغوريوس (الكبير)
+ مادمنا لا نستطيع بأية وسيلة أن يكون لنا هذا التطويب الذي به نؤمن ونحن لا نرى ما لم نتقبله من الروح القدس، فلسبب حسن قيل: "خير لكم أن أنطلق. فإنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزي، لكن إن انطلقت أرسله إليكم" (7). هو حاضر معنا على الدوام بلاهوته، ولكن إن لم ينطلق بالجسد عنا، فإننا نرى جسمه دومًا حسب الجسد ولا نؤمن من الجانب الروحاني.
القديس أغسطينوس
+ لاحظوا كيف يعزيهم مرة أخرى، إذ يقول: "إنني أتكلم معكم لا لكي أبهجكم، ومع أنكم قد حزنتم ربوات المرات، لكن يلزمكم أن تسمعوا ما هو لصالحكم. إنه بالحق من أجل شوقكم يلزم أن أكون معكم، ولكن ما هو لنفعكم يختلف عن ذلك. فإنه جزء من الاهتمام بالغير ألا يكون الشخص حانيًا أكثر من اللازم مع أحبائه في أمور خاصة بنفعهم، أو في ما يقودهم إلى ما هو ليس لصالحهم".
القديس يوحنا الذهبي الفم
السيد المسيح والروح القدس
فتح ميلاد السيد المسيح الزمني الطريق لنا لحلول الروح القدس فينا، فقد جاءت حياة السيد المسيح تشهد لعمل الروح القدس، الذي هو روحه، في كل موضع وفي كل تصرف. جاء يوحنا السابق الملاك الذي أعد الطريق للسيد المسيح مملوءً من الروح وهو بعد في الرحم (لو 1: 15). ذات الروح حلّ على القديسة العذراء مريم وظللها مثل الشكينة التي حلت في جبل سيناء، حتى يهيئها لكي يكون المولود منها القدوس المدعو ابن اللَّه (لو1: 35). وعند زيارة القديسة مريم لأليصابات امتلأت الأخيرة من الروح القدس وارتكض الجنين في بطنها بابتهاج (لو1: 41-42). وسبحت مريم وزكريا بوحي الروح (لو1: 46، 68). وبالروح القدس استقبل سمعان الشيخ الطفل يسوع في الهيكل (لو2: 25-32). وقاد الروح القدس ربنا يسوع إلى البرية ليُجرَّب (مر 1: 12).
يقدم لنا السيد المسيح الروح القدس ليحل فينا، فنحمل المسيح في داخلنا، ويصير هو نفسه صلاتنا وعبادتنا "بالروح" إذ تصرخ أعماقنا نحو الآب: "أيها الآب أبا" (رو 8: 15؛ غلا 4: 6).
"ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية، وعلى برّ، وعلى دينونة". (8)
تحقق إرسالية الروح القدس إلى الكنيسة اهتمام السيد المسيح بها، فإنه متى جاء يهب البشرية حياة التوبة والرجوع إليه خلال الصليب. فهو وحده يقدر أن يدخل القلب ويمرر الخطية ويفضحها أمامه، فيرجع إلى عذوبة الشركة مع الله. إنه قادر أن يقنع القلب والفكر وكل أعماق الإنسان أن سعادته وسلامه وفرحه وخلوده وعدم فساده يكمن في الالتصاق بالمخلص لا بالخطية، وأن لذة العشرة مع الله لا تُقارن بأية لذة للخطية.
دُعي الروح القدس "الباركليت"، وهي كلمة يونانية قديمة "بارا" تعني الملازمة، و"كليت" تعني الدعوة للمعونة، فهو الملازم المعين، أو القائد المعزي، الشفيع المدافع. وتترجم "الباراكليت" في اللاتينية "أفوكاتوس"، وفي الفرنسية "أفوكات"، أي المحامي أو الشفيع المدافع.
هذا هو أساس شركتنا مع الثالوث القدوس، إنه شفيع عنا أمام الآب، يقدم حجته، ليخرج قضيتنا بالبراءة، ويصير لنا حق الشركة والتمتع بالأحضان الإلهية. ودفاع الروح القدس، دفاع قوي قادر ومجيد. لكنه دفاع بحقٍ، لا يتقدم في القضية مدافعًا عنًا زورًا أو بهتانًا، لأنه روح الحق، الذي يشهد للحق، بل هو الحق ذاته. فهو عادل في دفاعه، لا يتستر على خطايانا أو أخطائنا. في مؤازرته للخطاة (في 20:1)، لا يستر خطايانا أو يخفي آثارها بأوراقٍ من التين كما فعل آدم ويفعل بنوه، ولا يحابي الوجوه، ولا يطلب شركة بين النور والظلمة، أو البرّ والنجاسة، إنما هذا هو عمله، وهكذا يكون دفاعه عنا: إنه ينخس قلب الإنسان قبل أن يؤمن أو يسكن فيه مغيرًا طبيعته، ليعطيه الإيمان، ويهيئه لقبول عطية الروح القدس، وذلك كما حدث يوم الخمسين. "فلما سمعوا نُخسوا في قلوبهم، وقالوا لبطرس وسائر الرسل... توبوا وليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا، فتقبلوا عطية الروح القدس" (أع 37:2-39).
يرى القديس أغسطينوس أن الخطية العظمى هي عدم الإيمان بالمسيح مخلصًا للعالم، فمن لا يؤمن لا يقدر أن يتمتع بغفران خطاياه. لهذا فإن التبكيت على خطية يحمل معنى حث الإنسان على التخلي عن عدم إيمانه بالمسيح، بهذا ينفتح أمامه باب المغفرة.
وبينما بطرس يكلم كرنيليوس ومن معه "حلّ الروح القدس على جميع الذين كانوا يسمعون الكلمة... حينئذ أجاب بطرس أترى يستطيع أحد أن يمنع الماء حتى لا يعمد هؤلاء الذين قبلوا الروح القدس كما نحن. وأمر أن يتعمدوا باسم الرب" (أع 44:10-47).
إن كان الروح ينخس القلوب قبل العماد، أفلا ينخس قلوبهم بعدما يسكن فيها بسرّ الميرون؟! إن عمله هو التبكيت على الخطية ليتوب الإنسان ويعترف، وفي سرّ التوبة والاعتراف يغفر للإنسان عن خطاياه بالروح القدس الذي يغفر باستحقاقات دم المسيح أيضًا: "اقبلوا الروح القدس من غفرتم لهم خطاياهم غُفرت..." فالروح القدس بالنسبة لمن لم يؤمنوا أو للمؤمنين لا يتستر على خطاياهم، بل بالعكس إذ هو نور يكشف ويفضح الخطية أمام عيني الإنسان الداخلية، ويكشف آثامنا ومرارتها قدام قلوبنا، وفي نفس الوقت يكشف عمل الصليب وقوة حب اللَّه الجذابة.
من هنا يتقدم الروح القدس باعترافاتنا المملوءة نتانة، ويرفقها بالدم المسفوك مع دموع التوبة وصلوات الإيمان. وللحال يحكم بالبراءة للإنسان عن خطاياه السابقة، سواء في سرّ المعمودية أو سرّ التوبة والاعتراف.
+ انظروا كيف يبدأ أولاً بانتهار الخطية... والتوبيخ، ليس من أجل اليهود وحدهم، بل بالأحرى لكل إنسان يكون عنيدًا ومقاومًا للباركليت. التوبيخ الثالث الذي للروح القدس لإدانة رئيس هذا العالم. سيشهد الباركليت لمجد المسيح، وسيظهر للعالم خطأه إن هجر (المسيح) وتعبد لذاك الذي بالطبيعة ليس الله، أي إبليس... الآن هو ليس رئيس هذا العالم بالحق، كمن يملك كرامة حاكم ورثها فيه، لكن إذ هو يتمسك بمجد هذا العالم بالخداع والعنف، ولأنه لا يزال يحكم هؤلاء خطأ، وبسبب شر إرادتهم يمارس سلطته عليهم.
القديس كيرلس الكبير
+ تثور فينا الرغبة أن نفهم لماذا كما لو لم توجد خطية للإنسان سوى عدم إيمانه بالمسيح، إذ تحدث عنها وحدها هنا بأن الروح القدس يدين العالم عليها، مع أنه واضح أنه بجانب خطية عدم الإيمان توجد أنواع متنوعة من خطايا البشر، فلماذا يبكت الروح القدس العالم عن هذه وحدها؟ ذلك لأن بعدم الإيمان يُمسك بكل الخطايا، وبالإيمان تُغفر. لهذا فإن الله ينسب إليهم هذه الخطية فوق كل بقية الخطايا، إذ بها لا تُغفر بقية الخطايا مادام الإنسان المتكبر لا يؤمن بالله المتواضع. فقد كُتب: "الله يقاوم المتكبرين، ويعطي نعمة للمتواضعين" (أم 3: 34؛ يع 4: 6). هذه النعمة التي من الله هي هبة منه؛ لكن العطية العظمى هي الروح القدس نفسه، وقد دُعي "نعمة". فإنه إذ أخطأ الجميع وأعوزهم مجد الله، لأنه بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم ودخل الموت بخطيته التي بها أخطأ الكل" (رو 3: 23؛ 5: 12).
القديس أغسطينوس
يؤكد القديس يوحنا الذهبي الفم أن الروح القدس كما الآب يشهدان للسيد المسيح لأجل خلاص العالم الذي وُضع في الشرير. حقا لقد قدم السيد المسيح تعاليم وعجائب، لكن الأشرار قاوموها. أما متى صعد إلى السماء، فيرسل روحه القدوس الذي يعمل في تلاميذ المسيح ورسله، ليكشف عن الحق، ويتمم أعمالاً عجيبة فائقة باسم المسيح، ويقوم بتبكيت العالم، لكي يدرك شره، ويقبل الرجوع إلى المخلص.
+ "ومتى جاء ذاك يبكت العالم" [8]. بمعنى أنهم لا يفعلون هذه الأمور دون أن يُعاقبوا متى جاء ذاك. فإنه بالحق الأمور التي تمت فعلاً كافية أن تبكم أفواههم. ولكن متى تمت هذه الأمور أيضًا بواسطته (بعد صعوده) حينما تصير التعاليم أكثر كمالاً (بحلول الروح القدس)، والمعجزات أعظم (على أيدي الرسل)، يُدانون بالأكثر إذ يرون مثل هذه الأمور تتم باسمي، مما يجعل القيامة أكثر تأكيدًا.
الآن يمكنهم القول: هذا هو ابن النجار، ونحن عارفون بأبيه وأمه، ولكن حين يرون رباطات الموت قد انحلت، والشر يُنزع، والمعوجات الطبيعية تستقيم، والشياطين يخرجون، وفيض العون من الروح، وهذا كله يتحقق بدعوتي، فماذا سوف يقولون؟ يحمل الآب شهادة لي، وسيحمل الروح أيضًا شهادة مع أنه حمل شهادة في البداية، نعم وسيحملها وسيبكت.
القديس يوحنا الذهبي الفم
يقول القديس أغسطينوس أن السيد المسيح نفسه يبكت العالم على خطية، كما في قوله: "لو لم أكن قد جئت وكلمتهم لم تكن لهم خطية" (يو 15: 22)، وعلى برّ، إذ قال: "أيها الآب البار العالم لم يعرفك" (يو 17: 25)، كما يبكت على دينونة، إذ أعلن أنه سيقول للذين على اليسار: "اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المُعدة لإبليس وملائكته" (مت 25: 41). وردت عبارات كثيرة في الإنجيل تؤكد أن السيد المسيح يبكت على هذه الأمور. لماذا إذن ينسب هذا للروح القدس كما لو كان هذا امتيازًا خاصًا به؟ يجيب القديس أغسطينوس أن الروح القدس ينسكب على قلوب التلاميذ (رو 5: 5)، فيهبهم المحبة التي تطرد الخوف خارجًا (1يو 4: 18)، فيصير لهم حق التوبيخ والتبكيت. ويكمل القديس حديثه: [كثيرًا ما أقول أن عمل الثالوث القدوس لا ينفصل، لكن كل أقنوم يقوم بدوره، ليس فقط بغير انفصالهم، بل وأيضًا دون خلط بينهم. فمن حقنا أن ندرك كلاً من وحدتهم وثالوثهم (تمايزهم) ].
"أما على خطية، فلأنهم لا يؤمنون بي". (9)
يوضح السيد المسيح دور الروح القدس في التبكيت على خطية قائلاً: "لأنهم لا يؤمنون" (9). إن كانت الخطية تملك على القلب، فليس من طريق للخلاص منها إلا بقدوم ملكٍ آخر قادر على إبادتها، وهو الإيمان بالمسيح الذي يملك على القلب. ملكت الخطية فصارت مصدر فساد ورجاسة، لذا صارت الضرورة ملحة للإيمان بالمخلص الذي ينزع الفساد والرجاسة، ويحتل عدم الفساد والقداسة الموضع. بالخطية كسر الإنسان الناموس وحلت اللعنة، وبالإيمان بالمسيح مكمل الناموس وحامل اللعنة عنا نتحرر من الحرف القاتل واللعنة لننعم بالروح المحيي والحياة المطوَّبة.
بلغت خطية اليهود القمة عندما لم يقبلوه بكونه المسيا المخلص مع أنه صنع العجائب التي سبق أن أعلن عنها الأنبياء (إش 35: 3-6). عند حلول الروح القدس في يوم العنصرة اعترف جمع من اليهود بهذه الخطية، ورجعوا إلى الله (أع 2: 37).
+ لأن هذه الخطية، كما لو كانت هي الخطية الوحيدة، وضعها قبل الخطايا الأخرى، لأن بالاستمرار فيها تُستبقى بقية الخطايا، وبنزعها تنزع بقية الخطايا.
القديس أغسطينوس
+ يبكت "على خطية"؛ هذا يعني انه سيقطع كل أعذارهم، ويظهر أنهم عصوا عصيانًا فاحشًا.
القديس يوحنا الذهبي الفم
"وأما على برّ، فلأني ذاهب إلى أبي، ولا ترونني أيضًا". (10)
أما عن التبكيت على برٍّ، فيقول السيد المسيح: "فلأني ذاهب إلى أبي، ولا تروني بعد" (10). أي يبكتهم على عدم إدراكهم لبرّ المسيح وقداسته، فقيامته وصعوده إلى السماء هما الدليل على برّه. لذلك إذ يصعد السيد إلى السماء يرسل روحه ليحمل قلوب البشرية إلى حيث المسيح جالس، فيتلامسوا معه ويختبروا برَّه فيهم، بل يصير المسيح لهم برًا.
تبكيت العالم على خطية يعني عمل الروح القدس في الكشف عن حقيقة العالم أنه خاطئ. وأما على البرٍّ فهو الكشف عن حقيقة ما فعله العالم بالمسيح، أي الصلب، فإن آلام المسيح المخلصة وصلبه هي لأجل تبريرنا. فالروح الذي ينير العينين ليدرك الإنسان خطاياه، ينيرهما أيضًا ليدرك قوة موت المسيح واهب البرّ.
لم يدرك اليهود قيمة موسى النبي كما ينبغي إلا بعد انتقاله من العالم، ولم يعرف الكثيرون برّ المسيح إلا بعد صعوده إلى السماء. حلول الروح القدس في يوم العنصرة حسب الوعد الإلهي هو برهان على مجد المسيح الجالس على يمين العظمة (أع 2: 33)، وهذا دليل على برِّه الإلهي.
يتساءل القديس أغسطينوس لماذا قال السيد المسيح أن الروح القدس يبكت على برْ لأنه ذاهب إلى أبيه. ويجيب بأن الكلمة عند تجسده ومجيئه من عند الآب أظهر رحمته علينا، وبصعوده إلى السماء وذهابه إلى الآب نقوم معه، ونطلب ما هو فوق حيث المسيح جالس. إنه جالس على يمين الآب، يجلس بكونه الرأس والجسد، وكأن الكنيسة وقد صارت جسدًا تتمتع ببرْ المسيح، حيث صار لها حق الجلوس في السماء عن يمين الله.
+ لذلك يليق بنا ألا نحسب أنفسنا منفصلين عن ذاك البرْ الذي يشير إليه الرب نفسه، قائلاً: "عن البرْ، لأني ماضٍ إلى الآب". فإننا نحن أيضًا نصعد مع المسيح، ونحن مع المسيح رأسنا، الآن بالإيمان والرجاء إلى حين، لكن رجاءنا يكمل في القيامة الأخيرة من الأموات. لكن حين يكمل رجاؤنا يكمل أيضًا تبريرنا. والرب الذي كمل هذا أظهر لنا في جسده (أي في رأسنا) الذي فيه قام وصعد إلى الآب ما يلزمنا أن نترجاه. فقد كُتب: "أُسلم من أجل خطايانا، وأُقيم لأجل تبريرنا" (رو 4 : 25). إذن العالم قد دين على خطية في الذين لم يؤمنوا بالمسيح، وعلى بره في الذين قاموا في أعضاء المسيح. فقد قيل: "فنصير برّ الله فيه" (2كو 5: 21). فإننا إن لم نكن فيه فلا طريق للبرّ. أما فيه فيذهب بنا بالكامل إلى الآب، ويتحقق فينا البرّ الكامل.
القديس أغسطينوس
+ لقد ترك الرسول الأمر واضحًا: يلزمنا أن نؤمن أن عمل الآب وعمل الابن هو عمل واحد.
القديس أمبروسيوس
+ عندما يُوبخ بار (معتد ببره)، فإنه يُوبخ على خطية وليس على برّ. لهذا يجب ملاحظة إن هذا النطق الإلهي: "لا تكن بارًا بزيادة" (جا 7: 16، 20)، لا يخص برّ الإنسان الحكيم، وإنما كبرياء الإنسان المتعجرف. فالإنسان الذي يصير "بارًا بزيادة"، بهذا الزيادة عينها يصير غير بارٍ. فإنه يجعل نفسه بارًا بزيادة بقوله أنه بلا خطية، وتصوره أنه صار بارًا ليس بنعمة الله، وإنما بالاكتفاء بإرادته الذاتية. وهو ليس بارًا بالحياة البارة بل بالأحرى باكتفائه بالتصور بما هو ليس عليه.
القديس أغسطينوس
+ "على برّ، فلأني ذاهب إلى أبي، ولا ترونني أيضًا" (10). بمعنى: "لقد أظهرت حياة بلا لوم، وهذا برهان إني ذاهب إلى الآب". إذ كانوا على الدوام يحتجون ضده بأنه ليس من الله، ولذا دعوه خاطئًا وعاصيًا، لذلك يقول أن الروح سينزع عنهم أيضًا هذا العذر. فإن كان يبدو عليّ إنني لست من الله اظهروا لي إني عاصٍ؛ عندما يعلن الروح أنني ذاهب عنده، ليس إلى حين بل أسكن هناك، لأن القول "لا ترونني أيضًا" يعبر عن هذا؛ فماذا سوف يقولون إذن؟ لاحظوا كيف أنه بهذين الأمرين أزال شكهم الشرير، لأنه لا تُنسب المعجزات إلى شريرٍ، ولا البقاء مع الله يخص خاطئًا. لذلك لا تقدرون بعد أن تقولوا إن هذا الإنسان شرير، وأنه ليس من الله.
القديس يوحنا الذهبي الفم
"وأما على دينونة، فلأن رئيس هذا العالم قد دين". (11)
في اختصار، فإن الروح القدس ليس فقط يبكت على الخطية (9) واهبًا الإيمان للإنسان، ومقدمًا برّ المسيح المصلوب له، وإنما يدين العالم الشرير، ويقدم للمؤمنين ما هو للابن، فيتمتعوا بشركة المجد السماوي. هكذا يقدم لنا الروح القدس ثلاث حقائق هامة تمس حياتنا:
1- فساد طبيعتنا بالخطية.
2- إصلاحها وتمتعها ببرّ المسيح.
3- دينونة الشر أبديًا.
يبكت الروح القدس على دينونة، "لأن رئيس هذا العالم قد دين" (11). بينما ظن العالم أنه قد حكم على المسيح ودانه، إذا بالروح القدس يكشف للمؤمنين أنه بالصليب دين عدو الخير وشُهر به (1كو 2: 15). انفضح إبليس كمخادعٍ ومدمرٍ للبشرية، وبدأ الأمم يرفضونه ويهجرون عبادته خلال الكرازة بصليب المسيح. عمل الروح القدس تأكيد أن المسيح أعظم وأقوى من إبليس، يهب سلطانًا لتلاميذه أن يدوسوا على قوات الظلمة. وهكذا يختبر المؤمن في حياته اليومية عربون السلطان الذي ناله لكي يتمتع بكماله في يوم الدينونة حيث يُدان إبليس ويتمتع الإنسان بكرامة فائقة. يحتل الإنسان الدرجة السماوية الفائقة التي سقط منها إبليس وكل جنوده. لهذا جاء فعل "دين" يحمل معنى الاستمرارية، فالغلبة على قوات الظلمة عمل يومي مستمر.
+ أيضًا يُدان العالم "عن دينونة، لأن رئيس هذا العالم قد دين"، أي الشيطان، رئيس الأشرار. إذ يسكن في قلب هذا "العالم" وحده، أي في قلوب الذين يحبون "العالم"، كما أن مواطنتنا نحن في السماء، إن كنا قد قمنا مع المسيح. هكذا كما أن المسيح ونحن جسده معه هم واحد، هكذا الشيطان مع كل الأشرار الذين رأسهم هو إبليس كما لو كانوا جسده، هو أيضًا واحد. لذلك كما أننا لا ننفصل عن البرّ الذي قال عنه الرب: "لأني ماضٍ إلى الآب"، هكذا لا ينفصل الأشرار عن تلك الدينونة التي قال عنها: "لأن رئيس هذا العالم قد دين".
+ رئيس هذا العالم، أي رئيس الظلمة، أو غير المؤمنين، الذي يتحرر منه ذلك العالم الذي يقال له: "لأنكم كنتم قبلاً ظلمة، وأما الآن فنور في الرب" (أف 5: 8)؛ رئيس هذا العالم الذي يقول عنه في موضع آخر: "الآن رئيس هذا العالم يُطرح" (يو 12: 31)، هذا بالحقيقة يُدان قدر ما هو مُعَيّنْ لحكم النار الأبدية نهائيًا.
القديس أغسطينوس
+ "إذ يُدان بواسطتي فسيعرفون من الذي سيطأ عليه بقدميه فيما بعد، وسيعرفون قيامتي بوضوح التي هي علامة من يدين رئيس هذا العالم. فإنه غير قادر أن يمسك بي. فبينما قالوا بأن به شيطان، وأنني مخادع فستظهر كل هذه الأمور أنها باطلة، إذ لم يكن ممكنًا لي أن أفوز عليه لو كنت خاضعًا للخطية، لكنه الآن يُدان ويُطرد.
القديس يوحنا الذهبي الفم
"إن لي أمورًا كثيرة أيضًا لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن". (12)
صرح لهم السيد المسيح أن لديه أمور كثيرة لم يرد أن يخبرهم بها، لأنهم عاجزون عن قبولها في ذلك الحين، ففيه تختفي كنوز الحكمة والمعرفة.
+ لذلك فإنه خير لكم أن أرحل إن كنتم سوف تحتملون هذه برحيلي. ماذا يحدث؟ هل الروح أعظم منك حتى أننا الآن لا نحتمل، لكن سنحتمل بعد ذلك؟ هل سيعمل الروح بأكثر قوة وأكثر كمالاً؟ لا، ليس كذلك، لأنه هو أيضًا ينطق بكلماتي.
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ لم يكن التلاميذ في ذلك الحين مستعدين أن يموتوا من أجل المسيح عندما قال لهم: "لا تقدر الآن أن تتبعني" (يو 13: 36)... ومع ذلك نجد بعد هذا أعدادًا بلا حصر من رجال ونساء وأولاد وبنات وشباب وشابات وشيوخ وصغار تُوجوا بالاستشهاد، ووُجد القطيع مستعدًا لهذا الذي لم يكن الرعاة قادرين على احتماله عندما نطق الرب بهذه الكلمات.
+ حسنًا، ليتنا نقبل الأمر هكذا، إن كثيرين يستطيعون الآن أن يحتملوا هذه الأمور، إذ أُرسل الروح القدس، هذا الذي لم يستطع التلاميذ أن يحتملوه قبل مجيئه.
+ بالرغم من إني أشتهي وأسأل وأتضرع بكل غيرة أن الرب يستخدمكم أن تزيلوا جهلي في هذا الأمر، إلا أنني وإن كنت لا استحق هذا، اللَّه لا يسمح! فإنني سأسأل الرب إلهنا بصبرٍ الذي لي إيمان إنني لن أتذمر ضده إن رفض أن يفتح لي عندما أقرع. سأتذكر القول: "لي كثير لأقوله لكم، لكنكم لا تحتملون الآن" (راجع يو 12:16).
القديس أغسطينوس
"وأما متى جاء ذاك روح الحق، فهو يرشدكم إلى جميع الحق، لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم به، ويخبركم بأمورٍ آتية". (13)
وعدهم السيد المسيح أنهم يتمتعون بمجيء "روح الحق" الذي يرشدهم إلى كل الحق. فقد سبق فقدم السيد نفسه لهم قائلاً: "أنا هو الحق"، من يقتنيه يقتني الحق. لكنهم كيف يقتنونه؟ بالروح القدس الذي هو روح الحق، يعمل فيهم، فيثبتهم في المسيح الذي هو الحق الإلهي.
هل أخفي السيد المسيح الحق عن تلاميذه؟ لقد جاء إلى العالم ليقدم الحق. تحدث مع تلاميذه قدر ما يحتملون، ومع الجماهير حسب قدرتهم. لكنهم كانوا عاجزين عن قبول كل الحق، لذا بعث بروحه القدس لكي يقودهم ويدخل بهم إلي أعماق جديدة في الحق. هذا وقد أكد السيد أن روح الحق لا يعلم بشيء يناقض ما يعلم به السيد المسيح، بل ما يسمعه من الآب والمتناغم مع الابن، فينطق به لمجد الثالوث القدوس وخلاص البشر.
يقودهم روح الله إلى النبوة (رو 8: 14)، ويسلك معهم في الطريق، قائدًا لهم ومرافقًا، ويبقى سندًا لهم حتى يبلغ بهم إلى النهاية، حيث يتمتعون بكل الحق. إنه أشبه بربان السفينة العارف بأسرار المنطقة البحرية، يقودها ويبلغ بالمسافرين إلى البر بأمان.
إنه روح الحق، لا يقود المؤمن إلا في الحق (1يو 2: 27). يتكلم بما فيه نمونا وتقدمنا في الأمور الآتية. وكما جاء في يوئيل: "يكون بعد ذلك أني أسكب روحي على كل بشر، فيتنبأ بنوكم وبناتكم، ويحلم شيوخكم أحلامًا، ويرى شبابكم رؤي". (2: 28) وقد تحقق ذلك كما جاء في سفر الأعمال (11: 28؛ 20: 23؛ 21: 1). تحدث الروح عن الارتداد في الأزمنة الأخيرة (1تي 4: 1).
+ لقد أعلن أننا بدون الروح نعيش كأطفالٍ صغارٍ. لقد قال أن الروح سيأتي، هذا الذي يجعل من الأطفال الصغار رجالاً أقوياء بالنمو، أقصد في العمر الروحي. وقد أبرز هذا، لا لكي يجعل قوة الروح في المركز الأول، وإنما ليظهر أن كمال القوة هو في معرفة الثالوث.
+ يقول ابن الله بخصوص الروح القدس أنه لا يتكلم من نفسه، بمعنى ليس بدون الشركة مع الآب ومعي. لأن الروح لا ينقسم ولا ينفصل، بل ينطق بما يسمع... هذا يعني أنه لا يتكلم بدوني، إذ ينطق بالحق، إنه يتنسم بالحكمة. لا ينطق بدون الآب، لأنه روح الله. إنه يسمع لا من ذاته، لأن كل الأشياء هي من الله.. لذلك ما يقوله الروح هو قول الابن ولا ينطق الروح شيئًا من ذاته. لأن الثالوث لا يتكلم بشيء خارج عنه.
+ هذا لا يعني أي سماع لكلمات واقعية (ملموسة) بل وحدة الإرادة والقوة التي توجد في الآب والابن والروح القدس. ما يقوله الروح يقوله الابن هنا (يو 16: 13). لنتعلم أن ما يقوله الروح يقوله الابن أيضًا، وما يقوله الابن يقوله الآب أيضًا، إذ يوجد فكر واحد، وطابع واحد للعمل في الثالوث.
القديس أمبروسيوس
+ قال لتلاميذه عن الروح القدس: "ويخبركم"، بهذا رفع تمييز فهمهم، لأن الجنس الإنساني بصفة عامة لا يرتاح إلى شيء كارتياحه إلى أن يعرف الأحداث القادمة. لقد سألوه في هذا الأمر، إذ قال بطرس الرسول: "يا سيد إلى أين نذهب؟" (يو 13: 36)، وقال توما الرسول: "يا سيد لسنا نعلم أين تذهب، فكيف نقدر أن نعرف الطريق؟" (يو 14: 5). فقد أراحهم من هذا الاهتمام، إذ أوضح لهم هنا أن الروح القدس يسبق فيقول لهم الخفايا كلها، أي "يخبركم". فإن قلت: "ولِم لم يعطِ السيد المسيح الروح القدس لتلاميذه قبل أن ينطلق من عندهم؟" أجبتك: "لأن اللعنة لم تكن قد اُنتزعت بعد، وخطيتنا لم تكن قد حلت بعد، فما كان لائقًا أن يجيء الروح القدس، إذ كان الناس كلهم مدينين في العقوبة، وكأن السيد المسيح يقول: "ينبغي أن تنحل العداوة وأن نصالح إلهنا، وبعد ذلك نقبل تلك الموهبة".
القديس يوحنا الذهبي الفم
يقول القديس أغسطينوس أن التلاميذ حتى بعد أحداث الصلب والقيامة وصعود السيد المسيح لم يكونوا قادرين على إدراك بعض الحقائق الإيمانية مثل أن العالم قد خُلق بواسطة ذاك الذي صُلب، وأنه هو ابن الله الذي كسر طريقة حفظ اليهود للسبت، وأيضًا أن الله ثالوث قدوس: الآب والابن والروح القدس، وأن الابن واحد مع الآب ومساوٍ له في ذات الجوهر الخ. مثل هذه الحقائق لم يدركها التلاميذ بوضوح إلا بالروح القدس الذي وُهب لهم، فامتلأت قلوبهم حبًا وغيرة في الروح، واستنارت بمعرفة الحق.
+ لذلك أيها الأحباء يلزمكم ألا تتوقعوا أن تسمعوا منا ما امتنع الرب عن إخباره لتلاميذه، إذ كانوا غير قادرين على احتمالها، بل بالأحرى تطلبوا أن تنموا في المحبة التي تُسكب في قلوبكم بالروح القدس الذي أُعطي لهم (رو 5: 5). بهذا فإنه في غيرة الروح ومحبة الروحيات تستطيعون، لا بأية علامة ظاهرة للأعين الجسدية، أو بأي صوت يرن في آذانكم الجسدية، وإنما برؤية العين الداخلية والسماع الداخلي أن تتعرفوا على ذلك النور الروحي، وتلك الكلمة الروحية التي يعجز الجسدانيون أن يحتملوها. إذ لا يمكن محبة ما هو ليس بمعروفٍ. لكن عندما يُعرف الشيء ولو بقياسٍ صغير فإنه أيضًا يُحب، وبذات الحب ينال الشخص معرفة أفضل وأكمل.
فإن صرتم نامين في الحب الذي سكبه الروح القدس في قلوبكم: "هو يعلمكم كل الحق"، أو كما جاء في بعض المخطوطات: "فهو يرشدكم إلى جميع الحق". وكما قيل: "قدني في طريقك يا رب، فأسلك في حقك" (مز 86: 11). والنتيجة هي أنكم تتعلمون هذه الأمور التي امتنع الرب عن النطق بها في ذلك الحين، ليس خلال معلمين خارجيين، بل تكونوا متعلمين من الله (يو 6: 45)...
نعم حسنًا، لقد قلت لكم الآن بعض الأمور التي لها شيء من نفس هذه السمات وأنتم قبلتموها، ليس فقط احتملتموها، بل استمعتم إليها بسرورٍ. فإن ذاك المعلم الداخلي الذي حين كان يتكلم من الخارج مع تلاميذه قال: "إن لي أمورًا كثيرة أيضًا لأقول لكم، ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن" (12)، يرغب أن يتحدث في الداخل إلينا عما قلت أنه يخص طبيعة الله غير المتجسمة، بالطريقة التي يتحدث بها مع الملائكة الذين يرون وجه الآب على الدوام، والتي نبقى بعد لا نحتملها.
لهذا عندما يقول: "سيعلمكم كل الحق"، أو "يرشدكم إلى جميع الحق" (13) لست أظن أن الملء ممكنًا في ذهن أي شخص في هذه الحياة، لأنه من وهو يعيش في هذا الجسد الفاسد والمقاوم للنفس يقدر أن يعرف كل الحق، إن كان الرسول يقول: "الآن أعرف بعض المعرفة"؟ وإنما يتحقق بالروح القدس الذي ننال الآن غيرته (2كو 1: 22) حتى ننال بعد ذلك كمال المعرفة التي يقول عنها الرسول نفسه: "حينئذٍ وجهًا لوجهٍ" ( كو ١٣: ١٢).
القديس أغسطينوس
+ هذا تجديدنا، يجعلنا على صورة اللّه من جديد، وذلك بغسل التجديد والروح القدس الذي يجددنا، فنصير أبناء اللّه، نصير خليقة جديدة مرة أخرى بشركة الروح، ويخلصهما مما كان عتيقًا.
القديس باسيليوس الكبير
يعلق القديس أغسطينوس على قول السيد المسيح عن الروح القدس: "لأنه لا يتكلم من نفسه، بل كل ما يسمع يتكلم، ويخبركم بأمورٍ آتية" (13)، قائلاً بأنه إذ هو من عند الآب ينبثق (يو 15: 26) أزليًا، فهو من الآب وليس من نفسه، هو واحد معه ومساوٍ له في ذات الجوهر. هو من الآب، له ذات معرفته [إنه يسمع ممن ينبثق منه. بالنسبة له السمع هو معرفة، والمعرفة هي وجوده التي سبق لنا مناقشتها. لأنه ليس من ذاته، بل من ذاك الذي انبثق منه، والذي منه له الكيان والمعرفة والسمع التي ليست إلاَّ معرفة... هذا السمع سرمدي، لأن المعرفة سرمدية... وما هو سرمدي ليس له بداية ولا نهاية، يمكن استخدام الفعل في أية صيغة سواء في الماضي أو الحاضر أو المستقبل].
"ذاك يمجدني، لأنه يأخذ مما لي ويخبركم". (14)
إرسال الروح القدس وعمله يمجدان الابن. فالآب يمجده في السماء، والروح القدس يمجده على الأرض. يأتي الروح القدس باسم المسيح، ويعمل لحساب مملكته، محققًا رسالة إنجيله. لا يأتي ليقيم مملكة أخرى، بل هي ذات مملكة المسيح التي تنسب أيضًا للآب، لأن كل ما للابن هو للآب، وما للآب هو للابن.
إذ صار المسيح ابن البشر قدم الآب ما له للابن لأجلنا، وعهد الابن بدوره العمل للروح القدس، هنا وحدة الثالوث في العمل.
"كل ما للآب هو لي، لهذا قلت إنه يأخذ مما لي ويخبركم". (15)
يتمتع المؤمنون المعمدون باسم المسيح بالشركة معه في موته وقيامته بطريقة غير خاضعة لحواسنا الظاهرية. وهي تتم بعمل الروح القدس الذي ينحدر من السماء باستدعاء الكاهن كما رسم السيد المسيح في كنيسته المقدسة. هذا الروح الذي يأخذ مما للمسيح ويعطينا (يو 15:16).
يعطينا الروح هذا السرّ بفضل نعمة المسيح، لأنه "لا بأعمال في البرّ عملناها نحن، بل بمقتضى رحمته خلصـنا بغسل الميلاد الثاني، تجديد الروح القدس" (تي 5:3). "مبارك اللَّه أبو ربنا يسوع المسيح الذي على حسب رحمته الكثيرة ولدنا ثانية لرجاء حي بقيامة يسوع المسيح من بين الأموات لميراث لا يبلى ولا يتدنس ولا يضمحل، محفوظ في السماوات لكم" (1 بط 3: 4).
"يأخذ مما لي ويخبركم" (يو 14:16). فبحسب اعتقاد المنادين بالفيلوك بخصوص العلاقات الباطنة في أقانيم الثالوث لا يمكن لأقنوم أن يأخذ أو يتقبل شيئًا من أحد الأقنومين الآخرين إلا بطريق "الانبثاق".
يرى فوتيوس Photius أن هذه الكلمات لا تعني أن الروح القدس يأخذ من الابن بل من الآب؛ لأن السيد المسيح لم يقل "يأخذ مني of Me" بل قال: "يأخذ مما لي on Mine، فالتعبير الأول يعني من ينطق به (شخصيًا)، أما تعبير "مما لي" فيعلن عن شخص آخر يرتبط مع المتكلم برباط القرابة. لقد أضاف الرب: "كل ما للآب هو لي"، لذلك ما يأخذه الروح مما لي إنما يأخذه من الآب. الأخذ هنا لا يخص الجوهر الإلهي بل سمات ربنا يسوع المسيح حتى نتشكل نحن على صورة الابن (رو 29:8).
+ "كل ما هو للآب فهو لي". فماذا إذن أكثر وضوحًا من هذه الوحدة؟ كل ما للآب يخص الابن، وكل ما للابن تقبله أيضًا الروح القدس.
+ لقد قبل كل شيء من الآب بحق ميلاده (الأزلي منه)، ويظهر الآب بالكامل بمجد جلاله (أي لم ينقص بما قدمه للابن).
+ "كل ما هو للآب فهو لي"، لا بمعنى أنه وُهب له ذلك من الآب بل ما تسلمه من الآب هو حقه، إذ هو الابن الذي ولده الآب.
+ ليس من أمر ما مستبعد، فالابن له ذات الإرادة التي للآب.
القديس أمبروسيوس
3. وعد باللقاء معهم بعد قيامته
"بعد قليل لا تبصرونني، ثم بعد قليل أيضًا ترونني، لأني ذاهب إلى الآب". (16)
إن كان السيد المسيح يجتاز طريق الألم والموت فهو يفارقهم بالجسد إلى حين، يدعو هذا "قليلاً"، إذ يعود فيظهر لهم بعد قيامته ويهبهم راحة وتعزية. بعد قليل يموت، فيختفي عنهم ثم يقوم، وبعد قليل يصعد إلى السماء إلى الآب، ثم يعود على السحاب ليحمل كنيسته إلى المجد الأبدي. فالزمن طال أم قصر هو قليل جدًا، لأنه ليس من وجه للمقارنة بين الزمن والأبدية. وكما يقول القديس بطرس الرسول: "ولكن لا يُخف عليكم هذا الشيء الواحد أيها الأحباء، أن يومًا واحدًا عند الرب كألف سنة، وألف سنة كيومٍ واحدٍ. لا يتباطأ الرب عن وعده، كما يحسب قـوم التباطؤ، لكنه يتأنى علينا" (٢بط ٣ : ٨-٩). كأنه يقول إن دوري يستلزم ترككم، لكن هذا الترك هو لحسابكم، لخلاصكم ولمجدكم.
+ "ثم بعد قليل أيضًا ترونني، لأني أنا ذاهب إلى الآب". فإنه يوضح أنه لا يهلك، لكن موته هو انتقال. هذا هو إعلان لهم أنه سيعود، وأن مفارقته تكون إلى حينٍ، إذ يأتي إليهم ثانية، وأن انفصالهم (عنه) إلى لحظات، ولكن تبقى صحبته لهم مستمرة.
القديس يوحنا الذهبي الفم
"فقال قوم من تلاميذه بعضهم لبعض: ما هو هذا الذي يقوله لنا، بعد قليل لا تبصرونني، ثم بعد قليل أيضًا ترونني، ولأني ذاهب إلى الآب. "فقالوا ما هو هذا القليل الذي يقول عنه؟ لسنا نعلم بماذا يتكلم". (18)
تحنن السيد المسيح، إذ رآهم في حيرة لا يدركون كلماته، وإذ لم يجسر أحدهم أن يسأله كانوا يتهامسون فيما بينهم يسألون بعضهم البعض عما يقصد. لم يتركهم هكذا في حيرتهم فبدأ يفسر لهم كلماته.
+ لم يعرف التلاميذ ما قاله لهم السيد المسيح، فمن هذه الجهة يتعجب على حالهم كيف أنهم سمعوا هذه الأقوال دفعات كثيرة، وصاروا كمن لم يسمعوها.
قال السيد المسيح هنا هذا القول في توصية تلاميذه وإيضاحه لهم عظمة حبه، لاظهاره ذاته من هو.
القديس يوحنا الذهبي الفم
"فعلم يسوع أنهم كانوا يريدون أن يسألوه، فقال لهم:أعن هذا تتساءلون فيما بينكم؟ لأني قلت بعد قليل لا تبصرونني ثم بعد قليل أيضًا ترونني. الحق الحق أقول لكم إنكم ستبكون وتنوحون، والعالم يفرح. أنتم ستحزنون، ولكن حزنكم يتحول إلى فرحٍ". (20)
إذ لم يستطع التلاميذ أن يدركوا ما يقوله حدثهم بصراحة أنهم سيحزنون بسبب آلامه وصلبه وموته. لقد عرف أنهم مشتاقون إلى المعرفة لذلك شرح لهم الأمر. لم يخبرهم في تفاصيل، إنما أخبرهم بما سيحل بهم، ويمس مشاعرهم من حزن ثم فرح. لم يحدثهم بأكثر من هذا حتى لا يزداد ارتباكهم، إنما أكد أن ذلك يؤول إلى فرحهم وإلى تمتعهم بميلاد جديد.
يجد الأشرار فرحهم ومسرتهم في حزن القديسين وآلامهم، بينما يجد المؤمن مسرته في مشاركة المتألمين، حاسبًا آلام كل إنسان كأنها آلامه الشخصية.
+ أراهم أن بعد الحزن يكون الفرح، وأن الحزن يولد السرور، وأنه لمدة قصيرة.
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ يُفهم من ذلك بأن التلاميذ قد أُلقوا في حزن على موت الرب، وفي الحال امتلأوا فرحًا بقيامته. أما العالم الذي يعني به الأعداء الذين قتلوا المسيح، فكانوا حتمًا في نشوة من الفرح بقتل المسيح في الوقت نفسه الذي كان فيه التلاميذ في حزنٍ.
القديس أغسطينوس
"المرأة وهي تلد تحزن،لأن ساعتها قد جاءت. ولكن متى ولدت الطفل لا تعود تذكر الشدة لسبب الفرح، لأنه قد وُلد إنسان في العالم". (21)
لم يعدهم بنزع الضيقات، لكنه وعدهم بتقديم فهم جديد للألم، إذ يجعله كألم المخاض، الذي يليه ولادة طفلٍ، فيحتل الفرح موضع الألم.
+ ما يقوله هو من هذا النوع: "ستحل بكم آلام الطلق، ولكن أوجاع الولادة المفاجئة تسبب لكم فرحًا". كلاهما يثبتان كلماته بخصوص القيامة، ويظهر أن الرحيل هو أشبه بعبور من الرحم إلى نور النهار. حتى الأم لكي تصير أمًا تعبر كما في حزن. هنا أيضًا يطبق أمرًا باطنيًا، إذ تحل أوجاع طلقات الموت التالي لتأتي بإنسانٍ جديد ناتج عنها. إنه لم يقل فقط أن الحزن يعبر، بل ولا تعود تذكره. يا لعظم الفرح الذي يتبعه! هذا ما سيكون مع القديسين... هنا لا يقول إن طفلاً يولد بل "إنسان". بالنسبة له إنه يلتصق هنا بقيامته، وأنه لا يًلد بطلقات الموت بل يُولد للملكوت.
القديس يوحنا الذهبي الفم
"فأنتم كذلك عندكم الآن حزن، ولكني سأراكم أيضًا، فتفرح قلوبكم، ولا ينزع أحد فرحكم منكم". (22)
إن كنا نتمتع بكمال الفرح في الأبدية غير أننا ننال عربونه هنا، فنحيا في فرحٍ داخليٍ لا ينقطع (٢كو ٦: ١٠). سرعان ما يتحول فرح العالم بمسراته ومباهجه إلى حزنٍ، لأنه عالم متقلب على الدوام. وسرعان ما يتحول الحزن الروحي إلى فرحٍ دائمٍ، لأنه فرح المسيح غير متغير. يقدم السبب لفرحنا الذي لا يُنزع منا، وهو رؤيته لنا أو ظهوره لنا، يرانا أعضاء جسمه ونراه رأسنا. فإنه يبدو كمن قد تركنا لحيظة ليعود فيجمعنا بمراحمه العظيمة وغنى نعمته (إش 54: 7).
عودته هي عودة للفرح إلى القلب، يعود كمصدر حقيقي للفرح الداخلي الدائم، وشبع للنفس. هذا الفرح لا يستطيع أحد ولا تستطيع الأحداث أن تنزعه عنا، إذ لا تقدر أن تغتصب النفس من مخلصها، ولا أن تسحبها من محبة المسيح لها.
+ "لا ينزع أحد فرحكم منكم" (22)، لأن فرحهم هو يسوع نفسه.
القديس أغسطينوس
+ ذكر هذا المثل ليوضح أن الحزن وقتي، وأن السرور دائم ثابت، وأن الفائدة من المخاض عظيمة.
القديس يوحنا الذهبي الفم
4. استجابة صلواتهم
أما السبب الثاني لفرحهم الدائم أنه إذ يُظهر المسيح نفسه لهم ويراهم، يرتبطون بالآب فيطلبون باسم المسيح فينالوا مهما كانت طلبتهم.
يعاتبهم أنهم لم يطلبوا شيئًا بعد باسمه لكي يكون فرحهم كاملاً. وماذا يطلبون إلاَّ سكنى الثالوث القدوس فيهم؟!
"وفي ذلك اليوم لا تسألونني شيئًا. الحق الحق أقول لكم إن كل ما طلبتم من الآب باسمي يعطيكم". (23)
لا يحتاجون بعد أن يطلبوا شيئًا بعد ظهور السيد المسيح لهم، إذ فيه كل الكفاية. هكذا يتجلى السيد المسيح القائم من الأموات في القلب فيشبع كل احتياجاته، ولا يدعه معوزًا شيئًا. لا يطلبون شيئًا، لأن الروح القدس يهبهم كل الحق، ويقودهم فيه، فيتمتعون بملكوت المسيح.
+ فإن قلت: وما معني قول السيد المسيح: "إن كل ما طلبتم من الآب باسمي يعطيكم"؟ أجبتك: أي أنهم لا يحتاجون وسيطًا، لكن إذا ذكروا اسمه فقط يجازيهم بأن يأخذوا جميع مطالبهم، وبذلك أراهم قوة اسمه.
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ الكنيسة في الوقت الحاضر في حالة مخاض تشتهي تلك الثمرة التي لتعبها، لكنها عندئذ ستلد تأملاً واقعيًا. الآن تتمخض لتلد في أنين، عندئذ تلد في فرح. الآن تلد خلال صلواتها، عندئذ تلد بتسابيحها.
+ الرب غير متوانٍ بخصوص وعده، بعد قليل سنراه، حيث لا نعود نسأل شيئًا... إذ لا يوجد شيء نشتهيه، ولا يوجد شيء مخفي نسأل عنه. هذا القليل يبدو لنا طويلاً، لأنه لا يزال مستمرًا وسينتهي، عندئذ نشعر كم كان هذا الوقت قليلاً.
+ في العالم المقبل إذ نبلغ الملكوت حيث نصير مثله، إذ نراه كما هو (1يو 3: 2)، ماذا عندئذ نطلب، إذ ستتحقق كل رغبتنا بالصالحات (مز 103: 5)؟ وكما يُقال في مزمورٍ آخر: "سأشبع عندما يُعلن مجدك" (مز 17: 15). فإن الطلبة تُمارس بسبب نوع من الاحتياج، الأمر الذي لا موضع له حيث يسود الفيض.
القديس أغسطينوس
"إلى الآن لم تطلبوا شيئًا باسمي. أطلبوا تأخذوا، ليكون فرحكم كاملاً". (24)
إلى تلك اللحظات لم يطلبوا شيئًا، لكن متى جاء ذاك فهو يعلمهم الصلاة فيطلبوا الاتحاد مع الله الآب بالابن الوحيد الجنس في الروح القدس.
+ يعرف الرب يسوع كيف أن نفس الإنسان، أي الذهن العاقل الذي خُلق على صورته، لا تقدر أن تشبع إلاَّ به وحده...
يعرف أنه قد أُظهر وأنه مخفي. يعرف أن فيه قد أُعلن ما هو مخفي. يعرف هذا كله. يقول المزمور: "يا لعظم فيض عذوبتك يا رب، التي أخفيتها للذين يخافونك، التي تصنعها للذين يترجونك" (مز 30 : 20 LXX).
عذوبتك عظيمة ومتعددة أخفيتها للذين يخافونك...
فلمن تفتحها؟ للذين يترجونك.
سؤال بجانبين قد أُثير، لكن كل جانب يحل الآخر...
هل الذين يخافون والذين يترجون مختلفون؟
أليس الذين يخافون الله هم يترجونه؟...
للناموس الخوف، وللنعمة الرجاء... الناموس ينذر من يتكل على ذاته، والنعمة تعين من يثق في الله... نحن نسمع الناموس. فإن لم توجد نعمة، تسمع العقوبة التي تحل بك... لتصرخ: "ويحي أنا الإنسان الشقي!" (رو 7: 24). لتعرف نفسك أنك منهزم، لتكن قوتك في خزي ولتقل: "ويحي أنا الإنسان الشقي! من ينقذني من هذا الجسد المائت؟"... هكذا ينذر الناموس من يعتمد على ذاته.
أنظر هوذا إنسان يعتمد على ذاته، يحاول أن يجاهد، إنه منبطح ومُستعبد وأُخذ أسيرًا. من تعلم أن يعتمد على الله، وقد بقي الناموس ينذره ألا يعتمد على ذاته، الآن تسنده النعمة. إذ يعتمد على الله. في هذه الثقة يقول: "من ينقذني من جسد هذا الموت؟ نعمة الله بيسوع المسيح ربنا" (رو 7 : 24 - 25 Vulgate).
الآن أنظر إلى العذوبة، تذوقها، تلذذ بها. اسمع المزمور: "ذوقوا وانظروا ما أعذب الرب" (مز 34: 8 Vulgate). يصير عذبًا لك، إذ ينقذك.
كنت في مرارة ذاتك، عندما اعتمدت عليها. لتشرب العذوبة، ولتتقبل غيرة الفيض العظيم هكذا.
+ ما تسألونه يُحسب كلا شيء بالنسبة لما أريد أن أعطيكم. لأنه ماذا سألتم باسمي؟ أن تخضع الشياطين لكم. لا تفرحوا بهذا، فإن ما قد سألتموه هو لا شيء، فلو كان ذلك شيئًا لكان يسألهم أن يفرحوا...
"لكي يكون فرحكم كاملاً"، أي اسألوا ما يشبعكم.
عندما تسألون أمورًا زمنية لا تسألون شيئًا. "من يشرب من هذا الماء يعطش أيضًا" (يو 4: 13)...
اسألوا ما يشبعكم!
تحدثوا بلغة فيلبس: "يا رب أرنا الآب وكفانا" (يو 14: 8). قال له الرب: أنا معكم كل هذا الزمان ولم تعرفني؟ من رآني يا فيلبس، فقد رأى الآب أيضًا" (يو 14: 9 Vulgate).
قدم تشكرات للمسيح الذي صار ضعيفًا لأجلكم لأنكم ضعفاء، ولتكن رغباتكم معدة للاهوت المسيح لكي تشبع بها.
+ قوله: "كل ما طلبتم" يجب ألا يُفهم أنه أي طلب كان، بل أي شيء يكون بالحقيقة له علاقة بالحياة المطوَّبة.
وما جاء بعد ذلك: "إلى الآن لم تطلبوا شيئًا باسمي" (24) يُفهم بطريقتين: إما أنكم لم تطلبوا باسمي، إذ لم تعرفوا اسمي بعد كما يجب، أو أنكم لم تطلبوا شيئًا، إن قورن بما يجب أن تطلبوه، فما تطلبونه يُحسب كلا شيء.
القديس أغسطينوس
"قد كلمتكم بهذا بأمثالٍ، ولكن تأتي ساعة حين لا أكلمكم أيضًا بأمثالٍ، بل أخبركم عن الآب علانية". (25)
إنه يقدم لنا معرفة عظيمة عن الآب، لنلتمس فيه أبوته، وندخل إلى أسراره، ونتأمل مجده الفائق. لن يكون الآب غريبًا عنا، وهذا ما يجعل فرحنا كاملاً.
مع كل ما شرحه لهم يحسب أنه لم يكشف لهم كل الأسرار الإلهية، لأنهم لم يكونوا بعد يحتملونها. إنه يكلمهم بأمثالٍ وليس علانية. أما بعد قيامته وصعوده وحلول الروح القدس عليهم فأخبرهم عن الأسرار علانية.
+ كأن السيد المسيح يقول لهم: عند قيامتي ستعرفون أقوالي كلها معرفة واضحة.
القديس يوحنا الذهبي الفم
يرى القديس أغسطينوس أن "الساعة" هنا تعني المستقبل، حين نرى الله وجهًا لوجه. وكما يقول القديس بولس: "فإننا ننظر الآن في مرآة في لغزٍ، لكن حينئذ وجهًا لوجه. الآن أعرف بعض المعرفة لكن حينئذ سأعرف كما عُرفتُ" (1كو 13: 12).
"في ذلك اليوم تطلبون باسمي، ولست أقول لكم إني أنا أسأل الآب من أجلكم". (26)
كأنه يقول لا توجد حاجة أن أخبركم إنني لن أكف عن أن أقدمكم خلال دمي المسفوك عنكم لدى الآب، فإن حبي لكم لن يتوقف، وحب الآب لكم لن ينتهي.
+ كيف لا يسأل الابن الآب، بل الآب والابن ينصتان إلى من يسألهما! هذا الأمر عالٍ لا يقدر أحد أن يبلغه إلا بعين الذهن الروحية.
القديس أغسطينوس
"لأن الآب نفسه يحبكم، لأنكم قد أحببتموني، وآمنتم إني من عند الله خرجت". (27)
سرّ حب الآب للمؤمنين هو أن إيمانهم عامل بالمحبة (غلا 5: 6). بحبهم للابن يتمتعون بحب الآب لهم. بهذا يتمتع المؤمنون بالدالة لدى الآب، فيطلبون لا في خوف، وإنما بدالة الحب التي لهم لدى أبيهم السماوي المحب لأبنائه.
+ علة حبنا أننا محبوبون (من الله). بالتأكيد أن نحب الله، فهذه عطية إلهية. إنه هو الذي أعطانا النعمة أن نحبه، أحبنا بينما كنا نحن لا نحبه. حتى عندما كنا لا نسره كنا محبوبين منه، لعلنا نصير موضوع سروره في عينيه. فإننا ما كنا نقدر أن نحب الابن ما لم نحب الآب أيضًا. الآب يحبنا، لأننا نحب الابن، متطلعين إلى أن نتسلم من الآب والابن القدرة أن نحب كلاً من الآب والابن، لأن المحبة تنسكب في قلوبنا بروح الاثنين (رو 5: 5). بالروح نحب كلاً من الآب والابن الذي نحبه مع الآب والابن. إذن الله هو الذي يعمل هذا الحب التقوي الذي لنا، وبه نعبد الله. وقد رأى أنه صالح، وعلى هذا الأساس هو نفسه أحب ما قد عمله فينا. لكنه ما كان يعمل فينا لو لم يحبنا أن يعمل فينا.
القديس أغسطينوس
5. صعوده إلى السماء
"خرجت من عند الآب، وقد أتيت إلى العالم، وأيضًا أترك العالم، وأذهب إلى الآب". (28)
هنا يحدثهم علانية عن تجسده الذي انتهى به إلى صعوده لكي يحمل البشرية المؤمنة معه. هذا هو سرّ حبه، أنه ظهر في الجسد، وحملنا إلى المجد.
لقد جاء من عند الآب الذي كرسه لهذا العالم وختمه، ونزل إلى عالمنا في تواضعٍ عجيبٍ وحبٍ إلهيٍ فائقٍ. ثم عاد فترك العالم بالجسد، وعاد بصعوده إلى الآب. هذا هو سرّ الإنجيل كله (التجسد الإلهي، وموته بالجسد ثم قيامته وصعوده إلى السماء). هذا هو مفتاح السماء!
+ "يقول من عند الله خرجت"، مبلغًا أن طبيعته هي ذاتها كما هي التي أعطيت له بميلاده.
+ "خرجت من عند الآب، وأتيت إلى العالم" العبارة الأخيرة تشير إلى تجسده، والأولى إلى طبيعته.
القديس هيلاري أسقف بواتييه
+ عندما يقول أن المسيح "خرج" من عند الآب، لا تتخيل تغيرًا في المكان كما يحدث مع الناس. لا تُفهم "أنا أتيت" بلغة الحركة، وإنما بخصوص التجسد.
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ كان يتحدث عن آلام جسده وقيامته، وبهذه القيامة يؤمن أولئك الذين تشككوا قبلاً. لأنه بالحق اللَّه الحاضر في كل مكان، لا يعبر من موضع إلى آخر. وإنما كإنسان يذهب كما هو بنفسه قد ذهب. لذلك يقول في موضع آخر: "قوموا ننطلق من ههنا" (يو31:14). بهذا يذهب ويأتي، الأمر المشترك بينه وبيننا.
القديس أمبروسيوس
+ لقد جاء من عند الآب لأنه من الآب، وجاء إلى العالم ليظهر للعالم الشكل الجسدي الذي أخذه من العذراء. لقد ترك العالم بانسحابه جسديًا، وانطلق إلى الآب بصعوده كإنسان، لكنه لم يترك العالم بحضوره الفعال المدبر له.
القديس أغسطينوس
6. تركه عند آلامه
"قال له تلاميذه: هوذا الآن تتكلم علانية، ولست تقول مثلاً واحدًا". (29)
توبيخ السيد المسيح للتلاميذ برقةٍ ولطفٍ ومحبةٍ أعطاهم الثقة والشعور بأنه يتحدث معهم علانية، ويرد على أسئلتهم التي في داخل أفكارهم ولم يستطيعوا أن يعَّبروا عنها أو يفصحوا بها. شعر التلاميذ أنه يتحدث معهم بكل وضوح وصراحة، خاصة وأنهم يؤمنون بأنه المسيا العالم بكل شيء، ولا يخفي عنه شيء ما. إنه العارف القلوب وفاحص الكلى، ولا يحتاج أن يسأله أحد، بل يعرف أسرارهم وأفكارهم واحتياجاتهم الداخلية.
يرى القديس أغسطينوس أن التلاميذ ظنوا أنه يتكلم علانية ولا يقول مثلاً واحدًا بينما لم تكن بعد قد جاءت الساعة التي يتحقق فيها ذلك حسب وعده الإلهي. إنما جاءت عندما أكمل حديثه قائلاً: "هوذا تأتي ساعة وقد أتت الآن، تتفرقون كل واحد إلى خاصته..." (32).
"الآن نعلم أنك عالم بكل شيء، ولست تحتاج أن يسألك أحد، لهذا نؤمن أنك من الله خرجت". (30)
+ كأنهم قالوا: إنك قد عرفت الظنون التي شككتنا قبل أن نظهرها وأرحتنا منها، إذ قلت: "لأن الآب نفسه يحبكم، لأنكم قد أحببتموني" (27).
القديس يوحنا الذهبي الفم
"أجابهم يسوع: الآن تؤمنون". (31)
يجيبهم السيد المسيح: "أتؤمنون؟ هل سيبقى إيمانكم ثابتًا؟ إنه قد اقتربت الساعة التي فيها تتفرقون وتتركونني!"
+ ليت البشر لا يستبعدون التفكير في الابن عندما يقرأون عن اللَّه فقط، ولا يستبعدون التفكير في الآب عندما يقرأون عن "الابن" وحده.
الابن على الأرض ليس بدون الآب (يو30:10)، فكيف تظن أن الآب في السماء بدون الابن؟...
الابن في الجسد، وهو ليس وحده، كما هو مكتوب: "وأنا لست وحدي لأن الآب معي"، فهل تظن أن الآب يسكن وحده في النور؟
القديس أمبروسيوس
"هوذا تأتي ساعة وقد أتت، الآن تتفرقون فيها كل واحدٍ إلى خاصته، وتتركونني وحدي، وأنا لست وحدي، لأن الآب معي". (32)
جاء السيد المسيح ليحتل مكاننا حتى ننعم بشركة مجده. فنحن جميعًا كثيرا ما نعاني من الشعور بالعزلة. قد يحيط بنا الوالدان لكننا من الأعماق نصرخ مع داود النبي: "أبي وأمي قد تركاني..." وقد يحوط بنا الأحباء والأصدقاء، لكننا نئن: "ليس من يشاركني مشاعري، ولا من يدرك أعماقي، ويشعر بأحاسيسي". هذه صرخات النفس التي تحطمها الخطية وتعزلها عن إلهها مشبعها الحقيقي. ليس من يقدر بعد أن يملأ الفراغ الداخلي. أما وقد جاء السيد المسيح بلا خطية فإنه لن يعاني قط من شعور داخلي بالعزلة، لأنه لن ينفصل قط عن الآب وعن روحه القدوس. لكنه صار وحيدًا وسط البشر، حيث جاء إلي خاصته، وخاصته لم تقبله، وفي ساعة ضيقه تركه تلاميذه وصار وحيدًا، لكنه يعلن: "وأنا لست وحدي، لأن الآب معي" [32]. هذه صيحة النصرة التي تهتف بها كل نفس اتحدت مع مسيحها المتألم، فإنها لن تعاني من العزلة، ولن تشعر أنها وحدها! لأن الله ساكن فيها لا يفارقها.
7. غلبته لحسابهم
"قد كلمتكم بهذا ليكون لكم فيّ سلام. في العالم سيكون لكم ضيق، ولكن ثقوا (افرحوا) أنا قد غلبت العالم". (33)
بالإيمان يحل المسيح في قلوبنا، فنتمتع بنصرته نصرة لنا. "وهذه هي الغلبة التي تغلب العالم: إيماننا. من هو الذي يغلب العالم إلاَّ الذي يؤمن أن يسوع هو ابن الله؟!" (1يو 5: 4-5).
السلام الذي يقدمه السيد المسيح لهم يحمل الحياة المطوَّبة المشرقة، ليتمتعوا بروح القوة والنصرة مع التعزية السماوية والسند الإلهي.
لم يخفِ عنهم أنه سيكون لهم في العالم ضيق، لكنه يطالبهم بالبهجة والسرور وسط الضيق، لأنه يتجلى في حياتهم كغالبٍ للعالم الشرير.
قيل أن فنانًا أراد أن يقدم لوحة عن السلام فاختار يومًا عاصفًا جدًا وصوَّر صخرة عظيمة تخبطها الأمواج من كل جانب، وقد ظهرت في اللوحة سفينة حطمتها الأمواج وجثث بعض النوتية والمسافرين تطفو على المياه وسط دوامات الأمواج. في وسط هذه الصخرة أقامت حمامة عشًا في نقرة وقد رقدت في النقرة مطمئنة جدًا، وسجل الفنان كلمة "سلام" على الصخرة تحت النقرة مباشرة. هكذا سلامنا هو في المسيح يسوع صخر الدهور. فيه نستقر ونستريح وسط كل دوامات الحياة وتجاربها.
+ قول السيد المسيح لتلاميذه في العالم سيكون لكم ضيق، أي مادمتم موجودين في العالم تقاسون ضغوطًا ولا تقاسون ذلك الآن فقط لكنكم تقاسونه فيما بعد أيضًا.
+ يسمح لنا نحن أيضًا أن نغلب، متطلعين إلى رئيس إيماننا، ونسير في ذات الطريق الذي قطعه من أجلنا... أننا لسنا مائتين بسبب صراعنا مع الموت، بل نحن خالدون بسبب نصرتنا... هل يفسد الموت أجسامنا؟ ما هذا؟ أنها لن تبقى في الفساد، بل تصير إلى حال أفضل...
إذن لنغلب العالم، لنركض نحو الخلود، لنتبع الملك، لنُعِد النصب التذكاري للغلبة، لنستخف بملذات العالم. لسنا نحتاج إلى تعب لإتمام ذلك.
لنحول نفوسنا إلى السماء، فينهزم كل العالم! عندما لا تشتهيه تغلبه؛ إن سخرت به يُقهر.
غرباء نحن ورُحَّل، فليتنا لا نحزن على أي أمورٍ محزنة خاصة به.
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ إننا نثق في ذاك الذي قال: "افرحوا، أنا قد غلبت العالم" (33)، لأننا ننال النصرة على عدونا إبليس، بمعونته وحمايته.
+ لماذا يقول لنا: "افرحوا" إلاَّ لأنه قد غلب لأجلنا، وحارب لأجلنا؟
فإنه أين حارب؟ لقد حارب بأن أخذ طبيعتنا له...
لقد غلب من أجلنا نحن الذين أظهر لنا قيامته...
التصق يا إنسان بالله، هذا الذي خلقك إنسانًا. التصق به جدًا، ضع ثقتك فيه.
أدعه، ليكن هو قوتك. قل له: "فيك يا رب قوتي".
عندئذ تتغنى عندما يهددك الناس، وأما ما تتغنى به يخبرك الرب نفسه: "إني أترجى الله، لا أخشى ماذا يفعل بي الإنسان" (مز 56: 11).
+ في التجربة التي يواجهونها بعد تمجيده قبلوا الروح القدس، ولم يتركوا (السيد المسيح).
إن كانوا قد هربوا من مدينة إلى مدينة لكنهم لم يهربوا منه هو.
بينما تلحق بهم التجربة في العالم يجدون فيه سلامًا.
عوض كونهم شاردين منه بالأحرى يجدون فيه ملجأ. فإنهم بعمل الروح القدس فيهم يتحقق فيهم ما قيل الآن: "كونوا متهللين، أنا قد غلبت العالم" (33).
كانوا متهللين وغالبين، ولكن في من؟ فيه. فإنه ما يُحسب غالبًا للعالم إلا لكي تغلب أعضاؤه العالم. لهذا يقول الرسول: "شكرًا لله الذي يهبنا الغلبة" مضيفًا في الحال: "بربنا يسوع المسيح" (1كو 15: 57).
القديس أغسطينوس
من وحي يو 16
لا تتركني وحدي!
+ هوذا يصوب العالم سهامه ضدي!
إنه يحسب في موتي خدمة لله وله!
تعزيتي أنه أراد الخلاص منك، ولم يدرِ أنك مخلصه.
إنه يود الخلاص مني، فلن أكف عن محبتي له!
+ لا تتركني وحدي،
فيما أنت مجرب تقدر أن تعين المجربين مثلي!
لقد صعدت إلى سماواتك،
لكنك لم تفارقني، فأنت مالئ السماء والأرض.
+ أرسلت لي روحك القدوس، مصدر تعزيتي.
ليبكتني على خطيتي، فأمتلئ رجاءً بغافر الخطايا!
ليبكتني على برّ، فأتراءى أمام الآب مختفيًا في برَّك!
ليبكتني على دينونة، فأرى إبليس مُدانًا تحت قدمي!
+ ليقودني روحك إليك،
ويعلن لي حقك كله،
فأتعرف على خطتك نحوي!
بحلوله فيّ تتجلى أنت في أعماقي.
أراك وأسمعك وأتلامس مع حبك!
+ روحك العذب يفيض بعذوبتك في أعماقي.
وسط آلام العالم أتمتع بتعزياتك الإلهية.
يحملني إليك وأنت في البستان وحدك.
تركك الكل، لكن لن يقدر أحد أن يفصلك عن أبيك.
هب لي في وحدتي أن أتمتع بالشعور بحضرتك الإلهية!
نعم أقول إنك لا تتركني وحدي!
من أقوال الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
الإصحَاحُ السَّادِسُ عَشَرَ
- خطب المسيح الوداعية: يوحنا 31:13-33:16
آية (1): "قد كلمتكم بهذا لكي لا تعثروا."
قد كلمتكم بهذا = [1] أنه سيكون هناك ضيقات [2] لكنه سيرسل لهم الروح القدس [3] يسلكوا بمحبة فالمسيح لم يخدع أحد، فطريق المسيح فيه ضيق، ولكن تعزيات الروح القدس تساند. هذا الكلام ليس موجهاً للتلاميذ فقط بل لكل الكنيسة عبر كل العصور. المسيح في هذه الآية والآيات التالية يكمل حديثه عن إضطهاد العالم لتلاميذه ولكنيسته والذي سيبدأ بأن يخرج اليهود التلاميذ من المجمع، ثم يصل الأمر للقتل، بل سيأخذ هذا الإضطهاد شكل الغيرة الدينية وبعد هذا سيأتي الإضطهاد الروماني ولن ينتهي إضطهاد العالم للكنيسة، والإضطهاد هو كل مقاومة من العالم ضد الإيمان. وهناك إضطهادات من نوع حديث كأن يجتمع الأشرار ليدينوا إنساناً طاهراً بحجة أنه منغلق ومقفول عن المجتمع ولا يساير روح العصر.
ولكن السيد المسيح يخبر تلاميذه ليطمئنهم أن الروح القدس الذي سيرسله لهم سيشهد في داخلهم بمجد المسيح الذي ينتظرهم وسيعطيهم ما يقولونه إذا وقفوا أمام مجامع أو ولاة. بل سيعزيهم ويشددهم. قد كلمتكم بهذا= كلمهم عن مفارقته لهم وثباتهم فيه وإضطهاد العالم وإرسال الروح وإلتزامهم بقانون المحبة. لكي لا تعثروا= العثرة تعني الإرتداد عن المسيح أو يتوقفوا عن الكرازة إذا واجههم إضطهاد ورفض من العالم وبالذات من إخوتهم اليهود. والمسيح أخبرهم بالإضطهاد الذي سيواجهونه حتى لا يفاجأوا به فيتشككوا في حماية الله لهم وأن الله قد يكون تخلى عنهم أو يرتدوا، خاصة أن لهم مواعيد إرسال الروح وإستجابة الآب لصلواتهم إن حفظوا الوصايا وبالتالي تعزيات ومساندة الروح لهم إذا ثبتوا. والعكس فإن الإنكار سيؤدي لفقدان التعزية وفقدان السلام على الأرض وخسارة حياتهم الأبدية (مت33:10). تعثروا= العثرة هي أن يتوقف إنسان عن السير حين يصطدم بحجر في طريقه.
آية (2): "سيخرجونكم من المجامع بل تأتى ساعة فيها يظن كل من يقتلكم انه يقدم خدمة لله."
قارن مع (يو22:9 + 42:12،43). ومن يخرجونه من المجمع يُحرم من الصلاة وكل الحقوق الدينية والسياسية والإحتفالات وعقوبة مدنية فلا أحد يشتري أو يبيع منه. بل أن الموضوع سيتطور إلى القتل= كل من يقتلكم= تشير لكثرة المضطهدين الذين يريدون قتلهم. وقطعاً سيكون مصاحباً لهذا إضطهاد على كافة المستويات. بل يظنون أنهم يقدمونهم كذبائح لإرضاء الله. يقدم خدمة لله= فكلمة خدمة تشير للعبادة الطقسية العبادية. وهكذا صنعوا بإسطفانوس بل قيل في كتاب المدراش اليهودي "أن من قتل إنسان شرير مثل المسيحيين فكأنه قدَّم ذبيحة لله وإستندوا في هذا إلى (عد1:25-11) حينما قتل فينحاس الرجل الزاني فرد سخط الله عن الجماعة" ولنرى ماذا صنع بولس قبل إيمانه بالمسيحيين (أع9:26-11).
آية (3): "وسيفعلون هذا بكم لأنهم لم يعرفوا الآب ولا عرفوني."
راجع (1تي13:1) فمن يفعل هذا يجهل حقيقة الآب والإبن. هؤلاء لا يعرفون سوى أنفسهم، ولا يعرفون الله، يحبون ما عندهم سواء ذواتهم أو عقيدتهم التي يدافعون عنها عن جهل. ولو عرفوا الله لأحبوا أعدائهم وليس ذواتهم فالله محبة. ومن يعرف الآب سيعرف إبنه.
آية (4): "لكني قد كلمتكم بهذا حتى إذا جاءت الساعة تذكرون أني أنا قلته لكم ولم اقل لكم من البداية لأني كنت معكم."
لكني= لم أكن أريد أن أحزنكم بهذه الأخبار الآن، ولكن أنا مضطر حتى إذا جاءت الساعة= وإضطهدوكم لا تفاجأوا. وإذا فهمتم أني عالم من البداية ستفهمون أنني مسيطر على الأمور فلا تخافوا. ولم أقل لكم من البداية= لم يقل لهم عن هذا الإضطهاد لأنه كان معهم يحفظهم من الذئاب ويشجعهم حين يخافون ويقويهم حين يضعفون ويخفف عنهم كل ضيق ويتلقي هو الهجمات بدلاً منهم ليحفظهم منها. المسيح أراهم قوته وسلطانه وهو معهم حتى يثقوا فيه حتى وسط الإضطهادات الآتية بعد صعوده. والمسيح إستمر في هذا إلى أن قبل الصليب عنهم. ولكن الآن هو ماضٍ إلى الآب ولن يروه. ولكنه لن يتركهم يتامى فسيرسل لهم الروح القدس الذي سيعطيهم القوة ويشجعهم ويعزيهم. وعليهم [1] أن يتعلموا الإستجابة لصوته [2] أن يجاهدوا. ونلاحظ أن في (مت17:10،21،28) سبق المسيح وأخبرهم عن إضطهاد العالم فلماذا يقول المسيح لم أقل لكم من البداية؟ هنا يوجد إحتمال من إثنين:-
أ- الأهوال التي كلمهم عنها في (مت17:10،21،28) ذكرها المسيح في ذلك الوقت بطريقة مخففة حتى لا يصدمهم في بداية الطريق، ولكن متى حين كتب في (ص10) عن الأهوال دمج كل أقوال المسيح عن الأهوال سواء ما قاله في بداية الخدمة أو نهايتها.
ب- أو أن الجديد هو عمل الروح القدس معهم بدلاً من عمل المسيح الذي سيفارقهم.
آية (5): "وأما الآن فأنا ماض إلىّ الذي أرسلني وليس أحد منكم يسألني أين تمضي."
ليس أحد منكم يسألني= هذه لها عدة إحتمالات:-
1. المسيح يعاتبهم لأنهم إنشغلوا بما سيحدث لهم من آلام ولم يسألوه أين يمضي، هم سألوه بمفهوم خاطئ كان سؤالهم عن مركزهم الأرضي حين يملك بينما هو ذاهب ليعد لهم مكاناً سمائياً. فلنتعلم ألاّ ننشغل بآلام أو أمجاد هذا العالم عن المجد المعد لنا. فالمجد السمائي هو التعزية الحقيقية وسط الألم.
2. أو يكون المعنى لا تسألونني إلى أين أنا ذاهب فأنا لا أريد الكشف عما سيحدث وأنكم لن تفهموا الآن. ولكن الروح القدس سيعلمكم كل شئ ويشرح كل غموض. وهم سبق وسألوه (يو36:13 + 5:14) ولكن بأسلوب مختلف عما يقصده المسيح هنا، بل هم كانوا يسألونه ليثنوه عن طريق الصليب.
3. التلاميذ إذ شعروا أن المسيح سيفارقهم حزنوا بشدة، ولم يفكروا في الحال التي سيكون فيها المسيح. هم سألوا عن المكان الذي سيذهب إليه لكن لمن يسألوا عن معنى الذهاب للآب. ولو فهموا لفرحوا كما قال لهم من قبل.
آية (6): "لكن لأني قلت لكم هذا قد ملأ الحزن قلوبكم."
لقد تعودوا أن يفرحوا في وجودهم معه ووجوده وسطهم. والآن يحزنون بسبب فراقه لهم. ولكنهم لم يفهموا أن ذهابه للآب يعني أفراحاً وأمجاداً مضاعفة.
آية (7): "لكني أقول لكم الحق انه خير لكم أن انطلق لأنه إن لم انطلق لا يأتيكم المعزي ولكن أن ذهبت أرسله إليكم."
هم عرفوا المسيح حسب الجسد ولكن بالروح القدس سيعرفون حقيقة المسيح وعمله. ومن يعرف المسيح حسب الجسد لن يعرفه ولن يقبله (2كو16:5). وجود المسيح على الأرض يجعلنا نراه في صورة جسد ضعيف وصعوده يجعلنا بالروح القدس نراه في مجده وقدرته. وهم الآن حزانى لأن المسيح سيفارقهم بالجسد ولكن الأفضل لهم أن يأتي الروح القدس ليشهد لهم عن حقيقة المسيح. والروح القدس لن يأتي إن لم تكمل آلام المسيح وفدائه بالصلب والموت ثم بالقيامة والصعود، وبالصعود يتم الفداء فيرسل الروح القدس ليعمل فيهم وبهم. فبدخول المسيح بدم نفسه للأقداس السماوية يتم الصلح بين الله والإنسان (عب12:9) فيأتي الروح ليسكن في الإنسان فالروح لا يسكن عند أعداء. وهذه الآية نجد لها شرحاً في (يو39:7). وحينما نقارن بين (مت11:7) ، (لو13:11) نفهم أن الروح القدس هو الخيرات بل هو الخير الأعظم الذي يعطيه الآب لنا. لذلك يقول المسيح خيرٌ لكم فهو بإنطلاقه سيرسل الخير الأعظم. ولنفهم أننا حتى وإن لم نفهم مشيئة الله فما يريده الله هو دائماً الخير لنا. والروح القدس هو الذي يسكب محبة الله في قلوبنا فنفرح. أقول لكم الحق= الحق هو أن صلب المسيح هو لحساب التلاميذ والكنيسة. لأن بعد الصلب قيامة وصعود. وإنطلاق المسيح فيه كمال الفداء وعمل الفداء وفيه وبه التبني لنا. ودخول المسيح إلى المجد يحقق لنا الحب الأبوي والروح يأخذ مماّ للمسيح ويخبرنا، فهو سيخبرنا عن مجده الذي سيصير لنا ويشهد لنا بأننا أبناء، لنا حق الوراثة (يو21:17 + رو16:8،17) فحزن التلاميذ كان بسبب تعلقهم الجسدي بالمسيح ولكن إنطلاق المسيح هو المستقبل المجيد للكنيسة. ويكفينا أن نراه الآن بالإيمان وبما يعلنه الروح القدس في قلوبنا (أف17:3 + 1كو9:2-12) الفداء يكمل بتمجيد جسد المسيح أي صعوده وجلوسه عن يمين الآب. والمسيح بذهابه مجد الطبيعة البشرية في جسده، فطبيعة البشر صارت في عرش الله. ولكي ندخل نفس المكان يرسل لنا الروح القدس ليعيننا. وكيف يعيننا؟ هذا موضوع الآيات التالية.. بأنه يبكت على خطية وبر ودينونة. والروح يعطي رؤية حقيقية للمسيح غير التي رآها التلاميذ بالجسد وهذا أفضل. وهو يمكث للأبد والسيد طوب من آمن ولم يرى. وهذا الإيمان يعمله الروح القدس.
الآيات (8-11): "ومتى جاء ذاك يبكت العالم على خطية وعلى بر وعلى دينونة. أما على خطية فلأنهم لا يؤمنون بي. وأما على بر فلاني ذاهب إلى أبي ولا ترونني أيضاً. وأما على دينونة فلأن رئيس هذا العالم قد دين."
بعض الترجمات الإنجليزية ترجمت كلمة يبكت كالآتي
[1] يوبخ [2] يدين [3] يقنع.
(REPROVE / CONVICT / CONVINCE)
يبكت= هذه الكلمة ترجمتها تعني التوضيح للشخص بشأن خطيئته ودعوته للتوبة وقد يكون هذا التوبيخ سراً (كما جاءت الكلمة في مت15:18) لمن لا يقاوم بعناد وقد يكون هذا التوبيخ علناً (كما جاءت الكلمة في تي9:1) والروح القدس يستخدم الكتاب المقدس والوعظ والتعليم والإرشاد والإعتراف والعمل الداخلي، كل هذا سراً. فإذا لم يأتي كل هذا بنتيجة يلجأ الروح القدس لمن نسمع منه أخطاءنا علانية لعلنا نندم ونتوب. إذاً عمل الروح القدس أن يوضح الخطية للإنسان بهدف إقناعه ببشاعة نهاية طريقها "اقنعتني يا رب فإقتنعت" (أر7:20). وبأن يتركها. والروح يقنع بأن طريق الله كله فرح لا يقارن بلذة الخطية. فهي نوع من التلمذة التعليمية للتهذيب وهذا المعنى نجده في (2تي16:3). فكلمة يبكت تشير أيضاً لمن يغلب بالحجة حتى يسكت. وهذا التبكيت يؤدي لحياة لمن لا يقاوم ويؤدي إلى دينونة لمن يقاوم "فهو رائحة حياة لحياة ورائحة (دينونة) وموت لموت (2كو16:2) والروح القدس أعظم من الضمير. فالضمير يوبخ الإنسان لو أخطأ لكنه قد يقوده لليأس، أمّا الروح القدس فيوبخ فاتحاً باب الرجاء (هذا هو الفارق بين يهوذا وبطرس). فالروح القدس الذي يعزي هو الذي يبكت فتبكيته لا يؤدي إلى اليأس بل للتوبة والبر والسلام والتعزية لمن يطيعه والعكس يكون رائحة موت لموت. وهذا ما حدث يوم الخمسين فهناك من آمن بفرح وهناك من إستهزأوا (أع13:2،14)
على خطية.. .. فلأنهم لا يؤمنون بي
الروح القدس يبكت الإنسان على خطاياه، فقصد الرب أن يعطي الإنسان شركة مع المسيح، وكل من يؤمن بالمسيح وتكون له هذه الشركة يرفع المسيح عنه خطاياه ويعطيه معونة ليتخلص منها. نحن متنا مع المسيح في المعمودية وكل من يؤمن يكون له قوة للموت عن شهواته وأهوائه. وكل من يؤمن حتى لو أخطأ فدم المسيح يطهره من كل خطية. لذلك فكل من لا يؤمن يرفض هذا القصد وبذلك يقع تحت غضب الآب ويحرم نفسه من النعمة الوحيدة القادرة أن تحفظه من السقوط في الخطية ويحرم نفسه من نعمة الدم الغافر. فتبكيت الروح القدس يشعر الإنسان بجرم خطيته وقساوتها وكيف أنها رهيبة في نظر السماء ومن يستجيب ويقدم توبة بإخلاص ويرجع سيجد المعونة ويجد الغفران. ومن يرفض ويقاوم الروح سيجلب على نفسه اللعنة والدينونة. وطبعاً المقصود بالإيمان هو الإيمان الحي الذي له ثمار واضحة في حياة الإنسان، الإيمان العامل بمحبة. والروح القدس يبكت العالم على الخطية ليس بحسب مفهوم العالم أو بحسب مفهوم اليهود. فاليهود ظنوا أن الخطية قاصرة على تعدي الناموس وكسر السبت لذلك حكموا على المسيح أنه خاطئ (24:9) وأما العالم فكل له تصوره عن الخطأ والصواب. لذلك جاءت كلمة خطية غير معرفة لأن العالم لم يكن يعرف تماماً ما هي الخطية. والآن يشرحها المسيح بأنها عدم الإيمان به فهو وحده الذي يرفع الخطية (رؤ14:7) ويعطي معونة لنتخلص منها. بل أن كل خطية هي نوع مع عدم الإيمان بالمسيح. فالسارق لا يؤمن بأن المسيح قادر أن يسدد إحتياجاته والذي يشتهي لا يؤمن أن المسيح قادر أن يشبع شهواته. والذي يخطئ عموماً لا يؤمن أن المسيح يراه وسيعاقب (تك9:39). ومن يؤمن بالحياة الأبدية كيف يتصارع على المادة. ومن يؤمن بصلاح الله كيف يتهم الله بالقسوة إن حدثت له تجربة.. الخ. أما من يؤمن بالمسيح، فالمسيح يملك على قلبه عوضاً عن الخطية (رو14:6). ومن لا يؤمن بالمسيح فهو لا يؤمن بالله ولا يعرفه فالمسيح هو إبن الله (يو19:8). إذاً خطية عدم الإيمان بالمسيح هي أصلاً خطية عدم إيمان بالله أو عدم معرفة بالله. لو استخدمت يدي في السرقة يبكتني الروح القدس حتى أكف عن إستخدامها في السرقة (تبكيت على خطية) ثم يبدأ يبكتني على بر، أي لماذا لا أستخدمها في عمل الخير.
وعلى بر.. .. فلأني ذاهب إلى أبي ولا ترونني أيضاً
ماذا كان مفهوم البر قبل المسيح؟ بحسب المفهوم اليهودي كان البر في الإلتزام بالناموس. لكننا نجد شاول الطرسوسي يحكم بقتل إسطفانوس ظلماً وهو برئ بالرغم أن شاول كان ضليعاً في الناموس. وأمّا العالم فكان غارقاً في عباداته الوثنية وفجوره وزناه. فالمسيح فضح بر اليهود الكاذب إذ صلبوه، وفضح فساد القانون الروماني، إذ حكم عيه بالموت. وبعد المسيح فقد تغير مفهوم البر. فالمسيح وحده هو البار والذي ظهر بره في ذهابه إلى أبيه وجلوسه عن يمينه وقبول الآب له وأنه لن يعود يظهر على الأرض فهو جالس عن يمين الآب لذلك لن نراه، فهو في مجد السماء. ولكن المسيح لم يكن محتاجاً أن يظهر بره، بل هو يظهره ليبررني، المسيح يعطيني حياته فأعمل البر، فأخلص بحياته (رو10:5 + غل20:2 + في21:1). والروح أظهر أن بر المسيح الذي ظهر بصعوده للسماء صار لنا. الروح يبكتني إن لم أعمل أعمال بر وتتحول أعضائي إلى آلات بر (رو13:6). وهذا البر لا أصنعه بقدرتي، بل بحياة المسيح فيًّ. فبدونه لا أقدر أن أعمل شئ (يو5:15). ولأنني ما عدت أراه إذ هو صعد إلى السماء وذهب إلى أبيه، فما عدت أرى بره لأتمثل به، فالروح القدس الذي يأخذ مما له ويخبرني (يو14:16) يرسم لي صورة للمسيح فأتمثل به. والروح يقنعني أنني قادر أن أسلك في بر المسيح ليس بقدرتي بل بحياة المسيح فيّ، الذي وإن لم أراه بالجسد، لكنه يعطيني حياته وبره.
ولهذا رأينا أن إسطفانوس في ساعة موته يردد ما قاله المسيح على الصليب"إغفر لهم + في يديك أستودع روحي". ويبكتني إن لم أفعل البر. والروح يبكتني إذا شابهت اليهود وعشت متصوراً أنني أتبرر بأعمالي (بر ذاتي) ويبكتني لو شابهت اليونانيين الوثنيين الذين يعيشون في خطاياهم غير شاعرين بإحتياجهم للمسيح والإيمان به ليبررهم أي يعملون أعمال بر، معجبين بأنفسهم وفلسفاتهم وطرقهم. أمّا المسيحي الحقيقي فهو يقف أمام المسيح شاعراً بخطيته كالمرأة الخاطئة، باكياً عند قدميه شاعراً بعدم إستحقاقه لشئ، شاكراً المسيح في نفس الوقت أنه أنعم عليه ببره فالمسيح هو الذي يبرر الخاطئ. ولاحظ أن الروح القدس يبكت على خطية أولاً، فإذا ما رجع المؤمن بتوبته الصادقة لله وبدموعه حينئذ نتكلم عن التبكيت على البر. (راجع 1تي16:3) أي أعمال البر التي لا نعملها. والروح أيضاً يبكتني لو نسبت أعمال البر لنفسي وتصورت أنني أنا الذي أعملها.
ذاهب إلى أبي= ما كان يمكن أن أذهب إلى أبي إن لم أكن باراً وسيكون لكم بري.
ولا ترونني أيضاً= لكن الروح القدس سيشهد ببري ويشهد بالمجد الذي لي في السماء.
يبكت على بر= يبكت المؤمن على عدم وجود بر في حياته أو بشعوره بالبر الذاتي. فمن إعتمد قام مع المسيح في حياة جديدة يجب أن يمارس فيها أعمال بر إيجابية، إيمان عامل بمحبة. الروح يرسم لنا صورة لبر المسيح ويبكتنا إن لم نشتاق أن يكون لنا نفس البر الذي للمسيح. هذا التبكيت يعطي حالة عطش وإشتياق لهذا البر. ومن لا يقبل تبكيت الروح على الخطية وعلى البر يسقط تحت الدينونة، لأنه إنحاز لرئيس هذا العالم الذي قد دين، وكما صار المسيح رأساً للأبرار الذين يسلكون في بره صار إبليس المدان رأساً للأشرار الذين يسلكون في شره.
وعلى دينونة.. .. فلأن رئيس هذا العالم قد دين
الروح يبكت الإنسان المؤمن لأن رئيس هذا العالم قد دين أي أن الشيطان قد هزم وبطل سلطانه. وبذا يكون التبكيت للناس أنهم رفضوا الخلاص وأطاعوا الشيطان ومن يرفض الخلاص يظل عبداً للشيطان، أمّا الذين تبعوا الرب فقد رفعت عنهم خطاياهم من أجل إسمه (1يو12:2). فهو حمل الله الذي يحمل خطايا العالم. والمؤمنين صاروا متبررين مجاناً بنعمة الفداء (رو24:3 + 1:8). والمسيح دان الخطية (رو3:8") فما عاد لها سلطان علينا (رو14:6). والروح يدين من يزال يعتذر بأن الخطية أقوى منه. والدينونة على إبليس كانت نتيجة طبيعية لظهور بر المسيح. فإبليس إشتكى عليه ظلماً. وبعد ظهور بر المسيح دين إبليس وقيده المسيح بسلسلة (رؤ1:20-3)، فتبرئة المتهم ظلماً هي إدانة للمشتكي بهتاناً. والمبلغ بلاغاً كاذباً يقع عليه عقاب من يقترف جريمة.
والشيطان كان مسيطراً على نفوس الناس متحكماً فيها حاكماً لها. له سلطان أن يذل البشر. ولكنه الآن قد أدين وسقط وفقد بإنتصار المسيح عليه كل ما كان له من رياسة وسيطرة وسلطان. ومع ذلك ظل الناس على شرهم ومكرهم وظلمهم وظلام عقولهم. مع أنهم وقد جاءهم المسيح الذي عمل على إقتلاع كل ما غرسه الشيطان فيهم لم يَعُدْ لهم عذر ولا مبرر في مفاسدهم ومعاصيهم والعالم له مقاييسه الخاصة في الدينونة ولكنها مقاييس باطلة، فمثلاً اليهود لهم محكمتهم التي بحسب الناموس. والرومان لهم قانونهم الروماني أساس كل دساتير العالم وكلاهما حكم ظلماً بقتل المسيح بعد أن أدانوه. والمسيح قام ناقضاً حكم الموت ليعلن بطلان أحكام العالم (يهود ورومان) وأنهما ليسا بحسب الحق بل بحسب إبليس، الذي دانه وأظهر غشه وكذبه وأنه قتال للناس منذ البدء. أمّا الروح القدس الذي دخل إلى العالم فجاء ليصحح هذه المقاييس، وصارت الدينونة الآن بحسب مفهوم الروح القدس هي في رفض المؤمن للخلاص والبر والمجد الأبدي. وإصراره على عدم التوبة. الدينونة الآن تقف على طرف نقيض مع حياة الخلاص. وهي تقع من الآن على من يرفض الخلاص وتَكْمُل في اليوم الأخير. الروح القدس يدخل إلى العالم الشرير ليبكته ويستذنبه على ما فعل وعلى دينونته الغاشة الباطلة الكاذبة القائمة بتحريض من رئيس عالم الكذب والضلال الذي أدانه المسيح بالصليب وعلى الصليب وفضح غشه (لو18:10 + يو31:12) إذ ضبطه متلبساً بالحكم بقتل إنسان برئ بعد أن لفق له إتهامات باطلة، فالمسيح أظهر بره بقيامته وصعوده. والمسيح دان إبليس ورفع يد رئيس هذا العالم عن أن تتدخل بعد اليوم ولا أن يكون له صوت في الدينونة التي سيتولاها إبن الله (رؤ9:12-11). فالمسيح غلب وصار دياناً للأحياء والأموات. بل أننا نلاحظ أن المسيح بدأ هزيمة إبليس في تجربته له في البرية حين رفض إغراءات هذا العالم ثم وصل في رفضه لهذا العالم لأنه قبل الموت. والخلاصة أن الروح القدس يبكت المؤمن الذي مازال يدّعي أن إبليس له سلطان عليه لذلك فهو يخطئ، ويبكت من لازال خائفاً من أحكام ودينونة العالم الذي رئيسه إبليس بعد أن ظهر أن أحكامه باطلة كلها غش (مثل من يخطئ ويدّعي لنفسه العذر بأنه يساير المجتمع، وأن هذه هي القوانين السائدة) ويبكت من زال سائراً وراء هذا العالم ورئيسه قائلاً كيف تسيرون وراء الشيطان الذي غلبه المسيح وحكم عليه.
يبكت على خطية وعلى بر وعلى دينونة
يبكت على خطية.. هذه تخص الإنسان الساقط. وهي تصف داء البشرية وهو الخطية.
يبكت على بر.. .. هذه تخص الرب يسوع المسيح المقام. وهي تصف الدواء أي بر المسيح.
يبكت على دينونة..هذه تخص الشيطان الرئيس المخلوع المدان. وهي تصف من يرفض الدواء ويقبل الداء.. إذاً فهو سيدان مع إبليس المدان (رؤ20:19 + رؤ21:19 + رؤ8:21)
ولنلاحظ أن العاملون في قضية خلاص الإنسان هم الإنسان نفسه والرب يسوع والشيطان. فالله يسعى لخلاص الإنسان والشيطان يسعى لهلاكه والإنسان حر في أن يختار طريق البر أو طريق الشر. والروح القدس أتى ليجذب ويوجه البشر نحو الفداء وذلك بأن يبكتهم على خطاياهم وعلى رفضهم للمسيح البار الحقيقي مصدر برهم وعلى تبعيتهم للشيطان الذي تمت هزيمته.
والروح القدس يبكت ويعطي قوة ومعونة على طاعة الله. ولذا كان رفضه إغلاقاً لباب التوبة. ولذا قال الرب "من قال كلمة على إبن الإنسان يغفر له وأمّا من قال على الروح القدس فلن يغفر له" (مت32:12) لأن من يجدف على الإبن فهو قد يستمع لصوت الروح الذي في قلبه فيتوب عن خطيته فتغفر له. وأمّا من أنكر الروح أي رفضه وقاومه وأحزنه فأطفأه، والروح هو الذي يبكت ويقود إلى التوبة، فبإطفائه للروح القدس فهو يفقد التوبة والغفران لذلك يوصينا الرسول (لا تحزنوا الروح/ لا تطفئوا الروح) ونصلي في المزمور الخمسين "روحك القدوس لا تنزعه مني" (مز11:51)
فالروح القدس يبكت الإنسان على خطايا عدم إيمانه فإمّا يتجاوب مع الروح ولا يقاوم فيكون له بر المسيح وإمّا ينحاز إلى جانب إبليس فيدان معه.
ونلاحظ أن كلمات خطية وبر ودينونة أتت بدون أداة التعريف للتعميم والإطلاق. يبكت العالم= العالم بشقيه [1] اليهود المنغلقين في عالمهم الحرفي وبرهم الذاتي. [2] الأمم التائهين وراء شهواتهم وفلسفاتهم ووثنيتهم.
آية (12): "أن لي أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن."
وهذه تشبهها آية (25). فالمسيح أخبر تلاميذه عن أمور كثيرة ولكنهم لم يستوعبوا كل ما قاله. وهو أخفى عنهم أموراً أخرى كثيرة عن طبيعته الإلهية وعن أمور صلبه، أو ما سيحدث لهم من آلام وإضطهاد، وما سيحدث بعد قيامته. ولكن الروح القدس الذي سيرسله سوف يشرح لهم ما غمض عليهم فهمه وما لم يذكره المسيح لهم إذ كانوا غير مؤهلين بعد بل سيعطيهم إحتمال الآلام. وقوله الآن يعني قبل أن يحل الروح القدس عليهم ويشهد للمسيح ويشرح أسراره (أف3:3-10). فالروح هو الذي يعلم ويذكر ويعزي ويقوي..
الآيات (13-15) يعرفنا المسيح بعمل الروح القدس مع الكنيسة في إصحاحات (14-16) لذلك يسمون هذه الإصحاحات إصحاحات الباراقليط فهو المعزي (16:14) وهو روح الحق الذي يكون فينا (17:14) وهو يعلم ويذكر (26:14) وهو يشهد للمسيح في التلاميذ وهم يشهدون بواسطته للعالم (26:15،27) فهو روح الشهادة للمسيح. ويضيف في هذه الآيات أنه يرشد لجميع الحق (13:16) ويخبر بأمور آتية كسفر الرؤيا مثلاً. بل هو يخبر أحباؤه بكثير من الأمور المستقبلية وعن المجد المعد والملكوت الآتي. وهو يأخذ مماّ لي ويخبركم (14:16). وبذلك يمجد المسيح. فهو يستعلن الآب والإبن للمؤمنين. وكان من نتائج عمل الروح القدس في التلاميذ [1] بشروا العالم [2] كتبوا الإنجيل.
آية (13): "وأما متى جاء ذاك روح الحق فهو يرشدكم إلى جميع الحق لأنه لا يتكلم من نفسه بل كل ما يسمع يتكلم به ويخبركم بأمور آتية."
متى جاء ذاك= أي الروح القدس الذي سيعطيهم إنفتاح الذهن فيقبلوا ما هم غير قادرين على إحتماله. الحق= هو المسيح لذلك هو معرّف بأل. فهوي يرشدنا لكل الحق الذي في المسيح ويستعلن لنا المسيح (يو21:14) فعمل الروح القدس هو الإنارة والإرشاد لجميع الحق كما كان عمود النار يهدي ويرشد الشعب في البرية. هكذا الروح القدس يهدينا في طريق الحق وسط ضلال العالم. ونلاحظ أن المسيح بتعاليمه وضع بذور الحق والروح القدس ينميها فينا وينير كل جوانب الحق فيما علمه المسيح. وكلمة الحق عند اليونانيين الفلاسفة تعني تحرير الفكر من الجهل وعند اليهود تعني السلوك بحسب الناموس حرفياً. ولكن بهذا المفهوم فإن الحق الذي يعلمنا إياه الروح القدس هو إعلان المسيح لنا وإعلان عمله، وتذكيرنا بأقواله. فإذا آمنا به وإستجبنا له نتحرر من الشيطان والخطية والعالم. لذلك فالروح القدس هو روح الحق هو يأخذ من الحق الذي ليسوع ويعطي لنا. فهو يعرفنا بالمسيح وعلاقة الإبن بالآب. يأخذ مما لي ويخبركم. لأنه لا يتكلم من نفسه= أي لن يضيف تعاليم جديدة، بل يرشد إلى كل تعاليم المسيح، هو ينقل كلام المسيح إلى قلوبنا.
بل كل ما يسمع يتكلم به= سبق المسيح وقال أنه يشهد بما سمعه (يو32:3 + 26:8). هناك إتفاق تام بين الأقانيم. وما يريده الآب يريده الإبن ويريده الروح القدس. لكن هناك توزيع للأدوار بين الأقانيم. فمثلاً الآب يريد أن الجميع يخلصون. فالإبن ينفذ الفداء. والروح القدس يقود الكنيسة كلها للسماء. فالآب يريد والإبن والروح ينفذان. وكيف يتم التعبير عن هذا. نسمع الرد في هذه الآية. فالآب حينما يريد شيئاً ينفذه الروح، وتم التعبير عن ذلك بأن الروح سمع إرادة الآب وأخبرنا بها. والإبن لأنه يعرف إرادة الآب يقال أنه حين يسمع يقول الأقوال (يو26:8) وحين يرى يعمل الأعمال. ولأنهم واحد يقول الآب يعمل (يو19:5،20).
يرشدكم إلى جميع الحق= كل ما لم يقله المسيح وكل ما لم يفهموه من المسيح إذ كان يتكلم بأمثال، فالروح سيكشف الحق بطريقة كاملة. والروح القدس يلقي النور ليكشف عن الأعماق التي في كل آية، وكل يوم نرى فيها معنى جديد نفرح به. فالروح يشرحها مرات ومرات. والروح يشهد عن طريق الرسل أو الخدام أو مباشرة داخل القلب. يأخذ مما لي ويخبركم= يعرض ويكشف أمامكم كل ما يخصني. كل ما للآب هو لي= الحق الخاص بي هو نفسه خاص بالآب. والمسيح جاء ليمجد الآب. والروح جاء ليمجد المسيح. والروح الآن مستتر وكل ما يعمله يظهر المسيح. يخبركم= بالبشارة والإعلان. بأمور آتية= فالروح يرشدني إلى ماذا أفعل في المستقبل لأحصل على الخلاص، وسيخبر التلاميذ بما حدث للمسيح بعد صعوده ويخبرنا بما لنا من مجد معد في السماء (1كو9:2-12). وكشف ليوحنا ما رآه وسجله في سفر الرؤيا. وليس معنى هذه الآية بالضرورة النبوات كما كان يفعل مع الأنبياء (أغابوس مثلاً). وسيكشف لكم عن الضيقات التي تحل بالكنيسة.
آية (14): "ذاك يمجدني لأنه يأخذ مما لي ويخبركم."
المجد هنا هو إستعلان حقيقة المسيح الإلهية وأنه مساوٍ للآب في الجوهر، جوهر الألوهية. وأن له كل المجد. وأيضاً فالروح القدس يأخذ ممّا للمسيح وينقل صورة للمسيح داخل قلوبنا فنحبه ونمجده إذ نراه بالقلب ويسكب بغني النعمة على قلوب وحياة المؤمنين وهو ينقل لي بر المسيح وخلاص المسيح.. فالآب يمجد الإبن والإبن يمجد الآب والروح يمجد الإبن. كل إقنوم يمجد الآخر. وكل إقنوم ينكر نفسه ويشهد للآخر.
آية (15): "كل ما للآب هو لي لهذا قلت أنه يأخذ مما لي ويخبركم."
المسيح ينبه أذهاننا أن مجده هو مجد الآب. وهذا ما سيعمله الروح القدس الذي سيشهد في قلوبنا أن المسيح الذي رأيناه بالجسد له كل المجد الذي للآب شخصياً. هذا الكلام موجه للتلاميذ الذين لم يكونوا يدركون وهم يرون المسيح وسطهم بالجسد أن له كل مجد الآب. وكل ما يخبرنا به الروح القدس عن مجد المسيح هو عن الآب أيضاً. والروح القدس يعرفنا بإستمرار عن الآب والإبن وعلاقة الآب بالإبن التي هي موضوع خلاصنا. فحب الآب للإبن صار من نصيبنا أن نشترك فيه وطاعة الإبن للآب علينا الآن أن نتشبه بها ونشترك فيها حتى إن وصلت للصليب والروح القدس يعطي القوة على طاعة الله، وهو يعلمنا ويذكرنا بما قاله المسيح. كل ما للآب هو لي= إشارة واضحة جداً للوحدة. والحق الخاص بي هو خاص بالآب.
آية (16): "بعد قليل لا تبصرونني ثم بعد قليل أيضاً ترونني لأني ذاهب إلى الآب."
بعد قليل= المسيح أتى ليقضي أياماً قليلة على الأرض ينهي فيها رسالته وها هي قد قاربت على الإنتهاء. ولابد من الفراق بالجسد. والمسيح بعد ساعات سيصلب ويموت ولن يراه التلاميذ بالجسد ثانية. ولكن المسيح هنا يعزي تلاميذه على حزنهم بسبب الفراق أنهم بعد قليل سيرونه ثانية لأنه سيقوم. إلاّ أنه بعد قليل يصعد للآب فلا يعودوا يرونه، ثم بعد قليل يحل عليهم الروح القدس فيرونه في قلوبهم= لأني ذاهب إلى الآب فلن ترونني بالجسد لكن الروح القدس يعطيكم رؤيا حقيقية أقوى بكثير من رؤية الجسد. لا تبصرونني.. ترونني= الفعل يبصر في اليونانية يشير إلى رؤية شبه صحيحة، رؤية فكرية، لا رؤية حق، هي رؤية تصوُّر وليس رؤية واقع وأستخدمت هنا بخصوص رؤية التلاميذ للمسيح بالجسد المادي. أمّا الفعل يرى في اليونانية يعبر عن الرؤية الصحيحة، رؤية الحق كما هو، بلا أي خيال فكري أو أي تصور عقلي بشري. وإستخدمت هنا للتعبير عن رؤية المسيح القائم من الأموات بالجسد الروحاني الممجد. والمعنى أن رؤية التلاميذ للمسيح قبل أن يقوم وقبل أن يتمجد هي رؤية ليست تامة أو صحيحة. فهم يرونه كإنسان ضعيف. فالمسيح لم يكن مستعلناً إستعلاناً كاملاً. أمّا بعد القيامة وبعد أن عرفوا من هو فكانت رؤية صحيحة لذلك صرخ توما ربي وإلهي (28:20). فهم رأوه غالباً الموت، رأوه بالعين الروحية التي تستعلن الحق، وكأن المسيح يريد أن يقول "إنكم لا ترونني على حقيقتي، بالرؤية الصحيحة ولكن بعد قليل حينما أكمل إستعلاني وأظهر في مجدي حينئذ ترونني حقاً سواء بعد القيامة أو أثناء صعوده أو بعد صعوده "كما رآه شاول في الطريق لدمشق" وبالأكثر حين يحل عليهم الروح القدس ويعطيهم الرؤيا الروحية الحقيقية للمسيح في مجده الذي صار فيه فعلاً. وهنا نرى أن الروح القدس يعطي الرؤية الصحيحة وهذه الرؤية الصحيحة التي يعطيها الروح تسبب فرح حقيقي (آية22) ونرى أيضاً في (لو39:23-43) أن اللص اليمين بعد أن إعترف بخطيته وشعر
بحقيقة حاله إنفتحت عيناه وعرف أن المسيح هو الرب والذي سيأتي في ملكوته. فمن يشعر بخطيته وينسحق أمام الله يفتح الروح القدس عينيه ليرى المسيح. أما في السماء فسنراه كما هو (1يو2:3)
الآيات (17-19): "فقال قوم من تلاميذه بعضهم لبعض ما هو هذا الذي يقوله لنا بعد قليل لا تبصرونني ثم بعد قليل أيضاً ترونني ولأني ذاهب إلى الآب. فقالوا ما هو هذا القليل الذي يقول عنه لسنا نعلم بماذا يتكلم. فعلم يسوع انهم كانوا يريدون أن يسألوه فقال لهم اعن هذا تتساءلون فيما بينكم لأني قلت بعد قليل لا تبصرونني ثم بعد قليل أيضاً ترونني."
واضح أن حالة من الإرتباك سادت التلاميذ ولم يفهموا ما قصده الرب من كلماته هذه. ويوحنا كشاهد عيان يصوِّر المشهد بدقة.
الآيات (20-22): "الحق الحق أقول لكم أنكم ستبكون وتنوحون والعالم يفرح انتم ستحزنون ولكن حزنكم يتحول إلى فرح. المرأة وهي تلد تحزن لأن ساعتها قد جاءت ولكن متى ولدت الطفل لا تعود تذكر الشدة لسبب الفرح لأنه قد ولد إنسان في العالم. فانتم كذلك عندكم الآن حزن ولكني سأراكم أيضاً فتفرح قلوبكم ولا ينزع أحد فرحكم منكم."
المسيح لم يتركهم في حيرتهم بل بدأ يشرح لهم أن العالم يحزن ويفرح بطريقة مختلفة عن حزن وفرح أولاد الله. فالعالم يحزن بسبب الخسائر المادية ويفرح للمكاسب المادية. أمّا المسيحي فحينما تصيبه التجارب والأحزان بل قد تصل أن البعض يتصور أن المسيح تركه، ولكن الله لا يترك أولاده، وسرعان ما يشرق نور المسيح مبدداً ظلمات الحزن والكآبة مالئاً قلوب أولاده تعزية وفرح. لكن ما يسبب الحزن الحقيقي لأولاد الله هو الخسائر الروحية حينما لا يحقق مشيئة الله في حياته أي الخطية. والمسيحي يفرح إذا ما شعر برضى الله ولكن هذه الأشياء الروحية لا تفرح أهل العالم. ولكن ما علاقة موضوع الحزن والفرح بما سبق عن رؤية المسيح؟! الإجابة في أن من يرى المسيح وتكون له هذه الرؤية الروحية سيفرح فرحاً حقيقياً والمسيح هنا يخبر تلاميذه بأنهم يبكون وينوحون ومثلها أنتم كذلك عندكم الآن حزن بسبب صلبه وبسبب مفارقته لهم ولكل مسيحي الآن. نحن عندنا حزن بسبب خطية أو ضيقة أو تجربة أو خسارة. فالمسيح بدمه يغفر وبقوته يحول الخسارة لمكاسب روحية. والعالم يفرح= لأنهم تخلصوا من المسيح وبسبب أنهم يتصورون أنفسهم أقوياء ويتمتعون بملذات العالم. وهم سيبكون ويحزنون بسبب إضطهاد العالم لهم. وبالنسبة لنا تشير لكل آلام العالم وإضطهاده بل بسبب التجارب والخسائر التي نلاقيها في العالم. ولكن حزنكم يتحول إلى فرح= بالنسبة للتلاميذ فهم سيفرحون قريباً بقيامة المسيح، ويوم حلول الروح القدس وبدء ظهور ثمار فداء المسيح. وبحلول الروح القدس رأى التلاميذ المسيح رؤية روحية حقيقية فإمتلأت قلوبهم فرحاً والفرح من ثمار الروح القدس. وبالنسبة لنا فكل تجربة مادية فيها حزن، نلجأ لله والروح القدس يكشف لنا وسط أحزاننا عن وجه المسيح المحب فيتحول حزننا إلى فرح. وأيضاً أحزان التوبة المقدسة هكذا تتحول إلى فرح. بل كل ما نخسره (والعالم يحزن بسبب هذه الخسارة) (مرض/ ألم/ خسارة/ تجربة..) سيكون سبب فرح فالمسيحي يعلم أن كل الأمور تعمل معاً للخير. وأن التجربة التي سمح بها الله هي الطريق للتنقية وبالتالي طريق السماء. فالحزن تحول إلى الفرح بالنسبة للمسيحي. والمسيح ضرب مثالاً بالمرأة التي تحزن حينما تأتي ساعتها لتلد بسبب الخوف من آلام الولادة ولكن حزنها يشوبه رجاء وفرح وأمل وسريعاً ما يتحول الحزن إلى فرح. وهكذا المسيحي يخاف من الآلام ومن تنفيذ الوصايا الصعبة أو أن تسلب أمواله أو يتألم في مرض أو إضطهاد أو يُهان إسمه، بل هناك من يخافون ويحزنون إذا آتى الصوم وهو ألم إختياري. ولكن عمل الروح القدس أنه يعطي عزاء هنا على الأرض وفي السماء مجد أبدي. (رو18:8 + أع40:5،41 + عب34:10،35). ولكن لماذا إختار المسيح التشبيه بآلام المرأة التي تلد؟
1. أن المرأة تقبل على هذه الآلام إختيارياً وبإرادتها وهي تعلم قسوة آلامها.
2. فترة الحزن والألم قليلة جداً لا تزيد عن ساعات في حالة الولادة.
3. يعقبها فرح بولادة طفل.
4. الولادة بآلامها الصعبة يخرج منها فرح. وهكذا الصليب سيخرج منه قيامة، وأي حزن يسمح به الله لنا سيخرج منه حياة.
وهكذا إختار المسيح آلام الصليب بإرادته (وهي كانت لفترة ساعات) ولكن أعقبها فرح المسيح بولادة كنيسته. ومهما زادت فترة آلامنا في طريق القداسة الذي إخترناه فهي لن تزيد عن أيام عمرنا وهي قليلة ولكن يعقبها فرح أبدي. آلامنا وتجاربنا هي كآلام الأم إن إحتملناها يولد فينا إنسان جديد فالألم يطهر (1بط1:4) عموماً طريق المسيح يبدأ دائماً بالألم وينتهي بالفرح هنا على الأرض ومن المؤكد في السماء. سأراكم= كما يقال نظر الملك بعين العطف على فلان. لم يقل المسيح سترونني بل سأراكم. وجميل جداً أن ننظر نحن للمسيح لنحصل منه على الفرح. والأروع أن يتكرم هو علينا بنظرة تعطينا الفرح الحقيقي. هو الذي سيفتش علينا في حزننا كما فتش على الأعمى الذي شفاه حين طردوه ليعلن له نفسه فيفرح (يو35:9-37) ولاحظ قول الكتاب "فوجده" . وقصد المسيح أنه سيفيض من فرحه وتعزياته بل من مجده الأسنى بعد قيامته علينا. فنحن لو حاولنا أن ندرك المسيح لنراه سنفشل ولكنه هو في محبته وفرحته يبحث عنا ليفيض علينا من فرحه، هو يتطلع إلى تلاميذه من مجده، ومع رؤيته لهم يُرى ذاته لهم. هو يأتي ليظهر نفسه ويسكب حينئذ فيهم فرحته فهم سيفرحون إذ يروه بالروح القدس. ولأن الفرح هو فرح الله فلا يستطيع أحد أن ينزعه منا لا أشخاص ولا أحداث ولا حتى آلام. وهذه ميزة الفرح الذي يعطيه الله بالمقارنة بأفراح العالم فأفراح العالم مؤقتة ولفترات بسيطة. هو فرح روحي سماوي يبدأ هنا ولكنه أبدي، هذا الفرح سيغطي كل أحزان وأوجاع التلاميذ وآلامنا. التي هي مؤقتة أرضية لا تلبث أن تنتهي ويبقي الفرح الأبدي. ولنقارن الآن بين الحزن القليل الذي عبروه والفرح الذي هم مقيمون فيه الآن. حياة النصرة في المسيحية ليست في إنتهاء الألم بل الفرح وسط الألم.. نلاحظ أن بولس الرسول إستخدم نفس التشبيه، مخاض الأم الوالدة للتعبير عن ميلاد الإنسان الجديد (غل19:4) فالكنيسة كمسيحها (عريسها) تألَّم لتلد إبناً لله.. هذه هي آلام الخدام.
الآيات (23،24): "وفي ذلك اليوم لا تسألونني شيئا الحق الحق أقول لكم أن كل ما طلبتم من الآب باسمي يعطيكم. إلى الآن لم تطلبوا شيئا باسمي اطلبوا تأخذوا ليكون فرحكم كاملاً."
في ذلك اليوم= يوم حلول الروح القدس، يوم ينفتح عهد جديد من العلاقات فوق الطبيعة. حينما يَسْتَعْلِن الروح القدس مجد المسيح المقام لتلاميذه. يوم الحصول على فرح القيامة ورؤية المسيح بالروح بعد حلول الروح وهي خبرة روحية فيها إستنارة داخلية. يوم يفهم التلاميذ معنى أن الآب في الإبن والإبن في الآب وأن الإبن فينا. هنا يمتنع السؤال. والفعل يسأل مختلف عن الفعل يطلب في اليونانية. فيسأل تعني يسأل أسئلة. أما يطلب تأتي بمعنى يقدم طلب. لا تسألونني شيئاً= كما حدث في الآيات (17-19) وكما حدث يحدث دائماً أن التلاميذ حينما لا يفهمون يسألون أسئلة عدم فهم سواء في أمثال المسيح أو كلامه، مثل أرنا الآب وكفانا، أو إلى أين يذهب. ولكن بعد أن حدثت الإستنارة بالروح لا يعودون لهذه الأسئلة. أو كانوا يطلبون أشياء مادية كما طلب يعقوب ويوحنا الجلوس عن يمينه وعن يساره أي يملكا معه زمنياً. وإذا حلّ الروح القدس فيهم سيكفون عن هذه الأسئلة فالروح القدس سوف يشرح لهم كل ما يجول بخاطرهم فلا يعودون بحاجة إلى السؤال فهو يعلمهم ويذكرهم بكل شئ (26:14) وسيفتح عيونهم الروحية فيروا ما لم تره عين ويدركوا أن لهم الميراث السماوي كأبناء لله (رو17:8) فيصبح لسان حالهم "ومعك لا أريد شيئاً في الأرض" (مز25:73) ولن يطلبوا أي أشياء مادية أمّا فعل أطلبوا الذي تكرر هنا فيشير لشعور الإنسان أنه في المسيح يتمتع بحب الآب وهنا يطلب بدالة البنوة وسيستجاب له فيكون فرحه كاملاً. وماذا يطلب الإبن إلاّ ما يمجد أبيه. فمن إكتشف بنوته للآب السماوي لن يطلب سوى ما يمجده بل أنه بعد حلول الروح القدس وإرتفاع المستوى الروحي للتلاميذ ستتفق إرادتهم مع إرادة الله وتكون طلباتهم متفقة مع رأيه. ومن يراه المسيح أي يسكب فرحه فيه سيكون مكتفياً تماماً بالمسيح ولا يطلب سوى مزيد من الحب والفرح ومجد الله. أمّا فرح العالم فدائماً ناقص ومعه يشعر الإنسان بالإحتياج. وقد ينزع في أي لحظة. أمّا فرح المسيح فلا يوجد سبب يمكن أن يبطله.
من الآب بإسمي= الإسم يدل على الشخص وقدراته وإمكانياته والمسيح كان عمله وفداءه جباراً، أعطانا دالة أن نطلب من الآب. المسيح بذهابه للآب أتم الصلح بين الآب والبشر فإستعاد المسيح للإنسان صلته الأولى بالله (رو1:5،2) لذلك ننهي صلواتنا بقولنا "بالمسيح يسوع ربنا" والآب يستجيب لنا بشفاعة المسيح أي عمل دمه القوي لكن يجب أن تكون أسئلتنا متفقة مع مشيئة المسيح (1يو14:5). هو قرَّبنا للآب بعمله القوي فصار الآب يستجيب لنا إذا صلينا بحسب مشيئته (1يو14:5 + مت7:7). وماذا نطلب حسب مشيئته إلاّ أعظم عطية أعطاها لنا وهي الروح القدس (لو13:11) الذي بواسطته يعطي الله عطاياه.
إلى الآن لم تطلبوا= أي أن التلاميذ لم يدركوا بعد من هو المسيح وما هو عمله. لكن متى جاء الروح القدس سيعرفهم من هو المسيح. بل سيعرفهم كيف يصلوا وماذا يطلبون (العبادة بالروح يو24:4) والتلاميذ لم يدركوا بعد أن المسيح بفدائه أعطاهم دالة كبيرة عند الآب بها يطلبون منه. حتى الآن لم يستعلن إسم المسيح بالكامل ولم يُكَّمَلْ بالآلام ولم يدخل إلى المجد. وإلى الآن لم تنفتح قلوب التلاميذ ليطلبوا فهم ما لم يفهموا. ثم نجد تعليم المسيح اطلبوا هو طلب بدالة بعد أن يتم الفهم ومثل هذه الطلبات تقبل. وهو تصريح دائم بأن طلباتنا ستقبل أمام الآب بإسم المسيح (عب19:10-23). وحينما يستجيب الآب يكون .. فرحكم كاملاً. الفرح الكامل هو عطية الروح القدس لذلك فأهم ما نطلبه هو الإمتلاء من الروح القدس. وهو كامل لأن الفرح الزمني يطفئه الحزن وهذا سريعاً ما يحدث. أمّا الفرح الذي سيسكبه المسيح عليهم حينما يشرق بوجهه من السماء ويطلع عليهم.. "سأراكم أيضاً فتفرح قلوبكم" فهو فرحه الخاص الذي فيه نتذوق بهجة الحياة الأبدية مسبقاً (ونقارن بين 13:17 + 11:15 + 1يو3:1،4) لنرى أن الفرح الكامل هو في الشركة مع الآب والإبن). والفرح الحقيقي هو أن المسيح قام ونحن قمنا معه. هل نطلب من الله أن يفرح هو بنا، الحقيقة أن فرح الله سينعكس علينا فنفرح فرح حقيقي.
آية (25): "قد كلمتكم بهذا بأمثال ولكن تأتى ساعة حين لا أكلمكم أيضاً بأمثال بل أخبركم عن الآب علانية."
الأمثال= كان المسيح يعلمهم عن السماويات والحقائق الإلهية بأمثال ورموز كمثل الكرمة والأغصان والمرأة التي تلد .. الخ وهذه الرموز والأمثال تحتاج إلى إستفسار وشرح. والمسيح إستخدم هذا الأسلوب لأنه لو تكلم بكلام مباشر فلن يفهموا أو يسيئون الفهم، أمّا حين يحل الروح القدس عليهم يعطيهم إستنارة بها سيدركون كل الحقائق وما غمض منها كعلاقة الآب مع الإبن= تأتي ساعة حين أخبركم= هذه الساعة هي وقت حلول الروح القدس لذلك لم يقل تأتي ساعة وهي الآن. فالفهم بدون الروح القدس صعب على مستوى الفكر البشري. أمّا بعد حلول الروح القدس فسيصير الكلام واضحاً على مستوى الوعي الروحي (راجع يو36:13 + 5:14 + 28:13 + 27:8 + 7:13 + 8: 28 + مر18:7،21 + 32:9 + لو45:9 + 34:18). فكيف نفهم أسرار السماوات بعقل جسداني، أمّا الروح القدس فهو يرشد لجميع الحق ويكشف كل يوم عن معاني جديدة وأعماق جديدة لكلمة الله التي يعلمها لنا ويذكرنا بها حينما نقف أمام الله بروح الصلاة والطلبة.
علانية= كان كلام المسيح علانية ولذلك نفهم أن العلانية هنا المقصود بها ليس أنه أمام الناس. لكن العلانية هي أن يكون الكلام واضحاً أمام قلوب التلاميذ بدون أمثال توضيحية إذ صار هناك إمكانية للفهم في وجود الروح القدس داخلنا، الذي يعلن لنا حتى أعماق الله. (1كو10:2) فالمسيح سبق وتكلم لكنهم لم يفهموا بسبب أذانهم المغلقة. أمّا حينما يحل الروح القدس ويفتح أذانهم وبصائرهم يصير الكلام علانية أي يصل لقلوبهم. فعدم معرفتهم بالمسيح معرفة واضحة جعلهم لا يعرفون الآب بوضوح. أما الروح القدس سيعطي الشعور بالبنوة فنصرخ "يا آبا الآب" فندخل في علاقة خاصة مع الآب والإبن وهذه هي العلانية. وللآن هناك من يقول يا ليت المسيح يظهر لنا والحل سهل أن نصلي والروح يفتح قلوبنا فنرى ونسمع علانية والخطوة الأولى هي الإيمان (يو24:5).
آية (26): "في ذلك اليوم تطلبون باسمي ولست أقول لكم أني أنا اسأل الآب من أجلكم."
في ذلك اليوم= الموضوع ليس هو نطق إسم يسوع، بل هو حالة الوحدة بيننا وبين المسيح بالروح القدس. فاليوم هو إذاً يوم حلّ الروح القدس فأضرم الحب والمعرفة. والحب يولد الطلبة. والطلبة تقبل بسبب المسيح الحاضر داخلنا متحداً بنا. لست أقول لكم إني أنا أسأل الآب من أجلكم= المسيح لم يقل لن أسأل ولم يقل لن أشفع فيكم. فالمسيح سبق وأخبرهم في آية (23) أن كل ما يطلبونه بإسمه سيقبله الآب. ولكن المسيح هنا يقول لهم أنه أزال كل حاجز بينهم وبين الآب بعد أن تم الصلح (أف16:2-19). أزال المسيح كل حاجز يفصل بيننا وبين الآب بعد أن كان إله محتجب (أش15:45 + مز24:44) والمسيح رفع هذا الحجاب وجعلنا بنين ولنا دالة البنين نشعر بمحبة الآب. ليس معنى كلام المسيح أنه ليس هناك داعٍ لشفاعته بل هو يشجع التلاميذ أن يتكلموا مع الآب لأن الآب يحبهم. هذه الآية هي منتهى ما كان المسيح يريده من عمله. أي أن يظهر الآب ويستعلن الآب. وهو هنا يعلنها صراحة أن الآب يحبنا. خصوصاً أن الإبن إتحد بنا فصرنا أبناء لنا صورة الإبن.
آية (27): "لأن الآب نفسه يحبكم لأنكم قد أحببتموني وآمنتم أني من عند الله خرجت."
هنا المسيح يوضح لماذا أصبح من غير الضروري أن يسأل المسيح الآب من أجلنا والسبب أنه يحبنا. ولماذا يحبنا الآب؟ هذا لأننا أحببنا إبنه وآمنا به (21:14 + 1يو10:4،19). ونحن نحب المسيح كإستجابة لمحبته هو لنا. فالله بادر بإعلان محبته إذ كان البشر في خطاياهم كالعميان لا يدركون محبة الله. لاحظ أن محبة الآب هنا للمؤمنين بالمسيح هي محبة خاصة غير محبته لكل العالم. محبته للمؤمنين فيها صداقة لهم وهم قريبين لقلبه جداً وأعزاء عنده. المسيح بهذا يفتح إدراكهم لمحبة الآب لهم. خرجت= خروج لا يعني الإنفصال بل الإتصال كما شرحها قانون الإيمان نور من نور وهم آمنوا بهذا بأنه خرج من عند الآب لذلك أحبهم الآب بسبب إيمانهم بإبنه. وكلمة خرجت تشير للتجسد. فالإبن بلاهوته لم يفارق الآب ولكن لأنه ظهر بالجسد على الأرض فقد ظهر كأنه ترك مجده لأنه أخلى ذاته. وقوله خرجت تشير أيضاً للوحدة بين الآب والإبن التي شرحها المسيح في (13:3)، وتشير لأن رسالة المسيح هي من عند الآب.
آية (28): "خرجت من عند الآب وقد آتيت إلى العالم وأيضاً اترك العالم واذهب إلى الآب."
هذه الآية فيها خلاصة عمل المسيح وفيها إرسال الآب للإبن وميلاد الإبن بالجسد ثم آلامه وقيامته وصعوده للآب. خرجت من عند الآب= من هنا تعني من داخله فهو من ذات طبيعة الآب وتشير لأزلية الإبن الذي هو نور من نور ومن نفس جوهر الله. وأنه في مجد أزلي. وتشير للتجسد لأن الإبن في تجسده ظهر للعالم في جسده، وحده مع أنه قائم دائم في أبيه. أتيت إلى العالم= تشير لتجسد الإبن وأنه أخذ صورة عبد. أترك العالم= تشير لأن الإبن أتم رسالته التي أتى لأجلها. وهو تركه بحسب الظاهر حينما صعد أمام تلاميذه ولكنه باقٍ في كنيسته دائماً (مت20:28). أذهب إلى الآب= تشير لأبدية الإبن ومجده الأبدي. هذا الذهاب كان سبباً في أن يجيء الروح القدس للكنيسة. والإبن حينما يذهب لحضن أبيه سيأخذنا لحضن الآب. وذهابه للآب هو بجسده فلاهوت الإبن لم يفارق الآب أبداً.
آية (29): "قال له تلاميذه هوذا الآن تتكلم علانية ولست تقول مثلاً واحداً."
علانية= ظن التلاميذ أن هذا الكلام هو العلانية لأنه لا يقول أمثال ولم يفهموا أن العلانية الحقيقية لن تحدث إلاّ بحلول الروح القدس.
آية (30): "الآن نعلم انك عالم بكل شيء ولست تحتاج أن يسألك أحد لهذا نؤمن انك من الله خرجت."
حقيقة هم لم يكونوا فاهمين لكل شئ لكن التلاميذ يظهرون هنا إندهاشهم من أن المسيح كان يعرف أفكارهم، وهذا رد على آية (19). ولكن فهم التلاميذ كان ناقصاً. فهم بدون حلول الروح القدس عليهم ما كانوا يفهمون سوى الواقع الزمني. هم لم يفهموا مثلاً من هو المسيح ولا علاقته بالآب ولا أهمية الصلب وأنه ليس عن ضعف. وهذا ما تأكد في إنكار البعض وهروب البعض منهم بعد ساعات قليلة من هذا الحديث.
آية (31): "أجابهم يسوع الآن تؤمنون."
الآن= المسيح يقارن بين قولهم الآن أنهم يؤمنون وبين ما سيحدث بعد قليل من عدم إيمان وهروب. كأن المسيح يريد أن يشرح لهم أن إيمانهم الآن على مستوى قدرتهم وإحتمالهم، لذلك سيهربون في خوف، أمّا حينما يحل عليهم الروح القدس سيتخذ إيمانهم أبعاداً وأعماقاً جديدة تعطيهم شجاعة لإحتمال الآلام. ولفظ الآن يساوي قول المسيح لبطرس في (يو37:3،38) "أتضع نفسك عني" حينما إندفع بطرس في شجاعة ناقصة يعرض أن يضع نفسه عن المسيح. إذاً قول المسيح الآن= هو تساؤل فيه شك في مستوى إيمانهم ولذلك أخبرهم بما سوف يحدث "هوذا تأتي ساعة.. تتفرقون.. وتتركونني وحدي" (آية32). فأين هذا الإيمان إذاً. كل ما حدث أنهم دهشوا أن المسيح عرف أفكارهم وتساؤلاتهم عن معنى كلمة "القليل" التي قالها آيات (16-19) وأنهم أرادوا أن يسألوه عنها.
آية (32): "هوذا تأتى ساعة وقد أتت الآن تتفرقون فيها كل واحد إلى خاصته وتتركونني وحدي وأنا لست وحدي لأن الآب معي."
لأن الآب معي= قارن مع "إلهي إلهي لماذا تركتني" فنفهم أن الآب لا يترك الإبن أبداً. إذاً المعنى لماذا تركتني لهذا الصليب؟ والإجابة.. حباً وخلاصاً للبشر. والتلاميذ أعلنوا أنهم آمنوا بالمسيح والمسيح يقول لا بل هي لحظة ضعف ستنكرون فيها وتهربون. إن قوتكم الآن مستمدة من وجودي وحين أغيب سيغيب إيمانكم. المسيح هنا لا يعاتب بل يقرر واقع سيحدث وتنبأ عنه أشعياء (1:63-6) وهو يخبرهم ليتأكدوا منه إذ يحدث ما قاله لهم، وليتأكدوا أنه يحبهم حتى إذا أنكروه وهربوا وكلمة خاصته قد تعني بيته (كما جاءت في يو27:19) أو تعني مهنته (كما جاءت في هذه الآية). والشيطان ضرب تلاميذه بالخوف ليتركوه فلا يقف أحد بجانبه أما الآب فكان معه (مز16:22-20) "أمّا أنت يا رب فلا تبعد" الإنسان العادي يلجأ لخاصته عند الضيق ولكن الإنسان المؤمن فيلجأ لله، بل أن المؤمن يسند الآخرين ولا يطلب من إنسان أن يسنده بل يطلب من الله. تتركونني وحدي= هل يوجد منا الآن من يتركه وحده ويرفض أن يجلس معه أو يخدمه..الخ. الآب معي= إبن الله يشعر بإستمرار أن الله معه ولا يحتاج، ولا يشعر بالإحتياج لأحد.
آية (33): "قد كلمتكم بهذا ليكون لكم في سلام في العالم سيكون لكم ضيق ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم."
حينما يرى التلاميذ أن كلام المسيح هنا قد تحقق يزداد إيمانهم به فيكون لهم سلام. لكم فيّ سلام= ولم يقل لكم سلام فقط (السلام ليس في حل مشكلتي بل في وجود المسيح في حياتي) فلا سلام حقيقي سوى في المسيح إذا آمنا به (لا تبحث عن السلام في العالم وملذاته بل إطلبه في الإتحاد بالمسيح وفي شخص المسيح). هذا الذي غلب على الصليب مستعد أن يغلب فينا عدونا المهزوم إن نحن أعطيناه قلباً مفتوحاً وإرادة خاضعة، إذاً جهادنا نتيجته مضمونة. المسيح غلب الموت وغلب الخطية والشيطان فلماذا الخوف. وهذا المسيح الغالب يحل في قلوبنا بالإيمان (أف17:3) فلا بد وسنغلب + (1يو4:5،5) فنحن نخطئ لو تذمرنا في الضيق ونخطئ إذا لم نجد سلاماً في الداخل. فالمسيح الذي يهب السلام وهو مقبل على الصليب هو قادر أن يعطيه دائماً للمؤمنين الثابتين فيه. المسيح غلب العالم والشيطان بناسوته وكان هذا لحسابنا، لكي يغلب بنا وفينا.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الإصحاح السادس عشر
الإصحاح السادس عشر
المسيح ينبئ تلاميذه بموته . و اضطهاد العالم لهم . و معونة الروح القدس
[ 1 ] المسيح ينبئ تلاميذه بموته و بالاضطهاد الأتي عليهم ( ع 1 - 6 )
ع 1 : " كلمتكم بهذا " أي الحديث السابق كله عن رفض العالم و اضطهاده لكم . و سبب حديثي لكم ، هو إلا يضعف ايمانكم بل تتشددوا بتعزية الروح القدس .
ع 2 - 3 : الخروج من المجمع هو اشد عقوبة تاتي علي اليهودي و تمثل عارا ادبيا بل انهم سيتعرضون أيضا للقتل . و يكون دافع اليهود في ذلك ، هو غيرتهم الخاطئة علي الله و الناموس ، كما فعلوا باستفانوس ( اع 7 : 54 - 60 ) . أما السبب الحقيقي لهذا الاضطهاد و القتل ، فهو رفضهم للمسيح و الأب .
ع 4 : نفس المعني في الاية الأولى . و يضيف انه لم يخبرهم من البداية و ذلك لسببين :
أولا : عدم استعدادهم المعنوي لسماع هذا الكلام الصعب
ثانيا : لم يكن هناك احتياج للاشارة لعمل الروح القدس المعزي ، طالما أن المسيح بينهم يعلمهم و يقويهم و هو مصدر تعزيتهم .
ع 5 - 6 : " أما ألان " أي بدات احداث و تدابير الفداء بعد اكل الفصح ، و ذهاب يهوذا للرؤساء و الكهنة للاتفاق علي القبض علي المسيح .
" ماض إلى الذي أرسلني " تعني الصعود إلى الأب مرورا بالصليب ثم القيامة و اعلانها .
" ليس أحد منكم يسالني " ليس امرا من المسيح بل هو اسلوب تعجب ، كما جاء في اليونانية : إن أحدا لم يساله إلى أين يمضي . و تفسير هذا أن الحزن ملا قلوب التلاميذ ، بسبب حديث المسيح عن الاضطهاد . ومفارقة المسيح لهم ، فانشغلوا عن مصير المسيح بما ينتظرهم من بعده !!!
+ ارجوك يا الهي ... نحن أيضا كثيرا ما نغرق في همومنا و نحزن و نقلق ، غير ناظرين لتدابير خلاصك و ما تعده لنا ... ارفع قلوبنا و أعيننا نحوك ، ليتشدد قلبنا و يقوي عزمنا ونكمل حياتنا بايمان في وعودك .
[ 2 ] عمل الروح القدس ( ع 7 - 16 )
ع 7 : إذ لمس الرب يسوع تاثير كلامه علي التلاميذ ، و كيف حزنوا أراد أن ينقلهم نقلة تحمل تعزية ، و ترتفع بهم فوق الحزن . فعاد ليكشف لهم سرا من أسرار التدبير و عمل الروح القدس ، فجعل السيد المسيح من انطلاقه مصدرا للفرح ، عابرا بهم من الرؤية الحسية الجسدية إلى الرؤية السمائية ، فقد يفقدوه بالرؤية العينية ، و لكن المسيح يقدم الروح المعزي و المفرح ، علي انه وضع افضل للتلاميذ و الكنيسة فتجسد الابن له مهمة زمنية محددة تنتهي باتمام الفداء . أما الروح القدس فيتعهد و يرعي الكرازة و الكنيسة إلى انقضاء الدهر . و استخدم المسيح هنا صفة المعزي كاحد صفات الروح القدس لان التلاميذ كانوا في اشد الحاجة للتعزية .
ع 8 : هذا العدد اجمال قبل تفصيل ، فيعرض المسيح لعمل الروح القدس ، ثم يفصله في الثلاث آيات التالية ، بما يوضح أهمية ارسال الروح القدس ، و عمله المتنوع اللازم لخلاص البشر .
ع 9 : " يبكت علي خطية " أحد أعمال الروح القدس هو التوبيخ بقصد الدفع للتوبة . و مهما تعددت الخطايا فالروح القدس عمله في حياة ابناء الله هو كشف الخطية بداخلهم ، ثم حثهم علي التوبة . و الخطية العظمي هي خطية عدم الإيمان بالمسيح ، و بدون الروح القدس لا يمكن الإيمان بالمسيح ، راجع نبوة زكريا : " و افيض علي بيت داود و علي سكان أورشليم روح النعمة و التضرعات فينظرون إلى الذي طعنوه و ينوحون عليه ..." ( 12 : 10 ) أي لولا حلول الروح القدس و عمله يوم الخمسين ما كان الكثير من اليهود " نخسوا قلوبهم و قالوا لبطرس و لسائر الرسل ماذا نصنع ؟ " ( اع 2 : 37 )
ع 10 : " يبكت علي بر " المعني المباشر و المقصود هنا أن الروح القدس يبكت اليهود علي البر الذي رفضوه و هو المسيح ذاته ، فعندما جاء المسيح و هو املهم الوحيد في الخلاص و البراءة من الموت ، صلبوه !!! و المعني الغير مباشر ، و يستفيد منه جميع المؤمنين أن الروح القدس العامل فيهم لا يبكتهم فقط علي الخطية التي صنعوها ، بل يبكتهم أيضا علي التقصير في النمو في الفضائل و البر الذي يجب أن يتحلوا به و ينتصروا به علي كبريائهم .
ع 11 : " يبكت علي دينونة " أي أن الروح القدس يشهد و يدين العالم و رئيسه ( الشيطان ) علي محاكمة المسيح . فما بدا في ظاهره نصرة للشيطان و اعوانه في التخلص من المسيح صار دينونة للشيطان و العالم الشرير .
ع 12 - 13 : بسبب التعب النفسي الذي يمر به التلاميذ ألان لم يخبرهم المسيح بكل شئ بل أعطاهم بقدر احتمالهم و لكن في المستقبل القريب ، و بعد حلول الروح القدس في يوم الخمسين ، ستفتح اعينهم امتلائهم بالروح القدس ، و تزداد معرفتهم بالامور الروحية ، و يتولي الروح القدس القيادة و الارشاد و استكمال التعليم . و يشير السيد المسيح إلى اقنومية الروح القدس و علاقته بالاب فهو روح الله الذي يأخذ منه و يخبر التلاميذ بالامور الاتية . أي كل ما يتعلق بملكوت الله .
ع 14 : " يمجدني " أي اظهار مجد اسم المسيح في الكنيسة و في قلوب التلاميذ و كل المؤمنين بعد أن اخفي المسيح مجده بتجسده و خضوعه و احتماله للهوان .
" يأخذ مما لي " : أي حتى بعد صعودي و اختفائي الجسدي عنكم فهو ويسلة ابلاغ قصدي و فكري و تعليمي وارشادي لكم .
ع 15 : " كل ما للأب هو لي " : كلمة " كل " هنا تعني المساواة الكاملة بين الأب و الابن . و لان الأب و الابن و الروح القدس جوهر واحد فسوف يقوم الروح القجس باخذ ما يريد المسيح ايصاله لنا و يقوم هو بتسليمه لكنيسته .
و يلاحظ هنا عدة وظائف يقوم بها الروح القدس و يبرزها هذا الإصحاح :
(1) يبكت العالم ( ع 8 )
(2) يرشد إلى جميع الحق ( ع 13 )
(3) يمجد الابن ( ع 14 )
(4) يبلغ الكنيسة قصد الأب و الابن ( ع 14 )
ع 16 : أي إشارة إلى موته و دفنه ، ثم رؤيته بالعيان عند القيامة فصعوده إلى الأب .
[ 3 ] حزن و فرح التلاميذ ( ع 17 - 24 )
ع 17 - 19 : صعب علي التلاميذ فهم ما قاله السيد المسيح فتهامسوا سويا ، معلنين عدم فهمهم لقصده . و علم الرب ما يحيرهم ، و اعاد ما قاله سابقا عن عدم ابصاره ثم رؤيته ، و ذلك كتمهيد لما سوف يعلنه و يشرحه بعد ذلك .
ع 20 : " ستبكون و تنوحون " : أي مع بدء آلامي و صلبي و موتي ، و " العالم " أي اليهود ورؤساؤهم سيفرحون لانهم يعتقدون انهم تخلصوا من المسيح إلى الأبد . و لكن ثقوا انه بعد قليل اعلان القيامة ستتحول احزانهم إلى افراح و امجاد لا يفهمها العالم .
ع 21 - 22 : يضرب المسيح مثلا تشبيهيا يؤكد به ما سبق و قاله فيستخدم للتقريب ، مثل المرأة الوالدة ، و آلام مخاضها التي لابد أن تجتازها قبل أن تتحول هذه الالام إلى لافراح بقدوم الحياة الجديدة ففرحة الام بوليدها تنسيها كل الالام السابقة . و هكذا سيكون فرح التلاميذ الروحي و الذي يمتاز عن كل افراح العالم الوقتية ، بانه لا يستطيع أحد أن ياخذه من أولاد الله . و قد رأينا هذه الصورة عينها ، ليس فقط في حياة التلاميذ الاطهار بل في حياة كل الشهداء الذين قدموا ذواتهم للموت في فرح لا يفهمه العالم .
ع 23 : " في ذلك اليوم " أي عند حلول الروح القدس ، لن تكون هناك حاجة إلى أن تسالونني كعادتكم ألان ، فالمعرفة التي يقدمها الروح القدس هم معرفة كاملة ، ويكفيكم في ذلك الوقت أن تسالوا و تطلبوا من الأب باسمي فيعطيكم الروح القدس كل ما تحتاجونه .
ع 24 : كان كل فخر الإنسان اليهودي أن يشفع صلاته باسماء إبراهيم و اسحاق و يعقوب ، فصار لنا نحن ، في مجد العهد الجديد أن نقدم صلواتنا باسم المسيح نفسه ، كما علمنا هو هنا . فهذه هي مسرة الأب ، أن تقدم كل الطلبات من خلال ابنه الذي فدا كل البشر ؛ و عند الطلب باسم المسيح تكون الاستجابة و من ثم الفرح الكامل .
[ 4 ] كمال ايمان التلاميذ ( ع 25 - 33 )
ع 25 : " كلمتكم ... بامثال " اعتدت أن أتكلم معكم بامثال ، لتقريب المعاني الصعبة لاذهانكم . و لكن عندما يأتي الروح القدس ، ويعرفكم حقائق الصلب و الفداء و القيامة لا حاجة للامثال بل سيكون تعليم الروح القدس مباشرا و مفهوما . و اعتبر المسيح أن ما سوف يخبره الروح القدس و يعلنه للتلاميذ و الكنيسة ، هو اعلان المسيح ذاته لهم ، لان الروح القدس و المسيح جوهر واحد .
ع 26 - 27 : " في ذلك اليوم " أي بعد حلول الروح القدس و ميلاد الكنيسة تطلبون باسمي كما اخبرتكم ( ع 23 ) و ستكون استجابة مباشرة من الأب و ذلك لان كل من احب الابن و امن به دخل من خلال الابن إلى حضرة الأب نفسه فيعطيه الأب كل شئ.
ع 28 : استكمال للاية السابقة و شرح لاهوتي كامل ومختصر لمرحلة التجسد و الفداء ، ثم القيامة و الصعود و الجلوس عن يمين ابيه .
ع 29 - 30 : في ( ع 17 ، 18 ) أعلن التلاميذ حيرتهم فيما كان يتكلم عنه المسيح. و بعد الشرح الذي اورده المسيح في الاعداد ( 19 - 26 ) ، لخص المسيح الحقيقة اللاهوتية في ( ع 28 ) في بساطة و كلمات قليلة بأنه من الأب خرج و تجسد ، ثم يترك العالم و يعود إلى الأب ... فعبر التلاميذ عن جلاء الامر و وضوحه و يقينهم الايماني بكل ما قاله المسيح ، و اقروا أيضا بفهمهم انه من الأب خرج وجاء إلى العالم .
ع 31 - 32 : " ألان تؤمنون ؟ " يشير السيد المسيح إلى أن ايمان التلاميذ كان موجودا ، و لكنه كان من الضعف بحيث لا يستطيع مواجهة الساعات القادمة ، و التي تبدا بالقبض عليه و محاكمته ، ثم احداث الصلب . و لهذا تنبا المسيح لهم بما سيكون عليه حالهم من خوف ، و يجعلهم يتفرقون كل واحد إلى اهله ، و يتركونه يجتاز المعصرة وحده . و يختم المسيح نبوته لهم بانه ، حتى و إن تركوه فهو ليس وحده لان الأب معه . و ما صرح به المسيح هنا يعتبر ترجمة لحب الأب لابنه المتجسد من جهة و لكل أولاده من جهة أخرى .
+ اخي الحبيب ... إن اصابتنا كل صور الاضطهاد و تركنا الناس ، بل و إن اتهمنا أيضا الاقربون فلنا عزاء و رجاء و ايمان في الله الذي لا يتركنا أبدا و هذا الإيمان هو ما استمد من خلاله كل الآباء الشهداء القديسين قوتهم وقت عذاباتهم .
ع 33 : " كلمتكم " تعود إلى الحديث في الاصحاحات الثلاثة السابقة ، ويوضح السيد المسيح هنا سر كلامه بكل ماسبق ، و هو أن العالم الذي في قبضة الشيطان ، سيكون مصدرا للالم و الضيق و الاضطهاد ... و لكني أنا هو مصدر السلام ، فمهما كان ما سوف يقابلكم فعليكم دائما الإيمان و الثقة بانني " قد غلبت العالم " و اعطيتكم أيضا أن تغلبوا بي ... فكما سحق المسيح الشيطان علي الصليب و ابطل سلطان الموت و انتصر عليه ، هكذا أيضا أعطى التلاميذ ، و كل من يؤمن ايمانا حقيقيا باسمه هذه الغلبة علي العالم و كل مملكة الظلمة .
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح