كلمة منفعة
من الأمثلة المشهورة " قليل دائم خير من كثير متقطع". وهذا المثل يصلح أيضًا للحياة.
— القليل والكثير
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
انجيل معلمنا يوحنا - الاصحاح رقم 14 انجيل معلمنا يوحنا الإصحاح رقم 14 الأصحاح الرابع عشر المعزي الآخر الآن يقدم ثلاثة أحاديث وداعية سجلها لنا الإنجيلي في الأصحاحات 14-16. في هذه الأحاديث يجتمع الراعي السماوي مع القلة القليلة التي تمثل قطيعه الضعيف، وقد أوشكت العاصفة أن تهب بكل قوة، وظن إبليس، الذئب المفترس، أنه حتمًا يحطم الراعي مع رعيته. أما الراعي وهو يتمم خطته الإلهية فيطََّمئن الرعية، طالبًا منها ألا تضطرب، بل يليق بها أن تتعرف على سرّ الحب الإلهي: فمن جهة الآب، لديه منازل كثيرة تتسع للكل، وفي نفس الوقت مسرته أن يأتي مع الابن ويسكن في أعماق كل مؤمن. ومن جهة الابن، فالعاصفة التي تهب ضده ما هي إلاَّ الطريق المُعد ليحمل رعيته خلال الصليب إلى العرش، وينعموا بشركة مجده. إنه أب يتحدث مع أولاده الصغار، الذي وإن فارقهم بالجسد إنما ليبعث لهم روحه القدوس معزيًا، فلا يتركهم يتامى، بل يقودهم إلى السماء عينها حيث المسيح صاعد! ومن جهة الروح القدس، فهو المعزي الآخر، يقود الرعية إلى كل الحق الذي هو السيد المسيح، ويهبهم قوة للشهادة أمام العالم، مبكتًا العالم على عدم إيمانه ليجذبهم خلال كرازة التلاميذ إلى الإيمان، وعلى برّ لكي يدرك العالم أنه لن يتبرر إلاَّ ببرّ المصلوب، وعلى دينونة حيث يتحطم إبليس ويُدان. تبقى هذه الأحاديث الوداعية سرّ قوة الكنيسة، إذ تجد فيها سرّ الخلاص الذي شغل الثالوث القدوس ويشغله حتى يكمل خلاص البشرية وتتمتع بما أعده الله لها. هذا الأصحاح هو امتداد لحديث السيد المسيح مع تلاميذه بعد تأسيس سرّ الإفخارستيا وبعدما دان تصرف يهوذا، وأعلن ما سيفعله بطرس الرسول، منكرًا السيد المسيح ثلاث مرات. لقد أراد أن يهب بقية التلاميذ تعزية وراحة بعدما اضطربت نفوسهم وحزنت بحديثه أن أحدهم يسلمه والآخر ينكره. وقد رأينا في الأصحاح السابق أن الجلسة كانت أشبه بمؤتمر يتسم بالحوار المفتوح. غالبًا ما يحدث الاضطراب بسبب الخوف من المجهول أو توقع خسارة فادحة تمس النفس أو الجسد أو الممتلكات، لهذا فإن علاج الاضطراب هو الإيمان، الذي يهب النفس بصيرة فتعرف موضع استقرارها الأبدي، وتدرك أنها بالله قادرة على هدم حصون، ولا تقدر قوة ما أن تحطمها، وتتمتع بالثبوت في الله ضابط السماء والأرض، وكل خليقة ظاهرة أو خفية. 1. الراحة الأبدية 1 - 3 2. المسيح طريق الراحة 4 - 11 3. الصلاة والراحة 12 - 14 4. المعزي الآخر 15 - 17 5. ظهوره لهم 18 - 24 6. المعزي المعلم 25 - 26 7. فرح المسيح برحيله 27 - 31 1. الراحة الأبدية يري القديس يوحنا الذهبي الفم أن التلاميذ قد اضطربوا جدًا، خاصة بعدما كشف السيد المسيح عما سيفعله بطرس الرسول. فإن كان هذا التلميذ قد اتسم بالغيرة المتقدة، وكان في رفقة السيد، وقد أعلن رغبته أن يقدم حياته من أجل المسيح سينكره ثلاث مرات فأي رجاء لهم؟ لهذا قدم لهم السيد الحديث التالي لينزع ما في نفوسهم من اضطراب، ويفتح أمامهم أبواب الرجاء للتمتع بالسماء! "لا تضطرب قلوبكم، أنتم تؤمنون بالله، فأمنوا بي". (1) يحذرنا السيد المسيح من القلق والاضطراب، مقدمًا لنا الإيمان به كعلاجٍ عمليٍ للمعاناة من القلق. كان القلق واضحًا في نظراتهم. "كان التلاميذ ينظرون بعضهم إلى بعض وهم محتارون في من قال عنه" (يو 13: 22). هذا وقد رأى السيد ليس فقط نظراتهم المضطربة، وإنما قلوبهم التي تدمي من القلق في الداخل. لم يتركهم في اضطرابهم إذ يهتم بسلامهم وسلامنا الداخلي. الآن يفتح لهم باب الأمان والسلام ألا وهو الإيمان به، يؤمنوا به كمخلص يتألم ويموت لأجلهم لكي يهبهم قوة القيامة وبهجتها، ويفتح لهم طريق السماء، ويهبهم حق العبور إلى مواضع الراحة الأبدية. بدأ التلاميذ يفقدون رجاءهم في إقامة مملكة على الأرض، وبدأت أحلامهم من جهة يسوع تضيع، أما هو فرفعهم إلى الميراث الأبدي الروحي، رفع قلوبهم إلى السماء لكي تشتاق إلى ما قد يُعد لهم هناك. + انظروا كيف عزى السيد المسيح تلاميذه بقوله: "لا تضطرب قلوبكم"، إذ أوضح بهذا القول الأول قدرة لاهوته، لأنه عرف الأفكار التي جازت في أنفسهم، ورد عليها في وسط كلامه. وبقول السيد المسيح: "أنتم تؤمنون بالله، فآمنوا بي" كأنه يقول: "يجب أن تعبر هذه الشدائد كلها، لأن الإيمان بي وبأبي هو أقوى اقتدارًا من المصائب الواردة عليكم، ولا يسمح لأي شر أن يغلبكم. القديس يوحنا الذهبي الفم + يؤكد الرب دومًا هذا التعريف لإيمان الكنيسة الذي يتضمن التعليم بأنه يوجد إله واحد الآب، لكنه لا يفصل نفسه عن سرّ الإله الواحد... وهو ليس بإلهٍ ثانٍ، ولا بالإله المنفرد. وحيث أن طبيعة الإله الواحد فيه لا يمكن أن يكون إلهًا مختلفًا عنه... فهو لا يقدر أن ينفصل عنه، ولا أن يندمج فيه. لهذا يتحدث بكلمات مختارة بتأنٍ، فما يدعيه بالنسب للآب يشير بلغة متواضعةً أنها تناسبه هو أيضًا. خذ كمثال الأمر: "تمسكوا بالإيمان بالله، فآمنوا بي". إنه يتماثل مع الله في الكرامة. أسألكم كيف يمكنه أن ينفصل عن طبيعته؟ يقول: "تمسكوا بالإيمان بي أيضًا" كما قال: "تمسكوا بالإيمان بالله" أليس القول: "بي in me " يعنى طبيعته؟ القديس هيلاري أسقف بواتييه + أنتم تخشون الموت بخصوص شكل العبد هذا؛ "لا تضطرب قلوبكم" (1) فإن شكل الله سيقيمه ثانية. القديس أغسطينوس "في بيت أبي منازل كثيرة، وإلا فإني كنت قد قلت لكم أنا أمضي لأعد لكم مكانًا". (2) يدعو السماء "بيت أبيه"، فهو يعود إلى بيت أبيه الذي هو بيته، وهناك يعد مواضع وشقق mansions لمؤمنيه، فيشعر كل واحدٍ أنه راجع إلى بيت أبيه السماوي أو بيته الذي ينتظره. وبقوله "مواضع كثيرة" يعطينا طمأنينة أن لله أبناء كثيرين، وأن السماء متسعة للجميع. وقد جاءت الكلمة اليونانية تعني مسكنًا دائمًا وإقامة مستمرة. عوض المملكة الزمنية وجه أنظارهم إلى مملكة المجد الأبدي. وهي مملكة متسعة جدًا يمكن أن تضم كل البشرية إن أرادت، "في بيت أبي منازل (مواضع) كثيرة" (2). إن كان سيتركهم بالجسد، إنما من أجل مجدهم. "لأعد لكم مكانًا" (2)، فهو لا يذهب من أجل راحته الشخصية ومجده، وإنما ليهيأ لكل واحدٍ موضعًا خاصًا به. إن كان اليهود يفتخرون بالهيكل كبيت الله، وقد ضم غرف كثيرة (1مل 6: 5؛ عز 8: 29؛ إر 35: 2، 4؛ 36: 10) فإن هيكل السماء به منازل كثيرة متنوعة ليجد كل مؤمن مكانًا فيه. "وإلا فإني قد قلت لكم": لست أقدم لكم رجاءً باطلاً، فقد وعدتكم بالميراث الأبدي، لتكونوا معي حيث أكون أنا. لو لم يوجد لكم مكان لما قلت هذا لكم. + وكما سند السيد المسيح بطرس الرسول حين كان حزينًا بقوله: "ولكنك ستتبعني أخيرًا" (13: 36) هكذا قدم لهؤلاء هذا القبس من الرجاء، حتى لا يظنوا أنه قد أُعطي الوعد بذلك لبطرس وحده، قال لهم: "في بيت أبي مواضع كثيرة". وفي قول السيد المسيح لتلاميذه: "أنا أمضي لأعد لكم مكانًا" يظهر أن ذاك المكان الذي يقبل بطرس يقبلهم أيضًا، لأن هناك فيض من السعة في المواضع. القديس يوحنا الذهبي الفم يرى جوفنيانوس Jovinianus أن المواضع الكثيرة في بيت أبينا هي الكنائس المنتشرة في العالم، ويرد عليه القديس جيروم بأن ربنا يناقش هنا لا عدد الكنائس بل المنازل السماوية والمساكن الأبدية. + مع تنوع المجد في السماء إلا أن الكل يتمتعون ببيتٍ واحدٍ، وقد صعد الرب لا ليُعد مواضع كثيرة، بل يُعدّ بيتًا واحدًا، فالكل يشتركون في ذات البيت ويشعرون بالكفاية والشبع، وإن اختلف مجد كل نجمٍ عن الآخر. القديس جيروم + هل كان يمكن لأحدهم ألا يخاف إن كان بطرس أكثرهم ثقة وجراءة قيل له: "لا يصيح الديك حتى تنكرني ثلاث مرات" (يو 13: 38)؟ فإذ حسبوا أنفسهم ابتداء من بطرس كمن مصيرهم الهلاك، لذلك اضطربوا. والآن إذ يسمعوا: "في بيت أبي مواضع كثيرة، وإلا فإني كنت قد قلت لكم، أنا أمضي لأعد لكم مكانًا" ينتعشون من اضطرابهم ويصيرون في يقين وثقة أنه بعد عبور مصائب التجارب يسكنون مع المسيح في حضرة الله. فمع أن الواحد أقوى من الآخر، والواحد أحكم من الآخر، والواحد أبرّ من الآخر فإنه: "في بيت الآب يوجد مواضع كثيرة". لن يبقى أحد منهم خارج هذا البيت، حيث يتقبل كل واحدٍ موضعًا حسب استحقاقه. الكل يتشابه في أخذ الفلس الذي أمر صاحب البيت أن يعطيه لكل من يعمل في الكرم، دون تمييز بين الذين عملوا أقل أو أكثر (مت 20: 9). هذا الفلس حتمًا يشير إلى الحياة الأبدية، حيث لا يعيش أحد مدة مختلفة عن الآخرين، إذ لا يوجد في الأبدية مقياس متباين. لكن المواضع الكثيرة تشير إلى درجات استحقاق كل واحدٍ في الحياة الأبدية الواحدة. فللشمس مجد، وللقمر مجد آخر، وللنجوم مجد آخر، نجم يمتاز عن نجم في المجد. هكذا يكون في القيامة من الأموات. القديسون، مثل كواكب في السماء، ينالون في الملكوت مواضع متنوعة بدرجات مختلفة من البهاء. ولكن بناء على ذلك الفلس لا يُحرم أحد من الملكوت. وسيكون الله هو الكل في الكل (1كو 15: 41، 42) بطريقة معينة هكذا، التي هي الله محبة (1يو 4: 8). سيحقق الحب هذا بالأمر العام (الملكوت) الذي هو عام بالنسبة للكل. فإنه بهذه الطريقة كل واحدٍ بالحقيقة يقتني هذا (الملكوت)، وإذ يحب أن يرى في الآخرين ما هو ليس لديه. لهذا لن يكون هناك حسد بين هذا البهاء المتنوع، حيث أن وحدة الحب تملك على الكل. + ليذهب الرب ويعد لنا مكانًا. ليذهب فلا يُرى، وليبقى مختفيًا حتى نمارس الإيمان. بهذا يعد لنا المكان، الذي هو بالإيمان نحيا. لتكن لدينا الرغبة في الإيمان بهذا المكان حتى يُقتنى الموضع المُعد. الاشتياق إلى الحب هو الإعداد للمنزل. لتعد يا رب ما أنت تعده، فإنك تعدنا لك، وتعد ذاتك لنا، وذلك قدر ما تعد لك موضعًا فينا، ولنا فيك. إذ تقول: "اثبتوا فيّ وأنا فيكم" (يو 15: 1). وكما أن لكل واحدٍ شركة فيك، البعض أقل والبعض أكثر هكذا يكون التنوع في المكافآت حسب الاستحقاقات المختلفة. القديس أغسطينوس يتساءل القديس أغسطينوس كيف يعد السيد المسيح بأنه يذهب ليعد لنا مكانًا وفي نفس الوقت يقول: "في بيت أبي مواضع كثيرة"، أي معَدَّة بالفعل؟ يجيب على ذلك بأنه بالفعل قد أعدها مسبقًا بتدبيره من أجلنا، وأنه يتمم ذلك في شيء من التفصيل العملي الدقيق. وذلك كما نرى في الأناجيل السيد المسيح يختار تلاميذه ويقدم لهم الدعوة، ومع ذلك يقول الرسول: "اختارنا قبل تأسيس العالم" (أف 1: 4). هكذا تم تعيينهم قبل تأسيس العالم بخطته الإلهية، وحقق ذلك عمليًا عندما تجسد ودعا التلاميذ والرسل. "وإن مضيت وأعددت لكم مكانًا آتي أيضًا وأخذكم إلي، حتى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضًا". (3) ذهاب السيد المسيح هو فتح للطريق، إذ يُعد الموضع، ويعطي حق العبور به إلى مملكة المجد الأبدي. إنه يعود بذاكرتهم إلى موكب الشعب القديم حيث كان يتقدمهم ليلتمس لهم منزلاً (عد 10: 33)، هكذا يتقدمهم السيد ليعبر بهم مسيرة الثلاثة أيام، أي مسيرة القيامة، والنصرة على الموت، ليجد الكل مواضع في السماء! يرى السيد المسيح القيادات الدينية مع الشعب وهم في اضطراب شديد يريدون الخلاص منه، ويصرخون: "اصلبه، اصلبه!" لذا أوصى تلاميذه ألا يلحق هذا الاضطراب بقلوبهم، فإنه بينما يضطرب العالم حوله للخلاص من يسوع، إذا به ينطلق بإرادته ليفتح باب المجد حتى لمقاوميه. إنه يود خلاص الجميع! جاء التعبير "آخذكم إليَّ" في اليونانية يحمل فيضًا من الحب والشوق والانجذاب نحو السيد المسيح. هذا هو عمل الروح القدس الذي يسكب الحب في القلب، فيشتاق إلى اللقاء معه وجهًا لوجه، وأن ينضم إلى حضنهم، حيث يستدفئ بقوة حب المسيح الفائق له. ما ننعم به من جاذبية الآن إلى السيد وثبوت فيه هو عربون لما سنناله، ولكن لا يمكن أن يُقارن به. قبل الله الكلمة أن يصير إنسانًا، وحلّ بيننا، وصار مواطنًا معنا في عالمنا، لكي يحملنا إلى وطنه السماوي ننعم بالشركة في الطبيعة الإلهية، ونُحسب أهل بيت الله (أف 2: 19). صارت شهوة قلبنا أن نقول مع الرسول: "لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح ذاك أفضل جدًا" (في 1: 23)، نتبعه حيثما ذهب (رؤ 14: 4). هذه هي طلبة العريس السماوي من أجل عروسه: "يكونون معي حيث أكون أنا" (يو 17: 24)، أي تتمتع العروس بالخدر السماوي. + كأن السيد المسيح يقول لتلاميذه: إنني قد حرصت من أجل هذا الأمر حرصًا جزيلاً، موضحًا أنه ينبغى عليهم أن يثقوا ويؤمنوا بذلك، ويترجوه جدًا. القديس يوحنا الذهبي الفم 2. المسيح طريق الراحة "وتعلمون حيث أنا اذهب، وتعلمون الطريق". (4) إذ تحدث معهم عن الصليب وقدم لهم جسده ودمه المبذولين، حسبهم السيد يعلمون أين هو ذاهب، وما هو الطريق الذي يسلكه، حيث يفتح بصليبه أبواب الدخول إلى حضن الآب السماوي. إذ قدم لهم السيد المسيح الحياة السماوية المطوّبة كتعزية لهم وسط الآلام، أظهر لهم ما هو الطريق إلى هذه الحياة. يقول: "لقد عرفتم البيت السماوي، بيت أبيكم الذي تستقرون فيه، وعرفتم الطريق المؤدي إليه. لقد سبق فأخبرتكم عنه مرارًا بكل وضوح، وكان يليق بكم أن تعرفوه". + قال هذا إذ كان يعرف أنفسهم أنها تطلب فيما بعد أن تعرف هذا المطلوب. وبقوله: "وتعلمون الطريق" أوضح الشهوة التي في نيتهم. القديس يوحنا الذهبي الفم + علمنا أن في بيت أبينا مواضع كثيرة (يو 2:14) يقابل هذا حدد ما هي حالة الصلاح التي بلغها كل شخص يرفض الشر كعلاج. فمثلاً الشخص الوارث بعض المواهب الصالحة منذ بدء حياته وخروجه من ممارسة الشر حديثًا إلى السلوك السوي والحق، يقابله شخص آخر بلغ إلى السلوك السوي والحق بالمثابرة والتقدم فيها. بينما شخص ثالث نمى بواسطة رغبته في الخير، وأيضا شخص آخر يبقى مستمرًا بحزم في ارتفاعه إلى مستوى عالٍ في الفضيلة، وقد يتمكن شخص آخر أن يتقدمه في الارتفاع إلى مستوى أعلى. وقد يسبق البعض هؤلاء، بينما يحاول آخرون بشدة في الارتفاع. يقبل اللّه كل شخص حسب إرادته الحرة، ويرتب الاختيار حسب استحقاق كل شخص، فيمنح تعويضًا للأشخاص الأكثر نبلاً، ويعطى مكافآت لمن هم أقل مستوى. القديس غريغوريوس النيسي "قال له توما: يا سيد لسنا نعلم أين تذهب، فكيف نقدر أن نعرف الطريق؟" (5) مع كل ما أعلنه السيد عن الصليب والقيامة، لكن لم يكن ممكنًا لهم إدراك ذلك، ربما ظنوا أنه يرتفع مثل إيليا بمركبة نارية، أو تحمله ملائكة إلى السماء، أو ينطلق إلى حضن إبراهيم الذي يشتهيه كل يهودي. تحيَّر توما في الأمر كما تحيَّر التلميذان اللذان كانا في طريقهما إلى عمواس حتى بعد أن أكد لهما النسوة قيامته. بحديثه اللطيف معهم فتح مجال الحوار معه، فتحدث معه على الأقل تلميذان: توما وفيلبس. سأله توما عن الطريق دون أن يعتذر بأنه يناقض كلمات السيد المسيح القائل: "تعلمون الطريق" (4). لم يخجل توما من الاعتراف بأنه لم يفهم كلمات السيد، ولا عرف إلى أين هو ذاهب حتى يعرف الطريق، على خلاف بطرس الذي ظن أنه يقدر أن يذهب مع المسيح حتى وإن كانت التكلفة هي حياته ذاتها (يو 13: 37). حسن أن يعترف توما بجهله، لكنه ملوم لأنه يفكر في ملكوت أرضي، لذا ظن أن السيد يذهب إلى بلدٍ آخر. لهذا لم يعرف الطريق. لم يعرف إن كان يذهب إلى بيت لحم أو الناصرة أو كفرناحوم أو إحدى مدن الأمم، كما ذهب داود إلى حبرون لكي يُمسح ملكًا ويرد الملك لإسرائيل. هل ظن توما أن السيد المسيح سيذهب إلى عالم الأرواح غير المنظور... لا نعلم! + قال بطرس ما قاله (أين تذهب؟ يو 18: 36) لا ليتعلم، وإنما ليتبعه. ولكن عندما انتهر بطرس وكشف المسيح أن ما هو ممكن يبدو الآن مستحيلاً (بأن يتبعه التلاميذ)، وظهرت الاستحالة في تحقيق ذلك قاده ذلك إلى الرغبة في معرفة الأمر بدقة لذلك قال السيد للآخرين: "وتعرفون الطريق". فإذ قال: "ستنكرني" (13: 39) قبل أن ينطق أحد بكلمة، إذ هو فاحص قلوبهم، قال:" لا تضطربوا". الآن إذ يقول هنا: "تعرفون" كشف عن الرغبة التي في قلوبهم، معطيًا إياهم عذرًا لسؤالهم. الآن ما قاله بطرس "أين تذهب" عن محبة خالصة، قاله توما عن جبنٍ. القديس يوحنا الذهبي الفم "قال له يسوع: أنا هو الطريق والحق والحياة، ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي". (6) جال فكر توما هنا وهناك لعله يدرك إلى أين يذهب يسوع، كما جال فكر مرثا إلى اليوم الأخير عندما أخبرها السيد أن أخاها يقوم. وفي الحالتين، كما في أغلب المواقف إن لم يكن جميعها يسحب السيد المسيح أنظار السامعين إلى شخصه، قائلاً: "أنا هو". فهو الطريق والحق والحياة والقيامة والراعي والباب والخبز النازل من السماء، فيه كل كفايتنا. فالطريق ليس خارجًا عنه، والحق ليس له وجود بدونه، والحياة ليست إلاَّ فيه. هو الطريق الذي إذ ندخله ندخل إلى الآب دون أن نخرج من الابن، لأن الابن في الآب، هكذا باتحادنا مع الابن ننعم بالاتحاد مع الآب. إذ يقدم نفسه الطريق والحق والحياة لا يفصل بينهم، لأنه هو الكل لنا. هو الطريق، نؤمن به فنثبت فيه وهو فينا لينطلق بنا إلى حضن الآب، وهو الحق بروحه ينير أعماقنا فنكتشف الأسرار الإلهية الفائقة المعرفة، وهو الحياة إذ نقبل حياته حياة ممنوحة لنا. بهذا نتمتع بالدخول إلى الآب والتعرف عليه والتمتع به. صحح السيد المسيح مفهوم توما، فأعلن له أنه هو الطريق الذي يقودهم إلى الآب وإلى معرفته. إنه الطريق بتعاليمه (يو 6: 86)، وبمثاله (1بط 2: 21)، وبذبيحته (عب 9: 8-9)، وبروحه (يو 16: 13). إنه الطريق الذي فيه تتحقق كل الوعود الإلهية (2كو 1: 20). لا يستطيع أحد أن يأتي إلى الآب إلاَّ به، ولا إلى معرفته ما لم يخبره الابن عنه. إنه الطريق الذي تحدث عنه إشعياء النبي قائلاً: "وتكون هناك سكة وطريق يُقال لها الطريق المقدسة، لا يعبر فيها نجس بل هي لهم. من سلك في الطريق حتى الجهال لا يضل. لا يكون هناك أسد، وحش مفترس لا يصعد إليها، لا يوجد هناك، بل يسلك المفديون" (إش 35: 8-9). إنه الطريق الذي قدم فيه دمه ليعبر بنا إلى المقدس (عب 9: 12)، فيه نتمتع بالصليب شجرة الحياة. إنه الحق، الذي فيه كملت الظلال والرموز الواردة في العهد القديم. فهو المن الحقيقي النازل من السماء (يو 6: 32)، وخيمة الاجتماع (عب 8: 3). إنه الحق الذي يبدد كل ما هو باطل وما هو خطأ. إنه الحق الذي يحطم كل خداع؛ ففيه نجد الثقة الحقيقية والحقيقة (2كو 1: 20). هو الحياة والقيامة: "احسبوا أنفسكم أمواتًا عن الخطية، ولكن أحياء لله بالمسيح يسوع ربنا" (رو 6: 11). إنه الطريق والحق والحياة، وكأنه هو البداية والنهاية وما بينهما. به نبدأ الحياة، ونسلك الطريق، ونبلغ إلى النهاية. + إذن الطريق هو قوة اللَّه الفائقة، لأن المسيح هو طريقنا، الطريق الصالح، أيضًا هو الطريق الذي يفتح ملكوت السماوات للمؤمنين... المسيح هو بدء فضيلتنا، هو بدء الطهارة. القديس أمبروسيوس + "أنا هو الطريق"؛ هذا هو البرهان علي أنه "ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي". أنا هو الحق والحياة، بهذا فإن هذه الأمور ستتحقق حتمًا. فإنه لا يوجد معي باطل، إذ أنا هو الحق. إن كنت أنا هو الحياة أيضًا، فإنه لا يقدر حتى الموت أن يعوقكم عن المجيء إلي. بجانب هذا فإني إن كنت أنا هو الطريق، فلا تحتاجون إلى من يمسك بأيديكم ويقودكم. وإن كنت أنا هو الحق فكلماتي ليست كذبًا، وإن كنت أنا هو الحياة فإنكم وإن متم تنالون ما أخبرتكم به... لقد نالوا تعزية عظيمة بكونه هو الطريق. كأنه يقول: "إن كان لي السلطة المنفردة أن أحضر إلى الآب، فإنكم حتمًا ستأتون إليه، إذ لا يمكن لكم أن تأتوا إليه بطريق آخر. ولكن بقوله قبلاً: "لا يستطيع أحد أن يأتي إليّ ما لم يجتذبه الآب" وأيضًا: "وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إلي الجميع" (12: 32)، وأيضًا "لا يأتي أحد إلي الآب إلا بي" (14: 6)، يظهر بهذا أنه معادل لمن ولده. القديس يوحنا الذهبي الفم + يقول المخلص نفسه: "أنا هو الطريق والحق والحياة" (6). ويقول الرسول: "متى أُظهر المسيح حياتنا، فحينئذ تظهرون أنتم أيضًا معه في المجد" (1كو 3: 4). مرة أخرى جاء في المزامير: "رحمتك أفضل من الحياة lives" (مز 62: 4). الحياة بصيغة الجمع مضاعفة، لأن المسيح هو الحياة في كل أحد. + هذا الطريق صالح يقود الإنسان الصالح إلى الآب الصالح، الإنسان الذي يجلب خيرات من كنزه الصالح، العبد الصالح والأمين (مت 7: 14؛ لو 6: 45؛ مت 25: 21). لكن هذا الطريق ضيق، لا يستطيع الغالبية، الذين هم بالأكثر جسديون أن يسافروا فيه. لكن الطريق ضيق أيضًا بالذين يجاهدون ليعبروا فيه إذ لم يُقل "إنه محصور" بل ضيق. العلامة أوريجينوس + الآن الطريق غير قابل للخطأ، أعني يسوع المسيح؛ إذ يقول: "أنا هو الطريق والحياة". هذا الطريق يقود إلى الآب، إذ يقول "ليس أحد يأتي إلى الآب إلا بي" (يو 6:14). القديس أغناطيوس الأنطاكي + الآب الأسمى والمكرم هو أب الحق نفسه، أي أب الابن الوحيد الجنس. والروح القدس له روح الحق... لذلك فمن يعبدون الآب بالروح والحق، ويتمسكون بهذه الوسيلة للإيمان يتقبلون أيضًا طاقات خلالها. يقول الرسول: "لأن الروح واحد الذي به نقدم تكريمًا، وبه نصلى". (راجع يو 4: 23، 24). الابن الوحيد الجنس يقول: "لا يأتي أحد إلى الآب إلا بي"، لذلك فإن الذين يكرمون الآب باسمي بالروح والحق هم عابدون حقيقيون. الأب غريغوريوس بالاماس + كل إنسان يرغب في الحق والحياة، لكن ليس كل أحدٍ يجد الطريق. + سرْ به كإنسان (بتجسده صار طريقًا لخلاصنا)، فتأتي إلى الله. به تذهب وإليه تذهب. لا تنظر خارجًا عنه إلى إي طريق به تذهب إليه. فإنه إن لم يهبنا أن يكون الطريق نضل على الدوام. لقد صار الطريق الذي به تذهبون إليه. لست أقول لكم: ابحثوا عن الطريق. فالطريق ذاته يأتي إليكم، قوموا واسلكوا فيه. اسلكوا بالحياة لا بالأقدام. فإن كثيرين يسيرون حسنًا بأقدامهم، وأما بحياتهم فيسيرون بطريقة شريرة. أحيانًا حتى الذين يسيرون حسنًا يجرون خارج الطريق. هكذا ستجدون أناسًا يعيشون حسنًا لكنهم ليسوا مسيحيين. إنهم يجرون حسنًا، لكنهم لا يجرون في الطريق. بقدر ما يجرون يضلون، لأنهم خارج الطريق. لكن إن جاء مثل هؤلاء إلى الطريق، وتمسكوا به كم يكون إيمانهم عظيمًا، إذ يسيرون حسنًا ولا يضلون! لكن إن لم يتمسكوا بالطريق، يا لشقاؤهم هم سلكوا حسنًا! كم يلزمهم أن ينوحوا. كان الأفضل لهم أن يتوقفوا في الطريق عن أن يسيروا بثبات خارج الطريق. + يقول الرب إنهم يعرفون الأمرين (أين هو ذاهب، وما هو الطريق)، أما (توما) فيعلن أنه لم يعرفهما، أي لم يعرف الموضع الذي يذهب إليه (السيد) والطريق للبلوغ إليه. لم يعرف (توما) أنه ينطق بكلمات باطلة، إذ هم يعلمون ذلك، لكنهم لا يعرفون أنهم يعلمون. فالسيد يقنعهم بأنهم بالفعل عرفوا ما يظنون أنهم يجهلونه، إذ يقول: "أنا هو الطريق والحق والحياة" (6)... إذ عرفوا الذي هو الحق، فإنهم يعرفون الحق. إذ عرفوا ذاك الذي هو الحياة، فقد عرفوا الحياة. انظروا، لقد اقتنعوا أنهم عرفوا ما لم يعرفوا أنهم عرفوه. + لقد كان بنفسه ذاهبًا إلى نفسه. إلى أين نحن نذهب إلاَّ إليه؟ وبأي طريق نذهب إلا به نفسه، فبه نذهب إليه. بنفس الطريق هو ونحن نذهب هكذا إلى الآب. + نال الرسول توما بأن تكون أمامه (أيها الرب يسوع) لكي يسألك أسئلة، ومع ذلك لم يستطع أن يدركك حتى اقتناك فيه. إنني أسألك لأني أعرف أنك أعلى مني. إنني اسأل وأبحث قدر ما أستطيع لكي ما أجعل نفسي تنتشر في ذلك الموضع الذي أعلى مني، حيث أصغي إليك يا من لا تستخدم صوتًا خارجيًا لكي تقنع بتعليمك. أسألك اخبرني، كيف تذهب إليك؟ هل تركت نفسك لتأتي إلينا حيث أنك أتيت ليس من ذاتك بل من الآب الذي أرسلك؟ بالحقيقة أعلم أنك أخليت ذاتك، إذ أخذت شكل العبد. إنك لم تنزع عنك شكل الله لكي تعود إليه، ولا فقدته كأمر تسترده... إنك بهذا أتيت، لكنك كنت ولا تزال قاطنًا حيث كنت توجد، وتعود دون أن تترك الموضع الذي أتيت إليه. إن كنت بهذه الوسيلة أتيت وعدت فبذلك أنت هو ليس فقط الطريق الذي به نذهب إليك، بل أنت الطريق لنفسك أن تذهب وترجع. + كما لو أنه قال: بأي طريق تذهبون؟ "أنا هو الطريق". إلى أين تذهبون؟ "أنا هو الحق". أين ستقطنون؟ "أنا هو الحياة". لنسير إذن في الطريق بكل يقين، لكننا نخشى الشباك المنصوبة على جانب الطريق. لا يجرؤ العدو أن ينصب شباكه في الطريق، لأن المسيح هو الطريق، لكن بالتأكيد لن يكف عن أن يفعل هذا في الطريق الجانبي. لهذا أيضًا قيل في المزمور: "وضعوا لي عثرات في الطريق الجانبي" (مز 139: 6 LXX). وجاء في سفر آخر: "تذكر أنك تسير في وسط الفخاخ" (ابن سيراخ 9: 13 Ecclus). هذه الفخاخ التي نسير في وسطها ليست في الطريق، وإنما في الطريق الجانبي. ماذا يخيفك؟ سرْ في الطريق! لتخف إذن إن كنت قد تركت الطريق. فإنه لهذا سُمح للعدو أن يضع الفخاخ في الطريق الجانبي، لئلا خلال أمان الكبرياء تنسى الطريق وتسقط في الفخاخ. + المسيح المتواضع هو الطريق، المسيح هو الحق والحياة، المسيح هو الله العلي الممجد. إن سلكت في المتواضع تبلغ المجد. إن كنت ضعيفًا كما أنت الآن لا تستخف بالمتواضع، فإنك تثبت بقوة عظيمة في المجد. + إنه الطريق "الكلمة صار جسدًا" (1: 14). لديه الطريق: "أخلى ذاته وأخذ شكل العبد" (في 2: 7). إنه البيت الذي إليه نذهب، إنه الطريق الذي به نذهب. ليتنا نذهب به إليه فلا نضل. القديس أغسطينوس + ذاك الذي يُسيِّج حولي ويغلق طرقي الشريرة (هو 6:2) أجده هو الطريق الحقيقي القائل في الإنجيل: "أنا هو الطريق والحق والحياة" (6). القديس جيروم + المسيح ليس فقط هو اللَّه، بل بالحقيقة اللَّه الحق، إله حق من إله حق، إذ هو نفسه الحق. القديس أمبروسيوس + لا يمكن أن يوجد أي رجاء في الخلاص دون معرفة هذين الاثنين (الآب والابن) في نفس الوقت. الشهيد كبريانوس + انظر إلى نفسك داخل نفسك. "لماذا تنظر القذى في عين أخيك، ولا تدرك الخشبة التي في عينك؟" (مت 7: 3) النفس التي تخرج من ذاتها مدعوة للدخول إلى نفسها، فبخروجها من ذاتها خرجت من ربها... لقد انسحبت منه، ولم تقطن في ذاتها، ومن ذاتها تقاوم، وطردت من ذاتها وسقطت في أمور لا تخصها... لقد نسيت النفس ذاتها خلال محبتها للعالم. الآن فلتنسَ ذاتها لكن خلال محبة خالق العالم! القديس أغسطينوس + توجد طرق كثيرة للذين يؤمنون بالمسيح ويكونون تحت قيادته يلزمهم أن يسلكوها قبل الدخول إلى الأرض المقدسة، فإنهم بعد أن يخرجوا من مصر، ويعبروا كل هذه المراحل الواردة في الكتاب المقدس، يستريحون. "هذه رحلات بني إسرائيل... حسب قول الرب" (عد 1:33، 2). من الذي نظَّم السبل التي يجب أن يسلكها بنو إسرائيل في هذه المراحل؟ من إلاَّ الله؟ لقد نظمها بعمود النار والسحابة المضيئة... الآن، تأمل فإن نفس الشيء يحدث روحيًا في مسيرتك، إذا خرجت من مصر، وكنت قادرًا أن تتبع المخلص يسوع (يشوع) الذي يدخل بك إلى الأرض. يبدو أن موسى (الناموس) هو القائد، لكن كان يشوع متواجدًا بجانبه دون أن يقود علانية. انتظر لكي يقود موسى إلى اللحظة التي فيها يكمل زمانه، عندئذ يأتي ملء الزمان (غل 4:4) ويقود يسوع... يتسلم يسوع تعليم الشعب ويقدم وصاياه علنًا. فلنسلك إذن فيها ونصلي قائلين: "ضع لي يا رب ناموسًا، في طريق حقوقك، فاتبعه كل حين" (مز 119: 33). إنني أسعى (اتبعه) مادام يوجد "طريق الحقوق". إنه ليس بالطريق السهل، ولا يحتاج إلى يومين أو ثلاثة أيام أو حتى عشرة أيام، إنما في الواقع إلى كل أيام الحياة لعلي أجد طريق حقوقه. وبنفس الكيفية احتاج أن أجد "طريق الشهادة": "فرحت بطريق شهاداتك مثل كل غنى" (مز 119: 14)؛ كما يوجد "طريق الوصايا": "في طريق وصاياك سعيت عندما وسعت قلبي" (مز 119: 32). كل هذه الطرق هي في أصلها طريق واحد، وهو ذاك الذي يقول: "أنا هو الطريق" (يو 6:14). لنسلك إذن في كل هذه الطرق حتى نبلغ غايتها وهو "المسيح". العلامة أوريجينوس + لا يتلوث الإنسان مرة أخرى بالتراب من الأرض بعدما غسل قدميه: تقول العروس: "قد غسلت رجلي فكيف أوسخهما" (نش 3:5). خلع موسى نعليه من رجليه (وهو مصنوع من جلد حيوان ميت)، لأنه كان يسير على أرض مقدسة (خر 5:3). يقول الكتاب أن موسى لم يلبس نعليه مرة أخرى، بل حسب أوامر اللّه له على الجبل صنع ثياب الكهنة التي استخدم في حياكتها خيوطًا ذهبية وزرقاء وبنفسجية وحمراء والكتان الفاخر حتى يشع جمالها حولهم (خر 5:28، 8). ولم يعمل موسى أية زينة على قدميه، لأن أقدام الكهنة تبقى عارية دون غطاء. لأن الكاهن يسير على الأرض المقدسة، فيلزم ألا يستعمل حذاء من جلد حيوان ميت. لذلك منع السيد المسيح تلاميذه من لبس أحذية، لأنه أمرهم أن يسيروا في طريق القداسة (مت 5:10، 6). أنتم تعرفون هذا الطريق المقدس الذي أمر السيد المسيح تلاميذه أن يسيروا فيه قائلاً: "أنا هو الطريق" (يو 6:14). لا نتمكن أن نسير في هذا الطريق إلا إذا خلعنا رداء الإنسان العتيق الميت. القديس غريغوريوس النيسي "لو كنتم قد عرفتموني لعرفتم أبي أيضًا، ومن الآن تعرفونه، وقد رأيتموه". (7) إنها كلمات عتاب صادرة من السيد المسيح الذي تعَّرف عليه كثير من الآباء والأنبياء من خلال الرموز والظلال، واشتهوا أن يروه ويرتبطوا به. كان هو كل رجائهم. ولكن للأسف فإن التلاميذ وقد عاشوا مع السيد ورافقوه في خدمته، بل في رحلاته، وأحيانًا في خلواته، وقد حان وقت رحيله من العالم، لم يعرفوه بعد كما ينبغي. يشتهي السيد المسيح أن يتعرف عليه كل المؤمنين ليدركوا حقوقهم فيه. وهذا هو موضوع صلوات الرسل أنفسهم من جهة البشرية. وكما كتب القديس بولس إلى أهل أفسس: "لا أزال شاكرًا لأجلكم، ذاكرًا إياكم في صلواتي، كي يعطيكم إله ربنا... لتعلموا نحونا، نحن المؤمنين، حسب عمل شدة قوته الذي عمله في المسيح، إذ أقامه من الأموات، وأجلسه عن يمينه في السماويات" (أف 1: 16-20). أما قوله: "من الآن تعرفونه، وقد رأيتموه" (7) فيقصد بالآن ساعة الصليب. خلال بغض العالم للمسيح، وصلب السيد المسيح لمحبة العالم في مؤمنيه، يُعرف الآب الكلي الحب، ويراه المؤمنون في الابن المصلوب القائم من الأموات. ساعة الصليب هي فرصة إلهية مقدمة للمؤمنين لكي يتعرفوا على الآب ويروه، لأنهم بالصليب يدخلون إلى المصالحة معه، ويتمتعون بالاستقرار في حضنه. من يعرف المسيح بحق يدرك أنه الابن، الله السماوي، مملكته ليست من هذا العالم، نزل من السماء ويصعد إليها بكونه في حضن الآب. فمن يبلغه يبلغ الأحضان الإلهية للآب، ويتعرف على شخصه وأسراره. لاحظ القديس يوحنا الذهبي الفم وغيره من الآباء أن السيد المسيح يقول تارة بأنهم رأوه وعرفوه، وتارة أنهم رأوه ولم يعرفوه، وأخرى أنهم لم يروه ولا يعرفوه، فهل في هذا تناقض؟ يميز القديس بين رؤية الابن خلال الجسد وحده حيث يلمسونه بأيديهم الجسدية ويرونه بأعينهم الجسمانية دون رؤية جوهره وعدم إدراك لاهوته وبهاء مجده؛ هؤلاء يرونه ولا يرونه، وفي نفس الوقت لا يعرفونه. حتى التلاميذ رأوه والتصقوا به، لكن إلي لحظات صعوده وحلول روحه القدوس لم يكونوا قادرين على إدراك لاهوته كما يليق. هكذا يمكن للإنسان أن يعرفه ولا يعرفه؛ فيعرفه دون إدراك المعرفة الحقيقية لشخصه. من يرى حقيقة الابن ويتعرف على شخصه كما يليق يرى الآب ويتعرف عليه. + إنه لا يناقض نفسه؛ حقا لقد عرفوه، ولكن ليس كما كان ينبغي. لقد عرفوا الله، لكنهم لم يكونوا بعد قد عرفوا الآب. فإنه بعد ذلك إذ حل الروح القدس عليهم عمل فيهم مقدمًا لهم كل معرفة. ما قاله هو هكذا: "إن عرفتم جوهري ورتبتي تعرفون أيضًا جوهر الآب ورتبته. ستعرفونه وترونه بواسطتي". يقصد بالرؤية المعرفة بالإدراك الذهني، فإن هؤلاء الذين يُرون يمكن أن نراهم ولا نعرفهم، أما الذين يُعرفون لا نقدر أن نعرفهم ولا نعرفهم. لذلك يقول: "وترونه"، كما يقال: "يُرى بواسطة الملائكة" (1 تي 3: 16). أما ذات الجوهر فلا يُرى، ومع هذا يقال أنه يُرى، أي قدر ما يستطيعون أن يروا. قيلت هذه الكلمات لكي تتعلموا أن الذين يرونه يعرفون من ولده. لكنهم لم يروه في جوهره غير المحتجب، إنما رأوه في ثوب جسده. إنه يود في كل موضع أن يضع الرؤية موضع المعرفة، كما يقول: "طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله" (مت 5: 8). يعني بالأنقياء الذين تحرروا ليس من الزنا وحده، بل ومن كل الخطايا، لأن كل خطية تجلب دنسًا للنفس. القديس يوحنا الذهبي الفم يعلق القديس أغسطينوس على الآيات (7-10) بأن السيد المسيح يؤكد أن من يعرفه يعرف الآب، لأنه لا يقدر أحد أن يأتي إلى الآب إلا به. وأن السيد المسيح هنا يؤكد وحدته مع الآب، وفي نفس الوقت التمايز بين الآب والابن. "قال له فيلبس: يا سيد أرنا الآب وكفانا". (8) إذ تحدث السيد المسيح عن الآب اشتاق فيلبس أن يراه، لكنه لم يكن بعد قادرًا. أولاً: لأنه أراد رؤية اللاهوت حسيًا، يراه بالعين الجسدية كما يرى المسيح. ثانيًا: سرّ عجزه عن الرؤية هو عدم رؤيته لحقيقة المسيح نفسه، يراه حسب الجسد دون أن يدرك لاهوته. وأخيرًا: عدم إدراكه الوحدة الفريدة بين الآب والابن في ذات الجوهر، لذلك سأله: "يا سيد أرنا الآب وكفانا" (8). طلبة فيلبس تشبه طلبة موسى النبي الذي اشتهى أن يرى مجد الله (خر 33: 18). حقًا رؤية الله فيها الشبع والكفاية، وهي طلبة تفرح قلب الله، لكن الخطأ في طلبة فيلبس هو تجاهله لوحدانية الابن مع الآب، لأنه لم يتمتع بالتجلي مثل بطرس ويعقوب ويوحنا. وعدم إدراكه أنه حتى تلك اللحظات لم يعرف المسيح كما ينبغي ولا رأي جوهر لاهوته. + قلب فيلبس النظام وقال: "أرنا الآب"، كمن قد عرف المسيح تمامًا. أما المسيح فوضعه في الطريق المستقيم، حاثًا إياه أن يقتني معرفة الآب من خلاله، بينما أراد فيلبس أن يراه بعينيه الجسديتين. ربما لأنه سمع عن الأنبياء أنهم رأوا الله. لكن هذه الحالات كانت من قبيل التنازل، لذلك يقول المسيح: "الله لم يره أحد قط" (1: 18)، مرة أخري: "كل من سمع وتعلم يقبل إليّ" (6: 45). "لم تسمعوا صوته قط، ولا أبصرتم هيئته" (5: 37). وفي العهد القديم: "لا يرى إنسان وجهي ويعيش" (خر 33: 20). ماذا يقول المسيح؟ "أنا معكم زمانًا هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس؟" لم يقل له: "ولم تراني" بل قال: "ولم تعرفني". ربما يسأل فيلبس:" لماذا أرغب في أن أتعلم عنك؟ الآن أنا أطلب أن أري أباك، وأنت تقول لي لم تعرفني؟" أية علاقة بين هذا وبين السؤال؟ بالتأكيد العلاقة وثيقة جدًا، فإن كان هذا هو الذي له الآب ومازال هو الابن فإنه من خلاله يعرف الذي ولده. فمن أجل التمييز بين الأقنومين يقول: "من رآني فقد رأي الآب"، لئلا يظن أحد أن الآب نفسه هو الابن بعينه. لماذا لم يجبه: أنت تطلب أمورًا مستحيلة لا يُسمح بها لإنسان، وإنما هي ممكنة لي وحدي؟ لأن فيلبس قال: "وكفانا"، فمع معرفته للمسيح أظهر له أنه لم يره. بالتأكيد لو أنه عرف الآب، لكان قادرًا أن يعرف الابن، لهذا يقول: "من رآني فقد رأي الآب"... وكأنه يقول له: "ليس ممكنًا أن تراني أو ترى الآب". لأن فيلبس فكر في المعرفة حسب الرؤية، وإذ فكر هكذا ظن أنه رأى الابن، فأراد بنفس الطريقة أن يرى الآب، لكن يسوع أظهر له أنه لم يرَ الابن نفسه. وإن أراد أحد أن يدعو المعرفة رؤية فلا أعارضه، إذ يقول المسيح: "لأن من يعرفني يعرف الآب". لكنه لم يقل هذا، إنما أراد أن يعلن عن الشركة في الجوهر: من يعرف جوهره يعرف جوهر الآب أيضًا. هل يتحدث هنا عن حكمة الآب؟ هل عن صلاحه؟ ليس هكذا، وإنما ما هو الله عليه، ذات جوهره... بحق انتهره قائلاً: "أنا معكم زمانًا هذه مدته؟" لقد تمتعت بمثل هذا التعليم، ورأيت المعجزات التي فعلتها بسلطان، وكل ما يخص اللاهوت، التي يفعلها الآب وحده من غفران للخطايا وإعلان عن الأسرار الخفية وإقامةٍ من الموت وخلقة من التراب ولم تعرفني؟ إذ التحق بالجسد لهذا يقول: "ألم تعرفني؟" إنك ترى الآب، فلا تطلب ترى ما هو أكثر، ففيه تراني. إن رأيتني لا تكون محبًا للاستطلاع أكثر، لأنك تعرفه فيّ أيضًا. + "ألست تؤمن إني أنا في الآب، والآب فيّ؟" بمعنى: إني أُري في ذات الجوهر. "الكلام الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي، لكن الآب الحال فيّ هو يعمل الأعمال" (10) كيف يبدأ بالكلام ويأتي إلي الأعمال؟ لأنه كان يلزم طبيعيًا أن يقول: "الآب هو يتكلم الكلام"، لكنه هنا وضع الأمرين معًا التعليم والمعجزات. وربما قال هذا لأن الكلام هو أيضًا كان أعمالاً. فكيف يعمل الآب كلاهما؟ يقول في موضع آخر: "إن كنت لست أعمل أعمال أبي فلا تؤمنوا" (10: 37)، فكيف يقول هنا أن الآب هو يعملها؟ ليظهر نفس الشيء أنه لا يوجد فاصل بين الآب والابن. ما قاله هو هذا: "لا يعمل الآب في طريق، وأنا في طريق آخر". كما يقول في موضع آخر: "أبي يعمل حتى الآن، وأنا أعمل" (5: 17)،مظهرًا في العبارة الأولي عدم الاختلاف في العمل بين الآب والابن، وفي الثانية الهوية للآب والابن. القديس يوحنا الذهبي الفم "قال له يسوع: أنا معكم زمانًا هذه مدته، ولم تعرفني يا فيلبس؟ الذي رأني فقد رأى الآب، فكيف تقول أنت ارنا الآب؟" (9) في عتابه لفيلبس بل ولكل التلاميذ يقول السيد: "أنا معكم"، ولم يقل: "أنتم معي". فقد نزل إلينا وحلَّ بيننا، فمن جانبه جاء إلينا خلال مبادرة حبه. بقي لنا أن تستنير أعيننا الداخلية ونتقدم نحوه، لنصير نحن معه كما هو معنا. هو نزل إلينا لكي بروحه نصعد إليه. إنه معهم ليس خلال رؤية سريعة إلى دقائق أو ساعات كما أعلن عن نفسه قديمًا للأنبياء خلال الرؤى والإعلانات والأحلام، إنما جاء وحلَّ بينهم، وعاش في وسطهم "زمانًا هذه مدته"، لهذا كان يليق بهم أن يروه كما ينبغي فيروا الآب، ويدركوه، ويتحدوا معه في المسيح يسوع. من رأى المسيح حقًا يرى الآب! هل يمكن لخليقةٍ ما في السماء أو على الأرض أن تتجاسر وتنطق بهذا؟ مستحيل! لقد حسب السيد المسيح أن من رآه فقد رأى الآب، وذلك إن اكتشف حقيقة السيد. لهذا عاتب السيد المسيح فيلبس، لأنه لم يعرفه بعد عشرة دامت حوالي ثلاث سنوات. إنه لم يلمه لأنه يشتهي رؤية الآب، وإنما لأنه لم يدرك من هو المسيح، وبالتالي لم يستطع طوال هذه المدة أن يتمتع برؤية الآب. لم يدرك أن ملء اللاهوت في المسيح جسديًا (1كو 2: 9)، فالآب هو فيه في كمال لاهوته. ما يعمله السيد المسيح يشترك فيه الآب بكونه العمل الإلهي الواحد. + أما تؤمن إني أنا في الآب، والآب فيّ؟ نعم من يتطلع إلى الابن يرى الآب في صورة. لاحظ أي نوع من الصور يتحدث عنها. إنه الحق والبرّ وقوة اللَّه، ليس أخرسًا لأنه الكلمة، وليس بلا إحساس لأنه الحكمة، وليس باطلاً وغبيًا لأنه القوة، وليس بلا حياة لأنه الحياة، ليس ميتًا لأنه القيامة. + في الكنيسة اعرف صورة واحدة، صورة الله غير المنظور التي قال عنها الله: "وصنع الإنسان على صورتنا"... (تك 1: 26). تلك الصورة التي كُتب عنها أن المسيح "بهاء المجد ورسم أقنومه" (راجع عب 1: 3). في هذه الصورة أدرك الآب، كما يقول الرب يسوع نفسه: "من رآني فقط رأى الآب". لأن هذه الصورة غير منفصلة عن الآب، والتي هي بالحق تعلمني وحدة الثالوث، إذ يقول: "أنا والآب واحد" (10: 30) وأيضًا: "كل ما للآب فهو لي" (16: 15). وأيضًا عن الروح القدس يُقال أن الروح هو روح المسيح، كما هو مكتوب: "يأخذ مما لي ويخبركم" (16: 14). القديس أمبروسيوس + من يتأهل للتطلع إلى ربوبية الابن ينعم بربوبية الآب. هذا الكلام ليس من عندي، بل هي كلمات الابن الوحيد القائل: "أنا معكم زمانًا هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس؟ الذي رآني فقد رأى الآب". وباختصار لا تفصلهما، ولا تصنع تشويشًا. لا تقل قط أن الابن غريب عن الآب، ولا تقبل القائلين إن الآب في وقت ما الآب، وفي وقت آخر هو الابن. فإن هذه العبارة غريبة وجاحدة وليست من تعاليم الكنيسة. لكن الآب بولادته الابن بقي الآب ولم يتغير، ولد الحكمة ولم يفقد الحكمة. ولد القوة دون أن يصير ضعيفًا. ولد اللَّه ولم يخسر ربوبيته. لم يفقد شيئًا بالنقص أو التغير، ولا المولود ناقص في شيء. كامل هو الوالد، وكامل هو المولود. اللَّه هو الوالد، اللَّه هو المولود، اللَّه من اللّه، ولكنه يُدعى الآب إلهه دون أن يخجل من القول: "أصعد إلى أبي وأبيكم، وإلهي وإلهكم" (يو 17:20). القديس كيرلس الأورشليمي يعبر القديس غريغوريوس النزينزي عن سرّ انجذابه إلى الثالوث الذي كرز به بين شعبه، بينما لمدة طويلة قد حُرم الثالوث من الكرازة به بين الشعب، وإن كان ليس تمامًا. + ليقودني الكلمة الإلهي في نهاية حياة مملوءة بالدموع إلى المسكن غير المتغير، حيث يوجد ثالوثي، وبهاء سموه المجتمع، ظلال الثالوث تمجدني. القديس غريغوريوس النزينزي + بالحق انتهر السيد التلميذ، إذ رأى ما في قلب السائل. إن كان الآب بنوعٍ ما أفضل من الابن، حتى أن فيلبس أراد أن يعرف الآب، بهذا لم يعرف الابن، إذ ظن أنه أقل من الآب. فلكي يُصحح مثل هذا المفهوم قيل: "الذي رآني رأى الآب، فيكف تقول أنت أرنا الآب؟" (9)... لماذا تود أن تكتشف وجود مسافة بين من هما متشابهين؟ لماذا تتوق إلى معرفة منفصلة بين من هما غير منفصلين؟ ما قاله بعد ذلك لم يكن لفيلبس وحده، بل لهم جميعًا، هذا يلزم ألا نضعه كما في زاوية، حتى يمكننا بمعونته أن نفسره بأكثر حرص. + لم تكن بعد عينا فيلبس سليمتين بما فيه الكفاية لتنظرا الآب، وبالتالي لتنظرا الابن الذي هو مساوٍ للآب. هكذا قام يسوع المسيح بشفائه بأدوية ومراهم الإيمان ليقوي عيني ذهنه اللتين كانتا بعد ضعيفتين وعاجزتين عن رؤية نورٍ عظيمٍ كهذا. وقال له: أما تؤمن إني في الآب، والآب فيَّ؟" ليت ذاك العاجز عن أن يرى ما سيظهره له الرب يومًا ما ألا يطلب أن يرى بل أن يؤمن. ليؤمن أولاً حتى تُشفى العينان اللتان بهما ينظر. القديس أغسطينوس "ألست تؤمن إني أنا في الآب، والآب فيّ؟ الكلام الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي، لكن الآب الحال فيّ هو يعمل الأعمال". (10) إذ تتحقق رؤيتنا لله في هذا العالم خلال الإيمان لا العيان، لذا يتحدث السيد المسيح هنا عن "الإيمان"، وأي إيمان؟ إيمان بأن جوهر الابن ليس مضافًا إلى الآب، إذ كل منهما في الآخر، بكونهما جوهرًا واحدًا. فمن أراد أن يرى الآب، ويتعرف عليه يلزمه أن يؤمن بالمسيح أنه "الابن الوحيد الذي في حضن الآب هو خبَّر" (يو 1: 18). فلا عجب إن قال: "الذي يراني يرى الذي أرسلني" (يو 12: 45). + لا يوجد أي اعتراض على فهم الابن أنه في الآب كما في مصدرٍ... الابن في الآب وعند الآب، ليس كمن وُجد خارجًا عنه، ولا في زمنٍ، بل في جوهر الآب مشرقًا منه، وذلك كأشعة الشمس المشرقة، وحرارة النار المتضمنة في صلبها. ففي هذين المثالين نجد شيئًا متولدًا من آخر، لكنه شريكه الدائم في الوجود معه مع عدم الانفصال عنه، فلا يوجد الواحد دون الآخر، وإنما يحفظ حالة طبيعته الحقيقية. القديس كيرلس الكبير + يقول الرب الحق: "أنا في الآب، والآب في". بوضوح الواحد في كليته هو الآخر في كليته، فالآب ليس هو بإفراط في الابن، ولا الابن ناقص في الآب. + نفس سمة اللاهوت تُرى في الاثنين. القديس غريغوريوس أسقف نيصص + لأن الآب لا يفعل شيئًا إلا بممارسة قوته وحكمته، فقد صنع كل الأشياء بحكمة، كما هو مكتوب: "بحكمة صنعتً الكل" (مز 24:104)، هكذا أيضًا لا يفعل اللَّه الكلمة شيئًا بدون شركة الآب. لا يعمل بدون الآب، بدون مشيئة الآب لا يقدم نفسه للآلام كلية القداسة، ويُذبح لأجل خلاص العالم كله (يو 16:3، 17؛ عب 10:10-12). بدون إرادة الآب لا يقوم من الأموات إلى الحياة. القديس أمبروسيوس "صدقوني إني في الآب، والآب فيّ، وإلا فصدقوني لسبب الأعمال نفسها". (11) إذ يتحدث مع خاصته عن أسراره الإلهية يشهد لنفسه بنفسه، إذ سبق فقال: "وإن كنت أشهد لنفسي، فشهادتي حق" (يو 8: 14). هنا لا يخاطب فيلبس وحده، بل كل التلاميذ، مقدمًا رسالة لكل مؤمنيه. يقدم السيد المسيح أعماله أيضًا شهادةً حقة لصدق كلماته، فأعماله تشهد أن السيد إنما يعمل أعمال أبيه، ويتكلم كلمات أبيه، فهي أعمال الآب والابن معًا، وكلماتهما. يقول القديس بولس عن الآب: "كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه" (عب 1: 2). كما يقول السيد عن نفسه: "الكلام الذي أكلمكم به، لست أتكلم به من نفسي، لكن الآب الحال فيَّ هو يعمل الأعمال" (11). + يليق بكم عند سماعكم "أب" و"ابن" ألا تسألوا شيئا آخر غير تأكيد العلاقة في الجوهر، ولكن إن كان هذا غير كافٍ لكم لتأكيد الكرامة المشتركة والجوهر المشترك فتعلموا هذا من الأعمال. القديس يوحنا الذهبي الفم + إنك ترى أن الابن هو اللَّه، فيه اللَّه الآب، إذ يقول نفس العبارة التي وردت في الإنجيل: "إني في الآب، والابن فيَّ". إنه لم يقل: "أنا هو الآب"، بل" الآب فيّ، وأنا في الآب". أيضًا لم يقل: "الآب وأنا هما أنا"، بل "أنا والآب واحد " حتى لا نفصل بينهما دون أن نضع خلطًا في ابن الآب. إنهما واحد من جهة شرف وحدة اللاهوت، إذ ولد اللَّه اللَّه. هما واحد في ملكوتهما، لأن الآب لا يملك على هؤلاء، والابن على أولئك، متكبرًا على أبيه كما فعل أبشالوم، إنما ملكوت الآب هو ملكوت الابن. إنهما واحد، إذ لا يوجد بينهما اختلاف ولا انقسام، بل ما يريده الآب يريده الابن. إنهما واحد، لأن أعمال الخلقة التي للمسيح ليست غير ما للآب، إنما خالق كل الأشياء هو واحد، خلقها الآب بالابن. وكما يقول المرتل: "هو قال فكانوا، هو أمر فخلقوا" (مز 9:33؛5:148). الابن هو اللَّه بعينه Very God، له الآب فيه دون أن يصير هو الآب، لأن الآب لم يتجسد، بل الابن... الآب لم يتألم من أجلنا، بل أرسل من يتألم... فليس بقصد تكريم الابن ندعوه "الآب"، ولا لتكريم الآب نتصور الابن أحد خلائقه. إنما هو أب واحد، نعبده خلال ابن واحد، دون أن نفصل العبادة بينهما. ليعلن عن الابن الواحد، جالسًا عن يمين الآب قبل كل الدهور في العرش، ليس عن تقدم ناله في زمان بعد الآلام، بل منذ الأزل. القديس كيرلس الأورشليمي + بينما نحن نتكلم هو نفسه الذي لن يسحب حضرته منا يكون معلمنا. + هل كلماته هي أعمال؟ واضح أن الأمر هكذا، لأنه بالتأكيد من يبني قريبه بما يقوله يعمل أعمالاً صالحة. + ينسب ما يفعله للآب الذي منه يفعل. لأن الآب ليس الله (المولود) من آخر، أما الابن هو الله المساوي حقًا للآب لكنه مولود منه. لذلك فالآب هو الله الذي ليس من الله، والنور الذي ليس من نور، بينما الابن هو إله من إله، نور من نور. القديس أغسطينوس 3. الصلاة والراحة "الحق الحق أقول لكم من يؤمن بي، فالأعمال التي أنا أعملها يعملها هو أيضًا، ويعمل أعظم منها، لأني ماض إلى أبي". (12) بعد أن كشف سرَّ وحدته الفريدة مع الآب، وأن ما ينطق به أو يعمله به إنما هي أعمال الآب الحالّ فيه، أوضح أن هذه الحقيقة تمس خلاصهم وحياتهم. هي إيمان فعّال يهبهم قوة فائقة لممارسة أعمال المسيح الساكن فيهم. فاستعلان الآب ومعرفته تقود المؤمن إلى اختبار أعمال الله فيه. وكما يقول الرسول بولس: "ليحل المسيح في قلوبكم... لكي تمتلئوا إلى كل ملء الله، والقادر أن يفعل كل شيء أكثر جدًا مما نطلب أو نفتكر، بحسب القوة التي تعمل فينا" (أف 3: 17-20). فالإيمان واهب المعرفة يبعث إلى خبرة الأخذ والامتلاك والممارسة حسب قوة الله. "لأن الله هو العامل فيكم أن تريدوا وأن تعملوا" (في 2: 13). هذا هو سرّ تعزية التلاميذ بعد أن عرفوا ترك السيد المسيح لهم فامتلأوا حزنًا، وشعروا أنهم كقطيعٍ بلا راعٍ، ليس لهم من يعينهم ولا من يسندهم، خاصة وأنهم يدركون مدى كراهية القيادات اليهودية لهم. لهذا أكد لهم السيد المسيح أنه لا يتركهم في ضعفٍ، بل يهبهم قوة لممارسة أعمالِ عظيمةٍ من معجزات وآيات تسندهم، فيمارسون ما يعمله وأعظم منها. هذا لن يقلل من شأنه، ولا يخلط بين شخصيته كابن الله الوحيد وشخصياتهم كأبناء بالتبني وتلاميذ له، لأن ما يفعلونه إنما باسمه، وبالإيمان به، وهذا لحساب مجده. فإنه ليس فقط صانع عجائب، وإنما واهب تلاميذه صنع العجائب. لماذا قال أنهم يعملون أعمال أعًظم منه؟ 1. هو صنع معجزات خلال الثلاث سنوات لخدمته على الأرض، أما هم فيعملون الآيات عبر الأجيال إلى انقضاء الدهر. هو صنع آيات في حدود المنطقة التي عاش فيها، أما هم فيصنعون آيات وعجائب في كل العالم حيث يكرزون. بعض الآيات لم يفعلها لأنه لم تكن هناك حاجة إليها مثل نقل جبل، وهذا تم على يد سمعان الخراز أيام المعز لدين الله الفاطمي. 2. هو قدم أساس الكرازة ودفع الثمن بالصليب، لكنه ترك الكرازة تنتشر بعد صعوده وحلول روحه القدوس، فظهر العمل أعظم حيث انتشر الإيمان في المسكونة كلها ولم يُحد باليهودية. أما سرّ قوتهم فهو كما يقول: "لأني ماضٍ إلى أبي" (12). سيكون شفيعًا لهم، يحملهم أمام الآب كأعضاء جسده. فيعملون بقوة الآب، ويرسل لهم المعزي الإلهي، الروح القدس العامل فيهم وبهم لحسابه. + إنها مشيئة الرب أن ينال تلاميذه قوات عظيمة. إنها إرادته أن ما فعله حين كان على الأرض يصنعه خدامه باسمه... أعطاهم سلطانًا أن يقيموا موتى. بينما كان يمكنه أن يرد لشاول بصره، إلا أنه أرسله إلى تلميذه حنانيا لكي ببركته تسترد عينا شاول البصر الذي فقده. القديس أمبروسيوس + لكي يظهر أنه ليس فقط قادرًا على فعل هذه الأمور، بل وما هو أعظم منها، إذ يصنعها بزيادة. إنه لم يقل: "أستطيع أن أفعل أمورًا أعظم من هذه" وإنما ما هو أكثر دهشة يقول: أنني أستطيع أن أعطي للآخرين أن يعملوا ما هو أعظم من هذه... بمعنى انه قد بقي لكم الآن أن تعملوا عجائبي لأني أنا ماض. + ألا تنظروا أنه هو الذي يعمل هذه؟ يقول: "أفعله"، وليس أسأل الآب، بل "الآب يتمجد بي"... كل العجائب التي فعلها (الرسل) إنما هو فعلها فيهم، وكانت يد الرب معهم (أع 11: 21). + ألا ترون سلطانه؟ الأمور التي يفعلها الآخرون، إنما هو يفعلها، فهل هو بلا سلطان في الأمور التي يفعلها بنفسه ما لم يفعلها بالآب؟ كيف يمكن أن يقال هذا؟ لكن لماذا وضع هذه بعدها؟ ليؤكد كلماته، ويظهر أن أقواله الأولى هي من قبيل تنازله. فقوله: "أنا ماضٍ إلي الآب" معناها "إنني لا أهلك، بل أبقي في كرامتي اللائقة بي، فإنني في السماء"، قال هذا كله لتعزيتهم. حيث يبدو أنهم لم يفهموا أحاديثه عن القيامة. فظنوه أمرًا كئيبًا، ففي أحاديث أخرى يعد بأنه يعطيهم مثل هذه الأمور، ملطفًا من حالهم بكل وسيلة، ومظهرًا لهم أنه يبقى على الدوام، ليس فقط يبقي، وإنما سيظهر لهم قوة أعظم. القديس يوحنا الذهبي الفم + أعتقد بصدق أنه يعمل "أعظم" عندما يغلب إنسان ما - وهو لم يزل في الجسد، ضعيف وسهل وقوعه - في معركته مع الجبابرة وفرق الشياطين، وليس سلاحه سوى إنجيل المسيح وإيمانه شخصيًا به. فيُعْتَبَرُ حينئذ أعظم من ذاك الذي يربحه بذاته. العلامة أوريجينوس + لقد وعد أنه هو نفسه سيعمل هذه الأعمال الأعظم. ليت العبد لا يفتخر على السيد. إنه يقول أنه سيعمل أعمالاً أعظم مما يعملها هو، لكنه هو عامل الكل، سواء التي فيهم أو بواسطتهم، وليس أنهم يعملون كما من أنفسهم. لذلك فإن التسبحة الموجهة إليه هي: "أحبك يا رب قوتي" (مز 18: 1). ولكن ما هي هذه الأعمال الأعظم؟ هل هي أنهم بظلهم إذ يسيرون يشفون المرضى (أع 5: 15)؟ لأن الشفاء بالظل أعظم من لمس هدب الثوب الحامل لقوة الشفاء (مت 14: 36). مع ذلك فإن ما يًمدح به هو القوة المؤثرة لكلماته. إذ في هذا يقول: "الكلام الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي، لكن الآب الحال فيَّ يعمل الأعمال" (10). أية أعمال يشير إليها إلاَّ الكلمات التي ينطق بها؟ كانوا يسمعون ويؤمنون وكان إيمانهم هو ثمرة هذه الكلمات عينها. بينما ثمرة ذات هذه الكلمات عندما بشر التلاميذ بالإنجيل لم يكن بالعدد القليل مثلهم بل آمنت أمم كثيرة، وبلا شك هذا عمل أعظم. + لقد أضاف للحال: "لأني ماضٍ إلى أبي، ومهما سألتم باسمي فذلك أفعله، ليتمجد الآب بالابن. إن سألتم شيئًا باسمي فإني أفعله" (12-14). ذاك الذي قال: "يعملها هو" عاد فقال: "أنا أفعله". كأنه يقول: "لا يبدو لكم هذا مستحيلاً، لأن من يؤمن بي لن يمكنه أن يكون أعظم مني، إنما أنا الذي أعمل الأعمال الأعظم مما أعمل الآن. إني أعمل أعمالاً أعظم بالذي يؤمن بي مما أعمله أنا بدونه. لكن أنا الذي أعمل به... انظروا لقد صنع أعمالاً أعظم حينما كرز به المؤمنون عما عمله عندما تكلم هو مع سامعيه. + إنه يعمل فينا، ولكن ليس بدوننا. القديس أغسطينوس "ومهما سألتم باسمي، فذلك أفعله، ليتمجد الآب بالابن". (13) يعود السيد المسيح فيؤكد أن ما يعملونه هو باسمه، بل هو فاعله، دون تجاهل دور الآب، فهو يوجه أنظارنا إلى الآب لنسأله. وبقوله: "مهما سألتم" يطالبنا أن نسأل الآب حسبما يليق بنا، بما يبدو لنا أنه أمر فائق جدًا. نطلب منه أن نصير بالحق أبناء له، نحمل أيقونة ابنه الوحيد، فيكون الابن هو برنا وقداستنا وفداءنا (1كو 1: 30). + يعمل الآب في الابن لكي يتمجد الابن في الآب، ويعمل الابن في الآب لكي يتمجد الآب في الابن، لأن الآب والابن هما واحد. القديس أغسطينوس "إن سألتم شيئًا باسمي، فإني أفعله". (14) إذ نرفق اسم المسيح بصلواتنا وطلباتنا التي نقدمها للآب، فنطلب برّ المسيح وقداسته يقوم المسيح نفسه بالعمل، إذ يقول: "فإني أفعله" (14). لأن استدعاء اسمه إنما هو استدعاء حضوره الإلهي، لهذا ففي كل الأسرار الإلهية كما في الصلوات الشخصية يعلن الكاهن أو المؤمن "باسم الآب والابن والروح القدس"، طالبًا حضرة الثالوث القدوس. تركه لهم بالجسد يقوي من مركزهم، لأنه هو يعمل فيهم لمجد الآب، يراهم الآب خلاله، فيستجيب كل طلباتهم. بمعنى أنه بصعوده ينالون إمكانية العمل بالآب والابن خلال روحه القدوس الذي يرسله إليهم. صعوده إلى السماء يزيل أية مسافة بينهم وبين الآب، لأن حضور الابن بالجسد الممجد هو حضور لهم كأعضاء في هذا الجسد. يطلبون لا خلال إمكانياتهم البشرية ولا استحقاقاتهم، بل باسم المسيح وخلال عمله الكفاري موضع سرور الآب. 4. المعزي الآخر "إن كنتم تحبونني، فأحفظوا وصاياي". (15) حدثنا قبلاً عن الإيمان كأساس للمعرفة الإلهية، والآن يضع البناء فوق الأساسات، وهو حفظ وصاياه. إن كان السيد المسيح من جانبه يحضركم فيه إلى الآب، فيُسر بهم، ويستجيب لطلباتهم، فمن جانبهم يلزمهم أن يحبوه ويحفظوا وصاياه. بهذا ينالون تعزية ليست بقليلةٍٍ، محبتهم العملية للسيد المسيح بحفظ وصاياه تهبهم قوة للعمل خاصة وسط الضيق. + نحتاج في كل موضع إلى كل من الأعمال والممارسات، وليس مجرد استعراض لكلمات... الله يطلب الحب الذي يظهر بالأعمال. لهذا السبب قال لتلاميذه: "من يحبني يحب وصاياي". فبعدما ما قال لهم: "إن سألتم شيئًا باسمي فإني افعله"، فلئلا يظنوا أن ذلك يتحقق بمجرد السؤال أضاف: "إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي". القديس يوحنا الذهبي الفم + إنه الروح المعزي هذا الذي وعد به المسيح تلاميذه. لكن لنلاحظ الطريق الذي فيه أعطى الوعد: "إن كنتم تحبونني، فاحفظوا وصاياي، وأنا أطلب من الآب فيعطيكم معزيًا آخر..." (15: 16). لكن كيف يمكننا أن نحب لكي نقبل ذاك الذي بدونه لا نقدر أن نحب الله (رو 3: 5) ولا أن نحفظ وصاياه؟... لنفهم أن من يحب هو بالفعل له الروح القدس، وأن به قد صار مؤهلاً لاقتناء ما هو أكمل، وبنوال ما هو أكثر نحب أكثر. + الوعد ليس باطلاً سواء بالنسبة للذي لم يقتنِ بعد الروح القدس أو من اقتناه. فإنه مقدم لمن ليس له لكي يقتنيه، ومن اقتناه لكي ينال بأكثر فيض. فإنه لو لم يُقتنِ بقياس أقل من الآخرين ما كان القديس اليشع يقول للقديس إيليا: "ليكن نصيب اثنين من روحك عليّ" (2مل 2: 9). القديس أغسطينوس "وأنا أطلب من الآب، فيعطيكم معزيًا أخر، ليمكث معكم إلى الأبد". (16) إذ يتمم عمل الفداء على الصليب، يصعد إلى السماء، ليرسل الروح القدس، ليهب كنيسته عذوبة الشركة في الصليب وخبرة قوة القيامة وعربون الحياة السماوية. هذا هو المعزي الآخر الذي يأخذ مما للسيد المسيح ويعطينا. عمل الروح القدس يستمر في حياة الكنيسة حتى انقضاء الدهر ليقدمها عروسًا تحمل أيقونة عريسها السماوي. كلمة "باراكليت" التي تترجم معزيًا تعني أيضًا محاميًا أو مدافعًا Advocate، فهو الذي يقف مدافعًا عن كنيسة المسيح ضد خصومها. السيد المسيح يدعو نفسه "معزيًا" إذ يلقب الروح القدس "المعزي الآخر" وقد دعا الترجوم Targum أيام المسيا بأيام التعزية. فالمسيح عزى تلاميذه حين كان معهم بالجسد، وإذ يفارقهم بالجسد يرسل لهم روحه القدوس معزيًا آخر. الطلب هنا أو الصلاة ليست طلبة كلامية، لكنه إذ يقدم نفسه ذبيحة حب عن البشرية صار من حق مؤمنيه أن يحل الروح القدس ويستقر فيهم، هذا الذي لم يعد مستقرًا في الإنسان منذ لحظة سقوطه في الخطية. هذه العطية التي هي بالحقيقة نوال واهب العطايا، عطية دائمة تلازم المؤمن حتى يعبر من هذه الحياة. لن يفارقه الروح القدس مادام يقبله فيه ويتجاوب معه. إذ سبق فقدم أساس المعرفة وهو الإيمان، ثم بنى على الأساس أعمال المحبة التي هي حفظ وصاياه، يبعث إلينا بروحه القدوس من عند الآب الذي وحده يقدر أن يحقق هذا كله. هنا يكشف السيد المسيح عن دور الثالوث القدوس المتكامل معًا لتحقيق خطة تمجيدنا الأبدي. فالآب الذي أرسل ابنه معزيًا يبذل نفسه خلاصًا للعالم، الآن يستقبله عند صعوده، فيستقبل الكنيسة الجامعة، من آدم إلى آخر الدهور، في شخصه بكونه الرأس. يستقبل المعزي الأول فيُسر به، إذ أكمل خلاص البشرية وأعلن عن حب الآب عمليًا، وإذ يستقبله في السماء، يبقى هذا المعزي متغربًا عن البشرية بالجسد لكنه حاضر على الدوام في وسط كنيسته المقدسة. ويطلب عنها أمام الآب ليرسل المعزي الآخر، الذي يحل في الكنيسة وينيرها ويقدسها ويقودها دون أن يفارق الآب أو ينفصل عنه. هكذا تظهر علاقة الحب المتبادل بين الثالوث القدوس العامل لخلاص البشرية ومجدها الأبدي. + فإن قلت: لِمً قال السيد المسيح: "وأنا أطلب من الآب"؟ أجبتك: لأنه لو قال: "أنا أرسله" لما صدقوه، لذلك قال هنا: "وأنا أطلب من الآب" حتى يجعل كلامه عندهم مؤهلاً لتصديقه. القديس يوحنا الذهبي الفم "روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله،لأنه لا يراه ولا يعرفه، وأما أنتم فتعرفونه، لأنه ماكث معكم ويكون فيكم". (17) إذ انطلق المعزي الأول، السيد المسيح، يطلب إرسال المعزي الآخر، روحه القدوس. وإذ صعد القائل: "أنا هو الحق" (14: 16) بعث إليهم "روح الحق". وكما رفض العالم المعزي الأول، الحق ذاته، هكذا يرفض المعزي الآخر، روح الحق. "بهذا نعرف أنه يثبت فينا من الروح الذي أعطانا" (1يو 3: 24). يهبنا الروح القدس مواجهة حادة بين روح العالم وروح الحق، إذ لا يطيق العالم الحق ولا يقبله ولا أن يراه، بل يقاومه. لا يقدر أن يراه أو يعرفه، لذلك: "إن أحب أحد العالم، فليست فيه محبة الآب" (1يو 2: 15). روح العالم هو روح البطلان والخداع، فما يقدمه من ممتلكات ومباهج وأفراح، سرعان ما يتحول إلى حرمان وأحزان ومرارة، بهذا لا يعرف الحق له موضعًا فيه. كما لا تجد محبة العالم لها موضعًا في الحق الأبدي السماوي. ما يقدمه الله هو الحق غير المتغير، لهذا يقول السيد المسيح: "سلامي أعطيكم، ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا" (يو 14: 27). "سأراكم أيضًا فتفرح قلوبكم، ولا ينزع أحد فرحكم منكم" (يو 16: 22). "من يشرب من الماء الذي أعطيه أنا فلن يعطش إلى الأبد" (يو 4: 13). هذه هي طبيعة الحق وهباته وعطاياه، التي لا تتناغم مع طبيعة العالم وروحه وعطاياه الزائلة. روح الحق هذا الذي لا يعرفه العالم هو موضوع معرفة المؤمنين، حيث يسكن ويستقر معهم، ويكون فيهم، يعرفونه معرفة الثبوت فيه. "روح الحق" الذي يشهد للمسيح الذي هو الحق، ويجتذب النفوس لقبول إنجيله، والتعرف على أسراره. "لا يستطيع العالم أن يقبله"، يقصد بالعالم الذين أحبوه فحملوا اسمه، هؤلاء الذين يجدون لذتهم في شهوات الجسد وشهوة العين وتعظم المعيشة (1يو 2: 16). هؤلاء مصابون بالعمى الروحي وفساد الفكر، فلا يقدرون أن يروا روح الحق أو يعرفوه. "وأما أنتم فتعرفونه"، جاء في الفولجاتا وبعض المخطوطات "فستعرفونه"، إذ يتهيأون بالإيمان به خاصة بعد قيامة السيد المسيح لمعرفة الروح القدس الموعود به، ويتمتعون بحلوله عليهم ليستقر فيهم، وذلك في يوم البنطقستي. إنه يجتذبنا دومًا إلى ما فوق أنفسنا. + ولكي إذا سمعوا "معزيًا آخر" لا يظنوا أيضًا شخصًا آخر، ويتوقعوا أن يروه بأبصارهم، تحاشى ذلك وقال: "الذي لا يستطيع العالم أن يقبله، لأنه لا يراه". القديس يوحنا الذهبي الفم + يرى السريان في الكلمات: "وكان الروح يرف فوق المياه"، كما لو أن الروح كان يعطي دفء الرعاية التربوية fostering، أي كان يهيئ طبيعة المياه لميلاد الكائنات الحية. في هذا يوجد برهان كافٍ على تساؤلات بعض الناس إن كان الروح القدس لم تنقصه القوة الخالقة. القديس باسيليوس الكبير + الحب العالمي (الزمني) ليس له تلك الأعين غير المنظورة بينما الروح القدس لا يمكن أن يُرى إلاَّ بالأعين غير المنظورة. + إنه يُرى بطريقة غير منظورة، ولا يمكن أن تكون لنا أية معرفة عنه ما لم يكن فينا. القديس أغسطينوس 5. ظهوره لهم "لا أترككم يتامى، إني آتي إليكم". (18) لقد تعلق به تلاميذه كأبناء صغار بأبيهم، لذلك وهو في طريق تركهم خلال الصليب والصعود إلى السماء يريد أن يؤكد لهم أنه لا يريد السيد المسيح أن يتركهم مثل اليتامى، أي كأطفالٍ محرومين من الأبوة والأمومة ومن الحنو العائلي والتوجيه والعون في الحياة، لا يريد أن يتركهم فريسة للبؤس والحرمان. بتركه إياهم خلال الصليب ثم القيامة فالصعود يبدو كمن صاروا في يُتم عظيم، إذ لم يعد بعد معهم حسب الجسد. لكنه يحول هذا اليُتم إلى بنوة جديدة فائقة، بإرسال روحه القدوس الذي يهب البنوة لله خلال المعمودية. كان اليهود يدعون المعلمين آباء والتلاميذ أبناءهم، فبترك السيد المسيح تلاميذه يصيرون كمن هم بلا أب، وإذ هو سالك في طريق الموت، وبعد ذلك الصعود إلى السماء يرسل لهم المعلم الآخر والمعزي والمدافع عنهم وقائدهم في الطريق للتمتع بالأبوة الإلهية. لن يشعروا بحرمانٍ ما، لأن روحه القدوس يمكث معهم. أما من جهته هو فسيأتي إليهم بعد موته بقيامته وظهوره لهم، كما يأتي إليهم بعد صعوده في مجيئه الأخير ليحملهم إلى المجد. إنه يأتي أيضًا إلينا على الدوام بروحه، حاضر في قلوبنا، وفي وسطنا. + لأن التلاميذ إذ لم يعرفوا معنى ما قيل لهم، ولا نالوا تعزية كافية، قال لهم السيد المسيح: "لا أترككم يتامى"، لأنهم طلبوا هذا الأمر أكثر من كل شيء. وقول السيد المسيح لتلاميذه: "إني آتى إليكم" يوضح لهم مجيئه إليهم ثانية. القديس يوحنا الذهبي الفم "بعد قليل لا يراني العالم أيضًا، وأما أنتم فترونني. إني أنا حي، فأنتم ستحيون". (19) كان العالم يراه خلال تجسده، لكنه لم يره قط بعدم إدراكه للاهوته. الآن إذ يُصلب ويموت لا يعود العالم يراه، لا حسب الجسد ولا حسب لاهوته، إذ يختفي عنه. أما التلاميذ فيحرمون إلى حين من رؤية جسده، لكنهم يرون أسراره الإلهية، ويختبرون قيامته عاملة فيهم، فيحيون كما هو حي، بل هو يتمتعون بالحياة عينها. يقولون مع الرسول بولس: "أحيانا مع المسيح" (أف 2: 5)؛ "فأحيا لا أنا، بل المسيح يحيا فيَّ" (غل 2: 20). + كأنه يقول لهم: إنني سأجيء إليكم ليس مثلما جئت أولاً. وقوله: "إني أنا حي، فأنتم ستحيون"، كأنه يقول لهم: لأن الصليب لا يفصل بيننا إلى النهاية، لكنه يخفيني مدة قليلة فقط. وعلى حسب ظني أن السيد المسيح لا يقصد بالحياة الحياة الحاضرة فقط، لكن الحياة المستقبلة أيضًا. القديس يوحنا الذهبي الفم + كنا أمواتًا عنه حينما عشنا لأنفسنا، ولكن إذ مات لأجلنا يحيا هو لنفسه ولأجلنا. لأنه إذ يحيا، نحن أيضًا نحيا. بينما كنا قادرين بأنفسنا أن نموت، فإنه ليس بأنفسنا نستطيع أن نقتني الحياة. القديس أغسطينوس "في ذلك اليوم تعلمون إني أنا في أبي، وأنتم فيّ، وأنا فيكم". (20) كما أقوم من الأموات تقومون أنتم أيضًا. قيامتي هي تأكيد لقيامتكم. وإذ أنا حي أشفع فيكم لدى الآب. لن يقدر الموت أن يحطمكم، بل تحيون بنعمتي وتتمتعون بشركة مجدي. بعد موته لم يقدر غير المؤمنين أن يروه، أما بالنسبة للمؤمنين فترآى لهم في ظهورات كثيرة، وإلى اليوم يتمتع المؤمنون برؤيته في أعماقهم. لازال المسيح حيًا في حياة الكنيسة وحياة مؤمنيه، يختبر المؤمنون حياة المسيح الساكن فيهم. بقوله: "أنتم فيَّ" يعلن أنه أخذ البشرية فيه بتجسده، وبقوله: "وأنا فيكم" يعلن أنه صار فينا حيث ننعم بشركة الطبيعة الإلهية. أخذنا فيه أعضاء جسده، ووهبنا إياه فينا بإقامة ملكوته داخلنا. وهبنا سرّ الافخارستيا حيث قال: "من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت فيَّ وأنا فيه" (يو 6: 56)، "فمن يأكلني فهو يحيا بي" (يو 6: 57). + بالنسبة للآب تشير هذه الكلمات إلى الجوهر (الإلهي الواحد)، وأما بالنسبة للتلاميذ فتشير إلى وحدة الفكر وإلى العون الإلهي. القديس يوحنا الذهبي الفم + الآن أيضًا هو فينا ونحن فيه، هذا ما نؤمن به الآن، أما حينئذ فإننا سنعرف أيضًا هذا. وإن كنا ما نعرفه الآن هو بالإيمان، أما ما سنعرفه فسيكون بالرؤية الفعلية. القديس أغسطينوس "الذي عنده وصاياي ويحفظها، فهو الذي يحبني، والذي يحبني يحبه أبي، وأنا أحبه، وأظهر له ذاتي". (21) الشهادة الحقيقية لحبنا للسيد المسيح هو الطاعة لوصيته أو ناموسه، كحبٍ ملتزمٍ وقورٍ مطيعٍ، يجعل الإرادة متناغمة مع إرادة المحبوب، والسلوك متفق مع الحكمة الإلهية. 1. أما ثمرة هذا الحب العملي، فهو تمتع المؤمن بحب الآب له، وحنوه واحتضانه لهم. فالآب يحب الابن، ويحب محبوبيه. 2. ويتمتع أيضًا بحب المسيح له "وأنا أحبه" (21)، كأخٍ ومخلصٍ له، يهبه المغفرة ويمتعه بالحياة المحيية. 3. كما يتمتع بإعلان الابن ذاته له، "وأُظهر له ذاتي" (21). إذ يشرق بنوره على الفكر كما على القلب، ويتمتع المؤمن باستنارة روحية. هكذا يربط السيد المسيح التمتع بالحب الإلهي بالحياة العملية الاختبارية خلال حفظ الوصية الإلهية، كما يربطه بالكشف الإلهي أو الظهور الإلهي الذي يعلن الروح القدس، روح الاستنارة. هكذا من يود أن يرى الله يلزمه أن يحب، وأن يترجم الحب إلى خبرة الوصية الإلهية. + لا يكفينا أن نقتني الوصايا فقط، لكننا نحتاج إلى حفظ مستقصى وبليغ لها. القديس يوحنا الذهبي الفم + الذي عنده (وصاياي) في ذاكرته ويحفظها في حياته؛ الذي عنده في شفتيه ويحفظها سلوكيًا؛ الذي عنده في أذنيه ويحفظها في العمل؛ الذي عنده في الأعمال ويحفظها بالمثابرة، مثل هذا "يحبني". بالعمل يعلن الحب، وبالتطبيق بغير ثمر يكون مجرد الاسم (للحب). القديس أغسطينوس + كل كلمة من كلمات المسيح تكشف عن مراحم اللّه وبره وحكمته، ويمكن أن تكون لهذه الكلمة قوتها في النفس عن طريق الأذن إن أصغت إليها طوعًا. هذا هو السبب في أن الإنسان القاسي القلب والشرير الذي لا يصغي إليها طوعًا ليس فقط لا يدرك الحكمة الإلهية، بل ويصلب (يسوع) الذي علّم بها. لذلك يجب علينا أيضًا أن ننظر إن كنا نصغي إليه طوعًا، إذ قال: "إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي... الذي عنده وصاياي ويحفظها فهو الذي يحبني، والذي يحبني يحبه أبي، وأنا أحبه، وأظهر له ذاتي" (يو 15:14، 21). ألا ترى كيف أنه يجعل في وصاياه مكمنًا لإعلان ذاته؟ إن أعظم الوصايا هي أن تحب اللّه والقريب، تلك التي تأتي بعدما نرفض كل الأمور الزمنية ويستقر ذهننا. القديس مرقس الناسك "قال له يهوذا ليس الاسخريوطي: يا سيد ماذا حدث حتى أنك مزمع أن تظهر ذاتك لنا وليس للعالم؟" (22) إذ قدم السيد المسيح هذه الوعود الإلهية عبَّر أحد التلاميذ عن دهشتهم أنه يظهر ذاته لهم دون العالم. هذا ما عبَّر عنه "يهوذا ليس الاسخريوطي"، وهو أخ يعقوب (لو 6: 16)، أحد أقرباء يسوع المسيح حسب الجسد (مت 13: 55)، كاتب رسالة يهوذا. دُهش يهوذا إذ شعر بأنه ومعه بقية التلاميذ نالوا نعمة فائقة وإعلانًا لشخص المسيا وعمله، الأمور التي لم يتمتع بها العالم. لكن يبقى أن نتساءل: هل كان يهوذا يدرك في هذه اللحظات إعلان السيد المسيح عن نفسه، أم كان لا يزال يفكر فيه كملكٍ أرضيٍ، ويتلامس معه خلال الجسد وحده، بينما كان السيد يود أن يسحب كل أفكارهم نحو السماء؟ يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن السيد المسيح وقد وعدهم أنه يظهر ذاته لهم، ظنوا أنه يترآى لهم في أحلام، إذ لم يتخيلوا أنه يقوم من الأموات، ويصعد حقيقة إلي السماء. حسبوه يظهر في أحلامهم كخيالات، وإذ لم يجسروا أن يسألوه صحح مفاهيمهم بأنه يأتي هو والآب ويسكنا فيهم، كما لو كانوا منزلاً لهما. + ألا ترون كيف صارت نفوسهم تعاني من الخوف؟ فقد صار (يهوذا) مرتبكًا وفي ضيق، حاسبًا أنه سيرى كما نرى أجسادًا ميته في حلمٍ. فلكي يزيل عنهم هذا التصور اسمع ما يقوله: "إليه نأتي، وعنده نصنع منزلاً" (23)... هذا أمر لا ينتمي إلي أحلام. القديس يوحنا الذهبي الفم "أجاب يسوع وقال له: إن أحبني أحد يحفظ كلامي، ويحبه أبي،وإليه نأتي،وعنده نصنع منزلاً". (23) بدأ يوجه حديثه لا إلى تلاميذه وحدهم، بل إلى كل المؤمنين الذين يحبونه، ويظهر أن الوعد الإلهي عام للكل، وأنه لا يسكن معه الآب، إذ يقيم من القلب مسكنًا أو هيكلاً إلهيًا. والعجيب أنه بينما يدهش يهوذا لإعلان السيد المسيح عن ذاته، يتكلم السيد المسيح بالجمع عن نفسه ومعه الآب، وكأنه يود أن يربط أذهان المؤمنين بوضعه الحقيقي أنه صاعد إلى الآب، وكائن معه. كأنه يقول لهم: أتريدون أن أعلن لكم ذاتي؟ إني غير منفصل عن الآب! أمكث معه في السماء، وإذ أحل في قلوبكم نحل نحن معًا فيها. + المواهب التي يقسمها الروح القدس لكل واحدٍ تُمنح من الآب بالكلمة. لأن كل ما للآب هو للابن أيضًا. إذًا فتلك التي تُمنح من الابن في الروح القدس هي مواهب الآب. وعندما يكون الروح القدس فينا يكون فينا أيضًا الكلمة الذي يمنح الروح القدس، والآب الذي هو في الكلمة. وهذا يتفق مع ما قيل: "إليه نأتي، أنا والآب، وعنده نصنع منزلاً" (يو 23:14). لأنه حيث يوجد النور يوجد أيضًا الشعاع، وحيث يوجد الشعاع، يوجد أيضًا نشاطه، وتوجد نعمته الخافقة. هذا ما نادي به أيضًا الرسول عندما كتب لأهل كورنثوس في الرسالة الثانية: "نعمة ربنا يسوع المسيح، ومحبة اللَّه، وشركة الروح القدس مع جميعكم" (2 كو 13:13). لأن هذه النعمة والموهبة التي تمنح، إنما تمنح في الثالوث من الآب بالابن في الروح القدس. وكما أن النعمة المعطاة هي من الآب بالابن، هكذا لا يمكننا أن نشترك في الموهبة إلا في الروح القدس. لأننا عندما نشترك فيه تصبح لنا محبة الآب ونعمة الابن وشركة الروح القدس نفسه. هذه الحقيقة أيضًا تبين أن عمل الثالوث واحد. فالرسول لا يعني أن ما يُعطي يُعطي بالتجزئة وعلي حدةٍ من كل أقنوم، بل أن ما يُعطي يُعطي في الثالوث، وإن كل ما يُعطي هو من اللَّه الواحد. القديس أثناسيوس الرسولي + برهان الحب هو إعلانه خلال العمل. هذا هو السبب الذي لأجله يقول يوحنا في رسالته: "من قال قد عرفته وهو لا يحفظ وصاياه فهو كاذب" (1 يو 2: 4). حبنا حقيقي أن حفظنا إرادتنا متناغمة مع وصاياه. من يجول هنا وهناك خلال شهواته الشريرة لا يحب الله بالحق، لأنه يضاد الله في إرادته. البابا غريغوريوس (الكبير) + يوجد هنا نوع من الإعلان الداخلي عن الله، الأمر الذي لا يُعرف نهائيًا بالنسبة للأشرار الذين لا يقبلون أي إعلان عن الله الآب والروح القدس، وهكذا أيضًا بالنسبة للابن الذي لا يعرفون عنه إلاَّ ما هو بالجسد... ويكون لهم ذلك للدينونة لا للفرح، للعقوبة لا للمكافأة. + لئلا يظن أحد أن الآب والابن وحدهما دون الروح القدس يصنعان لهما منزلاً لدى الذين يحبونهما، فليتذكر ما قيل قبلاً عن الروح القدس: "لا يستطيع العالم أن يقبله، لأنه لا يراه ولا يعرفه، وأما أنتم فتعرفونه، لأنه ماكث معكم، ويكون فيكم" (17). هنا ترون أن الروح القدس أيضًا مع الآب والابن يجد له مسكنًا في القديسين، أي بكونه الله في هيكله. يأتي الثالوث القدوس إلينا كما نأتي نحن إليه. هو يأتي بالعون، ونحن نأتي بالطاعة، هو يأتي لينير، ونحن نأتي لنرى. هو يأتي ليملأ، ونحن نأتي لكي نحتويه، فلا تكون رؤيتنا له خارجية بل داخلية. سكنى الثالوث ليست مؤقتة بل أبدية. لا يعلن الابن نفسه هكذا بهذه الطريقة للعالم. فإن العالم الذي تكلم عنه في عبارة سابقة يضيف إليه فورًا القول: "الذي لا يحبني لا يحفظ كلامي" (24). الذين هم هكذا لن يروا الآب والروح القدس، وإنما يروا الابن إلى حين لا كمصدر بركة بل لدينونتهم. لا يروه في شكل الله الذي فيه هو مساوٍ للآب والروح القدس، غير منظور معهم، بل الشكل البشري، الذي بإرادته كان موضوع استخفاف في آلامه ويكون موضوع رعب في دينونة العالم. + السكنى التي وعد بها في المستقبل من نوعٍ ما... سكنى روحية تتحقق داخليًا في الذهن، والأخرى (الخاصة برؤية السيد المسيح أثناء خدمته على الأرض) جسدية مُعلنة خارجيًا للعين والأذن. واحدة تجلب بركة أبدية للذين يقبلونها، والأخرى خاصة بالزمن للذين ينتظرون الخلاص. بالنسبة لواحدة لن ينسحب الرب ممن يحبونه، وبخصوص الأخرى يأتي ويذهب. إنه يقول: "بهذا كلمتكم، وأنا عندكم" (25)، أي حضور جسدي فيه يتحدث معهم بطريقة منظورة". القديس أغسطينوس + يسكن روح المسيح في من يحملون شبهه، أقول، من جهة الشكل والسمات... فيقدم اللَّه في وعوده للأبرار: "إني سأسكن فيهم، وأسير بينهم، وأكون لهم إلهًا، وهم يكونون لي شعبًا" (2كو 16:6؛ لا 12:26؛ إر 33:3، 38:32؛ زك 8:8). ويقول المخلص: "إن أحبني أحد يحفظ كلامي، ويحبه أبي، وإليه نأتي، وعنده نصنع منزلاً" (يو 23:14)... وفي أجزاء أخرى من الكتاب المقدس يتحدث عن سرّ القيامة، للذين قد فُتحت آذانهم إلهيًا، ويقول إن الهيكل الذي تمّ تدميره يُعاد بنائه من جديد من أحجار حية وثمينة. هذا يجعلنا نفهم أن كل من تقودهم كلمة اللَّه إلى الكفاح معًا في طريق التقوى يكونون حجارة ثمينة في هيكل اللَّه العظيم الواحد. لذلك يقول بطرس الرسول: "كونوا أنتم أيضًا مبنيين كحجارةٍ حيةٍ، بيتًا روحيًا، كهنوتًا مقدسًا، لتقديم ذبائح روحية مقبولة عند اللَّه، بيسوع المسيح" (1 بط 5:2). ويقول أيضًا بولس الرسول: "مبنيين على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه، حجر الزاوية" (أف 20:2). كما يوجد ما يشبه ذلك بتلميحٍ خفي في تلك الفقرة من إشعياء التي يخاطب فيها أورشليم: "هأنذا أبني بالأثمد حجارتكِ، وبالياقوت الأزرق أؤسسكِ، وأجعل شُرَفَكِ ياقوتًا، وأبوابكِ حجارة بهرمانية، وكل تخومك حجارة كريمة، وكل بنيك تلاميذ الرب، وسلام بنيكِ كثيرًا" (إش 11:54-14). إذن يوجد بين الأبرار من هم أثمد، ومن هم ياقوت أزرق، وآخرون بهرمان، أو حجارة كريمة، أي فيهم كل الأنواع للاختيار... العلامة أوريجينوس "الذي لا يحبني لا يحفظ كلامي، والكلام الذي تسمعونه ليس لي، بل للآب الذي أرسلني". (24) إذ تحدث عن شوقه نحو مجيئه مع الآب إلى قلوبهم وسكناهما فيها كهيكل مقدس يحذرهم من محبة العالم مباهجه الباطلة التي تحرمهم من حفظ كلامه الذي هو كلام الآب، بهذا يعلنون عن حبهم للظلمة لا للنور. فلن يكون له ولا للآب موضع فيهم. + كأن السيد المسيح يقول: فمن هذه الجهة من لا يحفظ هذه الأقوال ليس من شأنه أنه لا يحبني فقط، لكنه ولا يحب أبي أيضًا، وإن كانت هذه دلالة الحب وهي الاستماع للوصايا، وهذه وصايا أبي، فمن يسمعها لا يحب الابن فقط، لكنه يحب معه أباه. القديس يوحنا الذهبي الفم 6. المعزي المعلم "بهذا كلمتكم وأنا عندكم". (25) يشجعهم السيد المسيح على قبول المعزي الآخر بكونه المعلم الذي لا ينافسه، بل يذَّكرهم بما قاله السيد، ويكشف لهم عن أسرار أخرى "يعلمكم كل شيء" (26)، لأنه روح الحكمة. إنه لا يأتي بإنجيل جديد، بل يذكرهم بإنجيل المسيح، ويعلن لهم ما لم يكونوا قادرين على قبوله قبلاً. "وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي، فهو يعلمكم كل شيء، ويذكركم بكل ما قلته لكم". (26) + يدعو الروح القدس معزيًا بسبب الهموم التي استحوذت عليهم حينئذ. وهذه الأقوال قالها السيد المسيح لتلاميذه مكلفًا إياهم أن يحتملوا مفارقته بأوفر صبرٍ، إذ هي علة نعمٍ عظيمةٍ صالحةٍ لهم. القديس يوحنا الذهبي الفم + لا يسكن الروح في إنسانٍ بدون الآب والابن، ولا الابن أيضًا بدون الآب والروح القدس، ولا الآب بدونهما. سكناهم غير منفصل، لكن أحيانًا يعلنون عن أنفسهم برموزٍ مقتبسة من الخليقة منفصلين، ليس في جوهرهم. القديس أغسطينوس + أرسل كل من الآب والابن الروح القدس. أرسل الآب الروح القدس، إذ كُتب: "وأما المعزّي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي" (16). وأرسله الابن إذ قال: ومتى جاء المعزّي الذي سأرسله أنا إليكم من الآب، روح الحق" (26:15). إذن إن كان الابن والروح القدس يرسلان بعضهما البعض، كما يرسل الآب، فلا يوجد منزله أقل بالخضوع بل شركة في السلطة. القديس أمبروسيوس + الكلمة اليونانية "باركليت" معناها في اللاتينية "محامي" أو "معزي". دعي المحامي، لأنه يتدخل أمام عدالة الآب لحساب الخطاة المخطئين. هذا الذي هو جوهر واحد مع الآب والابن، قيل أنه يتوسل بغيرة من أجل الخطاة، إذ يجعل الذين يعلمهم أن يفعلوا هذا. لذلك يقول بولس: "الروح نفسه يشفع فينا بأنات لا يُنطق بها" (رو8: 26)... هذا الروح نفسه يُدعى المعزي، لأنه إذ يعد رجاءً في الغفران للذين يحزنون على خطاياهم. إنه يرفع قلوبهم من الحزن والضيق. إنه يعد أنه يعلمهم كل شيء، لأنه إن لم يكن الروح حاضرًا في قلب المستمع يكون قول المعلم بلا نفع. لا يليق بأحدِ أن ينسب لمعلمه ما يفهمه منه، لأنه ما لم يوجد المعلم الداخلي يجهد المعلم الخارجي نفسه باطلاً. يقول يوحنا: "وأما أنتم فالمسحة التي أخذتموها منه ثابتة فيكم، ولا حاجة بكم إلى أن يعلمكم أحد، بل كما تعلمكم هذه المسحة عينها عن كل شيء... كما علمتكم تثبتون فيه" (1 يو 2: 27). لا يتعلم أحد بصوتٍ عندما لا يُمسح قلبه بالروح. "يذكركم بكل ما قلته لكم"، إذ يهبكم المعرفة ليس كمن هو أقل بل بكونه يعرف ما هو خفي. البابا غريغوريوس (الكبير) الكنيسة هي تمتع بالشركة في سرّ الثالوث القدوس. إنها عطية الحب والحياة من أب الأنوار، حضور المسيح وتذكره في الصلاة، وشهادته وخدمته لقوة الروح القدس المقدَّس الذي يقود الكنيسة وأبناءها إلى كمالهم خلال صوت الروح الداخلي. يقول مار اسحق أسقف نصيبين: [عندما يؤسس الروح سكناه في إنسان، لا يتوقف الأخير عن الصلاة، لأن الروح لا يتوقف عن الصلاة فيه]. + إذ أبدأ في التأمل في الوحدة يغمرني الثالوث بإشراقه. وما أن أبدأ في التفكير في الثالوث حيث تستولي عليّ الوحدة. حينما يظهر لي أحد الثالوث أظن أنه الكل، يملأ عيني بالكامل، يهرب الفيض مني. ولا يكون في ذهني المحدود جدًا في إدراكه أقنوم واحد موضع لأكثر من ذلك. عندما اربط الثلاثة في فكر واحدٍ أرى لهيبًا واحدًا، فلا أستطيع أن أُقسّم النور الواحد ولا أحلّله. القديس غريغوريوس النزينزي + الثالوث القدوس كله يتكلم ويعلم (يو 6: 45؛ مت 23: 10؛ أع 10: 20)... لكنهم غير منفصلين. القديس أغسطينوس الكنيسة والثالوث القدوس الكنيسة هي البيئة الإلهية التي تعمل فيها النعمة، وتقدم الخلاص. إننا وحدنا الذين نعرف أن الكائن البشري حسب تعبير القديس أغسطينوس "امتداد للعائلة الثالوثية"، بمعنى عندما يفكر اللَّه في الإنسان بكونه أيقونته، فإن يسوع المسيح يحتل المركز الأول. لهذا هذا الإنسان يحكمه نفس الديناميكيات كالثالوث نفسه، أي الحرية والوحدة والحب. إننا وحدنا نعرف صورة اللَّه هذه التي تتحقق في طوق إلهي، تتطلب منا ما فوق في الطبيعة. يلزمنا أن نتحرك إلى ما فوق الصراع من أجل الحياة، ونتعدى المركزة على ذواتنا، ليكون لنا تطلعًا نحو المشاركة وتحقيق جوهري لكل الإنسانية. يرى القديس غريغوريوس النزينزي أن العهد القديم أعلن عن الآب علانية، وعن الابن بطريقة أكثر غموضًا. وأعلن العهد الجديد عن الابن، وأوحى بلاهوت الروح القدس. وهكذا جاء الإعلان عن الثالوث تدريجيًا، لئلا يصير الشعب أشبه بأناس تثقّلوا بطعام أكثر من طاقتهم، وقدّموا نور الشمس لأعينهم الضعيفة جدًا عن رؤيته، لئلا يحدث خطر فقدان حتى ما هو في حدود طاقتهم، وإنما كما يقول داود بالتدريج يصعدون ويتقدمون وينمون من مجدٍ إلى مجدٍ، فيشرق نور الثالوث على الذين يستنيرون. + إننا نحفظ بكل اهتمام الإيمان الذي نتسلمه من الكنيسة، فإنه خلال عمل روح اللَّه، يكون وديعة ثمنها عظيم، مودعة في إناءٍ صالحٍ، تتجدد بغير انقطاع، وتجعل الإناء الذي يحفظها متجددًا. تُمنح عطية اللَّه (الروح القدس) للكنيسة كالنسمة التي قُدمت للإنسان في خليقته، حتى يشترك كل الأعضاء فيها ويحيون بها. في الكنيسة تودع الشركة مع المسيح أي الروح القدس، عربون عدم الفساد، ثبات إيماننا، سلم للصعود إلى اللَّه... فإنه حيث توجد الكنيسة يكون أيضًا روح اللَّه، وحيث يوجد روح اللَّه تكون الكنيسة وكل نعمة. + وعد الرب بالأنبياء أن يسكب روحه على خدامه وخادماته في نهاية الأزمنة هذه. هذا هو سبب نزوله على ابن اللَّه الذي صار ابن الإنسان، إذ صار معتادًا به أن يسكن في الجنس البشري ويستقر على البشريين، وأن يحيا في خليقة اللَّه، يجددهم من العتق إلى جدة المسيح... لهذا السبب وعد الرب أيضًا أن يرسل الباراكليت الذي يهيئنا للَّه. + كما أن الدقيق الجاف لا يقدر بدون سائل أن يصير عجينًا أو خبزة واحدة، هكذا نحن الكثيرون لا نقدر أن نصير واحدًا في المسيح بدون الماء الذي من السماء. هذا الماء تقَّبله الرب كهبة من الآب، والذي هو يعطيه أيضًا للذين يشتركون معه، مرسلاً الروح القدس على كل الأرض. + يصف الكهنة تلاميذ الرسل مسيرة الذين يخلصون وخطوات صعودهم، فيصعدون بالروح إلى الابن، وبالابن إلى الآب، وأخيرًا يرد الابن عمله للآب كقول الرسول (1 كو 15: 24). + الآب يخطط ويعطي أوامر، والابن يحقق ويخلق، بينما الروح ينعش وينمي، وعلى درجات يصعد الإنسان نحو الكامل. + إذ ينشط التلاميذ بذات المشاعر يسبحون اللَّه، فيجلب الروح القبائل البعيدة إلى الوحدة، ويقدمون للآب بكور الأمم. هذا أيضًا هو السبب الذي لأجله وعد الرب بإرساله الباراكليت إلينا هذا الذي يهيئنا للَّه. + كما أن الأرض القفر لا تقدر أن تأتي بثمرٍ ما لم تستقبل ماءً، هكذا نحن الذين كنا قبلاً خشبًا جافًا، ما كان يمكننا أن نحمل ثمر للحياة بدون المطر الفياض الذي من العلا. لأن أجسادنا تتقبل الاتحاد مع عدم الفساد خلال غسل المعمودية، وأما نفوسنا فخلال الروح. هذا هو السبب الذي لأجله أن هذا وذاك ضروريان، لأن هذا وذاك يساهمان في الحياة الإلهية. القديس إيريناؤس + لا نزال نحتاج إلى آخر يكشف لنا، ويعلن عن كل شيء... ومع التوبة التي كرز بها الرب والمخلص، والتحول من الشر إلى الصلاح، ومع غفران خطايانا الذي يُوهب لكل الذين يؤمنون، مع هذا فإن كمال كل الصلاح ومجمله في هذا: أنه بعد كل هذه الأمور يتأهل الإنسان أن يتقبل نعمة الروح القدس، وإلا فإنه لا يوجد شيء ما يُحسب كاملاً بالنسبة لمن ينقصه الروح القدس الذي به نبلغ سرّ الثالوث المطوّب. العلامة أوريجينوس + يُقاد حاملو الروح القدس إلى الكلمة، أي إلى الابن. لكن الابن يأخذهم ويقدمهم إلى الآب، والآب يمنحهم عدم الفساد. فبدون الروح لا يتم الاقتراب إلى الآب... لأن معرفة الابن تتم بالروح القدس، لكن الابن حسب مسرة الآب يمنح مواهب الروح حسب إرادة الآب، للذين يريد لهم لذلك. دليل الكرازة الرسولية عطية الروح القدس تعلن لنا حسبما نسعى ونطلب + هذه العطية (الروح القدس) التي في المسيح هي واحدة، تقدم بالكامل للكل، ولا يُحرم أحد منها، ولكن كل واحد يأخذها حسب قياس إرادته في قبولها. إنها تقطن داخلنا حسب درجة ما يتأهل الإنسان لها بطلبه إياها في غيرة. هذه العطية تبقى معنا حتى نهاية العالم، عزاءً لترقبنا لها، وسلامُا بواسطة الامتيازات التي تهبنا إياها، على رجاء أنها تصير لنا نور أذهاننا، وشمس نفوسنا. هذا الروح القدس يلزمنا أن نطلبه، ونشتاق إليه، عندئذ نتمسك به بالإيمان والطاعة لوصايا اللَّه. القديس هيلاري أسقف بواتييه + تصعد طريق الحكمة الإلهية من الروح الواحد بالابن الواحد إلى الآب الواحد. هكذا الصلاح الطبيعي، والقداسة الموروثة، والكرامة الملوكية تبلغ من الآب بالابن الوحيد إلى الروح. + عندما نثَّبت عيوننا خلال قوة الإنارة (التي للروح) على جمال صورة اللَّه غير المنظور (على الابن)، وبالصورة نُقتاد إلى الجمال الفائق للأصل (للآب)، عندئذ روح المعرفة الذي فينا لا ينقسم بالنسبة للذين يحبون رؤية الحق، بل يهبهم فيه قوة رؤية الصورة... إنه لا يعينها في الخارج، بل يقودهم إلى المعرفة في نفسه. + إنه لا يقطن فيهم (الخطاة)، لأنهم يرفضون بسهولة النعمة التي يتقبلونها. القديس باسيليوس الكبير 7. فرح المسيح برحيله "سلامًا أترك لكم، سلامي أعطيكم. ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا. لا تضطرب قلوبكم ولا ترهب". (27) ماذا ترك السيد المسيح لتلاميذه الذين تركوا كل شيء وتبعوه؟ "سلامي أعطيكم" (27). إنه يتركهم ليس في حزنٍ ومرارةٍ، بل في سلام ليهبهم ميراثًا ثمينًا، هو سلامه! هو نفسه سلامنا (أف 2: 14)، أورثنا ذاته سلامًا لنا. إنه لا يقدم السلام كما يقدمه العالم، تحية كلامية شكلية، بل بركة حقيقية تتمثل في تقديم ذاته لمؤمنيه. هذا السلام لا يمكن للعالم بكل إمكانياته أن يقدمه ولا بكل أحزانه أن يسحبه من المؤمن. لأن ما يعطيه العالم يمس الجسد ويُحد بالزمن والمكان، أما سلام المسيح فيحتضن كيان الإنسان كله، ولا يقدر زمن ما أو مكان ما أن يحده. إنه يسحب أعماق الإنسان لتختبر الأبدية. "لا تضطرب قلوبهم ولا ترهب"، لأن سلام المسيح أبدي، ليس من قوة تقدر أن تنزعه عن الإنسان المتمسك به. سلام العالم قد يدفع الإنسان إلى الخطية، سواء من جهة الملذات أو الكبرياء، أما سلام المسيح فهو عمل النعمة الغنية التي تحفظ الإنسان في القداسة والبر. لكي يسحب قلوب تلاميذه إلى الفرح الأبدي والسلام السماوي، تحدث معهم كمن يتهلل بعودته إلى السماء، واهبًا إياهم سلامه كي يمتلؤا به ويفرحوا بصعودهم معه. + إذ اضطرب التلاميذ عند استماعهم قول السيد المسيح: "أنا أمضي لأعد لكم مكانًا"، متصورين أن انصرافه عنهم يثير العداوة والحروب عليهم، أنظر كيف إنه نزع ارتياعهم، فقال: "سلامًا أترك لكم، سلامي أعطيكم"، فأوشك أن يقول: "مادام السلام يشملكم فما الذي يضركم من العالم؟" القديس يوحنا الذهبي الفم + إنه يترك لنا سلامًا وهو راحل، وسيقدم لنا سلامه عندما يأتي في النهاية. سلامًا يتركه لنا في هذا العالم، وسلامه سيهبنا في العالم الآتي. يترك لنا سلامه، وإذ نسكن فيه نهزم العدو. سيهبنا سلامه عندما لا يوجد بعد أعداء نحاربهم فنملك كملوك. سلامًا يترك لنا حتى نحب أيضًا بعضنا البعض هنا، وسيعطينا سلامه حين نكون فوق إمكانية حدوث نزاع. سلامًا يتركه لنا حتى لا يدين الواحد الآخر فيما هو سرّ لكل منهما ونحن على الأرض؛ سيهبنا سلامه عندما "يُظهر آراء القلوب وحينئذ يكون المدح لكل واحدٍ من الله" (1كو 4: 5). ومع هذا ففيه ومنه ننال السلام سواء الذي يتركه لنا وهو ذاهب عند الآب أو ما سيمنحنا إياه عندما يحضرنا إلى الآب. وماذا يترك لنا عندما يصعد من عندنا سوى حضوره الذي لن يسحبه منا؟ فإنه هو سلامنا الذي يجعل كلاهما واحدًا (أف 2: 14). لذلك يصير هو سلامنا، سواء عندما نؤمن بأنه هو، أو عندما نراه كما هو (1يو 3: 2). لأنه إن كان ونحن بعد في هذا الجسد الفاسد الذي يثقل على النفس ونسير بالإيمان لا بالعيان لا يترك الذين يرحلون وهم بعيدون عنه (2كو 5: 6-7)، كم بالأكثر عندما نبلغ تلك الرؤية، سيملأنا بنفسه. + السلام الذي يتركه لنا في هذا العالم يمكن بالأكثر لياقة أن يدعى سلامنا لا سلامه. لأنه إذ بلا خطية تمامًا ليس فيه أي عنصر من الخلاف نفسه. أما السلام الذي لنا هو الذي في وسطه لا نزال نقول: "أغفر لنا ما علينا" (مت 6: 12)... إنه ليس بالسلام الكامل، إذ نرى ناموسًا آخر في أعضائنا ضد ناموس ذهننا (رو 7: 22-23). القديس أغسطينوس "سمعتم أني قلت لكم: أنا أذهب ثم آتي إليكم، لو كنتم تحبونني لكنتم تفرحون، لأني قلت أمضي إلى الآب، لأن أبي أعظم مني". (28) يقدم سببًا آخر لعدم اضطراب قلوبهم، وهو أنه وإن كان ذاهبًا عنهم إلاَّ أنه سيأتي إليهم. إنه ذاهب ليتسلم الملكوت والسلطان والقوة لحسابهم، لذا لاق بهم أن يفرحوا بما سيتمتعون به. "لأن أبي أعظم مني" (28)، إذ صار إنسانًا وتنازل ليحقق خلاصنا، صار في تنازله كمن هو أقل من الآب في المجد حسب ناسوته. إن كانت مسرة الآب والابن أيضًا أن يتنازل الابن من أجل البشرية ليمجدهم، فيليق بالمؤمنين وهم يسمعون الابن أن يعتز بتنازله أن يفرحوا معه، لأن في هذا خلاصهم ومجدهم. + واضح أنه صار إنسانًا بينما بقي هو اللَّه، فإن اللَّه انتحل إنسانًا، ولم يُمتص اللَّه في إنسانٍ. لذلك بالكمال، بمنطق مقبول أن يُقال إن المسيح كإنسانٍ هو أقل من الآب، وأن المسيح كإله مساوٍ للآب، مساوٍ للَّه (يو 30:10). + أمور كثيرة قيلت في الكتاب المقدس تتحدث عنه في شكل اللَّه، وأمور كثيرة في شكل العبد. اقتبس اثنين من هذه كمثالين، واحد يخص كل منهما. فبحسب شكل اللَّه قال: "أنا والآب واحد" (يو 30:10)، وبحسب شكل العبد: "أبي أعظم مني". القديس أغسطينوس + ما هو غير طبيعي إن كان ذاك الذي هو اللوغوس قد صار جسدًا (يو 1: 14) يعترف بأن أباه أعظم منه، إذ ظهر في المجد أقل من الملائكة، وفي الهيئة كإنسان؟ لأنك "جعلته أقل قليلاً من الملائكة" (مز 8: 5)... وأيضا: "ليس فيه شكل ولا جمال، شكله حقير، وأقل من شكل بني البشر (إش 53: 2، 3). هذا هو السبب لماذا هو أقل من الآب، فإن ذاك الذي أحبك احتمل الموت، وجعلك شريكًا في الحياة السماوية. القديس باسيليوس الكبير + بسبب تواضعه يقول هذه الكلمات، هذه التي يستخدمها خصومنا ضده بطريقة خبيثة. + يقولون مكتوب: "أبي أعظم مني". أيضًا مكتوب: "لم يحسب خلسة أن يكون معادلاً للَّه" (في 6:2). وأيضًا مكتوب أن اليهود أرادوا قتله، لأنه قال إنه ابن اللَّه معادلاً نفسه باللَّه (يو 18:5). مكتوب: "أنا والآب واحد" (يو 30:10). إنهم يقرأون نصًا واحدًا وليس نصوص كثيرة. إذن هل يمكن أن يكون أقل ومساوٍ في نفس الوقت لذات الطبيعة؟ لا، فإن عبارة تشير إلى لاهوته، وأخرى إلى ناسوته. القديس أمبروسيوس "وقلت لكم الآن قبل أن يكون، حتى متى كان تؤمنون". (29) أخبرهم مقدمًا بموته حتى لا يتعثروا متى حدث، وقد أظهر لهم ما وراء موته كضرورةٍ لازمة لخلاصهم. بهذا يخفف السيد المسيح من حدة حزنهم واهبًا إياهم الرجاء. "لا أتكلم أيضًا معكم كثيرًا، لأن رئيس هذا العالم يأتي، وليس له فيّ شيء". (30) ظن البعض أنه يتحدث عن بيلاطس بنطس كحاكم روماني، لكن يكاد يجمع الرأي على أنه يعني برئيس هذا العالم إبليس كما جاء في أف 2: 2 ويو 2: 31؛ ودُعي إله هذا العالم في 2كو 4: 4. صراع السيد المسيح ليس ضد إنسان بل ضد قوات الظلمة الروحية. الإنسان ليس طرفًا في المعركة، إنما المعركة هي بين المسيح وإبليس، وللإنسان أن يختفي في أحدهما. يتكلم السيد المسيح بلغة اليقين أنه ليس لإبليس موضع فيه. لذا فهو حتمًا غالب له. + قول السيد المسيح: "لأن رئيس هذا العالم"، يعني به إبليس، وقد دعاه الناس الأشرار بهذا الاسم، ليس لأنه يرأس السماء والأرض، وإلا لقلب الخلائق وعكسها، وإنما يرأس الذين قد أسلموا إليه ذواتهم. القديس يوحنا الذهبي الفم + إننا مُحاصرون بجيوش الأعداء، فإنهم حولنا من كل جانب. الجسد الضعيف سيصير قريبًا ترابًا، إنه واحد ضد كثيرين، يحارب ضد فرق هائلة. إلى أن يحل، إلى أن يأتي رئيس العالم، ولا يجد خطية فيه، إلى أن يحين ذلك، فلتنصت في أمان إلى كلمات النبي: "لا تخف من رعب الليل، ولا من سهم يصير في النهار..." (مز 5:91). + إن نقص أسقف فضيلة أو فضيلتان في قائمة الفضائل لا يعني هذا أنه لا يعود يُدعى بارًا، ولا يُدان على نقائصه، وإنما يكلل على ما لديه. لأن اقتناء كل الفضائل وعدم النقص في شيءٍ منها هو من سمات (المسيح) وحده، الذي لم يفعل خطية، ولا في فمه غش الذي إذ شُتم لم يُشتم عوضًا (1 بط 22:2). القديس جيروم + بمثل هذه الكلمات يشير إلى الشيطان كرئيس ليس على خلائق الله بل على الخطاة، هؤلاء الذين يشير إليهم هنا باسم "هذا العالم". عندما يستخدم اسم "العالم" بمعنى شرير يشير السيد فقط إلى محبي هذا العالم، الذين كُتب عنهم في موضع آخر: "محبة العالم عداوة لله" (يع 4: 4). حاشا لنا أن نفهم الشيطان أنه رئيس العالم كمن يسيطر على تدبير أمور كل العالم، السماء الأرض وما فيهما. مثل هذا العالم قيل عنه عندما تحدثنا عن المسيح الكلمة: "كوِّن العالم به" (يو 1: 10). العالم كله من أعلي السماوات إلى أسافل الأرض يخضع للخالق ليس للهارب؛ للمخلص لا للمخرب؛ للمنقذ لا للمستعبِد؛ للمعلم لا للمخادع. القديس أغسطينوس "ولكن ليفهم العالم إني أحب الآب، وكما أوصاني الآب هكذا أفعل. قوموا ننطلق من ههنا". (31) إن كان ليس لإبليس موضع في السيد المسيح، وليس في إمكانياته أن يحاربه، لكن سمح السيد له أن يدخل معه في المعركة الحاسمة، من أجل تحقيق خطة الآب للخلاص، وحب الابن للآب. هذه هي وصية الآب له أن يخَّلص العالم بآلامه، لذلك سألهم أن يقوموا وينطلقوا كي يسلم نفسه للموت. + قال السيد المسيح ذلك لينهض نفوس تلاميذه، وليعرفوا أنه يذهب إلى هذا الموت ليس كرهًا بل طوعًا. القديس يوحنا الذهبي الفم من وحي يو 14 ليحملني روحك القدوس إلى سماواتك المتسعة! + إذ اضطربت نفسي في داخلي، من أجل كثرة خطاياي، كشفت لي عن اتساع سماواتك، التي تنتظر كل مؤمن! تهبنا حياة أبدية واحدة للجميع، يتلألأ فيها مؤمنوك ككواكبٍ بهية. كل منهم يفرح ويتهلل من أجل عظم بهاء أخيه! + لأنطلق بك يا أيها الطريق إلى حيث توجد. فأنت طريقي الإلهي، وأنت سماواتي. بك أنطلق، إليك لأبقى معك في حضن أبيك! + أتساءل: كيف وأنا الإنسان أبقى معك؟ وهبتني روحك القدوس يقدس أعماقي. تركتني بالجسد بصعودك، وأرسلت لي روحك الناري، يشكلني على صورتك! يهبني معرفة الحق، فأتعرف عليك يا أيها الحق. أراك فأرى الآب، لأنكما واحد! أراك في تنازلك تعلن: أبي أعظم مني. لا أتعثر بهذه الكلمات، بل ألمس فيها روح التواضع، يا من صرت عبدًا من أجلي! + اسمع كلماتك هذه فأتعلق بحبك! حبك أنزلك إليَّ، لكي يرفعني إلى حضن أبيك. وأنت غير منفصل عنه صرت كمن هو أقل منه، لكي تحملني من انحطاطي إلى علو شركة مجدك! + كم كنت اشتهي أن أرافقك حين كنت هنا بالجسد، لكن صعودك أصعد قلبي إليك. عطية روحك القدوس، روح الحق، واهب كل العطايا، تعزي أعماقي. عطيتك أثلجت قلبي، فلن أطلب من الآب غيرها! عطيتك نزعت عني يتمي، فصرت ابنا لملك الملوك الذي لا يموت! عطيتك هو المعلم القادر أن يدخل أعماقي، ويقودني لا بفلسفات نظرية، بل يحملني إلى الحق كله! + أشرقت عليَّ أيها الابن الوحيد بنور الروحٍ، فامتلأت حياتي ببهاء الثالوث القدوس. مات العالم عني بكل ظلمته، لأحيا في نور الحق. مجدًا لك أيها الآب محب البشر، ومدبر الخلاص! شكرًا لك أيها الابن خالق الكل، ومخلص الجميع! لك التسبيح أيها الروح القدس، واهب القداسة والصلاح! نفسي تغوص في لجة حب الثالوث القدوس، تشتهي أن تنعم بالرؤية الكاملة في يوم الرب العظيم! من أقوال الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
الإصحَاحُ الرَّابعُ عَشَرَ - خطب المسيح الوداعية: يوحنا 31:13-33:16 آية (1): "لا تضطرب قلوبكم انتم تؤمنون بالله فآمنوا بي." لا تضطرب= الإضطراب ينشأ من الخوف من المجهول أو بسبب شدة الحزن. وهنا التلاميذ نجدهم فعلاً في حالة إضطراب بسبب ما سمعوه من أن أحد التلاميذ ينكره وآخر يسلمه وأنه سيفارقهم، بل سمعوا أنه سيموت، بل إحساسهم بخيبة أمل في مملكة توقعوا قيامها وها هي أمالهم تنهار. والمسيح هنا يطمئن تلاميذه بأنه هو القائد الذي سيحميهم وسط الضيقات الرهيبة القادمة المجهولة، فالضيقات ينبغي أن تأتي على كل مؤمن. والمسيح يطمئنهم حتى لا يتزعزع إيمانهم (راجع مت16:10-22). والمسيح يطلب أن يضعوا رجاءهم في الله وفيه. قلوبكم= القلب هو مصدر الشعور والعواطف، ومصدر الخوف هو فقدان الصلة بالله، والصلة تأتي بالتمسك بالله بالإيمان، فالإضطراب والخوف هو الداء والإيمان بالله هو الدواء. فإذا ركز الإنسان فكره في الواقع المفزع أمامه يغرق في الحال، وهذا ما حدث مع بطرس إذ رأى الريح شديدة ولم يضع ثقته في الرب بل ركز رؤيته في الريح. فآمنوا بي= ثقوا بي. هنا نرى أن علاج الإضطراب هو الإيمان بشخصه المبارك ومعنى الآية، أنتم تؤمنون بالله وهذا حسن، ولكنكم حتى الآن لا تفهمون أنني واحد مع الآب. ولكنكم ستفهمون فيما بعد. وأنا أفعل ما أفعله حتى إذا جاءكم الموت وهو حتماً سيجيء فأنا سآتي وآخذكم إلىّ، فلماذا الخوف آمنوا أنني لن أترككم. وآمنوا أن كل ما أفعله يفتح لكم طريق الخلاص. ونلاحظ أن الثقة في المسيح تلاشي من النفس أي إضطراب. آية (2): "في بيت أبى منازل كثيرة وإلاّ فإني كنت قد قلت لكم أنا امضي لأعد لكم مكاناً." منازل= تناظر أروقة وغرف الهيكل. وكلمة منازل تعني إقامة دائمة. ونحن سننال مكاناً في السماء بحسب وعده هذا. منازل كثيرة= إذاً الملكوت لن يضيق بمن هو أهل له. وكلمة منازل لا تشير لدرجات مجد.. لكن هناك درجات مجد (هي درجات إضاءة مت43:13) وهكذا قال بولس الرسول أن نجماً يمتاز عن نجم في المجد (1كو22:15،23،41). منازل= أصلها بيوت نسكن فيها بصفة دائمة، هي مساكن دائمة وإقامة مستمرة (في اليونانية)، أماكن راحة. ونحن نقيم في الأرض هنا في خيمة (إقامة مؤقتة) نخلعها بالموت، إستعداداً لكي نحصل على بناء (جسد ممجد) في السماء لنقيم فيه نهائياً بعد طول تغرب (2كو1:5). المسيح قال هنا على الأرض ضيق لكن هناك لنا مكان مجد في السماء. هذا هو الحق الذي ليس فيه خداع. هنا سيخرجوننا من المجامع (2:16) لكن هناك راحة للجميع وأبدية. وإلاّ فإني قد قلت لكم= هذه تعني "إذا لم يكن في بيت أبي منازل كثيرة لكم جميعاً هل كنت قلت لكم إني أمضي لأعد لكم مكاناً= توطين الإنسان عند الله مرة أخرى، فبعد أن دخل المسيح بجسد بشريته للسماء صار الحضن الأبوي يسع الإنسان الجديد المتبنى. المسيح هنا يطمئنهم بأن لهم كلهم أماكن في السماء، وأنهم لن ينفصلوا عنه، فهذا الإنفصال هو ما كانوا يخشونه. آية (3): "وإن مضيت وأعددت لكم مكانا آتى أيضاً وأخذكم إلىّ حتى حيث أكون أنا تكونون أنتم أيضاً." المسيح هنا يلطف من صدمة الفراق بل يجعلها ضرورة حتمية لنرث الملكوت ولا نظل في غربة هذا العالم فهي فرقة وقتية الآن لحساب إتحاد أبدي آتٍ. الآية تشير للسحابة التي كانت تتقدم الشعب فهو يتقدمهم إلى السماء. وفي هذه الآية إشارة للمجيء الثاني فهو جزئياً عاد لهم بعد قيامته وظل معهم 40 يوماً وهو الآن وسط كنيسته (رؤ13:1،1:2) نراه بالإيمان. آخذكم إلىّ= المسيح هنا يستقبل أولاده ويضمهم إلى حضنه، وهو الذي يحدد ميعاد إنتقالهم ليستقروا عنده بل هو يجذبهم إليه بحسب شدة قوة حبه الفائق. لذلك كانت شهوة القديسين أن ينطلقوا ويتخلصوا من سجن الجسد (في23:1،24). أتى أيضاً= كل مرة أتقابل مع المسيح في صلاة أو قداس نتقابل معه ثم أخيراً يأتي ليجذبنا للسماء معه. والملكوت هو حيث يكون المسيح سنكون نحن، بعد مجيئه الثاني. آية (4): "وتعلمون حيث أنا اذهب وتعلمون الطريق." المسيح يفترض أن تلاميذه قد فهموا الطريق الذي سيسلك فيه من خلال تعاليمه السابقة أي أنه سيصلب ويموت ويقوم ويصعد للسماء ليفتح الطريق للإنسان. آية (5): "قال له توما يا سيد لسنا نعلم أين تذهب فكيف نقدر أن نعرف الطريق." هنا نرى العجز البشري عن الفهم. هم ربما تصوروا أنه يصعد للسماء كإيليا فلا يروه. فهم لم يفهموا موضوع الجسد المكسور والدم المسفوك الذي قدَّمه لهم منذ دقائق. ولم يفهموا قصة تسليمه بواسطة يهوذا. وحتى إن فهموا إن المسيح سيسلم ويموت فكيف يكون هذا الموت طريقاً لحياتهم هم ورجاءً في القيامة. ولم يفهموا أن بتمسكنا بالمسيح وبثباتنا فيه نسلك نفس الطريق. وليس من الخطأ أن نسأل. فالإعلان القادم أعلنه المسيح لمن تساءل بأمانة لأنه يريد أن يعرف. آية (6): "قال له يسوع أنا هو الطريق والحق والحياة ليس أحد يأتي إلى الآب إلاّ بي." أنا هو الطريق= هذا جواب المسيح على من يتساءل أين الطريق. فهو كإبن حمل جسد بشريتنا ثم صعد للآب من حيث جاء وذلك من خلال قوة قيامته وبواسطة روح الحياة الأبدية التي فيه ليرفع البشرية التي فيه للآب السماوي ويصير هو الطريق الوحيد (وليس سواه فهو لم يقل طرق) الموصِّل للآب بإستعلان شخص الآب في نفسه وبالوصول إلى الآب وهو حامل جسد بشريتنا وبذلك لا يستطيع أحد أن يأتي إلى الآب إلاّ به. هو طريقنا في حياتنا اليومية وآلامنا وبدونه نضل ونهلك، فهو سبق وإختبر نفس الآلام بل وأكثر منها بما لا يوصف وعَرِف كيف يواجهها، وإختبر الموت وقام وصعد للأقداس السماوية إلى الآب السماوي فمن يثبت فيه يقدر أن يواجه آلام العالم مهما كانت صعوبتها ويواجه الموت ويكون المسيح طريقه للأقداس السماوية. مثال: إنسان تائه في جو مطير ورعد ورياح وظلمة وهو خائف. ظهرت له سيارة حملته لمكان آمن. هذا الإنسان هو أنا وسط آلام هذا العالم وتجاربه. والسيارة رمز للمسيح الذي يحملني فيه لأعبر آلام هذا العالم في سلام وإطمئنان إلى السماء.. إلى أحضان الآب، بعد أن كان الإنسان قد فقد علاقته بالآب بسبب الخطية. هو صالحنا مع الآب. الله نزل لنا ليحملنا فيه ويرفعنا لله" "لا أحد يأتي للآب إلاّ بي". فكرد على توما لسنا نعلم أين تذهب= يرد السيد أنا ذاهب للآب لآخذكم فيّ للآب. فلا أحد يصل لله إلاّ بالمسيح. المسيح لم يعطنا طريقة ووصفة ووصايا نصل بها للآب. بل قدم نفسه طريقاً إلى الآب، ندخل به للآب دون أن نخرج من الإبن لأن الإبن في الآب. هكذا بإتحادنا به نتحد بالآب. لذلك يقول المسيح إثبتوا فيّ (يو4:15). إذاً كل ما على المؤمن أن يثبت في المسيح وبهذا يكون في طريقه للأقداس السماوية دائساً آلام هذا العالم. والحق= الكلمة تعني الشئ الثابت، الذي لا يتغير، وتعني ذات الله. ورسالة المسيح كانت أنه يستعلن الآب (يو18:1) فالإنسان بسبب الخطية فقد معرفة الله أما المسيح فهو الوحيد الذي يعرفه ويدُركه ونحن لا ندركه (وإذ لم يدرك الإنسان الله عبد الشمس..الخ). [الآب كلمة سريانية تعني المصدر فَضَلّت اللغة العربية إستخدامها تمييزاً للآب عن أي أب آخر]. والمسيح لا يُعَلِّمْ الحق عن الله، بل هو الحق الإلهي نفسه، الحق الكامل المطلق ليس فيه ذرة بطلان ولاشك بل هو يبدد كل ما هو باطل وما هو خطأ. فالمسيح هو الذي أعلن الحق، أعلن الله وأدخله إلى العالم في شخصه فهو "بهاء مجده" إذ هو حامل لملء اللاهوت (كو9:2،10). هو الله الإبن وهو إستعلان الآب. هو الوحيد الذي يشهد للحق (يو37:18) وبه نعرف الحق (1يو20:5 + يو14:1). فالذي يدرك المسيح يدرك الله الآب. المسيح هو الحق لأنه كلمة الله، وهو يعلن لنا كل ما يلزمنا معرفته عن الله وعن أنفسنا. والمسيح هو الحق معلناً في قداسته ومحبته. المسيح هو الحق والعالم هو الباطل. المسيح هو الحق الذي ينبغي أن نؤمن به ونشهد له حتى الموت. هو أظهر الحق بأقواله وأعماله. المسيح هو الدائم للأبد والذي يعطي فرحاً حقيقياً لكن العالم عاش وخادع بلذاته وزائل (سراب) ويبلى وينتهي فهو ليس حق بل كذب. فالحق الوحيد الذي لا يتغير هو الله. والحياة= المسيح كانت فيه الحياة (يو4:1 +24:5 +57:6،63 + 10:10+31:20). إذاً المسيح لا يمنح حياة غير حياته بل حياته هو ذاته. وهو مات ليفتدينا ويعطينا حياته فهو إشترى لنا الحياة بموته ووهبنا إياها بروحه بعد أن فقدناها بالخطية. "أنا إختطفت لي قضية الموت" لكن المسيح الحي المحيي، بل الحياة ذاتها أتى ليعطيني حياة فلا أظل ميتاً للأبد. الموت هو إنفصال عن الله. والمسيح أتى ليتمجد بي فتعود لي الحياة "لي الحياة هي المسيح" (في23:1) وهو حياة أبدية "من يأكلني يحيا بي". إذاً المسيح هو الطريق الذي نثبت فيه لنصل به إلى الحياة ويكون معنا كحق نشهد له في جهادنا. كل طريق غيره ضلال وكل حق سواه باطل وكل حياة عداه موت. بدون الطريق لا تقدم ولا مسير وبدون الحق فلا معرفة وبدون الحياة فهناك موت. هو الطريق الذي علينا أن نتبعه والحق الذي علينا أن نؤمن به والحياة التي نسعى لنوالها. هو الطريق الوحيد للحياة الأبدية. هو حياة الله المعطاة للإنسان. وهو الطريق الذي به نشعر بأبوة الله لنا. أنا هو= تشير للكيان الحي الإلهي. وأنا هو هي ترجمة يهوه العبرية. ليس أحد يأتي للآب إلاّ بي= هدف التجسد هو وصول الله للإنسان ووصول الإنسان إلى الله الآب. وهذا تم بالتجسد (الطريق) ثم إستعلان الآب في الإبن (الحق) ثم موت المسيح لنقبل حياته المنسكبة بالموت (الحياة). في الآيات السابقة نجد المسيح يعزي تلاميذه ويرسم لهم طريق السلام. [1] الإيمان والثقة به [2] هم لهم مكان في بيت أبيه وسيأتي ويأخذهم إليه [3] هو الطريق والحق والحياة. آية (7): "لو كنتم قد عرفتموني لعرفتم أبي أيضاً ومن الآن تعرفونه وقد رأيتموه." هنا مراجعة وعتاب فالمسيح معهم كل هذه السنين ولم يعرفوه. فهو قال لهم أنه "أنا هو" وأنه النور والخبز والقيامة.. ورأوا أعماله وإستمعوا أقواله. فالآب غير مدرك ولا منظور ولكن المسيح أعلنه في نفسه وعًرَّف به العالم (لو22:10) [في (لو21:10-24) نرى أن فرحة الإبن هي بأن نعرف الآب. وما أخفى عن الحكماء هو معرفة الآب التي أعلنها للأطفال (المتضعين البسطاء) وما ينظرونه ولهم الطوبى عليه هو شخص الآب في صورة المسيح]. لذلك كل من رفض المسيح فهو قد رفض الله فكيف يرفض المسيح الذي هو صورة الله (يو23:15-25). من الآن تعرفونه= من ساعة بدء المحنة التي ستأتي بعد دقائق والتي تُكَمَّلْ فيها مشيئة الآب وطاعة الإبن. ولكن التلاميذ لم يدركوا كل هذه الأسرار الخاصة بالإبن إلاّ بعد حلول الروح القدس الذي أعطاهم فهماً لسر الآب والإبن. ونلاحظ أن من ساعة الصليب سيبدأ الإعلان عن محبة الآب والإبن لنا. ونحن نبدأ نعرف الله ونتذوقه خلال قبولنا للألم وللصليب. ومن (1يو13:2،15) نفهم أن الطريق لمعرفة الآب هو عدم محبة العالم وأن نغلب الشرير. وقد رأيتموه= رأوا المسيح الذي هو صورة الآب. فداء المسيح أدى لإرسال الروح القدس الذي يعطينا رؤية حقيقية بها نعرف الآب والإبن. آية (8): "قال له فيلبس يا سيد أرنا الآب وكفانا." المشكلة هنا أن فيلبس يريد أن يرى شيئاً محسوساً بعينيه كما حدث أيام موسى ورأوا الله على الجبل، كان فيلبس يظن أن المسيح يريه ما هو أعظم. وكيف يرى اللامحدود بعينيه. هذه الطلبة تشبه طلبة موسى "أرني مجدك". هو تصوَّر أنه كما يرى المسيح بالجسد يمكنه أن يرى الآب. ولكنه لم يُدرك أن تجسد المسيح هو الذي مكنه من رؤية الجسد، أما اللاهوت فلا يُرى بالعين قط (يو18:1) ولكن داخل المسيح يسكن كل ملء اللاهوت. ومن يسمع كلام المسيح يدرك أبعاد لا يمكن إدراكها بالحواس الجسدية (يو43:8) فإذا تكلم الإبن أو عمل، يظهر فيه الله الآب غير المنظور، فالمسيح يستعلن الآب بأعماله وأقواله. وفيلبس أخفق في أن يرى الآب المتكلم في الإبن. هم لم يفهموا في ذلك الوقت أن الآب في الإبن والإبن في الآب. آية (9): "قال له يسوع أنا معكم زماناً هذه مدته ولم تعرفني يا فيلبس الذي رآني فقد رأى الآب فكيف تقول أنت أرنا الآب." المسيح هنا يعاتب فيلبس على إخفاقه هذا. وسبب هذا الإخفاق أن فيلبس كان مرتبطاً بالعالم ويخاف الموت وهذا ما ظهر عند هروبه ساعة الصليب فمحبة العالم تطفئ بصيرة الإنسان الروحية (يع4:4). فكيف تقول أنت أرنا الآب= هنا المسيح يواجه فيلبس بحقيقة صعبة وهو أنه لم ير المسيح بعد وهذا ثبت من أنه لم ير الآب بينما أن المسيح كان يستعلن الآب. وأنا معكم= ولم يقل وأنت معي، لأن المسيح هو الذي أتى لفيلبس وللبشرية كلها وليس العكس. آية (10): "ألست تؤمن أني أنا في الآب والآب في الكلام الذي أكلمكم به لست أتكلم به من نفسي لكن الآب الحال في هو يعمل الأعمال." المسيح الإبن والآب هما كيان واحد بلا إنفصال (يو30:10). والجسد الذي أخذه الإبن لذاته ووحده بلاهوته قد دخل في هذا الكيان دخولاً أبدياً متميزاً (يو13:3). وهذه حقائق ندركها بالإيمان (يو36:3). والمسيح يقدم برهان وحدته مع الآب على مستويين [1] كلامه= الكلام الذي أكلمكم به.. هو يعلن الآب لنا بكلماته وأعماله. [2] أعماله= هو يعمل الأعمال فالإبن هو قوة الآب. وهذا هو مفهوم بولس الرسول في (عب1:1،2) فأعمال المسيح هي إستعلان الآب ومشيئته من نحو الإنسان وذلك بتجديد طبيعة الإنسان، الآب يعمل بالإبن فهو ذراع الآب (أش9:51،10 + 10:52) لذلك يقول "جئت لأصنع مشيئة الذي أرسلني". وكان المسيح يقدم نفسه دائماً كمثل أعلى للإنسان الجديد الذي يسمع للآب ويطيعه. فالمسيح كان يطبع فينا صورته فنطيع الآب. وكلام المسيح هنا نفهم منه أننا عدنا للحالة الفردوسية الأولى حين كان الله يكلم أبوينا آدم وحواء. ألست تؤمن= فهناك إرتباط الإيمان والرؤية، فلا رؤية إلاّ بالإيمان. لست أتكلم به من نفسي= أي ليس كلام إنسان عادي كما ترونني أمامكم الآن. بل هو كلام الله الآب يعلنه فيَّ. آية (11): "صدقوني أني في الآب والآب في وإلاّ فصدقوني لسبب الأعمال نفسها." المسيح هنا يطلب أن يصدقوه وإن لم يصدقوا فإن أعماله تشهد له. إني في الآب والآب فيّ= هذه تعني أن الآب والإبن هم واحد وتعلن التساوي المطلق. لكن التمايز بينهما يعني أن لكل أقنوم عمله فالآب يريد والإبن ينفذ هذه الإرادة ويعلنها وهذا معنى الآية السابقة. وهذه الحقيقة نستنتجها من كلام المسيح عن إرسال الروح القدس فمرة يشير لأن الآب سيرسل لهم الروح القدس ومرة أخرى يقول أنه هو الذي سيرسل الروح القدس (يو26:14 + يو26:15) والآن إن لم يصدقوا المسيح فليصدقوه بسبب أن الأعمال التي يعملها تشهد بأن الآب فيه وهو العامل فيه. إن هدف المسيح هو أن يظهر محبة الآب لهم وأن الآب يشتاق أن يُسعِد البشرية، وأن هذه هي مشيئته أن يعود البشر للحياة مع الله وأن سعادة المسيح تتركز في توصيلنا للآب لنشترك في نفس الحب الذي به يحب الآب الإبن (يو25:17،26) وأعمال المسيح تنطق بحب الآب فهو يشفي المقعد ليعلن أن مشيئة الآب هي تصحيح ما فسد في طبيعتنا العتيقة. ويفتح أعين الأعمى ليعلن أن مشيئة الآب هي أن النور الإلهي يعمل في الطبيعة العتيقة. وهو يقيم من الأموات ليعلن أن إرادة الآب هي أن يعطينا حياة أبدية. صدقوني إني في الآب والآب فيّ= هذه طبيعتي أنني غير منفصل عن الآب. وهذه تحتاج لإيمان. وإن لم تفهموا هذا فصدقوني بسبب الأعمال= وهذه تحتاج لتصديق بالعقل. آية (12): "الحق الحق أقول لكم من يؤمن بي فالأعمال التي أنا اعملها يعملها هو أيضاً ويعمل اعظم منها لأني ماض إلى أبي." في الآيات (8-11) كان المسيح يركز على العلاقة بينه وبين الآب والآن ينتقل ليوضح هذه العلاقة بالنسبة للتلاميذ. فمن يؤمن بالمسيح (ومن يؤمن بالمسيح يؤمن بالآب حتماً) سيستطيع أن يعمل نفس الأعمال التي عملها الآب بالإبن (أف17:3-20) وذلك لتكمل الخدمة وتستمر الكنيسة في مواجهة إضطهاد العالم. الحق الحق= إذاً الرب سيعلن حقيقة جديدة. وهي أن مفارقته لتلاميذه ستكون سبب قوة عظيمة لهم. والسبب أنه سيكون فيهم. وهو سيكون في مجد الآب. فسبب القوة التي ستكون فيهم هو المجد الذي سيكون المسيح فيه. المسيح رفع البشرية فيه. ومن يعطينا حياة المسيح فينا هو الروح القدس. ماضٍ إلى أبي= رفع للبشرية وإكمال الفداء وإرسال الروح القدس. ويعمل أعظم منها= فنازفة الدم شفيت بلمسها للمسيح أمّا بطرس فكان ظله يشفي المرضى (أع15:5) وبولس كانوا يأخذون المآزر من على جسده فتشفي الأمراض وتخرج الأرواح الشريرة (أع12:19). وأيضاً نحن لنا فكر المسيح (1كو16:2) فنحن نعمل أعماله ويكون لنا فكره، فهو زرع حياته فينا. وما نعمله هو بإسمه ولكن كان التلاميذ يصنعون هذه المعجزات بإسم المسيح أي بقوته (أع6:3) (فهم كطفل يمسك أبوه بيده فيرسم لوحة رائعة) لذلك فكل عمل نعمله هو بإسم المسيح. حتى صومنا وصلاتنا. وكان الناس يؤمنون بالتلاميذ وبالتالي يؤمنون بالمسيح لأني ماضٍ إلى أبي= أي لن يستطيع التلاميذ أن يفعلوا شيئاً إلاّ بعد أن يتم الفداء ويذهب المسيح إلى الآب ويرسل الروح القدس يعمل فيهم ويتم إتحاد المسيح بتلاميذه ويشفع فيهم أمام الآب فيواصلون عمله الذي بدأه على الأرض (أع1:1 + يو39:7). فأغصان الكرمة لا تأتي بثمر إلاّ إذا إتحدت بالكرمة إتحاداً قوياً. وأهم معجزة سيقوم بها التلاميذ هي إقامة الموتي بالخطايا، فيأتون بهم إلى حياة أبدية ولذلك آمن بعظمة بطرس 3000نفس. أعمال التلاميذ كانت أعظم لكن كان المسيح هو العامل فيهم. عموماً العمل هدفه مجد الله. والتلاميذ ليغيروا شعوب وثنية إحتاجوا لأعمال أعظم. فما تحتاجه الكرازة يعمله المسيح في رسله. فكانت أكبر معجزة تغيير الأمم الوثنيين إلى المسيحية. آية (13): "ومهما سألتم باسمي فذلك افعله ليتمجد الآب بالابن." مهما سألتم= أي صليتم. وهنا نرى أننا نطلب من الآب بإسم المسيح، والمسيح يعمل والروح القدس يعلمنا ماذا نطلب (يو5:15+ أف18:2+ رو26:8). والروح يعلمنا أن نطلب بحسب مشيئة الله ليستجيب لنا الله (1يو14:5). وحينما يستجيب لنا الآب حينما يعمل الإبن يتمجد الآب بالإبن= لأننا سنمجد الآب وهذا هو هدف الإبن. بإسمي= وليس لإرضاء الذات وشهواتها. ولكن يتمجد الله. لذلك يمكن أن تعملوا أعمال أعظم من أعمالي إذا طلبتم بإسمي لمجد الآب. والإسم ليس هو إسم الشخص، لكن هو قدراته وقوته، والمسيح بفدائه صار لنا قبول عند الآب. ولهذا يستجيب الآب لصلواتنا بإمكانيات دم المسيح. آية (14): "إن سألتم شيئاً باسمي فإني افعله." هذه يبدو أنها تكرار للآية السابقة ولكن هناك فرق. ففي آية (13) يشرح أن الآب يسر ويتمجد بسؤالنا وتنفيذ طلباتنا. أما في هذه الآية نرى أن المسيح يضع كل إمكانياته رهن سؤالنا. بإسمي= الإسم يعبر عن الشخص بكل قوته وكرامته. لذلك فهذه الآية تظهر إمكانيات المسيح الفائقة وتشير لمجد المسيح أيضاً. والدعاء بالإسم يصير هو إستدعاء ودخول للحضرة الإلهية. ولذلك ففي بدء القداس يقول الكاهن.. خين إفران إم إفيوت.. أي بإسم الآب والإبن والروح القدس. وهذا إستدعاء للثالوث ليحل ويقدس القرابين وينقل الموجودين إلى الحضرة الإلهية التي للثالوث الأقدس وبهذا فإن المسيح أبقى على حضوره السري مع كنيسته في كل حين كلما إحتاجوه كمصدر قوة وعمل وعزاء. نحن نطلب الآن من الآب ليس فقط عن طريق علاقة الله بكل البشر صالحين وأشرار، بل بطريق جديد طهره المسيح بدمه. وهذا هو مصدر القوة الحقيقية وما يعطينا ثقة للسؤال. الآيات (15-16): "إن كنتم تحبونني فاحفظوا وصاياي. وأنا اطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد." في الآيات (12-14) يكلمنا المسيح عن الإيمان الذي به نسأل فيستجيب لنا. وهنا نسمع عن الحب. فالإيمان يُخْتَبَرْ بأن نسأل أسئلة، ومحبتنا تختبر بأن نحفظ الوصايا أي نطيع الوصايا. والسيد يعد بإرسال الروح القدس الذي يعيننا على حفظ الوصايا (رو26:8). الإيمان يأتي أولاً ثم الحب ومن يحب يطيع الوصايا والروح القدس هو الذي يعطينا الحب فنحفظ الوصايا. ومن يحفظ الوصايا يكرهه العالم، لذلك يعد المسيح بأن يُرْسِلً الروح المعزي ليعزينا إن أساء العالم لنا وليعلمنا الوصايا، ويشرحها لنا، ويكتبها في قلوبنا. هنا نجد معزٍ ماضٍ ومعزٍ آتٍ فقوله إحفظوا وصاياي هي وصية وداعية. معزٍ ماضٍ تعني أن المسيح بوجوده بصورة جسدية على الأرض، هذا سينتهي بصعوده لكنه موجود في الكنيسة دائماً بحسب وعده (مت20:28) والروح القدس يسميه المسيح هنا المعزي والكلمة تعني المحامي الذي يساند المتهم ويشفع فيه ويدافع ويحامي عنه حتى يحصل على البراءة، فيفرح الإنسان بالبراءة. والروح يظل يبكت ويعين حتى نتوب فيشهد لنا بقبول الله لنا وأننا أبناء ويعطينا الفرح فنصرخ يا آبا الآب (غل5:4-7). هذه هي الراحة التي يعطيها لنا الروح. والمعزي جاءت "المحامي الأعظم" باراكليتوس ولاحظ في آية (16) ظهور الثالوث (الآب) واإلإبن (آخر) والروح (معزياً) وأنا أطلب= هذه شفاعة المسيح عنا. فبشفاعته يرسل الآب الروح القدس ليلازمنا. آية (17): "روح الحق الذي لا يستطيع العالم أن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه وأما انتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم ويكون فيكم." كما أن المسيح هو الحق كذلك الروح القدس هو حق. ولأن المسيح ماضٍ فهو يرسل الروح القدس لهم. وهو الحق الذي سينطق على أفواههم وفي قلوبهم ليسمعهم العالم كله. وهو روح الحق لأنه يرشد للحق، وهذا في مقابل روح الضلال الذي في العالم. الإبن كان يعلن الآب.. هذا هو الحق الذي يقوله المسيح ويعمله. والحق الذي يقوله ويعمله الروح القدس فيهم وبهم هو الإعلان عن الإبن وإستعلان الآب الذي في الإبن (1يو13:4-15). والحق= غير المتغير بل ثابت. وإذا كان المسيح هو الحق. فروح الحق هو روح المسيح. فمن هو مملوء بالروح لا يتقلب ولا يتغير. لا تجده يوماً في فرح ويوماً آخر في حزن وهكذا لا يتغير بتغير الظروف. لا يستطيع العالم أن يقبله= فالروح القدس هو روح الحق، أما روح العالم فهو روح التزييف والضلال. وكما رفضوا المسيح وصلبوه وهو الحق (يو24:15،25 + لو25:17) هكذا رفضوا الروح القدس الذي ينطق على فم التلاميذ برفضهم للتلاميذ ورفضهم للروح القدس لأنهم يرفضون المسيح والروح يشهد للمسيح (يو21:15). والعكس فمن يقبل المسيح يرفض العالم (1يو15:2). يقصد بالعالم الذين أحبوا العالم فحملوا إسمه. لا يراه ولا يعرفه= الروح القدس لا يُرى بالعين المجردة، ولكن يُرى بالعقل الروحي. والعالم ليس لديه هذه الإمكانية، فهو حق لا يُدركه من إنشغل بالعالم بل يُدركه من أعطاه الله وإنشغل بالحقائق الروحية والممارسات الروحية (عب14:5) لتصير له الحواس مدربة. وكل من يتوقف من المؤمنين عن الممارسات الروحية يتوقف فيهم مركز الإتصال بالله ويفقدوا حساسيتهم وتصبح معرفة الله غير واضحة لهم، وهذا يحدث لمن ينشغل بالمحسوسات. مثل هذا يصير إنساناً طبيعياً وهي الصفة الدنيا أي إنسان العالم (راجع 1كو11:2-16). فمن ينشغل بالروحيات ويقارن الروحيات بالروحيات يصلي ويقرأ كتابه المقدس ويتأمل فيه تصير له الحساسية الروحية وحواسه الروحية مفتوحة، يرى الحق ويمتلئ سلاماً وفرحاً وراحة. أمّا من ينشغل بالعالم لن يجد الراحة فالإنسان مخلوق على صورة الله ولن ترتاح الصورة إلاّ على أصلها. الحق عكس العالم الباطل، فالعالم متغير متبدل تافه، لا أمان له ومن يلصق نفسه به يصير مثله، أمّا الحق فلا يتغير ولا يتبدل. من يعيش وراء العالم سيعلو وينخفض معه كموج البحر ولا يهدأ إلى أن ييأس، أما من يعيش مع المسيح فسيجد الفرح (يو27:14+ 22:16). لا يستطيع أن يقبله= أي لا يستطيع أن يستقبله فليس له جهاز إستقبال الذي به يدرك الحق، فمراكز الوعي الروحي عنده معطلة، حواسه التي تعمل هي حواس الجسد الذي يدرك الملموسات، الشيطان أعمى العالم عن كل ما هو سماوي بأن فتح أعين العالم على كل ما هو أرضي ومادي وجسداني. إذاً مثل هذا لن يقبله لأنه لا يراه ولا يعرفه. بل إن من إنفتحت حواسه على العالم صارت ملذاته في العالم بل أصبح لا يحتاج لله وهذا يغلق جهاز الإستقبال تماماً. فالعالم لا يدرك سوى المحسوسات (2كو3:4،4 + أف1:2-5 + 1يو19:5،20). فالعالم مملوء شراً وأباطيل فكيف يعرف الحق والروح القدس هو روح الحق. هذا العالم لا يفهم الأمور الروحية. فالروح القدس لا يُعرف من الخارج بل من الداخل نشعر به وبعمله. وأما أنتم فتعرفونه لأنه ماكث معكم= ماكث معهم الآن بمكوثهم مع المسيح. ويكون فيكم= لما يرفع المسيح سيأتي الروح القدس ليقيم فيهم ويشترك معهم بل يعمل الأعمال التي سيعملونها. الروح القدس يقيم فينا ويدرب حواسنا فيفتحها ونكون هياكل له ويغير طبيعتنا ويقدسها ويجددها كأنه يخلقها من جديد. ماكث= لن يفارقكم كما سأفارقكم أنا الآن بالجسد. الحق= هو وصف لله. فالآب حق (يو3:17) والمسيح حق (6:14). والروح القدس حق (هذه الآية) وهو يعلن حق الله ومجد الله وصدق ومحبة الله وشخص إبن الله ويرشد للحق. آية (18): "لا أتترككم يتامى أني آتى إليكم." لا يزال المسيح يعزي تلاميذه على الفراق بعد موته وقيامته ولكنه يعطيهم وعد بأنه سيظل حاضراً في كنيسته فهو رأس الكنيسة (مت20:28) ولكن ذهابه للآب ضروري لصالحهم. والروح القدس يكشف لنا عن عمل المسيح ووجوده في كنيسته وعمله لي شخصياً (غل20:2) لا أترككم يتامى= إشارة لموته. فهم سيشعرون باليتم إذ يفارقهم السيد، لكن الروح القدس عمله التعزية. إني آتي إليكم= إشارة لقيامته. آية (19): "بعد قليل لا يراني العالم أيضاً وأما انتم فترونني أني أنا حي فانتم ستحيون." لا يراني العالم= يقصد بالجسد. فالعالم لم يكن يدركه إلاّ كإنسان وبموته لن يعودوا يرونه. أمّا أنتم فترونني= ترونني هنا تفيد الرؤيا اليقينية. أي يرونه بالرؤيا الروحية أي يعطيها الروح القدس بالإيمان. وبالإضافة لذلك فهم رأوه فعلاً بعد القيامة. إني أنا حي= المسيح يشير لقوة القيامة التي فيه وكأن الموت سيعبر به عبوراً وكأنه لم يكن. هو حي وبعد القيامة والصعود سيظل مع الآب في المجد. وكل من يؤمن بالمسيح تكون له حياة= فأنتم ستحيون= حياة المحبة والإيمان والرجاء على الأرض وحياة المجد في الأبدية. أنا حي فأنتم ستحيون= فالمسيح يعطينا حياته (في23:1+ غل20:2). الحياة التي فيه ستنتقل لنا. آية (20): "في ذلك اليوم تعلمون أني أنا في أبي وانتم في وأنا فيكم." هو سبق وقال في الآية السابقة "ترونني" أي الروح القدس يستعلن المسيح، بل سنعرف طبيعة المسيح وأنه في أبيه وأننا فيه وهو فينا سر حياتنا. هنا نرى كيفية إمتداد حياته إلى تلاميذه وأن ذلك يكون بالروح. في ذلك اليوم= يوم الخمسين، يوم حلّ الروح القدس روح المعرفة والفهم= تعلمون. والروح القدس يشهد للمسيح أنه إبن الله (يو30:20،31) وهو يستعلن علاقتنا بالمسيح وبأننا صرنا ورثة (رو14:8-17). إني أنا في أبي= يشير للوحدة القائمة بين الآب والإبن، وحدة الطبيعة أو الجوهر، وجوهر الله ألوهيته. هذه الحقيقة لا يفهمها التلاميذ الآن، لأنهم يروا المسيح كإنسان. فالآب والإبن هما بالطبيعة متحدان ليكونا الذات الإلهية الواحدة- الله. لهما المشيئة الواحدة. الروح القدس يشهد لنا بهذه الحقيقة. ما لستم تدركونه من علاقتي بالآب سيشرحها لكم الروح القدس. فالروح يعطي إنفتاح للذهن. أنتم فيّ وأنا فيكم= المتكلم هنا هو المسيح إبن الله المتجسد، الذي إتحد بالطبيعة البشرية، وصارت الكنيسة جسده. وقوله أنا فيكم أي في طبيعتكم وأنتم فيّ أي طبيعتكم صارت فيّ. وهذا هو ما فتح لنا المجال لنطالب بحق هذا التجسد. وهذا الحق هو الشركة معه أو فيه أو في حياته، ويكون له هو الشركة في حياتنا. هي حالة إتحاد. ولكن هناك فرق شاسع بين قوله أنا في أبي.. فهنا إتحاد على أساس وحدة الطبيعة أي الجوهر الإلهي، وبين قوله أنا فيكم.. الأولى أنا في أبي تعني أنهما ذات واحدة ولكن أنا فيكم لا يوحد الذات ولا يرفع الفوارق بل يعطي حقوقاً مجاناً ويُعبَّر عنه بمفهوم الشركة في حياة المسيح (في9:3) أوجد فيه + (غل20:2 + يو56:6،57) وأنا فيكم= هذه مثل "يحل المسيح بالإيمان في قلوبكم" (أف17:3). هذه الشركة معه لن تبلغ مداها إلاّ في الحياة الأخرى، ولكنها تبدأ تتحقق منذ الآن جزئياً على مستوى الإستعلان بواسطة الروح القدس وبتقديس الروح أيضاً وبالتغيير والتجديد المتواصل. بخلع الإنسان العتيق ولبس الإنسان الجديد الذي يتجدد بحسب صورة خالقه. وعلى أساس الإتفاق الكامل في العمل والمشيئة مع الروح القدس لتكميل الحياة المسيحية. ومن له شركة مع المسيح بالروح سيدرك حقيقة المسيح المنيرة وصورته تصبح لا تفارق النفس الواعية بوجوده، وهذا يملأ النفس فرحاً وسلاماً حقيقياً. آية (21): "الذي عنده وصاياي ويحفظها فهو الذي يحبني والذي يحبني يحبه أبي وأنا احبه واظهر له ذاتي." الذي عنده= الذي قد سطرها في قلبه وأطاعها فالطاعة علامة المحبة. ووصايا المسيح هي محبة الكل وخدمة الكل وغسل أرجلهم وحمل الصليب وترك محبة العالم والصلاة بدون ملل لينسكب الروح. وتكريم المسيح يكون بحفظ وطاعة وإحترام كلمته وكل وصية قالها أبي= هو أب خاص لي. يحبه أبي= "أكرم الذين يكرمونني.." (1صم30:2). ومن يُكرِمْ المسيح بحفظ وصيته يُكرِمْ الآب. ومن يحب المسيح يؤهل ليكون محبوباً من الآب. فبالحب الذي يحبني أبي به يحب به الآب من يحبني. فالمسيح هو الحامل لإسمه والآب في الإبن. وأنا أحبه= حب الآب هو حب أبوي يدخلنا لميراث البنين وحب الإبن هو حب العريس لعروسه. وأظهر له ذاتي هو ظهور فائق لمظاهر المادة والعالم، هو ظهور لا تدركه سوى الحواس الروحية. هي معرفة داخلية للمسيح يعرفها من يحفظ الوصايا أي يحب المسيح. هذه إنارة خاصة من المسيح. هي حالة روحية متقدمة نرى فيها مجد الدهر الآتي. والمسيح يظهر ذاته بحسب إحتياج كل واحد (وهذا يتضح من رسائل سفر الرؤيا السبع) فالمسيح كان يظهر لكل كنيسة بصورة تتناسب مع إحتياجتها). إذاً لن يدرك المسيح ويراه بعينه الروحية ويستمتع بنوره سوى من يطيع الوصية ويوحنا كرر هذه الآية في رسالته (1يو21:4) لنا هذه الوصية منه أن من يحب الله يحب أخاه أيضاً". آية (22): "قال له يهوذا ليس الاسخريوطي يا سيد ماذا حدث حتى انك مزمع أن تظهر ذاتك لنا وليس للعالم." لم يفهم يهوذا أن الظهور الذي يقصده الرب هو ظهور روحي. فيهوذا كان يتوقع أن يملك المسيح على أورشليم ملكاً مادياً. فالمسيح يتكلم عن السموات ويهوذا يفكر في الأرض. الرب يعلن ألوهيته ويهوذا ينظر للجسد. يهوذا هو لباوس أو تداوس كاتب رسالة يهوذا وهو أخو يعقوب كاتب الرسالة. آية (23): "أجاب يسوع وقال له إن احبني أحد يحفظ كلامي ويحبه أبي وإليه نأتي وعنده نصنع منزلاً." المسيح يشرح ليهوذا أنه سيظهر لتلاميذه وسيرونه ولكن ليس بالجسد كما يفهم هو، ولن يراه سوى من يحبه ويحفظ وصاياه. هنا المسيح يرفع فكر يهوذا للاهوته فقوله إليه نأتي= أي أنا والآب فنحن واحد، وهذه إشارة لوحدانيته مع الآب. ولاحظ أنه سبق وقال إن الروح ماكث معكم ويكون فيكم. فلا إنفصال بين الأقانيم. ومعنى كلام الرب إن أردتني أن أظهر لك فأعمل ما يحبه الآب. عنده نصنع منزلاً= (هذه مثل رؤ20:3+ لو21:17). وكلمة عنده تفيد إقامة المعيَّة وليس إقامة الحلول. فالآب يكون معنا يسكب حبه الأبوي فنستمتع بالنبوة لله. نصنع منزلاً= الله هو الذي يصنع منزلاً عند من يطيع الوصية، فيسمح لله بأن يصنع المنزل. وعدم طاعة الوصية يعطل الله عن إقامة المنزل فالخطية تمنع عمل الله والخطية تنشأ من عدم المحبة. والمسيح يكون كقائد ومخلص والروح القدس للتعليم والشهادة والدفاع عن الإيمان. وهذا تنازل من الله أن يسكن عندنا الآن هنا على الأرض ويشترك معنا في ضيق الحياة وتنازل منه أيضاً أن نسكن نحن معه في منازل في السماء (2كو16:6). وفي الحالتين لنا مجد معد على الأرض أو في السماء. من يستضيف الله على الأرض يستضيفه الله في السماء. والإنسان يعجز عن أن يصنع منزلاً لله، ولكن من يطيع الله تاركاً الخطية يصنع الله عنده منزلاً يرتاح فيه هنا على الأرض، ويعطيه منزل في السماء. آية (24): "الذي لا يحبني لا يحفظ كلامي والكلام الذي تسمعونه ليس لي بل للآب الذي أرسلني." الذي لا يحبني= من إنجرف في تيار محبة العالم يتنكر لله وكلماته= لا يحفظ كلامي (يع4:4) الحب يترجم إلى طاعة للوصية. فأي موافقة لهيكل الله مع الأوثان (2كو16:6). هذه إجابة على سؤال يهوذا "لماذا لن يظهر نفسه للعالم" فالعالم لا يحبه. ليس لي بل للآب= فالمسيح يستعلن الآب ويستعلن الوحدة الذاتية مع الآب. ورفع مستوى الكلام الذي يتكلم به إلى مستوى الرسالة الإلهية. فمن لا يحفظ أقواله فهو لا يحب الله الآب. يهوذا سأل السيد لماذا يراك البعض ولا يراك البعض الآخر. وكانت الإجابة أن من يسمع كلامي يراني، وهذه أهمية دراسة الكتاب المقدس. آية (25): "بهذا كلمتكم وأنا عندكم." هنا المسيح يشرح أنه في الوقت الحاضر طالما هو موجود بالجسد فهو يعلم ويتكلم بشخصه، وعلى قدر فهمهم الآن. ويودع كلامه أمانة عندهم إلى أن يأتي الروح القدس فيعلمهم كل شئ ويذكرهم بكل ما قاله السيد المسيح. آية (26): "وأما المعزي الروح القدس الذي سيرسله الآب باسمي فهو يعلمكم كل شيء ويذكركم بكل ما قلته لكم." هنا المسيح يشرح أنه بعد إنطلاقه يكون الروح القدس هو العامل في هذه المعلنات، وهو الذي يعلم ويذكر بكل ما قاله المسيح. وما كتبه يوحنا بالذات في هذه الإصحاحات يشير فعلاً أن الروح القدس هو الذي ذكره بكل كلمة، فكيف يذكر يوحنا تفاصيل هذا الكلام بكل دقة لمدة 60سنة بل هذا الكلام سمعه يوحنا وهو في قمة التعب والألم (2بط21:1). وهذا معنى قول بولس الرسول "أما نحن فلنا فكر المسيح (1كو16:2) فالروح القدس يرفع فكرنا ويعلمنا ويذكرنا. فالروح الذي يفحص كل شئ حتى أعماق الله (1كو10:2) قادر أن يكشف لنا حتى أعماق الله. ولكن هل نجلس في هدوء لنتعلم. ونلاحظ أنه حين أخطأ الإنسان فارقه روح الرب (تك3:6) وبالفداء يعود الروح القدس للإنسان ليعطيه قوة القداسة مرة أخرى. ولم يكن هذا ممكناً أي أن يأتي الروح القدس قبل أن يتم الفداء لذلك قال المسيح خيرٌ لكم أن أنطلق (7:16-14). يذكركم= إذ يخطئ الإنسان أو يفكر في أن يخطئ يذكره الروح القدس بأنه سيخالف وصية المسيح ويذكره بالوصية. وفي كل موقف حرج يذكرنا بكلمات المسيح لنرد على ملوك وولاة. المعزي= أصل الكلمة الباراقليط وأتت هذه الكلمة 5مرات في العهد الجديد. ترجمت 4مرات بالمعزي (16:14،26 + 26:15 + 7:16) وكلها في إنجيل يوحنا. وجاءت مرة واحدة في (1يو1:2) عن المسيح وترجمت شفيع. ونلاحظ أنها في المرات الأربعة الأولى جاءت عن الروح القدس. ولكن المعنى واحد. وتشير الكلمة إلى من يدافع عنا في المحاكم أمام القضاء ولها معاني الشفيع والمعين والمشجع الذي يقف بجوار الضعيف ليسانده فيكون بمساندته له معزياً مشعراً إياه بالأمان وتعنى الحاضر للمعونة (بارا وملازم ومجاور ومنها parallel). وفي آية (16) سمعنا ان المسيح سيرسل الروح القدس معزياً آخر لأنه كان في حالة تجسده هو المعزي لهم والمدافع عنهم وفي السماء شفيعنا بفدائه والروح القدس شفيعنا في هذا العالم بعمله الخفي فينا بل هو يعلمنا ماذا نقول في الصلاة (رو26:8،27). والروح يعلمنا كل شئ يخص المسيح (مجده وعظمته ومحبته وطبيعته).وراجع (يو14:16) وإلاّ كيف دافعت الكنيسة عن الإيمان الصحيح ضد الهراطقة. بإسمي= أي بسبب يسوع وعمله وبحضوره وبواسطته. هو سيغيب جسدياً لكن هو حاضر بشخصه. والإسم يعلن كل قوة الإبن وطبيعته وقوته وعمله ومشيئته فكل هذا متضمن في الإسم. والآب سيرسله بشفاعة المسيح وفداء الإبن حتى صعوده للسماء. يرسله= جاءت في صيغة المستقبل الدائم فالروح القدس سيرسله الآب للكنيسة كل الأيام. وهو الروح القدس= لأنه يقدس الكنيسة ويهيأها كعروس للمسيح. آية (27): "سلاماً اترك لكم سلامي أعطيكم ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا لا تضطرب قلوبكم ولا ترهب." سلاماً= هذا عهد بين المسيح وكنيسته. سلامي= هي عطية المسيح، هبة من المسيح ووعد منه وهو يودع تلاميذه. سلام= إذ قد تبررنا بالإيمان لنا سلام مع الله (رو1:5) والله يعطي سلاماً يفوق كل عقل (في7:4) ولكن شرطه البر أي يدخله في الهدوء والسكينة الإلهية وطمأنينة وراحة وسط ضيقات العالم، راحة تتفوق على الإضطراب (2كو8:4). وهو سلام يرفعنا فوق ذواتنا ويسكن في قلوبنا ويملك عليها (كو15:3) فيوقف إضطرابها. إذاً مجال سلام الله في القلب والعقل. القلب منبع والعقل مصب. أترك لكم= هو الآن منطلق ويترك لهم السلام كميراث. أعطيكم= هو أيضاً هبة. ويتلازم السلام والفرح في وعود المسيح للمؤمنين كعربون لما سنتذوقه في الحياة الأبدية، وهما علامة الثبات في المسيح. لذلك فجهادنا الآن أن نثبت في المسيح (يو4:15) وعلامة الثبات السلام والفرح. فسلام المسيح مرتبط بالثبات في شخصه. ليس كما يعطي العالم= ماذا يعطي العالم؟ مال/ مناصب/ جاه/ مباهج زائفة وزائلة. وهذه كان تلاميذه ينتظرونها إذ كانوا يتصورون أنه سيملك ملكاً زمنياً ويكونون هم حاشيته. ولكن عطايا العالم إن أعطى فهي تدوم إلى زمن وسريعاً ما يذهب كل شئ ولكن عطية المسيح تملأ القلب وتمتد للأبدية وهي ثابتة. الإنسان العالمي إذ تقابله مشكلة [1] يهرب منها مثلاً بالنوم أو التليفزيون أو الإدمان [2] يؤجل الإنسان مشكلته ويظل يؤجل بلا نهاية [3] تنازل مقابل شئ أحصل عليه. وكل هذا لا يعطي سلام. أما سلام المسيح فهو باقي غير متغير وينمو. لا تضطرب قلوبكم= سيقابلكم الآن وبعد ذلك ضيقات كثيرة ولكن لا تخافوا فسأعطيكم سلاماً يملأ قلوبكم كعطية فائقة. بل أعطى المسيح تلاميذه أن يهبوا السلام للآخرين، وهذه قوَّة فعالة روحية تخرج مع النطق لتسكن الفكر والقلب وإذا لم تجد لها مكاناً في الآخرين تعود مرة أخرى إلى ناطقها (لو5:10،6). وهذا ما يصنعه الكاهن حينما يصلي قائلاً "السلام لكم" إيريني باسي. وفي نهاية كل إجتماع أو صلاة يقول "إذهبوا بسلام سلام الرب مع جميعكم" فهو بداية ونهاية كل صلاة (والشعب يرد على الكاهن ومع روحك أيضاً). نبدأ الصلاة بالسلام لنشترك في الصلاة بأذهان صاحية، وننهي به الصلاة كأننا نستودع السلام كعطية في قلوب الشعب قبل أن ينصرفوا. لكن من هو منفصل عن الله يحيا بلا سلام في حياته. لا تضطرب قلوبكم= هي نفس العبارة التي بدأ بها الإصحاح. لكن هي تعني هنا أن بالسلام الذي أعطيه لكم لن تضطرب قلوبكم. آية (28): "سمعتم أني قلت لكم أنا اذهب ثم آتى إليكم لو كنتم تحبونني لكنتم تفرحون لأني قلت امضي إلى الآب لأن أبي اعظم مني." سمعتم أني قلت لكم أنا أذهب= فلا تضطرب قلوبكم لهذا السماع. هنا المسيح يعزي تلاميذه عن فراقه لهم بالموت ويشرح لهم أن الموت هو الطريق الوحيد للخلود حاملاً معه كنيسته، وهو سيذهب لكنه سيأتي ليأخذهم معه. فالنتائج التي سيحصلون عليها هي أعظم مماّ لو بقى معهم، بل هو سيرسل لهم الروح القدس الذي يشرح لهم ويعلمهم ويذكرهم بكل شئ ويكشف لهم حقيقة المسيح، فكيف لا يفرحون بذهابه، فهو سيتمجد لحساب الكنيسة (لو26:24) وهم يكسبون مكاسب عظيمة (عب12:9،24 + عب24:7،25 + 1يو1:2 + يو2:14،3،16-18،26 + رو16:8،27). إذاً هم سيفرحون بأن المسيح بجسده سيكون له نفس مجد الآب. وهذا سيعود بالبركة على تلاميذه. أبي أعظم مني= يقولها المسيح وقد أخلى ذاته وصار إنساناً تحت الآلام. فالآب والإبن واحد في الطبيعة وفي الجوهر ومقامهما واحد. وحين يأخذ الإبن صورة المجد لا يقال هذا. فإن الآب في مجده فهو أعظم من حالة الإبن حال تجسده، والعبيد يهينونه بل هو قادم على موت شنيع وملعون. ويكون المقصود أن الصورة السماوية هي أعظم من الصورة الأرضية المتواضعة. آية (29): "وقلت لكم الآن قبل أن يكون حتى متى كان تؤمنون." المسيح يخبر تلاميذه بكل ما سيحدث من موت وقيامة وصعود وإرسال للروح القدس، حتى حينما يتم ذلك يزداد إيمانهم به. الآن= وأنا على وشك الرحيل. آية (30): "لا أتكلم أيضاً معكم كثيراً لأن رئيس هذا العالم يأتي وليس له في شيء." كثيراً= المسيح يعرف أن الساعة أتت ولا وقت للكلام الكثير، لقد إنتهى وقت التعليم بالكرازة وأتى وقت العمل بالفداء. أتى وقت الصراع مع رئيس هذا العالم الذي سيأتي بعد دقائق مع كل من حركهم ضده ليهجم عليه بأكبر وأشرس هجمة. رئيس هذا العالم= (لو5:4،6) نجد فيه نفس المفهوم، وأسماه بولس الرسول إله هذا الدهر (2كو3:4،4) أي إله هذا الزمان أو العالم (راجع أيضاً أف12:6) والشيطان قوي وقوته في القتل، أما مسيحنا فقوته في الحياة. الشيطان قوته في الكذب والغش والمسيح قوته في الحق (يو31:12 + مت29:12 + أع18:26 + أف12:6). ليس له فيّ شئ= كل إنسان خاطئ، للشيطان فيه شئ هو الخطايا التي أعطى له أن يعملها، لذلك يطالب بموته ثمناً للخطية. ولكن المسيح يقدم نفسه بإرادته ثمناً لخطايا غيره (يو46:8) "من منكم يبكتني على خطية" وكل من هو ثابت في المسيح يستطيع أن يقول "الشيطان ليس له فيّ شئ" آية (31): "ولكن ليفهم العالم أني احب الآب وكما أوصاني الآب هكذا افعل قوموا ننطلق من ههنا." مع أنني لست من العالم والشيطان ليس له فيّ شئ لكنني لأجل محبتي للآب وطاعتي له ومحبتي لكم أسلم نفسي للموت، وسمحت للشيطان أن يأتي عليّ. ويرى الناس طاعتي هذه فيعرفون محبتي للآب، فالطاعة علامة المحبة. لذلك فمن أجل أن إرادة الآب هي خلاص البشر من سلطان إبليس، فمن أجل تحقيق خطة الآب سمح السيد المسيح لإبليس أن يدخل معه في معركة كأنه إنسان عادي، يأتي إبليس ليقبض على روحه. لكن المسيح الذي بلا خطية لم يستطع إبليس معه شيئاً بل قبض هو على إبليس وقيده وأشهره جهاراً. ولاحظ أن المسيح قدم نفسه للموت بإرادته وليس للموت سلطان عليه. هو لم يمت مغلوباً من ضعف، فهو له سلطان الحياة. قوموا ننطلق من ههنا= هو كان يعلم أن أعداؤه إستعدوا له، فلم ينتظر أن يأتي إليه الموت، بل قام هو ذاهباً إليه في شجاعة وبمحض إرادته. قوله هذا يعني هيا نواجه الصليب. أليس عمله أن يعلن حب الآب وينفذ وصيته فهو يخرج طواعية وبمحض إرادته ليواجه الصليب والموت. بل قولهُ هذا لتلاميذه يعني أنكم ستتبعونني يوماً إلى الصليب فلا تهابوا. هذا القول هو تعليق على أنه ينفذ وصية الآب= كما أوصاني الآب. وهذه العبارة تعني غالباً أنهم خرجوا من العلية حيث غسل أقدامهم وقدّم لهم جسده ودمه في العشاء السري. وغالباً إنطلقوا إلى الهيكل حيث فاه السيد بتعاليمه الواردة في (ص15،16) وبعد ذلك صلّى صلاته الشفاعية (ص17) وبعد ذلك نسمع أنه خرج مع تلاميذه إلى عبر وادي قدرون (1:18) ووادي قدرون هذا هو وادي يفصل بين الهيكل وجبل الزيتون حيث بستان جثسيماني. وهناك من يقول أن تعاليم (ص15،16) كانت في الطريق. والصلاة (ص17) في الهيكل. والآية الأولى في (ص15) يحدثهم فيها المسيح أنه هو الكرمة الحقيقية ويقول المفسرون أن المسيح رأى كرمة في الطريق فأشار لها وقال أنا هو الكرمة الحقيقية. أمّا أصحاب الرأي الأول الذين يقولون أن تعاليم (ص15،16) كانت في الهيكل فيقولون أن الكرمة المقصودة هي كرمة ذهبية مجسمة على أبواب الهيكل (فالكرمة كانت ترمز لإسرائيل). عموماً فالمقصود إستعارة من واقع ما يرونه بعيونهم. والمسيح يستعمل ما نراه بعيوننا ليحدثنا عن طريقه (مثل الزارع والصياد والحقول..) والمسيح إختار الكرمة لأنهم منذ دقائق شربوا من عصير الكرمة أي دم المسيح الذي يعطيهم حياة فيكونوا أعضاء حية في كرمة المسيح. والكرمة قيلت أولاً عن إسرائيل ولكن قيل أنها أعطت ثمراً رديئاً (أر21:2،22+ أش1:5،2+ مز8:80-19+ مت23:21-46). وكل تطهيرات الناموس لن تفيد في تطهيرها ثانية فكان لابد أن تقطع ويغرس الله كرمة أخرى جديدة هي جسد المسيح السري فنحن أعضاؤه من لحمه ومن عظامه. ونحن نولد بالمعمودية لنكون أغصان في الكرمة وعصيرها أي دمه يسري فينا وحينما نحفظ الوصايا نثبت في الكرمة.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الإصحاح الرابع عشر الإصحاح الرابع عشر المسيح يطمئن تلاميذه و يعدهم بالروح القدس [ 1 ] المسيح يطمئن تلاميذه ( ع 1 - 4 ) مقدمة : يشمل هذا الإصحاح و الاصحاحان 15 ، 16 الحديث الاخير للمسيح مع تلاميذه ، و تناولت مواضيع عدة ابرزها دور الروح القدس و تشجيع التلاميذ علي الفترات الصعبة القادمة . ع 1 : " لا تضطرب " : كان الحديث في الإصحاح السابق مقلقا و مخيفا للتلاميذ ، فهناك الخيانة و الموت و الانكار ، و بسبب كل هذا ساءت حالتهم النفسية . و لهذا بدا المسيح في تعزيتهم و تشجيعهم بكلام طيب لينزع عنهم الاضطراب و يقدم لهم علاجا و هو الإيمان به و بكل ما قاله و إلا يقل ايمانهم به عن ايمانهم بالله ذاته . " انتم تؤمنون بالله " : يقدم السيد المسيح هنا أول علاج نافع للقلق و الاضطراب و هو مقدم لنا جميعا و ليس للتلاميذ فقط ، و هو الإيمان بالله ، أي به ، و بكل وعوده الصادقة التي وعدنا بها في شخص تلاميذه . + الإيمان بالله المدبر القوي و المحب لاولاده هو أول واهم علاج للقلق فليتنا نحتمي به في وقت الضيقة و التجربة . ع 2 : يقدم المسيح جانبا مشرقا لتلاميذه و هو انه إن فارقهم إلى حين فهذا من اجلهم و من اجلنا - ليعد مكانا في السماء حيث المجد غير المنظور . و كلمتي " منازل كثيرة تعين اتساع السماء غير المتناهي ، و تعني أيضا أن هناك منزلة تعلو عن أخرى ، كما أشار القديس بولس في ( 1كو 15 : 41 ) . فان كان الله في حبه قبل ابنائه المؤمنين في ملكوته ، فانه أيضا في عدله يكافئ كل إنسان بحسب تعبه و جهاده. ع 3 : فراقي عنكم ليس ابديا بل سوف اتي أيضا في مجدي و اضمكم إلى فتتمتعون بالوجود الدائم معي ، الذي ليس بعده فراق فاينما كنت تكونون أيضا معي . و هذا الوعد جعل القديسين في كل الأجيال لا يهتمون بهذه الحياة الارضية ، بل إن كل قلوبهم كانت معلقة علي حضن المسيح فلا يوجد شعور في العالم كله يعادل هذا الشعور الروحي في سعادته . ع 4 : " و تعلمون حيث أنا اذهب " المقصود به الذهاب إلى السماء ولكن مرورا بطريق الصليب . [ 2 ] أنا هو الطريق ... أنا في الأب ( ع 5 - 14 ) ع 5 : كأن ما قاله السيد المسيح في الاعداد السابقة لم يشبع توما التلميذ العقلاني بل ربما زاده حيرة فنجده في حالة استفسار فقد اقر بانه لا يعرف المكان ، وبالتالي لا يعرف الطريق إليه و قد قال سؤاله بصورة جمع فيها التلاميذ معه . ع 6 : كالعادة يجيب السيد المسيح علي سؤال زمني و مكاني محدود باجابة روحية عميقة ، فهو الطريق لكل تائه في غربة العالم متخبط في خطاياه ، و هو الحق أي كل ما عداه و خارج الإيمان به هو باطل ؟ و هو الحياة فيتمتع به كل من يحيا معه علي الأرض . و لا ينزعج من تقلبات العالم حتى يصل إليه في السماء ، فهو الحياة الأبدية " و ليس باحد غيره الخلاص " ( اع 4 : 12 ) + ليتنا نتعلم من توما اننسال الله و مرشدينا في الرب في كل ما نجهل فيكشف لنا الله ما هو ابعد و اعمق مما كانت ستصل إليه عقولنا . ع 7 - 9 : يربط المسيح هنا بين معرفة التلاميذ له و معرفة الأب نفسه ، فالاثنان واحد في الجوهر ، و رؤية الابن في سلطانه و معجزاته و وصيته هي رؤية جوهر الله ذاته . و لان الكلام كان صعبا ، لم يفهم فيلبس قصد المسيح ، و خاصة كلمة " رايتموه " فطالب برؤية الأب بالعيان ، إن كان هذا في مقدور المسيح ناسيا ما اعلنه المسيح سابقا : " أنا و الأب واحد " ( ص 10 : 30 ) فتاتي إجابة السيد المسيح معاتبة ... ابعد كل هذه السنوات و المعجزات و الأعمال و الامثال لم تعرفني بعد يا فيلبس ؟ ! ف " الذي راني قد رأي الأب " و تعتبر هذه الاية اعلانا مباشرا واضحا يضاف لما سبقه من اعلانات عن لاهوت المسيح و قد حرص القديس يوحنا علي ذكرها . ع 10 : يستكمل السيد المسيح حديثه مع فيلبس بسؤال بدعوه فيه لمراجعة نفسه ، في مدي الإيمان به ، بعد أن عاتبه في ( ع 9 ) ثم ينقل كلامه إلى باقي التلاميذ معلنا بوضوح انه في الأب و الأب فيه ؛ و المسيح هنا يؤكد علي مساواته بالاب ، و أن كل الأعمال التي يعملها مصدرها الأب . + و لكي نقرب لاذهاننا هذه الحقيقة ، نقول أن العلاقة بين الأب و الابن كعلاقة العقل بالفكر ، فالفكر مصدره العقل و العقل جوهره الفكر ، فلا يوجد عقل بلا فكر و لا فكر بلا عقل . ع 11 : ما زال الكلام موجها للتلاميذ بوجوب الإيمان بان المسيح هو الله ، كما أن الأب هو الله ، و لان المسيح يعلم أن الإيمان الكامل للتلاميذ لم يأت زمنه بعد ، يقدم لهم دليلا علي وحدانيته بالاب ، وهو كم المعجزات و الأعمال التي صنعها ، و لا يستطيع أحد القيام بها سوي الله . ع 12 : وعد غال و ثمين و مشجع جدا للتلاميذ القديسين ومن خلفهم كل من له ايمان صادق بالرب المسيح ، في أن يعمل أعمال المسيح ذاتها ولكن من خلال المسيح نفسه ، فليس لنا قوة في ذاتنا بل هي قوته الممنوحة لنا بالروح القدس ( اع 1 : 8 ) " يعمل اعظم منها " : من المحال أن يأتي المخلوق باعمال اعظم من خالقه . و لكن ما يقصده المسيح هنا ، أن المعجزات الروحية مثل إشباع النفوس بكلام الله ، اعظم من اشباعهم بالخبز و السمك ، و إحياء النفوس الميتة في خطاياها بالدعوة للتوبة ، افضل من اقامة الاموات جسديا . + و لهذا لا تستهين أيها الحبيب بما يستطيع أن يفعله المسيح من خلالنا نحن كنيسته إذ اودع بها كل قوته ليس من اجل الافتخار بل من اجل خلاص الآخرين وتمجيد اسمه القدوس . ع 13 - 14 : يقدم المسيح هنا كرامة اسمه القدوس و فاعلية و شفاعة استخدام هذا الاسم في إجابة كل سائليه بايمان ... وكلمة " مهما " تعني اتساع دائرة الطلب من التلاميذ المؤمنين و القدرة غير المتناهية لاستخدام اسم المسيح في الاستجابة . و هو ما جعل كنيستنا المرشدة بالروح القدس تستخدم اسم الرب في كل صلواتها فتختم الصلاة الربانية باسم المسيح يسوع ربنا ، وتردد اسمه القدوس في كل تسابيحها و صلواتها . [ 3 ] الوعد بالروح القدس ( ع 15 - 26 ) ع 15 : المحبة الحقيقية للمسيح ليست انفعالا عاطفيا بل هي طاعة و التزام و عمل بوصاياه ؛ فالطاعة الكاملة و الإيمان هما دليل الحب و برهانه . ع 16 : " اطلب من الأب " أي بعد إتمام الفداء و صعودي و كان اقنوم الابن يسلم لاقنوم الروح القدس رعاية الكنيسة في عهدها الجديد الذي بدأه الابن بدمه . " معزيا " في اليونانية تعني " معزيا و معينا و شفيعا و محاميا " و الترجمة العربية افقدتها معانيها و هذه المعاني توضح لمحة سريعة لعلم الروح القدس في حياتنا و في الكنيسة عموما . " يمكث معكم للابد " أي أن الكلام ليس قاصرا علي الكنيسة في عصر الرسل فقط ، و لكنه عامل فيها و في حياة ابنائها إلى نهاية الأزمان ... و هذه الاية من الايات التي يتلاقي فيها الثالوث الأقدس : فالابن طالب و الأب مجيب ، و الروح القدس مرسل لان الإرادة في الجوهر الالهي واحدة . ع 17 : " روح الحق " : الله هو الحق المطلق ، و لهذا لا يستطيع كل من لم يولد بالمعمودية من هذا الروح أن يقبله ، فالعالم مادي حسي يغرق في الباطل ، لهذا فهو لا يقبل الله ، الروح و الحق ، و لا يعرفه . أما من عرف الروح القدس و اسكنه قلبه فهو الذي يتمتع بمعرفة الله الحقيقية . " معكم ... فيكم ... " لم يعد الروح القدس يحيط فقط بابناء الله بل يسكن بداخلهم و هي عطية اخذها كل واحد منا في مسحة الميرون المقدس . و هذا ما يذكرنا به القديس بولس عندما يقول : " أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم " ( 1كو 6 : 19 ) ع 18 - 19 : إذ دنت ساعة الفراق بالموت ، أراد المسيح أن يطمئن تلاميذه بعدم تركهم يتامى بعد موته ، بل سوف يأتي اليهم و يروه ، في اشارة مباشرة لظهوره لتلاميذه طوال اربيعن يوما بعد القيامة من جهة و من جهة أخرى ، يتكلم عن ارسال الروح القدس و وجوده الدائم فيهم و معهم ، مما سوف يستعلن فيهم شخص المسيح دائما . من خلال تذكيرهم بكل ما علمهم ، و بكل ما اوصاهم به ، و بالتالي لن يكونوا يتامى طالما الروح القدس حال بداخلهم و معهم. ع 20 : " في ذلك اليوم " تحتمل معنيين : إما بعد اعلان قيامته أو بوم حلول الروح القدس . و كلمة " تعلمون " تاتي هنا بمعني تتاكدون دون أي شك . فبالرغم من كثرة الاعلانات السابقة عن وحانيته مع الأب ، إلا أن الكلام كان مبهما و غير مفهوم . و لكن ، سياتي يوم التاكد التام و استكمال المعرفة الناقصة . أما باحاديثه معهم خلال ال 40 يوما بعد قيامته من بين الاموات أو من خلال الروح القدس الذي يعلمهم اسرار لا ينطق بها . ع 21 : تزيد الاية هنا عما جاء في ( ع 15 ) بان هناك مكافاة الهية تتعلق و تتمتع بها قلوب ابناء الله المحبة له و العاملة بوصاياه ، و هي اعلان الله لذاته في حياتهم . حتى انهم يتمتعون بوجوده و صداقته اكثر من غيرهم ؛ فالله يحب البشر جميعا بدعوته لهم . أما من يعمل بوصاياه فله شان آخر إذ يري الله كل يوم في حياته . ع 22 - 24 : " يهوذا " هو تداوي اخو يعقوب بن حلفي ، و كاتب رسالة يهوذا . لم يفهم قصد الرب هنا إذ ظن أن المسيح سوف يظهر نفسه للتلاميذ فقط دون أن يراه الاخرون . و هذا ما جعله يسال متعجبا ... فأجابه المسيح ثانية بما سبق و قاله في ارتباط حبنا له بعملنا بوصاياه . و أضاف و اوضح بالاكثر مجازاة ذلك ، في انه و ابوه سوف يكون لهما الحضور و السكني الدائمة بالروح القدس في قلوب ابنائه العاملين بوصاياه ، و هي عطية تفوق كل العطايا التي يتمناها الإنسان الروحي فهي ليست استضافة لزيارة وقتية ، بل هي اقامة و صحبة و صداقة و وجود دائم . + ألا يشجعنا هذا يا صديقي أن نترك اعذارنا و كسلنا جانبا و نجتهد في الخروج بوصية المسيح إلى مجال التنفيذ و الجهاد فيها ، حتى نتمتع برؤية يد الله تعمل في حياتنا بقوة ملموسة و مدركة . و ينسب المسيح الكلام الذي قاله للأب ليوضح السلطان الالهي في هذا الكلام ، و يؤكد أيضا انه الابن الوحيد الذي خبر ( ص 1 : 18 ) ع 25 : أي كأنه يودع كلامه امانة في قلوبهم قبل انتقاله من العالم ع 26 : العودة هنا لما بدا و تكلم عنه السيد المسيح عن الروح القدس في ( ع 16 ) ، و يوضح دوره مع التلاميذ و الكنيسة في كل اجيالها ... فهو يعلمنا و يرشدنا لطريق خلاصنا و هو الذي يذكرنا دائما و يحضر لاذهاننا كل كلام و تعاليم المسيح الرب ، بل و يحثنا أيضا علي تنفيذها و الحياة بها وسط العالم ، و يعطينا القوة اللازمة لذلك . [ 4 ] سلام المسيح ( ع 27 - 31 ) ع 27 : إن كان الحيث هنا موجها للتلاميذ إلا انه يتجاوزهم للكنيسة كلها في كل زمان و مكان ، فميراث الاباء لابنائهم قد يكون مالا أو جاها أما ميراث المسيح و عطيته فهو سلام يفوق العقل و لا يفهمه العالم ، فالعالم كله لا يستطيع أن يعطي بعضا من هذا السلام ، و منح المسيح هذا السلام كهبة منه ، هو اشارة واضحة للاهوته كما تنبا عنه اشعياء " و يدعي اسمه عجيبا ، مشيرا ، الها قديرا ابا ابديا رئيس السلام " ( 9 : 6 ) ع 28 : " لو كنتم تحبونني .. " أي المحبة الروحية و ليست العاطفية فالعاطفة تحزن للفراق و لكن المحبة الروحية تتعداها ، لأنها تفهم و تعي نتائج ما يحدث بعد فراق المسيح للتلاميذ بالجسد ، مثل : اعداد المكان ( ع 2 ) ، ارسال الروح القدس ( ع 16 ) المتعة الدائمة مع الأب و الابن سواء في الأرض ( ع 23 ) أو السماء بعد ذلك ( ع 3 ) . و لعلنا نشعر بهذا أيضا و نفهمه في حياتنا عند انتقال أحد احبائنا القديسين إلى السماء فنحن نفتقده بالعاطفة الانسانية ، و لكن بالروح نفرح ، إذ صار لنا شفيع يطلب عنا أمام عرش النعمة إلى أن نلقاه نحن هناك أيضا . " أبى اعظم مني ... " ليس في الطبيعة لانهما متساويان في الجوهر . و لكنه يتكلم عن مجد لاهوته المخفي خلال رحلة الالم و الصلب بينما مجد الأب لا يخفي فصورة الابن المنظورة خلال الأيام القادمة خالية من كل عظمة بمفهوم البشر . و هنا يقول القديس بولس عن المسيح : " اخلي نفسه آخذا صورة عبد " ( في 2 : 7 ) أي ترك إظهار مجده اللاهوتي ، لكي يفدي البشر بجسده . و لما كانت هذه الاية من الايات التي استخدمها الكثير من الهراطقة ( المنشقين و اصحاب البدع ) للاقلال من شان مساواة الابن بالاب، فاليك أيها الحبيب ما قاله أيضا المسيح في نفس الإنجيل و في هذا الشان : (1) " أبى يعمل حتى ألان و أنا اعمل " ( ص 5 : 17 ) (2) " لكي يكرم الجميع الابن كما يكرمون الأب ( ص 5 : 23 ) (3) " أنا و الأب واحد " ( ص 10 : 30 ) (4) " الذي راني فقد رأي الأب " ( ع 9 ) (5) " أنا في الأب و الأب في " ( ع 10 ) (6) " كل ما هو لي فهو لك ، و ما هو لك فهو لي " ( ص 17 : 10 ) (7) " أنت أيها الأب في و أنا فيك " ( ص 17 : 21 ) ع 29 : أي كل ما يتعلق بالالام و رحلة الصليب و الاوقات الصعبة فمتي اتت اذن تتذكرون إنني تنبات لكم بكل هذا فلا يخور ايمانكم بل يثبت و يزداد . + أيها الحبيب ما احوجنا أن نتذكر وعود و اقوال السيد المسيح عن تعزياته و عنايته بنا في الاوقات الصعبة . فبقدر ايماننا و تمسكنا بوجوده بقدر ما ننال من ثبات و سلام وسط الضيقات . ع 30 : " لا أتكلم أيضا معكم كثيرا " أي لم يتبق للتلاميذ مع المسيح سوي ساعات قليلة و قد مضي زمن الكلام و التعليم ، و لم يبق سوي زمن الفداء و الصليب . " رئيس هذا العالم " أي إنها الحرب الاخيرة المزمع أن يقوم بها الشيطان ... من تهييج الكهنة و الشعب و إتمام خيانة يهوذا و كل المحاكمات و المؤامرات المصاحبة و هذا ما اعلنه المسيح في ( لو 22 : 53 ) هذه ساعتكم و سلطان الظلمة " " ليس له في شئ " أي أن الشيطان بكل قوته ليس له سطلان أمام بر و عظمة و سلطان المسيح . + و أيضا يا احبائي ... نفس هذا السلطان أعطى لابناء الله ، فالشيطان يجيد المؤامرات و يسبب الكثير من الحروب الخارجية ، و لكنه لا يستطيع الانتصار علي أحد من ابناء اببه الذين لهم وحدهم السلطان أن يسحقوه ، إن لم يستسلموا لاهوائهم و رغبات العالم الشريرة من حولهم . ع 31 : ترتبط هذه الاية بما قبلها أي انه بالرغم من أن رئيس هذا العالم ليس له في شئ و لكن لانني احب الأب فانني ابذل نفسي كارادته لخلاص العالم .
مصادر أخرى لهذا الإصحاح