كلمة منفعة
حياة التوبة هى بداية الطريق الروحي، لأنها انتقال من مقاومة الله ومعاداته إلى السير في طريقه.
— الطريق الروحي
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
انجيل معلمنا يوحنا - الاصحاح رقم 11 انجيل معلمنا يوحنا الإصحاح رقم 11 لاصحاح الحادي عشر إقامة لعازر من الأموات واهب القيامة يروي لنا القديس يوحنا قصة إقامة لعازر من الأموات التي حدثت قبل الأسبوع الأخير من حياته على الأرض بفترة قليلة، غالبًا في يوم السبت السابق لدخوله أورشليم. ويعلل البعض عدم عرض هذه المعجزة في الأناجيل الثلاثة الأخرى بأن لعازر كان لا يزال حيًا حين كتابتها، وخشوا لئلا يسبب له ذلك متاعب كثيرة، أما القديس يوحنا فسجل إنجيله بعد رحيل لعازر. قدم المعجزة ليكشف لنا عن شخص السيد المسيح أنه القيامة واهب الحياة، وغالب الموت. إذ كان يسوع مزمعًا أن يسلم نفسه للموت ويُدفن في القبر، أراد تأكيد سلطانه أنه يضع نفسه ويقيمها كما يشاء. إنها المعجزة الأخيرة التي سجلها القديس يوحنا، في شيءٍ من التفصيل. في قرية صغيرة تسمى بيت عنيا أو بيت العناء أو الألم وُجدت عائلة مجهولة من الناس محبوبة جدًا لدى السيد المسيح. فتحت هذه العائلة قلبها له، كما فتحت بيتها ليستريح فيه، وعرفت كيف تخاطبه. في وسط الآم الموت المرة والخطيرة بعثت الأختان رسالة: "يا سيد هوذا الذي تحبه مريض" (3). لم تطلبا لأخيهما الشفاء، ولا طلبتا من السيد أن يترك خدمته ويفتقدهما في ظروفها القاسية. مات لعازر وقال السيد لتلاميذه: "لعازر حبيبنا قد نام، لكني أذهب لأوقظه". دعا الموت نومًا، فإن من يلتصق بالمسيح "القيامة" لن يحل به الموت، بالنسبة له يُحسب الموت هبة وراحة. بعد أربعة أيام من وفاته دخل السيد القرية فلاقته مرثا وصارت تعاتبه: "يا سيد لو كنت ههنا لم يمت أخي، لكني الآن أيضًا أعلم أن كل ما تطلب من الله يعطيك الله إياه" (22). أكد لها السيد أن أخاها سيقوم، وإذ أعلنت عن إيمانها أنه سيقوم في القيامة... قال لها يسوع: "أنا هو القيامة والحياة". (25). لم يحتمل أن يرى الرب دموع الأختين إذ "بكى يسوع" (35). إنه يشاركنا مشاعرنا! إنه عجيب في حبه لبني البشر، لا يحتمل دموعهم بل يقول: "حوِّلي عني عينيكِ فانهما غلبتانيِ". وإذ انطلق إلى القبر وطلب رفع الحجر قالت مرثا: "يا سيد لقد أنتن لأن له أربعة أيام!" يقول القديس أغسطينوس أن إقامة لعازر من الأموات ليس موضوع دهشتنا بل موضوع فرحنا. فليس من المدهش أن ذاك الذي يخلق بقوته أناسًا يأتي بهم إلى العالم أن يقيم ميتًا، لكنه أمر مفرح أنه يهبنا القيامة ويمتعنا بالخلاص. يرى القديس أغسطينوس أن الأناجيل ذكرت قيامة ثلاثة أشخاص بواسطة السيد المسيح، وأن هذه الأعمال تحمل معانٍ تمس خلاصنا. فإن كان قد أقام هذه الأجساد إنما ليشير إلى قيامة نفوسنا. + أقام ابنة الرئيس في مجمع السنهدرين، وهي ملقاة في البيت (مر 5: 41-42)... ليهتم كل واحدٍ بنفسه his soul، فإنه في الخطية موت. الخطية هي موت للنفس. لكن أحيانًا تمارس الخطية في الفكر وحده. أنت تجد لذة فيما هو شر، إنك وافقتها في عملها؛ أنت تخطئ. هذه الموافقة هي قتل لك، لكن الموت في الداخل، لأن الفكر الشرير لم ينضج بعد ويتحول إلى عمل. لقد صرَّح الرب أنه يود أن يقيم مثل هذه النفس إلى الحياة، وذلك للصبية التي لم تُحمل بعد لكي تُدفن، إنما كانت ملقية ميتة في البيت، كما لو كانت الخطية لم تعد بعد ظاهرة. لكن إن كنت ليس فقط تحتضن شعورًا باللذة في الشر وإنما تمارس الشر، يمكن القول بأن الميت قد حُمل خارج الباب. إنك بالفعل في الخارج محمول إلى القبر. مع هذا فإن الرب أيضًا أقام مثل هذا إلى الحياة، وأعاد الشاب إلى أمه الأرملة. إن كنت تخطئ تب، فسيقيمك الرب، ويردك إلى الكنيسة أمك. إما المثل الثالث للموت فهو لعازر. إنه نوع خطير من الموت متميز بأنه تحول إلى العادة في ممارسة الشر. فإن السقوط في الخطية شيء وممارسة الخطية كعادة شيء آخر. من يسقط في الخطية وفي الحال يخضع للإصلاح يقوم إلى الحياة سريعًا، لأنه غير ساقطٍ في شرك عادة الشر، إنه لم يُلقَ بعد في القبر. أما الذي تحول إلى العادة في الشر فهو مدفون، وبحق يُقال عنه: "قد أنتن"، فإن سمته تحمل رائحة مرعبة، بدأ يحمل سمعة رديئة للغاية. مثل هؤلاء جميعًا اعتادوا على ارتكاب الجريمة، وهجروا الأخلاقيات... ومع هذا فإن قوة المسيح ليست بأقل من أن ترد مثل هؤلاء إلى الحياة. إننا نعرف ونرى في كل يوم أناسًا يتغيروا من أشر العادات، ويتقبلوا نوعًا من الحياة الفضلى أكثر من الذين يلومونهم... ليته لا ييأس أحد؛ ولا يستسلم. + بين كل العجائب التي صنعها الرب يسوع المسيح احتلت إقامته للعازر من الموت المقام الأول في الكرازة. القديس أغسطينوس 1. تبليغ السيد بمرض لعازر 1 - 16. 2. تحرك السيد نحو عائلة لعازر 17 - 32. 3. إقامة لعازر من الأموات 33 - 44. 4. أثر إقامة لعازر 45 - 57. 1- تبليغ السيد بمرض لعازر "وكان إنسان مريضًا، وهو لعازر من بيت عنيا، من قرية مريم ومرثا أختها". (1) لعازر: الاسم العبري غالبًا "اليعازر"، معناه يعينه يهوه. بيت عنيا: اسم أرامي معناه "بيت البؤس أو العناء"، وهي قرية في الجنوب الشرقي من جبل الزيتون على بعد ميلين تقريبًا من أورشليم، وتدعى اليوم العازرية، نسبة إلى إقامة لعازر من الموت. نقرأ عن مريم ومرثا في لوقا 10: 38 الخ أنهما تعيشان في الجليل. فإن كان الأمر هكذا، فغالبًا ما قامتا بتغيير إقامتهما في ذلك الحين في الجليل. واضح أن ربة البيت هي مرثا، الأخت الكبرى، وهي التي استضافت أختها الصغرى. ذكر القديس يوحنا مريم أولاً مع أنها الأصغر، ربما لأن مريم كانت أكثر شهرة في الكنيسة الأولى، وهي التي سكبت الطيب على قدمي السيد المسيح (12: 3)، كما اختارت النصيب الصالح الذي لا يُنزع منها (لو 10: 42). مريم: اسم عبرى معناه "عصيان". ومرثا: مؤنث كلمة آرامية معناها "ربة". "وكانت مريم التي كان لعازر أخوها مريضًا، هي التي دهنت الرب بطيبٍ، ومسحت رجليه بشعرها". (2) + مريم هذه ليست التي كانت زانية المذكورة في بشارة لوقا (لو 7: 37-50)، لأن هذه مريم أخرى، لأن تلك المرأة المذكورة في بشارة لوقا مملوءة أعمالاً رديئة كثيرة، أما هذه فكانت شريفة ثابتة في الفضيلة، اجتهدت في ضيافة السيد المسيح. القديس يوحنا الذهبي الفم "فأرسلت الاختان إليه قائلتين: يا سيد هوذا الذي تحبه مريض". (3) ليست من صلاة أبسط من هذه الصلاة القصيرة المملوءة تواضعًا مع ثقة وتسليم للأمر بين يديه. اكتفتا بعرض الحالة دون تقديم أي طلبٍ أو مجيء السيد إليهما لعلاج الموقف ومساندتهما. كان العرض في بساطة هو أن الذي يحبه مريض، فلن يتخلى عنه أو عنهما. وربما لم تطلب الأختان مجيئه إليهما، لأنهما تعلمان ما ورد قبلاً (في الاصحاح السابق) كيف أراد يهود أورشليم رجمه، فانطلق إلى ما وراء الأردن حتى لا يتمموا ما في نيتهم. هكذا لم ترد الأختان أن تضعاه في في وضعٍ فيه خطورة على حياته. وفي نفس الوقت كان لعازر صديقًا له، فاكتفتا بإبلاغه بأمر مرضه، وكانتا متأكدتين أنه حتمًا سيفعل شيئًا. لم تذكر الأختان اسم المريض ولا قرابته لهما، أي أنه أخوهما، بل دعوه "الذي تحبه". نحن نعلم أنه محب كل البشر، والكل كانوا يتلمسون رقته ولطفه وحبه، لكن الصيغة التي كتبت بها الأختان توحي بأن السيد المسيح يخص المريض بعلاقة محبة خاصة. لم تشيرا في الرسالة أن المرض كان خطيرًا، ربما لكي لا يزعجا السيد. + لماذا لم تفعلا مثل قائد المائة الشريف الذي ترك أخاه المريض وجاء إلى المسيح بدلاً من بعثهما رسالة إليه؟ كانت لهما ثقة كبيرة في المسيح، ولهما مشاعر قوية أسرية. بجانب هذا فإنهما امرأتان ضعيفتان حاصرهما الحزن. القديس يوحنا الذهبي الفم + يكفي أنك تعرف، فإنكَ لست بالذي يحب وينسى... لو لم يحب الله الخطاة لما نزل من السماء إلى الأرض. القديس أغسطينوس "فلما سمع يسوع قال: هذا المرض ليس للموت، بل لأجل مجد الله، ليتمجد ابن الله به". (4) أعلن لهم السيد بأن هذا المرض ليس للموت النهائي عن هذه الحياة، وإنما لموتٍ مؤقتٍ سُمح به لأجل مجد الله خلال إقامته من الأموات. يرى البعض أن كلمة "يتمجد" هنا كما في كثير من الأحيان في هذا السفر لا تعني نوال كرامة أو إبراز سمو الشخص، وإنما تعني قيام الشخص بإرادته بعمل يبدو أقل من مستواه من أجل محبته وخدمته للغير، دون إلزام من آخر، خاصة حينما يتحدث عن الصلب كمجد للابن والآب، حيث يبذل الابن ذاته من أجل خلاص الخطاة ومجدهم الأبدي. مسيحنا الذي لا يصنع العجائب إلاَّ من خلال دافع الحب غالبًا ما يربط موضوع إقامة لعازر بمجد صليبه، إذ جاء هذا العمل تمهيدًا لصلبه. + يليق بنا أن ندهش من أختي لعازر، فبعدما سمعتا أن المرض ليس للموت ورأتاه ميتًا لم تتعثرا، مع أن ما حدث كان على خلاف ما قيل. مع كل هذا جاءتا إلى الرب ولم تفكرا أنه تنطقا بشيءٍ باطلاً. + انظروا كيف ذكر أن له ولأبيه أيضًا المجد الواحد، لأنه إذ قال: "لأجل مجد الله"، قال بعد ذلك "ليتمجد ابن الله به". القديس يوحنا الذهبي الفم + تمجيد الله لا يضيف شيئًا إلى كرامته، إنما لنفعنا. لهذا يقول: "ليس للموت" (4)، لأنه حتى هذا الموت ذاته ليس هو موتًا، بل بالأحرى صنع معجزة بها يُقتاد الناس إلى الإيمان بالمسيح، فيهربون من الموت الحقيقي. القديس أغسطينوس "وكان يسوع يحب مرثا وأختها ولعازر". (5) يشير هنا إلى محبة السيد المسيح لمرثا بكونها الأخت الأكبر ثم مريم ولعازر. إنه كان يستريح للأسرة ككل، وكان كل عضو من الأسرة يشعر بدالة خاصة ومحبة المسيح له شخصيًا. + فإن قلت: لِمَ ذكر البشير موضحًا في هذا الخبر أن السيد المسيح أحب لعازر؟ أجبتك: "ليعلمنا ألا نستاء أو نترك الرب عند حدوث مرض للرجال الثابتين في فضيلتهم المحبوبين عند الله". القديس يوحنا الذهبي الفم + واحد مريض واثنتان في حزن، الكل محبوبون. لكن ذاك الذي أحبهم هو منقذ المرضى، بل بالأكثر هو مقيم الموتى، وهو معزي الحزانى. القديس أغسطينوس "فلما سمع أنه مريض مكث حينئذ في الموضع الذي كان فيه يومين". (6) لكل شيء عند السيد المسيح وقته المناسب حسب فكره الإلهي وليس حسب فكرنا نحن البشري. ففي عرس قانا الجليل إذ قالت له أمه "ليس لهم خمر" (يو 2: 3) قال لها: "لم تأتِ ساعتي بعد" (يو 2: 4). وعندما طلب منه اخوته أن يذهب إلى اليهودية لاقتراب عيد المظال أجابهم: "إن وقتي لم يحضر بعد" (يو 7: 5). وهنا كنا نتوقع سرعة ذهابه لبيت عنيا لمساندة أحبائه، لكننا نجده يمكث في الموضع يومين. إنه يعرف اللحظة المناسبة لكل عملٍ. في المعجزات السابقة جميعها ما يشغل قلب السيد المسيح إبراز حبه للمتألمين، هنا تأخر لأنه في محبته للأسرة كلها كان يود تأكيد حقيقة، وهي أنه هو "القيامة"، إذ حان وقت موته وقيامته. لهذا لم يسرع بالذهاب ليشفيه في مرضه، ولا بعد موته مباشرة، بل تركه يبقى في القبر إلى اليوم الرابع حتى ينتن الجسد، فيتأكد الكل بأنه واهب الحياة والقيامة حتى بعد أن يفسد الجسد. + لماذا مكث؟ حتى يخرج النفس الأخير ويُدفن، فلا يقول أحد أنه لم يكن ميتًا بل كان غارقًا في نومٍ عميق، أو أنه كان قد غشى عليه ولم يكن موتًا. لهذا السبب مكث يومين حتى يحدث الفساد، وتقولا: "قد أنتن" (39). القديس يوحنا الذهبي الفم "ثم بعد ذلك قال لتلاميذه: لنذهب إلى اليهودية أيضًا". (7) بقوله لتلاميذه: "لنذهب إلى اليهودية أيضًا" (7) يوضح السيد رحمته حتى نحو غير المستحقين. فمع عدم استعداد اليهودية لقبوله يطلب الذهاب مرة أخرى لرافضيه. إنه لا يكف عن أن يقدم الفرص لكل نفسٍ لعلها تتمتع به حتى وإن رفضته قبلاً. + لماذا أخبرهم هنا مقدمًا إلى أين هو ذاهب مع أنه لم يفعل ذلك في أي موضع آخر؟ كانوا في رعبٍ شديد... لذلك حذرهم مقدمًا حتى لا يضطربوا أمام عنصر المفاجأة. القديس يوحنا الذهبي الفم "قال له التلاميذ: يا معلم الآن كان اليهود يطلبون أن يرجموك وتذهب أيضًا إلى هناك". (8) منذ أسابيع قليلة كان اليهود يريدون رجمه في الهيكل في عيد التجديد (يو 10: 31). + أرادوا بنصيحتهم أن يحفظوا الرب من الموت، ذاك الذي جاء ليموت ليخلصهم من الموت. القديس أغسطينوس + خافوا عليه أيضًا، لكنهم بالأكثر خافوا على أنفسهم، لأنهم لم يكونوا بعد كاملين. لهذا فإن القديس توما وقد هزه الخوف، قال: "لنذهب نحن أيضًا، لكي نمـوت معه" (16)، لأن توما كان أكثر ضعفًا وعدم إيمان عن البقية. لكن انظروا كيف شجعهم يسوع بما قاله: "أليست ساعات النهار اثنتي عشرة؟" (9). القديس يوحنا الذهبي الفم "أجاب يسوع: أليست ساعات النهار اثنتي عشرة؟ إن كان أحد يمشي في النهار لا يعثر، لأنه ينظر نور هذا العالم". (9) طريقنا مملوء بالعثرات، من يسلك في النور لن يعثر، أما من يبقى في الظلمة فيعثر. من يشرق عليه شمس البرّ يستنير، وينطلق كما من مجدٍ إلى مجدٍ، وتصير العثرات بالنسبة له كلا شيء، بل علة نصرته وإكليله. أما من يسلك حسب شهوات جسده وفكر العالم الشرير وكبرياء قلبه فيبقى متعثرًا، ويعطي لنفسه أعذارًا لا حصر لها. لم يخفْ السيد المسيح من الموت، لأنه هو النور الذي لن تصمد أمامه قوات الظلمة. وهكذا من يلتحف به يسير كل أيام غربته بلا خوف ولا اضطراب ولا قلق. كان اليهود مثل كثير من الأمم يقسمون النهار من شروق الشمس إلى غروبها إلى 12 قسمًا أو ساعة تطول أو تقصر حسب مواسم السنة المختلفة. رحلة العبور إلى السماء لا تبدأ بالليل حين ينتقل الإنسان من العالم، إنما تبدأ في النهار وهو يجاهد في حياته، واثقًا في نعمة الله التي تسير به نحو الأبدية. أعطانا الله ساعات النهار كفرصٍ ثمينةٍ للعمل، تصير لها قيمتها حين نستغلها كما يليق وإلا صارت كلا شيء. + إنه يشير إلى نفسه أنه هو النهار، وقد اختار اثني عشر تلميذًا. يقول: إن كنت أنا هو النهار وأنتم الساعات، فهل تعطي الساعات نصيحة للنهار؟ الساعات تتبع النهار، لا النهار يتبع الساعات... إنه يشير إلى نفسه أنه النهار الروحي. لتنصت الساعات إلى النهار، ولتكرز بالنهار، إذ تُعرف وتستنير بالنهار، وبكرازة الساعات يؤمن العالم بالنهار. وباختصار بحق قال: "اتبعوني إن كنتم لا تريدون إن تتعثروا". القديس أغسطينوس "ولكن إن كان أحد يمشي في الليل يعثر، لأن النور ليس فيه". (10) + قال هذا لكي يظهر أن من يشعر أنه ليس فيه شر فلن يلحق به أمر مخيف؛ إنما من يفعل الشر يلحق به هذا. لهذا يلزمنا ألا نخاف لأننا لا نفعل ما يستحق الموت. أو لعله يقول هذا أن من ينظر نور هذا العالم هو في أمان، فإن كان من يرى نور هذا العالم هو هكذا في أمان، كم بالأكثر من يكون معي، ما دام لا يعزل نفسه عني؟! إذ شجعهم بهذه الكلمات أضاف هدف ذهابهم إلى هناك الذي يلزمهم، وإذ أبرز ذلك يذهبون لا إلى أورشليم بل إلى بيت عنيا (11، 12). القديس يوحنا الذهبي الفم "قال هذا، وبعد ذلك قال لهم: لعازر حبيبنا قد نام، لكني أذهب لأوقظه". (11) يدعو السيد المسيح المؤمن "حبيبنا"، ولم يقل "حبيبي"، فإن دخولنا في عهد مع الله يجعلنا أحباء ليس فقط له، بل ولكل الكنيسة، بكونه عضوًا فيها. موت لعازر لا يقطع الصداقة بينه وبين السيد المسيح وكنيسته، بل يبقى صديقًا له ولكل الكنيسة عبر كل الأجيال. + كأنه يقول: "إنني لست أذهب بذات الهدف الذي كان قبلاً، أن أجادل وأصارع مع اليهود، وإنما لكي أوقظ صديقنا. القديس يوحنا الذهبي الفم يدعو السيد المسيح الموت "نومًا". النوم فيه راحة جسدية حيث يستعيد الجسم طاقته، ليبدأ بيقظته يومًا جديدًا في حيويةٍ ونشاطٍ. هذا حق بالنسبة لنوم الموت، فالمؤمن إذ ينام يقوم في حياة جديدة بإمكانيات جديدة في عالم جديد. + بالحقيقة لا يُقال عن القديسين أنهم أموات بل يقال عنهم أنهم راقدون. القديس جيروم + بالنسبة لأختيه هو ميت، أما بالنسبة للرب فهو نائم. هو ميت بالنسبة للبشر غير القادرين أن يقيموه، أما الرب فأقامه من القبر بسهولة جدًا كمن ييقظ نائمًا على سريره. فإنه بالنسبة لسلطانه تكلم معه كنائمٍ، وأيضًا بالنسبة للآخرين وهم موتى غالبًا ما يتحدث الكتاب المقدس عنهم كنائمين. وكما يقول الرسول: "ثم لا أريد أن تجهلوا أيهـا الأخوة من جهة الراقدين، لكي لا تحزنوا كالباقين الذين لا رجاء لهم" (1 تس 4: 13). لذلك تحدث عنهم أيضًا كراقدين، إذ سبق فأخبرهم عن قيامتهم. وهكذا كل الأموات هم راقدون، سواء كانوا صالحين أم أشرارًا. القديس أغسطينوس يرى القديس أغسطينوس أن جميع الأموات أشبه بالنيام، لكن بعضهم يتمتع بأحلام سعيدة، والآخرون مرعبة. أو هم أشبه بمن هم في مكان حفظ مؤقت، لكن بعضهم مثل لعازر المسكين الذي يتنعم في حضن أبيه إبراهيم، بينما الغني الغبي في عطشٍ شديدٍ لا يجد من يهبه نقطة ماء (لو 16: 32-24). الكل سيخرج لينال كل واحدٍ حسب أعماله. + إن كان ليس اسم "أرملة" هو الذي يضايقك، إنما فقدانك لمثل هذا الزوج، فإنني أوافقك أن قليلين هم أمثال ذلك الرجل في عالم الرجال، في حبه ونبله وتواضعه وإخلاصه وحكمته وورعه. حقًا، لو أنه هلك كلية أو انتهي أمره تمامًا، لكان ذلك كارثة عظمى وكان الأمر محزنًا. لكن إن كان كل ما في الأمر أنه أبحر إلي ميناء هادئ، وقام برحلة إلي اللَّه الذي هو حقًا ملكه، لهذا يلزمنا ألا نحزن بل نفرح. فإن هذا الموت ليس بموتٍ، إنما هو نوع من الهجرة والانتقال من سيئ إلي أحسن، من الأرض إلي السماء، من وسط البشر إلي الملائكة ورؤساء الملائكة ، بل ومع اللَّه الذي هو رب الملائكة ورؤساء الملائكة. لأنه عندما كان يخدم الإمبراطور هنا على الأرض كانت تحف به مخاطر الأشرار ومكائدهم. وبقدر ما كان صيته يتزايد، كانت خطط الأعداء (الحاسدين) تلتف حوله، والآن قد انتقل إلي العالم الآخر حيث لا يمكن أن ننتظر شيئًا من هذا. فبقدر ما تحزنين لأن اللَّه أخذ إنسانًا هكذا كان صالحًا ومكرمًا كان يجب أن تفرحي أنه رحل إلي مكان أكثر أمانًا وكرامة، متخلصًا من مضايقات الحياة الحاضرة الخطيرة، إذ هو الآن في أمان وهدوء عظيم. إن كان لا حاجة لنا أن نعرف أن السماء أفضل من الأرض بكثير، فكيف نندب الذين رحلوا من هذا العالم إلي العالم الآخر؟!. لو كان زوجك سالكًا مثل أولئك الذين يعيشون في حياة مخجلة لا ترضى اللَّه، كان بالأولي لكِ أن تنوحي وتبكي، ليس فقط عند انتقاله، بل حتى أثناء وجوده حيًا هنا. لكن بقدر ما هو من أصدقاء اللَّه، يلزمنا أن نُسر به، ليس وهو حيّ هنا، بل وعندما يرقد مستريحًا أيضًا. وإذ يلزمنا أن نفعل هذا، استمعي ما يقوله الرسول الطوباوي: "لي اشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح، ذاك أفضل جدًا" (في 23:1). القديس يوحنا الذهبي الفم "فقال تلاميذه: يا سيد إن كان قد نام فهو يُشفى". (12) كثيرًا ما يكون النوم خاصة بعمقٍ بالنسبة للمريض إحدى علامات شفائه. لذلك إذ قال السيد أن لعازر قد نام رأى التلاميذ أنه لا ضرورة لذهاب السيد إلى اليهودية لشفائه، لأنه قد بدأ شفاؤه بنومه العميق. ولم يتصور التلاميذ كيف يسيروا مع يسوع المسيح رحلة تمتد إلى يومين أو ثلاثة أيام وإلى بلد مقاومٍ لهم لكي يوقظوا صديقًا من نومه. "وكان يسوع يقول عن موته، وهم ظنوا أنه يقول عن رقاد النوم. فقال لهم يسوع حينئذ علانية: لعازر مات". (14) + نطق بالكلمة الأولى "نام" راغبًا في تأكيد أنه لا يحب الافتخار، وإذ لم يفهموا أضاف "مات". القديس يوحنا الذهبي الفم "وأنا أفرح لأجلكم إني لم أكن هناك لتؤمنوا، ولكن لنذهب إليه". (15) إذ مات لعازر وفقد الكل الرجاء في عودته للحياة تحرك الرب نحوهم ليعلن أنه رجاء من ليس له رجاء، ومعين من ليس له معين. حينما يقول البشر: "يبست عظامنا، وهلك رجاؤنا، قد انقطعنا" (حز 37: 11) يقول السيد الرب: "هأنذا أفتح قبوركم، وأصعدكم من قبوركم يا شعبي... فتعلمون أني أنا الرب عند فتحي قبوركم، واصعادي إياكم من قبوركم يا شعبي". + لماذا يقول: "لأجلكم"؟ لأني سبق فأخبرتكم مقدمًا عن موته، وإذ نحن هناك عندئذ إذ أقيمه لا يوجد شك من جهة الخداع. ألا ترون كيف كان التلاميذ غير كاملين في وضعهم وغير مدركين لقوتهم كما ينبغي؟ هذا كان بسبب الرعب الذي حل بهم والمتاعب والاضطرابات التي لنفوسهم. عندما قال: "انه نائم" أضاف "أذهب لأوقظه"، لأنه لم يرد أن يخبرهم مسبقًا بالكلام ما يحققه فعلاً بالأعمال. فإنه دومًا يعلمنا ألا نطلب المجد الباطل، ولا أن نقدم وعودًا بلا سبب. إن كان قد فعل هذا في حالة قائد المائة عندما قال "أنا أذهب وأشفيه" (مت 8: 7)، كان ذلك من أجل إيمان قائد المائة الذي قال هذا. وإن قال أحد: "كيف ظن التلاميذ انه نائم؟ كيف لم يفهموا أنه يعني بذلك الموت بقوله: "أنا أذهب لأوقظه" فإنه من الغباوة أن يفهموا أنه يذهب خمس عشرة غلوة stadia ليوقظه. نجيب على ذلك يبدو أنهم ظنوا بأن كلماته غامضة كما اعتاد أن يتحدث معهم. القديس يوحنا الذهبي الفم لم يقل "لنذهب إلى أختيه لتعزيتهما" بل "إليه"، فالموت لا يقدر أن يفصل السيد المسيح وكنيسته عن المنتقل، فيذهب الكل إليه بالحب ويلتقوا معه كعضوٍ حي في جسد المسيح. لم يقل "اذهب"، بل "لنذهب" فيضم الكنيسة كلها معه للالتقاء مع الراقدين. "فقال توما الذي يقال له التوام للتلاميذ رفقائه: لنذهب نحن أيضًا، لكي نموت معه". (16) "توما" تعني توأم، يُقال له باليونانية ديديموس Didymus وتعني "توأم". أثار اخوته التلاميذ بقوله هذا. يصعب إدراك نيته، هل كان يتحدث بشجاعة، فلا يبالي بالموت، مفضلاً أن يذهبوا جميعًا ليتعرضوا مع يسوع المسيح للموت الذي ينتظره، وكأنه يقول مع راعوث: "حيثما مت أموت وهناك أدفن" (را 1: 18). مفضلاً أن يكون في رفقة المسيح وإن كانت تكلفة ذلك هو "الموت"، عن أن يحيا وليس في رفقة السيد المسيح. أم تحدث هكذا عن خوفٍ كما بنوع من الدعابة أو عن تبرمٍ. + لقد ارتاع التلاميذ من ملاقاة اليهود، أما توما الرسول فكان أكثرهم رعبًا، لذلك قال: "لنذهب نحن أيضًا لكي نموت معه"، ولأنه كان أضعف عزمًا من التلاميذ الآخرين وأقلهم إيمانًا. + يقول البعض أنه رغب في أن يموت (مع يسوع) لكن الأمر ليس كذلك، فإن التعبير هنا يصدر عن شخص في جبنٍ. إلاَّ أن المسيح لم يوبخه بل سند ضعفه، وبعد ذلك صار أكثر قوة من الجميع، لا يُقهر. فالعجب في هذا أننا نرى شخصًا كان ضعيفًا هكذا قبل الصلب، صار بعد الصلب وبعد إيمانه بالقيامة أكثر غيرة من أي شخصٍ. عظيمة هي قوة المسيح! ذات الشخص الذي لم يجسر أن يذهب مع المسيح إلى بيت عنيا هو بعينه وهو لا يرى المسيح يجري وحده في العالم المسكون، ويقطن بين الأمم المملوءة بالقتل والذين يطلبون قتله. القديس يوحنا الذهبي الفم 2. تحرك السيد نحو عائلة لعازر "فلما أتى يسوع وجد أنه قد صار له أربعة أيام في القبر". (17) يسجل لنا الإنجيليون الآخرون بعض الأحداث التي تمت خلال هذه الرحلة نحو بيت عنيا، مثل شفاء الأعمى عند أريحا، واللقاء مع زكا وقبوله الإيمان بالمسيح. مع محبة السيد المسيح للعازر وأختيه وذهابه ليقيمه من الأموات لم يتجاهل احتياجات الآخرين، إنما أينما وُجد يصنع خيرًا. يرى القديس أغسطينوس أن الأربعة أيام التي عبرت بلعازر في القبر تشير إلى مراحل البشرية. اليوم الأول هو يوم سقوط آدم وحواء حيث ملك الموت على آدم وبنيه. واليوم الثاني يشير إلى الإنسان وقد كسر الناموس الطبيعي الشاهد لله. واليوم الثالث يشير إلى كسر الناموس الموسوي، وأخيرًا جاء اليوم الرابع حيث كُرز بالإنجيل، ووهب السيد المسيح الحياة الجديدة المقامة للموتى في الخطايا. وُجد اعتقاد لدى اليهود أن النفس تحوم حول الجسد بعد الموت لمدة ثلاثة أيام، وفي اليوم الرابع تفارقه بلا أمل قط للعودة إلى الجثمان. وكأنه في اليوم الرابع ينقطع كل أملٍ برجوع الإنسان إلى العالم مرة أخرى. "وكانت بيت عنيا قريبة من أورشليم نحو خمس عشرة غلوة". (18) صنع السيد المسيح معجزات لا حصر لها في الجليل، أما في أورشليم فمع كثرة معجزاته يختار الإنجيلي يوحنا معجزات لها مدلولها الخاص بالنسبة للشعب والقيادات مثل مفلوج بيت حسدا الذي عانى من الفالج 38 سنة، وشفاء المولود أعمى، وإقامة لعازر في اليوم الرابع من موته. كانت بيت عنيا على بعد حوالي ميلين من أورشليم، فالميل اليهودي يحوي سبع غلوات ونصف. + ليس بدون سبب يشير إلى هذا، فقد أراد أن يخبرنا أنها كانت قريبة (من أورشليم) وربما لهذا السبب جاء كثيرون. القديس يوحنا الذهبي الفم "وكان كثيرون من اليهود قد جاءوا إلى مـرثا ومريم ليعزوهما عن أخيهما". (19) كان الحزن عند اليهود يستمر لمدة حوالي شهر، يدعون الثلاثة أيام الأولى "أيام الحزن"، يليها سبعة أيام تُدعى "أيام المراثي". في فترة الحزن لا يعمل أهل الميت شيئًا، وإن حياهم أحد فلا يردون السلام عليه. أما في أيام المراثي فلا يمارسون أعمالاً إلاَّ ما هو خاص: ينامون في فراش على الأرض، ولا يرتدون نعالهم، ولا يغتسلون أو يدهنون أنفسهم، يغطون رؤوسهم ولا يقرأون في الشريعة أو المشناه Mishnah أو التلمود Talmud. وفي بقية الثلاثين يومًا لا يحلقون شعرهم ولا يرتدون ثوبًا أبيض أو ثوبًا جديدًا، ولا يخيطون أي تمزيق يحدث في الثياب أثناء الجنازة. جاءت كلمة "اليهود" في هذه السفر لتعني المقاومين للسيد المسيح، لذلك يرى البعض أن هؤلاء مع مقاومتهم للسيد شعروا بفداحة الكارثة فجاءوا إلى مرثا ومريم لا كزيارات عابرة بل للإقامة يومين أو ثلاثة مع أهل المنتقل في البيت، خاصة إن كان المنتقل هو رب البيت. + كيف كانوا يعزونهما وقد كان السيد المسيح يحبهما، وقد قرر اليهود إن اعترف معترف أن هذا هو المسيح كان يخرج خارج مجمعهم؟ نقول: إنهم كانوا يعزونهما، إما لضرورة مصابهما، وإما أنهم احتشموهما، لأنهما كانتا أشرف حسبًا من غيرهما، وإما أن يكون هؤلاء الذين جاءوا ما كانوا أشرارًا، لأن كثيرين منهم آمنوا بالسيد المسيح. القديس يوحنا الذهبي الفم "فلما سمعت مرثا أن يسوع آت لاقته، وأما مريم فاستمرت جالسة في البيت". (20) يبدو أن مرثا كانت تترقب مجيئه بكل غيرة، وتطلب ذلك ليهبها هي وأختها تعزية. وإذ سمعت أنه في الطريق إلى البيت تركت كل مراسيم الجنازات وتقاليدها، وتركت المعزين القادمين لزيارتها، وأسرعت لتلتقي بيسوع. تركت البيت وأيضًا القرية والتقت به في خارج القرية. أما مريم فبقت في البيت، ربما بسبب شدة حزنها الذي أفقدها القدرة على سرعة الحركة، أو لأنها لم تكن قد سمعت عن مجيئه. يرى البعض أن مرثا هي الأكبر سنًا وهي التي كانت تدير شئون البيت (لو 10: 40). + إن قلت: فما كان غرض مرثا في أنها لم تأخذ أختها عندما خرجت لاستقبال السيد المسيح؟ قلت: إنها أرادت أن تخاطبه على انفراد وتخبره بما حدث. لكن عندما قدم لها رجاءً صالحًا ذهبت ودعت مريم، التي لاقته بينما كان حزنها في أعلى درجاته. ألا ترون كيف كان حبها ملتهبًا؟ هذه هي مريم التي قال عنها: "مريم اختارت النصيب الصالح" (لو 10: 42). قد يقول أحد: "كيف ظهرت مرثا أكثر غيرة منها؟" لم تكن أكثر غيرة منها، إنما ظهرت هكذا لأن مريم لم تكن بعد قد علمت بمجيئه؛ مرثا كانت أضعف منها. فإنها حتى عندما سمعت مثل هذه الأمور من المسيح تحدثت بطريقة كمن يحبو: "لقد أنتن لأن له أربعة أيام" (39). أما مريم وهي لم تسمع شيئًا لم تقل هكذا، وإنما في الحال آمنت. القديس يوحنا الذهبي الفم "فقالت مرثا ليسوع: يا سيد، لو كنت ههنا لم يمت أخي". (21) وهي نفس الكلمات التي قالتها أختها فيما بعد (32)، مما يكشف أنهما لم يكونا بعد يدركا شخص السيد المسيح كما ينبغي، أنه حاضر في كل مكان. لقد حملت إيمانًا أنه كان قادرًا بحضوره أن يمنع الموت من الاقتراب نحو أخيها، كما آمنت بحنوه وترفقه. كان إيمانها كالقصبة المرضوضة التي لن يقصفها يسوع المسيح، بل يسدنها ويدعمها. "لكني الآن أيضًا أعلم أن كل ما تطلب من الله يعطيك الله إياه". (22) عادت مرثا تلوم نفسها وتصحح حديثها مع السيد المسيح، فإنها تؤمن بأنه حتى بعد موت أخيها إن طلب السيد من الله (الآب) شيئًا، أي إقامته، فسينال طلبته. لم تجسر وتقول أن يقيم أخاها، لكنها طلبت ذلك بطريق غير مباشر، وتركت له أن يحكم في الأمر، إن كان يقيم لعازر أم لا. آمنت أنه إن طلب من الله شيئًا يعطيه إياه، ولم تدرك أنه هو الحياة، له الحياة في ذاته، وأن ما يفعله إنما بقوته، لأنه واحد مع الآب. + أرأيت حكمتهما (مريم ومرثا) السماوية؟ وإن كان عزمهما ضعيفًا، لكنهما عندما أبصرتا السيد المسيح لم تنهارا في الحال في العويل، ولا إلى فجائع الندب، ولا إلى النوح، وذلك كما يعرض لنا نحن إذا رأينا أقوامًا من معارفنا داخلين عندنا في حال نوحنا. إذ اعتبرتا السيد المسيح معلمًا، لأنهما آمنتا به. لكنهما جهلتا شرفه السامي واقتداره بالقول: "أعلم أن كل ما تطلب من الله يعطيك الله إياه". فخاطبتاه كمن يخاطب من هو ثابت في الفضيلة فينال ما يطلبه. القديس يوحنا الذهبي الفم "قال لها يسوع: سيقوم أخوكِ". (23) جاءت إجابة السيد المسيح لسؤال مرثا المملوء تواضعًا والمثير للشفقة: "سيقوم أخوكِ" (23). + هكذا فند السيد القول السابق: "كل ما تطلب" (22)، إذ لم يقل: "أنا أطلب" بل ماذا؟ "سيقوم أخوكِ". لو أنه قال: "يا امرأة إنكِ لا تزالين تتطلعين إلى أسفل، فإني لست محتاجًا إلى عونٍ من آخر، بل أفعل كل شيء بذاتي"، لكان ذلك بالنسبة لها أمرًا خطيرًا وعثرة في طريقها، أما أن يقول: "سيقوم أخوكِ"، فهو تصرف من يختار طريقة الحديث المتوسطة. القديس يوحنا الذهبي الفم "قالت له مرثا: أنا أعلم أنه سيقوم في القيامة في اليوم الأخير". (24) كان موضوع القيامة من الأموات قد استقر تمامًا في أذهان اليهود، ماعدا عند الصدوقيين الذين يرفضونه. وقد جاءت الأسفار التي بعد السبي تفيض بالأحاديث عنها (2 مك 7: 9، 14، 23، 36؛ 12: 43؛ 14: 46؛ حك 5: 1-7، 17؛ 6: 6، 7)، كما جاءت الكتابات اليهودية مثل يوسيفوس المؤرخ والترجوم تتحدث عنها. "قال لها يسوع: أنا هو القيامة والحياة، من آمن بي ولو مات فسيحيا". (25) + بهذا برهن لها عن سلطانه... أظهر أنه لم يكن محتاجًا إلى آخر لكي يعينه، مادام هو نفسه الحياة. فلو أنه احتاج إلى آخر، فكيف يمكنه أن يكون القيامة والحياة؟ ومع هذا لم يشر إلى ذلك صراحة بل بالتلميح. + لقد أظهر أنه واهب كل الصالحات، وأنه يليق بنا أن نسأله. القديس يوحنا الذهبي الفم "وكل من كان حيًا وآمن بي، فلن يموت إلى الأبد، أتؤمنين بهذا؟" (26) كأنه يقول لها: "أنتِ تقولين أن أخاك سيقوم في يوم الدينونة، من الذي يقيمه غيري أنا واهب القيامة ومصدر الحياة؟ وإن كان في سلطاني أن أقيمه في اليوم الأخير فهل يصعب عليّ أن أقيمه الآن؟" هكذا فتح الرب باب الرجاء أمامها، وسند إيمانها وكشف لها عن شخصه أنه ليس مجرد إنسان، بل هو واهب الحياة والوجود. كل من يؤمن وإن مات حسب الجسد فسيقوم ويتمتع بكليته بالشركة في المجد. إنه لا يعود يموت بعد موت الجسد، إنما يعود بعودة الجسد ممجدًا مع النفس ليمارس المؤمن الحياة المقامة أبديًا. إنه لم يقل أن المؤمن لن يعبر من البوابة التي ندعوها الموت، بل بالأحرى الحياة التي يهبها تستمر خلال الموت. لا يقدر الموت أن يمحو الحياة التي يهبنا إياها السيد المسيح. + انظر كيف يرتفع السيد المسيح بعقل مرثا، لأنه لم يكن هذا مطلوبه أن يقيم لعازر فحسب، لكن أن تعرف مرثا والحاضرون تلك القيامة، ولهذا السبب جهر بألفاظه قبل إقامته لعازر. القديس يوحنا الذهبي الفم سألها السيد المسيح: "أتؤمنين بهذا؟" وكأنه يطالبها بالإيمان الذي يتحدى الطبيعة والموت؛ وجاءت إجابتها في ثباتٍ وحزم بلا تردد، تحمل اليقين. "قالت له: نعم يا سيد (رب)، أنا قد آمنت أنك أنت المسيح ابن الله الآتي إلى العالم". (27) قدمت مرثا قانون إيمانها بكل إخلاص: "أنت المسيح ابن الله الآتي إلى العالم" (27). وهو ذات قانون الإيمان الذي نطق به بطرس الرسول وامتدحه السيد (مت 16: 16-17). جاء قانون إيمانها يحوي ثلاثة بنود رئيسية: يسوع هو المسيح، أو المسيا الذي انتظره الآباء والأنبياء. كان كثير من يهود القرن الأول يترقبون مجيئه بشوقٍ عظيم. أنه ابن الله بالطبيعة (مز 2: 7). جاء إلى العالم ليقيم منه كنيسته المقدسة، ليس من اليهود وحدهم بل من العالم. إن كان هو المسيا مخلص العالم، ابن الله بالطبيعة وقد نزل إلى العالم ليقيمه فهو حتمًا الحياة والقيامة. + لقد رفع بالفعل رأيها الهابط عنه، فلا تحسبه واحدًا بين كثيرين. فإنها ليست ببساطة دعته "يا رب" بل ردت له الكرامة. وتحدثت بتلك الكلمات لتكرمه، يظهر ذلك مما قلته بعد هذا. إنها لم تضحك ولا سخرت ولا شكت إلى لحظة. + يبدو لي أن المرأة لم تفهم القول، وإن كانت قد أدركت أنه أمر عظيم، لكنها لم تدركه بالكامل. لهذا السبب عندما سُئلت شيئًا أجابت بشيء آخر. + لم تقل له "أقم أخي"، لكنها قالت: "أنا قد آمنت أنك أنت المسيح ابن الله الآتي إلى العالم". القديس يوحنا الذهبي الفم "ولما قالت هذا مضت ودعت مريم أختها سرًا قائلة: المعلم قد حضر، وهو يدعوكِ". (28) لم تنتظر مرثا كلمة مديح من أجل إيمانها، لكنها أدركت خلال هذا اللقاء مفاهيم جديدة، وتمتعت بخبرات جديدة في فترة قصيرة، مضت ودعت أختها مريم لتتمتع هي أيضًا معها بما نالته. هذا وقد سأل السيد عن مريم لأنها لم تأتِ مع أختها. دعتها سرًا لأنه كان حولها كثيرون من المعزين، ولعل بعض المعزين - سواء كانوا رجالاً أو نساءً - ضد يسوع، لا يطيقونه. خشت مرثا لئلا تثير الدعوة اضطرابًا يعوق مريم عن الانطلاق سريعًا لتلتقي بيسوع وتتمتع بتعزياته. نلاحظ في حديثها السري مع أختها عن مجيء السيد الآتي: أولاً: دعته "المعلم Didaskalos"، لا تقوم تعزياته على عواطف مجردة، وإنما مع الحب والحنو يقدم حقائق إيمانية فريدة، قادر أن يجتذب تلاميذه المحبوبين لديه وأصدقاءه إلى التعزيات الإلهية. ثانيا: "قد حضر" ذاك الذي طال انتظارنا لمجيئه، ونترجى الكثير من وجوده. ثالثًا: "وهو يدعوك"، فقد سأل عنك بالاسم، لأنه يهتم بكِ، ويطلب سلامكِ وتعزية قلبكِ. "أما تلك فلما سمعت قامت سريعًا، وجاءت إليه". (29) إذ سمعت دعوة السيد المسيح على فم أختها "قامت سريعًا، وجاءت إليه". وقد علق القديس يوحنا الذهبي الفم على هذا التصرف النبيل، حاسبًا إياها أنها سلكت بالفلسفة الحقيقية، أي بالحكمة التي لا تطلب الأمور التافهة غير النافعة بل ما هو بالحق لخيرها، وقد نالت بسبب حكمتها. من يتصور سيدة مات أخوها منذ أربعة أيام ومعزون كثيرون حولها يبكين وينحن معها، وإذ تسمع عن يسوع لا تنتظر حضوره إليها ليعزيها، بل تنطلق إليه إلى خارج قريتها والنساء حولها يحسبن إياها أنها ذاهبة إلى القبر تبكي! ما أحوجنا في وسط دموعنا وتجاربنا ألا نركز أنظارنا على المرارة، ولا نعطي اعتبارًا للمعزين المتعبين العاجزين عن تقديم السلام الحقيقي، بل تنطلق أعماقنا نحو ذاك الذي هو قادم إلينا ليفيض بتعزياته السماوية فينا! لنخرج بالحق من كل شكليات وليرتفع قلبنا بروح الله القدوس إلى السيد المسيح فهو وحده طبيب النفوس والأجساد، وواهب الحياة والقيامة، الإله القدير وحده الذي يبادر دومًا بالحب. ما أحوج النفس وسط وادي الدموع هذا أن تترك كل ما يحطمها من متاعب، وتتجاهل كل تعليق بشري، لتنسحب بالرجاء نحو ذاك الذي وحده قادر أن يشكلها بروحه القدوس ويشبعها ويقيمها معه في مجده أبديًا! الانشغال المستمر بأحزاننا يسبب لنا كآبة أكثر مرارة من الأحزان نفسها، أما اللقاء مع السيد المسيح، فيهب بهجة الحياة المقامة وتهليلها الدائم. + انظروا كمثالٍ كيف نالت هذه المرأة مكافئتها بممارستها الحكمة الحقيقية. فإذ كان الكل جالسًا بجوارها إذ كانت تبكي وهي حزينة، لم تنتظر سيدها أنه يجب أن يأتي إليها، ولا طالبت بما يبدو أنه بحقها (فإن النساء الحزينات بجانب بؤسهن لديهن هذا البلاء وهو أنهن يهولن من وضعهن)، أما هي فلم تفعل شيئًا من هذا، فما سمعت حتى أسرعت إليه القديس يوحنا الذهبي الفم "ولم يكن يسوع قد جاء إلى القرية، بل كان في المكان الذي لاقته فيه مرثا". (30) بحكمة إلهية كان السيد يتحرك ببطءٍ شديدٍ حتى يعطي مرثا الفرصة لتسرع بدعوة أختها، ويهب مريم فرصة الإسراع نحوه، فينطلق معهما إلى القبر، ويحول أحزانهما إلى أفراح فائقة. هكذا كثيرًا ما يبدو الرب متباطئًا في حلّ مشاكلنا مع أنه يطلب سعادتنا، حتى يهبنا فرصة الالتجاء إليه، والتعبير عما في داخلنا من إيمان حي ورجاء ثابت، فنسرع إليه لندرك خطته الإلهية الخفية والفائقة من نحونا. + قال عن السيد المسيح: "ولم يكن يسوع قد جاء إلى القرية، بل كان في المكان الذي لاقته فيه مرثا". لأنه مشى ببطءٍ، لئلا يُظن أنه يطرح ذاته في عمل الآية، لكنه انتظر حتى يسأله أولئك من أجلها. القديس يوحنا الذهبي الفم "ثم أن اليهود الذين كانوا معها في البيت يعزونها، لما رأوا مريم قامت عاجلاً وخرجت، تبعوها قائلين: إنها تذهب إلى القبر لتبكي هناك". (31) بينما دعت مرثا أختها سرًا، وقدمت لها دعوة السيد لها (28)، فسحبتها من وسط بكائها ومن وسط المعزين لتجري نحوه، إذا مريم بتحركها الصامت سحبت كل من كان معها في بيتها وهم لا يدرون إلى أين يذهبون. حبها العملي للمخلص جذب الكثيرين ليروا ويلمسوا ذاك الذي يقيم من الأموات. + لم تأتِ وحدها، بل سحبت معها اليهود الذين كانوا معها في البيت. بحكمة عظيمة دعتها أختها سرًا حتى لا تربك الحاضرين الذين جاءوا معًا، ولم تشر إلى سبب حديثها، فإنه بالتأكيد لو سمعوا لرجعوا إلى بيوتهم. أما الآن إذ خرجت تبكي تبعوها. ربما أكد هذا موت لعازر. القديس يوحنا الذهبي الفم "فمريم لما أتت إلى حيث كان يسوع ورأته، خرت عند رجليه، قائلة له: يا سيد لو كنت ههنا لم يمت أخي". (32) لم يدخل السيد المسيح القرية ولا بيت لعازر وأختيه، وإنما التقى بالأختين ثم ذهب ومعه الجمع إلى القبر. إنه محب لعمله، قد جاء لينطلق إلى القبر، ويتمم عمله بلا تأخير. + مريم هذه أحر شوقًا من أختها مرثا، لأنها لم تخجل من الجمع، ولا من الظنون التي امتلكها أولئك من أجله، فقد كان فيهم كثيرون من أعدائه، الذين قالوا: "ألم يقدر هذا الذي فتح عيني الأعمى أن يجعل هذا أيضًا لا يموت؟" (37). لكن عند حضور المعلم أبعدت عنها الأوهام الميتة كلها، وتمكنت في عزمٍ واحدٍ من تكريمها المعلم. القديس يوحنا الذهبي الفم 3. إقامة لعازر من الأموات "فلما رآها يسوع تبكي، واليهود الذين جاءوا معها يبكون، انزعج بالروح واضطرب". (33) هنا يظهر السيد المسيح أنه قد صار بالحقيقة إنسانًا يحمل مشاعر إنسانية، يشارك المتألمين، ويبكي مع الباكين. إنه رجل أحزان (إش 53: 3). لم يوجد قط ضاحكًا، لكنه في أكثر من موضع وًجد باكيًا. + لم يقل السيد المسيح لها شيئًا، ولا نطق بالأقوال التي قالها لأختها مرثا.، لأن جمعًا كثيرًا كان حاضرًا، ولم يكن وقت لتك الأقوال، لكنه تنازل إذ كشف عن طبيعته الإنسانية، ولم يرد أن يتخيلوا فيه شيئًا أكثر. القديس يوحنا الذهبي الفم + أنتم تنزعجون بغير إرادتكم، أما المسيح فانزعج لأنه أراد ذلك. يسوع جاع، هذا حقيقي، إنما لأنه أراد. كان حزينًا، هذه حقيقة، لكن لأنه أراد. في سلطانه أن يكون هكذا أو كذلك، يتأثر أو لا يتأثر. لأن الكلمة أخذ نفسًا وجسدًا حاملاً فيه نفس الطبيعة البشرية واحدًا مع الكلمة، المسيح الواحد. بهذا الكلمة الذي له سلطان فائق يستخدم الضعف رهن إشارة إرادته، وبهذا فقد "انزعج". القديس أغسطينوس "وقال: أين وضعتموه؟ قالوا له: يا سيد تعال وانظر". (34) + إن سألت: لِم سأل هذا السؤال؟ أجبتك: إنه لم يرد أن يبادر هو، لكنه شاء أن يعرف من أولئك كل ما جرى، وأن يسألوه أن يعمل الآية حتى يستخلص الآية من كل تهمة. القديس يوحنا الذهبي الفم + سيأتي المسيح إلى قبرك، وإذ يجد مرثا المرأة التي تقدم خدمة صالحة، ومريم التي تهتم بقلبها بكلمة اللَّه مثل الكنيسة المقدسة التي اختارت النصيب الصالح تبكيان، يحنو. عند موتك يرى دموع الكثيرين فيقول: "أين وضعتموه؟" بمعنى في أية حال من الجريمة هو؟ في أية رتبة بين النادمين؟ أريد أن أرى من تبكون عليه، لكي ما يحركني بدموعه. سأرى إن كان قد مات فعلاً بالخطية فأعالجه بالمغفرة. يقول له الشعب: "تعال وأنظر". ما معنى "تعال"؟ لتأتِ مغفرة الخطايا، ولتأتِ الحياة إلى من رحل، والقيامة من الأموات، ليأتِ ملكوتك لهذا الخاطئ أيضًا. القديس أمبروسيوس + يا للعجب الذي جاء ليقيمه من الأموات يبدو كمن لا يعرف موضع القبر، إذ "قال: أين وضعتموه؟" (34). وكما يقول كثير من الآباء أن الله العالم بكل شيء يبدو كمن لا يعرف موضع الظلمة، ولا يعرف الشر ولا الأشرار. لهذا إذ أخطأ آدم في الجنة، سأل الرب: "أين أنت؟" (تك 3: 9). وفي يوم الدينونة يقول للأشرار: "لست أعرفكم" (مت 7: 23)، وهنا يتساءل: "أين وضعتموه؟" + لست أراكم في نوري، في البرّ الذي أعرفه. + ماذا تعني "أنظر"؟ ترفق، فإن الرب ينظر حين يتحنن. لذلك قيل له: "أنظر إلى تواضعي وألمي، واغفر لي كل خطاياي" (مت 9: 13). القديس أغسطينوس "بكى يسوع". (35) جاء الفعل "بكي" هنا في اليونانية مختلفًا عما ورد عن بكاء مريم وجمهور المحيطين بها (33)، إذ لا يحمل العويل المرتفع مثلهم، بل انسياب الدموع من عينيه. إنها مجرد شهادة عملية لمشاعره العميقة ومشاركته للمتألمين أمام الجموع التي لم تدرك بعد كيف تواجه الموت. وقد وجدت الجموع في هذه الدموع شهادة حية عن محبته للعازر (36). يرى القديس يوحنا الذهبي الفم أن كل ما صنعه السيد المسيح كان بحكمته الإلهية لكي تنتفع الجموع بصنع المعجزة، فمن جانب لم يتحدث مع مريم أمام الجموع بما قاله لمرثا حين التقت به منفردة. فقد تحدث عن إقامة لعازر. فلو سمعت الجموع ذلك حيث يحمل كثيرون له عداوة، لتركوه ورجعوا إلى أورشليم، ولم يروا إقامة لعازر. من جانب آخر أكد ناسوته في تلك اللحظات، حتى لا تنفر الجموع إن تحدث عما يخص لاهوته. بكى في صمت، واضطرب ثم تنهد كمن يكبح اضطرابه، وسأل عن موضع القبر... كل هذا أثار تساؤلات في أذهان اليهود، ورغبة في معرفة ما سيفعله دون نفورٍ من جانبهم. + ماذا فعل المسيح؟ لم يدخل معها في حوارٍ في ذلك الوقت، ولا قال لها ما قاله لأختها (لأنه لم يوجد جمع عظيم، وكان ذلك غير مناسب في ذلك الحين). كل ما فعله كان بقياسٍ (معين) وتنازلٍ منه، ليؤكد طبيعته البشرية، إذ بكى في صمت، وأجَّل صنع الآية في ذلك الوقت. فإذ كانت الآية عظيمة، وإذ كان يمارس أمرًا خطيرًا حتى يؤمن كثيرون بها، وحتى لا يتممها في غير حضورهم، فتوجد عثرة للجمهور، ولا ينتفعون بعظمتها، وحتى لا يفقد الفريسة قدم شهادات كثيرة لتنازله وأظهر تأكيدًا لناسوته. وقد بكى واضطرب. فعادة يثير الحزن المشاعر، وإذ تنهد بالروح أي ضبط اضطرابه سأل: "أين وضعتموه؟" (34). القديس يوحنا الذهبي الفم + بكى الرب نفسه أيضًا من أجل لعازر نفسه الذي سيقيمه إلى الحياة، بلا شك لكي يسمح لنا بمثاله أن نبكي على موتانا، وإن كان لم يعطنا وصيته بذلك، هذا مع إيماننا بأنهم يقومون إلى الحياة الحقيقية. ليس اعتباطًا جاء في سفر الحكمة: "اسكب دموعًا على الميت، وأبدأ بالحزن كمن أصابه ضرر عظيم"، لكنه يكمل بعد قليل قائلاً: "ولتتعزى في حزنك، لأن بالحزن يحل الموت، وأسى القلب يبتلع القوة" (جا 17:38، 19). القديس أغسطينوس + لكي يُظهر المخلص نفسه أن لديه مشاعر بشرية حقيقية حزن من أجل ذاك الذي سيُقيمه من الأموات. القديس جيروم "فقال اليهود: أنظروا كيف كان يحبه". (36) إذ رأى اليهود دموع السيد قالوا: "انظروا كيف كان يحبه" (36)، ونحن إذ نرى دمه يتساقط من جسمه على الصليب نسبحه قائلين: "انظروا كيف يحبنا!" + ألا ترون أنه لم يُظهر بعد أية علامة على إقامته له، وذهب لا كمن يقيم لعازر بل كمن يبكيه؟ هكذا بدا لليهود أنه ذاهب لينتحبه لا ليقيمه، وذلك من قولهم: "انظروا كيف كان يحبه" (36). القديس يوحنا الذهبي الفم "وقال بعض منهم: ألم يقدر هذا الذي فتح عيني الأعمى أن يجعل هذا أيضًا لا يموت؟" (37) في جهالة ظنوا دموع السيد المسيح علامة عجز وعدم قدرة على العمل، ولم يدركوا أنها دموع الحب والحنو، وأنه ليس فقط كان قادرًا أن يشفيه وإنما لا يزال قادرًا أن يقيمه حتى بعد أن أنتن جسمه. + لقد اعترف اليهود هنا أن السيد المسيح فتح عيني الأعمى، ولكنهم استكثروا عليه أن يجعل لعازر لا يموت. القديس يوحنا الذهبي الفم "فانزعج يسوع أيضًا في نفسه، وجاء إلى القبر، وكان مغارة، وقد وُضع عليه حجر". (38) لا يفهم من انزعاج يسوع في نفسه فقدان سلامه الداخلي، لكنه كما أخلى ذاته ليحل بيننا كإنسانٍ حقيقيٍ كاملٍ، سمح بإرادته أن يدخل الانزعاج إلى نفسه حتى يشارك المنزعجين، فيحملهم إلى سلامه الإلهي. "قال يسوع: ارفعوا الحجر. قالت له مرثا أخت الميت: يا سيد قد أنتن، لأن له أربعة أيام". (39) أمر برفع الحجر حتى يرى كل الواقفين أن الجسد ملقى في القبر ميتًا، كما يشتمون الرائحة، فيتأكدون أنه أنتن، وعند خروجه من القبر لا يظنوا أنه خيال بل هو جسد حقيقي. جاء اعتراض مرثا غالبًا بعد أن بدأوا يحركون الحجر فاشتمت الرائحة. + لماذا لم يدعُ لعازر وهو على بُعد من القبر ويأتي به أمام أعينهم؟ أو بالأحرى لماذا لم يجعله يقوم والحجر مُلقى على القبر؟ فإن ذاك القادر بصوته أن يحرك الجثمان ويظهره متمتعًا بالحياة مرة أخرى هل كان كثير عليه أن يدحرج الحجر بصوته؟ ذاك الذي له القوة بصوته أن يجعل من هو مربوط وملفوف بالأكفان يمشي هل كثير عليه أن يجعل الحجر يتحرك؟ فلماذا لم يفعل ذلك؟ لكي يجعل منهم شهودًا للمعجزة، فلا يقولون كما قالوا في معجزة الأعمى: "إنه هو"، "إنه ليس هو". فإن أياديهم ومجيئهم إلى القبر تشهد بالحق أنه هو. لو لم يأتوا لبدا لهم أنهم نظروا رؤية أو أنه شخص عوض آخر. الآن مجيئهم إلى الموضع ورفع الحجر والأمر بحل الميت الذي في الأكفان المربوطة، فإن الأحباء الذين حملوه إلى القبر يعرفون من الأكفان من هو. لم تترك أختاه خلفًا (من الجموع) إذ قالت إحداهما: "قد أنتن لأن له أربعة أيام" (39). أقول أن كل هذه كانت كافية لتبكم أصحاب الميول الشريرة، إذ صاروا شهودًا للمعجزة. القديس يوحنا الذهبي الفم + سيأتي ويأمر برفع الحجر هذا الذي سقط على كتفي الخاطئ. كان يمكنه أن يحرك الحجر بكلمة أمره، لأنه حتى الطبيعة الجامدة تود أن تطيع أمر المسيح. كان يمكنه بقوة عمله الصامت أن يحرك حجر القبر. هذا الذي أثناء آلامه تحركت حجارة كثيرة من قبور الأموات وانفتحت فجأة. لكنه أمر الرجال أن يرفعوا الحجر بالحق حتى يؤمن غير المؤمنين بما يرونه، وينظرون الميت يقوم. لكن هذا يحمل رمزًا ليهبنا قوة تخفيف ثقل الخطايا، الضغط الثقيل الذي على المجرم. من جانبنا نحرك الأثقال، ومن جانبه يقيم ويخرج من القبور أولئك الذين يتحررون من أربطتهم. القديس أمبروسيوس + الآن قيل: "لقد مات منذ أربعة أيام". فإنه بالحقيقة تبلغ النفس إلى هذه العادة التي أتحدث عنها بنوع من التقدم أربع مرات. المرحلة الأولى: هي كما لو كانت إثارة اللذة التي في القلب. والثانية: هي قبولها. والثالثة: هي تحولها إلى عمل. والرابعة: تحولها إلى عادة. يوجد من يلقون عنهم الأمور الشريرة عن أفكارهم كأنهم لا يجدون فيها لذة. ويوجد من يجدون فيها لذة، ولكنهم لا يوافقونها. هنا لا يكمل الموت لكن يحمل بداية معينة، فقد أضيف إلى الشعور باللذة موافقة. في الحال تحدث إدانة للشخص. بعد الموافقة يحدث تقدم للموافقة إذ تتحول إلى عملٍ ظاهرٍ. والعمل يتحول إلى عادة. فيحدث نوع من اليأس، حتى يُقال: "قد أنتن لأن له أربعة أيام ". لذلك جاء الرب هذا الذي كل الأمور بالنسبة له سهلة. ومع هذا فوجد في هذه الحالة كما لو كانت هناك صعوبة. لقد اضطرب بالروح، وأظهر الحاجة إلى احتجاج كثير وعال ليقيم الذين تقسوا بالعادة. ولكن عند صرخة الرب تفجرت أربطة الضرورة. ارتعبت قوات الجحيم، وعاد لعازر حيًا. فإن الرب ينقذ حتى من العادات الشريرة هذا الذي له أربعة أيام ميتًا فإنه بالنسبة للرب وحده يُحسب راقدًا هذا الذي يريد الرب أن يقيمه. القديس أغسطينوس + حتى إن كنت راقدًا في قبرك، فالرب يُقيمك، وإن كان جسدك قد أنتن. القديس جيروم يرى العلامة أوريجينوس أنه إذ أصدر السيد المسيح أمره "ارفعوا الحجر" أعاقت مرثا تنفيذ الأمر بكلماتها: "يا سيد قد أنتن لأن له أربعة أيام" (39)، بعد ذلك رفعوه. هذه اللحظات ما بين الأمر وتأخير تنفيذه تحمل نوعًا من عدم الإيمان، فلم يتحقق القول: "إن آمنتِ ترين المجد الله" (40). لحظات التأخير هي لحظات عدم إيمان وعصيان. + يليق بنا أن نؤمن أن فترة التأخير في تنفيذ الوصية هي وقت للعصيان بالنسبة لمن ينفذ الوصية بعد ذلك... لذلك وجب علينا أن نتذكر القول: "لا تتأخر في الرجوع إلى الرب، ولا تؤجله من يوم إلى يوم" (ابن سيراخ 5: 7)، والقول: "لا تقل لصاحبك اذهب وعد، فأعطيك غدًا، وموجود عندك" (أم 3: 28). يلزمنا أن نعتقد أنه دينونة على مرثا إن الكلمات: "فرفعوا الحجر" (41) قد كُتبت مؤخرًا، وكان يجب أن تُقال فورًا بعد الكلمات: "قال يسوع: ارفعوا الحجر". العلامة أوريجينوس + يقول: "ارفعوا الحجر" (39). ارفعوا ثقل الناموس، واكرزوا بالنعمة. "لأنه لو أُعطي ناموس قادر أن يُحيي لكان بالحقيقة البرّ بالناموس. لكن الكتاب أغلق على الكل تحت الخطية ليُعطي الموعد من إيمان يسوع المسيح للذين يؤمنون" (غلا 3: 21 - 22). لذلك "ارفعوا الحجر". القديس أغسطينوس "قال لها يسوع: ألم أقل لكِ إن آمنت ترين مجد الله؟" (40) + حقًا الإيمان هو بركة عظيمة، ويصنع أمورًا عظيمة للذين يتمسكون بالحق ويتمتعون ببركات كثيرة. بالإيمان يستطيع الناس أن يمارسوا أعمال الله باسمه. حسنًا يقول المسيح: "لو كان لكم إيمان مثل حبة الخردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هناك، فينتقل" (مت 17: 20). مرة أخرى: "من يؤمن بي فالأعمال التي أنا أعملها يعملها هو أيضًا، ويعمل أعظم منها" (يو 14: 12). ماذا يعني بالأعظم منها؟ تلك التي شوهد التلاميذ يعملونها. فإنه حتى ظل بطرس أقام ميتًا، وهكذا ظهرت بالأكثر قوة المسيح. فإنه ليس عجيبًا أنه وهو حي صنع عجائب مثلما بعد موته يستطيع آخرون أن يصنعوا باسمه أعمالاً أعظم مما فعل. هذا برهان عن القيامة لا يُقاوم، فإنه حتى وإن شاهد الكل القيامة كانوا يؤمنون بها هكذا. لأنه يمكن للناس أن يقولوا إنها ظهور، أما من يرى حدوث عجائب بمجرد دعوة اسمه أعظم مما فعله حين كان بين البشر، فإنه لا يقدر أحد ألا يؤمن إلاَّ إذا كان عديم الحس. إذن الإيمان بركة عظيمة عندما يصدر عن مشاعر وهَّاجة وحب عظيم ونفس متقدة. بالحق يجعلنا الإيمان حكماء، ويخفي انحطاطنا البشري، ويلقي بالحجج إلى أسفل ويفلسف (يعطي حكمة) بخصوص السماويات، أو بالأحرى الأمور التي لا تستطيع حكمة البشر أن تكشفها. إنها تدركها بفيضٍ وتنجح فيها. لنلتصق إذن بالإيمان، ولا نعتمد على الحجج الصادرة عنا. القديس يوحنا الذهبي الفم "فرفعوا الحجر حيث كان الميت موضوعًا ورفع يسوع عينيه إلى فوق، وقال: أيها الآب أشكرك لأنك سمعت لي". (41) إنها لحظات رهيبة حيث رُفع الحجر فظهر الجسد، وقد فاحت رائحة النتن العنيف، بينما وقف السيد المسيح يخاطب الآب، شاكرًا له أنه استمع له. إنه من جهة يؤكد علاقته بالآب حتى يطمئن الحاضرون أنه سماوي وليس كما ادعى بعض القادة أنه ببعلزبول رئيس الشياطين يخرج الشياطين. ومن جانب آخر لكي يكون قدوة لنا. + ما أقوله دومًا، أقوله الآن، أن المسيح لم يتطلع كثيرًا نحو كرامته قدر ما كان يتطلع إلى خلاصنا، فلا يهتم بتقديم منطوقات سامية علوية، بل ما يمكن أن يجتذبنا إليه. لهذا فإن أقواله العلوية القديرة قليلة ومخفية، أما أقواله المتواضعة فكثيرة وفيَّاضة في مقالاته... فلم يكن يتحدث بالأولى بطريقة عامة، لئلا تسبب دمارًا لمن يأتون بعده، ومن الجانب الآخر فلا يمتنع عنها تمامًا، لئلا يتعثر الذين كانوا في ذلك الوقت. فالذين يعبرون من الانحطاط إلى الكمال يستطيعون بتعليمٍ سامٍ منفرد أن يبلغوا إلى كل التعليم، وأما أصحاب الفكر الضعيف فإنهم ما لم يسمعوا دومًا أقوالاً في مستوى ضعيف لا يأتون إليه نهائيًا. في الواقع بعد أقوال كثيرة مثل هذه (علوية) كانوا يريدون أن يرجمونه ويضطهدونه ويحاولون قتله ويعتبرونه مجدفًا... فعندما جعل نفسه مساويًا لله؛ قالوا: "هذا الإنسان يجدف" (مت 9: 3). وعندما قال: "مغفورة لك خطاياك" (يو 10: 20) دعوه شيطانًا. وعندما قال أن من يسمع كلماته يصير أقوى من الموت، أو "أنا في الآب والآب فيَّ" (يو 8: 51) تركوه. مرة أخرى قاوموه حين قال إنه نزل من السماء (يو 6: 33، 60). الآن إذ لم يستطيعوا أن يحتملوا مثل هذه المقولات، مع أنه نطق بها نادرًا جدًا وبالجهد فلو أن كل محادثاته كانت مشحونة دومًا بالأمور العلوية، من هذا النسيج، فهل كانوا يلتفتون إليه؟ لذلك كان يقول: "كما أوصاني الآب أتكلم" (يو 13: 31)؛ "لم آتِ من نفسي" (يو 7: 38)، عندئذ كانوا يؤمنون. واضح أنهم آمنوا مما أشار إليه الإنجيلي قائلاً: "إذ قال هذه الكلمات آمن به كثيرون" (يو 5: 30). فإن كانت الأقوال التي تحمل تواضعًا تجتذب الناس إلى الإيمان، والكلمات العلوية تفزعهم، لذلك نطق بالكلمات المتواضعة من أجل السامعين. القديس يوحنا الذهبي الفم + من أجلنا قدم التشكرات لئلا نظن أن الآب والابن أقنوم واحد بعينه عندما نسمع عن إتمام ذات العمل بواسطة الآب والابن. لهذا فلكي يظهر لنا أن رد تشكراته ليست ضريبة يلتزم بها من هو في عجز عن السلطان، بل بالعكس أنه ابن اللَّه الذي ينسب لنفسه دومًا السلطان الإلهي، لذلك صرخ: "لعازر هلم خارجًا". هنا بالتأكيد أمرٍ لا صلاة. القديس جيروم + يصلي كابن الإنسان، ويأمر كابن الله. القديس أمبروسيوس + عندما يرفع أحد عينيه يليق به أن يرفعهما نحو السماء بطريقة لائقة، ويرفع أيضًا يدين مقدستين، خاصة عندما يقدم الصلوات بلا غضبٍ ولا جدال (1 تي 2: 8). فإنه عندما ترتفع العينان خلال التفكير والتأمل، واليدان ترتفعان خلال الأعمال، ترتفع النفس وتتمجد. وذلك مثل موسى الذي رفع يديه (خر 17: 11)، ويقول الشخص: "ليكن رفع يدي كذبيحة مسائية" (مز 140: 2)، فينهزم عماليق، وكل الأعداء غير المنظورين، وتنتصر الأفكار الإسرائيلية (المعاينة لله) التي فينا. العلامة أوريجينوس "وأنا علمت أنك في كل حين تسمع لي، ولكن لأجل هذا الجمع الواقف قلت ليؤمنوا أنك أرسلتني". (42) هنا يوضح أن العلاقة بين الآب والابن لا تستلزم مثل هذه الصلاة، لكن من أجل الحاضرين لكي يثقوا أنه على علاقة بالسماء. + الاستماع هنا ليس عن موضوع طاعة، بل هو اتحاد أبدي. بنفس الطريقة فإنه يُقال عن الروح القدس أنه يستمع للآب ويمجد الابن. إنه يمجد، لأن الروح القدس علمنا أن الابن صورة اللَّه غير المنظور (كو 15:1)، وبهاء مجده، ورسم جوهره (عب 3:1) . القديس أمبروسيوس + وماذا لدى السيد المسيح أكثر من رسله إن كان هو يعمل آياته بالصلاة؟ أليق ما يُقال إن أولئك عملوا المعجزات بالصلاة، لكنهم في أكثر أوقاتهم عملوا الآيات بدون صلاة، لما دعوا باسم يسوع فقط. فإن كان اسمه قد حمل قوة هذا مقدارها، فلو احتاج هو إلى صلاة، لما كان اسمه اقتدر على شيء، وحين خلق الإنسان إلى أية صلاة احتاج؟ أما عن معادلته لأبيه في الكرامة فتظهر في مواضعٍ كثيرة، لأنه قال: "نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا" (تك 1: 26)... وما الذي يكون أضعف منه إن احتاج إلى صلاة؟ فلننظر ما هي صلاته؟ قال: "أيها الآب أشكرك لأنك سمعت لي"، ومن الذي صلى في وقت من الأوقات بهذه الصلاة؟ فقبل أن يقول شيئًا قال "أشكرك"، فقد أوضح أنه لا يحتاج إلى صلاة، وقوله: "لأنك سمعت لي يوضح أنه ليس فاقدًا سلطانه، ولكن أظهر أنه مالك إرادة واحدة مع أبيه. فإن قلت: لِم اتخذ شكل صلاة؟ قلت لك: لا تسمع الجواب مني لكن منه، القائل: "ولكن لأجل هذا الجمع الواقف قلت ليؤمنوا أنك أرسلتني"، فقد وضع السبب الصادق لصلاته، لكي لا يظنوا أنه ضد الله، ولا يقولوا إنه ليس من الله. القديس يوحنا الذهبي الفم "ولما قال هذا صرخ بصوت عظيم: لعازر هلم خارجًا". (43) كان يمكنه أن يقيم حبيبه لعازر بكلمة هامسة أو في صمت، لكنه صرخ بصوتٍ عظيم مناديًا حبيبه: "لعازر هلم خارجًا". ذلك لكي يتأكد الحاضرون أنه أقامه بسلطانه الشخصي، لم يستخدم اسم آخر، إنما يأمر فيقوم الميت. ولعله صرخ بصوت عظيم ليدرك الحاضرون أن نفس لعازر لم تكن داخل القبر، بل يناديها السيد لتخرج من الجحيم، كما من مكانٍ بعيدٍ. أيضًا لكي يدرك الحاضرون أنه ذاك الذي قال بإشعياء النبي: "أنا الرب وليس آخر، لم أتكلم بالخفاء في مكان من الأرض مظلم" (إش 45: 15: 16). تكلم لكي ندرك أنه ذاك الذي في مجيئه الأخير يتكلم، فيسمع الأموات صوته ويحيون (يو 5: 25). ناداه باسمه "لعازر" كمن يقيمه من نومٍ عميقٍ. يقول الله لموسى أنه يعرفه باسمه كعلامة اهتمامه به شخصيًا. لم يقل له "قم" بل "هلم خارجًا"، فحضرة المسيح واهب الحياة قدمت له الحياة، إنما صدر الأمر ليتحرك. + لماذا صرخ بصوت عظيم كمن لم يرد أن يعمل بالروح ويأمر في صمت إلاَّ لأنه أراد أن يَظهر ما هو مكتوب: "في لحظة، في طرفة عين، عند البوق الأخير سيقوم من الأموات بغير فساد" (1 كو 15: 52)؟ فإن رفع الصوت هو استجابة لدوي البوق. لقد صرخ "لعازر هلم خارجًا". لماذا أضاف الاسم إلاَّ لئلا يظن أحد أنه قام بدلاً من آخر، أو أن الإقامة تمت عرضًا وليس بالأمر. القديس أمبروسيوس + لم يقل السيد المسيح للعازر: "باسم أبي هلم خارجًا"، ولا قال "أيها الآب أقمه"؟ لماذا لم يستخدم كل هذه التعبيرات، وبعدما أخذ شكل من يصلي أظهر بكل أعماله سلطانه المستقل؟ لأن هذا أيضًا هو جزء من حكمته، ليظهر بالكلمات تنازله، وبالأعمال السلطان... فإذ لم يكن هناك أي اتهام ضده سوى أنه ليس من عند الله، وبهذا خدعوا كثيرين، لهذا أكد ببراهين كثيرة هذه النقطة بأقواله وذلك من أجل ضعفاتهم. فقد كان في سلطانه بطرق أخرى أن يظهر في نفس الوقت اتفاقه مع الآب وإظهار كرامته، لكن الجموع لم تكن بعد قد ارتفعت بعد. + إنه لم يقل: "قم"، لكنه قال: "هلم خارجًا" مخاطبًا الميت كمن يخاطب حيًا، فما الذي يكون مساويًا لهذا السلطان؟ وإن كان قد فعل هذا بغير قوته، ماذا يكون له أكثر مما للرسل الذين قالوا: "لماذا تشخصون إلينا كأننا بقوتنا أو تقوانا قد جعلنا هذا يمشي؟" (أع 3: 12) لو أنه لم يعمل بقوته ولم يضف ما قاله الرسل عن أنفسهم لكانوا هم بالحقيقة حكماء أكثر منه، إذ يرفضون المجد. وفي موضع آخر يقولون لماذا يفعلون هذا؟ "نحن أيضًا بشر تحت الآلام مثلكم" (أع 14: 15). إذ لم يفعل الرسل شيئًا من أنفسهم لذلك تكلموا بهذه الطريقة، لكي يحثوا الناس على ذلك، أما بالنسبة له فعندما وُجدت مثل هذه الفكرة عنه، أما كان يجب عليه أن ينزع هذه الشكوك، لو أنه لم يفعل هذه بسلطانه؟ وإنما بالحقيقة فعل المسيح عكس ذلك عندما قال: "لأجل هذا الجمع الواقف قلت ليؤمنوا" (42)، لكي يؤمنوا أنه لا حاجة أن أصلي (أطلب). القديس يوحنا الذهبي الفم + الآن ما هو: "هلم خارجًا" إلاَّ إظهار ما هو مخفي؟ من يعترف يخرج خارجًا. "هلم خارجًا"؛ ما كان يمكنه فعل ذلك لو لم يكن حيًا، وما كان يمكنه أن يكون حيًا لو لم يقم مرة أخرى. لهذا ففي الاعتراف إذ يفهم الإنسان نفسه يمجد الله. + تأملوا حالة لعازر نفسه، فإنه خرج، ولكن بأربطته. كان حيًا بالفعل خلال الاعتراف، لكنه لم يصر حرًا بل كان متشابكًا إذ كان في أربطته. ماذا تفعل الكنيسة التي قيل لها: "ما تحلونه يكون محلولاً"، إلاَّ ما قاله الرب لتلاميذه: "حلوه ودعوه يمشي"؟ القديس أغسطينوس + أتريد دليلاً أقوى على أن البعض يخلص بإيمان آخرين؟! لعازر مات، ومضى عليه يوم واثنان وثلاثة، وانحلت عضلاته ودب الفساد فعلاً في جسده. كيف يمكن لميت له أربعة أيام أن يؤمن، ويطلب بنفسه من المخلص؟ ولكن ما نقص عند الميت وُجد عند أختيه الحقيقيتين، فعندما أتى الرب سجدت الأخت أمامه. وعندما قال: "أين وضعتوه؟" أجابته: "يا سيد قد أنتن لأن له أربعة أيام". فأجابها: "إن أمنتِ ترين مجد اللٌه" فكأنه يقول لها: ليكن عندك الإيمان الذي يقيم جثة الميت. كان لإيمان الأختين قوة عظيمة هكذا حتى أعاد الميت من أبواب الجحيم! إن كان للبشر بالإيمان، واحد لحساب الآخر، يمكن أن يقوم الميت، أما يكون النفع أعظم إن كان لك إيمان خالص لأجل نفسك؟! بلى، حتى وإن كنت غير مؤمن أو قليل الإيمان فإن اللٌه محب البشر يتعطف عليك عند توبتك. فمن جانبك، يليق بك أن تقول بذهن أمين: "اؤمن يا سيد، فأعن عدم إيماني" (مر 24:9). فإنك محتاج أن تقول مثل الرسول: "يا رب زد إيماننا". فإذ لك نصيب من جانبك، تتقبل النصيب الأعظم من اللٌه. القديس كيرلس الأورشليمي + لما كان "الرب يحل المسجونين" (مز 7:146)، ويهب راحة لمنسحقي الروح والمرتعب من كلماته (إش 2:66)، ربما يقول لي أنا الراقد في قبر الخطية: "جيروم، هلم خارجًا". + إذ لا أزال ملقيًا في مقبرة خطاياي، ومقيدًا بأربطة شروري، انتظر أمر الرب الوارد في الإنجيل: "جيروم، هلم خارجًا". القديس جيروم + يا من ترقد في ظلمة الضمير وفي فساد خطاياك كما في سجن الجريمة، هلم خارجًا. لتعلن عن خطاياك فتتبرر. "الفم يعترف به للخلاص" (رو 10:10). إن اعترفت عن دعوة المسيح فستنكسر القضبان، وتنحل كل سلسلة، بل وتزول نتانة الفساد الجسدي الخطيرة. القديس أمبروسيوس "فخرج الميت ويداه ورجلاه مربوطات بأقمطة، ووجهه ملفوف بمنديل، فقال لهم يسوع: حلوه، ودعوه يذهب". (44) كيف خرج لعازر وهو مربوط اليدين والرجلين؛ إنه خرج كمن يحبو أو يعرج، وكان محتاجًا إلى من يحل رباطات الأكفان من جسمه. بلا شك أن إقامة لعازر من الأموات أحدثت ضجة عظيمة في كل أورشليم التي جاء إليها كثيرون للاستعداد لعيد الفصح. انه ليس بالحدث الطبيعي، ولا بالمعجزة التي سبق أن شاهدها أحد، خاصة بعد أن اشتموا رائحة الفساد التي حلت بالجثمان. + يقول يوحنا الرسول عن لعازر: "فخرج الميت" لنرى في فعل السيد المسيح شاهدًا له بسلطانه. وقوله: "فخرج الميت ويداه ورجلاه مربوطات بأقمطة، ووجهه ملفوف بمنديل"، لكي لا يُظن أن الفعل خيالاً. فإن خروجه مربوطًا يبدو أنه ليس بأقل عجبًا من قيامته. وقول السيد المسيح للجمع: "حلوه" فلكي إذا لمسوه واقتربوا منه يعرفون بالحقيقة أنه هو ذاك. وقول السيد المسيح: "ودعوه يذهب"، لتعرف عزمه الخالي من التفخيم، لأنه ما اتبعه ولا اقتاده، ولا أراد أن يمشي معه حتى يريهم إياه. القديس يوحنا الذهبي الفم + يلزمنا أن نهتم بهذا أيضًا، أن نقدم عملاً لائقًا بيسوع، فليس فقط نصلي لكي يصير الميت حيًا، بل أيضًا نصرخ إليه وندعو ذاك الذي في داخل الكهف والقبر إلى الأمور الخارج من القبر. يلزمنا أن ندرك أنه يوجد لعازر كثيرون حتى الآن بعد أن صاروا أصدقاء يسوع، مرضوا وماتوا، وكموتى صاروا في القبر في أرض الأموات مع الموتى، ومؤخرًا صاروا أحياء بصلاة يسوع، ودعوا ليخرجوا من القبر إلى الخارج بصوت يسوع العالي. من يثق في يسوع يخرج بالأربطة الخاصة بالموت من خطاياه السالفة، لكنه لا يزال مربوطًا حول وجهه، فلا يقدر أن يرى، ولا أن يمشى، ولا أن يفعل شيئًا ما بسبب أربطة الموت، حتى يأمر يسوع القادرين لكل يحلوه ويدعوه يمشي. + مثل هذا يخرج من أجل صوت يسوع، لكنه لا يزال مربوطًا برباطات خطاياه. إنه حي، لأنه تاب وسمع صوت يسوع، لكنه إذ لم يتحرر بعد من رباطات الخطية لا يقدر أن يسير في الحال بقدمين متحررتين، وبكونه لم يتحرر ليتمم الأمور الفائقة فقد ارتبطت يداه وقدماه بأربطة كأربطة الموتى. مثل هذا الإنسان بسبب الموت الذي فيه ملتصقًا بأربطة يديه وقدميه تغطى وجهه بالجهالة، وارتبط به حوله. لهذا فإن يسوع لا يرغب فيه أن يعيش فحسب ويبقى في القبر ويكون مربوطًا عن أمور الحياة التي في خارج القبر... لذلك يقول يسوع للقادرين أن يخدموه: "حلوه ودعوه يمشي" (44). العلامة أوريجينوس 4. أثر إقامة لعازر "فكثيرون من اليهود الذين جاءوا إلى مريم، ونظروا ما فعل يسوع، آمنوا به". (45) كثير من أصدقاء مريم اليهود آمنوا به (45)، أكثرهم كانوا قد جاءوا من أورشليم، أقرب مدينة إلى قرية عنيا، وقد عُرف شعب أورشليم بمقاومته للسيد المسيح. بينما قدم البعض تقريرًا عما حدث للفريسيين (46)، الذين استدعوا مجمع السنهدرين للانعقاد (47)، وخططوا لقتل يسوع (48-57). لقد تنبأ قيافا رئيس الكهنة أنه ينبغي أن يموت واحد عن الشعب كله (49-52). ثمر هذا العمل العجيب كالعادة يقدم رائحة حياة لحياة، ورائحة موت لموتٍ. كثيرون إذ نظروا ما صنع يسوع آمنوا به، بينما آخرون ذهبوا إلى رؤساء الكهنة والفريسيين، إما ليثيروهم أو ليقدموا شهادة عما حدث أو ليدعوهم للإيمان. وكان موقف رؤساء الكهنة والفريسيين مقاومًا للسيد المسيح. شعرت المجموعة الأولى من المعزين أنه لا حاجة لاستشارة رؤساء الكهنة والفريسيين، وأنه يجب الكف عن مقاومة الحق الإلهي. صارت زيارة بيت الحزن علة تحولهم إلى الإيمان الحقيقي. وتحققوا من قول الحكيم أن الذهاب إلى بيت النوح أفضل من الذهاب إلى بيت الوليمة (جا 7: 2). هؤلاء جاءوا بنيةٍ صادقةٍ لتعزية مريم ومرثا، فخرجوا متعزين بعمل الله والإيمان بالسيد المسيح واهب القيامة. فإن من يروي يُروى (أم 11: 25). لهذا وجب ألاَّ يكف أحد عن عمل الخير ما دام في استطاعته (أم 3: 27). لماذا قال: "جاءوا إلى مريم" ولم يقل إلى "مرثا" أيضًا؟ ربما كانت مريم أكثر شهرة في أورشليم عن مرثا، فجاءت الأغلبية لتعزية مريم. هذا ويرى البعض أن مرثا تميل إلى العمل والحركة بينما مريم تميل إلى الجلسات الهادئة (لو 10: 38-40). والذي يميل إلى العمل لا يجد وقتًا حتى للقاء مع المعزين، أما الذي يميل إلى الهدوء فيود أن يجلس مع المعزين. "وأما قوم منهم فمضوا إلى الفريسيين، وقالوا لهم عما فعل يسوع". (46) تمثل هذه الجماعة الشكليين في العبادة، فالحق واضح، والعمل الإلهي ملموس، لكنهم وهم يعلمون مقاومة القيادات له ذهبوا يخبرونهم. "فجمع رؤساء الكهنة والفريسيون مجمعًا وقالوا: ماذا نصنع، فإن هذا الإنسان يعمل آيات كثيرة". (47) لما كانت المعجزة تصرخ بالحق الذي لا يمكن مقاومته ولا إنكاره عقد رؤساء الكهنة والفريسيون مجمعًا. أدركوا أن قرارات السنهدرين لن تجدي. فالشعب التف حوله وصار الخطر يمس حياة الأمة كلها وسلامها. لم يُعقد المجمع للاستشارة أو إصدار قرارات للشعب، إنما للتحرك العملي للخلاص من يسوع. ألبسوا القضية جانبًا سياسيًا خطيرًا في تحليلٍ للموقف مغالط للحقيقة، وهو أن يسوع هذا لا يكف عن عمل آيات كثيرة وفريدة مثل شفاء المولود أعمى وإقامة لعازر من الأموات، الأمر الذي حول الجميع إليه، يؤمنون به ويقيمونه ملكًا، بكونه المسيا المنتظر الذي يقيم خيمة داود الساقطة. بهذا يفقد مجمع السنهدرين سلطانه، ويفقد القادة الدينيون سلطانهم. وإذ يشعر الرومان بإقامة ملك لليهود يدخلون بجيش، ويستولون على أورشليم ويهدمون الهيكل، ولا يوجد من يقاوم أو يعارض. هكذا يحتل الرومان الموضع سياسيًا ودينيًا. + أخفت هذه القيادات مشاعر حسدهم وغيرتهم الشريرة تحت ستار الدفاع عن الأمة اليهودية والهيكل الذي يعتبرونه أقدس موضع في العالم وأعظم مبنى وأفخمه. انظر ماذا فعل اليهود، وقد كان واجبًا أن يُذهلوا ويتعجبوا من قيامة لعازر، إلا أنهم أرادوا أن يقتلوا من أقام ميتًا. يا لغباوتهم إذ ظنوا أن يدفعوا إلى الموت من قهر الموت في أجسام آخرين. وفي قول رؤساء الكهنة والفريسيين: "ماذا نصنع فإن هذا الإنسان يعمل آيات كثيرة" يدعونه إنسانًا... وقالوا لا ماذا نصنع؟ فقد وجب عليكم أن تؤمنوا وتسترضوه وتسجدوا له، ولا تظنوه أيضًا إنسانًا. القديس يوحنا الذهبي الفم "إن تركناه هكذا، يؤمن الجميع به، فيأتي الرومانيون، ويأخذون موضعنا وأمتنا". (48) يتساءل العلامة أوريجينوس عن هؤلاء القوم الذين مضوا إلى الفريسيين إن كانوا قد فعلوا هذا لكي يراجع الفريسيون أنفسهم ويؤمنوا، أم لكي يثيروهم بالأكثر ضده ويسرعوا بوضع الخطة للخلاص منه، وهو يميل إلى الرأي الثاني. + ما خشاه رئيس الكهنة والفريسيون تحقق بطريقة رمزية. فإن كان رئيس الكهنة يمثل شهوات الجسد التي تقاوم شهوات الروح، فإنه لم يكن ممكنًا له أن يغلب رئيس الكهنة الأعظم ربنا يسوع المسيح، الذي بالحق احتل موضعه، لكن على مستوى سماوي أبدي. وعوض الفكر الفريسي الحرفي تمتعنا بالروح، فلم يعد للفريسيين موضع. أما أن يحتل الرومان موضع اليهود، فإن الرومان يمثلون كنيسة الأمم التي صارت إسرائيل الجديد، واحتلت موضع إسرائيل القديم كشعبٍ مقدسٍ كهنوتيٍ صاحب الوعود الإلهية. العلامة أوريجينوس + "تورط الوثنيون في الدمار الذي عملوه، في الشبكة التي أخفوها انتشبت أرجلهم" (مز 9: 15 LXX). هذا هو حال اليهود. لقد قالوا أنهم يقتلون يسوع، لئلا يأتي الرومانيون ويأخذون موضعهم وأمتهم، وعندما قتلوه حدثت هذه الأمور لهم. عندما فعلوا هذا الذي حسبوا أنهم به يهربون، إذا بهم لم يفلتوا منها. الذي قُتل هو في السماء، والذين قتلوه نصيبهم في جهنم. + كأنهم قالوا: إذا رأى الرومانيون أن السيد المسيح مقلقًا للشعوب يظنون فينا العصيان عليهم، فيهدمون مدينتنا. وأنا أسأل أحدهم: قل لي متى رأيت السيد المسيح يعلم بالعصيان؟ أما أشار بإعطاء الجزية لقيصر؟ أما أردتم أن تصيروه ملكًا فهرب؟ ألم يعش حياة بسيطة خالية من التباهي، ولم يمتلك منزلاً ولا شيئًا آخر من الممتلكات وأمثالها؟ فهذه الأقوال نطقوا بها ليس متوقعين أنها تحدث، لكنهم قالوها حسدًا، لأن من أبرأ المرضى وعلم الحياة الفاضلة وأشار بالخضوع للرؤساء، لا يثير عصيانًا، بل يهدم العصيان ويزيله. القديس يوحنا الذهبي الفم "فقال لهم واحد منهم، وهو قيافا، كان رئيسًا للكهنة في تلك السنة: أنتم لستم تعرفون شيئًا". (49) بحسب الشريعة يُقام رئيس الكهنة مدى الحياة (خر 40: 15)، وذلك بالوراثة متسلسلاً من هرون وأبنائه. لكن في ذلك تدخلت السلطات الرومانية، وحملت سلطة عزل وإقامة رئيس الكهنة كما يحلو لهم وفي أي وقتٍ يشاءون، دون التزام بالشريعة سوى أن يكون من النسل الكهنوتي. جاء في يوسيفوس المؤرخ أن قيافا هو اسم الشهرة، وأن اسمه الحقيقي هو يوسف. كان رئيسًا للكهنة لمدة ثماني أو تسع سنوات، وغالبًا ما قام فيتايليوس Vitellius والي اليهودية بعزله. لم يتطلع الرومان إلى السيد المسيح كمقاومٍ لمملكتهم، ولم تشغلهم شعبيته قط، لأنه نادى بالخضوع للسلطات ودفع الجزية لقيصر، بل طالب سمعان بطرس أن يدفع عن نفسه وعنه الجزية. وفي محاكمته نرى بيلاطس يبذل الجهد عدة مرات ليطلقه. "ولا تفكرون إنه خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب، ولا تهلك الأمة كلها". (50) كان رئيس الكهنة يرتدي الصدرية التي بها الأوريم والتميم (خر 28: 30)، ويصلي إلى الله ليعطيه مشورة صادقة، لكن يبدو أن هذا الأمر كان قد انتهى تمامًا. فقدم رئيس الكهنة مشورته للمجمع لا خلال استشارة الله، بل خلال حسده الشرير. قدم ما يبدو حسب الفلسفة البشرية أنه منطقي وصادق مبني على فكرٍ سليمٍ، غير أنه في الحقيقة كان مبنيًا على مشاعر شريرة ورغبة قوية للخلاص من ذاك الذي سحب شعبيتهم وفضح شرهم. جاء في إشعياء النبي: "قد ارتد الحق إلى الوراء، والعدل يقف بعيدًا، لأن الصدق سقط في الشارع، والاستقامة لا تستطيع الدخول" (إش 49: 14). "ولم يقل هذا من نفسه، بل إذ كان رئيسًا للكهنة في تلك السنة، تنبأ أن يسوع مزمع أن يموت عن الأمة". (51) + لم يتكلم قيافا رئيس الكهنة من نفسه، ولا أدرك معنى ما قاله، مع أنه نطق بنبوة. وفي بولس أيضًا وجد بعض معلمي الناموس "وهم لا يفهمون ما يقولون، ولا ما يقررونه" (1 تي 1: 7). لكن ليس هذا حال الإنسان الحكيم الذي يقول عنه سليمان في الأمثال: "الحكيم يفهم كلمات فمه ويحمل تعقلاً على شفتيه" (راجع أم 16: 23). العلامة أوريجينوس + أرأيت كم هي قوة الرئاسة الكهنوتية، لأن قيافا لما تأهل لرئاسة الكهنوت، على الرغم من كونه خاليًا من أن يكون مؤهلاً لها تنبأ، غير عارفٍ ما قاله. فقد استخدمت النعمة فمه فقط، ولم تلمس قلبه الدنس. وآخرون كثيرون قالوا أشياء قبل كونها وتنبأوا، وكانوا قد فشلوا في أن يكونوا أهلاً لذلك، وهم: نبوخذنصر وفرعون وبلعام. أنظر كم هي قوة الروح، إذ اقتدرت أن تُسخر نية خبيثة للنطق بألفاظٍ مملوءة نبوة عجيبة. + ماذا يعني: "إذ كان رئيسًا للكهنة في تلك السنة"؟ هذا الأمر كغيره قد فسد، فإنه منذ صارت تلك الوظائف موضوع شراء (بالمال)، لم يعودوا كهنة مدى حياتهم وإنما لمدة عام. ومع هذا كان لا يزال الروح حاضرًا في هذه الحالة. ولكن عندما رفعوا أيديهم ضد المسيح تركهم الروح وتحول إلى الرسل. هذا أعلنه الحجاب الذي انشق، وصوت المسيح القائل: "هوذا بيتكم يترك لكم خرابًا" (مت 23: 38). قال يوسيفوس الذي عاش فترة قصيرة بعد ذلك أن ملائكة معينين الذين بقوا معهم لعلهم يرجعون (عن شرهم) تركوهم. القديس يوحنا الذهبي الفم "وليس عن الأمة فقط، بل ليجمع أبناء الله المتفرقين إلى واحد". (52) جاءت هاتان العبارتان شرحًا يقدمه الإنجيلي يوحنا كيف استخدم الله حتى شر رئيس الكهنة للشهادة للحق، والتنبؤ عن عمل المسيح الخلاصي لحساب اليهود، بل ولحساب أبناء الله في كل العالم من اليهود والأمم معًا. من هم أبناء الله المتفرقون؟ المؤمنون من كل الأمم، إذ يجتمعون معًا كأعضاء في جسد المسيح الواحد. يرى العلامة أوريجينوس أن إسرائيل حسب الجسد أيضًا بعد التشتيت يقبلون الإيمان بالمسيح ليجتمعوا معًا إلى واحد. "فمن ذلك اليوم تشاوروا ليقتلوه". (53) + بالحقيقة لقد طلبوا أن يفعلوا ذلك من قبل، إذ يقول الإنجيلي: "فمن أجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه" (يو 5: 18)، وأيضًا قال (السيد): "لماذا تطلبون أن تقتلوني؟" (يو 7: 19). كانوا قبلاً يطلبون ذلك أما الآن فإنهم قرروا ما قد صمموا عليه وتحركوا للعمل. القديس يوحنا الذهبي الفم "فلم يكن يسوع أيضًا يمشي بين اليهود علانية، بل مضى من هناك إلى الكورة القريبة من البرية إلى مدينة يقال لها افرايم، ومكث هناك مع تلاميذه". (54) "افرايم" هي قرية صغيرة قريبة من بيت إيل، وقد ضمهما الكتاب المقدس معًا في 2 أي 13: 19، وأيضًا في يوسيفوس. يعتقد أنها ذات المدينة أو القرية الواردة في 1 مك 5: 46؛ 2 مك 12: 27. أعطاها يشير لسبط يهوذا (يش 15: 9). يقول كل من يوسابيوس والقديس چيروم أنها على بعد حوالي 20 ميلاً من أورشليم. يرى البعض انه مكث هناك من 24 يناير إلى 24 مارس، أي لمدة شهرين.. + أعتقد أن هذه الكلمات وما يشبهها سُجلت، لأن الكلمة يود أن يردنا عن التهور بسرعة شديدة وفي غير تعقلٍ للصراع مع الموت من أجل الحقٍ (سيراخ 4: 28) والاستشهاد. فمن جانب من الصواب ألا تتجنب الاعتراف، وأيضًا ألا تتردد في الموت من أجل الحق، إن دخل إنسان في صراع من أجل الاعتراف بيسوع. ومن الجانب الآخر ليس بأقل صوابًا أيضًا أنه إذا وُجدت محنة عظيمة لا تسقط فيها، بل تتجنبها ما استطعت، ليس فقط لأن نتيجة ما سيحدث غير واضحة أمامنا، ولكن أيضًا لكي لا نكون مسئولين عن أن نثير الذين لا يريدون بالفعل أن يسفكوا دمنا، فيسقطون في هذه الجريمة، ويصيرون بالأكثر خطاة وأشرارًا، وذلك إن كنا نعمل ما هو لنفعنا ولا نبالي بالذين يتآمرون ضدنا للموت. بسببنا يسقطون في عقوبات أشد، إن ركزنا على أنفسنا ولا نعطي اعتبارًا لما يخص الآخرين، فنخلص أنفسنا بقتلنا بينما لا تكون هناك ضرورة تستدعي ذلك. + "افرايم" معناها "إثمار"، وهو أخ منسي الأكبر منه ويعني "نسيان". فإنه إذ ترك خلفه الشعب "كما في النسيان" جاءت ثمار الأمم. حينما حول الله أنهار إسرائيل إلى برية، ومصادر المياه إلى أرض جافة والأرض الخصبة إلى أرض قاحلة وذلك بسبب شر الساكنين فيها (مز 106: 33-38). لكنه يحول البرية التي للأمم إلى أحواض مياه، وأرضهم الجافة إلى مصادر حياة. العلامة أوريجينوس "وكان فصح اليهود قريبًا، فصعد كثيرون من الكور إلى أورشليم قبل الفصح ليطهروا أنفسهم". (55) + أراد اليهود أن يجعلوا يوم العيد قرمزيًا بدم الرب. فيه ذُبح الحمل الذي قدسه كيوم عيدٍ لنا بدمه. كانت هناك خطة بين اليهود لقتل يسوع، وذاك الذي جاء من السماء ليتألم أراد أن يقترب من موضع آلامه، لأن ساعة آلامه قد جاءت. القديس أغسطينوس + يا له من تطهير عجيب بتصميمٍ لارتكاب جريمة، ونيات تنزع نحو القتل، وأيادي سافكة للدماء! القديس يوحنا الذهبي الفم "فكانوا يطلبون يسوع ويقولون فيما بينهم وهم واقفون في الهيكل: ماذا تظنون هل هو لا يأتي إلى العيد؟" (56) ربما كان أهل افرايم يطلبونه إذ فارق المدينة، لعله ذهب إلى أريحا أو إحدى نواحيها. ولعل الذين طلبوه هم من قبل رئيس الكهنة، كانوا يبحثون عنه ليخبروا رئيس الكهنة بالموضع الذي يقيم فيه أثناء الاحتفال بالعيد. + جعلوا من الفصح فرصة للتخطيط ضده، وحسبوا وقت العيد وقت جريمة، فإنه سيسقط في أيديهم إذ يستدعيه موسم العيد. القديس يوحنا الذهبي الفم + الذين بحثوا عنه والذين لم يبحثوا عنه هم ملامون. لهذا ليتنا نطلب المسيح ليكون هو لنا، فنحفظه، لا لكي نقتله. القديس أغسطينوس "وكان أيضًا رؤساء الكهنة والفريسيون قد أصدروا أمرًا، أنه إن عرف أحد أين هو، فليدل عليه لكي يمسكوه". (57) + ليأتوا إلى الكنيسة ويسمعوا منا أين هو، يسمعوا ذلك من الإنجيل... إنه رحل (صعد)، وهو حاضر هنا. لقد عاد لكنه لم يتركنا. لقد حمل جسده إلى السماء لكنه لم يسحب جلاله من العالم. القديس أغسطينوس من وحيّ يو 11 لتصرخ بصوت عظيم مناديًا باسمي: هلم خارجًا! + مريم ومرثا تبعثان إليك رسالة من أجل أخيهما: هوذا الذي تحبه مريض! ها اخوتي المجاهدون يطلبون عني أمامك. واخوتي الراحلون في الفردوس يشفعون أمام عرشك. من يقدر أن يقيمني من مرضي سواك يا طبيب النفوس والأجساد! + دبّ المرض في كل كياني، احتلّ فكري وقلبي وكل حواسي. واحتلّ الفساد داخلي. من ينقذني من هذا الجسد الفاسد إلا أنت يا أيها القيامة! + لتنطلق يا أيها السماوي إلى قبري! فقد سببتُ انزعاجًا حتى لنفسك! فإني موضوع حبك! لتصرخ بصوتك الإلهي مناديًا اسمي، ولتقل: "هلمّ خارجًا". عبورك إلى قبري وهبني القيامة بعد الموت، لا يكون للموت وجود في حضرة القيامة! اعترف بخطيتي، وأتمتع بالحلّ الرسولي حسب وعدك: ما حللتموه على الأرض يكون محلولاً في السماء! + بك أتمتع بالحياة المُقامة المتهللة! نعم، رددت لي بهجة خلاصك. وتحوّل المأتم إلى عيدٍ لا ينقطع! أختاي على الأرض وفي الفردوس تمجدانك، أنت مخلص النفوس من فساد الموت! + ليس لي ما انطق به، صارت حياتي الجديدة شهادة حيّة لأعمالك الفائقة. ليؤمن الكثيرون بك، إذ يروك متجليًّا في ضعفي! وليثر عدو الخير وجنوده، فإنه لا يحتمل نور القيامة فيّ! + أخيرًا اسمح لي أن أعبر معك على القبور، لتنادي كل شخص باسمه، ما أعذب صوتك لي، وأنت تصرخ: "هلمّ خارجًا! يا له من محفلٍ ممتعٍ، إذ تخرج النفوس من قبورها مشرقة ببهائكّ عِوض الفساد تتمتع بشركة طبيعتك الإلهية! فيتحوّل الكثيرون إلى عروس سماوية، مهيأة ومعدة للعرس الأبدي غير المنقطع! من أقوال الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
الإصحَاحُ الْحَادِي عَشَرَ يوم السبت من أسبوع الآلام إقامة لعازر (يو1:11-46) ذهاب يسوع إلى مدينة إفرايم (يو47:11-54) إقامة لعازر (يو1:11-46) قدَّم إنجيل مرقس معجزة إقامة إبنة يايرس وقدّم إنجيل لوقا معجزة إقامة إبن أرملة نايين. أمّا إنجيل يوحنا الذي كتب بعدهم بحوالي نصف قرن أورد وحده هذه المعجزة التي تدل على لاهوت المسيح، فهي معجزة خارقة لحدود الطبيعة والعقل. وبسبب هذه المعجزة هاج السنهدريم وقرروا قتل المسيح. وهذا ما إهتم إنجيل يوحنا أن يظهره، فهو الذي أورد شفاء مريض بيت حسدا المشلول من 38سنة وشفاء المولود أعمى. والمسيح هنا ليس صانع معجزات فقط بل هو عنده الحياة الأبدية، القيامة في سلطانه، فهو ترك لعازر في القبر حتى أنتن ثم أقامه وهذه صورة مصغرة لقيامة الأجساد في اليوم الأخير. فالمسيح هو القيامة وهو الحياة فيوحنا يورد المعجزات التي تثبت لاهوت المسيح. وإنجيل يوحنا يقدم لنا هذه الحياة الآن بشرط الإيمان (يو24:5،25). وهو الذي سيعطي القيامة في اليوم الأخير (يو28:5،29). وهناك شرط آخر لنوال الحياة يقدمه إنجيل يوحنا وهو التناول من جسد الرب ودمه (يو54:6). ونرى في معجزة لعازر شخص المسيح الإنسان في بكائه والمسيح الإله في قوته التي أقامت لعازر فهو حقق ما هو للإنسان وما هو لله في آن واحد فهو الله ظهر في الجسد (1تي16:3). ألم يقال "في كل ضيقهم تضايق وملاك حضرته خلصهم" (أش9:63) وتضع الكنيسة هذه المعجزة في بداية أسبوع الآلام الذي سينتهي بالقيامة فهي تظهر أن القيامة في سلطان المسيح (يو17:10،18). تذكر القيامة قبل أن تذكر موته. فهو الحي الذي وإن مات سيقوم ويقيمنا معه. والمسيح صنع 3 معجزات إقامة من الأموات وهي تظهر مستويات الخطية في حياتنا فالخطية هي موت. 1- بنت يايرس.. لم تكفن= من دخلته الخطية حديثاً.. هذا يحتاج كلمة. 2- إبن أرملة نايين.. كُفِّن ولم يُدفن بل شُيِّعَ= من ظهر خطيته وسط الناس.. يحتاج لمسة. 3- لعازر.. كفن ودفن وأنتن= من أنتنت الخطية فيه.. يحتاج لصراخ الرب بصوت عظيم. أو قد تكون: 1- بنت يايرس: الخطية مازالت في طور التفكير والتخطيط لها. 2- إبن أرملة نايين: الخطية تم تنفيذها. 3- لعازر: الخطية صارت عادة. ولعاز المربوط هو أنا المربوط برباطات الخطايا، وأنا في إنتظار سماع صوت الله ليعطيني حياة بدلاً من موت الخطية. ومرض لعازر هو مرضي أنا الروحي والذي ينتهي بالموت. ولكن هناك قيامة كما قام لعازر. ولعاز بعد إقامته تعرض لمضايقات كثيرة من اليهود. ولقد صار أسقفاً. آية (1): "وكان إنسان مريضاً وهو لعازر من بيت عنيا من قرية مريم ومرثا أختها." واضح أن هناك صداقة شخصية بين المسيح ولعازر وبيته (مريم ومرثا) (لو38:10،39). وكان المسيح يرتاح في بيتهما (فهل يرتاح المسيح في قلبي وهل له معي صداقة). وقرية بيت عنيا على بعد 2كم من أورشليم ويحجبها عن أورشليم جبل الزيتون. وبيت عنيا تعنى بين العناء والألم عند سفح جبل الزيتون على بعد 3/4 ساعة من أورشليم. وكلنا الآن شركاء في الألم والموت. واليعازر= اليآزار= الله معيني. وبهذا تصبح قصة لعازر هي قصة كل البشرية التي كانت في معاناة من الألم، والموت مسيطر عليها فأتى لها المسيح في صداقة وحب ليهبها القيامة من الموت. آية (2): "وكانت مريم التي كان لعازر أخوها مريضاً هي التي دهنت الرب بطيب ومسحت رجليه بشعرها." هنا يحدد أن مريم هي التي دهنت الرب بالطيب (2:12،3+ مر3:14-9) ولكن متى ومرقس لم يذكرا إسمها (مت6:26-13) يوحنا إذ كتب بعد خراب الهيكل كتب إسم مريم وذكر معجزة لعازر، أما متى ومرقس ولوقا فأخفوا المعجزة وأسماء لعازر ومريم خوفاً من أن يقتلهم اليهود الحاقدين إذ كتبوا أناجيلهم قبل خراب الهيكل. آية (3): "فأرسلت الأختان إليه قائلتين يا سيد هوذا الذي تحبه مريض." الأختان تلتجئان إلى المسيح فهو الطبيب الشافي. وكلمة الذي تحبه= تدل على قوة العلاقات ومودتها بينهم وبين السيد المسيح. ولاحظ أنهما لم يطلبا الشفاء بل تركا الأمر في تسليم رائع. وعلينا أن نذكر المشكلة لله دون ذكر الحل الذي نراه. وجميل أنهما قالا "الذي تحبه" ولم يقولا "الذي يحبك" فنحن لا ينبغي أن نطالب المسيح بشئ نظير محبتنا له. فمحبة المسيح لنا لا نهائية ولا تقارن بمحبتنا نحن له.وقد تكون الأختان إذ علمتا بمؤامرة الفريسيين ضده لم يطلبا منه أن يأتي بل في إيمان طلبتا منه أن يصنع شيئاً. آية (4): "فلما سمع يسوع قال هذا المرض ليس للموت بل لأجل مجد الله ليتمجد ابن الله به." ليس للموت= أي ليس للموت العام المستمر أو ليس نهايته الموت فهو سيقوم كما حدث. هذه تناظر (يو3:9). فالله يقصد إعلان مجده بواسطة المسيح ليتمجد المسيح. وهم طلبوه أن يأتي ليشفي لعازر وهو تأخر لأنه قصد أن يصنع معجزة أكبر بكثير من الشفاء. لكن هناك من يتصور أن الله لا يسمعه إذا تأخر في الإستجابة. فإذا تأخر الله علينا في إستجابته لطلبتنا، فذلك حتى يعطينا أكثر ممّا نطلب أو نفتكر، أي يعطي بركة أعظم فكل نقص في حياتنا ليس صدفة بل هو لمجد الله. ولاحظ حيرة التلاميذ وعتاب الأختين لتأخر المسيح في الذهاب إلى لعازر.. وهكذا نفعل نحن كثيراً. ولكن علينا في ضيقاتنا أن نؤمن أن المسيح سيتمجد وعلينا أن ننتظر. ولنلاحظ أن الموت وهو أشد أعدائنا ما هو إلاّ رقاد في نظر المسيح. لأجل مجد الله ليتمجد إبن الله به= واضح هنا أن المسيح يربط بين الله وبينه وما يمجد الله يمجده هو فهما واحد. الآيات (5،6): "وكان يسوع يحب مرثا وأختها ولعازر. فلما سمع أنه مريض مكث حينئذ في الموضع الذي كان فيه يومين." وكان يسوع يحب.. الصداقة مع يسوع لا تعنى إعفائنا من الألم والمرض والموت. ونلاحظ أن المسافة من عبر الأردن إلى بيت عنيا حوالي يوم. ومعنى هذا أن الرسول حين وصل للمسيح كان لعازر قد مات. فلعازر كان له 4 أيام في القبر حين عاد المسيح(يوم لسفر الرسول من عند لعازر في بيت عنيا إلى عبر الأردن+ يومين مكث فيهم المسيح في إقليم بيريه+ يوم سفر الرجوع إلى بيت عنيا). ولنلاحظ أن كل صمت للرب يخفي غرضاً أسمى. الآيات (7،8): "ثم بعد ذلك قال لتلاميذه لنذهب إلى اليهودية أيضاً. قال له التلاميذ يا معلم الآن كان اليهود يطلبون أن يرجموك وتذهب أيضاً إلى هناك ." نلاحظ أن الرب لم يقول لنذهب إلى بيت عنيا بل قال لنذهب إلى اليهودية= فعينيه قد تثبتتا على أورشليم وعلى الصليب (لو51:9) وهو يعلم أن ذهابه هو للصليب. ولقب معلم= وبالعبرانية رابي يكني به عن أعلى مراتب العلم والأستاذية ويعني العالم أو العلامة ويقابل الآن الأستاذ الدكتور. الآيات (9،10): "أجاب يسوع أليست ساعات النهار اثنتي عشرة إن كان أحد يمشي في النهار لا يعثر لأنه ينظر نور هذا العالم. ولكن إن كان أحد يمشي في الليل يعثر لأن النور ليس فيه." المعنى المباشر أنه على الإنسان أن يعمل طالما كان هناك نهار، فالنهار هو وقت العمل والحركة. فطالما هنالك نور لن يعثر. والمسيح يقصد أن ينبه تلاميذه بأن تخويفهم له غير لائق، فهو الذي يحدد ميعاد موته، فهو كانوا يحذرونه أن هناك خطورة على حياته، وكان رده عليهم أن نهار حياته على الأرض مازال قائماً، أي أن المسيح له مهمة ينجزها فإن أتمها يأتي ليل آلامه ثم موته وأنه أي المسيح هو النور، وطالما أنتم معي فلا تخافوا فأنتم بمنأى عن الظلمة وأعمالها. ساعات النهار إثنتى عشر= أي زمان خدمتى على الأرض محدد، كساعات النهار. الليل= هو ساعة مؤامرة اليهود ليصلبوه. فلن يكون للأعداء سلطان عليه قبل أن ينهي مهمته ولن يمكنهم قتله قبل ذلك والمعنى لم يأتي وقت الصليب بعد فلأتمم أعمالي. لا تخافوا. والله خلقنا لأعمال صالحة .. (أف10:2) والحياة كافية لأن نتمم العمل الذي خلقنا لأجله. والله هو نور حياتنا ينير لنا كل خطواتنا (يو35:12 + 4:9،5) ولذلك علينا أن لا نخاف من العثرات طالما هو فينا أي النور فينا. ولكن ستأتي ساعة على المسيح قال عنها "هذه ساعتكم وسلطان الظلمة" (لو53:22). هي الساعة التي أنهى فيها عمله فسمح للأعداء أن يلقوا عليه الأيادي (قارن مع يو58:8،59+ يو11:19). والمسيح يقصد أن يقول لتلاميذه هذه الساعة لم تأتي بعد وأنا الذي أحدد متى تأتي. وبالنسبة لكل إنسان ستأتي عليه ساعة ينهي أعماله فلماذا نطمع في زيادة أعمارنا، بل ولماذا نخاف من المخاطر ونهرب منها، من يهرب من المخاطر لينقذ حياته من الموت (مثل من ينكر المسيح خوفاً من الموت) فهو يمشى في الليل لا يشرق حوله نور الله وعناية الله لا تحيطه وتحميه، هو حَرَم نفسه من نور الله ورضاه، بل هو يعرض نفسه لخطر حقيقي. فالموت في سبيل الله وأن نتمم الرسالة التي خلقنا الله لأجلها هو خيرٌ من حياة نهرب فيها من الله (مثال لذلك يونان). بل أن كل عاصي أو خاطئ لا يريد أن يتوب هو يتعثر في ظلمة عصيانه لأنه فقد نور المسيح في داخله. إن كان أحد يمشي في النهار لا يعثر= من يسلك في طريق القداسة تصير له العثرات والضيقات كلا شئ بل تكون أكاليل له. من يمشي في الليل= من لا يشرق حوله نور الله وعناية الله لا تحيطه، بسبب خطيته أو بسبب خوفه على حياته من المخاطر، وتصوره أنه بهروبه منها يطيل حياته فيهرب من المخاطر ولا يتمم واجبه.. يعثر= من يفعل الشر يعثر أي هو الذي يخاف أما من لا يفعل شراً فلماذا الخوف. وهل يليق هذا بالمسيح أن لا يذهب لأورشليم لينقذ حياته ولا يتمم واجبه ولماذا يخاف وهو بلا خطية (أي المسيح) . النور ليس فيه= النور هو المسيح وهو ينير بصيرتنا الداخلية فلا نعثر. ومن يسير في الليل أي ليس بحسب مشيئة الله يعثر. الآيات (11-13): "قال هذا وبعد ذلك قال لهم لعازر حبيبنا قد نام لكني اذهب لأوقظه. فقال تلاميذه يا سيد إن كان قد نام فهو يشفى. وكان يسوع يقول عن موته وهم ظنوا انه يقول عن رقاد النوم." حبيبنا= تشير للصداقة بين المسيح ولعازر. ونلاحظ أن لعازر قد مات الآن ومع هذا فعلاقة المحبة مازالت قائمة بينه وبين المسيح وبين التلاميذ أيضاً. فالكنيسة كلها في شركة حب، وتبقى المحبة قائمة حتى بعد الموت. فهنا لعازر قد مات. قد نام= لقد غير المسيح مفهوم الموت إلى أنه رقاد. وطالما هو في الرب فسيكون هناك قيامة. "ليس موت لعبيدك يا رب بل هو إنتقال" (أوشية الراقدين). ولكن من هو الذي له نصيب في هذه القيامة؟ الإجابة هو من قام من رقاد الخطيئة فالموت الحقيقي ناتج عن الخطية (رؤ6:20 + أف14:5+ لو24:15+رؤ1:3) وراجع (مت24:9) "الصبية نائمة" وكلمة نام التى إستخدمها المسيح تعني [1] إمّا رقاد الراحة أو [2] فقدان الوعي أو الشعور. لذلك إلتبس الأمر على التلاميذ. ورقاد الراحة قد يفيد أنه رقد نتيجة حمى وقد تفيد معنى الموت وقد فهمها التلاميذ على أنها مرض. الآيات (14-16): "فقال لهم يسوع حينئذ علانية لعازر مات. وأنا افرح لأجلكم أني لم اكن هناك لتؤمنوا ولكن لنذهب إليه. فقال توما الذي يقال له التوأم للتلاميذ رفقائه لنذهب نحن أيضاً لكي نموت معه." هنا تكلم المسيح بوضوح وبدون تورية، تاركاً المعنى الروحي للموت أي أنه نوم، إلى المعنى الواضح المباشر وأن لعازر قد مات. وهذا ليكشف لتلاميذه أنه عالم بكل شئ. ثم ليزداد إيمانهم بعد المعجزة وإيمانهم هو ما يفرح الرب= أنا أفرح لأجلكم= فالمسيح لم يفرح لأن لعازر قد مات، لكن لأن التلاميذ سيرون سلطانه على الموت فلا يتشككوا من أحداث الصليب. لنذهب إليه= هذه تعني أن لعازر ظل حياً أمام الرب (وهذا معنى أنه نام). لكي نموت معه= المعنى أن التلاميذ كانوا يعلمون أن الذهاب إلى أورشليم فيه خطورة على حياة المسيح وتلاميذه ومعنى كلام توما لو ذهبنا مع المسيح سنموت معه، أي مع المسيح الذي لابد وأن اليهود سيقتلوه، أو مع لعازر الذي هو الآن ميت وهم سيلحقوا به. فتوما إستصعب فكرة القيامة وإستسهل فكرة أن يموت مع المسيح لمحبته له. فكر توما كان تعبيراً عن الحزن الشديد الذي يفقد صاحبه كل رجاء. ونلاحظ أن اليهود حاولوا رجم المسيح في الزيارة السابقة ولكن هذه المخاطر لم تثنى توما ولا التلاميذ أن يظلوا مرافقين لمعلمهم الذي أحبوه. توما قدم المحبة ولكنه لم يستطع أن يقدم الإيمان. ولأنه بطبعه شكاك لم يقل "نذهب لنحيا معه" ولأن يوحنا يكتب للأمم فقد ترجم إسم توما لليونانية. الآيات (17-19): "فلما آتى يسوع وجد انه قد صار له أربعة أيام في القبر. وكانت بيت عنيا قريبة من أورشليم نحو خمس عشرة غلوة. وكان كثيرون من اليهود قد جاءوا إلى مرثا ومريم ليعزوهما عن أخيهما." لماذا سكت المسيح على لعازر مدة 4 أيام أي حتى أنتن؟ كان اليهود يؤمنون ولهم تقليد أن الروح تظل تحوم حول الميت 3أيام وتحاول دخول الجسد، ثم بعد إنحلاله تشمئز الروح وتذهب لتنضم إلى بقية أرواح الموتى. وكون أن السيد يقيم لعازر في اليوم الرابع فهذا يظهر لليهود أن له سلطان على الهاوية التي تضم أرواح المنتقلين، والتي ذهب إليها لعازر بعد اليوم الثالث. ولذلك يكرر القديس يوحنا موضوع الأربعة أيام مرتين في آيات (17،39). الغلوة= ميل = 145خطوة وهي مقياس يوناني. ونلاحظ أن قرب بيت عنيا من أورشليم جعل كثيرين من يهود أورشليم يأتون للتعزية فيشاهدوا المعجزة وينشروا الخبر في أورشليم. وكان هذا هو السبب في إستقبال المسيح الحافل يوم أحد الشعانين. آية (20): "فلما سمعت مرثا إن يسوع آت لاقته وأما مريم فاستمرت جالسة في البيت." مرثا بطبيعتها نشطة فهي تذهب لإستقبال السيد، ومريم هي الهادئة في البيت. مريم استمرت مع المعزين في البيت حتى لا يخرجوا معهم. وهي لم تعلم بقدوم الرب. وربما أخبر أحداً مرثا بقدوم الرب فأسرعت تجري إليه دون أن تخبر مريم ليعطيها تعزية في وفاة أخيها. الآيات (21-24): "فقالت مرثا ليسوع يا سيد لو كنت ههنا لم يمت أخي. لكني الآن أيضاً اعلم أن كل ما تطلب من الله يعطيك الله إياه. قال لها يسوع سيقوم أخوك." ربما حملت كلمات مرثا نوع من الإيمان المحمل بالشك، وربما هي تقصد أنك أنت يا رب مازلت في نظري قادر على الشفاء بالرغم من أنك لم تأتي لتشفي أخي. وربما كان لها أمل يشوبه الشك في أن يقيم السيد أخيها ولكنه أمل بعيد إذ قد إنتن، لذلك قالت. لو كنت ههنا= ولكن نرى هنا أن إيمان قائد المئة أقوى من إيمان مرثا.. "قل كلمة فقط فيبرأ الغلام" فهو آمن أن قدرة المسيح على الشفاء تتحدى المكان (مت8:8). وهنا نسمع إيمان مرثا بالقيامة. وغالباً دخلت فكرة القيامة لليهود من (دا 2:12+ 2مك9:7،14) كلام مرثا لو كنت ها ههنا فيه ثقة في يسوع أنه قادر على الشفاء لو كان موجوداً. لكنه يعني أن يسوع قادر أن يمنع الموت ولكنه لا يقدر أن يعطي حياة. ولكن كلامها لا تذمر فيه. الآيات (25-27): "قالت له مرثا أنا اعلم انه سيقوم في القيامة في اليوم الأخير. قال لها يسوع أنا هو القيامة والحياة من آمن بي ولو مات فسيحيا. وكل من كان حياً وآمن بي فلن يموت إلى الأبد أتؤمنين بهذا. قالت له نعم يا سيد أنا قد آمنت انك أنت المسيح ابن الله الآتي إلى العالم" المسيح هو القيامة الآن للخاطئ وهو القيامة للميت (يو24:5-29) القيامة هي طبيعته. هو يعطي للخاطئ قيامة فيبدأ حياته من الآن. وتكون حياته هي المسيح.. (غل20:2). ولاحظ أن السيد لم يقل سأُدَبّرْ له قيامة أو أعد له أو أطلب له، بل قال أنا القيامة أي القيامة كائنة فيه. فكلا من يتحد بالمسيح (إيمان/ معمودية/ توبة) تكون له قيامة. والقيامة ثمرة الحياة وهو الحياة فلابد أنه سينتصر على الموت والإنتصار على الموت هو القيامة. والإيمان بالمسيح يعطي حياة وهذه معجزة أكبر من إقامة لعازر. فلعازر قام وظل حياً لعدة سنين ثم مات. أمّا من يؤمن بالمسيح فله حياة أبدية ويقوم في اليوم الأخير. فمعجزة المسيح الأعظم هي الإقامة من موت الخطية. هذه هي الحياة الأبدية (يو57:6) لكن مرثا ظنت أن المسيح هو إنسان له دالة عند الله كل ما يطلبه يعطيه الله له، لكنه لا يقدر من نفسه أن يقيم ميت. لذلك بدأ المسيح يتقدم بإيمان مرثا عمن هو وماذا يستطيع وأنه هو الحياة ذاتها وهو القيامة وهذا هو الفرق بين يسوع وإليشع مثلاً. وقول المسيح لمرثا يشمل الحياة لها، فهي قد آمنت، والحياة للعازر أيضاً. لذلك فالذي قام من الأموات الآن سيكون موته عبور للحياة الأبدية.. "هو حياتنا كلنا وقيامتنا.. " (أوشية الإنجيل). أتؤمنين بهذا= هنا المسيح يسأل مرثا ليحرك إيمانها قبل المعجزة. أنت المسيح إبن الله هو إيمان ناقص فهي لا تؤمن أن المسيح سيقيم لعازر. لكن هذا إيمانها المحفوظ في قلبها كما نطقه بطرس والأعمى ونثنائيل من قبل. وهذا هو غرض كتابة إنجيل يوحنا (30:20،31). هذا الإيمان هو الصخرة التي بنيت عليها الكنيسة (مت16:16+ 33:14+ 3:4+ مر1:1). من كان حياً وآمن بي فلن يموت إلى الأبد= الحياة الأبدية التي يقصدها الرب هنا هي حياة المجد والفرح. أما الخطاة ستكون لهم حياة دينونة بلا مجد ولا فرح. فالشيطان موجود والآن وإلى الأبد لكن هو ليس حي، بل مصيره بحيرة متقدة بنار. الآيات (28-32): "ولما قالت هذا مضت ودعت مريم أختها سراً قائلة المعلم قد حضر وهو يدعوك. أما تلك فلما سمعت قامت سريعا وجاءت إليه. ولم يكن يسوع قد جاء إلى القرية بل كان في المكان الذي لاقته فيه مرثا. ثم أن اليهود الذين كانوا معها في البيت يعزونها لما رأوا مريم قامت عاجلاً وخرجت تبعوها قائلين أنها تذهب إلى القبر لتبكي هناك. فمريم لما أتت إلى حيث كان يسوع ورأته خرت عند رجليه قائلة له يا سيد لو كنت ههنا لم يمت آخي." إذن سبب أن مريم لم تذهب مع مرثا أنها لم تكن تعلم أن الرب قد أتى. سريعاً= دليل محبتها الشديدة ليسوع. يا سيد لو كنت ها هنا= نفس كلمة مرثا (هما إتفقتا في هذا). سراً= هي دعت أختها لتنال من مراحم الرب. وتتعزى بعيداً عن صياح المعزين. فكل من يتعزى من المسيح يدعو الآخرين. وما فعلته مريم ينبغي أن يفعله كل متألم.. أن يجري للمسيح فيعزيه المسيح. الآيات (33-35): "فلما رآها يسوع تبكي واليهود الذين جاءوا معها يبكون انزعج بالروح واضطرب. وقال أين وضعتموه قالوا له يا سيد تعال وانظر. بكى يسوع." تبكي.. واليهود يبكون.. بكى يسوع= الكلمات اليونانية تختلف فبكاء مريم واليهود هو بكاء بصوت مسموع للتعبير الظاهري عن الحزن. أمّا بكاء يسوع فهو كلمة أخرى تفيد "أدمعت عيناه بدون صوت" فهو تأثر من حزن مريم واليهود، نحن أمام يسوع الذي له إنسانية كاملة وله أرفع وأرق المشاعر التي يمكن أن تصدر عن إنسان أمام فاجعة موت حبيب له. وأمام تفجع ذويه عليه، بل هو حزن على ما أصاب الخليقة من موت. نحن أمام المسيح بناسوته وعواطفه البشرية يبكي متأثراً أمام موقف الموت الذي هو أعظم ألم للبشر. وهكذا بكى يسوع على مدينة أورشليم (لو41:19) لأنها ستهلك، فهو هنا أيضاً بكى حزناً على مصير الإنسان. وبكاء المسيح هو شهادة عن كمال ناسوته وعن كمال مشاعر قلب الله ومحبته للإنسان "في كل ضيقهم تضايق". إنزعج بالروح= هنا نحن أمام لاهوت المسيح المقتدر. ولكننا نحن أيضاً أمام ناسوت كامل فكلمة إنزعج هو تعبير لا نفهمه يعبر عن حزنه مما حدث للإنسان الذي خلقه على صورته. وحزنه من بكاء الناس. وإرادته أن يفعل شيئاً لإنقاذ المتألمين. كما يعبر عن ما سيخرج منه، أي قوة الحياة المحيية، قوة تنتصر على الموت والفساد الذي لحق بجسد لعازر وعلى الشيطان وعلى الهاوية ليخرج لعازر من قبره بل ومن الهاوية. فإن كان شفاء نازفة الدم إحتاج لقوة تخرج منه (لو46:8) فكم وكم القوة التي تُخْرِجْ من الهاوية، هي قوة روحية هائلة والروح هو الجزء من إنسانية المسيح الذي به هو في شركة مباشرة مع الآب. وإضطرب= نتيجة ما تحمله جسده من أحزان واضطراب الآخرين فهو يشاركنا أحزاننا ويحملها عنا (أش4:53) وهذا التعب ظهر عليه أمام الناس. وكلمة إضطرب ذكرت عن المسيح 3 مرات [1] هنا [2] (يو21:13) فهو يضطرب ويحزن للخيانة [3] (يو27:12) كما ذكرت كلمة بكي مرتين [1] هنا [2] (لو41:19). والبكاء هنا كان بصوت مسموع فهو يبكي على ما أصاب البشر. فناسوت المسيح كان ناسوتاً كاملاً وإنفعالاته حقيقية. أين وضعتموه= يعلن عن نيته في عمل المعجزة، وينبه الجمهور للمعجزة الآتية فيتحول الجمهور لشهود عيان وهي لا تعني قطعاً عدم معرفته بالمكان ولكن تعني خذوني إلى هناك. الآيات (36،37): "فقال اليهود انظروا كيف كان يحبه. وقال بعض منهم ألم يقدر هذا الذي فتح عيني الأعمى أن يجعل هذا أيضاً لا يموت." لم يكن لديهم أي إيمان بالمعجزة. إذا كانت دموعه أعلنت حبه فكم وكم دمه الذي سال. لكنهم ظنوا دموعه علامة ضعف. الآيات (38،39): "فانزعج يسوع أيضاً في نفسه وجاء إلى القبر وكان مغارة وقد وضع عليه حجر. قال يسوع ارفعوا الحجر قالت له مرثا أخت الميت يا سيد قد انتن لأن له أربعة أيام." فإنزعج= هو مازال تحت تأثير هذه القوة الجبارة التي ستقيم ميت قد أنتن. ولكن إنزعج الأولى كانت بسبب بكاء مريم والآخرين. وإنزعج هنا بسبب شك الناس. إرفعوا الحجر= هنا نرى أن على الإنسان أن يجاهد ويشترك بجهده والله يسكب نعمته. ولكن على الإنسان أن يفعل ما يستطيعه. وتحريكهم للحجر يجعلهم شهود عيان إذ يروا الجسد الملفوف ويشتموا رائحة العفونة. وخدام الكنيسة كل ما عليهم أنهم بالتعليم يرفعون الحجر لتدخل قوة الرب المحيية بالروح القدس ليوقظ النفوس من موت الخطية. قول مرثا قد أنتن= يشير لتصورها أن السيد يريد أن يراه كصديق يحبه ولم تتصور حدوث معجزة. آية (40): "قال لها يسوع ألم أقل لك إن آمنت ترين مجد الله." بالإيمان تستعلن القيامة ويشرق النور. وكل من آمن بالمسيح سيرى مجده وكل من آمن وإحتمل الآلام ناظراً للمجد المعد سيراه بالتأكيد. إن آمنت ترين مجد الله= وهذا عكس ما يريده الإنسان فالإنسان يريد أن يرى ليؤمن، وهذا ليس إيمان. الآيات (41،42): "فرفعوا الحجر حيث كان الميت موضوعاً ورفع يسوع عينيه إلى فوق وقال أيها الآب أشكرك لأنك سمعت لي. وأنا علمت انك في كل حين تسمع لي ولكن لأجل هذا الجمع الواقف قلت ليؤمنوا انك أرسلتني." هنا نرى الإبن الوحيد المحبوب يتكلم مع أبيه جهاراً بخصوص المشيئة الواحدة والعمل الواحد والمجد الواحد. وصلاة المسيح غرضها:- 1- أن القيامة ستتم بأمر المسيح وهي أيضاً عمل الآب لكي يؤمن الجمع أن ما يحدث ليس بقوة سحرية ولا بقوة سحرية ولا بقوة الشيطان. بل بقوة الله. فالمعجزة ستثبت الوحدة الإلهية الكائنة بين الآب والإبن خصوصاً بعد صلاة الإبن لله الآب. والمسيح أعلن هدف الصلاة. لأجل هذا الجمع. ليؤمنوا. فهو لا يصلي ليأخذ قوة بل ليرى الجمع العلاقة التي بينه وبين الله. 2- ظهر فيها توافق المشيئة فالمسيح لم يطلب بل شكر الآب على ما إتفقا عليه. إنك في كل حين تسمع لي= ونحن كل صلاة نصليها بإسم المسيح فهي مستجابة. لذلك ننهي صلواتنا قائلين "بالمسيح يسوع ربنا" (يو23:16،24،26). 3- ظهر أن هناك تمايز بين الأقانيم فالإبن ليس هو الآب والآب ليس هو الإبن. 4- المسيح يصلي بالنيابة عن البشر. فهو كإنسان كامل يمثل البشر يصلي ليبطل سلطان الموت الذي يسود علينا (يو7:15). والمسيح لم يسأل الآب بل شكر لثقته في إستجابة الآب له. ونحن علينا أن نطلب بثقة في المسيح. وفي الإستجابة إعلان لحب الله لنا. آية (43): "ولما قال هذا صرخ بصوت عظيم لعازر هلم خارجاً." صرخ بصوت عظيم= لتُفتح الهاوية وتُخْلِي قوات الجحيم أسيرها. فهو يصرخ لأنه يتعامل مع قوات عنيدة ويأمرها بإقتدار عظيم وقوة وجلال (مز4:29،7،8) هو كان كمن يصرخ في نائم ليوقظه. هنا خرجت قوة هائلة من الرب. لقد خرجت قوة جبارة من جسده لتحيي الميت. لعازر هلم خارجاً= لم يخرجه بإسم أحد بل بسلطانه. وهو ينادي لعازر بإسمه فتعود روحه لجسده. آية (44): "فخرج الميت ويداه ورجلاه مربوطات بأقمطة ووجهه ملفوف بمنديل فقال لهم يسوع حلوه ودعوه يذهب." هنا المسيح يريد أن يحتوي رعبهم وذهولهم وليتأكدوا أنه ليس شبحاً، أو شخص آخر غير لعازر، كان مختبئاً في الداخل. وكان اليهود يلفون كل يد وحدها وكل رجل وحدها، لذلك إستطاع لعازر أن يخرج. حلوه= [1] هذا هم قادرين عليه [2] ليسير في القرية. الآيات (45،46): "فكثيرون من اليهود الذين جاءوا إلى مريم ونظروا ما فعل يسوع آمنوا به. وأما قوم منهم فمضوا إلى الفريسيين وقالوا لهم عما فعل يسوع." هنا يهود آمنوا وهؤلاء سمعوا صوت المسيح وآمنوا فصارت لهم حياة. وهناك من ليس له أذن روحية ولا حواس روحية (لو31:16). هؤلاء تصوروا أن قيامة لعازر معناها ضياع هيبة السنهدريم. وهؤلاء كانوا جواسيس الفريسيين وقالوا لهم عمّا فعل يسوع. أعمال المسيح صارت رائحة حياة لحياة (للذين آمنوا) ورائحة موت لموت (للذين ذهبوا للفريسيين). هياج اليهود وذهاب يسوع إلى مدينة إفرايم الآيات (47،48): "فجمع رؤساء الكهنة والفريسيون مجمعاً وقالوا ماذا نصنع فإن هذا الإنسان يعمل آيات كثيرة. إن تركناه هكذا يؤمن الجميع به فيأتي الرومانيون ويأخذون موضعنا وامتنا." إجتمع أعداء المسيح معاً فمعجزة إقامة لعازر ضد إيمان الصدوقيين وضد مراكز رؤساء الكهنة والكتبة وضد مصالحهم المادية لذلك فمن هذه اللحظة تنحى الفريسيون وتولى رؤساء الكهنة التخطيط لقتل المسيح. فهو يصنع معجزات وهم بلا أي قوة. والعجيب إعترافهم أن يسوع يصنع آيات كثيرة ومع هذا لم يؤمنوا. وكان رأيهم أن عدم حفظ السبت الذي كان المسيح في نظرهم الضيق يكسره بمعجزاته بالإضافة للحياة السماوية التي يطلبها (وكل همهم هو الماديات)، ستخلخل التمسك بالأرض والغيرة على الميراث الأرضي والآبائي والناموسي، فيسهل هذا للمستعمر الروماني الإستيلاء على الأرض والحكم معاً، أو أنه بسبب هذه الثورة الروحية (تجمهر الناس وراء المسيح) يستولى الرومان على ما بقى من سلطة رئيس الكهنة والسنهدريم. هم خافوا أن الرومان يعتبروا أن جمهرة الناس حول المسيح هي ثورة وطنية فيحرموا الكهنة من إمتيازاتهم لأنهم لم يخمدوها. وتتلاشى عناصر الأمة اليهودية التي تقوم على الأرض والناموس. خصوصاً حينما رأوا كثرة المؤمنين بالمسيح وأن الجماهير تريده ملكاً فخافوا على مراكزهم أن يخمد الرومان هذه الثورة ويهدموا الهيكل، فحولوا الموضوع لقضية وطنية يأخذون موضعنا= الموضع هنا المقصود به الهيكل. أمتنا= فقدان حريتهم السياسية والدينية ويتضح من هنا نفاقهم فالرومان كانوا يحتلونهم فعلاً ومسيطرين على بلادهم ولكن كان الخوف على مراكزهم وأموالهم ومن أن يسلبهم المسيح من نفوذهم وسلطانهم على الشعب. وأكثرهم خوفاً كان قيافا رئيس الكهنة. وبحكم مركزه كان رئيساً لمجمع السنهدريم (مجلس الشيوخ اليهودي) والذي كان له السلطان الأعلى على اليهود في أمور دينهم ودنياهم. وله تجارته في الهيكل وله منها مكاسب مادية ضخمة خاف من ضياعها. ونلاحظ أنه إذا إنطلق الفكر من زاوية المصالح الشخصية يضل الإنسان. ولقد هدم الهيكل فعلاً ولكن بسبب ثورات اليهود ضد الرومان ولأن الله كان قد تخلى عنهم. إذ قتلوا يسوع. آية (49): "فقال لهم واحد منهم وهو قيافا كان رئيساً للكهنة في تلك السنة انتم لستم تعرفون شيئاً." راجع أيضاً (يو12:18،13+ 49:11+ لو2:3+ أع5:4،6) فمن هو رئيس الكهنة؟ هل هو حنان أم قيافا أو كلاهما؟! يشرح يوسيفوس هذا الأمر بأن الوالي الروماني فاليروس جراتوس أسقط حنان رئيس الكهنة من رتبته سنة 14م. بعد أن كان قد شغلها 7سنوات. ولكن ظل تأثيره قوياً بسبب قوة شخصيته. حتى أن الشعب إستمر يعترف به كرئيس للكهنة رغماً عن إقالته. وتوّلى بعده رئاسة الكهنة عدة أفراد من عائلته كان آخرهم قيافا، الذي شغل رياسة الكهنوت في الفترة من سنة 25- سنة 36م أي طوال فترة خدمة الرب يسوع. وكان قيافا معروفاً بالجهل والقسوة. وأسقطه الوالي فيتلوس الذي أتى بعد بيلاطس. لذلك فحينما ذهبوا بالسيد إلى حنان كان هذا من قبيل المجاملة ولقوة شخصيته ولكن رسمياً كان قيافا هو الذي سيصدر الأمر. وقول الكتاب في هذه السنة= لا تعني أن رئيس الكهنة يعين كل سنة بل تعني هذه السنة المقبولة التي تم فيها خلاص البشرية بصليب المسيح (لو19:4+ أش2:61). أنتم لستم تعرفون شيئاً= لماذا أنتم مترددون في إتخاذ قرار بقتل المسيح. عموماً كان الرومان يخلعون ويعينون رؤساء الكهنة بكثرة، حتى أنهم عينوا 28شخصاً في هذا المنصب في نحو 107سنة (يوسيفوس). الآيات (50-53): "ولا تفكرون انه خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب ولا تهلك الأمة كلها.ولم يقل هذا من نفسه بل إذ كان رئيساً للكهنة في تلك السنة تنبأ أن يسوع مزمع أن يموت عن الأمة. وليس عن الأمة فقط بل ليجمع أبناء الله المتفرقين إلى واحد. فمن ذلك اليوم تشاوروا ليقتلوه." كان رأي قيافا هو موت المسيح لأنه مضِّل يُضِّلْ الشعب وموته خيرٌ من هلاك أمة بأسرها إذا أخذها الرومان. ولكن يوحنا رأى في كلمات قيافا نبوة عن عمل المسيح الفدائي فالمسيح مات فعلاً حتى لا يموت كل الناس. ورأي يوحنا أن رئيس الكهنة له هذه القدرة على التنبؤ بحكم منصبه كرئيس كهنة. فمواهب الرب لا تنقطع عن رجال الله بسبب فسادهم لأن هذه المواهب هي للخدمة. كانت نبوة قيافا صحيحة بالرغم من أنه كان له قصد مختلف لكن ما تفوه به كان حقاً. وبلعام فعل نفس الشئ بل هو كان كحمار بلعام. آية (54): "فلم يكن يسوع أيضاً يمشي بين اليهود علانية بل مضى من هناك إلى الكورة القريبة من البرية إلى مدينة يقال لها أفرايم ومكث هناك مع تلاميذه." ذهب يسوع إلى أفرايم على بعد 20كم من أورشليم لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد. وليس خوفاً من الموت بل ليكمل رسالته. آية (55): "وكان فصح اليهود قريباً فصعد كثيرون من الكور إلى أورشليم قبل الفصح ليطهروا أنفسهم." هذا ثالث فصح يُذكر في إنجيل يوحنا (13:2 + 4:6). قريباً= لقد إقترب عيد الفصح اليهودي وإقترب أيضاً يوم الصليب يوم يُذبح فصحنا الحقيقي يسوع. فصعد كثيرون= يحدد يوسيفوس العدد الصاعد للفصح بحوالي 2مليون نسمة. ليطهروا أنفسهم= كان يمتنع على المنجسين أن يقدموا الفصح. ولكن كان التطهير الحقيقي آتياً بدم المسيح لذلك كانت الآية التالية مباشرة فكانوا يطلبون يسوع. الآيات (56،57): "فكانوا يطلبون يسوع ويقولون فيما بينهم وهم واقفون في الهيكل ماذا تظنون هل هو لا يأتي إلى العيد. وكان أيضاً رؤساء الكهنة والفريسيون قد اصدروا أمراً انه إن عرف أحد أين هو فليدل عليه لكي يمسكوه." كان قرار السنهدريم ورؤساء اليهود أن من يعرف طريق يسوع يسلمه لهم أو يخبرهم بمكانه ليقتلوه، كان هذا القرار قد إنتشر وذاع خبره بين الشعب فتساءلوا هل يأتي المسيح إلى الفصح وهو عالم بهذا القرار أم يخشى الموت!! وهل يخشى الموت من له سلطان على الموت وقد أقام لعازر. وكان الشعب متلهفاً على رؤية من أقام لعازر من الأموات بعد أن أنتن. وهم واقفون في الهيكل= حيث كان يسوع يعلمهم (يو7،8).
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الإصحاح الحادي عشر الإصحاح الحادي عشر اقامة لعازر [ 1 ] موت لعازر ( ع 1 - 7 ) تمهيد : معجزة إقامة لعازر من بين الاموات هي معجزة انفرد بها انجيل يوحنا . و لعل القارئ العزيز يسال : ما سر هذا الانفراد للقديس يوحنا ؟! و الإجابة : إن القديس يوحنا كتب انجيله في نهاية القرن الاول و بعد حوالي 50 عاما من كتابة باقي الأناجيل . و بالتالي اختار احداثا أخرى لم يركز عليه باقي الانجيليين . مثل : شفاء مريض بيت حسدا ، و خلق عينين للمولود اعمي ، و اختيار القديس يوحنا لهذه المعجزات بالذات له مدلول آخر ، و هو ليس ابراز شخص المسيح كانسان له قدرة ، بل كلاه له سلطان ؛ و هو اسلوب تميز به انجيل يوحنا منذ أول كلماته . أما سؤال : لماذا ذكر مرقس شيئا لم يذكره يوحنا ، أو ذكر لوقا شيئا لم يذكره متي ؟ فأجابته : إن كل ما كتبه الانجيليين الاربعة لم يكن علي سبيل الحصر ، بدليل ما قاله القديس يوحنا نفسه : " و أشياء أخر كثيرة صنعها يسوع إن كتبت واحدة واحدة فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة " ( ص 21 : 25) ع 1 - 2 : لعازر شخصية محبوبة للرب له المجد ، مع اختاه . و كان منزله بمثابة محطة ، يستريح فيها المسيح اثناء تجواله . و اسم " لعازر " معناه : " الله الذي آزر " . و قرية " بيت عنيا " معناها " بيت العناء " و تبعد عن أورشليم حوالي 3 كم . و الإشارة إلى مرض لعازر هنا هي مقدمة لباقي احداث الإصحاح و قصة دهن مريم بالطيب للمسيح تاتي بالتفاصيل في ( ص 12 : 3 - 8 ) ع 3 : كان المسيح في عبر الأردن عندما أرسلت إليه الاختان ، بدالة الحب و الصداقة الأسرية . برجاء شفاء اخوهما . و لم يكن المسيح محتاجا لمن يذكره بانه يحب لعازر . ولكن ما ذكرته الاختان و هذه الكلمات هي نوع من الترجي الشفاعي لياتي المسيح بسرعة اكثر . + و نتعلم من مريم و مرثا مما صنعتاه بارسال رسول إلى المسيح ، أن نرسل صلواتنا إليه من اجل احبائنا المرضي ، ليس فقط الذين نعرفهم علي وجه الخصوص و لكن لكل المرضي علي وجه العموم . ع 4 : " ليس للموت " إجابة المسيح هنا دليل علي لاهوته ، فهو يجيب صاحب الرسالة العاجلة علي مسمع من تلاميذه ، بان " هذا المرض ليس للموت " و دليل أيضا علي علمه السابق بكل ما سياتي من احداث هذه القصة . بل يكرر السيد ما قاله سابقا في ( ص 9 : 3 ) قبل شفاء المولود اعمي ؛ و هو أن كلا المرضي كانا بترتيب الهي يستعلن من خلاله قدرة الابن علي خلق العينين و الاقامة من الاموات. ع 5 - 6 : " كان يسوع يحب " هو مثال لحب المسيح لكل خليقته ، وخاصة هذه القلوب و الاعين المتعلقة به . + و قد ذكر القديس يوحنا هنا هذا الحب ، و يؤكده حتى لا يسرع القارئ و يقول : كيف يهمل السيد المسيح رسالة الرسول الهامة بمرض حبيبه لعازر . و يمكث لمدة يومين بعيدا و متباطئا ؟! فالمسيح يحب ، و هذه حقيقة . و علينا أن نتعلم امورا روحية حسنة ، و هي حكمة الله في تدبير الاوقات : فصلواتنا مرفوعة لديه فور النطق بها . و لكن الاستجابة و توقيتها ، تتوقف علي حكمة الله في تدبير الاوقات " لكل شئ زمان ، و لكل أمر تحت السماوات وقت " ( جا 3 : 1 ) و التاخر أحيانا يأتي بفوائد اكثر ... و قد يكون اختبارا لايمان و ثقة الإنسان في الله ... و نتعلم أيضا إلا ندين الناس إذا تاخروا في السؤال عنا لعل كان لديهم من الأمور الهامة ما يشغلهم عنا ، بل نلتمس لهم الاعذار . ع 7 : و استجاب قلب المسيح المحب ، في الوقت الذي راه مناسبا . فبعد اليومين توجه إلى بيت عنيا في اليهودية تاركا بيت عبرة في عبر الأردن ، اخذا معه تلاميذه الذين سيصبحون شهودا لهذا الحدث العظيم . [ 2 ] خوف التلاميذ من زيارة اليهودية ( ع 8 - 16 ) ع 8 : لا زالت احداث عيد التجديد ، و حديث السيد عن الرعية و الراعي ، و محاولة اليهود رجم الرب يسوع أو القبض عليه ، ماثلة أمام اعين التلاميذ . و لهذا جاء استفسارهم الاعتراضي عن الذهاب لليهودية وخوفهم علي المسيح و علي انفسهم من بطش اليهود . ع 9 - 10 : ما قاله المسيح للتلاميذ في هذين العددين ، هو علي سبيل المثل الايضاحي ؛ فالمسيح هو نور النهار ، و ساعات النهار هي زمن خدمته المحددة علي الأرض . و بالتالي لا داعي للخوف ما دام الوقت نهارا و أنا معكم ، و قد اوضح المسيح ذلك عندما قال : " النور معكم زمانا قليلا بعد ، فسيروا في النور ما دام لكم النور " ( ص 12 : 35 ) ، و كأنه يقول لا تخافوا فلن يستطيع أحد أن يؤذيكم لأنى أولا أنا معكم ثانيا ليس لأحد سلطان علي لان ساعتي لم تات بعد ، فاجعلوا حالكم كمن يسافر نهارا و هو لا يخشي شيئا قبل أن يأتي الظلام . ع 11 : " لعازر حبيبنا " : يعبر المسيح هنا عن علاقة الحب التي تربطه بلعازر ، و قد ضم لها التلاميذ أيضا . + و لكن المعني الروحي أن المقصود لم يكن لعازر وحده فالمسيح يحبك أنت ، و يحبني أنا أيضا و يحب كل أولاده ، ألم ينادنا جميعا في سفر نشيد الانشاد باسم " حبيبتي ؟ " قد تدعو الله في صلاتك " حبيبي " . و لكن هل تسمعه أيضا و هو يدعوك حبيبا . و كم يكون صداها في نفسك ؟ بل هو أيضا يدعوك حبيبا أمام تلاميذه و كل قديسيه . " قد نام " : استخدم المسيح هذا التعبير ليعلمنا أن الموت الذي يأتي علي ابنائه بالجسد ليس هو موتا بل نوما هادئا يعقبه قيامة و حياة ابدية . + و لهذا فالكنيسة في الصلاة علي الراقدين تقول : " ليس موتا لعبيدك بل هو انتقال " و لكن الموت عند المسيح يعني الهلاك نتيجة عدم الإيمان به ، أو رفض وصاياه أو كبرياء الإنسان أو رفض الأسرار الكنسية فهذا هو الموت الحقيقي الذي لا يعقبه حياة بل دينونة. " أذهب لاوقظه " : اشارة لعلمه اللاهوتي في اقامة لعازر من الموت . و هذه الإشارة لم يفهمها التلاميذ لكنهم يسدركون معناها بعد معجزة القيامة . ع 12 - 14 : فهم التلاميذ كلام المسيح حرفيا ، دون الوصول لقصده . ولما كانت رغبتهم القلبية لا زالت لا تريد الذهاب إلى اليهودية ، قدموا نومه كدليل علي بداية شفائه ... و أمام هذا الابتعاد عن الفهم ، أعلن المسيح صراحة قصده السابق و هو اعلان موت لعازر بالجسد . ع 15 : " أنا افرح لاجلكم " : لم يفرح السيد بموت لعازر بل من اجل علمه بما سيحدث ، فان اقامة لعازر ستكون سببا كبيرا في تدعيم ايمان التلاميذ أمام احداث الصليب ، و التي اقتربت جدا . كذلك فهناك الكثيرين بجانب التلاميذ سوف يؤمنون بالمسيح بعد هذه المعجزة ... و يوضح أيضا سبب فرحه ... بانه لم يكن هناك وقت مرضه . و ذلك لان المعجزة كانت ستكون اقل شانا ، و شاهد التلاميذ امثلة متكررة لها ... و لكن التاثير سيصير اعظم عندما يقام من مات له اربعة أيام . ع 16 : الحديث هنا جانبي بصوت خفيض من توما الذي يعرف بشكه و قلبه - للتلاميذ و كان توما يقول إن المعلم لم يسمع لنصحنا و توسلنا إليه . وبالتالي فالنتيجة الحتمية هي قبض اليهود عليه و علينا ، و موتنا جميعا معا . + و ما فعله توما حينذاك يفعله كثيرين أيضا من هؤلاء الذين يسبق عقلهم ايمانهم . وبدلا من أن يصدقوا خبر الإيمان يشككون البسطاء في ايمانهم ، بسخريتهم مثلا من المعجزات أو قدرة الله ، أو سلطان القديسين . يا الهي لا تجعل من عقولنا موانعا و سدودا تمنع تيار الإيمان بل افتح قلوبنا فنقبل ونخبر أيضا بعظيم اعمالك . [ 3 ] المسيح هو القيامة و الحياة ( ع 17 - 29 ) ع 17 - 19 : " اربعة أيام " هي المدة ما بين ابلاغ المسيح لتلاميذه بنوم لعازر ، وتركه عبر الأردن إلى اليهودية . و بيت عنيا تبعد عن أورشليم حوالي 45 دقيقة سيرا علي الاقدام . ومثل عادة معظم المجتمعات حتى ألان فقد اجتمع العديد من اهل القرية لعزاء مريم ومرثا في بيتهما . ع 20 : يفهم من النص أن المسيح لم يذهب إلى بيت لعازر بل إن هناك رسولا اخبر مرثا التي خرجت مسرعة لمقابلة المسيح خارجا ، و تركت مريم بين المعزين ، و مريم لم تعرف ، و إلا كانت قد خرجت هي الاخري معها . وتتضح عدم معرفتها من ( ع 28 ) عندما اخبرتها مرثا لاحقا " المعلم قد حضر " ع 21 - 22 : بتلقائية و ببساطة ، تكلمت مرثا بما تشعر به ، فقد عبرت عن اسفها بعدم وجود المسيح وقت مرض اخوها ، فهي تعلم أن حبه لشخص لعازر من جهة ، و اعتباره نبيا بارا صنع معجزات شفاء كثيرة قبلا ، و أن كل ما يطلبه من الله يستجاب له من جهة أخرى ، كان كفيلا بشفائه و منع موته . و قولها : " ألان أيضا " كان يعني انتظارها شيئا من المسيح و هو غالبا اقامة اخيها و لكنها غير واثقة من ذلك بدليل باقي حديثها . + و لعل اهم ما نتعلمه هنا من مرثا ، بساطة الحديث و صراحته و هي عناصر هامة كثيرا ما تخلوا منها صلواتنا ، فيجب علينا أن نتحدث مع الله بكل ما نشعر به ، سواء ضيقا أو طلب معونة ، أو شكر علي ما جاد به علينا ؛ فالصدق و الصراحة اساس للصلاة المقبولة . ع 23 - 24 : مقابلة جديدة يقدمها القديس يوحنا كما اعتاد علي ابراز الفرق الكبير بين ما يقصده الله و بين ما يفهمه الإنسان ، فالمسيح هنا يوضح أن لعازر سيقوم بالحقيقة ، لان القيامة و الحياة هي من خصائص و سلطان الابن الوحيد ، اللتين يمنحهما لمن يريد من ذاته . أما مرثا فلم تفهم هذا البعد اللاهوتي في شخص المسيح بعد . ولهذا إجابته بما هو راسخ في اذهان كل الناس بان اخوها سيقوم أيضا كما الجميع " في اليوم الاخير " أي يوم القيامة العامة لكل الناس . [ 4 ] اقامة لعازر ( ع 30 - 46 ) ع 25 : يجيب المسيح هنا مصححا للمفاهيم ، و معلنا عن لاهوته في قدرته الذايتة ، انه هو " القيامة " ومصدر " الحياة " . والقيامة ممكنة في أي وقت بحسب مشيئته و قدرته ، و ليست في اليوم الاخير فقط كما هو في اذهان الناس ، وكل من يموت بالجسد مثل لعازر ، و لكنه " امن " به " فسيحيا " أي تكون له الحياة الأبدية . فالموت الجسدي لا يمس الروح بشئ ، و لكن موت الروح بالخطية يعتبر عدم ايمان بالمسيح . وبالتالي لن تكون له قيامة الحياة ، بل الدينونة الأبدية . + وهذا الإيمان يجعلنا ندرك سر عدم خوف آباؤنا الشهداء من الموت . فالموت من اجل اسم المسيح اعتبروه بداية للحياة ، وعربونا للقيامة الحقيقية . " أنا هو القيامة و الحياة " تعبير مملوء رجاء لكل نفس لا زالت تئن من موت الخطية . فالمسيح يعلن لها انه سر قيامته و حياتها ، إن ارادت القيامة من موتها. تعالوا اذن نقدم هذا المسيح المقيم لكل نفس بعيدة عن كنيسته فنتمتع بمعجزات قيامة يومية في كنيسته بعودة كل من " كان ميتا فعاش و كان ضالا فوجد " ( لو 15 : 24 ، 32 ) ع 26 : يضيف الإيمان بالمسيح ميزة أخرى لمن آمن به ، و هي عدم الموت الأبدي و ذلك في استكمال لمعني الاية السابقة . فليس فقط من كان ميتا سيحيا ، بل إن من هو حي " فلن يموت إلى الأبد " و هذه التكملة تجعلنا ندرك الفرق بين مفهوم الموت عند العالم من جهة و عند الله لاولاده من جهة أخرى كما سبق ايضاحه في ( ع 25 ) " اتؤمنين بهذا ؟ " نفس السؤال سأله المسيح للمولود اعمي ( ص 9 : 35) وكان المسيح يؤكد مرارا و تكرارا أن الإيمان بشخص المخلص هو اساس الخلاص و الشفاء و العطايا التي اهمها جميعا القيامة و عدم الموت . ع 27 : يأتي اعلان ايمان مرثا هنا ، مقابلا لاعلان بطرس في ( مت 16 : 16 ) في أن المسيح هو الابن المتجسد و الأتي إلى العالم من اجل خلاصه . و يعلق القديس يوحنا ذهبي الفم أن مرثا مثل بطرس ، لا تستطيع اوحدها أن ترقي إلى هذا المستوي من الاعلان بل إن الروح القدس أعلن علي لسان مرثا ، كما أعلن علي لسان بطرس . أما الإيمان اليقيني بشخص ربنا يسوع المسيح ، كابن الله المخلص فقد استكمل بعد القيامة و استعلن بعد حلول الروح القدس علي التلاميذ . ع 28 - 29 : " دعت مريم اختها سرا " أي أن مرثا عادت إلى المنزل و ابلغت اختها بحضور المسيح . وكلمة " سار " فلعلها لم ترد ازعاج المعزين . و في رأي آخر ، خشت أن يكون هناك اعداء للمسيح وسط المعزين لم تشا أن تخبرهم بقدومه . أما مريم فلما سمعت ، كانت استجابتها سريعة . + و هذا ما نحتاجه جميعا أن تكون استجابتنا سريعة لنداءات المسيح لنا فكثيرا ما تخطئ بتاجيل الاستجابة فتضيع العديد من فرص التمتع بلقاء شخص المسيح الحبيب . ع 30 - 31 : لم يدخل المسيح القرية أو بيت لعازر فقد كان هدفه واضحا ، وهو اقامة لعازر و ليس التعزية في موته . و خروج مريم مع مرثا من البيت ، كان ملفتا لنظر اليهود و المعزين فقاموا هم بدورهم تابعين لهما ، ظانين ذهابهما للقبر مثل عادة الكثيرين في البكاء عند القبر ، و لعل هذا كان تدبيرا الهيا أن يخرج المعزين ورائها ، حتى يشاهدوا هذه المعجزة الفريدة ، و عندما قابلت مريم المسيح تحدثت بمثل ما قالت مرثا قبلا ( ع 21 ) . و لكن سجودها عند رجليه هو دليل علي اكرامها جدا لشخص المسيح و أيضا اسحاقها بالحزن علي عدم وجوده قبل وفاة اخيها . ع 33 - 35 : كان منظر بكاء مريم و المعزين المجتمعين معها منظرا مؤثرا للغاية ، خاصة و انه كان يمس انسانا قريبا من قلب المسيح ، و لما كان المسيح إلها كاملا بقدرته أن يقيم لعازر إلا انه أيضا إنسانا كامل يحمل كل المشاعر الرقيقة بداخله ، و تعبير " انزعج بالروح " يفيد باليونانية لم يكن راضيا أو مرتاحا . و كلمة " اضطراب " تفيد باليونانية أيضا معني القشعريرة . + و هي صورة توضح معني احساس المسيح بنا ، فهو رقيق القلب يشعر بالام أولاده ، يتالم و يتضايق و يشاركهم احزانهم ( اش 63 : 9 ) و هذا في حد ذاته ، يعطي عزاء لكل من هو في تجربة أو ضيق . و لعلنا نتعلم أيضا من هذا الموقف المشاركة الايجابية المسيحية لمن هم في ضيقة أو حزن شديد " بكاء مع الباكين " ( رو 12 : 15 ) و لا نستهين أو نقلل من مشاعر الناس عند بكائهم بل بكائنا نحن أيضا ليس خطا طالما لم يتعد حدود ايماننا و رجائنا في القيامة بعد الموت . فالحزن الخاطئ و الذي يحذرنا منه الله هو حزن من لا رجاء لهم ( 1تس 4 : 13 ) " بكي يسوع " : جاءت تعبيرا عن كل ما جاش في قلبه و حنو مشاعره . + و لعلنا نذكر الكلمات التي تصلي بها الكنيسة في اوشية المرضي : " رجاء من ليس له رجاء ، معين من ليس له معين ، عزاء صغيري القلوب ، ميناء الذين في العاصف " ع 36 - 38 : يستكمل القديس يوحنا وصف المشهد لنا ، فينقل تعليقات الجمع . فالبعض عندما رأوا دموع الرب يسوع ، تاثروا بدرجة حب الرب لشخص لعازر . و البعض الأخر حمل كلامه تشكيكا في قدرة المسيح بمعني انه لو كان صحيحا ما سمعوه عن تفتيحه لعيني اعمي أفلم يكن قادرا أيضا علي انقاذ و شفاء صديقه بالأولي ؟! "انزعج يسوع أيضا " : شعر بعدم ارتياح نتيجة المناخ المحيط بصفة عامة ، و بسبب اقترابه من مكان القبر ، وكذلك أحاديث اليهود في ( ع 36 ، 37 ) . و كان القبر عبارة عن مغارة من الصخر كاعتياد الناس في دفن موتاهم ، إما في مغائر طبيعية أو منحوتة ، و يغلقونها بعد ذلك بحجارة . ع 39 : " ارفعوا الحجر " هل الذي استطاع أن يقيم الميت بالكلمة لم يكن في مقدوره أيضا أن يحرك الحجر ؟ و لكن هذا هو أسلوب الله الذي يسمح للإنسان بالمشاركة في العمل . فما هو في قدرة الإنسان لا يفعله الله . و إشراك الإنسان حدث أيضا في ملء الأحزان بالماء في عرس قانا الجليل ( ص 2 : 7 ) و حدث أيضا في جمع السلال في معجزة إشباع الجموع ( مت 15 : 37 ؛ مر 8 : 8 ) + و إشراك الله للإنسان تجعل منه شاهدا لعلم الله و تدابيره . وهي ميزة يتمتع بها من يعمل في حقل خدمة الرب . إذ يعيان أعماله عن قرب . و يشترك فيها . كذلك نتعلم و إن كان الخلاص عملا إلهيا في المقام الأول ، إلا أن الأسنان أيضا له دور في هذا الخلاص بأعماله ، و مشاركة نعمة الله المخلصة بجهاده . " له أربعة أيام " أي استحالة القيامة بعد التحلل و التعفن . و ما جدوي رفع الحجر إلا اثارة احزان لا داعي لها ؟ + أما المعني الروحي فالحديث هنا عن الإنسان الذي مات في الخطية حتى تحللت ارادته أمامها و صارت أعمال شهوات الجسد نتنة ؛ فحتي هذا الإنسان الذي يظن الجميع انه لا قيامة له ، له قيامة بالتوبة التي تحول عفن و نتن الخطية إلى طيب غالي الثمن . ع 40 : في ( ع 4 ) يشير السيد إلى أن مرض لعازر ليس للموت ، بل لمجد الله ، و هنا يعلن السيد المسيح و بقوة هذا المجد أو علي الاقل أحد صور مجد الله في القدرة المطلقة و انتصار الابن علي الموت ، في مقدمة لقيامته هو . و أما تعبير "إن امنت " فان المسيح يربط معاينة المجد بشرط الإيمان . فبدون ايمان لا يمكن ارضاؤه . و لهذا يقول القديس متي : " و لم يصنع هناك الناصرة قوات كثيرة لعدم ايمانهم " ( 13 : 58 ) ع 41 - 42 : قاموا برفع الحجر ، و مشاعر الفضول تغلبهم فيما هو مزمع أن يتم ، فتارجح المشاعر هنا بين الشك و اليقين عند الناس ، نكاد نقول شيئا طبيعيا ، مع عدم الاعلان النهائي للاهوت المسيح و وجود مؤيدين مؤمنين و معارضين في الجمع المحيط . يتوجه المسيح بعد ذلك لحديث مع الله الأب ، و الغرض من هذه الصلاة أو الحديث المسموع ، هو " ليؤمنوا انك ارسلتني " . فالمسيح يريد استغلال هذا الحدث الفريد ، لاعلان ما سبق اعلانه كثيرا في انجيل يوحنا في انه من الأب و في الأب و الإرادة واحدة بينهما ، و ليرد علي من قالوا سابقا انه ببعلزبول يصنع معجزاته ( مت 12 : 24 ؛ مر 3 : 22 ؛ لو 11 : 15 ) فهنا يعلن أن الاساس هو الله و ارادته العاملة في ابنه . + و هناك غرض آخر لنا نحن و هو أن المسيح يعلمنا مبدأ الصلاة الدائمة و خاصة قبل الشروع في أي عمل . و المسيح يقدم أيضا في صلاته عنصر الشكر ، الذي تعلمنا الكنيسة دائما أن نبدأ به كل صلواتنا . "سمعت لي ... كل حين تسمع لي " : يبرز هذا القول التوافق الدائم و المستمر بين طلبة الابن و استجابة الأب فعمل الابن الاول هو الطلب من اجل خليقته ، من خلال دمه المبذول و الأب الواحد مع الابن في الإرادة و الجوهر ، يقبل دائما طلبته ، و يؤكد المسيح هذا المعني في حديثه مع تلاميذه " مهما سالتم باسمي فذلك افعله ليتمجد الأب بالابن ، إن سالتم شيئا باسمي فإني افعله " ( ص 14 : 13 ، 14 ) ع 43 : " صرخ بصوت عظيم " خرج صوت المسيح عظيما مدويا ، يزلزل اركان الهاوية و يامرها بفتح ابوابها لخروج روح لعازر منها ، ويهزم الموت الجاسم علي كل البشر . و أمر لعازر بالقيامة ، و لم يامره أن يقوم باسم الأب ليبين أن ما يفعله الأب يفعله الابن أيضا بنفس القدرة و السلطان . ع 44 : يا تري كم كانت دهشة و ذهول الحاضرين أمام هذا الميت القائم بعد عفن و تحلل دام " أربعة أيام "؟! إلا أن المسيح يتدخل بصورته مرة أخرى لافاقة الجمع من ذهوله و يامر بعضا منهم أن يحلوه و يدعوه يمضي . + و كما سبق و أعطى المسيح دورا للإنسان في رفع الحجر فها هو أيضا يتعهد النفس القائمة من موت الخطية في عهدة الكنيسة كهنة وخداما . فقد قام بعمله الكفاري معها ، و منحها مغفرة الخطايا و القيامة ، و لكنه ترك جزء من العمل علي عاتق الكنيسة ، التي تتابع في رعايتها إتمام عمل الطبيب الشافي . فعند اقامته الصبية ، أمر أن تعطي لتاكل ( لو 8 : 55 ) و لقد اودع المسيح كل طعامه الروحي في كنيسته ، فمن تاب و لم يتناول باستمرار من طعام الحياة يموت إلى الأبد ( ص 6 : 53 ) ع 45 - 46 : لا زال الموقف كما هو بين من يقبل عمل الله و يؤمن به ، وبين من يشاهد و ينكر و هو ما قاله المسيح في انجيل معلمنا لوقا : " و لا إن قام واحد من الاموات يصدقون " ( 16 : 31 ) فالمجموعة الأولى ، سرت قيامة لعازر كالتيار في اجسادهم فعظم ايمانهم بالمسيح . أما الاخرون فكان انتمائهم الارضي و خوفهم علي مصالحهم حائلا وقف دون ايمانهم بهذا الحدث العظيم . + يا الهي افتح بصيرتي و قلبي لاري اعمالك ، و لا تجعل من عقلي أو اهواء قلبي عائقا يقلل من ايماني بكل اعمالك . [ 5 ] التامر بعد المعجزة ( ع 47 - 57 ) ع 47 - 48 : كان هدف الكهنة و الفريسيين واضحا في التخلص من شخص الرب يسوع ، الذي جذب إليه الجميع و انحسرت بسببه شهرتهم و سطوتهم علي الشعب . فلهذا و بسبب قوة هذه المعجزة جمعوا مجمعا و النية مسبقة في التخلص من المسيح ( راجع ص 5 : 18 ؛ ص 7 : 1 ، 25 ، 30 ، 44 ؛ ص 8 : 59 ، 40 ؛ ص 10 : 31 - 33 ، 39 ) و لم يكن امامهم سوي صياغة الاسباب التي تعضد قرارهم و تبرره أمام انفسهم و أمام الشعب فتفتق ذهنهم إلى سبب سياسي واه جدا ، و هو أن تبعية الجموع للمسيح ستستفز الرومان و تثير القلاقل فتكون النهاية هي إبادة الامة اليهودية . إلا أن اكثر ما يدينهم هو اعترافهم نفسه بان السيد يصنع ايات كثيرة . وبدلا من أن يقودهم هذا إلى الإيمان به طلبوا أن يقتلوه . + و لعل خطية تبرير الاحكام و التصرفات نقع نحن فيها أيضا كما صنع الكهنة و الفريسيين ، ونهتم بما نخدر به ضمائرنا و يحسن من صورتنا أمام الناس متناسيين الله الديان الحقيقي فاحص قلوب و افكار كل البشر ... طوباهم الذين اهتموا بتبرير ضمائرهم أما الله فقط ... " طوبي لمن لم يقض عليه ضميره و لم يسقط من رجائه " ( سيراخ 14 : 2 ) ع 49 - 50 : كان قيافا رئيسا للكهنة و كان قريبا بالجسد لحنان رئيس الكهنة الاسبق ، و كان مدة رئاسة قيافا للكهنوت 11 عاما ، عاصر فيها كل احداث السيد المسيح وكان معروفا في التاريخ اليهودي انه جاهل و قاس القلب . " انتم لستم تعرفون شيئا " هكذا بدا قيافا حديثه محتميا في منصبه السامي في اعين الباقين ، و كمقدمة ايحائية أن ما سوف يدلي به هو رأي الله ، لأنه من فم الكاهن تطلب الشريعة . فتقدم كرجل دين و سياسة ، مقدما ما يريح الضمائر " انه خير أن يموت إنسان واحد حتى لو كان بارا عن الامة باسرها " و ما قدمه قيافا هنا كان الصيغة التي يبحث عنها الجميع من اجل اراحة ضمائرهم . ع 51 - 52 : لم يكن قيافا نبيا بالحقيقة ، بل وضع الله علي لسانه ما يشير إلى قصد الله و تعيينه السابق ، فقد استخدمه الله هنا للاعلان عن مجريات الأمور . أما ما جاء في ( ع 52 ) و هو الموت عن باقي العالم لجمع ابناء الله ، فهذا خارج حديث قيافا . و هو استطراد للقديس يوحنا ، يستكمل به اعلان قصد الله بان موت المسيح لم يكن لفداء الامة اليهودية فقط ، بل لفداء العالم كله ، وهذا ما جاء علي لسان المسيح نفسه في ( ص 10 : 16 ) " و لي خراف آخر ليست من هذه الحظيرة ينبغي أن اتي بتلك أيضا " ع 53 : هذه كانت نهاية جلسة الكهنة و الفريسيون فالقرار صار واضحا و ما تبقي هو التشاور في كيفية التنفيذ و القبض علي المسيح . ع 54 : انتهت الجلسة و تناقلت الاخبار ، وعلم الكثيرون بقرار المجمع السري . و لما كانت ساعة المسيح لم تات بعد و هو العالم الوحيد لوقتها ، اثر السيد الحكمة عن اعلان نفسه ، فمضي بعيدا عن مكان الاحداث الملتهبة . وذهب إلى مدينة افرايم و هي مدينة تعرف باسم " الطيبة " ألان و تبعد نحو 20 كم شرق أورشليم و نواحي برية الأردن . ع 55 : يبدأ القديس يوحنا هنا في نقلنا إلى الفصل الاخير من انجيله فهو يعد القارئ بالمشهد الاول للفصح الاخير ، يتدفق اليهود من جميع انحاء اليهودية إلى أورشليم قبل الفصح نفسه بايام . و ذلك حتى يستعدون للفصح بتقديم ذبائح التطهير . لان الناموس منع المنجسين من لمس خروف الفصح أو اكله ، فالتطهير كان لازما و خاصة لكل من تنجس + اخي الحبيب ... كان اليهود حريصين علي طاعة الله بوجوب التطهير قبل الاقتراب من خروف الفصح ، الذي هو رمز لذبيحة المسيح الحقيقية ... فماذا عن اناس منا يقتربون لجسد إلهنا الحقيقي و التناول منه دون أن يتطهروا أيضا بالتوبة الحقيقية الروحانية ، و بممارسة سر الاعتراف الذين ينالون فيه حلا و غفرانا و تطهيرا ليس بماء أو برش دم حيوان بل بالروح القدس الله المحي و المطهر ؟! ع 56 - 57 : في هذين العددين فرقان يطلبان الرب يسوع ، و إن اختلفت النوايا و المقاصد ، فالفريق الاول : هو الشعب البسيط الذي يتلهف لرؤية هذا البار الذي صنع كل هذه الايات ، و خاصة اية اقامة لعازر من الاموات . أما الفريق الثاني فكان دافعه هو التربص من اجل القبض عليه تمهيدا لمحاكمته و قتله . و هذه الاية توضح الحكم الذي استقر عليه المجمع في ( ع 53 )
مصادر أخرى لهذا الإصحاح