كلمة منفعة
الاٍفتقاد هو لون من الرعاية والمتابعة، قال فيه القديس بولس الرسول (لنرجع ونفتقد أخوتنا في كل مدينة نادينا فيها بكلمة الرب كيف هم) (أع 15: 36).
— الافتقاد
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
انجيل معلمنا لوقا - الاصحاح رقم 24 انجيل معلمنا لوقا الإصحاح رقم 24 الباب الخامس : الأصحاح الرابع والعشرون : صديقنا القائم من الأموات إن كان السيد المسيح قد تألم لأجلنا لكي يقيمنا أصدقاء له، فإنه إذ قام بقي بعد القيامة صديق البشرية، يشتاق أن يهبها حياته المقامة. نراه يقترب من تلميذي عمواس، ويمشي معهما، ويحاورهما بلطف، ويلهب قلبيهما بمحبته، ويفتح بصيرتهما للتعرف عليه. يعود فيظهر لبقية التلاميذ أيضًا ويسألهم أن يحسوه ويلمسوا حقيقة وجوده في وسطهم، بل ويأكل معهم حتى يثقوا في حقيقة معيته لهم، وأخيرًا يُخرجهم إلى بيت عنيا ليرفع يديه ويباركهم، ثم ينفرد عنهم، ويصعد إلى السماء ليعد لهم موضعًا، لذا رجعوا إلى أورشليم بفرحٍ عظيمٍ. 1. القبر الفارغ 1-21. 2. تلميذي عمواس 13-35. 3. ظهوره لتلاميذه 36-43. 4. إرساله التلاميذ 44-49. 5. صعوده إلى السماء 50-52. 6. ارتباطهم بالهيكل 53. 1. القبر الفارغ "ثم في أول الأسبوع أول الفجر، أتين إلى القبر حاملات الحنوط الذي أعددنه، ومعهن أناس. فوجدن الحجر مدحرجًا عن القبر. فدخلن ولم يجدن جسد الرب يسوع. وفيما هن محتارات في ذلك، إذا رجلان وقفا بهن بثيابٍ برّاقةٍ. وإذ كن خائفات ومنكسات وجوههن إلى الأرض، قالا لهن: لماذا تطلبن الحيّ بين الأموات؟! ليس هو ههنا لكنه قام. اُذكرن كيف كلمكن وهو بعد في الجليل، قائلاً: إنه ينبغي أن يسلم ابن الإنسان في أيدي أناس خطاة، ويصلب، وفي اليوم الثالث يقوم. فتذكّرن كلامه" [1-8)]. استراح النسوة يوم السبت حسب الوصية (23: 56)، وكان الرب راقدًا في القبر، فكان هذا خاتمة "سبوت" العهد القديم لكي بنهايته يكمل القديم، ويبدأ العهد الجديد مع قيامة الرب في أول الأسبوع، أول الفجر! كان ذلك اليوم الذي فيه انطلق الرب من القبر بمثابة بداية جديدة للبشرية في علاقتها بالرب، إذ صار لها حق الحياة المقامة في الرب، لتعيش في سبتٍ جديدٍ فريدٍ هو "راحة الحياة الجديدة في الرب" أو "راحة الحياة المُقامة فيه" أو قل: "راحة الشركة مع المسيح المقام". ترك القبر فارغًا والحجر مختومًا، كما وُلد من العذراء وبتوليتها لم تمس، وقد أرسل ملاكه يدحرج الحجر ليجد المؤمنين في القبر الفارغ رصيد القيامة الذي لا ينتهي، وينبوع الحياة الجديدة الغالبة للموت! كان الله يرسل نارًا من السماء ليلتهم الذبيحة علامة قبوله لها ورفعها إلى سماواته، أما وقد قدم الابن حياته ذبيحة حب عنا، فقد صار القبر الفارغ علامة رضا الآب على الذبيحة وقبوله لها، فلم يعد لجسد الرب موضع في القبر لأنه قام... هذا هو إيمان الكنيسة الذي لخّصه الرسول بولس في عبارته الموجزة: "الذي أُسلم من أجل خطايانا وأُقيم لأجل تبريرنا" (رو 4: 25). وكما يرى الدارسون أن هذه العبارة تمثل حجر الزاوية في قانون الإيمان الكنسي في عصر الرسول، نقله الرسول عن التقليد. يحدثنا الإِنجيلي لوقا عن ذهاب النسوة في القبر ليجدنه فارغًا، ويلاحظ في حديثه هنا الآتي: أولاً: يبدأ حديثه بالقول "ثم في أول الأسبوع أول الفجر أتين إلى القبر" [1]. في الأصحاح السابق ختم حديثه بأن النساء استرحن في السبت حسب الوصية، والآن إذ بدأ الأسبوع الجديد انطلقن بالحنوط والأطياب إلى قبر السيد، ومعهن أناس. لم يكن ممكنًا في السبت - حسب التقليد اليهودي - أن يعِددن الحنوط ولا ينطلقن إلى القبر، فيبقين بلا عمل حتى جاء غروب السبت أو عشية الأحد ليعددن الحنوط وينطلقن مع بدء الفجر والظلام باقٍ نحو القبر. يمكننا أن نقول بأن هؤلاء النسوة يمثلن الكنيسة الواحدة الممتدة عبر العصور، عاصرت الرمز كما الحق، فبتوقفهن عن العمل يوم السبت أعلن قبولهن الرمز في العهد القديم، لكن في شوقٍ أن يكمل لينقلهن إلى فجر الأحد فيجدن الحق ذاته، بالتقائهن بالمسيح القائم من الأموات. هكذا لم تعد راحة الكنيسة في التوقف عن العمل في السبت الرمزي وإنما في الانطلاق نحو المسيح المقام حاملة أطياب مقدسة ورائحته الذكية معلنة في حياتها وكرازتها بالحق. لقد انطلقن ومعهن أناس... فإن كانت النسوة تمثلن رجال العهد القديم الذين التهبت قلوبهم بالمسيا المنتظر، فإن الذين جاءوا معهن إلى القبر يمثلون الأمم الذين قبلوا الإيمان بالمسيح القائم من الأموات. ثانيًا: "فوجدن الحجر مدحرجًا عن القبر، فدخلن ولم يجدن جسد الرب يسوع" [2-3]. لقد قام الملاك بدحرجة الحجر (مت 28: 2)، وبحسب التقليد الكنسي، رئيس الملائكة ميخائيل هو الذي قام بالدحرجة. جاءت الدحرجة بعد القيامة، إذ لم يكن الرب محتاجًا إلى دحرجة الحجر ليقوم، إنما قام والأختام قائمة، وقد رأى كثير من الآباء مثل القديسين أغسطينوس وجيروم أن هذا العمل كان نظيرًا لما تم في ميلاده من القديسة مريم الدائمة البتولية. إذن دحرجة الحجر كانت من أجلنا لأجل التأكد من قيامة الرب، إذ يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [دُحرج الحجر بعد القيامة من أجل النساء ليؤمنوا أن الرب قام ناظرين الحق أن القبر بدون جسد.] ثالثًا: "وفيما هن محتارات في ذلك إذا رجلان وقفا بهن بثياب برّاقة" [4]. قامت النساء بدور لم يقم به سائر الرسل أو التلاميذ، فقد انطلقن والظلام باقٍ، ولم يبالين بالعقبات التي كانت تنتظرهن كدحرجة الحجر، وعندما وجدن القبر مفتوحًا لم يترددن في الدخول إليه. لهذا استحققن أن يتأهلن لرؤية ملاكين بثيابٍ براقةٍ مبهجةٍ يكرزان لهما بالقيامة. لم ينظرن الملاكين في لهيب نار، ولا حاملين سيوفًا نارية كما رأى غيرهن في العهد القديم، إنما رأين إياهما بلباس البهجة والفرح، وكأن السماء أرادت أن تشارك الكنيسة بهجتها بقيامة السيد المسيح. بالثياب البراقة أراد الملاكان أن يكرزا للكنيسة كلها بأن السمائيين يرتدون ثياب الملكوت، منتظرين مجيء العروس المقدسة التي تزف مع عريسها السماوي في ملكوته الأبدي. رابعًا: "وإذ كن خائفات ومنكسات وجوههن إلى الأرض، قالا لهن: لماذا تطلبن الحيّ بين الأموات؟! ليس هو ههنا لكنه قام. اذكرن كيف كلمكن وهو بعد في الجليل. قائلاً إنه ينبغي أن يسلم ابن الإنسان في أيدي أناس خطاة ويصلب وفي اليوم الثالث يقوم. فتذكرن كلامه" [5-8]. لقد ملأ الحزن قلبهن إذ رأين القبر فارغًا وكن خائفات، وفي مرارة كن منكسات وجوههن إلى الأرض، لذا عاتبهن الملاكان بلطفٍ كيف يتوقعن وجود الحيّ الغالب الموت في القبر؟!خاصة وأنه سبق فأعلن لهن مع التلاميذ عن قيامته!؟ عندئذ تذكرن كلمات المخلص! يمكننا أن نقول بأن هذا العتاب الملائكي لازال قائمًا وموجههًا لكل مؤمن يريد أن يحصر المسيح في القبر، وكأنه غير قادر على القيامة من الأموات. بمعنى آخر حينما نظن أننا مؤمنون مسيحيون بينما لا نخرج خارج احتياجات الجسد وشهواته وارتباطات العالم وهمومه، إنما نكون كمن يطلب الحيّ بين الأموات، ونسمع الكلمات الملائكية "ليس هو هنا، لكنه قام". من يذكر كلمات الرب عن قيامته، يجد نفسه مع مسيحه فوق حدود القبر، لا يخاف الموت ولا ينحني لعبودية شهوات الجسد، ولا يرتبك بأفكار العالم، إنما ينطلق بمسيحه الساكن فيه إلى حياة سماوية غالبة لحدود الزمان والمكان. إن تطلعنا إلى سيّر الشهداء نجد سّر نصرتهم يكمن في اتحادهم بالرب القائم من الأموات، فلا ينحصروا في الجسد. لهذا حتى إن ضيق الأشرار على أجسادهم يرسل الرب ملائكته بل وأحيانًا يظهر بنفسه لا لينتقم لهم، وإنما ليرفعهم بقوة فوق حدود الألم، الأمر الذي جعل الولاة يتهمون المسيحيين بالسحر! خامسًا: إذ سبقت النساء الرسل في الانطلاق إلى قبر السيد تمتعن بالكرازة للرسل عن قيامة الرب. إذ يقول الإنجيلي: "ورجعن من القبر، وأخبرن الأحد عشر، وجميع الباقين بهذا كله" [9]. يقول القديس كيرلس الكبير: [المرأة التي أعلنت مرة خدمة الموت، الآن هي أول من تقّبل سرّ القيامة المهوب وأخبرت به. بهذا حصل جنس المرأة على الخلاص من العار ومن اللعنة.] سادسًا: إذ سمع التلاميذ الخبر، "قام بطرس وركض إلى القبر، فانحنى ونظر الأكفان موضوعة وحدها، فمضى متعجبًا في نفسه مما كان" [12]. لقد تراءى كلام النسوة للرسل كالهذيان ولم يصدقوهن [11]، لأن الموقف كان غير متوقع رغم تأكيدات الرب لهم قبل دخوله الآلام. هذا وتعبير"الهذيان" طبي كان يستخدم عمن أصيبوا بحمى ففقدوا اتزانهم... على أي الأحوال أسرع بطرس كعادته لينظر ما قد حدث إذ كان قلبه ملتهبًا بالغيرة. وكما يقول الأب ثيوفلاكتيوس: [حين سمع بطرس هذا لم يتأخر، بل جرى إلى القبر، فإن النار إذ تمسك بشيء لا تعرف التأخير.] سابعًا: أحداث القيامة كما وردت في إنجيل معلمنا لوقا البشير تمس حياة كل مؤمن حقيقي يريد أن يلتقي مع الصديق السماوي. فالمريمات ومعهن أناس انطلقوا إلى القبر وسط الظلام، إنما يشيرون إلى الإنسان بكل طاقاته الروحية ومواهبه وإمكانياته ينطلق كما في أول الأسبوع، في أول الفجر، أي يبكر نحو الله ليكون هو الأول في كل حياته. ينطلق كما من ظلمة هذا العالم إلي قبر السيد المسيح، أي إلى المذبح الإلهي ليجد الجسد المُقام من الأموات سرّ حياته وقيامته المتجددة على الدوام. ينطلق حاملاً الأطياب، أي الصلوات والعبادات الملتحمة بالحياة الفاضلة في الرب كرائحة بخور ذكية يشتمها الآب رائحة رضا. هناك عند المذبح الإلهي تجتمع الكنيسة كلها لتشاهد حجر الحرف الناموسي قد دُحرج وأسرار القيامة أو معرفة الله قد انكشفت. ترى الملائكة بفرح ترتدي ثيابًا لامعة، تشارك المؤمنين فرحهم بالخلاص وبهجتهم بالملكوت، يسبحون معنا، فنسبح نحن أيضًا تسابيحهم ونحسب جميعنا - الخليقة الأرضية والسمائية - واحدًا في الملكوت. ثامنًا: يعلق آباء الكنيسة على وجود الأكفان في القبر، إذ يقول الإنجيلي عن القديس بطرس أنه "نظر الأكفان موضوعة" [12]، كدليل على كذب اليهود الذين اتهموا التلاميذ أنهم سرقوا الجسد المقدس من القبر، فمن كلماتهم: + لو كان التلاميذ قد سرقوه لما صنعوا هذا العمل، وهو أن يعروا جسده. وما احتملوا أن يأخذوا منديله ويلفونها ويضعونها في موضع واحد من القبر، لكنهم قد سلبوا الجسد بأوفر سرعة. لأنه لهذا المعنى سبق يوحنا فقال أنه حُنِّط بمر كثير ألصق أكفانه بجسده، حتى إذا ما سمعت أن المنديل في ناحية والأكفان في ناحية لا يحتمل هذا أنه سُرق. القديس يوحنا الذهبي الفم + اعلم أنه لو سرقه سارق (غير التلاميذ) لكانت رغبته في هذه الثياب الثمينة والحنوط الكثيرة أكثر من أخذه وحده دون القماش... وأما التلاميذ فلا يصح لهم أخذه وهو عريان!! إذ كانوا لا يودون إهانته بل إكرامه. الأنبا بطرس السدمنتي + وأما كون الرب قد ألقى الثياب في المقبرة لما قام، فلكي يعلمنا أنه في القيامة الجامعة لا يحتاج أحد إلى لباس، ولا إلى شيءٍ مما يستعمل في الدهر، بل يكونون كملائكة الله الذين في السماء كما شهد الرب. الأنبا بولس البوشي 2. تلميذا عمواس يروي لنا القديس لوقا الإنجيلي لقاء السيد المسيح مع تلميذين للسيد وهما في طريقهما إلى عمواس، قرية تبعد حوالي 7.5 ميلاً شمال غربي أورشليم، يرجح أنها في موقع قرية "الخماسية" أو "القبيبة". هذان التلميذان أحدهما "كليوباس" [18] وهو اسم مختصر من "كليوباتروس" أو "المجد الكامل"، أما الثاني فيرى الدارسين أنه لوقا الإنجيلي نفسه، ويرى العلامة أوريجينوس والقديس كيرلس الكبير أن الشخص الثاني يدعى "سمعان" من السبعين رسولاً، خلاف سمعان بطرس وسمعان القانوي. ويلاحظ في القصة كما رواها القديس لوقا الآتي: أولاً: كان التلميذان - وهما من السبعين رسولاً - يسيران في طريق عمواس الذي يمتد سبعة أميال ونصف، فإن كان رقم 8 يشير للحياة الأبدية، لأن رقم 7 يشير إلى زماننا الحاضر، فإن هذين التلميذين قد عبرا الحياة الزمنية لكنهما لم يبلغا قوة القيامة وكمالها (رقم 8). بمعنى آخر سلوكهما في هذا الطريق يشير إلى الإنسان الذي يؤمن بالقيامة في فكره وتكون موضوع حديثه لكنه لا يتمتع بها ولا يمارسها. كثيرون يؤمنون بالقيامة بل ويكرزون بها لكنهم لا يعيشونها. هؤلاء لا يزالوا في طريق عمواس يحتاجون إلى ظهور السيد لهم وحديثه معهم ليلهب قلوبهم في الحياة الداخلية بالحياة المقامة، فيعيشونها قبل رحيلهم من هذا العالم. ثانيًا: يحدد الإنجيلي تاريخ هذا اللقاء، بقوله: "في ذلك اليوم" [13]، أي في يوم أحد القيامة، وكان ذلك نحو الغروب حيث قارب النهار أن يميل [21] وكأن التلميذين بقيا النهار كله تقريبًا في أورشليم يسمعان ويتحاوران مع بعضهما أو مع النسوة وبطرس ويوحنا الذين ذهبوا إلى القبر، كما كانا يسترجعان الذكريات عن أحاديث الرب بخصوص قيامته قبل آلامه، ومع هذا لم يحملا يقين الإيمان، إنما "كانا يتكلمان بعضهما مع بعض عن جميع هذه الحوادث" [14]. ثالثًا: "وفيما هم يتكلمان ويتحاوران، اقترب إليهما يسوع نفسه، وكان يمشي معهما" [15]. حقًا لم يكونا على يقين الإيمان لكنهما كانا مشغولين بالسيد يتكلمان ويتحاوران، وفي ضعفهما لم يستطيعا إدراك الحق، فحّل الحق في وسطهما يعلن ذاته ويسندهما إذ سبق فأكد لنا: "حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي فهناك أكون في وسطهم" ( مت 18: 20). رابعًا: "ولكن أُمسكت أعينهما عن معرفته" [16]. ربما عجزا عن معرفته، لأنه إذ قام حمل جسده نوعًا من المجد عن ذي قبل، لذا لم يستطيعا معرفته، كما حدث مع مريم المجدلية (يو 20: 14)، والتلاميذ على شاطئ البحيرة (يو 21: 4). وربما كان علة عجزهما عن معرفته ضعف إيمانهما وتباطؤهما في الفهم الروحي، أو بقصد إلهي حتى يكشف لهما السيد أسراره الإلهية وتحقيق النبوات فيه. "ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب" [27]. + إذ صار له الجسد الروحي (ذات جسده المولود به من العذراء يحمل طبيعة جديدة تليق بالحياة السماوية) لا تمثل المسافات المكانية عائقًا لحلوله (بالجسد) أينما أراد، ولا يخضع جسده لنواميس الطبيعة بل للناموس الروحي والفائق للطبيعة. لذلك كما يقول مرقس أنه ظهر لهما "بهيئة أخرى" (مر 16: 12)، فلم يسمح لهما أن يعرفاه. قيل: "أمسكت أعينهما عن معرفته"، حتى يعلنا حقًا مفاهيمهما المملوءة شكًا، فينكشف جرحهما ويتقبلا الشفاء، ولكي يعرفا أنه وإن كان ذات الجسد الذي تألم قام ثانية لكنه لم يعد منظورًا للكل، وإنما لمن يريدهم أن ينظروه. وأيضا لكي لا يتعجبا أنه لم يعد يسير وسط الناس (كما كان قبل القيامة)، مظهرًا أن تحوله لا يناسب البشرية بل ما هو إلهي، مقدمًا نفسه مثالاً للقيامة المقبلة حيث نصير سائرين كملائكة وأبناء الله. الأب ثيؤفلاكتيوس + بحق حجب إعلان نفسه عنهما بظهوره بهيئة لا يعرفونها؛ فعل هذا بخصوص الأعين الجسدية من أجل ما فعلاه هم بنفسيهما داخليًا بخصوص عين الذهن. فإنهما في الداخل وإن كانا قد أحبا لكنهما شكا. فإذ تحدثا عنه ظهر لهما، ولكنهما إذ شكا أخفى هيئته عنهما. البابا غريغوريوس (الكبير) إن كانت أعينهما قد أمسكت عن معرفته، لكنه تقدم بنفسه إليهما ليبدأ الحديث معهما، إذ سألهما: "ما هذا الكلام الذي تتطارحان به، وأنتما ماشيان عابسين؟" [17]. فإن كان السيد قد تألم وصلب فالموت لم يفصله عن تلاميذه، وإن كان قد قام فقيامته لم تبعد به عنهم. من أجلنا قد صلب ومات وقام لكي يقترب إلينا ويبادرنا بالحب، مشتاقًا أن يدخل معنا في حوار، لكي يقدم ذاته لنا، فنفتح أعيننا لمعاينته وقلوبنا لسكناه فينا. على أي الأحوال، إن قصة لقاء السيد المسيح بتلميذي عمواس اللذين أُمسكت أعينهما عن معرفته هي قصة كل إنسان روحي، يرافقه الرب كل الطريق، ويقوده بنفسه، ويلهب قلبه، ويكشف له أسرار إنجيله، ويعلن له قيامته، ويفتح بصيرته لكي يعاينه ويفرح به. يقول القديس أغسطينوس: [ليس غياب الله غيابًا. آمن به فيكون معك حتى وإن كنت لا تراه. فعندما اقترب الرب من الرسولين لم يكن لهما الإيمان... لم يصدقا أنه قام، أو أنه يمكن لأحد أن يقوم... لقد فقدا الإِيمان ولم يعد لهما رجاء... كانا يمشيان معه في الطريق. موتى مع الحيّ، أمواتًا مع الحياة. كانت "الحياة" تمشى معهما، غير أن قلبيهما لم يكونا ينبضان بالحياة.] خامسًا: "فقال لهما: ما هذا الكلام الذي تتطارحان به وأنتما ماشيان عابسين؟!" [17]. إن كنا في هذا العالم نبكي على خطايانا ونحزن لكن خلال لقائنا مع المسيح المقام يلزمنا ألا نمشي عابسين بل نفرح بالرب، لأن ملكوت الله هو "برّ وسلام وفرح في الروح القدس" (رو 14: 17). جاء عن القديس أغسطينوس في اعترافاته أن الله كان يمزج عبادته بنشوة روحية تفوق كل ملذات العالم لكي يفطمنا عن لذة الخطية. قيل عن القديس أبوللو الذي التقى به القديس جيروم في منطقة طيبة أنه كان دائم البشاشة، وقد اجتذب كثيرين إلى الحياة النسكية كحياة مفرحة في الداخل، ومشبعة للقلب بالرب نفسه. كثيرًا ما كان يردد القول: [لماذا نجاهد ووجوهنا عابسة؟! ألسنا ورثة الحياة الأبدية؟ اتركوا العبوس والوجوم للوثنيين، والعويل للخطاة، أما الأبرار والقديسون فحري بهم أن يمرحوا ويبتسموا لأنهم يستمتعون بالروحيات.] سادسًا: ما هو إيمان تلميذي عمواس؟ بلا شك لم يكونا بعد قد استطاعا أن يدركا لاهوته، ولا أن يقبلا سرّ الصليب، إنما كانا يتوقعان فيه محررًا لإِسرائيل أو فاديًا لليهود من الحكم الروماني. وقد حطم الصليب آمالهما، إذ قال كليوباس عن السيد المسيح: "كان إنسانًا نبيًا مقتدرًا في الفعل والقول أمام الله وجميع الشعب. كيف أسلمه رؤساء الكهنة وحكامنا لقضاء الموت وصلبوه. ونحن كنا نرجو أنه هو المزمع أن يفدي إسرائيل، ولكن مع هذا كله اليوم له ثلاثة أيام منذ حدث ذلك. بل بعض النسوة منّا حيرننا، إذ كن باكرًا عند القبر. ولما لم يجدن جسده أتين قائلات: إنهن رأين منظر ملائكة قالوا أنه حيّ. ومضى قوم من الذين معنا إلى القبر، فوجدوا هكذا كما قالت أيضًا النسوة، وأما هو فلم يروه" [19-24]. ويعلل الإنجيلي يوحنا عدم إيمان التلاميذ بقوله: "لأنهم لم يكونوا بعد يعرفون الكتاب أنه ينبغي أن يقوم من الأموات" (يو 20: 9). ويضيف القديس كيرلس الكبير لتلميذي عمواس عذرًا آخر... وهو أن الأخبار التي نقلتها النسوة لم تكن كافية أن يؤمنا بالقيامة، بل كانت موضوع دهشة وحيرة: "بعض النساء منا حيرننا..." لأنها تحمل أنباء القبر الفارغ وشهادة الملائكة. ولا حتى الأخبار التي نقلها بطرس لأنه لم يرَ سوى القبر الفارغ والأكفان، كما قال التلميذان: "وأما هو فلم يروه" [12]. سابعًا: إذ أعلن التلميذان ضعف إيمانهما أو خطأه، قدم لهما تأكيدات من الناموس والأنبياء، إذ قال لهما: "أيها الغبيان والبطيئا القلوب في الإيمان بجميع ما تكلم به الأنبياء. أما كان ينبغي أن المسيح يتألم بهذا ويدخل إلى مجده؟! ثم ابتدأ من موسى ومن جميع الأنبياء يفسر لهما الأمور المختصة به في جميع الكتب" [25-27]. يقول القديس كيرلس الكبير: [قدم الرب للتلميذين موسى والأنبياء، وكشف لهما ما غمض عليهما من معانيهما. فالناموس هو تمهيد للطريق، وخدمة الأنبياء هي إعداد الناس لقبول الإيمان. لأن الله لم يرسل شيئًا بلا فائدة، بل لكل شيء فائدته في وقته. فالأنبياء هم الخدام الذين أرسلهم السيد أمامه لتكون نبواتهم تمهيدًا لمجيئه. وكأن هذه النبوات كنز ملكي مختوم، ينبغي أن يفتح في الوقت المناسب ما فيه من رموز.] ثامنًا: "ثم اقتربوا إلى القرية التي كانا منطلقين إليها، وهو تظاهر كأنه منطلق إلى مكان أبعد" [28]. لم يقل لهما أنه منطلق إلى مكان أبعد، وإنما تظاهر هكذا، لكي لا يقحم نفسه بنفسه في موضعهما، إنما إذ يطلباه ويصرا في طلبه يستجيب. الله لا يقحم نفسه في حياتنا بغير إرادتنا، لكنه يطلب أن ندعوه، ونلح في الدعوة معلنًا كمال حرية الإنسان في قبوله أو رفضه. هذا من جانب ومن جانب آخر، كما قال البابا غريغوريوس (الكبير) إنهما إذ كانا لا يزالا غريبين في الإيمان "تظاهر كأنه منطلق إلى مكان أبعد". تاسعًا: "فألزماه قائلين: امكث معنا، لأنه نحو المساء وقد مال النهار" [29]. النفس التي ذاقت ما ذاقه التلميذان لا تكف عن أن تقول مع عروس النشيد: "في الليل على فراشي طلبت من تحبه نفسي... فأمسكته ولم أرخه، حتى أدخلته بيت آمي وحجرة من حبلت بي... شماله تحت رأسي ويمينه تعانقني... تحت ظله اشتهيت أن أجلس، وثمرته حلوة لحلقي" (نش 3: 1، 4، 2: 3، 6). يقول القديس أغسطينوس: [إن كنت تريد الحياة تشبه بالرسولين حتى تتعرف على الرب. لقد ألحا عليه بالدعوة، وتظاهر هو كأنه ينوي مواصلة الطريق... غير أنهما أمسكا به وقالا له: امكث معنا لأنه نحو المساء.] كما يقول: [امسك بالقريب إن أردت أن تتعرف على مخلصك، فقد أعادت الضيافة إلى التلميذين ما نزعه الشك وعدم الإيمان، وأعلن الرب ذاته عند كسر الخبز... فتعلم أين تطلب الرب فتحظى به على مائدة الطعام.] عاشرًا: "فلما اتكأ معهما أخذا خبزًا وبارك وكسر وناولهما، فانفتحت أعينهما وعرفاه، ثم اختفى عنهما" [30-31]. يرى البعض أن ما فعله السيد المسيح هنا هو "سّر الإفخارستيا"، وأن الرب يعلن ذاته خلال هذا السرّ، يفتح أعين مؤمنيه الداخلية لمعاينته، وإن كان البعض الآخر يرى أنه لم يكن "سّر الإفخارستيا"، إذ لا نسمع عنه أنه أخذ كأسًا أيضًا وناولهما، كما لم يذكر عند كسر الخبز أنه جسده المبذول عنهما، كما فعل في العشاء الأخير. يقول القديس أغسطينوس: [متى أعلن الرب عن نفسه؟ عند كسر الخبز... لذلك عندما نكسر الخبز نتعرف على الرب، فهو لم يعلن نفسه إلا هنا على المائدة... لنا نحن الذين لم نستطع أن نراه في الجسد، ولكنه أعطانا جسده لنأكل. فإذا كنت تؤمن بهذا فتعال مهما كنت. وإذا كنت تثق فاطمئن عند كسر الخبز.] يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [تُفتح أعين الذين يتقبلون الخبز المقدس لكي يعرفوا المسيح، لأن جسد الرب يحمل فيه قوته العظيمة غير المنطوق بها.] يعلل القديس كيرلس الكبير اختفاء السيد المسيح عنهما بقوله: [لقد اختفى الرب عنهما، لأن علاقة الرب بتلاميذه بعد القيامة لم تعد كما كانت عليه من قبل. فهم في حاجه إلى تغيير، وإلى حياة جديدة في المسيح... حتى يلتصق الجديد بالجديد وغير الفاسد بالفاسد. وهذا هو السبب الذي جعل الرب لا يسمح لمريم المجدلية أن تلمسه ـ كما ذكر (يو 20: 17) - إلى أن يصعد ثم يعود مرة أخرى.] أحد عشر: ختم القصة بقوله: "فقاما في تلك الساعة، ورجعا إلى أورشليم..." [33]. هذا هو غاية عمل الله فينا أن يهبنا قوة القيامة، إذ يقول: "قاما"، بهذه الحياة المقامة نرجع إلى أورشليم العليا التي تركناها، نرجع إلى مدينة الله الملك العظيم (مت 5: 35)، إلى "أورشليم العليا التي هي أمنا جميعًا" (غل 4: 26). بمعنى آخر يحوّل الله اتجاهنا، فبعد أن كنا متجهين إلى عمواس معطين ظهورنا لأورشليم، نعطي ظهورنا لعمواس متجهين بوجهنا وقلبنا وفكرنا نحو أورشليم. 3. ظهوره لتلاميذه إذ قام السيد المسيح من الأموات لم يعد يمارس الحياة البشرية اليومية، ولا صار بين اليهود يكرز ويبشر ويصنع عجائب ومعجزات، فقد قام يحمل جسده بذاته، لكنه ممجد، بمعنى آخر صار وضعه الطبيعي الجديد أن يصعد إلى السماوات ينتظر عروسه المقدسة لترتفع معه. لكنه بقي أربعين يومًا من قيامته حتى صعوده، يظهر لأحبائه المشتاقين إليه ليسحب قلوبهم نحو السماء. حقًا كان السيد المسيح ينتهز كل فرصة لكي يعلن قيامته ويؤكدها في حياة محبيه المؤمنين به. بشر النساء القادمات إلى القبر بحبٍ، يطلبن تقديم الحنوط للجسد المقدس، فأعلن لهن بملائكته عن قيامته، ومشى مع التلميذين اللذين كانا يتكلمان ويتحاوران في طريق عمواس عن أمر قيامته، والآن إذ رجع التلميذان إلى أورشليم ليخبرا التلاميذ بما حدث معهما وكيف عرفاه عند كسر الخبز. "وفيما هم يتكلمون بهذا، وقف يسوع نفسه في وسطهم وقال لهم: سلام لكم، فجزعوا وخافوا، وظنوا إنهم نظروا روحًا، فقال لهم: ما بالكم مضطربين؟ ولماذا تخطر أفكار في قلوبكم؟ انظروا يديّ ورجليّ إني أنا هو. جسّوني، وانظروا، فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي. وحين قال هذا أراهم يديه ورجليه، وبينما هم غير مصدّقين من الفرح ومتعجّبون، قال لهم: أعندكم ههنا طعام؟ فناولوه جزءًا من سمك مشوي وشيئًا من شهد عسل، فأخذ وأكل قدامهم" [36-43]. يلاحظ في هذا اللقاء الآتي: أولاً: إذ كانوا يتحدثون عن القيامة التهب الكل شوقًا نحو التمتع به كما تمتع بطرس الرسول وتلميذا عمواس وبعض النساء، فحقق لهم السيد شهوة قلوبهم إذ وقف بنفسه في وسطهم. حقًا بحلوله في وسطهم تحولت العُليَّة إلى كنيسة مقدسة في بهاءٍ ومجد فائقين، أو قل صارت العُليَّة في هذه اللحظات تمثل نموذجًا حيًا لما ينبغي أن تكون عليه الكنيسة، ألا وهو التهاب أعضائها بالتمتع بالمسيّا المقام، وحلول المسيّا في وسطها كرأس حيّ يهب قوة القيامة لأعضاء جسده. + جاء ذاك الذي كان مُشتهى جدًا، معلنًا ذاته لطالبيه ومنتظريه، لا بطريقة يمكن أن يُشك فيها، وإنما حّل بشهادة واضحة. القديس يوحنا الذهبي الفم ثانيًا: في أول لقاء للسيد القائم من الأموات بتلاميذه المجتمعين، ممثلي كنيسته، قدم لهم "سلامه" الفائق، لا كعطية خارجية، إنما هبه تمس الأعماق في الداخل، إذ "قال لهم: سلام لكم" [36] لقد حقق لهم ما وعدهم به في ليلة آلامه، قائلاً: "سلامًا أترك لكم، سلامي أعطيكم، ليس كما يعطي العالم أعطيكم أنا" (يو 14: 27). + لنكرم عطية السلام التي تركها المسيح لنا عند رحيله... فالسلام، على وجه الخصوص يخص الله الذي يوحّد كل الأشياء معًا في واحد، والذي إليه لا يُنسب شيء مثل وحدة الطبيعة والسلام الذي يحلّ به في الإنسان. القديس غريغوريوس النزينزي + لقد كشف لهم أيضًا آثار الجراحات بوضوح، وقد ثبت صوته في أذهانهم القلقة، إذ قيل: "فقال لهم يسوع أيضًا سلام لكم"، أي لا تضطربوا. وبقوله هذا ذكّرهم بكلماته التي نطق بها قبل الصلب: "سلامي أترك لكم" (يو 14: 37)، "ليكون لكم فيّ سلام، في العالم سيكون لكم ضيق" (يو 16: 33). لقد "فرح التلاميذ إذ رأوا الرب" (يو20: 21). انظر كيف تحقق ذلك؟ ما قاله قبل صلبه: "ولكنني سأراكم أيضًا فتفرح قلوبكم، ولا ينزع أحد فرحكم منكم" (يو 16: 22)، قد تمّ الآن في تلك اللحظة. كل هذا قد جلب فيهم إيمانًا أكيدًا ثابتًا... هذه هي كلمات الرب الأولى التي حدثهم بها بعد قيامته... أما بالنسبة للنساء فأعطاهن الفرح (مت 28: 9)، لأن النسوة كن في حزن، لذلك وهبهن أولاً الفرح. بلياقة وهب السلام للرجال، ووهب النسوة الفرح بسبب حزنهن... أنه يقدم ثمار الصليب أولاً، وهو :"السلام". القديس يوحنا الذهبي الفم + هذا هو السلام الحقيقي وتحية الخلاص، إذ تأخذ التحية اسمها من الخلاص. القديس أغسطينوس ثالثًا: يقول الإنجيلي: "فجزعوا وخافوا، وظنوا أنهم نظروا روحًا" [37]. لقد عاش التلاميذ مع السيد المسيح زمانًا وأدركوا أنه بالحقيقة تأنس، يحمل ناسوتًا حقيقيًا، والآن إذ سمعوا عن قيامته لم يكونوا يتوقعون أنه يحّل هكذا في وسطهم والأبواب مغلقة، لذا جزعوا وخافوا وظنوا أنهم نظروا روحًا. وكان عمل السيد المسيح بعد أن وهبهم سلامه الحقيقي أن يؤكد لهم أنه ليس روحًا مجردًا بل بالحقيقة يحمل جسدًا، مبرهنًا على ذلك بأن يلمسوه ويتناول معهم. + لا نستطيع أن نعتقد بأن بطرس ويوحنا قد شكا (بعد تأكدهما من قيامته بدخولهما القبر)، فلماذا يقول لوقا بأن التلاميذ خافوا؟ أ: بسبب إعلان الأغلبية (عن شكهم) الذي طغى على الأقلية. ب: ولو أن بطرس آمن بالقيامة، لكنه دُهش إذ رأى يسوع حاضرًا فجأة بجسده، بينما الأبواب مغلقة. القديس أمبروسيوس رابعًا: لقد كشف لهم السيد المسيح عن شخصه أولاً بإعلانه لهم أنه عارف بما في أفكارهم وقلوبهم، إذ قال لهم: "ما بالكم مضطربين؟ ولماذا تخطر أفكار في قلوبكم؟ [38]، ثم عاد يؤكد لهم أنه المسيا المصلوب، قائلاً لهم: "انظروا يديّ ورجليّ إني أنا هو؛ جسوني وانظروا فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي" [39]. يقول القديس أغسطينوس إن السيد المسيح ترك آثار جراحاته بعد القيامة ليشفي بها جراحات التلاميذ، إذ لم يصدقوا قيامته عندما أظهر ذاته لهم وظنوه روحًا. فأظهر لهم يديه ورجليه، إذ يقول: [مع أن جراحاته شُفيت، فإن آثارها قد بقيت! إذ حكم هو بأن هذا نافع للتلاميذ، أن يستبقي آثار جراحاته لكي يشفي جروح أرواحهم، جراحات عدم إيمانهم! فقد ظهر أمام عيونهم، وأظهر لهم جسده الحقيقي، ومع هذا ظنوه روحًا!... وماذا قال لهم الرب؟ "ما بالكم مضطربين؟ ولماذا تخطر أفكار في قلوبكم؟" [38]، إن كانت هناك أفكار قد صعدت إلى قلوبكم فهي قادمة من الأرض. الأفضل للإنسان ألا تصعد الأفكار إلى قلبه، بل يرتفع قلبه إلى الأعالي، حيث يود الرسول من المؤمنين أن يضعوا قلوبهم هناك، إذ يقول: "فإن كنتم قد قمتم مع المسيح فأطلبوا ما فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله. اهتموا بما فوق، لا بما على الأرض، لأنكم قد متم وحياتكم مستترة مع المسيح في الله. متى أُظهر المسيح حياتنا، فحينئذ تظهرون أنتم أيضًا معه في المجد" (كو 3: 1-4)، أي مجد هذا؟ إنه مجد القيامة! أي مجد؟ اسمع ما يقوله الرسول عن هذا الجسد: "يزُرع في هوان، ويقوم في مجد" (1 كو 15: 43).] يقول القديس أمبروسيوس :[ظن التلاميذ في اضطرابهم إنهم يروا روحًا، لهذا فلكي يُظهر لهم الرب حقيقة القيامة قال لهم: "جسوني وانظروا فإن الروح ليس له لحم وعظام كما ترون لي"... كيف يمكن أن يكون ليس في الجسد وقد ظهرت فيه علامات الجروح وآثار الطعنة التي أظهرها الرب؟!... لقد قبل الرب أن يرتفع إلى السماء بالجراحات التي تحمّلها لأجلنا، ولم يشأ أن يمحوها، حتى يظهر لله الآب ثمن تحريرنا. بهذا يجلس عن يمين الآب وهو حامل لواء خلاصنا.] السبب الرئيسي لإبقاء آثار الجراحات كما يقول القديس كيرلس الكبير هو الشهادة لتلاميذه أن الجسد الذي قام هو بعينه الذي تألم. أما البابا غريغوريوس (الكبير)، فيقدم أربعة مبرّرات لهذه الجراحات، وهي: أ. لكي يبني تلاميذه في الإيمان بقيامته. ب. تبقى هذه الجراحات تعلن شفاعته الكفارية لدي الآب عنا. ج. لكي يتذكر المؤمنين حبه لهم ورحمته تجاههم. د. تبقى لإدانة الأشرار في يوم الرب العظيم. خامسًا: "وبينما هم غير مصدقين من الفرح ومتعجبون، قال لهم أعندكم ههنا طعام؟ فناولوه جزءًا من سمك مشوي وشيئًا من شهد عسل، فأخذ و أكل قدامهم"[41-43]. من شدة الفرح لم يصدقوا أنفسهم إنهم يرون الرب، لهذا أراد أن يؤكد لهم أنه ليس خيالاً، بطلبه طعامًا يأخذه من أيديهم ويأكله قدامهم. + لم يكن جائعًا لكنه طلب أن يأكل، فأكل بسلطانه لا عن الضرورة، حتى يدرك التلاميذ حقيقة جسده، ويتعرف العالم عليه خلال كرازتهم. القديس أغسطينوس + وإن كان بعد القيامة العامة للكل، لا يكون أكل ولا شرب، ولا إذا كان أحد به جرح يقوم به... إنما صنع الرب هذا ليحقق لنا أجمعين أن الجسد الذي تألم ومات هو الذي انبعث من بين الأموات. الأنبا بولس البوشي + بحسب أمر الناموس كان الفصح يؤكل حقًا مع أعشاب مُرّة لأن مرارة العبودية كانت لا تزال قائمة، أما بعد القيامة فالطعام حلو بعسل النحل. القديس غريغوريوس النيسي سادسًا: إذ حّل السيد المسيح القائم من الأموات في وسط تلاميذه، وقدم لهم نفسه خلال الحواس حتى يرفعهم بالإيمان إلى ما هو فوق الحواس، فتح أذهانهم ليدركوا ما كُتب عنه في الناموس والأنبياء، خاصة عن صلبه وقيامته. "وقال لهم: هذا هو الكلام الذي كلمتكم به وأنا بعد معكم، أنه لابد أن يتم جميع ما هو مكتوب عني في ناموس موسى والأنبياء والمزامير. حينئذ فتح ذهنهم ليفهموا الكتب. وقال لهم: هكذا هو مكتوب، وهكذا كان ينبغي أن المسيح يتألم ويقوم من الأموات في اليوم الثالث" [44-46]. إن كان قد دخل إلى العُليَّة والأبواب مغلقة ليعلن قيامته لهم، فإنه جاء ليدخل أذهانهم ويعلن تجليه فيها فتتمتع ببهجة قيامته وقوتها، وتدرك مفاهيم إنجيله وتختبر ملكوته في داخلها. 4. إرساله التلاميذ إن كان قد أعلن السيد قيامته لتلاميذه، إنما يعلن قيامة الرأس من أجل الجسد، قام ليقيمنا معه. بمعنى آخر إن كان قد قام، إنما ليرسل تلاميذه يقدمون قوة قيامته للبشرية، فيتمتعون بالعضوية الحقيقية في جسده القائم. لذا إن كان قد بدأ عطاياه هنا بمنحه سلامه، يختمها بدعوتهم للكرازة بقوة روحه القدوس ليضموا أعضاء جددًا في جسده المقدس القائم من الأموات. جاءت وصيته لهم: "هكذا كان ينبغي... أن يكرز باسمه بالتوبة ومغفرة الخطايا لجميع الأمم، مبتدأ من أورشليم، وأنتم شهود لذلك. وها أنا أرسل إليكم موعد أبي، فأقيموا في مدينة أورشليم إلى أن تُلبسوا قوة من الأعالي" [46-49]. إن كان قد قدم حياته المبذولة القائمة من الأموات، إنما لتكون وديعة ورصيدًا للكرازة بعدما تسلموا "الروح القدس" كسرّ قوتهم العلوية، في تأسيس الكنيسة جسد المسيح المقام. يعلق القديس أغسطينوس على هذا الظهور الإلهي المختتم بإرسالية التلاميذ، قائلاً: [أظهرَ ذاته للتلاميذ بكونه رأس كنيسته. كانت الكنيسة منظورة فيه مقدمًا... إذ ظهر الرأس ووعد بالجسد... رأوا الرأس وآمنوا به، متلامسًا مع الجسد. أما نحن فنرى الجسد ونؤمن بالرأس... رؤيتهم للمسيح أعانتهم على الإيمان بكنيسة المستقبل، أما بالنسبة لنا فرؤيتنا للكنيسة تعيننا على الإيمان بالمسيح القائم. إيمانهم كمل، وأيضا إيماننا نحن قد كمل. إيمانهم كمل خلال رؤيتهم للرأس، ونحن إيماننا كمل برؤيتنا للجسد... هم رأوا الرأس وآمنوا بالجسد، أما نحن فرأينا الجسد وآمنا بالرأس. ليس أحد ينقصه المسيح، فهو كامل في الكل بالرغم من أن جسده لم يكمل بعد حتى اليوم.] يقول أيضًا القديس يوحنا الذهبي الفم: [كما أن القائد لا يسمح لجنوده أن يواجهوا كثيرين ما لم يتسلحوا أولاً، هكذا لم يسمح الرب لتلاميذه أن ينزلوا للصراع ما لم يحل الروح أولاً.] الآن إذ التقى السيد المسيح بتلاميذه أكثر من مرة وأكد لهم قيامته، ووعدهم بإرسال روحه القدوس عليهم انطلق إلى السماء لكي تنطلق معه قلوبهم وتحمل سمته السماوية. 5. صعوده إلى السماء "وأخرجهم خارجًا إلى بيت عنيا، ورفع يديه وباركهم. وفيما هو يباركهم انفرد عنهم وأُصعد إلى السماء. فسجدوا له، ورجعوا إلى أورشليم بفرح عظيم" [50-52]. قلنا أن "بيت عنيا" تعني "بيت العناء" أو"بيت الطاعة"، فإنه قد أراد أن يصعد إلى السماء عند بيت عنيا، عند جبل الزيتون، حتى كل من يود أن يرتفع قلبه إلى السماء يلزمه أن يحتمل معه "العناء" ويشاركه الألم، كما يحمل سمة الطاعة التي للابن نحو أبيه. يمكننا أن نقول بأنه من أجل عصياننا نزل من السماء، وبطاعته رفعنا إلى سماواته. لقد رفع يديه الحاملتين لآثار الجراح ببركة صليبه، مقدّمًا دمه المبذول ثمنًا لرفعهم معه. العجيب أن التلاميذ لم يحزنوا على صعود الرب ومفارقته لهم حسب الجسد، إنما رجعوا إلى أورشليم بفرحٍ عظيمٍ، إذ أدركوا أنه حيث يوجد الرأس تكون الأعضاء، وما تمتع به السيد المسيح إنما هو باسم الكنيسة كلها ولحسابها. 6. ارتباطهم بالهيكل "وكانوا كل حين في الهيكل، يسبحون ويباركون الله، آمين" [53]. كانوا مرتبطين بالهيكل، لا يريدون أن يتركوه بل أن يسحبوا كل قلب لإدراك المفاهيم الروحية الإنجيلية للناموس. وكانت حياتهم تسبيحًا بلا انقطاع، حتى عندما طُردوا من الهيكل وذاقوا أمر الاضطهادات على أيدي اليهود ثم الرومان. هذه هي نهاية السفر، فيه نجد الصديق السماوي قد ارتفع ليرفع أصدقاءه، واهبًا إياهم حياة التسبيح حتى يكملوا جهادهم بفرح داخلي ويلتصقوا به أبديًا. من أقوال الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
الإصحَاحُ الرَّابعُ وَالْعِشرُونَ بعض تأملات في إنجيل لوقا لشرح المواقف 1- نرى المسيح يسعى وراء الكل، يحاور ويقنع، فهو يطلب من تلاميذه أن يجسوه ليؤمنوا. جسونى أية39، ويسير مع تلميذى عمواس مسافة طويلة ليشرح لهم. والتلميذين هما كليوباس والأخر بحسب رأى بعض المفسرين هو لوقا نفسه ولا يذكر إسمه تواضعاً. وبهذا نفهم أن الرسل لم يكونوا أهل تخيلات بل أن شكوكهم كانت تنقشع رويداً رويداً على إثر البراهين التي يظهرها لهم المسيح. 2- نرى النساء سبقن الرسل إلى القبر ونالا كرامة الكرازة بين الرسل بالقيامة .ورؤية الأكفان جعلتهم يندهشون[1] إذاً الجسد لم يُسرق فالأكفان موجودة [2]هي موجودة بشكلها لأن المسيح إنسل من داخلها كما دخل والأبواب مغلقة. 3- أمسكت اعينهما (16:24) وإنفتحت أعينهما (31:24) ما الذي امسك أعين التلميذين؟ لاحظ كلامهما عن المسيح وقيامته فهما قالا عنه إنساناً نبياً(ونسوا أنه إبن الله)… وصلبوه (فهم شككوا في خبر قيامته) كنا نرجو أنه هو المزمع أن يفدى إسرائيل (فالفداء الذي قدمه المسيح لهم لم يقبلوه فهم يطلبون فداءً زمنياً أي حكم العالم والخلاص من الرومان) بعض النساء منا حيرننا(فهم يشككون في موضوع القيامة). إذاً هو عدم الإيمان الذي جعل عيونهم تمُسك. والمسيح كشف هذا صراحة= أيها البطيئا القلوب في الإيمان وكيف إنفتحت أعينهما؟ بعد أن تناولا(30:24) فالتناول يعطى إنفتاح للعيون، ولكن لنلاحظ أنه قبل التناول قام المسيح بتعليمهما ليصيرا مستحقين ويزيل شكوكهما. والله أمسك أعينهما ليعلنا شكوكهما أي مرضهما للمسيح فيعلمهم فيشفيهم وبذلك يصيران مستحقين للتناول. والإيمان أيضاً يفتح الأعين. ملحوظة: كم مرة كنا فيها مثل تلميذي عمواس، نطلب الخلاص بالطريقة التي نراها نحن وليس بحسب رأي الرب. فمن هو مريض ولا يستجيب الله صلواته ويشفيه يظن أن الله لم يخلصه كما ظن تلميذي عمواس أن المسيح لم يخلصهم لأن الخلاص في مفهومهم هو خلاص من الرومان. ولاحظ أن مرض بولس كان لخلاصه. وإذا تعرضت إرادتنا مع إرادة الرب فإن عيوننا تعمى ولا نعرف الرب ولا نراه كما حدث مع تلميذي عمواس بل نتصادم معه. 4- قَدَّمَ لهما المسيح موسى والأنبياء، فموسى والأنبياء كانوا تمهيداً للمسيح، كانوا يشهدون لهُ. 5- تظاهر أنه منطلق= فالمسيح لا يفرض نفسه علي أحد ولابد أن نطلبه، هو يحاول معنا، لكن لابد أن نطلبه (نش2:5-4). ونلاحظ أن المسيح فعل هذا من قبل يوم هاج البحر (مر48:6). 6- لماذا تطلبن الحي= لقب الحي هو لقب الله. فهذا القول دليل لاهوته (آية5) 7- ثم إختفى عنهما= بعد القيامة صار إختفاؤه هو القاعدة والظهور هو الإستثناء ولهدف ما. 8- فقاما= وهبهما المسيح قوة القيامة ليرجعا إلي أورشليم بعد أن كانا قد تحولا عنها وأعطوا لها ظهورهم، وهكذا شفاهم المسيح من إرتدادهم (هو4:14). وهم تركوا أورشليم ربما خوفاً من إضطهاد اليهود أو ربما ظن التلاميذ أن قصة المسيح قد إنتهت بموته فعاد كل منهم لعمله ولبلده. 9- في أول لقاء للمسيح مع تلاميذه وهبهم السلام فهو ملك السلام. 10- شك الأغلبية طغا على الأقلية التي رأته(بطرس والمجدلية) فهم عاشوا معه كإنسان طبيعى وها هو يدخل والأبواب مغلقة فظنوه روحاً أية 37. 11- المسيح أبقى جراحاته لتشفينا، وها هي شفت التلاميذ من عدم إيمانهم. وجراحاته التي أبقاها 1) إعلان شفاعته الكفارية أمام الآب. 2) نراها فنرى حبه فنحبه لأنه أحبنا أولاً. ويراها غير المؤمنين فيندموا على رفضهم له. 12- نسمع هنا أن المسيح أكل شهد عسل(42:24،43): أ- الأكل إثبات أنه قام. بجسده وأنه ليس روحاً كما يظنون( أية37) ب- الجسد الممجد لا يحتاج لأكل فهو لا يجوع ولا يعطش، إنما هذا ليثبت قيامته. ج- كان خروف الفصح يقدم مع أعشاب مرة، رمزاً لآلام الصليب، ويمنع العهد القديم تقديم عسل مع الذبائح، لكن هنا نرى أكل الشهد رمزاً لأفراح القيامة. 13- فسجدوا= هذه أول مرة نسمع أن التلاميذ يسجدون للمسيح سجود عبادة، هنا عرفوا من هو تماماً فسجدوا له. وعبادة المسيح والسجود لهُ تعطى فرحاً للنفس لذلك رجعوا فرحين (أية 52). 14- المسيح يقول لهم سأرسل موعد أبي، فالآب وعد بإرسال الروح القدس (أش3:44+ يؤ:28،29). والمسيح سبق فوعد بهذا (يو16:14،17،26+26:15+7:16). والسيد لا يريد لتلاميذه أن يبدأوا الكرازة بدون هذه القوة الروحية التي بها [1] يتمكنون من إدراك الحق [2] يكون لهم قوة تأثير على السامعين [3] يعملون المعجزات [4] يتكلمون بألسنة [5] يتعزون أثناء ضيقاتهم وإضطهاد العالم لهم فلا يفشلون وييأسوا فيرتدوا. فالروح القدس قوة جبارة تعين المؤمن في جهاده.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الاصحاح الرابع والعشرون ظهور المسيح لتلميذي عمواس وكل تلاميذه والصعود ذكر احداث القيامة في ( مت 28 ؛ مر 16 ؛ يو 20 ) [ 1 ] القبر الفارغ ( ع 1 - 12 ) ع 1 : بعد أن استرحن يوم السبت وبدا غروب اليوم الجديد ، اكملت النسوة اعداد الاطياب والحنوط ، وفي أول الفجر أي ظهور نور اليوم الجديد ذهبن إلى القبر ، وذهب معهن مجموعة من المقربين إلى المسيح لزيارته ووضع الاطياب والحنوط علي جسده كعادة اليهود في اظهار محبتهم للمنتقلين. ع 2 - 3 : إذ اقتربن من القبر ن لاحظن رفع الحجر عن باب القبر ، ففرحن واندهشن في نفس الوقت متسائلات يا تري من دحرجه، ولكن الحيرة والدهشة عند دخولهن إلى القبر إذ وجدنه فارغا ليس فيه جسد المسيح ، فغطاهن الحزن والحيرة . ع 4 - 7 : وسط هذا الحزن فوجئت النسوة بظهور ملاكين نورانيين بشكل براق ومبهر ، فخفن ونظرن إلى الأرض ، وهنا بادرهن الملاكان باعلان قيامة المسيح من الاموات ، بل سالهن باستنكار كيف يطلبن المسيح الإله الحي بين الاموات ، إذ هو لابد أن يقوم وقد مات فقط لأجلنا ليميت الخطية ولكن سيقوم في اليوم الثالث كما أنبا تلاميذه عندما كان يتحاور معهم في الجليل ، بانه يتالم ويصلب ويموت ثم يقوم في اليوم الثالث. ع 8 - 10 : تذكرت النسوة ، وهن مريم المجدلية ويونا زوجة خوزي وكيل هيرودس ، وهي من النساء الشريفات الغنيات ، ومريم أم يعقوب خالة المسيح اخت العذراء مريم ومعهن مجموعة من النسوة التابعات للمسيح ، هؤلاء قد استرجعن كل تعاليم المسيح عن الامه وموته وقيامته ، فصدقن كلام الملاكين واسرعن إلى تلاميذ المسيح وكل تابعيه المجتمعين في بيت مار مرقس. ع 11 : رغم انهن كن عددا كبيرا وشهدن بشهادة واحدة ، ظن التلاميذ انهم مختلات عقليا ولم يصدقوهن لصعوبة المفاجاة. ع 12 : اندفع بطرس كعادته ليري بنفسه ما سمعه من النسوة ، وكان معه يوحنا كما يذكر في انجيله ( يو 20 : 3 ) فتاكد من فراغ القبر فمضي متعجبا محتارا. و يذكر لوقا أن بطرس رأي الاكفان موضوعة وحدها ، ليؤكد أن جسد المسيح لم يسرق كما ادعي رؤساء الكهنة بل قام من الاموات ، لان الذي يسرق بالطبع سيحمل الجسد باكفانه ليهرب سريعا. + لا ترفض كلام الكتاب المقدس أو تعاليم الكنيسة إذا كانت صعبة عليك وتعتبرها غير مناسبة للواقع الذي تحيا فيه ، بل صل واطلب معونة الله فيرشدك لتقبل الكلام وتحيا فيه . [ 2 ] ظهوره لتلميذي عمواس ( ع 13 - 35 ) اشار مرقس الانجيلي إلى هذه الحادثة ( مر 16 : 12 ) ، وهي أن إثنين من المقربين والتابعين للمسيح وهما كليوباس والثاني يقال انه لوقا نفسه ولاتضاعه لم يذكر اسمه أو هو أحد الرسل ، وهذان الاثنان ليسا من الأحد عشر تلميذا. بعق قضاء ثلاثة أيام في أورشليم متاثرين لاحداث الصلب والموت ، ثم معرفة اخبار القبر الفارغ وظهور الملائكة مبشرة بالقيامة ، تحير هذان التلميذان وفضلا في النهاية أن يعودا إلى حياتهما الاولي بعد انتهاء قصة يسوع في نظرهما . فذهبا إلى قريتهما عمواس ، وهي تبعد حوالي 12 كيرو مترا من أورشليم ، أي حوالي ساعتين مشيا ، وكان ذلك في يوم أحد القيامة نفسه في وقت المساء . ع 14 : كان شغلهما الشاغل هو انتهاء قصة المسيح يسوع وكل ما حدث من الام له . ع 15 - 16 : يتكلمان ويتحاوران : في أمر يسوع ، هل هو المسيا لما علمه من معجزات ولكن كيف صلبوه ومات ، وهل يا تري قد قام كما يقولون ؟ امسكت اعينهما : لم يعرفاه لتغير شكله ولم يساعدهما علي معرفته ، حتى تكون له فرصة يقنعهما بادلة من الاسفار المقدسة انه المسيا المنتظر . اقترب المسيح من التلميذين كأنه أحد المشاة في الطريق ، وسار معهما وكان امرا عاديا أن يتكلم المشاة في الطريق مع بعضهم ليهونوا علي انفسهم طول المسافة . وظناه شخصا عاديا ولم يعرفاه لأنه لم يرد في ذهنهم احتمال قيامته من الاموات. ع 17 - 18 : تتطارحان : تتكلمان وتتجادلان فيه عابسين : ظهر علي وجهيهما علامات الحزن لما حدث مع يسوع نتيجة محبتهما له. متغرب وحدك : ظناه أحد اليهود الذي جاء ليعيد في أورشليم ثم يرجع إلى مدينته ، ولا يعرف أحدا في المدينة لان الكل يتحدثون عما حدث مع يسوع. سال المسيح التلميذين عن الحوار الحزين الذي يتكلمان فيه قاصدا أن يدخل معهما في الحديث ليقودهما إلى الإيمان ، فرد عليه احدهما وهو كليوباس الرسول ، بتعجب كيف كان في أورشليم وخارجا منها في أحد الطرق ولم يعرف ما حدث فيها ، وهل هو غريب لا يعرف أحدا فيها؟ ع 19 - 21 : أمام الله شهدا انه كان بارا مرسلا من الله ، جميع الشعب : اقتنعت جموع اليهود بعظمته وسلطانه وبره. رؤساء الكهنة : لانهم هم الذي شكوه لبيلاطس ، وهيجوا الشعب لصلبه. حكامنا : بيلاطس وهيرودس. يفدي إسرائيل : يحرره من عبودية الرومان كما كان يظن اليهود أن المسيح ملك ارضي ؟ سألهم المسيح عن هذه الاحداث ليكشف ضعف ايمانهما ويعالجه ، فاعلنا ايمانهما الضعيف بالمسيح انه مجرد نبي قوي يعلم تعاليم مؤثرة ويعمل معجزات ، وكانا يودان أن يكون هو المسيا المخلص ولكن بعد هياج رؤساء الكهنة والحكام عليه صلبوه ومات ، وهكذا انتهب القصة في نظر هذين التلميذين ، إذ تاكد موته بمرور ثلاثة أيام عليه في القبر . ع 22 - 24 : سرد التلميذان ما حدث في هذا اليوم ، وهو زيارة بعض النسوة للقبر ، فوجدنه فارغا وظهرت ملائكة لهن تخبرهن بقيامته وتاكد بعض التلاميذ من عدم وجود جسده في القبر مثل بطرس ويوحنا . وهكذا اظهر شكهما وضعف ايمانهما ، فلم يريا في القبر الفارغ إلا التاكد من موت المسيح ولم يؤمنا بقيامته. و يظهر من حديثهما انهما لم يسمعا من المريمات كيف راين المسيح القائم ، فقد رأته المجدلية وحدها ومعها مريم الاخري. + قد تكون غرفت الكثير عن المسيح كمعلومات ، ولكن هل تؤمن بها عمليا في حياتك أم مازال المسيح في نظرك مجرد معلم لتعاليم صالحة؟ و هل ما تطلبه منه هو طلبات مادية باعتباره ملك ارضي في نظرك ، أم تطلبه ملكا روحيا علي قلبك ، يرفعك عنكل شر ويمتعك بعشرته. ع 25 - 27 : الغبيان : لجهلهما ضرورة تالم المسيح وموته قبل قيامته ن وفهمهما الخاطئ مثل باقي اليهود أن المسيح ملك ارضي . البطيئا القلوب في الإيمان : ضعيفان في ايمانهما . ما تكلم به الانبياء : نبوات الانبياء عن المسيا المنتظر . يدخل إلى مجده : قيامته بعد فدائه البشرية ، ثم صعوده إلى السماوات موسى : اسفار موسى الخمسة . اوضح المسيح سبب المشكلة وهو ضعف ايمانهما ، وأعلن الحقيقة وهي ضرورة تالم المسيح قبل أن يتمجد ، وبدا يشرح نبوات العهد القديم من أيام موسى وكيف تمت في حياته علي الأرض والامه وموته ، ليجذب قلوبهم إلى الإيمان ؛ ورغم قبولهما كلامه لم يصلا إلى مستوي الإيمان به ومازالا لا يعرفاه. ع 28 - 29 : استمر الحديث ما يقرب من ساعتين ووصلوا أخيرا إلى قرية عمواس ، وكان الليل قد اقبل فتظاهر المسيح انه مستمر في المشي إلى مكان ابعد من عمواس. وهنا ظهرت فضيلة المحبة عند هذين التليمذين ، إذ ارادا استضافته في بيتهما لأنه من الصعب المشي ليلا في هذه الطرق ، وحاول المسيح أن يعتذر لكي لا يثقل عليهما أما هما فتشددا في استضافته ، وهكذا ظهرت محبتهما القوية . + قدم محبتك لكل من تقابله ، تحظي بمعاينة المسيح . كما حدث مع ابينا إبراهيم ومع تلميذي عمواس ، إذ اكتشفوا انهم استضافوا الله . ع 30 - 31 : بعد دخولهما البيت اعدا طعام العشاء ، وعند البدء في الاكل اخذ المسيح خبزا وباركه وكسره بنفس الطريقة التي كان يبارك بها الطعام وهو بين الجموع وتلاميذه ، ولعله عند رفع يديه المباركة رايا اثار المسامير فيها فتاكدا من شخصيته ، وعرفا انه هو المسيح . وهنا اختفي المسيح عن اعينهما ، لأنه بهذا الجسد الممجد يستطيع أن يدخل ويخرج والابواب مغلقة وينطلق من أي مكان إلى اخر بسرعة . ع 32 : ملتهبا فينا : حساسا وقادرا علي فهم أن من يقول كل هذه الادلة ويعلم هذه التعاليم لا يكون إلا المسيح يسوع ، الذي تعودنا سماع كلامه الحلو . عاتبا التليمذان نفسيهما ، كيف لم يعرفا المسيح طوال الطريق رغم حديثه الجميل المقنع . ع 33 - 35 : الأحد عشر : يقصد التلاميذ الاثني عشر بعد هلاك يهوذا الاسخريوطي . الذين معهم : بعض الرسل والتابعين المقربين للمسيح . بالحقيقة : صار مؤكدا قيامة المسيح . من فرحتهما قاما حالا وسارا في الطريق ليلا رغم خطورة ذلك ، حتى وصلا إلى أورشليم وفي بيت مار مرقس ، وجدوا الأحد عشر تلميذا ومجموعة من الرسل مجتمعين يتحدثون بتاكيد عن قيامة المسيح ، خاصة وانه ظهر لبطرس بالاضافة لظهوره للمجدلية ولمنظر القبر الفارغ ، فاخبراهما أيضا بظهوره لهما وبتفاصيل التعرف عليه عند كسر الخبز ، ففرح الجميع وتثبت ايمانهم اكثر من ذي قبل . + اهتم أن تفرح قلوب من حولك وتثبت ايمانهم ، وثق انك تنال أولا ثباتا في ايمانك وفرحا عظيما كنعمة من الله . [ 3 ] ظهوره لتلاميذه ( ع 36 - 49 ) ع 36 - 37 : يتكلمون بهذا : حديثهم عن القبر الفارغ وظهورات المسيح الاربعة التي حدثت يوم القيامة نفسه ، أولا للمجدلية ثم للمجدلية ومريم الاخري ، وثالثا لبطرس ورابعا لتليمذي عمواس. وقف يسوع : وجدوه فجاة وسطهم ، وهذا هو الظهور الخامس والاخير في يوم القيامة. سلام لكم : كما اعتادوا أن يسمعوا منه طوال حياته معهم بصوته اللطيف ، إذ هو يصدر السلام لهم دائما. إذ بدا الإيمان يدخل قلوبهم من خلال رؤية القبر الفارغ وظهوره لبعض التلاميذ ، أراد المسيح أن يثبت ايمانهم ، فظهر لهم وهم مجتمعون في العلية ببيت مار مرقس الرسول . فخافوا جدا عندما راوه إذ ظنوه خيالا ، أو علي الاقل معظمهم كان متشككا ، لأنه من الشائع ظهور ارواح بعض المنتقلين بعد موتهم ، ولكن ليس بالضرورة أن تكون هذه ارواح المنتقلين بل أحيانا تكون ارواح شياطين . ع 38 - 40 : أعلن لهم المسيح انه عارف بما في قلوبهم ( وهي افكار الشك ) كما تعودوا منه في حياته علي الأرض معهم أن يعرف ما في قلوبهم قبل أن يقولوه . ثم قدم لهم دليلا اخر ليتعرفوا عليه ، إذ اراهم اثار المسامير في يديه ورجليه ، ليتاكدوا انه هو يسوع المصلوب لأجلهم ، وطلب منه أن يلمسوه ليتاكدوا انه ليس مجرد خيال بل جسد حقيقي. كل هذا ليطمئنهم ، مع أن جسده ليس له لحم وعظام مادية لأنه جسد نوراني قادر علي اختراق الاماكن وهي مغلقة . و سمح لهم أن يلمسوه ويظهر امامهم بشكل ملموس ليطمئنهم ، وكل هذا بقوته الالهية . و قد احتفظ المسيح باثار الجراحات في جسده النوراني ليؤكد لتلاميذه انه هو ، ولتكون علامات حب إلى الأبد ظاهرة امامنا ودليل علي رحمته وفدائه. ع 41 - 43 : ثم قدم دليلا ثالثا علي قيامته لتلاميذه بان طلب طعاما لياكل ليس لأنه جائع ولكن ليطمئنهم انه إنسان حقيقي كما عرفوه وليس مجرد روح . فاحضروا له بعض الطعام الموجود في البيت ، وهو سمكا وشهدا ، وهذا ما يناسب القيامة فالسمك يشير للحياة والسباحة ضد تيار العالم والشهد يرمز لحلاوة الحياة مع المسيح القائم . واكل المسيح امامهم ، وهكذا ثبت ايمان المتشككين. + ما اجمل أن تطلي اناتك علي الآخرين ، كما يطيل المسيح اناته عليك وتقدم لهم ادلة متوالية من حبك حتى تربح قلوبهم. ع 44 - 46 : إذ اطمانت قلوبهم وامنوا به ، استمر السيح يثبت ايمانهم ويقويه أيضا بشرح نبوات العهد القديم عنه وكيف انه حدثهم عن ذلك اثناء حياته معهم علي الأرض ، وانباهم بالامه وموته وقيامته التي يرونها ألان . انه يشرح مرة ومرات نفس الكلام ولا يمل منهم لأنه يحبهم ، وهذا ما يحدث معنا في حياتنا الشخصية . وقد فهموا أخيرا قصة الفداء العجيب والقيامة ، وأن المسيح ملك روحي وليس ارضيا كما ظن اليهود وظنوا هم أيضا معهم. ع 47 : أضاف المسيح أن هذه القيامة هي موضوع كرازتهم التي سيقومون بها في أورشليم لليهود ثم لكل العالم ، ليتمتع البشر جميعا ببشري الخلاص ويتوبوا عن خطاياهم فاغفر لهم ، ويصيروا ابناء للكنيسة والميراث الأبدي . ع 48 : ظهر المسيح لتلاميذه لانهم مستعدون للايمان به ، فهم يحبونه وبالتالي سيشهدون بقيامته في كرازتهم للعالم كله . و لم يظهر لبيلاطس أو لرؤساء الكهنة لانهم رافضون للايمان به . ع 49 : أرسل اليكم : تظهر هنا مساواة الابن للأب في ارساله الروح القدس . موعد الأب : وعد الأب هو ارسال الروح القدس للسكن في المؤمنين بالمسيح كما أعلن يسوع ذلك ( يو 14 : 26 ، 16 ) اقيموا في مدينة أورشليم : لا تخرجوا للتبشير في العالم ، ولكن ليس معني هذا عدم ذهابكم إلى الجليل أو أي مدينة في اليهودية ثم العودة إلى أورشليم . وقد حدث هذا فعلا لان المسيح ظهر لهم بعد القيامة في الجليل . لكي يستطيع التلاميذ والرسل أن يكرزوا بقيامة المسيح ، يحتاجون إلى قوة من الله ، ولهذا يهبهم روحه القدوس ليسكن فيهم سكني دائمة . ولذا طلب المسيح منهم إلا يبرحوا أورشليم ويتحركوا للكرازة في العالم إلا بعد أن يحل عليهم الروح القدس كوعد الله الأب لهم. + عندما تتقدم لاي خدمة ، اطلب معونة الله بصلوات كثيرة واطمئن انه يسندك بروحه القدوس . [ 4 ] صعوده إلى السماء ( ع 50 - 53 ) : ع 50 - 51 : ظهر المسيح مرات كثيرة لتلاميذه بعد قيامته وثبت ايمانهم ، ورتب معهم كل تفاصيل العبادة والخدمة في كنيسته ، ووعدهم بنوال الروح القدس للكرازة بقيامته ، وأخيرا خرد بهم إلى جبل الزيتون ، حيث اعتاد أن يجتمع بهم بالقرب من بيت عنيا ، وباركهم للمرة الاخيرة بالجسد ثم صعد أمام عيونهم إلى السماء . + من بيت عنيا ، أي بيت العناء ، ومن الجبل الذي يرمز إلى الجهاد الروحي ، تستطيع أن تصعد مع المسيح إلى السماء . احمل صليبك واحتمل ضيقات والام التوبة والجهاد الروحي والخدمة ، يرتفع قلبك إلى السماء وأنت علي الأرض وتذوق حلاوة الأبدية عربون لميراث الملكوت . ع 52 : رغم فقدانهم رؤية المسيح بالجسد ، وخشوعهم الذي ظهر في سجودهم أمام صعوده إلى السماء ، لكن قلوبهم كانت قد امتلات ايمانا ، فرجعوا إلى أورشليم فرحين بان معلمهم هو الله الذي في السماء ، وسيرسل لهم روحه القدوس ليبقي معهم إلى الأبد . ع 53 : رغم ايمان التلاميذ بالمسيح ، وأن كل ما في الهيكل والعهد القديم رموز له ، لكنهم استمروا يتابعون صلواتهم وتسابيحهم في الهيكل مع باقي اليهود ، عالمين أن الله سيهبهم قوة ليكرزوا لاخوتهم اليهود في الهيكل ، ليتمتعوا جميعا بالايمان بالمسيح.
مصادر أخرى لهذا الإصحاح