كلمة منفعة
في تذكرنا لأسلوب آبائنا الرسل في خدمتهم، نتلقى دروسا عملية مثالية في روح الخدمة، نذكر منها:
— روح الخدمة
إنجيل لوقا 23
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
انجيل معلمنا لوقا - الاصحاح رقم 23
انجيل معلمنا لوقا
الإصحاح رقم 23
الأصحاح الثالث والعشرون :
الصديق المصلوب
من أجل الصداقة التي يطلبها السيد المسيح احتمل الآلام، وقبل المحاكمة، وحمل الصليب، واجتاز الموت، ودفن في القبر حتى يحملنا إليه أصدقاء إلى الأبد.
1. محاكمته أمام بيلاطس 1-7.
2. محاكمته أمام هيرودس 8-12.
3. إصرار اليهود على صلبه 13-25.
4. الصليب وسمعان القيرواني 26.
5. الصليب والنائحات 27-31.
6. صلبه بين لصين 32-43.
7. تسليم الروح 44-49.
8. دفنه 50-56.
1. محاكمته أمام بيلاطس
جاء السيد المسيح ليصالح الإنسان مع الآب، يستر خطاياه بدمه، أما الإنسان فاتهمه أنه مثير للشغب، وصاحب فتنة، إذ يقول الإنجيلي: "قام كل جمهورهم، وجاءوا به إلى بيلاطس. وابتدأوا يشتكون عليه، قائلين إننا وجدنا هذا يفسد الأمة، ويمنع أن تُعطى جزية لقيصر، قائلاً: إنه هو مسيح ملك" [1-2].
يذكر الإنجيلي لوقا الاتهام المدني بكل وضوح، ففي المجمع الديني أُتهم بالتجديف، وهنا أمام بيلاطس كان الاتهام أنه محرض الشعب على عدم دفع الجزية لقيصر وإقامة نفسه ملكًا، مع أنه إذ سُئل قبلاً، أجاب: "أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، وحينما أرادوا أن يخطفوه ليقيموه ملكًا، اختفى من بينهم!
يقول القديس كيرلس الكبير: [قادوا يسوع إلى بيلاطس، وهم أيضًا أنفسهم سُلموا للجند الرومان الذين احتلوا أرضهم واقتحموا مدينتهم حيث الموضع المقدس المكرم، وسلم سكانها للسيف والنار. لقد تحقق فيهم نبوات الأنبياء القديسين، إذ يقول أحدهم: "ويل للشرير شر، لأن مجازاة يديه تُعمل به" (إش 3: 11)، ويقول آخر: "كما فعلت يفعل بك، عملك يرتد على رأسك" (عو 15).]
بلا شك سمع بيلاطس عن السيد أنه نادى بتقديم "ما لقيصر لقيصر"، وإذ رأى السيد المسيح إنسانًا معدمًا لا يمكن أن يقيم نفسه ملكًا سأله ربما في استخفافٍ أو كعملٍ شكليٍ:
"فسأله بيلاطس قائلاً: أنت ملك اليهود. فأجابه وقال: أنت تقول. فقال بيلاطس لرؤساء الكهنة والجموع: "إني لا أجد علّة في هذا الإنسان" [3-4].
يقول القديس كيرلس الكبير: [اخترعوا عدة اتهامات، وأثاروها ضد المسيح، اتهامات كاذبة لا يمكن التدليل عليها. لكنهم بهذا أكدوا إنهم أشر من الوثني، فإن بيلاطس برّأه من كل عيب، قائلاً: "إني لا أجد علّة في هذا الإنسان"، هذا ما نطق به ليس مرة واحدة بل ثلاث مرات.]
إذ لم يستطع القادة أن يثيروا الوالي ضده بالمنطق، "كانوا يشدّدون قائلين: إنه يهيج الشعب، وهو يعلِّم في كل اليهودية، مبتدئًا من الجليل إلى هنا" [5].
لعلهم بهذا أرادوا أن يهددوا الوالي بأن الموقف لا يُحد خلال منطقة نفوذه، وإنما أيضًا يمتد إلى مناطق أخرى، فإن لم يحكم هو عليه سيحكم آخر غيره، فيصير الوالي في عيني قيصر متهاونًا في حق قيصر، يترك صانعي الفتنة والشغب بلا محاكمة. ولعله لهذا السبب أيضًا أرسله بيلاطس إلى هيرودس والي الجليل حتى متى برأّه أو حكم عليه يكون معه شهادة والٍ آخر تسنده أمام قيصر. هذا وبحسب القانون الروماني يقف كل إنسان ليحاكم أمام والي منطقته، فلم يرد بيلاطس أن يتعدى اختصاصات هيرودس بالرغم من وجود عداوة قائمة بينهما. وكأن بيلاطس احترم القانون الأرضي برضا وسلمه لوالٍ آخر، بينما لم يحترم قادة اليهود الشريعة الإلهية مسلّمين السيد المسيح للصلب وحكم الموت ظلمًا.
هذا ونلاحظ أن السيد المسيح لم يدافع عن نفسه بكلمة، فقد حسب الحق الذي فيه مُعلن بصمته ولا يحتاج إلى كلمات تشهد له. هذا ما يعلنه الإنجيلي في لقاء السيد المسيح مع هيرودس كما سنرى [9]. إنه جاء ليسحب قلوبنا بحبه لا ليدافع عن نفسه.
2. محاكمته أمام هيرودس
"وأما هيرودس فلما رأى يسوع فرح جدًا، لأنه كان يريد من زمان طويل أن يراه لسماعه عنه أشياء كثيرة، وترجّى أن يرى آية تصنع منه. وسأله بكلامٍ كثيرٍ فلم يجبه بشيء. ووقف رؤساء الكهنة والكتبة يشتكون عليه باشتدادٍ. فاحتقره هيرودس مع عسكره واستهزأ به، وألبسه لباسًا لامعًا، وردّه إلى بيلاطس. فصار بيلاطس وهيرودس صديقين مع بعضهما في ذلك اليوم لأنهما كانا من قبل في عداوة بينهما" [8-12].
يلاحظ في هذا اللقاء بين السيد المسيح وهيرودس الآتي:
أولاً: أراد هيرودس أن يتأكد مما سمعه عن السيد المسيح، لذا فرح جدًا أن يراه، لا ليتمتع به ويقتني الحق، وإنما ليشاهد آيات وعجائب، أما السيد فلم يأتِ لاستعراض آيات، وإنما لخلاص النفوس، لذا التزم بالصمت، ولم يجب حتى على اتهامات المشتكين، فاحتقره هيرودس ورجاله واستهزؤا به..
ثانيًا: في محاكمته سواء أمام رئيس الكهنة أو بيلاطس أو هيرودس اتجه إلى الصمت ليتم فيه القول: "لم يفتح فاه، كشاةٍ تُساق إلى الذبح" (إش 53: 7).
+ شُبّه بالحمل حتى يُحسب في صمته بارًا غير مذنب.
القديس أغسطينوس
+ إنه مثل رائع يدعو قلوب البشر أن تحتمل الإهانة بروح ثابتة. أُتهم الرب وصمت وكان في صمته محقًا لأنه لم يكن في حاجة أن يدافع عن نفسه.
القديس أمبروسيوس
ثالثًا: يعلق القديس أمبروسيوس على الثوب اللامع الذي ألبسه هيرودس إياه، قائلاً: [ألبسه هيرودس ثوبًا أبيض ليشير أن الآلام التي احتملها ليست عن لوم فيه، إذ هو حمل الله الذي بلا عيب، يحمل بمجدٍ خطايا العالم.]
رابعًا: يرى الأب ثيؤفلاكتيوس في الصداقة التي قامت بين بيلاطس وهيرودس من أجل قتل السيد المسيح بعد العداوة التي كانت بينهما توبيخًا لنا، فإن الشيطان وحّد بين المتخاصمين لتحقيق هدفه الشرير، أما نحن فننقسم على أنفسنا عوض الوحدة من أجل خلاص النفوس. أما القديس أمبروسيوس فيرى في هذه الصداقة بين العدوين إشارة إلى الوحدة التي صارت بين شعب إسرائيل والشعوب الأممية، خلال موت المسيح بقبول الكل كأعضاء في كنيسة العهد الجديد.
3. إصرار اليهود على صلبه
أولاً: لا نعجب إن كان السيد المسيح وهو مُتهم ظلمًا قد صمت بينما وقف الأعداء - منهم بيلاطس وهيرودس- يدافعون عنه. لقد شهد بيلاطس: "ها أنا قد فحصتُ قدامكم، ولم أجد في هذا الإنسان علّة مما تشتكون به عليه. ولا هيرودس أيضًا" [14-15]. وعندما أصروا على قتله مرة ومرتين أكدّ لهم: "أي شر عمل هذا؟! إني لم أجد فيه علّة للموت" [22]، فكانوا يصرخون بإلحاح أن يُصلب!
+ انتهرهم بيلاطس مقدمًا تبريرًا لنفسه، بالقول: "لم أجد في هذا الإنسان علّة..." هوذا الذين يعرفون الناموس الإلهي ولهم ملامح سامية، قائلين إنهم تلاميذ موسى يطلبون أن يحكموا عليه بالموت، هذا الذي هو بلا لوم بل بالحري رأس ومعلم كل تقوى، هذا الذي يهب مؤمنيه كل فضيلة بمهارة. لقد صاروا بالأكثر مستوجبين العقاب الشديد لأن (بيلاطس) الذي كان من عمله أن يحكم قد برأّه.
القديس كيرلس الكبير
ثانيًا: إذ كان الرب يبذل كل الجهد حتى حياته لأجل تقديم صداقته للبشرية، كانت خاصته ترفضه وتقدم باراباس عنه، إذ: "صرخوا بجملتهم قائلين: خذ هذا وأطلق لنا باراباس، وذاك كان قد طُرح في السجن لأجل فتنة حدثت في المدينة وقتل" [18-19]. أرادوا قتل البار وإطلاق مثير الفتنة القاتل. وكما يقول القديس أمبروسيوس أن كلمة "باراباس" تعني "ابن أب"، وكأن هؤلاء الذين قيل لهم: "أنتم من أب هو إبليس" (يو 8: 44)، قد مثلوا الآن ليفضلوا ابن أبيهم أي ضد المسيح عن ابن الله.
ثالثًا: للمرة الثالثة كانوا يصرخون بأصوات عظيمة ويتوسلون من بيلاطس أن يصلبه،
"فقويت أصواتهم وأصوات رؤساء الكهنة. فحكم بيلاطس أن تكون طلبتهم. فأطلق لهم الذي طرح في السجن لأجل فتنة، وقتل الذي طلبوه وأُسلم يسوع لمشيئتهم" [23-25].
+ هذه الصرخات القاسية غير الشرعية قد وبخ بها الرب بإشعياء النبي القائل: "إن كرم رب الجنود، غرس جديد محبوب هو رجل يهوذا، انتظرت حقًا فإذا سفك دم، وعدلاً فإذا صراخ" (إش 5: 7 الترجمة السبعينية). وفي موضع آخر قال عنهم: "ويل لهم لأنهم هربوا عني، تبَّا لهم، لأنهم أذنبوا إليّ، أنا أفديهم، وهم تكلموا عليّ بكذبٍ" (هو 7: 13). وأيضا: "يسقط رؤساؤهم بالسيف من أجل سخط ألسنتهم" (هو 7: 16). لقد قيل أن بيلاطس أصدر الحكم بأن يحقق رغبتهم، فكان ذلك حسنًا في نظرهم، إذ انهزمت إرادة بيلاطس وصدر الحكم... لقد قاوموا وبعنف عارضوا وانتصروا... فأعدّ لهم ذلك فخًا، وكان علة هلاكهم، دفعهم إلى هلاك عنيف لا يتوقف.
القديس كيرلس الكبير
4. الصليب وسمعان القيرواني
"ولما مضوا به أمسكوا سمعان، رجلاً قيروانيًا كان آتيًا من الحقل، ووضعوا عليه الصليب ليحمله خلف يسوع" [26].
قلنا أن كلمة "سمعان" تعني "يسمع" أو "يطيع"، و"قيروان" تعني "ميراثًا"، وهي مدينة أممية في ليبيا، فإن سمعان القيرواني يشير إلى كنيسة العهد الجديد التي صارت وارثة خلال طاعة الإيمان، وقد جاءت من الأمم لكي تشارك مسيحها صليبه، وتنعم بهذا الشرف العظيم.
يذكر الإنجيلي يوحنا أن السيد المسيح حمل صليبه (يو 19: 17)، إذ هو علامة ملكه، كقول إشعياء النبي "وتكون الرئاسة على كتفيه" (إش 9: 6). وفي الطريق إذ أراد أن يجعل من كنيسته ملكة تشاركه أمجاده، سُمح لسمعان ممثل الكنيسة أن يحمله. يقول القديس أمبروسيوس: [آن الوقت لكي يرفع المنتصر لواءه، فوضع الصليب على كتفه... حمل الرب لواءه ثم سلمه للشهداء ليرفعوه هم أيضًا: "احمل صليبك واتبعني" (9: 23).]
ليتنا نخرج مع سمعان بالطاعة النابعة عن الإيمان، منطلقين من حقل هذا العالم، لنحمل صليب ربنا يسوع المسيح فنشاركه ميراثه وأمجاده!
5. الصليب والنائحات
"وتبعه جمهور كثير من الشعب والنساء اللواتي كن يلطمن أيضًا وينحن عليه. فالتفت إليهن يسوع وقال: "يا بنات أورشليم لا تبكين عليّ، بل ابكين على أنفسكن وعلى أولادكن. لأنه هوذا أيام تأتي يقولون فيها: طوبى للعواقر والبطون التي لم تلد والثدي التي لم ترضع. حينئذ يبتدئون يقولون للجبال اسقطي علينا وللآكام غطينا. لأنه إن كانوا بالعود الرطب يفعلون هذا، فماذا يكون باليابس؟!" [27-31]
إذ كتب القديس لوقا البشير للأمم أراد إبراز مركز المرأة وتقديرها في عيني المسيحية، فإن كان الرجال قد ثاروا ضد الحق، وهاجت الجماهير تطلب صلب البار وإطلاق القاتل، فإن جمهور من النساء كن ينحن على ما حدث، يتبعن السيد في اللحظات المُرّة.
مسيحنا الصديق الحقيقي يلتفت إلى هؤلاء النسوة ليوجه دموعهن من الشفقة البشرية عليه إلى التوبة الصادقة وطلب خلاص نفوسهن ونفوس أولادهن، قائلاً: "لا تبكين عليّ بل ابكين على أنفسكن وعلى أولادكن".
+ الرب نفسه بكى على أورشليم، إذ لم ترد أن تبكي هي على نفسها... إنه يريدنا أن نبكي لنهرب (من الهلاك)...
من يبكي كثيرًا في هذا العالم يخلص في المستقبل، لأن "قلب الحكماء في بيت النوح، وقلب الجهال في بيت الفرح" (جا 7: 4). وقال الرب نفسه: "طوباكم أيها الباكون الآن، لأنكم ستضحكون" (6: 21). فلنبكِ إذن إلى زمان، فنفرح إلى الأبد. لنخفْ الرب وننتظره، معترفين بخطايانا، راجعين عن شرنا، حتى لا يُقال لنا "ويل لي... قد باد التقي من الأرض وليس مستقيم بين الناس" (مي 7: 1-2).
القديس أمبروسيوس
هذا ويرى كثير من الآباء أن الحديث هنا موجه إلى كل الأمة اليهودية، إذ دعاهم "يا بنات أورشليم"، معلنًا لليهود أنه يليق بهم أن ينوحوا بالأحرى على ما سيحل بأورشليم. فإن كان قد صدر الحكم الروماني بصلب "العود الرطب" أي السيد المسيح، فسيُسلم اليهود "العود اليابس" لسيوف الرومان، حيث يتم حصار أورشليم ويحطم الهيكل تمامًا.
+ دعي نفسه "الشجرة الخضراء" (العود الرطب)، التي تحمل أوراقًا وثمارًا وزهورًا، أما ثماره فهي تعاليمه ونصائحه وإعلان قوة لاهوته في معجزاته الإلهية التي لا يُنطق بها... فقد أقام موتى إلى الحياة، وطهّر برّص، وشفى عميان، وغير ذلك من الأعمال التي مارسها تثير فينا الحمد الكلي الكمال. مع أن هذه هي أعماله فقد أدانه الرومان أو بالأحرى بيلاطس، الذي أصدر ضده حكمًا ظالمًا، وأنزل عليه استهزاءات قاسية. لهذا يقول إن كان القواد الرومان قد صبّوا علىّ مثل هذه الأمور مع أنهم رأوني مزينًا بمجدٍ عظيمٍ كهذا فماذا يفعلون بإسرائيل وقد أدركوا أنه جاف بلا ثمر؟! فإنهم لا يجدون في الإسرائيليين أمرًا عجيبًا يستحق الكرامة أو الرحمة، لذا سيحرقونهم بالنار دون رحمة، ويمارسون ضدهم قسوة عنيفة.
القديس كيرلس الكبير
+ دعي نفسه الخشبة الخضراء، ونحن العود الجاف، لأنه هو نفسه فيه الحياة وقوة الطبيعة الإلهية أما نحن البشر فنُدعى العود الجاف.
البابا غريغوريوس الكبير
إن كان السيد المسيح "شجرة الحياة" لم يترك هذا العالم إلا بعد أن حمل آلامه من أجلنا وبسبب خطايانا، أفلا ننتظر نحن أن نتألم ونحن كالعود الجاف الذي بلا ثمر في ذواتنا؟! أما عن الأيام التي فيها تطوّب النساء العواقر فقد جاءت أيام حصار أورشليم، حيث أكلت الشريفات أطفالهن بسبب شدة الجوع، كما وصف يوسيفوس المؤرخ اليهودي.
6. صلبه بين لصين
قدم لنا الإنجيلي لوقا وصفًا لصلب السيد جاء فيه:
أولاً: إمعانا في السخرية به صلبوه بين لصين، واحد عن يمينه والآخر عن يساره، فتحقق فيه قول إشعياء النبي "أُحصيَ مع آثمة، وهو حمل خطية كثيرين، وشفع في المذنبين" (إش 53: 12). ويصف لنا الإنجيلي موقف اللصين، قائلاً:
"وكان واحد من المذنبين المعلقين يجدف عليه، قائلاً: إن كنت أنت المسيح، فخلّص نفسك وإيّانا. فأجاب الآخر وانتهره، قائلاً: أوَلاَ أنت تخاف الله، إذ أنت تحت هذا الحكم بعينه؟! أمّا نحن فبعدل لأننا ننال استحقاق ما فعلنا، وأمّا هذا فلم يفعل شيئًا ليس في محله. ثم قال ليسوع: اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك. فقال له يسوع: الحق أقول لك اليوم تكون معي في الفردوس" [39-43].
+ إن كنت قد صُلبت معه كلصٍ، اعرف الله بكونك لصًا تائبًا...
اسجُد لذاك الذي عُلق من أجلك، حتى وإن كنت أنت نفسك معلقًا. انتفع من شرك، واقتنِ خلاصك بموتك. ادخل مع يسوع الفردوس، لتتعلم من حيث سقطت (رؤ 2: 5) .
القديس غريغوريوس النزنيزي
+ آمن اللص في الوقت الذي فيه فشل المعلمون أنفسهم تمامًا. فإنه لم يؤمن بكلماتهم، ومع هذا كان إيمانه هكذا أنه اعترف بذاك الذي رآه مسمرًا على الصليب ولم يره قائمًا أو ملكًا.
القديس أغسطينوس
+ المسيح نفسه جلب اللص من الصليب إلى الفردوس، ليُظهر أن التوبة لن تتأخر في عملها. لقد حول موت القاتل إلى شهيدًا.
القديس جيروم
+ لا نخجل من أن نأخذ هذا اللص معلمًا لنا، هذا الذي لم يخجل منه سيدنا بل أدخله الفردوس قبل الجميع.
+ أنا لا أراه مستحقًا للإعجاب فقط بل أطوّبه، لأنه لم يلتفت إلى آلامه، بل أهمل نفسه واهتم برفيقه مجتهدًا أن ينقذه من الضلال، فصار بهذا معلمًا وهو على الصليب... تأمل كيف أنه تمم قانون الرسل. لم يهتم بنفسه فقط بل عمل كل الوسائط على قدر استطاعته كي ينقذ غيره من الضلال ويرشده إلى الحق.
+ اللص اعترف فوجد أبواب الفردوس مفتوحة!
+ اعترف فتجرأ أن يطلب الملكوت مع أنه لص!
+ قل لي أيها اللص كيف تذكرت ملكوت السماوات؟ ماذا حدث الآن وأمام عينيك المسامير والصليب والتهمة والهزء والشتائم؟
فيقول: نعم أرى هذه كلها ولكن الصليب نفسه رمز الملكوت، فلذلك أدعو المصلوب عليه ملكًا، لأنه يجب على الملك أن يموت عن رعيته.
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ الصليب نفسه إن تأملناه حسنًا هو كرسي للقضاء. فقد جلس الديان في الوسط: لص آمن فخلص، وآخر جدف فدين. بهذا عني أنه ديان الأحياء والأموات، نعم فالبعض عن يمينه والآخر عن يساره.
القديس أغسطينوس
+ لقد علق على الصليب الثمين، وعلق معه لصان. ماذا عن هذا؟ بالنسبة لليهود كان هذا من قبيل السخرية حقًا، لكنه كان تذكارًا للنبوة، إذ كتب: "أُحصي مع آثمة" (إش 53: 12). من أجلنا صار لعنة، أي تحت اللعنة، إذ كُتب أيضًا أنه ملعون من عُلق على خشبة (تث 21: 23). لكن هذا العمل بالنسبة له نزع اللعنة عنا، فبه ومعه صرنا مباركين، وإذ عرف داود الطوباوي ذلك قال: "مباركون نحن من قبل الرب خالق السماء والأرض"، إذ حلّت بنا البركة بآلامه. لقد وفى الدين عنا، وحمل خطايانا (إش 53: 6)، ضُرب عوضًا عنا، إذ بحُبره شفينا (إش 53: 5).
+ كما قلت عُلق لصان معًا للسخرية به حتى في آلامه التي جلبت خلاصًا للعالم كله، لكن واحدًا منهم بقي في شر اليهود مستمرًا، ناطقًا بكلمات التجديف مثلهم... والآخر أخذ اتجاهًا آخر يستحق بحق إعجابنا، إذ آمن به وهو يذوق أمر العذابات. لقد انتهر صرخات اليهود العنيفة وكلمات من صلب معه. اعترف بخطاياه لكي يتبرر... حمل شهادة للمسيح بلا لوم، ووبخ عجز اليهود عن حب الله، ودان حكم بيلاطس... صار معترفًا بمجد المخلص وديانًا لكبرياء صالبيه.
القديس كيرلس الكبير
+ على الصليب سُمرت يدا (اللص) وقدماه ولم يبقَ فيه شيء حر سوى قلبه ولسانه. بوحي إلهي قدم اللص كل ما هو حرّ فيه، وكما هو مكتوب: "لأن القلب يؤمن به للبرّ، والفم يعترف به للخلاص" (رو 10: 10). لقد امتلأ اللص فجأة بالنعمة، وتقبل هذه الفضائل الثلاث التي نطق بها الرسول وتمسّك بها على الصليب، فكان له الإيمان إذ آمن بالله أنه يملك مع أنه رآه يموت مثله، وله الرجاء الذي به طلب الدخول إلى ملكوته، وحفظ المحبة أيضًا بغيرة عند موته، إذ انتهر أخاه اللص رفيقه.
البابا غريغوريوس (الكبير)
+ غفر الرب له سريعًا، لأن اللص تاب سريعًا. النعمة أغنى من الطلبة. اللص طلب أن يذكره، أمّا الرب فأجابه (بفيض): "الحق أقول لك اليوم تكون معي في الفردوس". لأن الحياة هي أن تكون مع المسيح، وحيث يوجد المسيح يوجد ملكوته.
القديس أمبروسيوس
ثانيًا: ربط الإنجيلي لوقا بين اسم الموضع الذي صُلب فيه السيد وبين صلبه بين مذنبين، إذ قال: "ولما مضوا به إلى الموضع الذي يُدعي جمجمة، صلبوه هناك مع المذنبين، واحدًا عن يمينه، والآخر عن يساره" [33]. جاء في التقليد أن الموضع دُعي "جمجمة"، لأن فيه قد دُفن آدم رأس البشرية، وكأن الصليب قد رُفع على مقبرة آدم حيث تحولت جمجمته إلى التراب خلال فسادها، وقد صُلب بين مذنبين يمثلان الفساد الحاضر. بمعنى آخر ارتفع المخلص على الصليب لينقذنا من خطية آدم كما من الخطايا الفعلية.
+ إذ فسدت البشرية أعلن المسيح جسده، حتى حيث يظهر الفساد يوجد عدم الفساد. لذلك صلب في موضع الجمجمة، الذي قال عنه معلمو اليهود أن فيه قد دُفن آدم.
البابا أثناسيوس الرسولي
+ رُفع الصليب في الوسط، كما يُظن فوق قبر آدم.
القديس أمبروسيوس
يرى البعض أن كلمة "جمجمة" مترجمة عن الآرامية "جلجثة"، وقد سميت هكذا لأن شكلها المستدير يشبه جمجمة الإنسان، أو لأنها كانت موضع الصلب فكثرت فيها جماجم المصلوبين.
هذا ويرى أيضًا بعض الدارسين أن السيد المسيح قد صلب بين لصين عوض باراباس الذي كان يجب أن يُصلب كرئيس لهما ورفيقهما ومثيرهما للقتل، فاحتلّ السيد موضع هذا القاتل.
ثالثًا: سجلت لنا الأناجيل الأربعة سبع كلمات نطق بها السيد المسيح على الصليب، منها ثلاث كلمات وردت في إنجيل معلمنا لوقا. هذه الكلمات السبع هي:
أ. ثلاث كلمات قبل حدوث الظلمة:
"يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون" (لو 23: 34).
"الحق أقول لك إنك اليوم تكون معي في الفردوس" (لو 23: 43).
"يا امرأة هوذا ابنك... هوذا أمك" (يو 19: 26-27).
ب. كلمة أثناء الظلمة:
"إلهي إلهي لماذا تركتني؟!" (مت 27: 46؛ مر 15: 34).
ج. ثلاث كلمات بعد الظلمة:
"أنا عطشان" (يو 19: 28).
"قد أكمل" (يو 19: 30).
"يا أبتاه في يديك استودع روحي" (لو 23: 46).
هذه الكلمات السبع التي ذكر منها الإنجيلي لوقا الكلمات الأولى والثانية والسابعة، قُدمت جميعها من أجلنا لننعم بها خلال عمله الخلاصي على الصليب. الأولى موجهة لأجل أعدائه ليهبهم الصفح، إذ جاء لينزع العداوة ويهب مصالحة. والثانية قُدمت للص بصفة شخصية، ليؤكد علاقته الشخصية مع كل نفسٍ دون النظر إلى الماضي، والثالثة قُدمت لأمه ويوحنا الحبيب ليعلن رعايته لكل نفس] وعنايته بكل أمورنا. الرابعة حملت نوعًا من العتاب ليكون لنا ملء الجرأة في عتابنا مع الله، والخامسة كشفت عن عطشه نحونا وشوقه نحو الإنسان غير المنقطع. السادسة أعلن نصرة الخلاص، والسابعة قدم لنا تمام الطمأنينة.
رابعًا: فقال يسوع: "يا أبتاه اغفر لهم، لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون" [34].
+ قال هذا ليس لأنه غير قادر على الغفران بنفسه، وإنما لكي يُعلمنا أن نصلي من أجل مضطهدينا، لا بالكلام فحسب وإنما بالعمل أيضًا. يقول: "اغفر لهم" إن كانوا يتوبون، فإنه رحوم بالنسبة للتائبين، إن كانوا يريدون أن يغسلوا بالإيمان خطاياهم الكثيرة التي ارتكبوها.
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ [كان غاية الصليب أن يخلص ويغفر، غير مبالٍ بما يحل به]
لم يتطلع أنه يموت بواسطتهم، إنما تطلع فقط أن يموت لأجلهم!
القديس أغسطينوس
+ انظر كيف استمر في لطفه حتى في تعامله مع صالبيه!
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ اسمحوا لهم أن يتثقفوا بأعمالكم أن لم يكن هناك طريق آخر. قابلوا غضبهم بالوداعة، وعجرفتهم بالتواضع، وتجديفهم بصلواتكم... لنثبت باللطف الحقيقي إننا إخوتهم، ولنتمثل بالرب الذي احتمل الظلم فتتبارون في احتمال الظلم والإهانة والاحتقار حتى لا يكون للشيطان مكان في قلوبكم ينبت فيه عشبه.
القديس أغناطيوس النوراني
خامسًا: "وإذ اقتسموا ثيابه اقترعوا عليها" [34].
إن كان السيد المسيح قد حمل خطايانا، فقد رُفع على الصليب عاريًا ليفتدينا من عار الخطية. قلنا في تفسير مت 27: 35، أن الثياب المقتسمة أربعة أقسام تشير إلى الكنيسة الممتدة إلى أربع جهات المسكونة، أما القميص الذي كان منسوجًا من فوق (يو 19: 23) الذي اقترعوا عليه دون أن يُشق، فيشير إلى الكنيسة التي ينبغي أن تحمل سمة عريسها، فتوجد سماوية (منسوجة من فوق) وبلا انشقاق أو انقسام. هذا أيضًا ما أعلنه القديس كيرلس الكبير.
يرى القديس أمبروسيوس أن الأربعة جنود يشيرون إلى الأربعة إنجيليين، الذين سجلوا لنا ما نتمتع به، أما القميص الذي أُلقي عليه قرعه فيشير إلى أن الروح القدس لا يُوهب حسب استحقاق الإنسان ذاتيًا وإنما هو هبة إلهية مجانية.
سادسًا: إذ ارتفع السيد المسيح على الصليب صار موضع سخرية الجميع، الشعب مع الرؤساء، واليهود مع الجند الرومان، إذ قيل: "وكان الشعب واقفين ينظرون، والرؤساء أيضًا معهم يسخرون به، قائلين: خلص آخرين، فليخلص نفسه إن كان هو المسيح مختار الله. والجند أيضًا استهزئوا به وهم يأتون ويقدمون له خلاَّ. قائلين: إن كنت أنت ملك اليهود فخلص نفسك" [35-37].
أراد الرؤساء أن يسخروا به فاعترفوا بألسنتهم "خلّص آخرين"، ويصير اعترافهم هذا شهادة ضدهم. حقًا لقد جاء لا ليخلص نفسه، إذ هو غير محتاج إلى خلاص، إنما كطبيب يتقدم ليشفي المرضى. وكما يقول القديس البابا أثناسيوس الرسولي: [بالحق أراد المخلص ربنا أن يُعرف مخلصًا لا بخلاص نفسه بل بخلاصه الآخرين. فالطبيب لا يُحسب كذلك بشفائه نفسه، بل بإبراز مهارته مع المرضى. هكذا الرب بكونه المخلص لا يحتاج إلى خلاص نفسه. فليس بنزوله من على الصليب يصير مخلصًا بل بموته. فإنه بالحق يتحقق خلاص عظيم للبشرية بموته أكثر من نزوله عن الصليب.]
لقد قبل أن يشرب الخل، كما يقول القديس أمبروسيوس، لأنه أخذ فسادنا ليسمره على الصليب. أمّا رفضه الخمر الممزوج بالمر، فذلك ليس امتناعًا عن المرّ لمرارته، وإنما لأن المرّ يعطي نوعًا من التخدير، فلا يشعر المصلوب بكل الآلام التي اجتازها. فقد أراد أن يحمل الألم حتى النهاية. أمّا من جهة المرارة فيقول القديس أمبروسيوس: [بالتأكيد أخذ مرارة حياتنا في جسم بشريته.]
سابعًا: "وكان عنوان مكتوب فوقه بأحرف يونانية ورومانية وعبرانية: هذا هو ملك اليهود" [38]. صارت علته تاجًا له يمثل حقيقته الخفية كملكٍ، وكما جاء في سفر النشيد "اخرجن يا بنات صهيون، وانظرن الملك سليمان بالتاج الذي توجته به أمه في يوم عرسه، وفي يوم فرح قلبه" (نش 3: 11).
كُتب العنوان باللغات الرئيسية: اليونانية والرومانية والعبرية، ليعلن أنه بالحق ملك روحي على جميع الأمم، وليس خاصًا باليهود وحدهم كما ظنوا في المسيا المنتظر.
+ لاحظ أن مكر الشيطان قد ارتد إليه. لقد كُتبت علّة يسوع بثلاث لغات مختلفة، حتى لا يفشل أحد من المارة به في معرفة أنه قد صلب لأنه أقام نفسه ملكًا. لقد كُتبت باليونانية واللاتينية والعبرية، هذه اللغات التي يعني بها أكثر الأمم قوة (الرومان) وحكمة (اليونان) وعبادة لله (اليهود)، جميعها تخضع لسلطان المسيح.
الأب ثيؤفلاكتيوس
7. تسليم الروح
إن كانت القوى البشرية قد تضافرت معًا لتسخر بالسيد المسيح المصلوب، فإن اللص اليمين استطاع أن يغتصب الملكوت أو ينعم بالصداقة الإلهية على مستوى أبدي. الآن وقبيل تسليم السيد المسيح روحه في يدي الآب تقوم الطبيعة الجامدة بدورها لتشهد لذاك الذي جحدته الخليقة الأرضية العاقلة، حتى آمن قائد المائة الروماني وشهد أيضًا له.
"وكان نحو الساعة السادسة، فكانت ظلمة على الأرض كلها إلى الساعة التاسعة. وأظلمت الشمس، وانشق حجاب الهيكل من وسطه. ونادى يسوع بصوت عظيم، وقال: يا أبتاه في يديك استودع روحي. ولما قال هذا أسلم الروح. فلما رأى قائد المائة ما كان مجّد الله، قائلاً: بالحقيقة كان هذا الإنسان بارًا. وكل الجموع الذين كانوا مجتمعين لهذا المنظر لما أبصروا ما كان، رجعوا وهم يقرعون صدورهم. وكان جميع معارفه ونساء كنّ قد تبعنه من الجليل، واقفين من بعيد، ينظرون ذلك" [44-49].
يلاحظ في هذا النص الآتي:
أولاً: بالحساب اليهودي "كانت ظلمة على الأرض كلها من الساعة السادسة حتى التاسعة"، هل لأن الطبيعة قد أرادت أن تعبّر عن استنكارها لما فعله الإنسان بكلمة الله المتجسد؟ أم أرادت بهذه الظلمة أن تسدل ستارًا طبيعيًا على هذا المنظر المفجع؟ أم أرادت أن تعلن أن المصلوب هو خالقها؟! لقد سبق فشهد الأنبياء عن هذا الحدث، قائلين:
"ويكون في ذلك اليوم أنه لا يكون نور، الدراري تنقبض، ويكون يوم واحد معروف للرب؛ لا نهار ولا ليل بل يحدث أنه في وقت المساء يكون نور" (زك 14 :6-7).
"ويكون في ذلك اليوم يقول السيد الرب: إني أُغيِب الشمس في الظهر، وأُقتم الأرض في يوم نور، وأحول أعيادكم نوحًا، وجميع أغانيكم مراثي" (عا 8: 9-10).
"أُلبس السماوات ظلامًا، وأجعل المُسح غطاءها" (إش 50: 3).
+ لقد انكسفت الشمس أمام انتهاك المقدسات، لتستر على هذا المنظر الشرير الذي ارتكبوه. عمت الظلمة لتغطي عيون الجاحدين، حتى يشرق نور الإيمان من جديد.
القديس أمبروسيوس
+ نعم، انتحبت الطبيعة ذاتها وبها، إذ أظلمت الشمس، وتشققت الصخور، وبدا الهيكل كمن قد اكتسى بالحزن إذ انشق الحجاب من أعلى إلى أسفل.
القديس كيرلس الكبير
ثانيًا: انشق حجاب الهيكل من وسطه، إذ زالت العداوة التي بين الله والإنسان، فانفتح قدس الأقداس السماوي أمام جميع المؤمنين، أعضاء جسد المصلوب. وكما يقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [لم يعد قدس الأقداس بعد لا يمكن الاقتراب منه.]
يقول القديس أمبروسيوس إن الحجاب القديم قد انشق، لكي يستطيع اليهود بالإيمان أن يعاينوا السرّ المعلن لنا، فيقبلون الأمم معهم بلا انقسام إلى شعبين: يهودي وأممي، أي لتظهر كنيسة العهد الجديد.
[ راجع الإنجيل بحسب مرقس ص 293-294.]
ثالثًا: "نادى يسوع بصوت عظيم، وقال: يا أبتاه في يديك استودع روحي" [46].
+ يستودع الابن روحه (البشرية) في يديّ الآب، إذ يستريح في أحشاء الآب.
يستودع روحه في يديّ الآب، لكنه وإن كان في الأعالي إلا أنه أضاء الجحيم ليخلص الذين فيه...
استودع الروح في يديّ الآب حتى تتحرر السماوات نفسها من قيود الظلمة، ويكون سلام في السماء وتستطيع الأرض أن تتبعها.
أسلم الروح بإرادته... لذا أضاف "بصوت عظيم".
القديس أمبروسيوس
+ هذا الصوت يعلمنا أن نفوس القديسين لا تعود تنزل إلى الجحيم كما كان قبلاً بل تكون مع الله، لقد أحدث المسيح بداية هذا التغير.
القديس يوحنا الذهبي الفم
رابعًا: إذ رأى قائد المائة السيد المسيح يسلم روحه بقوة، وسمعه يستودعها بإرادته في يديّ الآب آمن، قائلاً: "بالحقيقة كان هذا الإنسان بارًا" [47]، كما قال: "حقًا كان هذا الإنسان ابن الله" (مت 27: 39). لقد شاهد قائد المائة كثير من المصلوبين يموتون، لكن موت هذا المصلوب كان فريدًا، هزّ أعماق قلبه ليسحبه للإيمان به، خاصة وأنه أبصر بعينيه شهادة الطبيعة له. لقد تحقق قول الرب: "وأنا إن ارتفعت عن الأرض أجذب إليّ الجميع" (يو 12: 32). لقد ارتفع على الصليب فاجتذب اللص اليمين وقائد المائة وكثيرين ممن كانوا يشاهدونه واقفين من بعيد [49].
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [عظيم هو سلطان المصلوب، فبعد سخريات كثيرة وهزء وتعييرات تحرك قائد المائة نحو الندامة، وأيضًا الجموع. يقول البعض أن قائد المائة استشهد إذ بلغ النضوج في الإيمان.]
8. دفنه
تجاسر يوسف الرامي، الذي "كان مشيرًا ورجلاً صالحًا بارًا" [50]، وطلب جسد السيد المسيح، وإذ كان "ينتظر ملكوت الله" [51]، وإذ سمح له بيلاطس "أنزله ولفه بكتان، ووضعه في قبر منحوت، حيث لم يكن أحد وضع قط. وكان يوم الاستعداد والسبت يلوح. وتبعته نساء كن قد أتين معه من الجليل، ونظرن القبر وكيف وُضع جسده. فرجعن وأعددن حنوطًا وأطيابًا، وفي السبت استرحن حسب الوصية" [53-56].
كان يوسف تلميذًا خفيًا للسيد المسيح، يحبه ويشتاق إليه ويسمع له، لكن بسبب الخوف لم يكن يعلن تبعيته له، وإذ حّل وقت الصليب نُزع عنه الخوف ليطلب جسد الرب بشجاعة. كثيرون يحولهم الضيق من الخوف إلى الشجاعة، فيزكيهم لدى الله والناس، ويتأهلوا بنعمة الله أن يطيبوا جسد المسيح، أي الكنيسة، بأطياب محبتهم الثمينة التي تظهر بقوة وقت الألم!
+ إن كنت يوسف الرامي فأطلب الجسد من ذاك الذي صلبه، اجعله مِلكًا لك، ذاك الذي يطهر العالم (1 يو 1: 7).
القديس غريغوريوس النزينزي
[راجع تعليق القديس أمبروسيوس في كتاب الإنجيل بحسب مرقس، ص 295-296.]
من أقوال الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
الإصحَاحُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ
* يوم جمعة البصخة:
محاكمته أمام بيلاطس: لوقا 1:23-25
صلب يسوع: لوقا 26:23-49
دفنه: لوقا 50:23-56
(لو1:23-25)
آية (2): "وابتدأوا يشتكون عليه قائلين أننا وجدنا هذا يفسد الأمة ويمنع أن تعطى جزية لقيصر قائلاً انه هو مسيح ملك."
يفسد الأمة = كانت هذه هي الجريمة التي بسببها أبادهم الرومان بعد ذلك. حقاً قال النبي "كما يفعل بك(عوبديا 5). يمنع أن تعطى جزية لقيصر= مع أنه قال إعط ما لقيصر لقيصر. وحينما أرادوا أن يجعلوا منه ملكاً إختفى من بينهم. أمام السنهدريم إتهموه بتهمة دينية أنه يدعى الألوهية وأمام بيلاطس نجد تهمة جديدة أنه يدعى أنه ملك ليثيروا بيلاطس، فالتهمة الآن صارت مدنية.
آية (3): "فسأله بيلاطس قائلاً أنت ملك اليهود فأجابه وقال أنت تقول."
أنت تقول= محمل معنى هل لك إثبات على ما تقول، ولكن الحقيقة هي كما تقول ولكن بحسب ما قال يوحنا أن المسيح بعد ذلك أثبت له أن مملكته روحية ليس من العالم.
آية (5): "فكانوا يشددون قائلين انه يهيج الشعب وهو يعلم في كل اليهودية مبتدئاً من الجليل إلى هنا."
ذكروا الجليل لإثارة شكوك بيلاطس وذلك لأنه يكره الجليليين بسبب تمردهم وعصيانهم وثوراتهم. ونذكر كيف أنه في فصح سابق أرسل جنوده بين جماعات الثائرين من الجليل وأعملوا فيهم سيوفهم وخلطوا دمائهم بذبائحهم.
الآيات (7-12): "وحين علم انه من سلطنة هيرودس أرسله الى هيرودس إذ كان هو أيضاً تلك الأيام في أورشليم.وأما هيرودس فلما رأى يسوع فرح جدا لأنه كان يريد من زمان طويل أن يراه لسماعه عنه أشياء كثيرة وترجى أن يرى آية تصنع منه. وسأله بكلام كثير فلم يجبه بشيء. ووقف رؤساء الكهنة والكتبة يشتكون عليه باشتداد. فاحتقره هيرودس مع عسكره واستهزأ به وألبسه لباساً لامعاً ورده ألى بيلاطس.فصار بيلاطس وهيرودس صديقين مع بعضهما في ذلك اليوم لأنهما كانا من قبل في عداوة بينهما."
محاكمته أمام بيلاطس وهيرودس فيها تحقيق للمزمور قام ملوك الأرض على الرب وعلى مسيحه(مز2:2). والمسيح صمت تماماً أمام هيرودس فإحتقره هيرودس وظنه جاهلاً. غالباً فإن هيرودس تأكد من براءته فلم يشأ أن يحكم عليه، يكن إذ لم يجيب يسوع على أسئلة هيرودس فإن هيرودس إغتاظ منه وسمح لعساكره بإهانته ثم أرسله لبيلاطس. ولكن العجيب أنه بسبب المسيح تصالح هيرودس وبيلاطس والصدوقيين مع الفريسيين … ألم يأتي للمصالحة. فكان يصالح الجميع بموته.
وألبسه لباساً لامعاً = قيل في (مت28:27) أنهم ألبسوه رداء قرمزياً. وفي (مر17:15) ألبسوه أرجواناً وهنا هيرودس يلبسه لباساً لامعاً وفي (يو2:19) البسه العسكر ثوب أرجوان. وليس في هذا تعارض. فالملوك اليهود يلبسون ثياباً قرمزية والملوك الرومان يلبسون أرجوان. ومتى لأنه يكتب لليهود وصف الثياب بأنها قرمزية ليفهم اليهود أنهم ألبسوه ثياباً تشبه ثياب الملوك للسخرية منه ومرقس كان يكتب للرومان وهكذا يوحنا فقالوا أنها ثياب أرجوان ولوقا حلّ الموضوع تماماً بقوله أنها ثياب لامعة تشبه ثياب الملوك.
آية (22): "فقال لهم ثالثة فأي شر عمل هذا أنى لم أجد فيه علة للموت فأنا أؤدبه وأطلقه."
بيلاطس يشهد ببراءة يسوع 3مرات وبطرس ينكره 3مرات.
آية (23): "فكانوا يلجون بأصوات عظيمة طالبين أن يصلب فقويت أصواتهم وأصوات رؤساء الكهنة."
يلجون = يطلبون بلجاجة وبإلحاح.
من هو هيرودس
لما مات هيرودس الكبير الذي كان يحكم كل فلسطين بإذن من روما، قسمت المملكة بين أولاده
هيرودس الكبير
هيرودس الكبير
اليهودية
الجليل وبيريه
قيصرية
أعطيت لأرخيلاوس ثم أستدعى إلي روما وعُزِلَ ثم أدارت
روما اليهودية مباشرة عن
طريق والٍ روماني
هيرودس أنتيباس ولقب رئيس
ربع لأن الإمبراطور رفض
منحه لقب ملك.
فيلبس
وهيرودس أنتيباس هو الذي أخذ زوجة أخيه الحي فيلبس، وهجر زوجته باترا إبنة الحارث ملك العربية. ولما وبخه يوحنا المعمدان قتله (مت3:14-11).
وحين سمع بالرب يسوع ظن أنه يوحنا قام لينتقم (مت2:14+مر16:6). وكان يريد أن يراه (لو9:9) ويقتله (لو31:13) ولأنه كان يخاف إلتفاف الشعب حوله وذلك خوفاً على عرشه وخاصة عندما حاول الشعب المناداة بالسيد المسيح ملكاً (يو15:6). ولشدة مكره لقبه السيد المسيح بالثعلب (لو32:13) ولما أرسل بيلاطس يسوع إلي هيرودس فرح لأنه سمع عنه كثيراً وكان يريد أن يراه. ولكن الرب يسوع لم يجبه بشيء ولا صنع له معجزة حسب ما تمنى.
وهيرودس لم يحكم بإعدامه غالباً، وهو الذي لا يتورع عن إعدام أحد ربما لأنه لم يرد أن يساعد بيلاطس خصوصاً أنه سمع أن بيلاطس برأه. وهيرودس أيضاً لم يكن يجد فيه علة تستوجب الموت (لو15:23)
(لو26:23-49)
آية(26): "ولما مضوا به امسكوا سمعان رجلاً قيروانياً كان آتياً من الحقل ووضعوا عليه الصليب ليحمله خلف يسوع."
سمعان= يسمع. قيروان= ميراث. وهو من مدينة وثنية في ليبيا فهو يشير لكنيسة الأمم الوثنية التي إستمعت للمسيح وحملت صليبه لتصير وارثة للملكوت.
الآيات (27-31): "وتبعه جمهور كثير من الشعب والنساء اللواتي كن يلطمن أيضاً وينحن عليه. فالتفت إليهن يسوع وقال يا بنات أورشليم لا تبكين علي بل ابكين على أنفسكن وعلى أولادكن. لأنه هوذا أيام تأتى يقولون فيها طوبى للعواقر والبطون التي لم تلد والثدي التي لم ترضع. حينئذ يبتدئون يقولون للجبال اسقطي علينا وللآكام غطينا. لأنه إن كانوا بالعود الرطب يفعلون هذا فماذا يكون باليابس."
أولاً المسيح يوجه كلامه للنساء الباكيات ليظهر أنهن كن أمينات للحق بينما الرجال ثاروا ضد الحق. وهذا فيه إكرام لدور المرأة، ولنلاحظ أن لوقا يكتب للأمم الذين لا يحترمون النساء. ولكن السيد المسيح يوجه نظر هؤلاء النسوة لأن يوجهن دموعهن من الشفقة البشرية عليه، إلى التوبة الصادقة وطلب خلاص نفوسهن ونفوس أولادهن. والحقيقة أن المسيح يتوجه بكلامه لكل اليهود فقوله يا بنات أورشليم يشير لكل الأمة اليهودية ليعلن لهم أنهم عليهم أن ينوحوا بالحرى على ما سيحل بأورشليم من خراب على يد الرومان. فإن كان قد صدر الحكم على العود الرطب، أي المثمر الحي والمقصود المسيح، والحكم كان الجلد والصلب، فكم وكم سيكون الحكم الذي يصدر على اليابس أي اليهود الذين هم كشجرة التين غير المثمرة، ولنذكر ما صنعه الرومان بأورشليم سنة 70م. ولاحظ أنه من الطبيعي أن يستخدم الأعواد الجافة لإشعال النار وليس الأعواد الرطبة.
وإذا كانوا قد فعلوا هذا بالعود الرطب أي المسيح الذي لم يسئ إلى الرومان بل أن بيلاطس شهد ببراءته فكم وكم سيفعلون باليهود الذين سيثورون ضد قيصر. وإن كان الله قد سمح بكل هذه الآلام علىّ وأنا لم أخطئ بل كنت ذبيحة خطية فكم وكم سيصنع بالأشرار الخطاة. إن التأمل في ألام المسيح تدفعنا أن نقف في خوف من عقاب الله للأشرار. المسيح هنا وهو في منتهى ضعفه إحتفظ بجلاله الملوكي إذ ليس هو الذي يُبكىَ عليه
طوبى للعواقر والبطون.. حتى لا يرون أبنائهن في هذا العذاب
يقولون للجبال إسقطي علينا..= هذه نفس الكلمات التي يرددها الأشرار في الأيام الأخيرة (رؤ16:6). وبذلك نفهم أن سقوط الجبال على الأشرار لهو أخف من رؤيتهم للعذاب الأخير والآلام التي يسمح بها الرب لتقع على الأشرار
آية(34): "فقال يسوع يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون وإذ اقتسموا ثيابه اقترعوا عليها."
إغفر لهم لأنهم لا يعلمون= هم حين صلبوا المسيح تصوروا أنهم يقتلونه حسب الناموس لأنه في نظرهم أهان الناموس. ولكنهم لم يعلموا أنهم بهذا يكملون الناموس. وهم ظنوا أن المسيح هو إنسان عادى ولم يفهموا أنه إبن الله، فهم لو عرفوا لما صلبوا رب المجد (1كو8:2). وهكذا الجنود الرومان أيضاً لا يعلمون شيئاً بل هم ينفذون أوامر الوالي الروماني. المسيح هنا وهو مغطى بالدم بدأ شفاعته الكفارية. فكفارة = cover فهوغطانا بدمه. إذاً طلب الغفران هنا هو شفاعة كفارية. والمعنى لقد تممت إرادتك إيها الآب بالتكفير عن خطايا البشر فإغفر لهم.
آية(38): "وكان عنوان مكتوب فوقه بأحرف يونانية ورومانية وعبرانية هذا هو ملك اليهود."
الأربعة أناجيل مختلفين في ما كتب على الصليب لأنهم إهتموا بالمعنى لا بالحرف. ولو جمعنا المكتوب سنجد أن ما كتب فعلاً "هذا هو يسوع الناصري ملك اليهود" هذه الجملة كتبت بكل اللغات المعروفة للعالم آنذاك فالفلسفة جعلت اليونانية مشهورة والقوانين والسلطة والإدارة الرومانية جعلت اللاتينية لغة مشهورة والكتاب المقدس العهد القديم مكتوب بالعبرانية وهذا جعل العبرانية معروفة. وبذلك كان في اللغات الثلاث التي كتبت بها هذه العبارة كرازة لكل العالم المعروف، وفيها إعلان أن المسيح ملك على العالم كله.
الآيات (39-43): "وكان واحد من المذنبين المعلقين يجدف عليه قائلاً إن كنت أنت المسيح فخلص نفسك وإيانا. فأجاب الآخر وانتهره قائلاً أو لا أنت تخاف الله إذ أنت تحت هذا الحكم بعينه. أما نحن فبعدل لأننا ننال استحقاق ما فعلنا وأما هذا فلم يفعل شيئا ليس في محله. ثم قال ليسوع اذكرني يا رب متى جئت في ملكوتك. فقال له يسوع الحق أقول لك انك اليوم تكون معي في الفردوس."
بدأ اللصين بالتجديف على السيد (مت44:27). وكانا كلاهما يعيرانه ثم بدأ لص منهم يراجع نفسه ويذكر خطاياه هو فصار كشعلة منتشله من النار (زك2:3) أما الآخر فكان مصراً على تجديفه، وبالرغم من كل ألامه لم يمنع لسانه. وكما يقول الحكيم "إن دققت الأحمق في هاون فلن تفارقه حماقته" والكنيسة تعودت أن تطلق على اللص التائب، اللص اليمين فهو بتوبته وبإيمانه بالسيد المسيح صار عن اليمين مثل الخراف وترك المكان الأيسر الذي للجداء للص الآخر (مت33:25). والمسيح جذب هذا اللص اليمين من الصليب للفردوس ليظهر أن التوبة لا تتأخر في عملها. وبتوبته وإعترافه تجرأ أن يطلب الملكوت مع أنه لص. والسيد أعطى الفردوس للص اليمين وترك اليسار فكان دياناً وهو على الصليب. وتاب اللص إذ شعر بخطاياه. وقارن بين المسيح البار المصلوب (وهو بالتأكيد قد سمع عنه) وبين حاله ووجد أنه يستحق كلص عقوبته. فكان أن إعترف بأنه خاطئ ويستحق العقوبة. وقاده إعترافه إلى الإيمان، وإنتحت عيناه وإستنارت فعرف أن المسيح هو ملك. والله هو الذي يكشف عن عيوننا فنعلم، وهذا لمن يريد الإبن أن يكشف لهُ (لو22:10+مز18:119). لقد أضاء النور الإلهي عيني ذلك اللص، وكان هناك إلهام إلهي لهُ، كما سبق المسيح وقال لبطرس إن لحماً ودماً لم يعلنا لك بل أبى الذي في السموات. وقد يكون اللص سمع من قبل أن المسيح هو ملك اليهود أويكون قد سمع الحوار مع بيلاطس حين قال لهُ المسيح مملكتي ليست من هذا العالم . لكن إيمان هذا اللص فاق كل هذا إذ هو عَرِفَ أن المسيح هو الملك السمائي الذي ملكه سمائي وليس أرضياً وهذه النقطة كان حتى التلاميذ لم يفهموها تماماً في هذا الوقت. وأن المسيح هو الذي سيأتي للدينونة، بل صار لهذا اللص رجاء في البعث من الأموات وصار لهُ رؤية واضحة لأن المسيح المعلق على الصليب سيكون لهُ سلطان أن يعطى لمن يريده أن يوجد في ملكوته. فهو آمن أنه الديان، فكان لهُ الفردوس ولنري الخطوات للفردوس:-
1-لص مصلوب + توبة = إيمان.
2-إيمان + نور إلهي = رؤية إلهية وإستنارة.
3-رؤية + مسيح مصلوب = اليوم تكون معي في الفردوس.
ومازال درس اللص اليمين هو درس لنا جميعاً. فكل الناس ينقسمون لأحد فريقين:
الفريق الأول= حين تقع عليهم ضيقة يظنون أن الله لابد وأن يثبت قوته وعظمته وإحسانه بأن يخرجهم فوراً من هذه الضيقة "إن كنت أنت المسيح فخلص نفسك وإيانا. وهؤلاء غالباً ينسون خطاياهم السابقة. ويرون دائماً أنهم مستحقون لكل خير. ولا داعي لهذه الضيقة فهم لم يخطئوا. هؤلاء كاللص الذي على اليسار.
الفريق الثاني= حين تقع عليهم ضيقة يذكرون خطاياهم ويندمون عليها ويقرون بأنهم أخطأوا، وأنهم يستحقون هذا الألم وهذه الضيقة، ولا يطلبون سوى أن الله يسامحهم. بل هم لايعاتبون الله على الضيقة التي هم فيها. بل أن هؤلاء إذا أعطاهم الله من بركاته يقولون مع بطرس "أخرج يا رب من سفينتي فأنا رجل خاطئ" أي أنا لا أستحق يا رب كل هذه الخيرات بسبب خطيتي. مثل هؤلاء يكونون كاللص اليمين ويكون لهم الفردوس. وتتحول آلامهم إلى مجد. وتكون لهم تعزيات أثناء ضيقتهم بسبب الإستنارة التي ستعطى لهم ورؤية المسيح معهم حاملاً لآلامهم فيقولون مع بولس "إن كنا نتألم معهُ لكي نتمجد أيضاً معهُ" (رو17:8)
ولاحظ أن اللص اليمين لم يطلب مكاناً عن اليمين أو اليسار كما طلب التلاميذ من قبل بل هو ترك المسيح يختار.. هذا اللص عزى قلب المسيح وهو على الصليب.
ولنلاحظ أن الفريق الأول هو عكس الفريق الثاني. فبينما يتمتع الفريق الثاني بإنفتاح العين والبصيرة ولهم رؤية وإستنارة. فالفريق الأول لا يوجد في قلبه سوى التذمر والمرارة وعدم الإقتناع بشيء سوى أنهم مظلومين وكانوا يستحقوا أكثر من هذا، من النصيب المادي على الأرض، وأن الله لم يعطهم كل ما يستحقون .. مثل هؤلاء يفقدون الرؤية الروحية. والخطوات التي حدثت مع اللص اليمين كانت خطوات سريعة جداً من توبة وإعتراف بالخطية ثم إيمان ثم رؤية وإستنارة. وسبب هذه السرعة ضيق الوقت. ولكن هذه الخطوات عادة تحدث مع كل تائب وتستغرق فترة زمنية.
وتوبة اللص تمثل توبة أصحاب الساعة الحادية عشرة وهذه تعطى رجاءً لكل تائب إلاّ أننا لا يصح أن نعلق توبتنا إلي الساعة الحادية عشرة فنحن لا نعلم متى تأتى هذه اللحظة علينا. وأصحاب التوبة في الساعة الحادية عشرة مقبولين ولكن ما أندر توبة هؤلاء الغارقين في خطاياهم.
وردت سبع كلمات للمسيح على الصليب [راجع كتاب قداسة البابا شنوده عنهم] ووردوا في الأناجيل الأربعة (مت/مر/لو/يو) ومن هنا نفهم معنى التكامل بين الأناجيل
1-يا أبتاه إغفر لهم (لو34:23) نرى فيها كلمة شفاعية، هو بدأ كفارته
2-اليوم تكون معي في الفردوس (لو43:23) هو مات ليفتح لنا باب الفردوس
3-يا امرأة هوذا إبنك (يو26:19،27) هو يعتني بالجميع
4-إلهي إلهي لماذا تركتني (مت46:27+مر34:15) آلامه سبب خلاصي
5-أنا عطشان (يو38:19) هو مشتاق لكل نفس تؤمن
6-يا أبتاه في يديك استودع روحي (لو46:23) كمال الفداء
7-قد أكمل (يو30:19) نصرة الخلاص
آية(45): "وأظلمت الشمس وانشق حجاب الهيكل من وسطه."
من (أع7:6) نرى أن بعض كهنة اليهود آمنوا بالمسيح وربما كان سبب هذا أنهم رأوا الحجاب الذي إنشق وقت الصلب. ولنلاحظ أن الشمس أظلمت
آية(46): "ونادى يسوع بصوت عظيم وقال يا أبتاه في يديك استودع روحي ولما قال هذا اسلم الروح."
يا أبتاه في يديك أستودع روحي= كانت نفس المسيح أول نفس يستلمها الآب لا الشيطان الذي هزمه يسوع وقيده منذ هذه اللحظة.
آية(47): "فلما رأى قائد المئة ما كان مجد الله قائلاً بالحقيقة كان هذا الإنسان باراً."
لقد شاهد قائد المئة كثير من المصلوبين يموتون. لكن موت هذا المصلوب كان فريداً، هز أعماق قلبه ليسحبه الإيمان به، خاصة وأنه أبصر بعينيه شهادة الطبيعة لهُ. لقد تحقق قول الرب "وأنا إن إرتفعت أجذب إلىّ الجميع (يو32:12) فبعد أن إرتفع على الصليب إجتذب اللص اليمين وقائد المئة هذا، وأعلن يوسف الرامي ونيقوديموس إيمانهما وكفناه، وغيرهم من المؤكد كثيرين.
المسيح صُلِبَ بينَ لصَين لأن (1) اليهود أرادوا الإستهزاء به (2) أو هو بحسب أمر بيلاطس حل محل باراباس والمسيح مات عن الخطية الأصلية (يمثلها جمجمة آدم) وعن خطايانا الحالية (يمثلها اللصين)
(لو50:23-56): "وإذا رجل اسمه يوسف كان مشيراً ورجلاً صالحاً باراً. هذا لم يكن موافقا لرأيهم وعملهم وهو من الرامة مدينة لليهود وكان هو أيضاً ينتظر ملكوت الله. هذا تقدم إلى بيلاطس وطلب جسد يسوع. وأنزله و لفه بكتان ووضعه في قبر منحوت حيث لم يكن أحد وضع قط. وكان يوم الاستعداد والسبت يلوح. وتبعته نساء كن قد آتين معه من الجليل ونظرن القبر وكيف وضع جسده. فرجعن واعددن حنوطاً وأطياباً وفي السبت استرحن حسب الوصية."
· هنا نفهم أن يوسف لم يكن موافقاً رؤساء اليهود على صلب المسيح ولا على مؤامراتهم ضده.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الاصحاح الثالث والعشرون
المحاكمات الرسمية الثلاثة والصلب والموت
ذكرت الاحداث الواردة في هذا الاصحاح في ( مت 27 ؛ مر 15 ؛ يو 18 : 28 نهاية ص 19 )
[ 1 ] محاكمته أمام بيلاطس ( ع 1 - 7 )
ع 1 - 2 : جمهورهم : رؤساء الكهنة والكتبة وشيوخ اليهود أعضاء مجمع السنهدريم وكل التابعين لهم .
في المحاكمة الثالثة أمام المجمع اتهم اليهود المسيح بادعاء الالوهية ، وحكموا عليه بالموت بحسب الشريعة اليهودية، متناسين كل النبوات التي تشهد له. أما ألان فقد اتوا به إلى بيلاطس ليحاكم المحاكمة الرابعة ، واتهموه بتهمة تناسب السلطة المدنية وهي اثارة الفتنة، وكذلك منع دفع الجزية ، ثم ادعاءه انه ملك.
و بالطبع كل هذه تهم باطلة ، لأنه علم الشعب المحبة والسلام ، ولما سالوه عن الجزية أعلن بوضوح اعطوا ما لقيصر لقيصر ، أما التهمة الثالثة وهي انه ملك ، فهو ملك روحي علي قلوب الناس ولم يطلب ابدا أن يكون ملكا ارضيا ، بل علي العكس عندما حاولوا أن يخطفوه ويجعلوه ملكا ، تركهم واختفي عن اعينهم هاربا من الملك الارضي ( يو 6 : 15 ) . وهذه هي المحاكمة الرسمية الاولي أمام السلطة المدنية.
ع 3 - 4 : استجوب بيلاطس المسيح كعادة الرومان في محاكمتهم للمتهمين ، وإذ لاحظ بساطة ملابسه ومظهره ، الذي لا يليق بملك ارضي أو حتي مجرد إنسان غني ذو مركز مادي سأله هل أنت ملك ؟ فأجاب المسيح أنت تقول أي كلامك حق ، فصدق علي كلامه.
واستمر بيلاطس يستجوب المسيح ، كما يذكر بالتفصيل القديس يوحنا في انجيله ( يو 18 : 33 - 38 ) ، ولم يجد علة أو اتهام يستوجب القبض عليه ، فخرج في النهاية إلى جموع اليهود بقيادة الكهنة والكتبة واعلن لهم براءته.
ع 5 - 7 : هيرودس : هو هيرودس انتيباس الذي قتل يوحنا المعمدان ( مت 14 : 1 )
إذ فشلت اتهامات اليهود للمسيح ، وظهرت براءته أمام السلطة الرومانية ، هيجوا الشعب واخذوا يصرخون معلنين أن المسيح مثير للشغب ، حتى يشككوا بيلاطس في محاكمته. واظهارا لكبر التهم المقدمة ضد المسيح ، اعلنوا انه مهيج للشعب ، ليس فقط في منطقة اليهودية التي يحكمها بيلاطس بل أيضا في الجليل وهي تحت سلطان والي آخر يسمي هيرودس . وهكذا وضعوا بيلاطس في حرج ، إذ انه إذا أعلن براءته سياتون بحكم اتهام علي المسيح من والي اخر وهو هيرودس . وبهذا يكون بيلاطس متهاونا مع المتهمين أمام القيصر في روما.
فإذ تاكد بيلاطس أن المسيح من الجليل ، وكان هيرودس والي الجليل في زيارة لاورشليم ارسله إليه ليحاكمه حتى لا يتعدي سلطان الوالي التابع له بحسب القانون الروماني ، ولكيما يستند قانونيا في الحكم علي المسيح علي رأي هيرودس سواء بالبراءة أو بالاتهام . ومن هنا يظهر ضعف شخصية بيلاطس أمام ضغوط القيادة اليهودية الشريرة .
+ كن قويا في اعلان الحق مهما قاومك الاخرون لاغراضهم الخاصة ، اطلب معونة الله وارضه قبل أن تنساق مع المحيطين بك .
[ 2 ] محاكمته أمام هيرودس ( ع 8 - 12 )
ع 8 - 9 : سمع هيرودس عن المسيح وتعاليمه ومعجزاته ، فاشتاق أن يراه ليتمتع برؤية آياته وليس للايمان به أو التوبة عن خطاياه ففرح بارسال بيلاطس المسيح له وبدا يحاكمه المحاكمة الخامسة ليعرف الحق بل ليري معجزة منه . لم يجبه الميسح بكلمة ، إذ علم قساوة قلبه ، فلم يستفد شيئا من تعاليم يوحنا المعمدان بل قتله، وهو ألان لا يريد أن يؤمن بل ليتمتع برؤية معجزات لاشباع حب استطلاعه.
ع 10 : واصل اليهود ضوطهم لاثبات التهم علي المسيح أمام هيرودس . انه الشر الذي يملك علي القلب مهما كان الحق ظاهرا .
ع 11 : استعزا به : هذا هو الاستهزاء الثاني بالمسيح ، قام به هيرودس وعساكره ، أما الاستهزاء الاول فكان من خدام الهيكل وجنوده في دار رئيس الكهنة ( ص 22 : 63 - 65 ) ، وقد استهزئ به مرة ثالثة من العساكر الرومانيين في دار الولاية ( مت 27 : 27 - 31 ؛ مر 15 : 16 - 20 ).
لباسا لامعا : وهو ما اعتاد الملوكان يلبسوه ، فلما علم هيرودس أن المسيح يدعي انه ملك ورأي ملابسه حقيرة لا تليق بالملوك ، فامعانا بالاستهزاء به البسه لباسا لامعا.
رده إلى بيلاطس : لم يقتنع هيرودس بشكوي اليهود ضد المسيح ، إذ كان في نظره مجرد شخص ضغيف وطبعا المسيح اتي ليدعو البشر للتوبة ويرفع عنهم اثقال الخطية ، وكان معجزاته لراحتهم وتثبيت ايمانهم .
و لم يحتقره فقط ، بل واستهزا به والبسه لباسا ناعما من لباس الملوك ، لأنه وجد المسيح يدعي انه ملك وهو في نظره شخص حقير ، ثم اعاده إلى بيلاطس دون أن يجد تهمة واحدة عليه .
+ هل تؤمن بالمسيح ليعمل معجزات في حياتك ويفيدك في امورك المادية ، أم تؤمن به انه مخلصك منكل خطية فتحبه حتى لو لم تنل منه طلباتك المادية ؟
ع 12 : إذ احترم بيلاطس سلطان هيرودس ولم يتعداه ، فرح الاخير وانتهم العداوة بينهما ، وكان قصد الشيطان في هذا توحيد الاشرار ضد المسيح ، أما هو فوسط احتماله الآلام كان يطلب السلام ويصنعه حتى مع من يعاديه.
+ هل تسعي لصنع السلام في كل وقت مهما احتملت أو تنازلت ؟
[ 3 ] المحاكمات الثلاث أمام بيلاطس ( ع 13 - 25 )
ع 13 - 16 : عاد رؤساء الكهنة والكتبة بالمسيح من عند هيرودس إلى بيلاطس بعد أن فشلوا في تاييد أي تهمة ضده ، وقدموا المسيح إلى بيلاطس ليحاكم المحاكمة السادسة والاخيرة سواء أمام اليهود أو السلطة المدنية.
و بعد أن فحصه واستجوبه بيلاطس ، وتاكد من براءته المسيح من كل التهم الوجهة له، اقترح عليهم أن يؤدبه بالجلد مثلا وذلك ارضاء لهم. مع أن هذا ظلما لأنه واثق من براءة المسيح ، فلماذا يرضي اليهود ويظلم المسيح ؟ كل هذا لاجل ضعف بيلاطس ، الذي لم يستطع اطلاق المسيح خوفا من اليوه.
ع 17 - 19 : كان بيلاطس ، مجاملة لليهود ، يطلق لهم كل سنة أحد المسجونين ، فقدم لهم اقتراحا ثانيا وهو اعتبار المسيح هو السجين الذي يطلق في هذا العام ، أما رؤساء الكهنة فهيجوا الشعب وطلبوا اطلاق باراباس ، الذي كان مسجونا لاجل فتنة ضخمة في أورشليم قتل فيها كثيرون.
أما المسيح فيقتل صلبا ، أي بافظع ميتة معروفة وقتذاك، وذلك ليتخلصوا منه ويخيفوا كل تابعيه للقضاؤ علي تعاليمه ودعوته .
ع 20 - 21 : في حوار ساخن مع اليهود ، حاول بيلاطس أن يقنع الشعب ببراءة المسيح ليطلقه أما رؤساء الكهنة فهيجوا الشعب صارخين أن يصلب يسوع.
ع 22 - 23 : أي شر عمل ... لم اجد فيه علة : اعلان للمرة الثالثة من بيلاطس ببراءة المسيح .
يلجون : يكررون الصراخ طالبين صلبه.
قويت اصواتهم : زاد الصراخ فضعف أمامه دفاع بيلاطس حتى استسلم لهم.
للمرة الثالثة يحاول بيلاطس الضعيف أن يطلق المسيح لتاكده من براءته ، ولكن ازدادت صرخات اليهود بايعاز من رؤساء الكهنة للضغط علي بيلاطس لصلب المسيح .
ع 24 - 25 : استسلم بيلاطس أخيرا لضغوط اليهود عليه إذ فشل في استرضائهم ، وخوفا علي مركزه استجاب لكل طلباتهم واطلق لهم باراباس وسلمهم المسيح ليصلبوه مخالفا ضميره حتى يبقي متمسكا بسلطانه ومركزه.
+ إن كنت متعلقا بشهوات العالم ، فلن تستطيع أن تعلن الحق لأنه لا شركة للنور مع الظلمة ، لذا تب أولا وجاهد في التجرد من تعلقاتك المادية وحينئذ تستطيع أن تعلن الحق.
[ 4 ] الطريق إلى الصليب ( ع 26 - 32 )
ذكر أيضا في ( مت 27 : 33 ؛ مر 15 : 21 ؛ يو 19 : 17 )
ع 26 : مضوا به : إلى خارج أورشليم ليصلب في مكان الجلجثة ، كما كانت تحرق الذبائح خارج المحلة في العهد القديم والتي ترمز للمسيح ( عب 13 : 12 )
امسكوا : لعله أول من صادفهم ، وقد تكون علامات الشفقة لتعب المسيح وجراحاته قد ظهرت عليه ، فلم يستطع مواصلة حمل الصليب وسقط تحته. ولان الصليب يرمز للعار ، فلم يرض الجنود الرومانيون حمله.
تنبا إشعياء أن المسيح يحمل الرئاسة علي كتفيه ( 9 : 6 ) ، وها هو يحمل صليبه علامة ملكه كما يقول المزمور انه ملك علي خشبة ( مز 96 : 10 ) كما في الترجمة القبطية ( الاجبية ). وعندما تعب يسوع ولم يستطع مواصلة الطريق ، فحتي لا يتعطلوا ، إذ وجدوا فلاحا راجعا من حقله اسمه سمعان القيرواني ، جعلوه يحمل الصليب خلفه لأنه كان يسقط علي الأرض من ثقل حمله ، فقد احتمل كل شئ حتى المنتهي . وهنا تظهر اسنانيته الكاملة كما انه اله كامل .
إن كان المسيح هو راس الكنيسة يملك عليها بموته علي الصليب وفدائه ، لذا يشرك كنيسته معه في حمل الصليب من خلال سمعان الاممي ( من قيروان في ليبيا ) ، ليضم في كنيسته الأمم مع اليهود الذين يؤمنون به وتكون علامة لتابعيه انيحملوا صليبه خلفه كما أعلن ذلك قبلا للجموع ( لو 9 : 23 )
ع 27 : جمهور : كثير من الشعب .
رجال ونساء : بعضهم من تابعيه والاخر جذبهم حب الاستطلاع لشخص يهودي يتعذب ويقال انه صالح.
اظهرت النساء مشاعرهن الطيبة في مشاركة المسيح الامه باللطم والنوح ، بينما اندفع الرجال بايعاز من الكهنة طالبين صلبه. وهذا يظهر اهمية العاطفة والاشفاق علي المظلومين.
ع 28 : وجه المسيح نظر النساء ، بل كل الامة اليهودية ، أن لا يبكين عليه كمتالم يحبونه ، بل هو يتالم لاجل البشرية كلها ليخلصها ، حتى ننال الخلاص ينبغي اننبكي علي خطايانا في دموع التوبة ، خاصة أن خطايانا هي التي سببت هذه الالام لفادينا.
كما انه يري أن أورشليم ستخرب بعد اقل من 40 سنة بسبب عدم توبتها ، فيدعو النساء للتوبة حتى يخلصوا من الموت في هذا الخراب ويجدوا حياة ابدية .
ع 29 - 30 : أيام تاتي : أيام خراب أورشليم عام 70 م
العواقر : رغم أن اليهود يطوبون من تلد لأنه يمكن أن تاتي بالمسيا المنتظر ، ولكن عند خراب أورشليم يكون هرب الحبلي أو من تحمل طفلا اصعب من المرأة العادية فيطوبون العواقر.
الجبال اسقطي علينا : إما خوفا من الرومان عند خراب أورشليم ، فيموتون تحت الجبال بدلا من تعذيب الرومان لهم ، أو في نهاية الأيام عند مجئ المسيح فيرتعدون ويودون أن يهربوا منامام وجهه ويتمنون سقوط الجبال عليهم.
يحذرهم المسيح من خراب أورشليم الاتي عليهم عام 70 م ، واثناءه تحدث مجاعة شديدة حتى تاكل الامهات اطفالهن ، وتطوب العواقر التي لم تلد فلا تفعل هذه الفحشاء ، بل يهرب اليهود من بطش الرومان في الجبال والمغاير ، وي تمنوا أن تسقط عليهم الجبال بدلا من العذابات التي عملها فيهم الرومان.
و هذا التحذير أيضا من يوم الدينونة عندما يظهر مجد الله ويخاف غير المؤمنين ويتمنون الموت هربا من المسيح الديان فلا يستطيعون ، ولذا يدعو المسيح الكل للتوبة والإيمان به لينالوا خلاصهم .
ع 31 : أعلن المسيح انه إن كان اليهود يسيئون إليه ويقتلونه ، وهو العود الرطب أي النبات الأخضر المملوء حيوية ، فمن المتوقع أن يفعلوا اكثر من هذا بالعود اليابس ، وهي النباتات بعد قلعها من الأرض فتجف وتصير حطبا ، وترمز للبشر .
فالنار تحرق بصعوبة النبات الأخضر الرطب ، ولكن النبات لجاف المقتلع من الأرض ، أي اليابس ، فتحرقه بسهولة . فالضيقات إن كانت قد اتت علي المسيح ، العود الرطب ، فمن الطبيعي أن تاتي أيضا علي أولاده العود اليابس .
+ لا تخف يا اخي من الالام المقبلة عليك الن إلهك يسندك ، فتتمتع بسلام داخلي ويدخر لك هذا مجدا في السماء .
ع 32 : في طريق الصليب احضروا رجلين مذنبين نحكوم عليهم بالاعدام ليصلبا معه.
و هكذا يرتفع المسيح علي الصليب كمذنب مع انه بار وقدوس ، إذ يحمل خطايانا علي راسه ليرفعها عنا.
[ 5 ] صلب المسيح ( ع 33 - 43 )
ع 33 : يقول التقليد أن الموضع كان يسمي الجمجمة ، لأنه كان متوارثا أن ادم دفن هناك . ويقال أيضا أن هذا المكان كان مخصصا لصلب المذنبين ، ومتلا بجماجم من قتلوا ولذا سمي جمجمة . وقد صلب المسيح سواء مكان ادم الساقط من الخطية وحكم عليه بالموت، أو مكان الاشرار الذين قتلوا ، ليموت عن الكل ويخلصهم من الموت الأبدي .
و قد صلب المسيح بين لصين للاستهزاء به واظهار انه شرير ، وقد قبل البار ذلك ليموت بلا خطية ويحمل كل عارنا وخطايانا علي راسه ، وبموته يدفن خطايانا ويقوم ليقيمنا فيه .
+ لا تنزعج إن اتهموك باطلا ، فقد فعلوا هكذا بسيدك ، ولكن ثق أن بعد احتمالك للالام توجد قيامة ومجد.
ع 34 : يا أبتاه : تظهر بنوة المسيح لله الأب
اغفر لهم : شفاعته الكفارية في الخطاة .
لا يعلمون : التماسه العذر للخطاة ومحبته العجيبة .
اقتسموا ثيابه : قسموها إلى اربعة اجزاء اخذ كل عسكري جزء منها
اقترعوا: حتى لا يشقوا الثوب الذي كان يلبسه ، عمل الجند قرعة بينهمليعلموا من ياخذه منه .
الغريب وسط الالام الصعبة أن ينسي المسيح نفسه ، ويتحرك بالحب ليصلي من اجل صالبيه ، معلنا بنوته لله وناسوته الكامل إلى جانب لاهوته .
+ ليتك تلتمس الاعذار للاخرين وتشفق علي اخطاة لانهم ضعفاء وتصلي لاجل من يسيئون اليك.
ثياب المسيح تشير للكنيسة التي لبسها فصارت جسد ، وقد اقتسموها اربعة اقسام أي أن الكنيسة انتشرت في العالم كله باركانه الاربعة.
أما ثوبه الكتاني ، فكان قطعة واحدة منسوجة من فوق إلى اسفل ، يقال أن امه العذراء قد نسجته له . وهو منسوج من فوق أي سماوي ، وقطعة واحدة لا تشق ، لان كنيسته واحدة وحيدة مهما حاول الاشرار أن يشقوها ، تظل ثابتة وابواب الجحيم لن تقوي عليها .
ع 35 : مختار الله : إليه اختاره الله لفداء العالم .
اجتمع الشعب اليهودي ومعهم رؤساؤهم الدينيون حول الصليب ، فرحين بشماتة لصلب المسيح ، بل إذ ظنوا انهم تخلصوا من المسيح وعادت لهم مكانتهم في التسلط علي الشعب ، اخذوا يستهزئون به ويعيرونه بانه غير قادر علي تخليص نفسه من الموت . ولكنهم بهذا شهدوا بانفسهم أن المسيح عاش لمحبة وخدمة الآخرين وليس لراحة نفسه .
ع 36 - 37 : بنفس المعني استهزأ جند الرومان ، المكلفون بحراسة المصلوبين ، بالمسيح المصلوب ، ونادوه أن يخلص نفسه إن كان قادرا واعطوه كعادة الرومان خلا ليخفف عنه الاحساس بالالم ، أما هو فلم يشرب .
ع 38 : كتبوا انه ملك اليهود باللغات الثلاثة المشهورة في هذا المكان ، وهي الرومانية التي تمثل السلطة ، واليونانية التي تمثل الفلسفة والحكمة ، واليهودية التي تمثل التدين ومعرفة الله . كلها اجتمعت لتعلن أن المسيح هو الملك المخلص لشعبه.
ع 39 : لم يستهزئ بالمسيح الشعب ورؤساؤه وأيضا الجند الروماني فقط ، بل حتى الاشرار في شخص اللص اليسار ( بحسب التقليد ) الذي سخر أيضا من ضعفه وهو معلق علي الصليب ، مناديا اياه إن كان قادرا أن يخلص نفسه واللصوص المصلوبين معه فليخلصهم .
و يذكر الانجيليين متي ومرقس أن اللصين جدفا عليه ، باعتبار أن ما يفعله الواحد كما يذكر لوقا ينسب للاثنين . فليس فقط الجموع أو الجند ، بل أيضا اللصان المصلوبان معه يجدفان عليه.
+ لا تندفع في ادانة الآخرين لما يبدو عليهم من منظر الضعف أو اجماع الاراء علي ذلك فقد يكونوا مظلومين ، ولكن قل كلمة طيبة بدلا من الادانة .
ع 40 - 41 : الأخر اللص اليمين .
لا ... تخاف الله : توبيخ اللص اليمين لزميله لانهما مقتربان من الموت ، فكيف يندفع في استهزاء وادانة غيره ، وماذا يقول عن هذا أمام الله الديان الذي سيقابله بعد ساعة أو ساعتين ، وكيف يجيب عن كل خطاياه.
هذا الحكم : أي الصلب ، فكان المفروض أن تتعاطف مع المسيح لأنك تشعر بصعوبة الام الصلب .
فبعدل : اعتراف وتوبة من اللص اليمين انه خاطئ يستحق الصلب والموت.
لم يفعل شيئا ليس في محله : شهد ببراءة المسيح ، إما لسماعه عنه قبلا ، أو لأنه رأي صلاته من اجل صالبيه ، وكذلك الظلمة التي غطت الأرض .
و العجيب أن وسط هياج الشعب كله علي المسيح وصلبهم له ، ظهر خمسة لم يكن متوقعا أن يشهدوا ببراءة المسيح وبره ، وهم يهوذا الاسخريوطي بعد تسلمه للمسيح ، وامرأة بيلاطس ، ثم بيلاطس نفسه ، وكذلك اللص اليمين ، وأخيرا قائد الجند المكلف بحراسة المسيح المصلوب .
و هنا تظهر فضائل اللص اليمين ، ( كما يقول التقليد ) الذي نسي الامه ، واهتم بخلاص زميله فعاتبه علي استهزائه بالمسيح ، واعترف بخطاياه هو وزميله وأعلن ايمانه ببر المسيح .
ع 42 : ثم أعلن ايمانه بالوهية المسيح الذي له ملك سماوي، وطلب منه أن يرحمه ويذكره بنعمته متي ملك وترك آلام هذا العالم الفاني .
عظيم هو ايمان هذا اللص اكثر من التلاميذ ، الذين ظنوا أن المسيح يملك ملكا ارضيا . وقد عبر عن ايمانه بطلبة روحية ، وهي خلاص النفس ، غير منشغل باي مطلب مادي أو روحي .
ع 43 : كان رد المسيح فوق ما طلب اللص ، فهذه هي مراحم الله ، إذ وهبه أن يشاركه في فردوس النعيم ، ووعده أن يتم هذا اليوم أي بعد بضع ساعات قبل أن ينتهي النهار .
+ ثق أن الله يسمعك باهتمام في ساعة الضيقة ويعطيك اكثر مما تطلب .
[ 6 ] تسليمه الروح ( ع 44 - 49 ) :
ع 44 - 45 : اعلنت الطبيعة حزنها علي موت خالقها فداء للبشرية ، فاذ لم تفهم البشرية فهمت الخلائق الجامدة واظلمت الشمس وهي في شدة ظهورها في كبد السماء في الساعة السادسة حتى التاسعة أي الثانية عشر حتى الثالثة ظهرا ، ولتعلن أيضا انه من اجل ظلمة حياة البشر في الخطية يتالم المسيح ويموت ليخلصها.
أما حجاب الهيكل الذي يفصل بين القدس وقدس الاقداس فقد انشق ورأي ذلك الكهنة الذين في القدس ، فآمن بعضهم واخبروا بذلك .
و لم يكن مسموحا بدخول قدس الاقداس ورؤية تابوت العهد الذي فيه إلا لرئيس الكهنة مرة واحدة في السنة ، وألان إذ صلب المسيح ووفي الدين عنا ، شق الطريق إلى فردوس النعيم وملكوت السماوات ، وانعم علينا برؤية هيكل الله في العهد الجديد ، ليري كل المؤمنين هيكله بل ويتناولون جسده ودمه الاقدسين .
و ما يوجد ألان أمام الهيكل هو ستارة لاظهار مجده وعظمته ، ولكنها تفتح كل يوم ليتمتع الكل برؤية الله . ووجودها يعلن عظمة الهيكل ومجده وليس انفصاله عن المؤمنين .
و قد انشق حجاب الهيكل عندما اسلم المسيح الروح وليس قبله ، ولكن لوقا لا يهتم بترتيب الاحداث .
ع 46 : أخيرا نطق المسيح بالكلمة السابعة والاخيرة من كلماته علي الصليب ( ذكر منها ثلاثة في هذا الإنجيل والباقي في الأناجيل الاخري ) حيث يضع روحه بل روح البشرية في يدي الأب لأنه بكر بين اخوة كثيرين . ولم يستطع ابليس أن يمسك روحه ، بل نزل المسيح بها وهي متحدة باللاهوت إلى الجحيم واصعد كل المؤمنين به في العهد القديم من بني ادم إلى الفردوس ، لينتظروا بفرح هناك حتى يوم الدينونة ، وينقلهم بعد ذلك مع باقي المؤمنين إلى ملكوته السماوي . أما جسده الذي انفصلت روحه عنه ، فقد بقي متحدا بلاهوته . ولذلك لم يسمه أي فساد في القبر حتى قام في اليوم الثالث .
ع 47 : إذ لاحظ قائد المئة الروماني الذي كان مكلفا بحراسة المصلوبين ، المسيح اثناء صلبه ، وسمع كلماته ورأي ما حدث في الطبيعة ، آمن أن هذا الإنسان كان بارا وليس مجرما كما ادعي اليهود ، وأعلن ايمانه أمام الكل .
+ انظر لئلا يسبقك البعيدون في اعلان ايمانهم بالله، فيرتبطون بالكنيسة وينمون في حياتهم الروحية ، بينما أنت مهمل لعلاقتك به .
ع 48 : كل الجموع : في عيد الفصح يجتمع باورشليم اعداد كبيرة حوالي 2 - 3 مليون ، وكثيرون منهم سمعوا عن يسوع ، فخرجوا لرؤيته وهو يصلب .
هذا المنظر : صلب المسيح
ابصروا ما كان : الظلمة التي عطت الأرض وكلماته علي الصليب التي تعلن محبته وبره ، ولعلهم سمعوا بانشقاق حجاب الهيكل وكذلك شعروا بالزلزلة وتشقق الصخور .
يقرعون صدورهم: شعروا أن المسيح بار وليس متهما كما قال اليهود ، فحزنوا علي موته وعبروا عن ذلك بقرع صدورهم.
من بعيد : لعل معارف المسيح خافوا من رؤساء الكهنة ، فوقفوا من بعيد يراقبون صلبه .
بعد موت المسيح علي الصليب ، تاثر جدا كل ابحائه ومعارفه سواء من الهيودية أو الذين اتوا من الجليل وهم راجعون إلى بيوتهم ، إذ شعروا بفقدان شخص محبوب جدا لديهم ومثال للمحبة والعطاء.
[ 7 ] دفنه ( ع 50 - 56 )
ع 50 - 51 : كان يوسف من مدينة تسمي الرامة شمال أورشليم ، وهو مشير أي من ضمن السبعين شيخا وهم قادة المجتمع الديني اليهودي ، ويتميز بالصلاح والبر وايمانه بالكتب المقدسة ، وينتظر الخلاص علي يد المسيا ، ولذا آمن بالمسيح الذي تحدثت عنه النبوات وصار تلميذا له ولكن في خفية من اجل ضغوط اليهود وقرارهم بحرمان كل من يتبع المسيح من العبادة اليهودية . ولم يكن موافقا لاضطهاد رؤساء الكهنة والفريسيين للمسيح سواء في القبض عليه أو محاكمته وصلبه ولا حتى في محاولة اصطياد اخطاء عليه.
+ تمسك بالحق الذي اعلنه الله لك مهما انحرف المحيطون بك عنه ، اهتم بخلاص نفسك ، وابعد عن كل شر مهما دفعك الاخرون إليه.
ع 52 : من محبة يوسف للمسيح نزع خوفه عنه ، فتقدم لبيلاطس وطلب أن يهبه جسد يسوع بعد أن مات ، ليحفظه باكرام عظيم خاصة وانه كان غنيا وقادرا علي الاهتمام به .
+ ليت الضيقة تدفعك للتمسك بالله والسير في طريقه فلا تخاف ممن يعطلونك.
ع 53 : وافق بيلاطس علي طلب يوسف وزميله نيقوديموس الذي ذكرته الأناجيل الاخري ، فانزلا الجسد عن الصليب ولفاه باكفان غالية من القماش الكتان النقي الذي كان يلبسه الكهنة ، فهو رئيس الكهنة الذي اتم خلاصنا بدمه علي الصليب ، ثم وضعا الجسد في قبر جديد ملكا ليوسف لم يوضع فيه أحد من قبل ، وكان ذلك بتدبير الله ليس فقط اكراما للمسيح بل حينما يقوم من الاموات لا يفكر أحد انه جسد أو عظام شخص اخر كان في القبر .
ع 54 - 56 : كانت الساعة هي الحادية عشر حينما انزل جسد المسيح وتم تحنيطه ، ثم دفن في الساعة الثانية عشر ، واقتربت ساعة الغروب حيث يبدأ يوم السبت ، وفيه يلزم أن يستريح اليهود من كل اعمالهم ولا يسيرون مسافات طويلة . وقد تبعت بعض النساء المقربات للمسيح احداث دفنه ، مثل العذراء مريم ومريم المجدلية ... الخ . هؤلاء عرفوا مكان القبر ، فذهبن ليعددن حنوطا واطيابا ويسترحن حسب وصية الراحة في يوم السبت ، ثم ياتون بها ليضعوها علي القبر في يوم الأحد . وهذا يظهر محبتهن للمسيح ، ولكن في نفس الوقت عدم توقعهن قيامته .
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح