كلمة منفعة
التجلي الأول لطبيعتنا، هو أن الله خلقنا على صورته ومثاله، على شهبه هو. أي سمو هذا..؟!
— التجلي
إنجيل لوقا 20
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
انجيل معلمنا لوقا - الاصحاح رقم 20
انجيل معلمنا لوقا
الإصحاح رقم 20
الأصحاح العشرون :
مقاومو الصداقة الإلهية
في الأصحاح السابق تقدم رب المجد يسوع إلى أورشليم ليقدم حياته المبذولة ثمنًا لصداقتنا معه، هذه الصداقة التي كلفته كل هذا الثمن قبلها البسطاء وتجاوبوا معها، أما القادة مدَّعو الحكمة فقاوموا السيد بكل وسيلة. تارة قاوموه في تعليمه مشككين في سلطانه، وأخرى باتهامه كمثيرٍ للشعب ضد السلطات ومحرض علي عدم دفع الجزية الخ. هذه المقاومة في حقيقتها إخفاء لرعايتهم لأنفسهم عوض رعاية الشعب، واهتمامهم بمصالحهم الخاصة عوض المصلحة العامة. وكما سبق فأعلن حزقيال النبي على لسان الرب: "ويل لرعاة إسرائيل الذين كانوا يرعون أنفسهم، ألا يرعى الرعاة الغنم؟ تأكلون الشحم وتلبسون الصوف وتذبحون السمين ولا ترعون الغنم، المريض لم تقووه، والمجروح لم تعصبوه، والمكسور لم تجبروه، والمطرود لم تستردوه، والضال لم تطلبوه، بل بشدة وعنف تسلطتم عليهم... هاأنذا أسأل عن غنمي وافتقدها... أنا أرعى غنمي واربضها يقول السيد الرب، وأطلب الضال، واسترد المطرود، وأجبر الكسير، وأعصب الجريح، وأبيد السمين القوي وأرعاها بعدل" (حز 34: 2-16).
هكذا يكشف الرب للرعاة عن فشلهم التام في رعايتهم لغنمه العاقل ليتسلم بنفسه رعاية شعبه، معلنًا محبته العملية الباذلة على الصليب. هذا الخط يظهر واضحًا في الأناجيل الأربعة في الفترة ما بين دخول السيد المسيح أورشليم حتى صلبه، وفي قراءات أسبوع الآلام، حيث يكشف روح الله عن فشل الرعاية اليهودية الجاحدة وعجزها، ليتسلم الرب بنفسه رعاية شعبه خلال الصليب.
1. مقاومة تعليمه بإنكار سلطانه 1-8.
2. مقاومة الكرام (مثل الكرامين الأشرار) 9-19.
3. سؤال بخصوص الجزية 20-26.
4. سؤال بخصوص القيامة 27-40.
5. ابن داود وربه 41-44.
6. تحذير من الكتبة المرائين 45-47.
1. مقاومة تعليمه بإنكار سلطانه
قلنا أن السيد المسيح جاء يقدم صداقته للبشرية لا خلال المشاعر المجردة، إنما خلال رفع الإنسان إلي شبهه وتمتعه بحياته فيه، لذا قام بطرد الباعة وتطهير الهيكل ثم وقف يعلم. فصار يجتذب النفوس إليه بالحب الحقّ في حياة مقدسة.
أمام هذا المنظر وقف المقاومون من رؤساء الكهنة والكتبة مع الشيوخ مبهورين، فقد جذب الشعب بسلطان مع أنه ليس من سبط هرون وليس له دور رسمي في الهيكل، فصاروا يسألونه عن سرّ سلطانه، لا كاستفسار، وإنما بدافع الحسد والتخوف على مراكزهم. هذا ما قاله الإنجيلي هكذا:
"وفي أحد تلك الأيام إذ كان يعلم الشعب في الهيكل ويبشر، وقف رؤساء الكهنة والكتبة مع الشيوخ. وكلموه، قائلين: قل لنا بأي سلطان تفعل هذا؟ أو من هو الذي أعطاك هذا السلطان؟ فأجاب وقال لهم: وأنا أيضًا أسألكم كلمة واحدة، فقولوا لي: معمودية يوحنا من السماء كانت أم من الناس؟ فتآمروا فيما بينهم قائلين: إن قلنا من السماء، يقول فلماذا لم تؤمنوا به؟ وإن قلنا من الناس فجميع الشعب يرجمونا، لأنهم واثقون بأن يوحنا نبي. فأجابوا إنهم لا يعلمون من أين. فقال لهم يسوع: ولا أنا أقول لكم بأي سلطان أفعل هذا" [1-8].
لقد سبق لنا الحديث عن هذا الحوار بين قادة اليهود والسيد المسيح في تفسيريّ إنجيل متى 21: 23-27 وإنجيل مرقس 11: 27-33.
وإنني أكتفي هنا بعرض النقاط التالية:
أولاً: يقول القديس أغسطينوس إن الإنجيلي لوقا لم يذكر ذهاب السيد المسيح إلى بيت عنيا بعد تطهيره للهيكل وعودته منها، وتصرفه بالنسبة لشجرة التين العقيمة وحديثه مع تلاميذه الذين دهشوا إذ رأوا التينة قد يبست، إنما يتحدث عن هذا الحوار بين السيد المسيح وهؤلاء القادة.
ثانيًا :قدم رؤساء الكهنة والكتبة مع الشيوخ سؤالين لا للاستفسار رغبة في المعرفة وإنما للإثارة رغبة في التحطيم، إذ قالوا: "قل لنا بأي سلطان تفعل هذا؟" وكانوا يقصدون بهذا أنه ليس من سبط لاوي، ولا ينتمي إلى أية جماعة قيادية لها حق التعليم، فكيف يتجاسر ويعلم هكذا في الهيكل؟ وكان يمكن للسيد أن يجيبهم من كتب الشريعة عينها التي يحسبونه كاسرًا لها بتعليمه وهو من سبط يهوذا لا سبط لاوي، وأيضًا من كتب الأنبياء. ففي كتب الشريعة (الأسفار الخمسة)، يوضح أن لاوي وهو في صلب أبيه إبراهيم انحنى لملكي صادق - الذي هو مجرد رمز للسيد المسيح - يقدم له العشور، أفلا يليق بالمرموز إليه أن يعلم أولاد إبراهيم؟ وكان يمكن أن يستعرض نبوات بلا حصر عن صدق رسالته وتأكيد أنه المسيا.
لو أن هؤلاء القادة جاءوا يستفسرون طالبين الحق لما بخل عليهم السيد بالكشف عن نفسه من كتبهم، لكنه يعلم أنهم جاءوا للمناقشات الغبية غير المجدية بقصد الانشغال بعيدًا عن الخدمة الجوهرية، لذا لم يجبهم عن أسئلتهم إلا بسؤال يفحمهم. الخادم الذي يحمل روح سيده لا يدخل في مناقشات غبية تفسد ذهنه وتسحب وقته عن العمل الرئيسي الجاد لخلاص إخوته، إنما يفعل كما صنع نحميا حينما جاءه الأعداء يطلبون معه الحوار، فأجابهم بأن اليوم هو يوم عمل (نح 6: 3 ،9).
أما السؤال الثاني فهو: "من هو الذي أعطاك هذا السلطان؟" فقد سبقوا فاتهموه أنه ببعلزبول يخرج الشياطين، لذا أرادوا تشكيك الشعب فيه أنه في تعليمه لا يستمد السلطان من الله بل من الشيطان. وهنا أيضًا أفحمهم بسؤالهم عن معمودية يوحنا. فقد أعلن يوحنا بعماده عن سرّ سلطان السيد المسيح حين شهد الآب علانية عن المسيا لحظات عماده في الأردن.
2. مقاومة الكرام (مثل الكرامين الأشرار)
في حوارهم أرادوا اتهام السيد المسيح أن تعليمه لا يقوم على أساس ناموس شرعي إذ هو ليس بكاهنٍ أو معلمٍ رسميٍ، وأن مصدر سلطانه مشكوك فيه، فسألهم السيد عن معمودية يوحنا ليفحمهم. الآن إذ يقدم مثل الكرامين الأشرار الذين أرادوا اغتصاب الكرم من صاحبه، فضح هؤلاء المعلمين بطريقة رمزية أدركوها حتى أرادوا قتله لولا خوفهم من الشعب. لقد أظهر لهم أنه ليس هو المتعدي على السلطان الإلهي بل هو الابن الوارث الذي يقاومه الكرامون الذين أقامهم الله في كرمه للعمل، فأرادوا اغتصاب الكرم لحسابهم الذاتي.
لقد سبق لنا دراسة هذا المثل في دراستنا لإنجيل متى 21: 33 الخ. ولإنجيل مرقس 12: 1-12، لذا أكتفي هنا بإبراز النقاط التالية:
أولاً: "أبرز السيد المسيح تكريمه للإنسان من جانبين رئيسيين، الجانب الأول أنه شبّه الله - صاحب الكرم- بإنسان، مكرمًا إيانا بهذا التشبيه، أما من الجانب الآخر فهو حديثه عن تسليم الكرم لكرامين وسفره إلى بلد بعيد. الله لم يترك كرمه وينطلق إلى بلد بعيد مكانيًا لأنه حاّل في كل موضع فكم بالأكثر في كرمه، ولا رعويًا فإن عنايته قائمة بلا انقطاع، إنما قوله إنه مسافر إلى بلد بعيد إنما تعبير عن تقديسه للحرية الإنسانية، فقد سلم الكرم للكرامين، واهبًا إياهم كمال الحرية للتصرف كمن قد تركهم وانطلق بعيدًا لا لكي لا يسندهم،وإنما لا يلزمهم بسلوك معين في الرعاية. إنه لا يضغط على الرعاة ليسلكوا في رعايتهم لاإراديًا.
ثانيًا: ما هو الثمر الذي يطلبه صاحب الكرم من كراميه؟ يجيب الأب ثيؤفلاكتيوس: ]ماذا يربح الله منا إلا معرفته التي هي لنفعنا نحن.]
ثالثًا: من هم هؤلاء العبيد الثلاثة الذين سبقوا الوارث، الذين اضطهدوا الكرامين عوض تقديم الثمار لحساب صاحب الكرم؟
+ العبد الأول الذي أرسله الرب ليجمع لحسابه هو الناموس الطبيعي الذي وهبه الله للبشرية حتى قبل الناموس الموسوي، وقد كسر الإنسان هذا الناموس الطبيعي، الأمر الذي وضح بقوة في قتل هابيل، فقدم قايين رائحة الحسد الملطخة بدم برئ عوض الحب الأخوي، وقد عاش رجال الإِيمان قبل الناموس تحت ضيقات كثيرة من قِبل الأشرار.
+ العبد الثاني الذي بعث به الرب هو الناموس الموسوي على يدي موسى، ومع هذا فقد عانى موسى الأمرين من قبل اليهود بتذمرهم غير المنقطع. كما عاش الناموس الموسوي مُضطهدًا من كل القيادات اليهودية بتحويله من الروح إلى الحرف القاتل. فإن كان قادة اليهود قد ظهروا كغيورين على الشريعة ومحافظين عليها، إنما في المظهر الخارجي البرّاق، أما بحياتهم وسلوكهم فقد قتلوها وأفسدوا غايتها ورسالتها بتعليمهم الحرفي.
+ العبد الثالث الذي قدمه صاحب الكرم هو النبوة، فقد بُعث مجموعة من الأنبياء يحثوا الشعب على التوبة ويعلنوا عن مجيء المسيا المخلص، وكان نصيب الأنبياء الضيق والاضطهاد والقتل.
يمكننا أن نقول بأن السيد المسيح وهو يحدث اليهود خاصة قادتهم، فإن هؤلاء الحاضرين أنفسهم مسئولون عن قتل هؤلاء العبيد الثلاثة. فالقادة الحاضرون في عصر السيد المسيح كانوا يعملون ضد الناموس الطبيعي، كما ضد الناموس الموسوي، وأيضًا ضد النبوة. فمن جهة حياتهم وسلوكهم لم يراعوا حتى الناموس الطبيعي نفسه، ومن جهة تعليمهم قتلوا الناموس الموسوي بتطبيقه بطريقة حرفية جامدة فتمسكوا بالظل والرمز دون الاهتمام بالحق والمرموز إليه، ومن جهة النبوات رفضوها لأنهم رفضوا المخلص غاية الناموس وموضوع النبوات.
رابعًا: ربما يستصعب البعض دعوة السيد المسيح نفسه بالوارث، فهل مات الآب ليرثه الابن؟ حاشا، إنما تقدم الوارث لا ليسحب من الأب ماله، إذ ما هو للآب فهو للابن، لكنه دعي نفسه وارثًا بكونه قد ترك مجده بإرادته مخليًا ذاته ليكون ممثلاً لنا ونائبًا عنا، حتى متى مات السيد المسيح بالجسد وقام نال باسمنا ماله كميراثٍ لنا بشركتنا معه في المجد. لقد حمل هذا اللقب "وارثًا" كرأس للكنيسة لكي ترث باسم رأسها ومعه وفيه ما هو له. لذلك يقول القديس أمبروسيوس :[المسيح هو وارث وفي نفس الوقت وصي.]
خامسًا :يمكننا أن نفهم من العبارة التالية: "فلما رآه الكرامون، تآمروا فيما بينهم قائلين: هذا هو الوارث، هلموا نقتله لكي يصير لنا الميراث" [14]. أراد السيد المسيح أن يوضح لهم أن ما يرتكبوه ضده لا يتم عن عدم معرفةٍ، وإنما عن حسدٍ. إنهم خلال الناموس والأنبياء يدركون أنه المسيا، لكنه ليس حسب أهوائهم، لذا قتلوه عمدًا على الصليب.
سادسًا: يُفهم من العبارة: "فأخرجوه خارج الكرم وقتلوه" [15]، من الجانب الحرفي أنه صُلب على جبل الجلجثة خارج أورشليم، كما يمكن أيضًا أن يُفهم بأن اليهود - وهو كرم الرب - سلموا الوارث لبيلاطس والجند الرومان ليقتلوه، سلموه خارج الكرم! ويمكننا أيضًا أن نفهم أن إخراجه خارج الكرم لقتله يعني رفضه. أخرجه الجاحدون الأشرار خارج قلوبهم، كرم الرب الداخلي، فقدموا له الآلام عوض الحب! بهذا يمكننا أن نفهم عبارة الرسول بولس: "فلنخرج إذًا إليه خارج المحلة حاملين عاره" (عب 13: 13) بمعنى أننا إذ صرنا أتباع المصلوب، نُرفض نحن أيضًا من العالم، فلا يكون لنا موضع في القلوب. فنُطرد خارج قلوبهم ونُسلم لبغضتهم حاملين كل تعييراتهم ومتاعبهم من نحونا. بمعنى آخر لا ينتظر المؤمن وهو يقدم كل الحب للعالم أن يرد له العالم الحب بالحب، وإنما يرد له محبته بالطرد خارجًا ليحمل مع فاديه صليبه ويقبل عاره!
سابعًا: جاء سؤال السيد المسيح لهم: "فماذا يفعل بهم صاحب الكرم؟!" [15]، لا لينتظر الإجابة فيبرر ما سيحل بها من هلاك وانتزاعهم من العمل الرعوي، فقد كانت الإجابة واضحة تمامًا ولا تحتاج إلى نقاش: "يأتي ويهلك هؤلاء الكرامين ويعطي الكرم لآخرين" [16]، إنما قال القديس باسيليوس الكبير أنه أراد لهم مراجعتهم لأنفسهم وتوبتهم. كأن السيد المسيح حتى اللحظات الأخيرة قبل صلبه أراد من القيادات اليهودية مراجعتها لحساباتها الروحية، مشتاقًا إلى توبة الكل ورجوعهم إلى الحق.
أما قوله "يأتي"، هنا فيشير بالأكثر إلى حلول الروح القدس علي الكنيسة، إذ حّل عليها ليشكلها من جديد تحت قيادة تلاميذ الرب ورسله عوض الكرامين القدامى.
وكأن هذا المثل يقدم ملخصًا رمزيًا لعمل الله الخلاصي وتدبيره ورعايته للإنسان غير المنقطعة، فتحدث عن عطية الناموس الطبيعي، والناموس الموسوي، والأنبياء (الثلاثة عبيد الذين أرسلهم صاحب الكرم) ثم تحدث عن التجسد الإلهي (مجيء الوارث) وصلبه خارج المحلة، وطرده للكرامين القدامى، وإقامة كرامين جدد يعمل الروح القدس فيهم.
ثامنًا: إذ تحدث عن رفض الوارث وقتله خارج المحلة عاد ليعلن أنه الحجر المرفوض هو حجر الزاوية، إذ يقول: "الحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية، كل من يسقط على ذلك الحجر يترضض، ومن سقط هو عليه يسحقه" [17-18]. ويلاحظ في هذا التشبيه الآتي:
أ. أنه مقتبس من العهد القديم (مز 118: 22) وقد تحقق الآن. فما يرتكبه هؤلاء القادة الأشرار الذين كان يلزمهم إقامة البناء الروحي على شخص المسيا - حجر الزاوية - إنما سبق فرآه المرتل وأعلنه. وكأن السيد المسيح يقول لهم ما تفعلونه الآن إنما سبق فأعلنه أنبياؤكم بحزن ومرارة.
ب. لُقب السيد المسيح "حجرًا" علامة التجسد الإلهي، والإخلاء، فقد قبل طبيعتنا الترابية، لم يأتِ كملك عظيم مجيد وإنما كإنسان أخلى ذاته فصار حجرًا مرذولاً من البنائين. هذا الحجر سبق فأعلن عنه دانيال النبي (2: 34) أنه ليس مقطوع بالأيدي، حجر صغير يصير جبلاً يملأ كل المسكونة.
ج. هذا الحجر المرذول الذي يُطرح خارج المحلة، يصير حجر الزاوية الذي تقوم عليه الكنيسة التي تضم أعضاء من اليهود وأعضاء من الأمم، يجتمعون معًا ويتحدون كما على حجر الزاوية.
تاسعًا: يرى القديس أغسطينوس أن الذين يسقطون عليه فيترضضون هم الذين رفضوه حين جاء مخليًا ذاته كمن هو آخر الكل، فيسقط هؤلاء الجاحدون على ذاك الحجر المتواضع كمن هو على الأرض. أما الذين يسقط عليهم فيسحقهم فيشيرون إلى الذين ماتوا في شرهم بلا توبة فيأتي رب المجد كما على السحاب من فوق يسقط عليهم، إذ يقول: [يسقطون هم عليه بكونه نزل متواضعًا، أما لكونه هو العالي فسيسقط عليهم ويسحقهم عند مجيئه في مجده، هؤلاء الذين سبق فرضضهم في إتضاعه.]
3. سؤال بخصوص الجزية
حاول القادة تشكيك الجمع من جهة سلطان السيد المسيح، فسألهم السيد عن معمودية يوحنا المعمدان إن كانت من السماء أم من الأرض، فارتبكوا وتحيروا ليظهروا أمام الشعب غير مدركين الحق. جاء مثل الكرامين يحثهم علي التوبة حتى ولا ينزع الكرم منهم لكنهم عوض التوبة أرادوا أن يلقوا الأيادي عليه في تلك الساعة ولكنهم خافوا الشعب [19]. الآن صاروا يراقبونه ليصطادوه بكلمة، وبخداع سألوه بخصوص دفع الجزية، لا ليعرفوا رأيه، وإنما لكي إذا ما نادى بدفع الجزية حُسب في أعين الشعب مجاملاً للسلطات الرومانية المستعمرة، فيفقدوا ثقتهم فيه كمخلص من الحكم الروماني، وإن نادى بعدم دفعها اشتكوا عليه لدى السلطات كمثير فتنة بين الجماهير.
يقول الإنجيلي: "فشعر بمكرهم، وقال لهم: لماذا تجربونني؟ أروني دينارًا! لمن الصورة والكتابة؟ فأجابوا وقالوا: لقيصر. فقال لهم أعطوا إذن ما لقيصر لقيصر وما لله لله. فلم يقدروا أن يمسكوه بكلمة قدام الشعب، وتعجبوا من جوابه وسكتوا" [23-26].
في تقديم فكر الآباء لمثل هذا النص في إنجيليّ متى ومرقس قلنا أن السيد المسيح هنا يقدم للإنسان مبدأ وطنيًا هامًا. فلكي يتمجد الله فيه يلزمه أن يقدم ما لقيصر لقيصر، يعطي للدولة حقها عليه، بل ويلتزم بإعطاء كل من يتعامل معهم حقوقهم المادية والمعنوية والاجتماعية. عبادتنا لله لا تكون علي حساب الآخرين، بل حبنا وخضوعنا وعطاؤنا للغير هو جزء لا يتجزأ من حياتنا الروحية، يتكامل مع عبادتنا لله. نعطي الآخرين، ليس خوفًا منهم، ولا مداهنة لهم، ولكن شهادة حق داخلي لأمانتنا وحبنا للرب نفسه.
لنعطِ أيضًا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله، بمعنى أننا نقدم للجسد ما له من التزام نحونا وما للروح للروح. فحياتنا الروحية ليست تحطيمًا لجسدنا (قيصر) وإنما هي تقديس له.
أيضًا يرى بعض الآباء مثل العلامة أوريجينوس أن قيصر هنا يشير إلى العالم أو عدو الخير، فإن تركنا في القلب محبة العالم يجد العالم فينا حقًا له فيغتصبنا، وهكذا إن كان لإبليس موضع فينا يقتحمنا. لذا يليق بنا ألا يجد قيصر العالم له شيء في قلبنا فلا يسحبنا إليه، بهذا نتمثل بربنا يسوع المسيح القائل إن رئيس هذا العالم آت وليس له فيه شيء! ليأتِ رئيس هذا العالم وليعمل العدو الشرير بكل طاقاته ضدنا، فإنه لا يجد في داخلنا شيئًا لحسابه فيهرب مغلوبًا منا!
سيأتي يوم الرب العظيم فيتقدم الله يأخذ من هم له، ويأخذ عدو الخير أيضًا من هم له. لنكن لله لا لإبليس، فيقتنينا الله أبناءً لملكوته. على حدّ تعبير كثير من الآباء نحن "عملة الله" أو "ديناره" قد نقُشت صورته علينا، فإن كانت صورته قد فُقدت فينا يلزمنا أن نغتسل بمياه المعمودية لتظهر صورته على عملته من جديد، ونبقى محتفظين بهذه الصورة الإلهية فينا خلال التوبة المستمرة حتى متى جاء الرب وجدنا ديناره الحامل صورته.
+ في كل موضع نحن أكثر استعدادًا من الناس في دفع الضريبة المفروضة علينا، سواء العادية (السنوية) أو الطارئة... نحن نرد العبادة لله، أما الأمور الأخرى فنقدمها بسرور، نخدمكم ونتعرف عليكم كملوك وولاة على الناس، ونصلي لأجل سلطانكم الملوكي لكي يكون حكمكم عادلاً.
القديس يوستين الشهيد
+ لترجع صورة قيصر التي على العملة لقيصر، وصورة الله التي على الإنسان (تك 1: 26، 27؛ 9: 6؛ 1كو 11: 7) ترجع لله. هكذا بالحق يُرد المال لقيصر وأما نفوسكم فلله.
العلامة ترتليان
+ لنتبع كلام المخلص لا كمعنى أدبي صرف وبسيط "أعطوا ما لقيصر لقيصر، وما لله لله"، أي ادفعوا الضريبة التي عليكم، لكن من منا يعترض على دفع الضريبة الخاصة بقيصر؟! إذن هذه العبارة تحوي أسرارًا ومعنى خفيًا.
للإنسان صورتان، صورة قبلها من الله وقت الخليقة كما جاء في التكوين: "على صورة الله خلقه" (تك 1: 27)، والثانية أي صورة الإنسان الترابي (الأرضي) (1 كو 15: 49)، أخذها خلال عصيانه وخطيته عندما طرد من الفردوس إذ أغواه رئيس هذا العالم (يو 12: 31).
كما أن العملة تحمل صورة سلطان هذا العالم، هكذا الذي يكمل أعمال ملك الظلمة (أف 6: 12) يحمل صورته عليها.
يأمرنا يسوع أن نرد هذه الصورة وننتزعها لكي نحمل الأصل الذي خُلقنا عليه، فنكون مشابهين لله. بهذا نرد ما لقيصر لقيصر وما لله لله...
بنفس المعنى يقول بولس: "كما لبسنا صورة الترابي، سنلبس أيضا صورة السماوي" (1 كو 15: 49). فالقول: "أعطوا ما لقيصر لقيصر" إنما يعني: "اتركوا صورة الإِنسان الأرضي". القوا الصورة الأرضية لتنالوا صورة السماوي وبهذا تعطوا ما لله لله.
العلامة أوريجينوس
هذا وقد قدم لنا القديس ساويرس الأنطاكي مقالاً مطولاً ورائعًا تحت عنوان "أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله"، قام الشماس يوسف حبيب بترجمته ونشره ونرجو الرجوع إليه. وقد أبرز القديس أن الفريق الذي جاء للسيد المسيح يحمل اتجاهين متناقضين. الأول يمثله تلاميذ الفريسيين والثاني يمثله الهيرودسيون (مت 22: 16)، يسألونه إن كانوا يدفعون الجزية للحاكم الروماني أم يمتنعون.
يقول القديس ساويرس الأنطاكي أن الفريسيين كانوا يحرضون الشعب علي عدم دفع الجزية، حاسبين أنه ليس لهم ملك إلا الله وحده، وأن من يدفع الجزية يكون مقاومًا للناموس ومستبدلاً الله بقيصر غريب الجنس، معتمدين على التفسير الحرفي لبعض العبارات الكتابية مثل:
"إن قسم الرب هو شعبه، يعقوب حبل نصيبه" (تث 32: 9)
"فإنك تجعل عليك ملكًا الذي يختاره الرب إلهك؛ من وسط إخوتك تجعل عليك ملكًا، لا يحل لك أن تجعل عليك رجلاً أجنبيًا ليس هو أخاك" (تث 17: 15).
"فإن الرب قاضينا، الرب شارعنا، الرب ملكنا هو يخلصنا" (إش 32: 22). وكما يذكر سفر الأعمال أن "يهوذا الجليلي" (أع 5: 37) جمع شعبًا غفيرًا ورائه يقودهم للثورة علي قيصر ورفض دفع الجزية له... وكان يهوذا هذا فريسيًا.
وعلى العكس كان الهيرودسيون ينصحون إخوتهم اليهود أن يبقوا في خضوع للرومان وأن يدفعوا الجزية المفروضة عليهم من أجل تمتعهم بالهدوء والسلام.
4. سؤال بخصوص القيامة
في مثل الكرامين قال السيد المسيح عن الكرامين "تآمروا فيما بينهم" [14]. فإن كان الكرامون الأشرار منشقين علي أنفسهم، لكنهم يجتمعون معًا بروح المقاومة للسيد المسيح والتآمر ضده. الآن إذ فشل رؤساء الكهنة والكتبة في مؤامراتهم ضد السيد حين حاولوا تشويه سلطانه في التعليم [1-8]، وقام بعض الفريسيين وغالبًا معهم بعضًا من الهيرودسيين (مت 22: 15-16). يسألونه عن الجزية وقد فشلوا، قام قوم من الصدوقيين يجربونه في أمر القيامة من الأموات. وكان هؤلاء لا يؤمنون بقيامة الجسد بل ويظنون أن النفس تموت مع الجسد فلا تقوم.
قدموا له مثل امرأة تزوجت ولم تنجب وبعد موت رجلها أخذت الثاني فالثالث حتى السابع ومات الكل ولم تنجب، "ففي القيامة لمن منهم تكون زوجة؟ لأنها كانت زوجة للسبعة" [33].
جاءت إجابة السيد المسيح "أبناء هذا الدهر يُزوجون ويُزوجُّون. ولكن الذين حُسبوا أهلاً للحصول على ذلك الدهر والقيامة من الأموات لا يزوجون ولا يزوجَّون. إذ لا يستطيعون أن يموتوا أيضًا لأنهم مثل الملائكة وهم أبناء الله إذ هم أبناء القيامة. وأما أن الموتى يقومون فقد دّل عليه موسى أيضًا في أمر العليقة كما يقول: الرب إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب. وليس هو إله أموات بل إله أحياء، لأن الجميع عنده أحياء" [34-38].
سبق لنا تقديم تفسير آبائي لهذه العبارات في تفسير مت 22: 23-33، مر 12: 18-27، لذا أكتفي بالملاحظات التالية:
أولاً: أخطأ الصدوقيون الفهم فقد ظنوا الحياة الأبدية بفكر مادي، كل له زوجته وأولاده وحياته الجسدية المادية. لذا صحح الرب مفاهيمهم معلنًا أننا في الأبدية نعيش علي مستوى ملائكي، لا تحتاج أجسادنا إلي شبع مادي بصورة أو بأخرى، إذ تحمل طبيعة جديدة تليق بالسماء، فلا تأكل ولا تشرب ولا تمارس علاقات زوجية! كشف أيضا رب المجد أحد جوانب غاية الزواج ألا وهو الإنجاب، ففي هذا العالم توجد حاجة للزواج من أجل بقاء الجنس البشري، لكن في السماء إذ لا يوجد موت، فلا حاجة للإنجاب!
ثانيًا: يرى القديس أمبروسيوس أن المرأة التي تزوجت سبعة رجال ولم تنجب حتى ماتت هي المجمع اليهودي الذي التحم بالشريعة والنبوات وقُدمت له كل الإمكانيات للإِثمار ولم ينجب بسبب فهمه الحرفي لكلمة الله، لذا نال العطايا الإلهية دون أن ينتفع بها بل سقط تحت الموت.
يمكننا أيضًا أن نفهم المرأة التي تزوجت بالرجال السبعة ولم تنجب حتى ماتت أنها تشير إلى الإنسان الذي ارتبط بالزمن والزمنيات أو بمحبة العالم الذي يُرمز له برقم 7 إشارة إلى أيام الأسبوع السبعة. فإنه لا يستطيع أن ينجب ثمر الروح ويحيا ما لم يتخطى الرجال السبعة ويقبل الثامن الذي يشير إلى "الأبدية"، أو ما فوق الزمن بالمعمودية نقبل الختان الروحي الذي كان يُمارس جسديًا في اليوم الثامن. فنُدفن مع المسيح ونقوم معه في جدة الحياة (رو 6: 4). هذا هو الرجل الثامن: الارتباط بالمسيّا القائم من الأموات في أول الأسبوع أو اليوم الثامن من الأسبوع السابق، بحياته ننعم بالحياة المقامة ونحمل ثمار روحه القدوس فينا فلا يحطمنا الموت ولا يمسك بنا القبر، بل بقوة ننشد مع الرسول بولس: "ابتُلع الموت إلى غلبة. أين شوكتك يا موت؟! أين غلبتك يا هاوية؟! أما شوكة الموت فهي الخطية" (1 كو 15: 54-56).
ثالثًا: يقارن رب المجد بين أبناء هذا الدهر وبين الحياة في الدهر الآتي، معلنًا أنه في هذا الدهر نرتبط بأعمال جسدية مؤقتة مثل الزواج، أما في الدهر الآتي فتبطل هذه الأعمال الجسدية لتمارس حياة علي مستوى ملائكي. هذه المقارنة ألهبت قلوب الكثيرين للتدريب علي عربون الحياة الأبدية بالروح القدس وهم بعد في الجسد مثل العفة والنسك بفكرٍ روحيٍ سليمٍ؛ ففي رفضهم للزواج مثلاً أو نسكهم في الطعام لا ينظرون إلى هذه الأمور كأشياء دنسة أو محرمة، وإنما كأمورٍ زمنية تنتهي يليق بنا ضبطها ما استطعنا.
+ ليته لا يعجب غير المؤمنين من أن الله سينزع أعمال أعضائنا الجسدية في الدهر الآتي، فإنها تبطل حتى في هذا الدهر.
الشهيد يوستين
+ (في حديثه للعذارى المتبتلات)
لقد بدأتن فعلاً فيما ستكونون عليه!
لقد ملكتن فعلاً في هذا العالم مجد القيامة!
لقد عبرتن هذا العالم... إذ استمررتن طاهرات وعذارى، وصرتن علي قدم المساواة مع ملائكة الله.
الشهيد كبريانوس
+ آمن أنك وإن مت فستحيا، فإن لم تؤمن بذلك فإنك وإن عشت تموت.
القديس أغسطينوس
رابعًا: إننا إذ نفكر في القيامة يلزمنا أن نترجى حياة سماوية فائقة، خلالها ننعم بصحبة السمائيين وننعم برؤية الله وجها لوجه مثلهم.
+ عندما نصير مساويين لملائكة الله سنراه وجهًا لوجه كما يرون هم، ويكون لنا سلام عظيم نحوهم كما هم نحونا، فسنحبهم كما هم يحبوننا.
+ إننا نتطلع إلي ما وعد به برجاء، أننا نصير مساوين لملائكة الله، ونجتمع معهم، وننعم برؤية الثالوث القدوس أما الآن فنحن نسير بالإيمان.
القديس أغسطينوس
+ ]في تعزيته لأوستخيوم لنياحة والدتها باولا Paula يقول:[
لا نحزن لأننا خسرناها، بل بالحري نشكر الله أنها كانت لنا ولا تزال لنا، لأن الكل أحياء لله، والذين يرجعون إلى الرب لا يزالوا يُحسبون أعضاء عائلته.
لقد خسرناهم، هذا حق، لكن المساكن السماوية قد ربحتها. فإنها إذ كانت في الجسد كانت متغربة عن الرب (2 كو 5: 6)، كانت تشكو بدموع: "ويل لغربتي في ماشك، لسكني في خيام قيدار، طال على نفسي رحلتها" (راجع مز 120: 5-6).
القديس جيروم
يرى العلامة ترتليان في حديث الرب هنا عن عدم الزواج في الدهر الآتي لا يعني أن الإنسان يفقد كيانه كإنسان أو يخسر جسده، فكما يُسمح للملائكة أن تظهر على شكل بشر دون أن يفقدوا طبيعتهم الملائكية هكذا نصير نحن كملائكة الله دون فقدان لجسدنا البشري، وإنما لا تكون له متطلبات زمنية، بل يحمل طبيعة جديدة تليق بالحياة السماوية.
هذا أيضًا ما أكده القديس أغسطينوس بقوله: [كل المؤمنين الذين تعينوا أن يملكوا مع المسيح سيقومون بنفس الجسد بطريقة بها يُحسبون أهلاً أن يتغيروا إلي عدم الفساد الملائكي. إذ يصيرون مساوين لملائكة الله كما وعد الرب نفسه، ولكي يسبحونه بلا أي تراخٍ أو قلق. إنهم يعيشون في الرب ومعه أبديًا، ويتمتعون بفرح وطوباوية لا يمكن لإِنسان أن يعبر عنها أو يدركها.[
5. ابن داود وربه
إذ وقفت كل فئات اليهود القيادية تقاوم صداقة رب المجد يسوع بطريق أو آخر، وكان السيد يرد عليهم، لا رغبة في المجادلة، ولا دفاعًا عن نفسه، وإنما شوقًا في تصحيح مفاهيمهم لعله يوجد من بينهم من يقبل صداقته ويتجاوب مع محبته. الآن وقد دخل أورشليم واقترب وقت الآلام والصلب لذا صار إمكانية ارتباكهم في فهم المسيا المخلص أكبر. لأنهم إن كانوا قد تعثروا فيه وهو يصنع أعمالاً فائقة وبلا عدد فماذا يكون حالهم حينما يرونه تحت الآلام أو معلقًا علي الصليب؟! هذا كله دفعه لإعلان لاهوته من خلال كلمات المرتل، لعلهم يتداركون الأمر ويتفهمون سره.
"وقال لهم: كيف يقولون أن المسيح ابن داود، وداود نفسه يقول في كتاب المزامير، قال الرب لربي اجلس عن يميني حتى أضع أعداءك موطئًا لقدميك؟! فإذًا داود يدعوه ربًا، فكيف يكون ابنه" [41-44].
+ لقد أعلن عن لاهوته في تواضع وليس في افتخار أو مباهاة، فقد قدم لهم السؤال وإذ صاروا في حيرة تركهم يبلغون النتيجة... لقد أبرز أنه ليس معارضًا للآب بل هو متفق معه، إذ يقاوم أعداء الابن الآب.
الأب ثيؤفلاكتيوس
+ بالحق داود كان الأب والعبد بالنسبة للمسيح، فهو أبوه حسب الجسد، وعبده في الروح.
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ لا يُفهم الجلوس هنا بوضع معين لأعضاء جسدية كما لو كان الآب جالسًا عن اليسار والابن عن اليمين، إنما يُفسر "اليمين" بمعنى السلطان الذي يناله بالآب فيأتي ليدين بعد أن جاء ليُدان.
القديس أغسطينوس
+ يوصي الرب بالإيمان به بكونه المسيح الرب إلهنا الذي يجلس عن يمين الله، فلا يُفهم الجلوس جسديًا، إذ هو حال في كل مكان، وهو في الآب... واحد معه في القوة والقدرة.
+ الجلوس عن يمينه لا يجعله أعلى منه، كما أن إرساله من الآب لا يحط من شأنه لأنه حيث ملء اللاهوت لا يوجد مجال للبحث عن درجات في الكرامة.
القديس أمبروسيوس
(راجع أيضًا أقوال الآباء في تفسير الإنجيل بحسب متى ص 473، وبحسب مرقس ص 220-222).
6. تحذير من الكتبة المرائين
صديقنا السماوي في محبته الصادقة قدم للقادة تساؤلاً أربكهم لكي يردهم إلى النبوات التي بين أيديهم ويدركوا شخصه كرب داود الذي جاء ابنًا له حسب الجسد من أجلهم. الآن بذات الحب ولنفس الغاية يتكلم مع تلاميذه في حضرة الشعب البسيط بلغة البساطة العملية، محذرًا إياهم من رياء الكتبة، لا ليدينوا الكتبة، وإنما ليعيشوا في بساطة الإيمان.
"وفيما كان جميع الشعب يسمعون قال لتلاميذه: احذروا من الكتبة الذين يرغبون المشي بالطيالسة، ويحبون التحيات في الأسواق والمجالس الأولى في المجامع والمتكآت الأولى في الولائم. الذين يأكلون بيوت الأرامل ولعلة يطيلون الصلوات، هؤلاء يأخذون دينونة أعظم" [45-47].
+ إذ هو يرسلهم ليعلموا العالم بحق حذرهم من الإقتداء بكبرياء الفريسيين.
+ هذا (المشي بالطيالسة وحب التحيات...) هو طريق الذين يقتنصون الشهرة من أجل جمع المال.
+ إنهم ليس فقط يمارسون الشر وإنما يتظاهرون بالصلوات والفضيلة ليُبرروا خطيتهم.
الأب ثيوفلاكتيوس
(راجع أقوال الآباء في تفسير مت 23، مر 12: 38).
من أقوال الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
الإصحَاحُ الْعِشْرُونَ
* يوم ثلاثاء أسبوع الآلام:
- سؤال الرؤساء عن سلطان يسوع: لوقا 1:20-8
- ثلاثة أمثال إنذار: لوقا 9:20-19
- ثلاثة أسئلة يسألها رؤساء اليهود: لوقا 20:20-40
- سؤال المسيح الذي لا يرد عليه: لوقا 41:20-44
- نطق يسوع بالويلات للكتبة والفريسيين: لوقا 45:20-47
- فلسا الأرملة الفقيرة: لوقا 1:21-4
سؤال الرؤساء عن سلطان يسوع مت23:21-27 + مر27:11-33 + لو1:20-8
(لو1:20-8): "وفي إحدى تلك الأيام إذ كان يعلم الشعب في الهيكل ويبشر وقف رؤساء الكهنة و الكتبة مع الشيوخ. وكلموه قائلين قل لنا بأي سلطان تفعل هذا أو من هو الذي أعطاك هذا السلطان. فأجاب وقال لهم وأنا أيضاً أسألكم كلمة واحدة فقولوا لي. معمودية يوحنا من السماء كانت أم من الناس. فتآمروا فيما بينهم قائلين إن قلنا من السماء يقول فلماذا لم تؤمنوا به. وإن قلنا من الناس فجميع الشعب يرجموننا لأنهم واثقون بان يوحنا نبي. فأجابوا انهم لا يعلمون من أين. فقال لهم يسوع ولا أنا أقول لكم بأي سلطان افعل هذا."
هو كملك دخل وطهر الهيكل وبهذا يعلن أنه إبن الله والسؤال بأي سلطان تفعل هذا. والرد كان بسؤال عن يوحنا فلماذا؟ لأن يوحنا دعاهم للتوبة ولو فعلوا لإنفتحت بصيرتهم وعرفوه من هو. ورؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ الذين يكونون مجمع السنهدريم، إذ شعروا بأن السيد سلب سلطانهم بطرد الباعة وتطهير الهيكل، بل وأنه كان يجلس في الهيكل يعلم سألوه بأي سلطان تفعل هذا (لو قال من الله وهو قالها مراراً ولم يصدقوا، لقالوا إصنع معجزة، ولو صنع قالوا من إبليس) وأنت لست من سبط لاوي ولا أنت مكلف من رؤساء الكهنة، لو أتوا ليتعلموا ويبحثوا عن الحق لأجابهم السيد، ولكنهم أتوا يدافعون عن الظلمة ويقتنصوا منه كلمة. وهم في ظلمتهم لم يدركوا أنه هو واضع الناموس نفسه. وهو طالما علَّم ولم يريدوا أن يفهموا فلماذا يجيب هذه المرة بوضوح وقلبهم متحجر. وكان أن المسيح سألهم هل معمودية يوحنا من السماء أم من الأرض وهنا نلاحظ عدة نقاط:
1. أن يوحنا علَّم بدون سلطان منكم فلماذا تعترضون علىَّ بأنني لم أخذ منكم سلطاناً. فالمسيح لا يتهرب من الإجابة بل يواجه ضمائرهم.
2. إن يوحنا قد شهد للمسيح. فإن كانت رسالة يوحنا صحيحة من السماء فلماذا لم يؤمنوا، بالمسيح. بل هم سبقوا وإتهموا السيد أنه يخرج الشياطين بسلطان بعلزبول فهم يريدون التشكيك في المسيح أمام الجموع.
فهم لو أجابوا أن معمودية يوحنا من السماء فيكون السؤال لهم فلماذا لم تؤمنوا بالمسيح بل لماذا لم تعتمدوا من يوحنا، ولو أنكروا أن معمودية أي خدمة ورسالة يوحنا كانت من السماء فهم يستعدون الناس عليهم وهم بهذا ينكرون الحق أيضاً. وبالتالي لا يستحقون أن يجيبهم السيد. ولذلك تهربوا من الإجابة على سؤال المسيح وقالوا لا نعلم فأثبتوا أنهم وهم معلمو إسرائيل أنهم غير مستحقين لهذا المنصب ولا يستطيعون التمييز والحكم الصحيح وبالتالي لا يستحقون أن يجيبهم المسيح (فالحقيقة أنهم رفضوا يوحنا خوفاً على مراكزهم). ولكنه أجابهم بعد ذلك بمثل الكرامين الأردياء.
ونلاحظ أن مكر هؤلاء الرؤساء في سؤالهم أن المسيح لو قال أنا فعلت هذا بسلطان ذاتي لإقتنصوه بتهمة التجديف، ولو قال أنا فعلت هذا بسلطان من آخر يتشكك الناس فيه إذ هو يعمل أعمال إلهية وسطهم. لذلك لم يجيبهم السيد. ولنلاحظ أننا لو تقدمنا للمسيح بقلب بسيط يدخلنا إلى أسراره إذ يفرح بنا ويقودنا بروحه القدوس إلى معرفة أسراره غير المدركة، أمّا من يستخدم مكر العالم فلا يقدر أن يدخل إليه ويبقى خارجاً محروماً من معرفته. وهذا حال كثيرين من دارسي الكتاب المقدس وناقدي الكتاب المقدس. فبينما ينهل البسطاء من كنوز الكتاب المقدس ويشبعون يقف النقاد بكتبهم ومعارفهم يحاولون إصطياد فرق بين كلمة وكلمة وبين فعل وفعل في الكتاب المقدس طالبين مجدهم الذاتي، ولذلك ضاع منهم سر معرفة لذة الكتاب المقدس ولم يعرفوا المسيح بل وجدوا أنفسهم. فالمسيح لا يعلن نفسه لمن يتشامخ عليه.
المثل الثاني: الكرامين الأشرار مت33:21-46 + مر1:12-12 + لو9:20-19
(لو9:20-19): "وأبتدأ يقول للشعب هذا المثل إنسان غرس كرماً وسلمه إلى كرامين وسافر زماناً طويلاً. وفي الوقت أرسل إلى الكرامين عبداً لكي يعطوه من ثمر الكرم فجلده الكرامون وأرسلوه فارغاً. فعاد و أرسل عبدا آخر فجلدوا ذلك أيضاً وأهانوه وأرسلوه فارغاً. ثم عاد فأرسل ثالثاً فجرحوا هذا أيضا وأخرجوه. فقال صاحب الكرم ماذا افعل أرسل ابني الحبيب لعلهم إذا رأوه يهابون. فلما رآه الكرامون تآمروا فيما بينهم قائلين هذا هو الوارث هلموا نقتله لكي يصير لنا الميراث. فأخرجوه خارج الكرم وقتلوه فماذا يفعل بهم صاحب الكرم. يأتي ويهلك هؤلاء الكرامين ويعطي الكرم لآخرين فلما سمعوا قالوا حاشا. فنظر إليهم وقال إذا ما هو هذا المكتوب الحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية. كل من يسقط على ذلك الحجر يترضض ومن سقط هو عليه يسحقه. فطلب رؤساء الكهنة والكتبة أن يلقوا الأيادي عليه في تلك الساعة ولكنهم خافوا الشعب لأنهم عرفوا انه قال هذا المثل عليهم."
راجع (أش1:5-7) فالكرم يشير لإسرائيل. وبالتالي فالكرامين هم رؤساء الكهنة والمعلمين ولكل صاحب سلطان. وصاحب الكرم هو الله الذي أحاطه بسياج من حمايته ومن الشريعة والناموس وبنى برجاً من الأنبياء. أكون لها سور من نار (زك5:2) في المثال السابق ظهر اليهود كأصحاب كلام بلا عمل، ففقدوا مركزهم ليحل محلهم من بالعمل أعلنوا ندمهم على ماضيهم، أما هنا فالسيد يكشف لهم أنهم عبر التاريخ كله لم يكونوا فقط غير عاملين وإنما مضطهدين لرجال الله في أعنف صورة حتى متى جاء إبن الله نفسه الوارث يخرجونه خارج أورشليم ليقتلوه.
ولقد أخذ السيد الحكم عليهم من أفواههم بأن على صاحب الكرم أن يهلكهم. ويسلم الكرم إلى آخرين الذين هم كنيسة الأمم، أو الكنيسة المسيحية عموماً التي هي من الأمم واليهود الذين آمنوا.
الحجر المرفوض= (مز22:118،23). قيل أنه عند بناء هيكل سليمان أن البنائين وجدوا حجراً ضخماً فظنوا أنه لا يصلح لشئ فإحتقروه، ولكن إذ إحتاجوا إلى حجر في رأس الزاوية (ليجمع حائطين كبيرين) لم يجدوا حجراً يصلح إلاّ الحجر الذي سبق وإحتقروه. وكان ذلك رمزاً للسيد المسيح الذي إحتقره رجال الدين اليهودي، ولم يعلموا أنه الحجر الذي سيربط بين اليهود والأمم في الهيكل الجديد ليصير الكل أعضاء في الملكوت الجديد. وفي هذا القول إشارة لموته وقيامته. وسلمه إلى كرامين وسافر= هو حاضر في كل مكان، وعينه على كرمه يرعاه ويهتم بكل صغيرة وكبيرة، ولكن قوله سافر فيه إشارة لأنه ترك للكرامين حرية العمل وأعطاهم المسئولية كاملة علامة حبه للنضوج وتقديره للحرية الإنسانية. وتشير كلمة سافر إلى أنهم رأوا الله على جبل سيناء إذ أعطاهم الوصايا وما عادوا يرونه بعد ذلك، وكأنه بعيداً عنهم وهل نخطئ نحن ونظن أن الله لأننا لا نراه الآن هو غائب، ولن يعود ويظهر للدينونة. حفر معصرة= هو ينتظر الثمار من الكرم ليصنع خمراً. والخمر رمز للفرح. فالله يريد أن يفرح بثمار أولاده. ولكن المعصرة تشير لآلام المسيح (أش1:63-2) لأن أسرار آلام المسيح تبدو كالخمر الجديد، فهو الذي قدّم لنا دمه من عصير الكرمة وينتظر منّا أن نقدم له حياتنا ذبائح حية، ونحتمل الصليب فنملأ معصرته. أرسل عبيده ليأخذ أثماره= الله أرسل للشعب اليهودي أنبياء فقتلوهم وعذبوهم ورفضوهم، ورفضوا تعاليمهم. قالوا فيما بينهم هذا هو الوارث. هلوا نقتله= هم تشاوروا من قبل وسألوه بأي سلطان تفعل هذا وهو هنا يشير لأنه الإبن، فهو صاحب السلطان. ولكنه يتنبأ هنا عن موته على أيديهم. ويتنبأ عن قيامته في موضوع حجر الزاوية. هنا المسيح يظهر لهم أنه هو صاحب السلطان وأنهم هم المقاومين لسلطانه لرفضهم الحق.
في إنجيل (لو10:20-12) يحدد لوقا أن صاحب الكرم أرسل ثلاثة رسل قبل إبنه:-
الأول: يمثل الناموس الطبيعي أي الضمير وكان قايين أول من كسره بقتله لأخيه.
الثاني: يمثل ناموس موسى وموسى نفسه ممثل الناموس هاجوا عليه.
الثالث: هم الأنبياء ونبواتهم وطالما قتل الشعب اليهودي هؤلاء الأنبياء.
والمسيح يتهم اليهود الذين أمامه من القادة والرؤساء بأنهم مازالوا يعملون ضد الناموس الطبيعي، وضد الناموس الموسوي وضد النبوات، في حياتهم وسلوكهم وفي رفضهم له وهو المخلص الذي تكلم عنه الأنبياء.
وتسمية المسيح نفسه بالوارث، فهذا يشير لناسوته، أمّا لاهوته فله كل المجد دائماً. وبناسوته سيحصل على المجد بعد الصليب لحسابنا لنرث نحن فيه.
(لو10:20): وفي الوقت= وقت الحصاد والإثمار= بعد أن أعطى الله كهنة اليهود فرصة لرعاية الشعب، أرسل ليطلب النفوس التقية المؤمنة التي يفرح بها.
في (لو16:20) المسيح هنا هو الذي يقول "يأتي ويهلك" بينما في متى، فهو ينسب هذا القول للكهنة والفريسيين والحل بسيط. أن الفريسيين هم الذين قالوا هذا، والسيد كرر ما قالوه تأميناً على كلامهم أي هو يوافق على ما قالوه.
ونأخذ ميراثه= هنا المسيح يشير لسبب أحقادهم عليه ألا وهو حسدهم له بسبب إلتفاف الشعب حوله وإعجابهم به. وليس بسبب عدم المعرفة لشخصه.
فأخذوه وأخرجوه خارج الكرم= فهم صلبوه خارج أورشليم (عب13:13) هذا المثل يقدم ملخصاً رمزياً لعمل الله الخلاصي وتدبيره ورعايته للإنسان غير المنقطعة فتحدث عن عطية الناموس الطبيعي وناموس موسى والأنبياء وعن تجسد الإبن وصلبه وطرده للكرامين القدامى وتأسيس الكنيسة بالروح القدس ليكونوا كرامين جدد (التلاميذ ورسل المسيح والكهنوت المسيحي) ولكن لنلاحظ أن كون الكنيسة هي الكرمة الجديدة فهذا لا يعطيها مبرر أن تتشبه باليهود فلا يكون لها ثمر. ففي (رؤ5:2) نجد أن الله على إستعداد أن يزحزح منارة كنيسة أفسس لأن محبتها نقصت. فإن كان الله لم يشفق على الكرمة أو الزيتونة الأصلية فهل يترك الكرمة أو الزيتونة الجديدة إن كانت بلا ثمر. الله مازال يطلب الثمار في كنيسته وفي كل نفس (رو17:11-24). ولنلاحظ أن الله أعطى الجنة لآدم ليعملها. وكانت الجنة في وسطها شجرة الحياة. والله أعطى لنا الكنيسة وفي وسطها المسيح لنخدم، فكل منّا مطالب بأن يعمل في هذه الجنة، فمنَّا من يزرع ومنّا من يسقي والله يطالب بالثمار أي المؤمنين التائبين. ولكن هناك من يتضايق إذا طلب الله الثمار وهو لا يريد أن يقدم شئ.
والحجر هو المسيح. الحجر الذي قطع بغير يدين (دا34:2) إذ وُلِدَ بدون زرع بشر وصار جبلاً يملأ المسكونة. وهو حجر مرذول مرفوض، في تواضع ميلاده في مزود، وفي تواضع حياته وفي عار صليبه وموته والإهانات التي وجهت إليه. لكنه صار رأس الزاوية من سقط على الحجر يترضض= هم من لم يؤمنوا بالمسيح ورفضوه كما رفضه البناؤون، فعدم إيمانهم صار لهم صخرة عثرة. ومن يتعثر في المسيح يضر نفسه، ويكون كمن سقط على الحجر، هذا يقال على كل من يسمع الإنجيل ولا يؤمن. فكل من يرفض المسيح ويقاومه يتعب ويفقد سلامه ويعذب نفسه هنا على الأرض.
ومن سقط هو عليه يسحقه= هؤلاء يمثلون من يقاوم المسيح وإنجيله والإيمان الحقيقي ويبذلون جهدهم لتعطيله، هؤلاء يسحقهم المسيح إمّا هنا على الأرض (آريوس) أو يوم الدينونة. وكل من يظل رافضاً المسيح ويقاومه فنهايته الهلاك حين يظهر المسيح في مجيئه الثاني ليدين العالم.
ثلاثة أسئلة يسألها رؤساء اليهود
السؤال الأول : بخصوص الجزية مت15:22-22 + مر13:12-17 + لو20:20-26
(لو20:20-26): "فراقبوه وأرسلوا جواسيس يتراءون أنهم أبرار لكي يمسكوه بكلمة حتى يسلموه إلى حكم الوالي وسلطانه. فسألوه قائلين يا معلم نعلم انك بالاستقامة تتكلم وتعلم ولا تقبل الوجوه بل بالحق تعلم طريق الله. أيجوز لنا أن نعطي جزية لقيصر أم لا. فشعر بمكرهم وقال لهم لماذا تجربونني. أروني ديناراً لمن الصورة والكتابة فأجابوا وقالوا لقيصر. فقال لهم أعطوا إذا ما لقيصر لقيصر وما لله لله. فلم يقدروا أن يمسكوه بكلمة قدام الشعب وتعجبوا من جوابه وسكتوا."
الفريسيين= حزب ديني أو مدرسة يهودية كانت موجودة أيام المسيح. وأطلق عليهم هذا الإسم نسبة لكلمة عبرية معناها منفصل. وكان المسيح يهاجمهم بسبب ريائهم. ويمكن تسمية الفريسيين بالمتزمتين والصدوقيين بالعقلانيين.
الهيرودسيين= هم طائفة سياسية تتبع هيرودس الكبير وكان منهم من الفريسيين وأيضاً من الصدوقيين ويؤمنون أن أمال الأمة اليهودية تتعلق بآل هيرودس كسد منيع في وجه سيطرة الرومان وهم من أطلق علي خبثهم خمير هيرودس في مقابل خمير الفريسيين (مر15:8+ لو1:12) وكان القيصر في ذلك الوقت هو طيباريوس الذي إشتهر بالقسوة. وكانت الجزية مفروضة على كل رأس علامة للخضوع لقيصر. وكانت الجزية مكروهة عند الفريسيين الذين إعتقدوا أنها ضد شريعة موسى، أما الهيرودوسيين الذين يتشيعون لهيرودس الأدومي راغبين أن يكون ملكاً على اليهودية فكانوا يرحبون بالجزية تملقاً للرومان ولقيصر لينالوا مأربهم، لذلك كان همهم الموالاة لروما وحفظ هدوء الشعب من أي مؤامرة ضد روما. وكان هناك تذمر بين اليهود المتعصبين إذ يرفضون دفع الجزية، وبسبب هذا قامت ثورات مثل ثورة ثوداس ويهوذا الجليلي وقد قتلهم الرومان في فترة قريبة وأنهوا ثورتهم (أع36:5،37). والجليليين الذين تسموا بإسم يهوذا الجليلي قتلهم بيلاطس وخلط دمهم بذبائحهم (لو1:13).
والغريب هنا أن يجتمع الفريسيين والهيرودسيين على المسيح مع إختلافهم في المبادئ. فنحن يمكننا أن نتوقع هذا السؤال من الهيرودسيين فهم كان يجمعون الجزية ويعطوا قيصر نصيبه ويختلسون الباقي ولكن الفريسيين ممتنعون عن دفع الجزية متذمرين ضدها، بل يعتبرون الهيرودسيين خونة ضد أمتهم وناموسهم. ولكن لأجل أن يتخلصوا من المسيح فلا مانع أن يتحدوا.
ولو أجاب المسيح بأن نعطي الجزية لقيصر تنفر منه الجموع وتنفض من حوله وتفقد ثقتها فيه كمخلص من المستعمر ولو رفض لأعتُبِرَ مثير فتنة ضد قيصر. إعطوا إذاً ما لقيصر لقيصر= هي رد على الفريسيين الذين رفضوا طاعة السلطات الحكومية وقد أمر الكتاب بطاعتها. ولنلاحظ أن قيصر أعطاهم حكومة مستقرة وحماية وأنشأ لهم طرق فيكون من حقه الجزية. وهكذا فعلى المسيحي أن يطيع حكومته (رو1:13-7). وعلينا أن نخضع لحكومتنا وقوانينها طالما أن ذلك لا يتعارض مع ما لله ووصاياه. والعجيب أنه قدَّم الطاعة لقيصر عن الطاعة لله، ففي طاعة قيصر أي الرؤساء شهادة حق لله نفسه. فليس هناك ثنائية بين عطاء قيصر حقه وعطاء الله حقه فكلاهما ينبعان عن قلب واحد يؤمن بالشهادة لله من خلال الأمانة في التزامه نحو الآخرين ونحو الله والكلمة الأصلية لإعطوا هي سددوا أو إدفعوا. فهذه الجزية واجبة فقيصر يدافع ويحمي ويمهد الطرق.. الخ. إعطوا ما لله لله= هذا رد على الهيرودسيين الذين ينسون واجباتهم نحو الله بجريهم وراء قيصر. والله له القلب والنفس بل الحياة كلها. الإنسان هو العملة المتداولة عند الله. أروني معاملة الجزية= هي الدينار وهو قطعة عملة رومانية. وكانت عادة تدفع كجزية وعليها صورة قيصر. وكون أنهم يقدمون له الدينار فهذا إعتراف منهم أنهم تحت حكم قيصر فالعملة الجارية تظهر نظام الحكم والسلطة القائمة ويدفع منها الجزية. (عملة اليهود الشاقل بلا صورة تماماً فهم يرفضون التماثيل والشعارت الوثنية ويُسَمّى عملة القدس ويستخدم للمعاملات الدينية. وللمعاملات المدنية يستخدم معاملة الجزية).
يا معلم نعلم أنك صادق..= هذا تملق ومديح للخديعة بعد ذلك. والمديح هدفه أن يفقد حذره منهم فيخطئ في كلامه. والله خلقنا على صورته ولما فقدنا هذه الصورة أتى الروح القدس ليعيدنا إليها (غل19:4) ومن لا توجد عليه وفيه هذه الصورة سيرُفض. فكما يحمل الدينار صورة قيصر هكذا ينبغي أن نحمل صورة الله لنقدم للملك السماوي عملته الروحية تحمل صورته وكلمته فنصير عملة متداولة في السماء يمكننا أن ندخلها ويجدوا علينا ثياب العرس، وكما أن أي دولة لا يمكنك أن تتعامل فيها بعملة لا يكون عليها صورة ملك هذه الدولة، فنحن لا يمكننا دخول السماء إلاّ كعملة عليها صورة الله ملك السماء والأرض، ملك الملوك. فكما يطلب قيصر صورته على عملته هكذا يطلب المسيح صورته فينا. ولكن إن وُجِدَ في إنسان صورة الشيطان يستعبده الشيطان (يو44:8+ 1يو7:3-10).
(لو21:20): لا تقبل الوجوه= لا تحابي وجوه العظماء فتغير الحق إرضاء لهم. ومع كل الحكمة في إجابة المسيح هذه، وأنه لم يخطئ في حق قيصر إتهموه بأنه يفسد الأمة ويمنع أن تعطي جزية لقيصر قائلاً أنه ملك (لو2:23). وفي هذا لم يدافع المسيح عن نفسه. لقد قدَّم مبدأ الخضوع للسلطات ليس خوفاً ولا دفاعاً عن نفسه بل كمبدأ على المسيحيين أن يمارسوه وإن إتهم بخلاف ما يمارس.
السؤال الثاني : بخصوص القيامة من الأموات مت23:22-33 + مر18:12-27 + لو27:20-39
(لو27:20-39): "وحضر قوم من الصدوقيين الذين يقاومون أمر القيامة وسألوه. قائلين يا معلم كتب لنا موسى أن مات لأحد أخ وله امرأة ومات بغير ولد يأخذ أخوه المرأة ويقيم نسلاً لأخيه. فكان سبعة اخوة واخذ الأول امرأة ومات بغير ولد. فاخذ الثاني المرأة ومات بغير ولد. ثم أخذها الثالث وهكذا السبعة ولم يتركوا ولداً وماتوا. وآخر الكل ماتت المرأة أيضاً. ففي القيامة لمن منهم تكون زوجة لأنها كانت زوجة للسبعة. فأجاب وقال لهم يسوع أبناء هذا الدهر يزوجون ويزوجون. ولكن الذين حسبوا أهلاً للحصول على ذلك الدهر والقيامة من الأموات لا يزوجون ولا يزوجون. إذ لا يستطيعون أن يموتوا أيضاً لأنهم مثل الملائكة وهم أبناء الله إذ هم أبناء القيامة. وأما أن الموتى يقومون فقد دل عليه موسى أيضاً في أمر العليقة كما يقول الرب اله إبراهيم واله اسحق واله يعقوب. وليس هو اله أموات بل اله أحياء لأن الجميع عنده أحياء. فأجاب قوماً من الكتبة وقالوا يا معلم حسناً قلت."
الصدوقيون= هم فرقة يهودية دينية ينتسبون إلى مؤسس فرقتهم صادوق الذي ربما يكون هو صادوق الذي عاش أيام داود وسليمان وفي عائلته حفظت رياسة الكهنوت حتى عصر المكابيين، أو هو صادوق آخر عاش حوالي سنة 300ق.م. حسب رأي البعض وهذه الفرقة كما يقول يوسيفوس كانت مناقضة للفريسيين، لكن مع قلة عددهم كانوا متعلمين وأغنياء وأصحاب مراكز وإحتلوا مركز القيادة في القرنين الرابع والثالث قبل الميلاد في العصرين الفارسي واليوناني. وأحبوا الثقافة اليونانية وإهتموا بالسياسة أكثر من الدين. فسيطر عليهم الفكر المادي ولم يستطيعوا أن يقبلوا عودة الروح إلى الجسد بعد إنحلاله فأنكروا القيامة، ولذلك إصطدموا بكلمات السيد المسيح في هذا الشأن إذ كان يتحدث عن الملكوت السماوي وأنه ملكوت أبدي. وأنكروا قانونية أسفار العهد القديم ما عدا أسفار موسى الخمسة (لذلك فإن المسيح حين جاوبهم أتى لهم بآية من أسفار موسى الخمسة التي يعترفون بها) وإستخفوا بالتقليد على خلاف الفريسيين الذين حسبوا أنفسهم حراساً لتقليد الشيوخ لذلك كرههم الفريسيين. ولكن كان الفريسيون على إستعداد لوضع يدهم في يد خصومهم الصدوقيون لمقاومة المسيح. وظن الصدوقيون بأن أسفار موسى لا تذكر شيئاً عن القيامة من الأموات. (أع8:23). بل هم ظنوا أنه بخصوص الزواج الناموسي، حينما يموت زوج بدون أطفال فتلتزم زوجته بالزواج من أخيه أو أقرب ولي له (تث5:25،6) ويكون الأطفال بإسم الميت. ظنوا في هذا تأكيداً لعدم القيامة من الأموات. ولأنهم تعلقوا بالحياة السياسية والعالم فحسبوا القيامة حياة زمنية مادية. وهذه القصة التي إستخدمها الصدوقيون هنا، كانت غالباً مستخدمة في الحوار بين الصدوقيين والفريسيين الذين كانوا يعلمون بأن هناك زواج في السماء. وقدّم الصدوقيون القصة للمسيح على أنها لغز يصعب حله. وإشتملت إجابة المسيح على:-
1- أظهر لهم أنهم لا يعرفون حتى الكتب الخمسة التي لموسى والتي يؤمنون بها= تضلون إذ لا تعرفون الكتب. وإستخدم السيد المسيح قول الله لموسى (خر6:3،15) وأنه إله إبراهيم وإسحق ويعقوب، والله لا يمكن أن يكون إله أموات بل إله أحياء. (هل نعرف الكتاب المقدس وقوته على تغيير حياتنا بل ولادتنا ثانية (1بط23:1).
2- إن الحياة في الأبدية ستكون كحياة الملائكة بلا شهوات ولا جنس، إذ لا موت ولا إنقراض للجنس البشري، أجسادنا ستكون روحية لا مادية، ومن تذوق الفرح الروحي لا يعود يحتاج بعد للفرح المادي. لذلك لن تناسبنا الشهوات بل سيكون المؤمنين في مجد نوراني. وهم تعمدوا أن يقولوا أنها لم تنجب حتى لا يقول المسيح تكون زوجة لمن أنجبت منه.
(لو34:20):- هذا الدهر= الأرض التي نحيا عليها الآن. (لو35:20):- ذلك الدهر= السماء.
سؤال المسيح الذي لا يرد عليه مت41:22-46 + مر35:12-37 + لو41:20-44
(لو41:20-44): "وقال لهم كيف يقولون إن المسيح ابن داود. وداود نفسه يقول في كتاب المزامير قال الرب لربي اجلس عن يميني. حتى أضع أعداءك موطئاً لقدميك. فإذا داود يدعوه رباً فكيف يكون ابنه."
السيد هنا يفحم اليهود بسؤال تستدعى إجابته إعترافهم بلاهوته كما بناسوته، بهذا السؤال يظهر السيد لاهوته مستخدماً المزمور (110) الذي يعتبره اليهود مزمور خاص بالمسيا. وهم يفهمون أن المسيا لابد أن يكون إبن داود. ونلاحظ أن المسيح قبل هذا اللقب يوم دخوله أورشليم فبالتالي هو يشير لنفسه، ويشير لنفسه أنه إبن داود ورب داود. السيد يسأل ليُعلِّم. والمعنى أن الآب رب داود والإبن أيضاً رب داود وقد رفعه الله الآب وأعطاه إسماً فوق كل إسم في الأعالي وأجلسه عن يمينه ووضع أعداؤه عند موطئ قدميه، بعد أن أكمل الفداء. وكأن السيد يحذرهم من المقاومة، فهو جاء ليخلص لا ليدين، يفتح الباب لقبولهم حتى لا يوجدوا في يوم الرب كأعداء مقاومين. المسيح بهذا السؤال يكشف لهم طريق الخلاص. إجلس عن يميني= أي في ذات مجدي وهذا تم بعد الصعود. أضع أعداءك.. هذا سيتم في المجئ الثاني. لقد إكتفى الفريسيين بأن يعلنوا أن المسيح الآتي سيكون ملكاً يخلصهم من الإستعمار الروماني، أما المسيح هنا فيعلن أنه المسيا، هو الرب السماوي الذي ملكه سماوي. هو أصل وذرية داود (رؤ16:22). ولقد أدرك الكل أن المسيا سيكون إبن داود حتى الأعمى (لو39:18). أمّا ما يثيره المسيح هنا جديداً أنه الرب. الرب= الله الآب. ربي= سيد وإله داود. إذ لا يمكن أن يدعو إنسان إبنه أو حفيده "ربي". المسيح إبن داود بحسب النبوات= (إش6:9،7+ 1:11،2،10+ أر5:23،6+ مز20:89-29).
نطق المسيح بالويلات للكتبة والفريسيين مت23 + مر38:12-40 + لو45:20-47
(لو45:20-47): "وفيما كان جميع الشعب يسمعون قال لتلاميذه. أحذروا من الكتبة الذين يرغبون المشي بالطيالسة ويحبون التحيات في الأسواق والمجالس الأولى في المجامع والمتكآت الأولى في الولائم. الذين يأكلون بيوت الأرامل ولعلة يطيلون الصلوات هؤلاء يأخذون دينونة اعظم."
رأينا كيف قاوم الكتبة والفريسيين مع الهيرودسيين والصدوقيين المسيح. والمسيح سبق وعلَّم، وإذ أصَّروا على مقاومتهم سقطوا تحت الويلات كنتيجة طبيعية لحياتهم الشريرة التي قبلوها بإرادتهم، والسيد هنا يظهر ثمار تصرفاتهم ليعطيهم فرصة يراجعون فيها أنفسهم لعلهم يتوبون، ويحذر تلاميذه من أن يصنعوا نفس الشئ. ونلاحظ أن عدد الويلات (8) في مقابل (8) تطويبات بدأ بها المسيح خدمته (مت5) فمن إستمع للسيد يناله التطويب ومن قاوم ورفض تنصب عليه الويلات. ونلاحظ أن هناك تقابل بين كل تطويب وبين كل ويل من الثمانية.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الاصحاح العشرون
تساؤلات متابدلة
[ 1 ] السلطان الذي يعمل به المسيح ( ع 1 - 8 )
ورد هذا الحديث أيضا في ( مت 21 : 23 - 27 ؛ مر 11 : 27 - 33 )
ع 1 - 2 : استمر المسيح في عمله الايجابي بالوعظ والتعليم في الهيكل ، ولم تقف مقاومة رؤساء اليهود له فتجمع حوله رؤساء الكهنة والشيوخ، وسالوه باي سلطان يعمل المعجزات ويعلم ، ومن الذي اعطاه هذا السلطان؟
لم يكن سؤالهم للاستفسار ، بل ليظهروا خطاه ، لان قلوبهم امتلات حسدا وحقدا. وكانوا يقصودون انه ليس من سبط لاوي أو نسل هارون المسئولين عن الخدمة في الهيكل ، بل من سبط يهوذا ، فكيف يقوم بهذه الخدمة ولم يأخذ إذنا من رئيس الكهنة أو السلطة المدنية .
ع 3 - 4 : لم يقنعهم المسيح بسلطانه اللاهوتي ولم يجبهم ، وذلك لان سؤالهم كان هجوما لاصطياد خطا وليس للفهم السليم .
لذا رد عليهم المسيح بسؤال آخر ، فان اجابوه يجيب عليهم سؤالهم ، وهذا السؤال هو معمودية يوحنا كانت مرسلة من السماء أم اختراع انساني بلا قيمة . وسؤاله هذا ليس تهربا من اجابة سؤالهم ، لانهم إن أجابوا سؤاله معترفين ببشارة يوحنا ومعموديته ، فهم بالتالي يعلنون ايمانهم بكل ما قاله يوحنا عنه ، وهو أن له السلطان الالهي الكامل وهو ديان العالم كله.
+ ابتعد عن المناقشات الغبية أي الغير مفيدة إذا تاكدت من القصد السيئ لمن يسال أو يناقش ، حتى تحتفظ بسلامك.
ع 5 - 6 : تآمروا فيما بينهم : تنحوا جانبا وتشاوروا كيف يردون عليه ، لان سؤاله كان محرجا لهم ويظهر خطاهم .
شعر الرؤساء بالحرج ، لانهم إن وافقوا إنها من السماء سيظهر حسدهم وكبراؤهم الذي منعهم من اعلان ايمانهم بمعمودية يوحنا وخضوعهم له ، ومن ناحية أخرى لوقالوا إنها من الناس ، أي أن يوحنا مجرد إنسان عادي وليس مرسلا من الله ، سيثور عليهم اليهود لان يوحنا كان في نظر الكل نبيا عظيما.
ع 7 - 8 : من حيرتهم وحرجهم ، اضطروا بخجل أن يعلنوا جهلهم فقالوا انهم لا يعلمون ، وهذا معناه بالتالي ضعفهم وعجزهم أن يحكموا علي المسيح باي سلطان يعلم ، لان قوة تعليمه ومعجزاته الكثيرة تؤكد لاهوته ، ولكنهم لاجل شرهم ياقومونه ، وحينئذ قال لهم المسيح وأنا لن اخبركم بمصدر قوتي. وهكذا اظهر ضعفهم وتخلص من الجدل غير المفيد.
[ 2 ] مثل الكرامين ( ع 9 - 19 )
ورد هذا المثل أيضا في ( مت 21 : 33 - 46 ؛ مر 12 : 1 - 12 )
ع 9 : الإنسان هو الله
الكرم هو البشرية والعالم الذي خلقه
الكرامين : هم الرعاة في العهد القديم ، أي الكهنة ورؤساء الشعب من الكتبة والفريسيين والناموسيين الذين سلمهم الله رعاية شعبه.
سافر زمانا طويلا : أي اعطاهم حرية كاملة طوال حياتهم ، فهو موجود في كل مكان وزمان ولكنه تركهم يعملون ما يريدون كأنه يعيدا عنهم.
ع 10 : في الوقت وهو وقت الحصاد وجمع الثمار ، ومعناه بعد أن أعطى كهنة اليهود فرصة كافية لرعاية الشعب وتعليمه ، أرسل يطلب النفوس التي تؤمن به وتحيا معه ، أي يطلب عبادة وتقوي وسلوك يليق باولاده.
عبدا : الضمير أو بعض الانبياء
جلده الكرامون وارسلوه فارغا : اسكتوا ضمائر الناس وعوجوها ولم يتجاوبوا مع الله أو قاوموا الانبياء واتعبوهم ولم يتجاوبوا مع تعاليمهم.
بعد أن تركهم زمانا كافيا ، أرسل يطلب فضائل وصلاح وحياة أولاده، وقد أرسل عبيده يطالبون بهذه الثمار.
العبد الاول : هو الضمير ، أي صوت الله داخلنا يدعونا للصلاح ، ولكن الاشرار رفضوه وعذبوه ولم يعطوه ما نادي به ؛ مثل قايين الذي رفض صوت ضميره بمحبة اخيه وظل يكرهه حتى قتله . وهكذا كل الاشرار أيام نوح والساكنين في سدوم وعمورة.
ع 11 : عبدا آخر : هو الناموس الموسوي أو مجموعة أخرى من الانبياء
رفض كهنة اليهود الناموس الموسوي بتحريف معانيه لاغراضهم ، واهانوه بافعالهم الردية ، ولم يعطوه الفضائل التي طلبها ، أي ارسلوه فارغا ، أو تمادوا في رفض كلام الانبياء وإهانتهم .
ع 12 : ثالثا : الانبياء عموما أو المجموعة الاخيرة من الانبياء .
اضطهد الكهنة الانبياء وعذبوهم وطردوهم برفض كلامهم وإلقائهم في السجون.
و الخلاصة أن البشرية رفضت صوت الله الذي ارسله باشكال كثيرة ليتوبوا ويرجعوا إليه .
ع 13 : لم يكن أما الله إلا أن يعطيهم كل محبته ، بارسال ابنه الوحيد يسوع المسيح ، لعلهم يحترمونه ويخافونه لقوة كلامه ومعجزاته.
ع 14 : العجيب أن كهنة اليهود ورؤساءهم شعروا بقوة المسيح وسلطانه وإنقياد الشعب له، فخافوا علي مراكزهم وقوتهم الارضية ، ولم يفكروا في خلاص شعبهم وكذلك نفوسهم ، وتآمروا للتخلص منه وقتله . فلو لم يعرفوا قوة المسيح لكان لهم عذر ، لكنهم عرفوا ورفضوا لاجل كبريائهم ورغبتهم في السلطان والمراكز .
ع 15 : وهكذا صلبوا المسيح خارج أورشليم . ويسال المسيح السامعين ما حكمهم علي هؤلاء الكرامين الاردياء.
و يظهر من المثل أن المسيح عالم بما سيفعلونه به بعد أيام قليلة ، أي صلبه خارج أورشليم ولكنه بمحبته يقبل الآلام لآجل خلاصنا .
ع 16 : أعلن السامعون ضيقهم من هؤلاء الكرامين ، إذ قالوا حاشا لما فعلوه . ويعلن المسيح حكمه بانه يأتي في العهد الجديد ، ويحل بروح قدسه علي تلاميذه ، وياخذ رعاية شعبه من كهنة اليهود ، ويعطيها لتلاميذه ورسله في الكنيسة . ولا ينتظر هؤلاء الكرامين إلا الهلاك والعذاب الأبدي .
+ أي خطية تغفر مهما كانت صعبة إلا قساوة القلب و رفض طاعة الكنيسة ، أي رفض وصايا الله بتبرير النفس والكبرياء . فاهتم بتوبتك كل يوم وأمام اب اعترافك ، فتصلح اخطاءك مهما كانت صعبة وتنال غفرانا وقوة للحياة مع الله .
ع 17 - 18 : ذكرهم بالمكتوب في المزمور ( مز 118 : 22 ) عن المسيح الذي اتضع بتجسده فيشبه بالحجر وقد رفضه البناؤون ، الذين هم رعاة الشعب اليهودي ، ولكنه صار راس الزاوية الذي يعتمد عليه الحائطان المتلاقيان في الزاوية الواحدة. ومعني هذا أن المسيح الذي رفضه كهنة اليهود صار هو الخلاص لليهود والأمم واساس الكنيسة .
و من يقاوم المسيح المتجسد ، أي هذا الحجر ، يتعب ويفقد سلامه ويعذب نفسه ، ولكن الاخطر انه إن سقط هذا الحجر علي أحد ، بظهور المسيح في مجيئه الثاني ليدين العالم ، فيهلك كل الذين ماتوا رافضين الإيمان به .
ع 19 : فهم الكهنة انهم هم الكرامون الاردياء فحاولوا القبض علي المسيح ، ولكنهم خافوا من اجل محبة الشعب له.
+ لا تغتاظ ممن يكشف لك اخطاءك ، وتحاول الاساءة إليه ، فهو صوت الله لينقذك من خطاياك.
[ 3 ] سؤاله عن الجزية ( ع 20 - 26 )
ذكر هذا الحديث أيضا في ( مت 22 : 15 - 22 ؛ مر 12 : 13 - 17 )
ع 20 : عجز الكهنة عن القبض علي المسيح، وحاولوا اصطياده بخطا من فمه ليقدموه إلى المحاكمة أمام الوالي ، فارسلوا إليه بعض اليهود يتظاهرون بالبر والتقوي .
ع 21 - 22 : لا تقبل الوجوه : لا تحابي وجوه العظماء فتغير الحق ارضاء لهم .
تقدموا إليه بروح التلمذة ومدحوه بانه معلم للروحيات ولا يحابي أحدا ، حتى يخدعوه ويسقطوه في خطأ ، وسالوه هل يعطي جزية لقيصر أم لا ، فاذا وافق يعتبر خائنا لليهود الذين يعتبرون أن الله هو ملكهم ولا يجوز اعطاء جزية للرومان، وإن رفض اعطاء الجزية يعتبر مثير للفتنة بين الشعب ويقدم للمحاكمة .
ع 23 - 25 : عرف الله العالم بما في القلوب مكرهم وخداعهم ، فطلب دينارا ، وسال لمن الصورة وما هي الكتابة المطبوعة تحتها علي الدينار ، فقالوا صورة واسم قيصر ، فأجاب اعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله ، أي اعطوا الأموال للعالم وسلطانه أما القلب فاعطوه لله .
و بهذا اوضح مبدا مسيحي ، وهو الخضوع للسلطات والقوانين المدنية لنكون مواطنين صالحين خاضعين للدولة ولكن نتميز بتكريس القلب لله وتنفيذ وصاياه.
+ يا ليت الصورة التي تكون فيك هي لله فتشتبه به ، ولا تكون للعالم فترضيه بالخطايا والشهوات.
ع 26 : شعر هؤلاء المخادعون بعجزهم أمام حكمة المسيح ، فسكتوا واندهشوا لسمو حكمته وأجابته الغير متوقعة، ولكنها صحيحة وعميقة ، لأنها تدعوهم للحياة الروحية والابتعاد عن المناقشات الغبية أو محاولة ايقاعه في كلمة خاطئة.
[ 4 ] سؤاله عن الزواج والقيامة ( ع 27 - 40 )
ذكر هذا الحوار في ( مت 22 : 23 - 33 )
ع 27 : الصدوقيون : طائفة ارستقراطية من قيادات اليهود، تؤمن بان الإنسان عندما يموت تموت روحه وجسده أيضا ، أي لا يؤمنون بالحياة الاخري.
ع 28 : كانت شريعة موسى تقضي انه إن لم ينجب أحد في زواجه ومات ، يلزم أن يتزوج اخوه امراته ليقيم نسلا حتى لا تضيع ارض الميراث في كنعان، ولان الجميع كانوا ينتظرون أن يأتي المسيا من نسلهم.
أما الصدوقيون ، فلم يفهموا ويؤمنوا بالحياة الاخري ، وقد استغلوا هذه الشريعة والفوا قصة ، لعلهم يحرجون بها المسيح وقنعوه برايهم وهو عدم وجود حياة بعد الموت.
ع 29 - 33 : القصة هي أن رجل تزوج بامراة ولم ينجب ومات ، فتزوجها اخوه ولم ينجب ومات ، وهكذا مع باقي الاخوة الذين كانوا سبعة ، ثم ماتت المرأة . وسؤال الصدوقيين لمن تكون المراة زوجة في الحياة الأبدية، إن كانت هناك حياة بعد الموت ، لان المرأة تزوجت السبعة اخوة، وهم يظنون انه إن وجدت حياة بعد الموت تكون مثل الأرض ، كل زوج مع امراته وأولاده يعيشون.
ع 34 - 36 : ابناء هذا الدهر : الذين يعيشون علي الأرض.
ذلك الدهر : الحياة السمائية
القيامة من الاموات : الذين يحيون في الملكوت بعد القيامة الاخيرة ويوم الدينونة
لا يستطيعون أن يموتوا: ليس لهم اجساد لتموت بل هي ارواح
مثل الملائكة : ارواح مثل الملائكة
ابناء الله : يثبتون في بنوتهم لله ، غير معرضين للسقوط في الخطية
ابناء القيامة : قاموا في القيامة الاخيرة بعد يوم الدينونة ويخلدون في الأبدية.
أجاب المسيح بان الزواج موجود علي الأرض لانجاب النسل والمحافظة علي النوع الانساني ، حتى لا ينقرض بالموت، أما في السماء فلا يموتون وبالتالي لا يحتاجون إلى الزواج بل يعيشون كارواح مثل الملائكة.
ع 37 - 38 : ثم قدم دليلا علي وجود حياة بعد الموت، بان الله لقب نفسه عندما كلم موسى من العليقة بانه اله إبراهيم واسحق ويعقوب ( خر 3 : 6 ) ، وبالطبع هؤلاء احياء كارواح بعد الموت لان الله اعظم من أن يلقب نفسه باناس ماتوا ودفنوا ولم يعد لهم قيمة .
ع 39 - 40 : اعجب الكتبة الذين يؤمنون بالحياة الاخري عند سماعهم رد المسيح ، وعجز الصدوقيين أمام حجة المسيح واقناعه أن يسالوه أو يقاوموه.
+ لا تقاوم آراء الآخرين وتبرر فكرك ، بل اسمع وقدر كل الاراء فقد تجد فيها نفعا أو قد تكون هي الاصح من رايك.
[ 5 ] ابن داود وربه ( ع 41 - 44 )
ذكر هذا الحديث أيضا في ( مت 22 : 41 - 46 ؛ مر 12 : 35 - 37 )
ع 41 - 44 : قال لهم : للكتبة ورؤساء الكهنة الذين يحاولون اصطياد خطا من كلامه ، ويقصد من سؤاله إظهار عجزهم عن فهم الكتاب المقدس حتى لا يخضع لهم تلاميذه ؛ فلقد تصوروا المسيح ملكا ارضيا مسنودا بقوة الله وليس الله نفسه، فاراد أن يحرر تلاميذه من مفاهيم الكتبة والفريسيين الخاطئة وحتي يفحمهم ، فلا يعودون يسألونه اسئلة لامساك خطا عليه.
يقولون : كان الاعتقاد السائد بين اليهود أن المسيح سياتي من نسل داود.
كتاب المزامير : ( مز 110 : 1 )
موطئا لقدميك : كانت العادة في الحرب عند الانتصار علي الاعداء ، أن يضع الملوك ارجلهم علي رقاب من ينتصر عليهم لاعلان نصرتهم وازلال اعداءهم.
ربا فكيف يدعوه ابنه : ليس من المعقول أن يدعو أحد ابنه أو حفيده ربا أو سيدا له إلا بمعني واحد ، وهو أن المسيح ليس انسانا عاديا بل هو الله رب داود وكل بشر.
اقترب المسيح من الامه وصلبه التي قد تشكك اليهود فيه ، لانهم ينظرون إلى المسيا انه ملك ارضي ، فحاول اقناعهم بلاهوت المسيا الذي لا يعطله تجسده . لذا سالهم سؤال أجابته أن المسيح هو الله . فاليهود يؤمنون أن المسيح هو ابن داود بالجسد أي مننسله، فقال لهم كيف يدعوه داود ربا وهو ابنه؟ طبعا لا إجابة علي هذا السؤال إلا أن المسيح ابنه في الجسد ولكن بالروح ربه لأنه الإله المتجسد.
وجاء المسيح لهم بكلام داود في المزامير إذ يعلن قال الرب لربي ، أي الأب يحدث الابن المتجسد بعد أن اتم الفداء ويناديه ليصعد ويأخذ مكانه الاول ، أي يظهر مجده الأزلي بان يجلس عن يمينه ، وطبعا الله ليس له يمين أو يسار لأنه موجود في كل مكان ، فالمقصود باليمين السلطان والعظمة ليدين العالم لكه في يوم الدينونة ، ويلقي بالشيطان والاشرار تحت قدميه أو في العذاب الأبدي بعد أن انتصر علي الشيطان بصليبه وقيده . فالمسيح الظاهر في الضعف بتجسد والامه ، هو نفسه الله الديان الذي يخضع الشيطان تحت قدميه.
+ يمكنك أن تظهر ضعف بعض المبتدعين أو الذين ينادون باراء غريبة حتى لا يعثروا غيرهم ، ولكن ليس بغرض اظهار قوتك أو احتقار الآخرين أو ضيقا من ارائهم الغريبة . فلاحظ سلامك الداخلي وعدم اضطرابك ليكون كلامك مرضيا أمام الله .
[ 6 ] تحذير من الكتبة ( ع 45 - 47 ) :
ذكر هذا الحديث في ( مت 23 : 14 ؛ مر 12 : 38 - 40 )
ع 45 : فيما كان المسيح يعلم الجموع ويخاطب أحيانا الكتبة والفريسيين والصدوقيين ، وجه حديثه نحو تلاميذه وغالبا كان علي مسمع من الكتبة والفريسيين. ويظهر من هذا الحديث الذي ذكر لوقا جزءا منه ، جراة المسيح وعدم خوفه من الكتبة والفريسيين في تحذير تلاميذه من الخطائهم ، وفي نفس الوقت عند سماع الكتبة والفريسيين هذا الكلام تكون دعوة لتوبتهم.
ع 46 : حذرهم المسيح من التشبه بالكتبة في محبة العظمة والشهرة التي يسعون نحوها لاجل كبريائهم ولتحصيل المال ، إذ كانوا محبين لجمع المال .
فالكتبة كانوا يلبسون الطيالسة ، وهي ثياب طويل حتى القدمين يلبسها الملوك والعظماء ويفرحون بتعظيم الناس لهم في كل تجمع شعبي مثل الاسواق ، بل إذا دخلوا المجامع أو الولائم يطلبون أن يكونوا في الاماكن المتقدمة ليمجدهم الناس .
ع 47 : الأكثر من هذا في ريائهم يقصدون اطالة الصلوات رغم أن قلوبهم شريرة ،و يظلمون الارامل إذ كان المجتمع اليهودي يعتبرهم فقهاء واروصياء مشورتهم ويكتبون لهم وصاياهم قبل موتهم ، فكانوا يستغلون هذا في اخذ اموالهم خاصة اموال الارامل.
من اجل هذا الرياء ، أي التظاهر بالقداسة رغم الشر الداخلي ينالون دينونة اعظم من الشخص العادي إذا اخطا لأنه قد يكون اخطا عن عدم معرفة.
+ علي قدر ما عرفت المسيح وتعلمت في الكنيسة ، كن مدققا في حياتك واسرع إلى التوبة والاعتراف إن اخطات.
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح