كلمة منفعة
* الإنسان الروحي لا يستخدم ألفاظًا قاسية، إنما ألفاظًا رقيقة، لأنه من ثمار الروح القدس (لطف). فهل أنت تتميز باللطف في كلامك ومعاملاتك..؟
— الألفاظ الرقيقة
إنجيل لوقا 18
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
انجيل معلمنا لوقا - الاصحاح رقم 18
انجيل معلمنا لوقا
الإصحاح رقم 18
الأصحاح الثامن عشر :
الصلاة الحية والصداقة الإلهية
كان جوهر الحديث في الأصحاح السابق هو "الإيمان" كطريق للتمتع بالصداقة الإلهية، خلال تمتعنا بالملكوت الداخلي في القلب كعربون للملكوت الإلهي الأخروي أو الأبدي. هذا الإيمان يترجم خلال حياة الصلاة الدائمة أو العبادة الصادقة الملتحمة بروح التواضع والزهد مع قبول الألم، فتنفتح بصيرتنا الداخلية على الملكوت. هذا هو موضوع هذا الأصحاح!
1. الصلاة بلجاجة (الأرملة وقاضي الظلم) 1-8.
2. العبادة المتضعة (الفريسي والعشار) 9-14.
3. العودة إلى بساطة الطفولة 15-17.
4. التحرر من عبودية المال 18-30.
5. قبول الصليب 31-34.
6. الاستنارة (تفتيح عيني الأعمى) 35-43.
1. الصلاة بلجاجة (الأرملة وقاضي الظلم)
سبق فأعلن السيد أن "الصليب" هو طريق الملكوت، إذ ينبغي أن يتألم ابن الإنسان ويُرفض لكي يملك فينا، هكذا ينبغي أن تتألم كنيسته وتحمل صليبه وهي تنتظر مجيئه الأخير. ربما يتساءل البعض: كيف يمكننا أن نحتمل الصليب ونقبل الآلام بفرح من أجل الملكوت؟ وقد جاءت الإجابة هنا: الصلاة كل حين! مقدمًا لنا "مثلاً في أنه ينبغي أن يُصلي كل حين ولا يُمل" [1].
+ إذ تحدث ربنا عن المتاعب والمخاطر التي ستحل أضاف العلاج في الحال، أي الصلاة الدائمة بغيرة.
الأب ثيؤفلاكتيوس
+ إن كنت لم تنل موهبة الصلاة أو التسبيح كن لجوجًا فتنلْ... لا تمِل من الانتظار، ولا تيأس من عدم نوالك، لأنك ستنال فيما بعد.
القديس أوغريس
+ لم يأمرنا أن نقيم صلاة من عشرة آلاف عبارة، لنأتي إليه لمجرد ترديدها... فنحن لا نأتي لكي نعلمه وإنما لنصارع معه، ونلتصق به بالطلب المستمر والتواضع وتذكر الخطايا.
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ ذاك الذي فداك يظهر لك ما يريده منك أن تفعله؛ يريدك في صلاة دائمة؛ يودك أن تتأمل في قلبك البركات التي تصلي من أجلها؛ يريدك أن تسأله فتنال صلاحه الذي يشتاق أن يهبه لك.
إنه لن يبخل قط ببركاته على من يصلي، لكنه برحمته يحث البشر ألا يملوا في الصلاة.
تقبل تشجيع الرب لك بفرحٍ، ولترد أن تتمم ما يأمر به وأن تكف عما يمنعك عنه.
أخيرًا، تأمل ما يوهب لك من امتياز مغبوط، أنك تتحدث مع الله في صلواتك، مظهرًا له احتياجاتك، فإنه يجيبك لا بكلمات وإنما برحمته، إذ هو لا يستخف بالسؤالات، وهو لا يمل إلا إن توقفت أنت.
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ لا تكن الصلاة مجرد عمل لوقت معين إنما هي حالة دائمة للروح. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: تأكد أنك لا تحد صلاتك بجزءٍ معين من اليوم. اتجه إلى الصلاة في أي وقت، كما يقول الرسول في موضع آخر: "صلوا بلا انقطاع" (1 تس 5: 17). يخبرنا الرسول أن نصلي "في الروح" (أف 6: 18)، بمعنى أن الصلاة لا تكون فقط في الخارج (بكلمات مسموعة) بل وفي الداخل، فهي عمل العقل والقلب. بهذا يكون جوهر الصلاة هو رفع العقل والقلب نحو الله.
+ كتب بولس إلى أهل تسالونيكي: "صلوا بلا انقطاع" (1 تس 5: 17). وفي رسائل أخرى يوصي: "مصلين بكل صلاة وطلبة كل وقت في الروح" (أف 6: 18)، "واظبوا على الصلاة ساهرين فيها" (كو 4: 2)، "مواظبين على الصلاة" (رو 12: 12). وأيضًا يعلمنا المخلص عن الحاجة إلى الصلاة الدائمة بمثابرة خلال مثل المرأة التي بلجاجتها غلبت القاضي الظالم بسؤالها المستمر. من هذا كله يتضح أن الصلاة الدائمة ليست أمرًا عارضًا بل سمة أساسية للروح المسيحي. حياة المسيحي - بحسب الرسول - مختفية في الله بالمسيح (كو 3: 3)، لذا وجب على المسيحي أن يعيش في الله على الدوام بكل فكره ومشاعره؛ وإذ يفعل هذا إنما يصلي بلا انقطاع!
لقد تعلمنا أيضًا أن كل مسيحي هو "هيكل الله" فيه "يسكن روح الله" (1كو 3: 16؛ رو 8: 9). هذا الروح دائما حال فيه، ويشفع فيه، مصليًا في داخله "بأنات لا يُنطق بها" (رو 8: 26)، وهكذا يعلمه كيف يصلي بلا انقطاع.
+ اُذكر أن القديس باسيليوس الكبير قد أجاب على السؤال: كيف استطاع الرسل أن يصلوا بلا انقطاع؟ قائلاً أنهم في كل شيء كانوا يفعلونه يفكرون في الله، عائشين في تكريس دائم لله. هذا الحال الروحي كانت صلاتهم التي بلا انقطاع.
الأب ثيوفان الناسك
قدم السيد المسيح مثل الأرملة وقاضي الظلم ليحثنا على الصلاة الدائمة،
"كان في مدينة قاضٍ لا يخاف الله، ولا يهاب إنسانًا. وكان في تلك المدينة أرملة، وكانت تأتي إليه، قائلة: انصفني من خصمي. وكان لا يشاء إلى زمان، ولكن بعد ذلك قال في نفسه: وإن كنت لا أخاف الله، ولا أهاب إنسانًا. فإني لأجل أن هذه الأرملة تزعجني أنصفها لئلا تأتي دائمًا فتقمعني. وقال الرب: اسمعوا ما يقول قاضي الظلم. أفلا ينصف الله مختاريه الصارخين إليه نهارًا وليلاً وهو متمهل عليهم؟! أقول لكم إنه ينصفهم سريعًا، ولكن متى جاء ابن الإنسان ألعله يجد الإيمان على الأرض؟!" [2-8].
هكذا يحثنا السيد المسيح على الصلاة الدائمة بلا ملل، النابعة عن الإيمان بالله مستجيب الصلوات، لذا يعلن أنه في أواخر الدهور إذ يجحد الكثيرون الإيمان وتبرد المحبة تتوقف أيضا الصلاة، فيفقد الإنسان صلته وصداقته مع الله. هذا هو ما عناه بقوله "ألعله يجد الإيمان على الأرض؟!"، معلنًا حزنه على البشرية المحرومة من الصداقة الإلهية.
+ فصل الإنجيل المقدس يبنينا في الالتزام بالصلاة والإيمان، بعدم اتكالنا على ذواتنا بل على الرب. أي تشجيع على الصلاة أكثر من مثل القاضي الظالم المُقدم لنا؟ فإن القاضي الظالم وهو لا يخاف الله ولا يهاب إنسانًا إلا أنه يصغي إلي الأرملة التي تسأله، مغلوبًا بلجاجتها وليس باللطف. إن كان قد سمع طلبتها ذاك الذي يكره أن يسأله أحد، فكم يسمع لنا نحن ذاك الذي يحثنا أن نسأله؟!
بالمقارنة العكسية إذ يعلمنا الرب أنه "ينبغي أن يُصلي كل حين ولا يمل" يضيف قائلاً: "ولكن متى جاء ابن الإنسان ألعله يجد الإيمان على الأرض؟!" إن سقط الإيمان بطلت الصلاة، لأنه من يصلي لمن لا يؤمن به؟ لذلك عندما حث الرسول الطوباوي على الصلاة، قال: "لأن كل من يدعو باسم الرب يخلص" (رو 10: 13). ولكي يظهر أن الإيمان هو ينبوع الصلاة أكمل قائلاً: "فكيف يدعون بمن لم يؤمنوا به؟!" (رو 10: 14). كي نصلي يلزمنا أن نؤمن ولكي لا يضعف ذلك الإيمان الذي به نصلي فلنصلِ. الإيمان يفيض صلاة، وفيض الصلاة يقوي الإيمان. أقول، إن الإيمان يفيض صلاة، وفيض الصلاة يهب قوة الإيمان عينه. فلكي لا يضعف الإيمان أثناء التجربة قال الرب: "اسهروا (قوموا) وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة" (22: 46)... ماذا يعني "تدخلوا في تجربة" إلا ترك الإيمان؟ فالتجربة تشتد برحيل الإيمان، وتنتهي بنمو الإيمان... ولكي تعرفوا أيها الأحباء بأكثر وضوح أن الرب بقوله: "اسهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة" يقصد ألا يضعف الإيمان ويهلك، يقول في نفس الموضع في الإنجيل: "هوذا الشيطان طلبكم لكي يغربلكم كالحنطة، ولكني طلبت من أجلك لكي لا يفنى إيمانك" (22: 31-32). ذاك الذي يحمي (إيماننا يصلي) أفلا يصلي ذاك الذي يتعرض للخطر؟
في كلمات الرب: "ولكن متى جاء ابن الإنسان ألعلّه يجد الإيمان على الأرض؟! [8]، يتحدث عن الإيمان الكامل، إذ يكون نادرًا على الأرض.
القديس أغسطينوس
+ ينبوع كل بركة هو المسيح "الذي صار لنا حكمة من الله" (1 كو 1: 30)، إذ فيه صرنا حكماء وامتلأنا بالمواهب الروحية. الآن من كان متزن العقل يؤكد أن معرفة هذه الأشياء التي فيها نتقدم بكل وسيلة بالحياة المقدسة السامية والنمو في الفضيلة إنما هي عطية من الله، يتأهل الإنسان للفوز بها.
إننا نجد إنسانًا يسأل الله، قائلاً: "اظهر لي يا رب طرقك، علمني سبلك" (مز 24: 4). عديدة هي السبل التي تقودنا إلى الأمام نحو الحياة غير الفاسدة... لكنه يوجد سبيل واحد على وجه الخصوص نافع لكل السالكين فيه وهو الصلاة. لقد حرص المخلص نفسه أن يعلمنا إياه، مقدمًا لنا المثل الموضوع أمامنا كي نجاهد في الصلاة، إذ قيل: "وقال لهم أيضًا مثلاً في أنه ينبغي أن يصلى كل حين ولا يُمل" [1].
إنني أؤكد أنه من واجب من يكرسون حياتهم للخدمة ألا يتراخوا في صلواتهم، ولا يحسبونها واجبًا ثقيلاً ومرهقًا، بل بالحري يفرحوا من أجل الحرية التي يهبها الله لهم، فإنه يريدنا أن نتحدث معه كأبناء مع أبيهم.
ألا يُعتبر هذا فضلاً يستحق منا كل تقدير؟ لو بلغ إلينا إنسان عظيم ذو سلطان أرضي وسمح لنا أن نتحدث معه بكامل الحرية، أما نحسب هذا سببًا لائقًا للفرح العظيم؟! فلماذا نشك إن كان الله يسمح لكل واحدٍ منا أن يوجه حديثه له كيفما شاء، مقدمًا للذين يخافونه كرامة عظيمة كهذه، يتأهلون لنوالها؟!
لنبطل كل كسل هذا الذي يجعل الناس يمارسون الصمت الضار عن الصلاة، ولنقترب بالحري إليه بالمديح والفرح إذ نلنا وصية أن نتحدث مع رب الكل وإله الجميع، ولنا المسيح شفيعًا يهبنا مع الآب تحقيق طلباتنا. يكتب بولس الطوباوي: "نعمة لكم وسلام من الله أبينا والرب (وربنا) يسوع المسيح" (2 كو 1: 2). بل والمسيح نفسه يقول لرسله القديسين: "إلى الآن لم تطلبوا شيئًا باسمي، اطلبوا تأخذوا" (يو 16: 24). إنه شفيعنا، إنه كفارة عنا، إنه معزينا، واهبنا كل سؤالاتنا.
من واجبنا أن نصلي بلا انقطاع ككلمات الطوباوي بولس (1 تس 5: 7)، وكما هو معروف لنا حسنًا ومؤكد لنا ان ذاك الذي نقدم له سؤلاتنا قادر أن يحقق لنا كل شيء. لقد قيل: "ليطلب بإيمان غير مرتاب البتة، لأن المرتاب يشبه موجًا من البحر تخبطه الريح وتدفعه، فلا يظن ذلك الإنسان أنه ينال شيئًا من عند الرب" (يع 1: 6-7). فمن هو مرتاب يرتكب بالحق سخرية، فإن كنت لا تؤمن أنه يقترب إليك ويبهجك ويتمم طلبتك لا تقترب إليه بالكلية، لئلا تُوجد متهمًا القدير بكونك في غباوة مرتابًا. إذن لنتجنب هذا المرض الدنيء (الارتياب).
الله ينصت للذين يقدمون له صلواتهم لا بتراخٍ أو إهمالٍ بل بجديةٍ واستمرارية، هذا ما يؤكد لنا المثل الماثل بيننا. فإن كان مجيء الأرملة المظلومة قد غلب القاضي الظالم الذي لا يخاف الله ولا يهاب إنسانًا، حتى وهبها طلبتها بغير إرادته، أفليس ذاك الذي يحب الرحمة ويكره الظلم، الذي يمد يده على الدوام لمحبيه، يقبل الذين يقتربون إليه ليل نهار، وينتقم لهم بكونهم مختاريه؟
+ لكن، ربما يقول قائل: هوذا المسيح يقول لرسله القديسين: "أحبوا أعدائكم، صلوا لأجل الذين يسيئون إليكم"، فكيف نصرخ ضدهم (نطلب النقمة) دون أن نحتقر الوصية الإلهية؟...
عندما تُرتكب معاصي ضدنا شخصيًا، فلنحسب ذلك مجدًا لنا أن نغفر لهم، فنمتلئ حبًا مشتركًا، ونقتدي بالآباء القديسين، حتى وإن ضربونا أو سخروا بنا. نعم حتى وإن مارسوا كل أنواع العنف ضدنا، إذ يليق بنا أن نتحرر من كل عيب، ونسمو فوق الغضب والحقد. مثل هذا المجد يليق بالقديسين ويفرح الله. ولكن إن كانت خطية موجهة ضد مجد الله (كالبدع والهرطقات ومقاومة الكرازة بالحق)، فلنقترب من الله ونسأله معونته ونصرخ ضد مقاومي مجده، كما فعل العظيم موسى، إذ قال: "قم يا رب، فلتتبدد أعداؤك، ويهرب مبغضوك من أمامك" (عد 10: 35). كذلك الصلاة التي نطق بها الرسل القديسون... "أنظر إلى تهديداتهم"، بمعنى أبطل مقاومتهم وهب لعبيدك الحرية أن ينطقوا بكلمتك.
القديس كيرلس الكبير
+ إننا نجد أيضًا الشهداء في رؤيا يوحنا (6: 10) يطلبون الانتقام مع أنه قد طُلب منا صراحة أن نصلي لأجل أعدائنا ومضطهدينا... لنفهم أن الشرير يهلك بطريقين: إما بتحوله إلى البرّ (فيهلك شره) أو بمعاقبته إن فقد فرصة التوبة. فإنه حتى لو تحول كل البشر إلى الله فسيبقى الشيطان مُدانًا حتى النهاية. إذن فالأبرار يطلبون الحياة العتيدة، وليس باطلاً يسألون النقمة.
القديس أغسطينوس
بمعنى آخر إن كانت هذه الأرملة تمثل الكنيسة كما تمثل كل عضو فيها، فإنها لا تطلب النقمة من الأشخاص بروح البغض والانتقام، إنما تطلب هلاك الشر من حياة الأشرار بقبولهم الإيمان، أو تطلب انقضاء الدهر حيث ينال أولاد الله الميراث ويُلقى عدو الخير وجنوده في الهلاك الأبدي.
2. العبادة المتضعة (الفريسي والعشار)
إن كان كلمة الله في حبه لنا نزل إلينا بروح التواضع ليحملنا فيه أعضاء جسده المقدس، فإنه يليق بنا لكي نثبت في هذه العطية ونحسب بالحق أحباء وأصدقاء أن نحمل روح التواضع فينا. لذلك قدم لنا مثل الفريسي والعشار، وكما قال القديس يوحنا الذهبي الفم في عظته الخامسة ضد أنوميانوس Anomoeans أن الفريسي ركب مركبة يجرها البرّ مع الكبرياء بينما مركبة العشار تجرها الخطية مع التواضع؛ الأولى تحطمت وهوت، والثانية ارتفعت وعلت بعد أن غُفرت خطايا العشار بتواضعه.
+ عندما أشرت أخيرًا إلى الفريسي والعشار، وافترضت أن لهما مركبتان هما الفضيلة والرذيلة، أشرت إلى حقيقة كل منهما، كم هو مفيد تواضع الروح، وكم هو مفسد الكبرياء؟!
فالكبرياء وإن لازمه البرّ والأصوام وتقديم العشور فإن مركبته تتقهقر، وأما تواضع الروح وإن لازمه الخطية، لكنه يسبق حصان الفريسي، ولو كان الذي يقوده فقيرًا (في أعمال البرّ)! لأنه من كان أشر من العشار، ومع ذلك إذ كانت روحه متواضعة ودعى نفسه خاطئًا، وهو بحق خاطىء، إلا أنه سما على الفريسي الذي كان له أن يتكلم عن أصوامه ودفع العشور...
لقد نُزعت الشرور عن العشار، إذ اُنتزعت عنه أم كل الشرور، أي المجد الباطل والكبرياء. وعلى هذا الأساس يعلمنا الرسول بولس، قائلاً: "ليمتحن كل واحد عمله، وحينئذ يكون له الفخر من جهة نفسه فقط لا من جهة غيره" (غل 6: 6).
أما الفريسي فتقدم متهمًا العالم كله جهرًا، حاسبًا نفسه أفضل من جميع البشر. ومع أنه ولو فضل نفسه عن عشرة فقط أو خمسة أو اثنين أو حتى عن واحد، فإن هذا ليس بمقبول؛ لكنه لم يقف عند حدّ تفضيل نفسه عن العالم كله، بل واتهم البشرية كلها، وبهذا تخلف عن الركب كله.
وكما أن السفينة إن جرت كثيرًا بسبب الأمواج غير المحصية والعواصف الشديدة، تتحطم على الصخور في داخل الميناء وتفقد كل ما تحمله من كنوز، هكذا فعل الفريسي، إذ قدم أصوامًا، وصنع بفيض فضائله، إلا أنه لم يحكم لسانه، فتحطمت نفسه داخل الميناء، ورجع إلى بيته بعد الصلاة - أي في داخل الميناء - وقد أصابه دمارًا عظيمًا، وبدلاً من أن ينال نفعًا أدركه التحطيم!!
أيها الإخوة، إذ عرفنا هذا كله فلننظر إلى أنفسنا أننا آخر الكل، ولو كنا قد بلغنا قمة الفضيلة عينها، عالمين أن الكبرياء قادر أن يُسقط حتى السمائيين إن لم يحذروا، بينما تواضع الفكر يرفع من هاوية الخطايا أولئك الذين يعرفون كيف يسمون، وهذا ما جعل العشار يسبق الفريسي.
الكبرياء، أقصد غرور النفس، أقوى حتى من القوات غير المتجسدة، أي الشيطان، بينما تواضع النفس ومعرفة الإنسان لخطاياه التي ارتكبها جعلتا اللص يسبق الرسل إلى الفردوس...
إنني لا أنطق بهذا لكي نهمل البرّ، وإنما لكي نتجنب الكبرياء، ولا لكي نخطئ، بل نسمو بأفكارنا، إذ تواضع الروح هو ينبوع الحكمة الخاصة بنا.
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ عندما كان الفريسي يصلي ويشكر الله من أجل فضائله لم يكذب بل نطق بالحق، ولم يُدن من أجل هذا... لكنه عندما التفت نحو العشار وقال: "إني لست مثل هذا العشار" [11] ارتكب الإدانة!
القديس دوروثيؤس
+ مع أن الفريسي كان يصوم يومين في الأسبوع إلا أنه لم يستفد شيئًا، لأنه افتخر بذلك على العشار.
القديس أثناسيوس الرسولي
+ صلوات العشار غلبت الله الذي لا يُغلب!
+ الكبرياء ضد التواضع، خلاله فقد الشيطان سموه كرئيس ملائكة... فكر أيها الأخ أية خطية هذه التي يقاومها الله؟!
القديس جيروم
+ في كل كلماته لم يطلب (الفريسي) شيئًا من الله، لذلك لم ينل شيئًا. صعد ليصلي لكنه لم يفكر في الصلاة لله، وإنما في تمجيد ذاته. أكثر من هذا استخف بذاك الذي كان يصلي.
+ وقف العشار من بعيد لكنه بالحقيقة كان قريبًا من الله. بإحساس ضميره كان بعيدًا لكن بتقواه اقترب.
+ لم يجسر أن ينظر إلى فوق، إذ كان ضميره يضغط عليه إلى أسفل، أما رجاؤه فقد رفعه إلى فوق.
+ صار الفريسي ملومًا لكونه متكبرًا، وليس لأنه يشكر الله.
+ ليظهر دنس قلبك في اعترافك فتنتمي لقطيع المسيح، فإن الاعتراف بالخطايا يستدعي شفاء الطبيب... أَلم يصعد الفريسي والعشار إلى الهيكل؟! واحد ظن أن حالته جيدة والآخر أظهر جراحاته للطبيب... بالتأكيد لم يكن الفريسي سليمًا، لكنه ادعى ذلك، فنزل بدون شفاء. أما الآخر فأحنى عينيه إلى أسفل ولم يجسر أن يرفعهما للسماء، وقرع صدره قائلاً: "اللّهم ارحمني أنا الخاطي". فماذا قال الرب: "أقول لكم إن هذا نزل إلى بيته مبررًا دون ذاك، لأن كل من يرفع نفسه يتضع ومن يضع نفسه يرتفع" [13،14].
كما ترون من يطلب الافتخار لا يدخل بل يسقط، أما من يتواضع فيدخل من الباب بواسطة الراعي ولا يسقط.
القديس أغسطينوس
+ لقد نطق (الفريسي) بما هو صدق، نطق به ليس في سمع إنسان، ومع هذا فقد دين... فأية عقوبة تسقط فيها النساء الثرثارات وهن يتكلمن بالكذب في كل موضع حتى في الأمور التي لا يصدقن هن إياها؟!
لنُقم بابًا ومزلاجًا على الفم (ابن سيراخ 28: 25)، فإن شرورًا بلا حصر تصدر عن الثرثرة، فبسببها تتحطم عائلات، وتتمزق صداقات، وتحدث مآسي. لا تشغل يا إنسان نفسك بما يخص قريبك (لا تدنه)!
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ واحد صلى فدين، لأنه لم يقدم صلاته بحكمة. قيل إن "إنسانين" صعدا إلى الهيكل ليصليا... فيدعو (المسيح) الذين يصلون بشرًا دون النظر إلى غناهم أو سلطانهم... إنه يتطلع إلي كل سكان الأرض كبشرٍ دون محاباة لأحد على حساب الآخر.
+ كثيرة هي أخطاء الفريسي، أولاً لأنه كان متعجرفًا بلا إحساس، يمدح نفسه مع أن الكتاب المقدس يصرخ: "ليمدحك الغريب (قريبك) لا فمك، الأجنبي لا شفتاك" (أم 27: 2)...
+ كن معتدلاً أيها الفريسي، وضع بابًا ومزلاجًا للسانك. أنت تتحدث مع الله العارف كل شيء، انتظر حكم الديان. ليس أحد من المهرة في ممارسة الصراع يضع الأكاليل لنفسه، وليس أحد يقبل التاج من نفسه، إنما ينتظر ما يقضي به الحكم. انحنِ بكبريائك، فالكبرياء مكروه لدى الله، ولعين في عينيه. مع أنك تصوم، فبذهنك المتعالي لا تنتفع به شيئًا. تعبك لا يُكلل، لأنك تمزج القاذورات بالروائح الطيبة. حتى حسب الشريعة الموسوية لا يمكن تقديم ذبيحة لله بها عيب، فقد قيل له إن كل غنم أو ثور يقدم ذبيحة لا يكون فيه عيب (لا 22: 21). لذلك فكل صوم يصحبه كبرياء توقع أن تسمع عنه من الله: "أليس هذا صومًا أختاره" (إش 58: 6). أنت تدفع العشور لكنك إذ تدين البشر عامة تخطئ إلى ذاك الذي كرمته. مثل هذا العمل غريب عن الفكر الذي يخاف الله، إذ قال المسيح: "لا تدينوا فلا تُدانوا، لا تقضوا على أحد فلا يُقضي عليكم" (لو 6: 37). ويقول أحد تلاميذه: "واحد هو واضع الناموس... فمن أنت يا من تدين غيرك؟!" (يع 4: 12). ليس أحد بصحةٍ جيدةٍ يحتقر مريضًا ملقيًا على فراش، إنما يخاف لئلا يسقط هو نفسه تحت نفس الآلام...
+ ولكن ماذا عن العشار؟ يقول إنه وقف بعيدًا، لم يجسر حتى أن ينطق أو يرفع عينيه إلى فوق. ها أنت تراه خاليًا من كل نطق جسور، كمن ليس له حق في ذلك، بل كان مضروبًا بتوبيخات ضميره، يخشى حتى من أن ينظره الله، بكونه إنسانًا أهمل في شرائعه، حياته منحلة غير طاهرة.
ها أنت تراه يتهم نفسه بطريقة منظورة... لقد كان خائفًا من الديان، يقرع صدره، ويعترف بخطاياه، ويكشف مرضه كما إلى الطبيب، ويسأل نوال الرحمة. ماذا كانت النتيجة؟ اسمع ما يقوله الديان: "نزل (هذا الإنسان) إلى بيته مبررًا دون ذاك" [14] .
القديس كيرلس الكبير
+ صلى (الفريسي) مع نفسه وليس مع الله، لأن خطية الكبرياء ردته إلى ذاته.
القديس باسيليوس الكبير
+ لم يكفه الازدراء بكل جنس البشر لكنه هاجم أيضًا العشار. ربما كان خطأه أقل لو لم يهاجمه، لكن بكلمة هاجم الغائبين، وجرح من هو حاضر.
القديس يوحنا الذهبي الفم
هذا وقد أراد القديس باسيليوس الكبير في تعليقه على تصرف هذا الفريسي موضحًا الفارق بين الفكر المتعالي المملوء عجرفة وكبرياء والفكر السامي النبيل الذي يرتفع فوق الأهواء، لا يحطمه اليأس، ولا تشغله الزمنيات. بمعنى آخر التواضع لا يعني انحطاط الفكر بل سموه وارتفاعه خلال اتحاده بالسيد المسيح المتواضع، فنحمل مع الرسول بولس فكر المسيح.
أخيرًا فقد حمل هذا المثل صورة رمزية عامة، فالفريسي يمثل بوجه عام جماعة اليهود الذين حسبوا أنفسهم أبرارًا بالناموس دون سواهم، أما العشار فيشير إلى جماعة الأمم التي اشتاقت إلى الخلاص رغم فقرها في المعرفة، وحرمانها من كل ما سبق فتمتع به اليهود من عهود ووعود وشريعة ونبوات الخ.
3. العودة إلى بساطة الطفولة
إذ قدم لنا مثلاً عن التواضع كطريق حق به تُستجاب صلواتنا، فننعم لا بطلبات مادية، إنما ما هو أعظم الصداقة مع عريسنا السماوي المتواضع، الآن يقدم درسًا عمليًا ليكشف عن تواضعه وبساطته، موضحًا أنه يبسط ذراعيه للأطفال الصغار، أي للنفوس البسيطة المحبة للتواضع، إذ يقول الإنجيلي:
"فقدموا إليه الأطفال أيضًا ليلمسهم، فلما رآهم التلاميذ انتهروهم. أما يسوع فدعاهم، وقال: دعوا الأولاد يأتون إليّ ولا تمنعوهم، لأن لمثل هؤلاء ملكوت الله. الحق أقول لكم من لا يقبل ملكوت الله مثل ولدٍ فلن يدخله" [15-17].
لقد جاء السيد المسيح للبشرية جميعها، لليهود كما الأممي، للرجال كما النساء والشيوخ والأطفال والشبان الخ.، جاء للكل ليقيم صداقة معهم. لقد تذوق آباء الكنيسة حلاوة صداقة المسيح، فشعروا بحقٍ أنه لا يليق أن يُمنع أحد ولو كان طفلاً عن اللقاء معه، لينعم بمخلصه - حتى وإن كان لم يرتكب خطية فعلية - وإنما ليقدس طبيعته التي تسلمها فاسدة، فتتجدد بالسيد المسيح في مياه المعمودية، ويقبل الرب صديقًا له.
+ ليأتِ الصغار، ليأتِ المرضى إلى الطبيب، ليأتِ الذين هم مفقودون لمخلصهم، ليأتوا ولا يُمنع أحد عن المجيء.
إن كانت الفروع (الأطفال) لم ترتكب أية خطية بعد، لكنهم هلكوا بسبب أصلهم، "يبارك الرب الصغار مع الكبار" (مز 115: 13). ليلمس الطبيب الصغار مع الكبار...
إذ كان الفقدان شاملاً هكذا ليكن الخلاص عامًا. كلنا قد ضعنا، لنوجد جميعنا في المسيح... ليته لا يُعزل أحد عن خلاصه.
القديس أغسطينوس
[راجع أقوال القديسين كيرلس الكبير وأمبروسيوس ويوحنا الذهبي الفم وغيرهم في تفسير الإنجيل بحسب مرقس 10: 13-16].
4. التحرر من عبودية المال
إن كان هذا الأصحاح يركز على الصلاة كطريقٍ رئيسيٍ للتمتع بالصداقة الإلهية، فقد رأينا أن الصلاة تلتحم بالإيمان الذي يدفعنا إليها لنمارسها بلا انقطاع ولا ملل، هذا وحياة الصلاة ليست حياة تعبدية مجردة وإنما تلتحم مع سمة المؤمن الذي يلزم أن يكون بسيطًا كالأطفال في حكمة الروح. الآن يحذرنا من عدو خطير يفقدنا روح الصلاة ألا وهو التعبد للمال. لقد التقى شاب بالسيد المسيح وكان يود أن يتبعه، قائلاً له: "أيها المعلم الصالح ماذا أعمل لأرث الحياة الأبدية؟"... وقد وقف حبه للغنى عقبة في تبعيته للسيد المسيح.
سبق لنا في شيء من التفصيل أن عرضنا لهذا اللقاء والحوار الذي تم بين السيد المسيح وهذا الشاب الرئيس عند دراستنا للإنجيل بحسب مرقس 10: 17-25، وأوردت بعض أقوال للآباء في هذا الشأن، أرجو الرجوع إليها، مكتفيًا هنا بعرض مقتطفات أخرى لأقوال بعض الآباء القليلة مكملة للسابقة.
+ لا أتردد في دعوة هذا الرئيس طماعًا، منتهرًا إياه مع السيد المسيح، لكنني لا أقول إنه مجرِب للسيد (كالفريسيين).
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ لم يخبرنا أن نبيع ما لنا لأنها أشياء شريرة بطبعها، وإلا ما كانت من صنع الله. لم يأمرنا أن نلقيها عنا كأمور رديئة بل نوزعها. لا يُدان أحد لأنه يملك شيئًا وإنما لأنه يفسد ما يملكه. بهذا فإنه بحسب وصية الله نلقي عنا ما لنا لغفران خطايانا والتمتع بالملكوت.
القديس باسيليوس الكبير
+ حتى إن كنتَ غنيًا، فالطبيب قادر أن يشفيك. إنه لن ينزع الغنى، إنما ينزع العبودية للغنى ومحبة الطمع في الربح.
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ يستطيع الله أن يشبع الفقراء دون أن نحنو نحن عليهم، لكنه يطلب من الذين يقدمون العطاء أن يرتبطوا بالحب مع من يقبلون منهم العطاء.
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ الله صالح، كامل الصلاح وحده، وإذ أنت صورته يليق بك أن تكون صالحًا. إنه سخي مع الجميع، فينبغي عليك أن تكون كريمًا، تتجنب الجشع، ولا تبخل على قريبك بأي شيء مادي زائل، فإن هذا أعظم كارثة وجهالة.
الأب يوحنا من كرونستادت
+ رجل الله هو من مات عن حاجاته الضرورية لرأفته الكثيرة. من يرحم فقيرًا تتلقفه عناية الله، ومن يفتقر من أجل الله يجد كنوزًا لا تفرغ.
مار إسحق السرياني
والعجيب أنه حينما يخلع الإنسان عنه محبة العالم ويتحرر من قيود عبودية حب الغنى وشهوة المال يهبه الرب أضعافًا كثيرة من البركات حتى الزمنية مع المجد الأبدي. هذا ما أكده صديقنا الحقيقي بإجابته على بطرس القائل: "ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك" [28]، قائلاً: "الحق أقول لكم إن ليس أحد ترك بيتًا أو والدين أو إخوة أو امرأة أو أولادًا من أجل ملكوت الله، إلا ويأخذ في هذا الزمان أضعافًا كثيرة وفي الدهر الآتي الحياة الأبدية" [29-30]. وقد سبق لنا عرض أقوال بعض الآباء وتعليقاتهم على كلمات السيد المسيح هذه في تفسير (مت 19: 26-27؛ مر10: 28-30)، أرجو الرجوع إليها.
5. قبول الصليب
إن كان يليق بالمسيحي أن يتحرر من عبودية محبة المال وقيود طلب الغنى الزمني لترتفع نفسه بالروح القدس متحررة نحو السماويات، تعيش مع عريسها الأبدي تحمل سماته، فإنه لا يمكن التمتع بالمسيح المصلوب في أمجاده دون مشاركته الصليب، لهذا كان السيد المسيح يوجه أنظار تلاميذه نحو صليبه وآلامه وموته كطريق حقيقي للمجد.
"وأخذ الاثني عشر، وقال لهم: ها نحن صاعدون إلى أورشليم، وسيتم كل ما هو مكتوب بالأنبياء عن ابن الإنسان. لأنه يُسلم إلى الأمم ويُستهزأ به ويُشتم ويُتفل عليه. ويجلدونه ويقتلونه وفي اليوم الثالث يقوم. وأما هم فلم يفهموا من ذلك شيئًا، وكان هذا الأمر مخفي عنهم، ولم يعلموا ما قيل" [31-34].
سبق لنا التعليق - بأقوال الآباء - على هذه الكلمات المقدسة في تفسير مت 20: 17؛ مر 10: 32-34؛ مر 8: 31-33). على أي الأحوال إن كان السيد قد سبق فأعلن لتلاميذه عن آلامه لكي يهيئهم لقبولها كسمة رئيسية في حياة صديقهم السماوي، فإنه يعلن دومًا وبصراحة عن التزامنا بقبول آلامه لنحمل سمته فينا، فنتأهل أن ندخل شرف دائرة صليبه ونكون شركاء المصلوب!
+ إذ سبق فرأى المخلص قلوب تلاميذه تضطرب لآلامه سبق فأخبرهم بما يحتمله من آلام ومجد قيامته.
البابا غريغوريوس (الكبير)
+ تحدث مع تلاميذه عن آلامه منفردًا، إذ لم يكن لائقًا أن يعلن ذلك للجماهير لئلا يضطربوا، إنما سبق فأخبر تلاميذه حتى إذ يتوقعونها يقدرون أن يحتملونها...
لقد سبق فأنبأ إشعياء عن ذلك، قائلاً "بذلت ظهري للضاربين، وخدّي للناتفين، وجهي لم أستر عن العار والبصق" (إش 50: 6)، كما أنبأ عن الصلب: "سكب للموت نفسه، وأُحصي مع آثمة" (إش 53: 12)... لكن داود أنبأ عن قيامة المسيح: "لا تترك نفسي في الجحيم" (مز 16: 10).
القديس يوحنا الذهبي الفم
+ طريق الله صليب يومي. لم يصعد أحد إلى السماء براحة. إننا نعلم إلى أين يؤدي طريق الراحة، وأين ينتهي. أما من يكرس نفسه لله من كل قلبه فلن يتركه الله بدون اهتمام، بل يجعله يهتم من أجل الحقيقة، وعندئذ يدرك أن الأحزان المرسلة إليه ليست سوى دليل عناية الله به.
مار إسحق السرياني
6. الاستنارة (تفتيح عينيّ الأعمى)
إن كان الرب قد طالبنا بالمثابرة على الصلاة بلا انقطاع لكي نبقى دومًا في حضرته ننعم بالحديث الحبّي معه، وأن حياة الصلاة يلازمها روح التواضع (كما فعل العشار) ممتزجة ببساطة الطفولة والتحرر من كل عبودية لمحبة المال، مع قبول للصليب بفرح، فإن غاية هذه الحياة هي تفتيح البصيرة الداخلية لمعاينة الصديق السماوي. هنا نسمع صلوات الأعمى الجالس على الطريق يستعطى، الفعّالة رغم قلة كلماتها، إذ "صرخ قائلاً: يا يسوع ابن داود ارحمني" [38].
لقد رذل المحيطون بالسيد هذه الكلمات أو الناطق بها، إذ انتهروه ليسكت، لكنه في لجاجة "صرخ أكثر كثيرًا يا ابن داود ارحمني" [39]. استطاع بصرخات قلبه المملوء إيمانًا أن يوقف الموكب كله ليجد السيد المسيح يأمر بأن يُقدم إليه، وإذ اقترب منه سمعه يقول: "ماذا تريد أن أفعل بك؟" [41]. بالصلاة الملتهبة تمتع الأعمى باقترابه من السيد وسماعه صوته ونوال نعمة البصيرة والتبعية للسيد، إذ يقول الإنجيلي: "وفي الحال أبصر، وتبعه وهو يمجد الله، وجميع الشعب إذ رأوا سبحوا الله" [43]. انفتحت بصيرته لرؤية الرب، ولسانه لتمجيد الله، وكان علة تسبيح جميع الشعب لله.
لقد سبق لنا الحديث عن تفتيح عيني هذا الرجل في دراستنا لإنجيلي متى 20: 29الخ. ومرقس (10: 46 الخ)، مكتفيًا هنا ببعض تعليقات قليلة.
+ لقد تمم ربنا المعجزة في الطريق ليظهر أنه لا يسير حتى في الطريق دون أن يفعل صلاحًا، مقدمًا نفسه مثالاً لتلاميذه، لنكون نافعين في كل الأشياء، ولا يكون شيء باطلاً فينا.
الأب ثيؤفلاكتيوس
+ يرمز العمى للجنس البشري، الذي في أبينا الأول الذي لم يجد بهاء النور السماوي، فسادت الظلمة (على الجنس البشرى).
"أريحا" تعني "القمر"، هذا الذي يتضاءل كل شهر إشارة إلى ضعفنا كقابلين للموت. أما أن اقتراب خالقنا إلى أريحا قد وهب الأعمى بصيرة، فيعني أنه إذ أخذ ضعف جسدنا ردّ للبشرية البصيرة التي فقدتها...
الذين كانوا يتقدمون يسوع وهو قادم يمثلون الشهوات الجسدية والرذائل الكثيرة، التي تعمل في قلوبنا، وتشتت أفكارنا وتفسد صلواتنا. لكن الأعمى كان يصرخ أكثر كثيرًا، لأنه كلما هاجمتنا الأفكار التي لا تهدأ يلزمنا بالأكثر أن نصلي في حرارة.
البابا غريغوريوس (الكبير)
من أقوال الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
الإصحاح الثامن عشر
الآيات (1-8): (مثل الأرملة وقاضي الظلم)
الآيات (9-14): (الفريسي والعشار
الآيات (15:18-17): في كتاب إنجيل متى (مت13:19-15)
الآيات (18:18-27): في كتاب إنجيل متى (مت16:19-26)
الآيات (28:18-30): في كتاب إنجيل متى (مت27:19-30)
الآيات (31:18-34): في كتاب إنجيل متى (مت17:20-19)
الآيات (35:18-43): في كتاب إنجيل متى (مت29:20-34)
الآيات (1-8): "وقال لهم أيضاً مثلاً في أنه ينبغي أن يصلى كل حين ولا يمل. قائلاً كان في مدينة قاض لا يخاف الله ولا يهاب إنساناً. وكان في تلك المدينة أرملة وكانت تأتى إليه قائلة انصفني من خصمي. وكان لا يشاء إلى زمان ولكن بعد ذلك قال في نفسه وإن كنت لا أخاف الله ولا أهاب إنساناً. فإني لأجل أن هذه الأرملة تزعجني انصفها لئلا تأتى دائما فتقمعني. وقال الرب اسمعوا ما يقول قاضي الظلم. أفلا ينصف الله مختاريه الصارخين إليه نهارا وليلا وهو متمهل عليهم. أقول لكم انه ينصفهم سريعاً ولكن متى جاء ابن الإنسان ألعله يجد الإيمان على الأرض."
بعد أن أعطى السيد علامات مجيئه الثاني، وأن هناك ضيق شديد سيصاحب هذه الأيام. نجده هنا يشرح الطريق الذي ينبغي أن نسلكه، وهذا الطريق هو الصلاة بلا ملل= ينبغي أن يُصلَّى في كل حين ولا يُمَلَّ= هذا هو السهر المطلوب. ما معنى الصلاة كل حين؟ وما معنى صلوا بلا إنقطاع (1تس17:5)؟ لاحظ فهناك 7صلوات أجبية، وعند الشروع في عمل يجب أن نصلي، في أوقات الفرح أو في أوقات الحزن يجب أن نصلي، في الضيق أو التجارب، في الشكوك أو الإضطهادات يجب أن نلجأ لله. هناك من يردد صلاة يسوع بقلبه بعد أن بدأ بلسانه، وهناك من يردد مزاميره متأملاً فيها. هذه الصلة وهذا الإتصال بالله يحمينا من كل محاولات إبليس ضدنا. إبليس إن وَجَدَ إنساناً في حالة صلاة لا يستطيع معه شئ. والصلاة هي التي تعطينا تعزية وقت الضيق، وتعطينا ثباتاً وقت الفرح، حتى لا ننجرف وراء أهوائنا وننسى الله.
أرملة= أي في حالة ضعف فقد فقدت سندها وأضحت عرضة للجور والمعنى أن نصلي ونحن شاعرين بضعف حالنا وأنه لا قوة لنا ولا سند سوى الله. وإن كان القاضي الظالم قد إستجاب لها فكم بالأولى الله القاضي العادل أبي الأنوار، ولكن لنتعلم من هذه الأرملة إصرارها في الطلب ولجاجتها.
إنصفني من خصمي= خصمها هو إبليس وشهوات جسدنا والعالم (رو23:7). والله سينصفنا ويجعلنا ندوسه لو كنا في حالة صلة مع الله مستمرة بالصلاة. فتقمعني= هي نفس كلمة أقمع جسدي وأستعبده (1كو27:9). والقمع هو الضرب بقبضة اليد تحت العين. والصورة إستعارية تشبيهية بطبيعة الحال، وكأنما القاضي يقول لئلاَّ تأتي علىًّ بتوسلاتها مرة بعد مرة، وهذا بالنسبة له كأنه قمع.
وهو متمهل عليهم.. ينصفهم سريعاً= متمهل عكس سريعاً. ولكن هذا بالمفهوم البشري الزمني. فالإنسان إذ يريد حل مشكلته الآن، يريد حلها الآن وليس بعد ساعة. والله يستجيب في الوقت المناسب. لذلك يتصور الإنسان أن الله متمهل إذ يطيل أناته، ولكن الله إستجاب الصلاة منذ بدايتها. الله لا زمني، وهو أصدر أحكامه أزلياً وحكمه ثابت. فلنصلي والإستجابة ستأتي ولكنها ستأتي في الوقت المناسب، وحتى تأتي الإستجابة يملأنا الله عزاء وسلاماً وراحة حتى وإن لم تحل المشكلة زمنياً. الله يستجيب في الوقت الذي يراه مناسباً (2بط9:3+ 2بط15:3). وقد يتركنا فترة نتنقى فيها كالذهب في البوتقة وحوله النيران، وهو يستجيب حين نتنقي وليس قبل ذلك. والمسيح هنا يكشف عن أهمية الإلحاح في الصلاة، ليس لأن الله قاضي ظالم لا يسمع من أول مرة، ولكن [1] حتى نتعزى فنصبر [2] لكي نتنقى [3] الله يستجيب في الوقت المناسب، ونحن محتاجين للصلاة لنشعر بوجود الله جانبنا [4] مسرة الله أن يسمع إلحاح شعبه وهذا يعلن عن إيمانهم. فهم يصلون بثقة ودليل ذلك إلحاحهم وهذا دليل على إيمانهم. ولكن الإيمان معرض لأن ينطفئ. وكثرة الصلاة تقوي الإيمان. فلكي لا يضعف الإيمان وقت التجربة علينا أن نصلي بلا ملل "إسهروا وصلوا لئلا تدخلوا في تجربة" (لو46:22) والتجربة هنا هي ترك الإيمان + (لو31:22،32) [5] في الوقت المناسب يعطينا الله أكثر مما طلبنا وأكثر ممّا نظن أو نفتكر أو نطلب (أف20:3). ولكن ضعف المحبة لله تجعلنا نتشكك في إستجابة الله لنا.
· لاحظ أن السيد قال هذا بعد أن أعلن عن علامات مجيئه، وأن الخطايا ستزداد على الأرض "لكثرة الإثم تبرد محبة الكثيرين" (مت12:24)
وهنا يقول متى جاء إبن الإنسان ألعله يجد الإيمان على الأرض لذلك يوصي السيد بأن نصلي دائماً بلا ملل فالأعداء كثيرين فهناك أعداء خارجين وشياطين، وأضداد للمسيح كثيرين، وهناك في داخلنا شهواتنا وخطايانا. والسيد يعلن أن من يسقط كثيرين وتبرد محبتهم، حتى يكاد الإيمان أن يختفي.. إذاً فلنصلي ولنذكر أن الله يستجيب دائماً لصلوات أولاده ولكن هناك ثلاث طرق للإستجابة: [1] يستجيب فوراً [2] يستجيب بعد وقت وفي الوقت المناسب [3] لا يستجيب لطلبتنا فهي ليست في صالحنا (كما رفض طلبة بولس حينما طلب الشفاء).
الآيات (9-14): "وقال لقوم واثقين بأنفسهم انهم أبرار ويحتقرون الآخرين هذا المثل. إنسانان صعدا إلى الهيكل ليصليا واحد فريسي والآخر عشار. أما الفريسي فوقف يصلي في نفسه هكذا اللهم أنا أشكرك أني لست مثل باقي الناس الخاطفين الظالمين الزناة ولا مثل هذا العشار. أصوم مرتين في الأسبوع واعشر كل ما اقتنيه. وأما العشار فوقف من بعيد لا يشاء أن يرفع عينيه نحو السماء بل قرع على صدره قائلاً اللهم ارحمني أنا الخاطئ. أقول لكم أن هذا نزل إلى بيته مبرراً دون ذاك لأن كل من يرفع نفسه يتضع ومن يضع نفسه يرتفع."
في الآيات السابقة رأينا أهمية الصلاة بلا ملل وبلجاجة، وهنا نرى شرطاً آخر لتكون صلواتنا مقبولة، وهو أن نصلي ونحن شاعرين أننا لا نستحق شيئاً، نشغر بخطايانا أنها السبب في أننا لا نستحق شيئاً. الشعور بأننا خطاة لا نستحق شيئاً، ونقف لا نطلب شئ سوى مراحم الله "اللهم إرحمني أنا الخاطئ" هو الطريق المقبول للحصول على مراحم الله. وهذا هو نفس الدرس الذي أخذناه من قصة المرأة الخاطئة التي بللت قدمي السيد بدموعها ومسحتهما بشعر رأسها فهي قد حصلت على الخلاص وعلى غفران خطاياها بينما لم يحصل الفريسي الذي إستضاف الرب في بيته عليهما، فمن يقترب من المسيح شاعراً بإحتياجه للمسيح ليغفر ويرحم، شاعراً بخطاياه التي تجعله غير مستحق لشئ، صارخاً طالباً الرحمة، فهذا يخلص (لو36:7-50) ومن صلاة هذا العشار تعلمت الكنيسة صلاة يسوع التي نرددها "يا ربي يسوع المسيح إرحمني أنا الخاطئ" وأيضاً في كل صلوات الكنيسة نردد صلاة "يا رب إرحم". نرى في هذا المثل أن كل من يتكل على بره يسقط ومن يتكل على بر المسيح شاعراً بخطاياه يتبرر. من يتكل على بره يرى في نفسه كل الحسنات ولا يرى في غيره سوى السيئات (رؤ17:3-19).
علينا أن نحمل روح الإتضاع فينا، أي [1] نشعر بأننا لا شئ بسبب خطايانا [2] نشعر بأننا بالمسيح فقط تغفر خطايانا فنشكره ونسبحه العمر كله. ولاحظ قبول العشار مع أنه خاطئ ولكنه متضع شاعر بخطيته، وعدم قبول الفريسي مع أنه يدفع عشوره ويصوم مرتين، فقد كان الفريسيون يصومون يومي الإثنين والخميس. لقد إنتزعت من العشار شروره، إذ إنتزعت عنه أم كل الشرور، أي المجد الباطل والكبرياء. فالمتكبر يسهل وقوعه في إدانة الآخرين بل في أي خطية. ونلاحظ أن صلاة الفريسي كانت تدور حول محور واحد وهو الذات. فكانت صلاته عن نفسه وعنها وإليها فكلمة أنا هي محور صلاته، حتى شكره لله كانت تهنئة لنفسه على بره وأنه أفضل من الآخرين. فلننظر لأنفسنا أننا آخر الكل ولو كنا قد بلغنا قمة الفضيلة. فالكبرياء قادر أن يسقط حتى السمائيين، بينما أن الإتضاع يرفع من هاوية الخطايا. ولاحظ أنه ربما كان الفريسي حين صلَّى كان محقاً فيما قاله وأنه لم يكذب، ولكن الله لا يريد أن نذكره بفضائلنا فهو يعرفها بل لنذكر له خطايانا لكي يرحمنا. لاحظ قول الرب لملاك كنيسة أفسس "أنا عارف أعمالك وتعبك وصبرك.." (رؤ2:2،3) أي لا داعي أن تذكرني بأعمالك فأنا أعرفها. لا داعي أن نقف أمام الله ونضع الأكاليل على رؤوسنا، بل ننتظر الحكم من الله، بل نردد مع داود "خطيتي أمامي في كل حين" ومن يذكر خطاياه ويتضع ينساها له الله.
(لو 15:18-17):-
فقدموا إليه الأطفال أيضا ليلمسهم فلما رآهم التلاميذ انتهروهم. أما يسوع فدعاهم وقال دعوا الأولاد يأتون إلى ولا تمنعوهم لان لمثل هؤلاء ملكوت الله. الحق أقول لكم من لا يقبل ملكوت الله مثل ولد فلن يدخله.
راجع تفسير (مت 1:18-6) بعض الأباء قدموا أطفالهم للسيد ليباركهم، أما التلاميذ إنتهروا الأطفال بحسب المفهوم اليهودى الذى يحتقر الأطفال(فلا يصح أن يوجدوا فى حضرة المسيح). ولكننا نجد هنا السيد يحنو على الأطفال كما يحنو على كل ضعيف. ومن يقبل للرب فى بساطة الأطفال يحتضنه الرب كما إحتضن هؤلاء الأطفال (مر16:10) ويباركه. وباركهم= الكلمة اليونانية تعنى باركهم بشدة مرة ومرات.
(لو18:18-27):-
وسأله رئيس قائلا أيها المعلم الصالح ماذا اعمل لأرث الحياة الأبدية. فقال له يسوع لماذا تدعوني صالحا ليس أحد صالحا إلا واحد وهو الله. أنت تعرف الوصايا لا تزن لا تقتل لا تسرق لا تشهد بالزور اكرم أباك وأمك. فقال هذه كلها حفظتها منذ حداثتي. فلما سمع يسوع ذلك قال له يعوزك أيضا شيء بع كل ما لك ووزع على الفقراء فيكون لك كنز في السماء وتعال اتبعني. فلما سمع ذلك حزن لأنه كان غنيا جدا. فلما رآه يسوع قد حزن قال ما اعسر دخول ذوي الأموال إلى ملكوت الله. لان دخول جمل من ثقب إبرة ايسر من أن يدخل غني إلى ملكوت الله. فقال الذين سمعوا فمن يستطيع أن يخلص. فقال غير المستطاع عند الناس مستطاع عند الله.
هذه القصة مرتبطة بما سبق، فما سبق أن الرجوع لبساطة الطفولة هو شرط لدخول الملكوت، وتحدثنا هذه القصة عن الشرط الثانى وهو عدم الإعتماد على شىء سوى الله.
ومن لوقا نفهم ان هذا الشاب كان رئيس أى رئيس مجمع لليهود أو عضو فى السنهدريم لكنه كان صادقاً فى سؤاله للمسيح لذلك أحبه يسوع (مر10:21).وقيل عنه ركض وجثا إذاً هو مهتم ويحترم المسيح.
أيها المعلم الصالح.. لماذا تدعونى صالحاً.. ليس صالح إلاّ واحد وهو الله المسيح لم يقل له لا تدعونى صالحاً، والمسيح قال عن نفسه، أنا هو الراعى الصالح (يو11:10). ولكن المسيح أراد ألاّ يكلمه الشاب بلا فهم كما إعتادوا أن يكلموا معلمى اليهود، إذ يطلقون عليهم ألقاب لا تطلق إ لاّ على الله وحده والمسيح لا ينخدع بالألقاب التى تقال باللسان، بل هو يطلب إيمان هذا الشاب القلبى بأنه هو الله، وانه هو الصالح وحده "من منكم يبكتنى على خطية (يو 46:8). والمسيح كان يقود الشاب خطوة خطوة. وكانت الخطوة الأولى أن يقوده للإيمان به، أنه هو الله، فبدون الإيمان لا يمكن فعلاً حفظ وصايا الناموس وبالتالى لا يمكن له أن يرث الحياة الأبدية. وإذا آمن هذا الشاب لأمكنه حفظ الوصايا. فكيف يصير كاملاً ؟ الخطوة التالية هى التخلى عن الثقة فيما نملكه وأن نضع كل ثقتنا فى المسيح هذا هو المعنى المطلوب لقول السيد أذهب بع أملاكك... والسيد بنفسه فى (مر 24:10) فسر ما يعنيه بالقول السابق حين قال = ما أعسر دخول المتكلين على الأموال إلى ملكوت الله = فالبيع معناه أن أفقد إهتمامى بالشىء ولا أعود أعتمد عليه أو أضع فيه ثقتى =إتبعنى وبهذا المفهوم يستطيع الغنى أن يعطى للفقراء وللمحتاجين من ثروته دون خوف من المستقبل، فالله يدبر المستقبل، ولا يخاف مثلاً أن تضيع ثروته، فالله هو ضمان المستقبل، وليس الثروة. والسيد فى إجابته لم يقل أن الأغنياء لن يدخلوا إلى ملكوت السموات بل سيد خلوا إن هم قبلوا الدخول من الباب الضيق = مرور جمل من ثقب إبرة أيسر من أن يدخل غنى إلى ملكوت الله = ثقب الإبرة هو باب صغير داخل باب سور أورشليم الكبير. فهم تعودوا على إغلاق أبواب أورشليم قبل الغروب، وحينما تأتى قافلة متأخرة لا يفتحون الباب الرئيسى، بل باب صغير فى الباب الرئيسى. والجمل لا يستطيع أن يدخل من هذا الباب الصغير (ويسمى ثقب الإبرة) إلاّ بعد أن يناخ على ركبتيه (يركع على ركبتيه) وتُنْزَلْ كل حمولته ويُجَّرْ ويُدْفَعْ للداخل.وهكذا الغنى لا يدخل ملكوت السموات إلاّ لو تواضع وشعر أن كل أمواله هى بلا قيمة. وتدفعه النعمة دفعا، هذا معنى أنه عند الله كل شىء مستطاع = فالنعمة تفرغ قلب الغنى من حب أمواله وتلهب قلبه بحب الكنز السماوى. راجع (اتى 17:6-19). ومعنى الكلام أن الأغنياء يمكنهم ان يدخلوا الملكوت لو قبلوا الدخول من الباب الضيق والنعمة تعين من يريد.والمسيح بإجابته ليس أحد صالح يوجه الكل إلى عدم الرغبة فى محبة أى كرامة أو ألقاب مبالغ فيها، وأن ننسب كل كرامة لله لا لأنفسنا. وبقوله إذهب وبع كل أملاكك= هو قد لمس نقطة ضعف هذا الشاب أولا وهى محبته للأموال.
الله ليس ضد الأغنياء فهو جعل سليمان الملك غنياً جداً وإبراهيم وإسحق ويعقوب وأيوب كانوا من الأغنياء. لكن المهم عند الرب هو أن لا يعتمد أحد أو يضع ثقته فى أمواله.
مضى الشاب حزيناً= فالطبيعة البشرية بحكم التصاقها الشديد بمغريات هذا العالم، من العسير عليها جداً أن تترك العالم بإختيارها الطبيعة وتلتحق بالله والروحيات، ولكن بمساعدة نعمة الله تستطيع. هذا الشاب اراد أن يجمع بين حبه لله وحبه للمال ولكن محبة المال هى عداوة لله وأصل لكل الشرور (1تى 9:6،10). والعبادة يحب ان تكون لله وحده. وطالما هذا الشاب معلق بحب المال بهذه الصورة، فيستحيل عليه أن يحفظ الوصايا تماماً.
والعجيب ان الله يفيض من البركات الزمنية مع البركات الروحية لمن ترك محبة العالم بإرادته (مت 29:19). وهذا ما حدث مع بطرس وباقى التلاميذ، فقد تركوا شباكاً ومهنة صيد وحصلوا على محبة الناس فى كل مكان وزمان وعلى أمجاد أبدية.
ولاحظ فى (مر19:10) أن السيد يضع من ضمن الوصايا لا تسلب فالرب غير مقيد بحرفية الوصية، بل هو يشرح روح الوصية، والوصية العاشرة تتكلم عن لا تشته بيت قريبك ولا إمرأته ولا عبده.. والأغنياء والحكام والرؤساء ومنهم هذا الشاب معرضون بحكم قوتهم ومركزهم أنهم إذا إشتهوا ما لقريبهم أو جارهم يأخذوه منه عنوة أى يسلبوه، وهم أيضاً ينهبون أجر الفعلة (يع 4:5) (راجع قصة أخاب ونابوت اليزرعيلى)
§ كثيرون من الأغنياء تبعوا يسوع مثل نيقوديموس ويوسف الرامى ولم يطلب منهم أن يبيعوا ما لهم ولكنه طلب هذا من الشاب لأنه كان متعلقاً بأمواله وأحبها أكثر من الله. فكانت أمواله هى التى تمتلكه وليس هو الذى يمتلكها. لذلك تصلى الكنيسة "صلاحاً للأغنياء". الله خلق العالم والمادة والأموال لنستعملها لا لتستعبدنا، وبهذا بدلاً من أن تسند الأموال الناس ربطت البعض فى شباك التراب، والسيد شرح أن العيب ليس فى المال بل القلب المتكل على المال (كما شرح هذا إنجيل مرقس إذ قال ما أعسر دخول المتكلين على الأموال…). ولما سمع التلاميذ هذا التعليم بهتوا إلى الغاية.. قائلين.. فمن يستطيع أن يخلص = لقد أدرك التلاميذ صعوبة الطريق بسبب إغراءات المال، وهم يعلمون أن الناس منكبين على المال لا يستطيعون أن يتخلوا عنه. واليهود كانوا يعتقدون ان لا شىء يفضل على الماديات.
§ واضح أن هذا الشاب كان يبحث عن طريق الكمال، لقد حفظ وصايا الناموس فماذا بعد ؟ ماذا يعوزنى بعد (مت 20:19) إذاً هو يطلب الكمال الذى فوق الناموس، ولا كمال فوق الناموس سوى المسيح الذى قال جئت لأكمل. لذلك حين قال الشاب للسيد "أيها المعلم الصالح" كان رد المسيح يعنى "أنت لاتؤمن إنى الله، وإرتدائى للجسد قد ضللك فلماذا تنعتنى بما يليق بالطبيعة العلوية وحدها مع أنك لا تزال تحسبنى إنساناً مثلك" وبهذا كان المسيح يجتذبه للإيمان به كإبن لله فهذا هو طريق الكمال، وإذا آمن به وجد فيه كل كفايته، وَجَدَ فيه اللؤلؤة الكثيرة الثمن، حينئذ يسهل عليه بيع اللالىء الكثيرة التى لديه أى يبيع أمواله، ويضع كل إعتماده وإتكاله عليه فقط.
§ فى الثلاثة أناجيل تأتى قصة ذلك الشاب الغنى وقول المسيح أن من العسير دخول الأغنياء إلى الملكوت، مباشرة بعد قصة مباركته للأطفال وقوله أن لمثل هؤلاء ملكوت السموات، فالأطفال فى بساطتهم وعدم تعلقهم بالعالم يسهل دخولهم للملكوت، أماّ من تثقل بمحبة العالم فمثل هذا يصعب دخوله للملكوت. وبهذا فالإنجيل يعرض صورتين متناقضين أحداهما للحياة والأخرى للموت ليختار كل إنسان بينهما.(تث 10:30). الصورتين إحداهما تصور البساطة مع غنى الله والملكوت والأخرى تصور غنى العالم ومجده وهو زائل وفانى وسوف نتركه.
§ ليس معنى هذه القصة أن الفقراء سيدخلون الملكوت بلا نقاش، فهناك فقراء بلا قناعة، متذمرين، يلعنون الزمان الذى جعلهم فقراء هكذا، يشتهون المال ضماناً لمستقبلهم، غير شاكرين الله على ما أعطاهم، فهؤلاء والأغنياء هم وجهان لعملة واحدة. العُملة هى عدم الإتكال على الله.
(لو 28:18-30):-
فقال بطرس ها نحن قد تركنا كل شيء وتبعناك. فقال لهم الحق أقول لكم أن ليس أحد ترك بيتا أو والدين أو اخوة أو امرأة أو أولادا من اجل ملكوت الله. إلا ويأخذ في هذا الزمان إضعافا كثيرة وفي الدهر الأتي الحياة الأبدية
بطرس هنا يقارن بينه وبين الشاب الغنى الذى رفض بيع أمواله وربما كان بطرس يريد أن يطمئن على نفسه. ولكن لنسأل بطرس ماذا تركت وماذا أخذت ؟ بطرس ترك شباكاً بالية وربما تركها لأنه ظن أنه يحصل من المسيح على مجد زمنى حين يملك المسيح. والمهم أن ندرك أن كل ما نتركه لن يزيد عن كونه أشياء بالية، بجانب ما سنحصل عليه من أمجاد فى السماء وتعزيات على الأرض= مئة ضعف = ربما ينظر الإنسان بفخر أن ما تركه لأجل المسيح كان شيئاً ذو قيمة، لكن حقيقة فإنه لا يوجد فى العالم شىء له قيمة. والله يعطى الكثير لمن يترك فهناك حقيقة مهمة.."أن الله لا يحب أن يكون مديوناً " ولكن لاحظ الآية فى (مر 30:10) يأخذ مئة ضعف الآن فى هذا الزمان … مع اضطهادات حقاً سيعوض الله من يترك العالم بخيرات زمنية مع تعزيات، ولكن لا ننسى أننا طالما نحن فى العالم، فالإضطهادات والضيقات هى ضريبة يفرضها العالم ورئيسه على من يحتقر العالم ويختار الحياة الأبدية، والله يسمح بهذه الضيقات 1) حتى لا يتعلقوا بالماديات ويفقدوا شهوتهم للسماء 2) بهذه الضيقات نَكْمُلْ ونزداد نقاوة 3) خلال الضيقات تزداد تعزيات الله 4) من يشترك مع المسيح فى الصليب سيكون شريكه فى المجد. تجلسون على إثنى عشر كرسياً تدينون أسباط إسرائيل =سيكون التلاميذ فى يوم الرب العظيم كديانين للأسباط الإثنى عشر، لأن ما كان ينبغى لهؤلاء أن يفعلوه، أى أن يؤمنوا بالمسيح ويكرزوا به ويكونوا نوراً للأمم قد تخلوا عنهُ ولم يقوموا به، ولكن التلاميذ وهم من شعب اليهود أى لهم نفس ظروف اليهود قد قبلوا المسيح وآمنوا به وكرزوا به وصاروا نوراً للعالم، بل هم تركوا كل شىء لأجله. فماذا سيكون عذر اليهودى الذى رفض المسيح وهو يرى أمامه التلاميذ الذين هم مثله فى كل الظروف فى مجد عظيم بسبب إيمانهم بالمسيح. مئة ضعف=الذى يقبل أن يترك من أجل المسيح سيعوضه المسيح هنا فى هذه الأرض بكل الخيرات المادية التى يحتاجها والأهم التعزيات السماوية. فالراهب أو البتولى الذى يرفض الزواج يُحرم من وجود زوجة وأبناء له، ولكنه يتقبل من الله سلاماً فائقاً ولذة روحية خلال إتحاده مع عريس نفسه يسوع، هذه اللذة تفوق كل راحة يقتنيها زوج خلال علاقته الأسرية. وكل هذا ما هو إلاّ عربون ما سوف يناله من مجد أبدى.
لاحظ قوله إخوة وأخوات وأولاداً.. وإمرأة = هذه شريعة الزوجة الواحدة، فلم يقل من يترك نساء بل إمرأة. والترك يعنى محبه المسيح أكثر وهناك شرط أن يكون الترك لأجل المسيح وليس لأى غرض آخر = لأجلى ولأجل الإنجيل= لأجل خدمة كلمة الإنجيل.
أولون يكون آخِرين= هؤلاء هم من آمنوا أولاً ثم إرتدوا. والمقصود بهم اليهود والفريسيين فهؤلاء كانوا شعب الله لكنهم إذ رفضوا المسيح رُفِضُوا ويقصد بهم الأغنياء والملوك، فهم هنا أولون وفى الآخِرة آخِرون والآخِرون أولين = هؤلاء مثل الأمم كانوا فى وثنيتهم آخِرون وآمنوا بعد ذلك فصاروا أولون. وتشير للرسل والتلاميذ، فهؤلاء كانوا فقراء معدمين محتقرين فى الدنيا فجعلهم المسيح أولون. وكان من ترك حقه فى هذا العالم ليصير آخراً (أى يضع نفسه فى آخر الصفوف ) يجعله المسيح أولاً. وفى مرقس ولوقا يأتى بعد هذا مباشرة نبوة المسيح عن ألامه وصلبه وكأنه بهذا يضع نفسه كأعظم نموذج للترك، إذ ترك مجده أخذاً صورة عبد متألم يصلب فى نهاية الأمر..ولكن بعد هذا يقوم ويصعد ويجلس عن يمين الآب.. فهل نقبل أن نترك شىء لنحصل على هذا المجد المعد لنا.
(لو31:18-34):-
واخذ الاثني عشر وقال لهم ها نحن صاعدون إلى أورشليم وسيتم كل ما هو مكتوب بالأنبياء عن ابن الإنسان. لأنه يسلم إلى الأمم ويستهزأ به ويشتم ويتفل عليه. ويجلدونه ويقتلونه وفي اليوم الثالث يقوم. وأما هم فلم يفهموا من ذلك شيئا وكان هذا الأمر مخفى عنهم ولم يعلموا ما قيل
لقد إقترب ميعاد الصليب، والمسيح متجه الآن إلى أورشليم للمرة الأخيرة التى سيصلب فيها. ونسمع فى (مر32:10)أن التلاميذ كانوا يتحيرون ويخافون فهم يعرفون عداوة الفريسيين والسنهدريم لمعلمهم، وطالما تنبأ لهم المعلم بأنه سوف يتألم منهم، وها هم ذاهبون إلى أورشليم وكانوا شاعرين بان أموراً خطيرة ستحدث ولكنهم كانوا متحيرون ماذا سيحدث بالضبط. وها هو السيد يتكلم بوضوح عما سيتم حتى إذا ما كان يؤمنون (يو29:14) وإذا ما حدث ما قاله فحينئذ سيعرفون أن ما حدث كان بإرادته وسيؤمنون بالأكثر. ومع ان كلام المسيح كان واضحاً إلاّ أن التلاميذ لم يفهموا، فهم لم يتصوروا أن هذا المعلم العجيب الذى يقيم الموتى يستسلم بهدوء للكهنة =ولم يعلموا ما قيل وربما تصوروا أن ما قاله المعلم سيكون مجرد مناو شات يتسلم بعدها مُلك إسرائيل. لذلك يأتى بعد هذا مباشرة طلب إبنا زبدى أن يجلسا عن يمينه ويساره فى ملكه. فهم ما تصوروا أبداً موت المخلص الذى أتى ليخلص إسرائيل، فكيف يخلصها إن هو مات.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الاصحاح الثامن عشر
مثل قاضي الظلم * الفريسي والعشار * محبة المال * شفاء الاعمي
[ 1 ] مثل قاضي الظلم ( ع 1 - 8 )
ع 1 : الإنسان البشري يتشكك من استجابة صلاته أو يمل منها لضعف محبته لله ، وقد يرفض اللجاجة في الصلاة بفلسفة عقلية أن الله يعرف كل شئ فلماذا التكرار ، فاراد المسيح أن يظهر اهمية الالحاح علي الله في الصلاة ، لان هذا ينمي ايمان الإنسان ويظهر مدي محبته له.
ع 2 - 3 : قاضي : المسئول عن الحكم بالعدل وانصاف المظلومين
لا يخاف الله: ليس هناك في قلبه دافع للتمسك بالعدل ليرضي الله
لا يهاب إنسان : لا يعمل حسابا لراي المجتمع ، وبالتالي ليس هناك من يدعوه للعدل من اجل الراي العام.
أرملة : تمثل الإنسان الذي بلا سند فيسهل ظلمها
كانت تاتي : تكرار التجائها إلى القاضي لطلب معونته بالحكم العادل .
انصفني من خصمي : كان لها خصم مستمر في اخذ حقوقها.
المثل يقول أن هناك قاضي ظالم في إحدى المدن ، لا يعمل حسابا لله أو الناس ، إذ انه متكبر ولا يراعي أحد . وفي نفس المدينة توجد أرملة، أي إنسانة ضعيفة بلا سند ، تطلب من هذا القاضي أن ينصفها ويعطيها حقها الضائع.
ع 4 - 5 : لا يشاء إلى زمان : اهمل دعواها ولم يحكم بالعدل.
تزعجني : كثرة الحاحها يضايقني
تقمعني : تضغط علي بلجاجتها
لاجل إلحاح المرأة ، اضطر هذا القاضي الظالم أن ينصفها حتى لا تزعجه ، وليس عطفا عليها أو تمسكا بالعدل.
ع 6 - 7 : اسمعوا ما يقول : لاحظوا ما قاله هذا القاضي انه ينصف الارملة لكثرة لجاجتها
افلا ينصف : يرجع اليهم حقوقهم المسلوبة منابليس خصمهم ، فيهبهم سلامه ويخلصهم من الخطية ، بل يدوسوا قوة الشيطان
مختاريه : أولاد الله الذين اختارهم من العالم لاجل تجاوبهم معه.
الصارخين : صلوات حارة قوية
نهارا وليلا : اللجاجة والاستمرار في الصلاة
متمهل عليهم : الله يؤجل الاستجابة لفترة حتى يعطي العطية في احسن وقت لكيما ينمي ايمان ومحبة أولاده وجهادهم ولكنه لا ينساهم، بل لابد أن ينصفهم في النهاية ويهبهم عطاياه الجزيلة.
إن كان قاضي الظلم يستجيب لالحاح المرأة المظلومة ، فبالاولي الله العادل المحب يستجيب لاولاده عندما يلحون عليه في الصلاة لينقذهم من الاشرار ومن حروب ابليس.
ع 8 : أقول لكم : تاكيد للكلام التالي.
سريعا: لن يتاخر عن الميعاد المناسب بحسب حكمته لفائدة أولاده، بل في احسن وقت يهبهم عطاياه خاصة إذا نظرنا إلى فترة العمر القصيرة بالقياس بالابدية.
يؤكد المسيح هنا اهمية ارتباط اللجاجة في الصلاة بالايمان، ويتساءل هل في مجيئه الثاني سيجد ايمانا قويا عند الكثيرين أي صلوات حارة بلجاجة؟
+ كن مؤمنا بسمعا الله لصلواتك حتى لو تمهل في الاستجابة ، وداوم علي الصلاة لتعلن محبتك وتمسكك به.
[ 2 ] الفريسي والعشار ( ع 9 - 14 )
ع 9 : يحتقرون الآخرين : الذين يتكبرون يقعون بسهولة في ادانة بل احتقار الآخرين .
واجه المسيح مجموعة من المتكبرين يسلكون في الحياة الروحية بتدقيق ولكنهم يشعرون ببرهم الذاتي ، فاعطاهم مثلا يعلمهم من خلاله اهمية الاتضاع.
ع 10 : يظهر المثل أن الكل بشر في نظر الله ايا كان مركزهم، ولكن التقييم يكون بحسب حياتهم الروحية واتضاعهم. كان غرض الاثنين هو الصلاة ، وهذا غرض مقدس ، ولكن الاهم هو كيفية الصلاة.
احدهما كان من فئة الفريسيين المتمسكين بالشريعة ولكن يشعرون بتميزهم وبرهم عن الآخرين ، أما العشار فكان سلوكه في الحياة شرير مرتبط بمحبة المال والقسوة علي الآخرين، ولكن الجزء الحسن هو انه أراد أن يصلي وتكون له علاقة مع الله .
ع 11 : مثل باقي الناس : يضع نفسه في مرتبه عالية وباقي اناس في مرتبة حقيرة لاجل شرورهم .
بدا الفريسي صلاته بالشكر ، وهو أمر جميل ولكن ظهر من شكره انه يشعر بافضليته ، بل ادانته لعموم الناس الساقطين في الخطايا مثل السرقة والظلم والزنا، بل اكثر من هذا ادان بالتحديد انسانا مثله ، وهو العشار الذي دخل ليصلي معه.
ع 12 : اكمل الفريسي صلاته منتفخا ببره الذاتي في إتمام الوصايا مثل الصوم وتقديم
العشور .
ع 13 : أما الشخص الأخر وهو العشار فشعر بخطاياه الكثيرة ، وانه غير مستحق للصلاة والوجود في بيت الله ، لذا وقف منبعيد ينظر إلى الهيكل بخشوع واتضاع ، بل قرع صدره معلنا ندمه وتوبته علي كل خطاياه السابقة، طالبا باتضاع رحمة الله وغفرانه معترفا بخطاياه بقوله أنا الخاطئ .
يرمز الفريسي للامة اليهودية المتكبرة بمعرفتها عن الله وشرائعه ، أما العشار فيرمز للامم الخطاة الآتين باتضاع للمسيح فينالون الخلاص دون المتكبرين من اليهود.
ع 14 : أقول لكم تاكيد لاهمية الكلام التالي .
هذا العشار
ذاك الفريسي
جاء رد السماء بغفران خطايا العشار المتضع وتبريره من كل خطية ، أما الفريسي المتكبر فرفضت صلاته بل صارت دينونة له وتثبيتا لخطاياه علي راسه.
ثم يعلق المسيح إلهنا علي المثل بان من يرفع نفسه ويتكبر يرفضه الله وينزله إلى الجحيم ، أما من يتضع في توبة وانسحاق يكرمه الله ويرفعه ليتمتع معه في الملكوت السماوي.
+ انظر إلى خطاياك وضعفك فتتضع أمام الله ، ويدفعك هذا لعلاقة قوية معه توض فيها ما فاتك ، بل وتنظر إلى فضائل المحيطين بك لتقتدي بهم.
[ 3 ] إهتمام المسيح بالاطفال ( ع 15 - 17 )
ذكر هذا الحديث أيضا في ( مت 19 : 13 - 15 ؛ مر 10 : 13 - 16 )
ع 15 : أراد بعض الناس من الجموع أن ينال اطفالهم بركة من المسيح ، فقدموهم إليه ليلمسهم، أما التلاميذ فشعروا أن مكانة المسيح اعظم من أن يهتم بالاطفال ، فحاولوا ابعادهم حتى لا يشغلوا معلمهم عن تعاليمهم وشفائه للمرضي بهذا الامر التافه.
ع 16 : اهتم المسيح بالاطفال ، ونبه تلاميذه ليتركوا الأطفال يقتربون إليه وباركهم ، بل أعلن حقيقة هامة وهي تميز الأطفال في طباعهم عن الكبار ، وأن من لهم هذه الطباع من البراءة والمحبة للاخرين وتقدير اهتمام منحولهم ( مثلما يفرح الطفل بمحبة والديه وعطاياهم له ) هم المؤهلون لدخول ملكوت السماوات.
و لم يقل لهؤلاء الأطفال بل لمثل هؤلاء أي من له طباع الأطفال من الكبار وليس فقط الأطفال .
و ينبغي أن نهتم بالضعفاء فهم أيضا محتاجون مثل الأطفال .
ع 17 : ذكرت أيضا في ( مت 18 : 3 )
اكد المسيح اهمية أن نكتسب طباع الأطفال كشرط لدخول الملكوت.
+ تامل صفات الأطفال القريبيين منك وحاول أن تتعلم منهم شيئا ، فقد وضعهم الله في طريقك ليس فقط لتعلمهم بل لتتعلم منهم أيضا.
[ 4 ] محبة المال ودخول ملكوت السماوات ( ع 18 - 30 )
ذكر هذا الحديث أيضا في ( مت 19 : 16 - 29 ؛ مر 10 : 17 - 27 ، 32 - 34 )
ع 18 : تقدم شاب يهودي كما تذكر اناجيل متي ومرقس ، وكان رئيس مجمع من مجامع اليهود ، وسال المسيح كيف يرث الحياة الأبدية ، وحدثه باحترام قائلا أيها المعلم الصالح .
ع 19 : قبل أن يرد المسيح علي سؤاله لماذا تدعوني صالحا ، هل هي كلمات التعظيم التي يقولها البعض دون فهم ، أم انك تعني إني الله لأنه لا يوجد أحد صالح إلا الله وحده . فيقصد المسيح هنا أن يواجه الشاب نفسه هل يؤمن بلاهوت المسيح فيطلب منه أن يعرفه طريق ملكوت السماوات ، أم هو في نظره مجرد معلم من معلمي اليهود ، أم انه يجربه هل سيرشده ارشادات بحسب شريعة موسى أو مخالفة لها ، ليصطاد عليه خطا.
ع 20 : لم يقل المسيح وصايا جديدة لأنه اتي ليكمل وليس لينقض ، واشار علي هذا الرئيس بان يحفظ الوصايا العشر ، وليتاكد انه يقصد هذه الوصايا وليست وصايا أخرى جديدة يعلمها المسيح، اعطاه امثلة لها وهي " لا تزن لا تقتل ..."
ع 21 : أجاب الرئيس بسرعة معلنا حفظه للوصايا منذ طفولته ، وهو يقصد الحفظ الذهني والتطبيق الحرفي وليس كل اعماق الوصايا بدليل ظهور تعلقه بالماديات بعد ذلك اكثر من محبة الله ، وهذا مخالف لروح الوصايا.
ع 22 : طلب منه المسيح أن يبيع ممتلكاته ويوزع ثمنها علي الفقراء ، ويتبع المسيح معتمدا عليه فقط وليس علي امواله. وقد وجه المسيح نظر هذا الرئيس إلى الكنز السماوي الذي يناله بعمل الرحمة افضل من الممتلكات الارضية.
ع 23 : كشف المسيح خيطة هذا الرئيس ، وهي محبة المال ، وقد حزن قلبه لأنه لا يستطيع أن يبيع الأموال والممتلكات لاجل الله ، وبهذا حكم علي نفسه انه غير مستحق لملكوت السماوات.
+ إسال نفسك هل أنت مستعد ، ولو بالنية فقط ، أن تترك كل ما عندك وتحتفظ بايمانك بالله ، أم انك تكسر الوصايا وقلبك متعلق بالماديات؟ إن التطبيق العملي لترك محبة المال هو ترك جزئي وتدريجي واعطاء العشور بل اكثر منها ، وعمل الرحمة مع الجميع.
ع 24 : أعلن المسيح خطورة مشكلة التعلق بالمال الذي يمنع دخول الملكوت لان الاغنياء غالبا ما يعتمدون علي اموالهم ويتعلقون بها. فما اعسر دخولهم إلى ملكوت السماوات ! والحل الوحيد هو أن يتكلوا علي الله فقط ويستخدمون اموالهم في احتياجات معيشتهم وعمل الخير ، ولا يضطربون إذا فقدوا الكثير منها . إذا فالمقصود ليس عدم دخول الاغنياء إلى الملكوت ، بل المتكلين والمتعلقين باموالهم.
ع 25 : لاظهار استحالة دخول المتكلين علي اموالهم إلى الملكوت ، أعطى تشبيها بان مرور جمل من ثقب ابرة اسهل من دخول متكل علي ماله إلى الملكوت أي انه مستحيل أن يدخل.
ع 26 - 27 : شعر السامعون بصعوبة التنازل عن محبة المال ، ولكن المسيح شجع جميع الاغنياء بقوله انه لا يوجد مستحيل عند الله، فبمعونته يستطيع الاغنياء أن يتخلصوا من تعلقهم بالمال .
ع 28 : فهم التلاميذ اهمية أن يترك الاغنياء عنهم محبة المال ، لذا قال بطرس نيابة عن التلاميذ إننا قد تركنا كل شئ وتبعناك ، وهم لم يتركوا إلا الشباك البالية ومراكب الصيد وأعمال بسيطة هي حرفهم.
ع 29 - 30 : أجاب المسيح مظهرا اهتمامه باي شئ يتركه الإنسان لأجله، سواء كان ممتلكات مادية أو علاقات عاطفية من ارتباطات بالاهل والاصدقاء والاحباء لاجل الارتباط بمحبة الله وخدمته. فالله يعوضه باضعاف في هذه الحياة ، أي يعطيه احتياجاته المادية وصحته ويعطيه نعمة في اعين الكل . مثل الراهب الذي يترك عدد محدود من الاقرباء ، فيفتح قلبه بالحب للجميع ويصير الكل احباءه، وهكذا الخادم الذي يتنازل عن بعض وقته وراحته وتمتعه مع المقربين لاجل خدمة المسيح ، يكسب نفوسا كثيرة ويصير الكل احباءه ثم ينال ما لا يعبر عنه وهو سعادة الأبدية .
+ انظر إلى نعم الله التي تنالها بالسلام والفرح والبركات الكثيرة ، فتتنازل بسهولة عن أي شئ لاجل محبته.
[ 5 ] إخبار تلاميذه بآلامه ( ع 31 - 34 )
ذكر أيضا في ( مت 20 : 17 - 19 ؛ مر 10 : 32 - 34 )
ع 31 : افرد المسيح بتلاميذه ليخربهم عن آلامه التي يحتملها لاجل فداء العالم ، هذه الآلام التي تنبا عنها الانبياء ، وبدا يشرح لهم هذه النبوات ، وأن ذلك سيتم قريبا لانهم كانوا متجهين نحو أورشليم حيث سيتم كل هذا . وإن كان المسيح قد تكلم عنالترك والتجرد ، فهو يقدم نفسه مثلا عمليا في الترك حتى الموت من اجل محبته لنا .
ع 32 - 33 : شرح لهم كيف سيقبض عليه الرومان ، أي الأمم ، ويستهزئون به ويضربونه ثم يقتلونه ، ولكنه سيقوم من الاموات في اليوم الثالث .
+ إن كانت هناك آلام تقابلك ، فثق انه يعقبها بركات ، وعلي قدر صعوبة الآلام تزداد البركات .
ع 34 : أراد المسيح أن يعدهم لاستقبال آلامه ولكنهم لم يفهموا ، لان ذهنهم كان مرتبطا بان المسيح سيكون ملكا ارضيا ، ولكن بعد قيامته تذكروا كل ما قاله لهم و آمنوا.
و قد سمح المسيح بان يكون هذا مخفيا عنهم حتى لا ينزعجوا ويخافوا ، ولكن تذكر كلامه بعد القيامة يساعدهم علي الإيمان.
[ 6 ] شفاء الاعمي في طريق اريحا ( ع 35 - 43 )
ذكرت هذه المعجزة أيضا في ( مت 20 : 29 - 34 ؛ مر 10 : 46 - 52 )
ع 35 - 37 : كان المسيح في طريقه إلى أورشليم فمر بمدينة اريحا وهناك وجد اعمي جالسا علي الطريق يستعطي . وكان المسيح قاصدا أن يمر في هذا الوقت ليشفيه ، فهو يعمل الخير في كل وقت حتى وهو سائر في الطريق.
و سمع الاعمي ضجيج جموع مقبلة عليه ، فسال ما هذا فاخبروه أن يسوع المسيح ومعه الجموع مقبلون عليه .
+ ليتك تنتهز كل فرصة لعمل الخير حتى وأنت في الطريق أو في أي مكان تدخل إليه ، فصلي في كل مكان وقدم كلمات مشجعة لمن تقابله وساعد كل من يطلب منك.
ع 38 - 39 : آمن الاعمي بان هذا هو المسيا المنتظر ابن داود، وطلب منه أن يرحمه ومن كثرة صراخه حاولت الجموع المتقدمة اسكاته حتى لا يزعج المسيح ، أما هو فازداد صراخا وتضرعا نحو المسيح معلنا ايمانا قويا لا يمكن ايقافه.
إن الاعمي يرمز للبشرية التي فقدت قدرتها علي رؤية الله ، ولكن إذا آمنت بالمسيح وتضرعت نحوه بايمان واتضاع ، فانها تنال الاستنارة الروحية وتعود تتمتع برؤية الله من خلال اسرار الكنيسة .
أما الجموع المتقدمة فترمز لمعطلات الإيمان من شهوات العالم وانشغالاته وكل الشكوك ، ولكن الله يسمح بها لاختبار الإيمان ثم يفيض حينئذ ببركات وفيرة علي أولاده.
ع 40 - 42 : وقف المسيح وطلب أن يري الاعمي ، فاقتربوا به إليه فسأله المسيح ماذا تريد أن افعل لك ، حتى يؤكد اهمية الإرادة الانسانية والجهاد الروحي الظاهر في الصراخ المستمر . فقال الاعمي انه محتاج أن يشفيه ليبصر ، فامر المسيح بسلطان لاهوته أن يبصر ، فانفتحت عيناه في الحال ، وأعلن المسيح الحقيقة واضحة أن ايمان الاعمي الذي دفعه في جهاد الصراخ المستمر وطلبه للشفاء هو الذي جعل المسيح يهبه نعمة البصر.
ع 43 : لقد استنار قلب الاعمي بالايمان قبل أن تستنير عيناه الجسديتان ، وعندما منحه المسيح الشفاء تبعه مع الجموع وهو يشكر الله ، وصار شكره هذا دافعا لتمجيد وتسبيح الجموع كلها للمسيح .
+ اشكر الله في كل حين علي عطاياه وفي اوقات الضيقة أيضا ، فتصير نورا في العالم تشجع الكل علي حياة الشكر .
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح