كلمة منفعة
إن الناس في حاجة إلى من يفرحهم، ويخفف عنهم متاعبهم، وبالرجاء الذي فيه يفتح طاقة من نور، تشرق وسط ضيقاتهم فتبددها وتعطيهم أملًا جديدًا..
— كُنْ بِشارة مُفْرِحَة
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
انجيل معلمنا لوقا - الاصحاح رقم 14 انجيل معلمنا لوقا الإصحاح رقم 14 الأصحاح الرابع عشر : أساسيات الصداقة الإلهيَّة إذ حدثنا عن التوبة كطريقٍ، بدونه لن نلتقي مع صديقنا السماوي، فإن هذه التوبة يجب أن تترجم عمليًا في الآتي: 1. السمو فوق الحرف 1-6. 2. عدم اشتهاء المتكآت الأولى 7-11. 3. اتساع القلب للمحتاجين 12-14. 4. الاهتمام بالدعوة للوليمة 15-24. 5. حمل الصليب 25-35. 1. السمو فوق الحرف "وإذ جاء إلى بيت أحد رؤساء الفرِّيسيِّين في السبت ليأكل خبزًا، كانوا يراقبونه. وإذا إنسان كان مستسقٍ كان قدامه. فأجاب يسوع وكلّم الناموسيين والفرِّيسيِّين، قائلاً: هل يحل الإبراء في السبت؟ فسكتوا. فأمسكه وأبرأه وأطلقه. ثم أجابهم وقال: من منكم يسقط حماره أو ثوره في بئر ولا ينشله حالاً في يوم السبت؟! فلم يقدروا أن يجيبوه عن ذلك" [1-6]. لم تكن هذه هي المرة الأولى التي فيها يقبل السيِّد المسيح الدعوة ليأكل في بيت فرِّيسي أو أحد رؤساء الفرِّيسيِّين، ولعل قبوله دعوتهم له كان أحد ملامح كرازته التي تقوم أولاً على علاقات الصداقة والحب. فإنه ما جاء لينافسهم على كراسيهم بل ليفتح قلبه بالحب لهم كما لغيرهم ليكسبهم في ملكوته أحبَّاء وأصدقاء على مستوى أبدي. يروي لنا الإنجيلي لوقا قبوله دعوة سمعان الفرِّيسي (7: 36-50) حيث التقى هناك بالمرأة الخاطئة التي قدَّمت بدموعها وحبها وليمة فائقة، فاقتنت غفران خطاياها الكثيرة. كما قبل دعوة فرِّيسي آخر حيث كشف له السيِّد مفهوم التطهير الداخلي والنقاوة القلبية عوض الاهتمام بالغسالات الجسديَّة وحدها (11: 37الخ.). والآن للمرة الثالثة يقبل الدعوة ليأكل خبزًا في بيت أحد رؤساء الفرِّيسيِّين ليكشف له عن المفهوم الحقيقي للسبت. في الدعوة الأولى يدعو السيِّد المسيح الفرِّيسيِّين للتوبة خلال الحب، وفي الثانية يطلب نقاوتهم الداخليَّة، وفي ثالثة يطلب العبادة الروحيَّة. لقد دعاه الفرِّيسي وكان مع زملائه الفرِّيسيِّين "يراقبونه" [1]؛ يريدون أن يصطادوا له أخطاء عوض الانتفاع بصداقته. يقول القدِّيس كيرلس الكبير: [دعا فرِّيسي ذو رتبة عاليَّة يسوع إلى وليمة؛ ومع معرفة السيِّد لمكر الفرِّيسيِّين ذهب معه وأكل وهو في صحبتهم. تنازل وقبل ذلك لا ليكرم من دعاه، وإنما ليفيد من هم في صحبته بكلماته وأعماله المعجزية، لكي يقودهم إلى معرفة الخدمة الحقيقيَّة، ولكي يعلمنا نحن أيضًا ذلك في إنجيله. لقد عرف أنه سيجعلهم شهود عيان - بغير إرادتهم - لسلطانه ومجده الفائق للمجد البشري، لعلهم يؤمنون به أنه الله وابن الله، الذي أخذ بالحق شبهنا دون أن يتغير أو يتحول عما هو عليه. صار ضيفًا للذين دعوه، لكي يتمم عملاً ضروريًا كما قلت، أما هم فكانوا يراقبونه، ليروا أن كان يستهين بالكرامة اللائقة بالناموس فيمارس عملاً أو آخر محرمًا في السبت. أيها اليهودي فاقد الإحساس، لتفهم أن الناموس كان ظلاً ورمزًا ينتظر الحق، وأن الحق هو المسيح ووصاياه. فلماذا تتسلَّح بالرمز ضد الحق؟ لماذا تقيم الظل مضادًا للتفسير الروحي؟ احفظ سبتك بتعقل، فإن كنت غير مقتنع بفعل هذا، فإنك تنزع عن السبت الأمور التي ترضي الله، وتكون غير مدرك للراحة (السبت) الحقيقيَّة، التي يطلبها الله منا، والتي تحدَّث عنها قديمًا في ناموس موسى. لنكف عن الخطايا، ولنسترح بترك المعاصي، ولنغتسل من الأدناس، ولنترك محبَّة الجسد الشهوانية، ولنهرب من الطمع والنهب ومن الربح القبيح ومحبَّة المال الحرام. لنجمع أولاً مئونة لنفوسنا تسندنا في الطريق، الطعام الذي يكفينا في العالم العتيد، ولنلجأ للأعمال المقدَّسة، فنحفظ السبت بطريقة عاقلة. الذين يمارسون الخدمة بينكم اعتادوا أن يقدَّموا لله الذبائح المعينة في السبت، يذبحون الذبائح في الهيكل، ويتممون أعمال الخدمة الموكل بها إليهم ومع ذلك لم ينتهرهم أحد، بل والناموس نفسه صمت! إذن، الناموس لم يمنع البشر من الخدمة في السبت. هذا كان رمزًا لنا، وكما قلت، أنه من واجبنا أن نحفظ السبت بطريقة عقليَّة، فنُسّر الله بالرائحة الذكيَّة الروحيَّة. وكما قلت قبلاً، نحقَّق هذا عندما نكف عن الخطايا، ونقدَّم لله تقدَّمة مقدَّسة، حياة مقدَّسة تستحق الإعجاب، متقدَّمين بثبات في كل الفضيلة. هذه هي الذبيحة الروحيَّة التي تسر الله. إن لم يكن لك هذا في ذهنك، فإنك إنما تلتصق بغلاظة القلب التي ذكرها الكتاب المقدَّس، تاركًا الحق كأمرٍ لا تقدر أن تقتنيه، منصتًا لقول الله الذي يخبرك بصوت إشعياء النبي: "غلظ قلب هذا الشعب، وثقل أذنيه، وأطمس عينيه، لئلاَّ يبصر بعينيه، ويسمع بأذنيه، ويفهم بقلبه، ويرجع فيُشفى" (إش 6: 10)... ماذا كانت المعجزة التي كانوا يراقبونها؟ كان يوجد قدامه إنسان مستسقٍ، فسأل الرب الناموسيين والفرِّيسيِّين أن كان يحل الإبراء في السبت أم لا؟ فسكتوا... لماذا سكت أيها الناموسي؟ اقتبس شيئًا من الكتاب المقدَّس، لتظهر أن ناموس موسى يمنع عمل الخير في السبت. برهن لنا أنه (الله) يريدنا قساة القلب بلا رحمة، من أجل راحة أجسادنا، وأن يمنع اللطف من أجل تكريم السبت. هذا ما لا تستطيع برهانه من أي جزء في الكتاب المقدَّس. إذ سكتوا بسبب المكر، فنّد المسيح عارهم الذي لا يحل، مقدَّما لهم البراهين. يقول: "من منكم يسقط ابنه (في بعض النسخ ابنه والأخرى حماره) أو ثوره في بئر ولا ينتشله حالاً في يوم السبت؟!" [5] إن كان الناموس يمنع إظهار الرحمة في السبت، فلماذا تمارسون الشفقة على الساقط في حفرة؟ لا ترتبك بالخطر الذي يحيق بابنك في السبت، بل انتهر العاطفة الطبيعيَّة التي تحثك بالحب الأبوي! لتدفع بابنك إلى القبر وأنت مبتهج، لكي تكرم واهب الناموس. كما لو كان قاسيًا غير رحيم! اترك صديقك في خطر، ولا تعطه أي اهتمام، بل وإن سمعت بكاء طفل صغير يطلب العون قل له: لتمت، فإن هذه هي إرادة الناموس! إنك لا تقبل هذا، بل تبسط يديك للمتضايق، معطيًا إيَّاه اهتمامًا أكثر من تكريمك للناموس، أو للراحة (السبت) التي بلا أحاسيس، حتى وإن كنت لم تعرف بعد أن السبت يلزم أن يُحفظ بطريقة روحيَّة. إله الجميع لا يكف عن أن يترفق، فهو صالح ومحب للبشر، لم يؤسس ناموس موسى لتحقيق الغلاظة، ولا أقامه كمعلم للقسوة، بل بالحري ليقودك لمحبَّة قريبك... إذ لم يعط اهتمامًا لحسد اليهود خلّص الرجل من مرضه أي الاستسقاء.] على أي الأحوال إن كان اليهودي حتى في حرفيته للناموس إن رأى حماره أو ثوره ساقطًا في حفرة لا يستطيع أن يقف جامدًا بل يتعدى الحرف لينقذ الحيوان من الخطر، أفليس بالأولى الله كلي الحب والرحمة إذ رأى البشريَّة وقد صارت شعبين، اليهود الذين تثقّلوا بنير الحرف القاتل فصاروا كالثور في حفرة الهلاك، والأمم قد امتلئوا غباوة خلال العبادة الوثنية فصاروا كالحمار الذي بلا فهم... أفلا يهتم الله بخلاصهم ليهبهم سبتًا حقيقيًا، وراحة على مستوى أبدي؟! هذا ويرى القدِّيس أغسطينوس أن المريض بالاستسقاء كلما شرب ماءً يزداد عطشًا، لأن الماء يُفرز عن الدم، هكذا مُحب الغنى كلما نال من البركات الزمنيَّة زاد عطشه إليها بلا شبع إذ يقول: [بحق يقارن المريض بالاستسقاء بالغني الطمّاع. الأول كلما نال رطوبة غير طبيعيَّة زاد عطشه هكذا الغني الطامع نال غنى بفيض يسيء استخدامه فيزداد شغفًا لمحبَّة الغنى.] يقدَّم لنا الإنجيلي إبراء هذا المريض بالاستسقاء، قائلاً: "فأمسكه وأبرأه وأطلقه" [4]. إنها ثلاث مراحل يجتازها الإنسان لينعم بعمل السيِّد المسيح الخلاصي، وهي: أ. أمسكه: إن كان المرض قد أمسك بحياتنا، فنحن نحتاج إلى كلمة الله، الطبيب الحقيقي الذي نزل إلينا لكي يمسك بنا، فنكون في حوزته، نقبل الالتصاق به والدخول إلى الشركة معه. يمسكنا الرب بكشفه عن أسرار حبه خلال الصليب، فيأسر حياتنا ويمتص كل مشاعرنا وأحاسيسنا لحسابه كما قدَّم حبه لنا، فنقول: "حبيبي لي وأنا له" (نش 2: 16). ب. أبرأه: إذ يمسك بنا ونحن به، ننعم بخلاصه فنبرأ من خطايانا... بمعنى آخر لقاؤنا معه يقوم على الصراحة الكاملة، نعترف له بخطايانا لننهل بالمغفرة ونتمتع بأعمال محبَّته الخلاصيَّة بلا انقطاع. ج. أطلقه: غاية الالتقاء مع المخلِّص أن نتمتع بانطلاقة الحريَّة كأولاد الله، لكي نوجد على الدوام ثابتين فيه، ونحسب ورثة الله أبينا ووارثون مع المسيح (رو 8: 17). هذا هو عمل السيِّد المسيح فينا: نلتقي به مُمسكين بمحبَّته، نبرأ به من خطايانا، نتحرَّر كأولاد الله لنوجد فيه أبديًا. 2. عدم اشتهاء المتكآت الأولى إذ أراد لنا السيِّد المسيح أن نقبل صداقته لنا سألنا أن نرتفع فوق الحرف، فلا نحفظ السبت بطريقة ماديَّة جافة، وإنما بطريقة روحيَّة لننعم بالراحة الأبديَّة، بإبرائنا لا من مرض الاستسقاء بل من كل خطيَّة، وتحريرنا لنوجد معه أبديًا، هذا ما رأيناه في العبارات السابقة، أما الآن فكصديقٍ لنا يريدنا أن نحمل سماته فينا حتى نقدر أن نلتقي معه، ولعل أهم هذه السمات هي التواضع وعدم محبَّة المتكآت الأولى. إنه لا يدعونا لعدم اشتهاء هذا الموضع لإذلالنا ولا ليقلل من كرامتنا، وإنما لأنه إذ اتضع واحتل المركز الأخير "كعبدٍ"، أرادنا أن نشتهي هذا المركز لنوجد معه خلال روح التواضع المملوء حبًا. بمعنى آخر سعْينا للمتكأ الأخير لا يقوم على شعور بالنقص ولا عن تغصب، وإنما عن حب حقيقي لحمل المسيح صاحب المتكأ الأخير. فيتجلَّى فينا، وتعلن سماته بقوَّة مشرقة على من حولنا، فيصير ذلك سرّ مجد داخلي في الرب. "وقال للمدعوين مثلاً، وهو يلاحظ كيف اختاروا المتكآت الأولى، قائلاً لهم: متى دعيت من أحد إلى عرسٍ، فلا تتكئ في المتكأ الأول، لعل أكرم منك يكون قد دُعي منه، فيأتي الذي دعاك وإياه ويقول لك أعطي مكانًا لهذا، حينئذ تبتدئ بخجل تأخذ الموضع الأخير" [7-9]. + ربما تبدو مثل هذه الأمور للبعض تافهة ولا تستحق إعارتها الانتباه، لكن متى ركز الإنسان عيني ذهنه عليها فسيتعلم من أي عيب تخلّص الإنسان، وأي تدبير حسن توجده فيه. فإن الجري وراء الكرامات بطريقة غير لائقة لا تناسبنا ولا تليق بنا، إذ تظهرنا أغبياء وعنفاء ومتغطرسين، نطلب لا ما يناسبنا بل ما يناسب من هم أعظم منا وأسمى. من يفعل هذا يصير كرهًا، غالبًا ما يكون موضع سخريَّة عندما يضطر بغير إرادته أن يرد للآخرين الكرامة التي ليست له... يلزمه أن يعيد ما قد أخذه بغير حق. أما الإنسان الوديع والمستحق للمديح الذي بدون خوف من اللوم يستحق الجلوس بين الأولين لكنه لا يطلب ذلك لنفسه بل يترك للآخرين ما يليق به، فيُحسب غالبًا للمجد الباطل وسيتقبل مثل هذه الكرامة التي تناسبه، إذ يسمع القائل له: "ارتفع إلى فوق" [10]. إذن العقل المتضع عظيم وفائق الصلاح، يخّلص صاحبه من اللوم والتوبيخ ومن طلب المجد الباطل إن طلبت هذا المجد البشري الزائل تضل عن طريق الحق الذي به يمكنك أن تكون بالحق مشهورًا وتنال كرامة تستحق المنافس! فقد كُتب: "لأن كل جسد كعشبٍ، وكل مجد إنسان كزهر عشب" (1 بط 1: 24). كما يلوم النبي داود محبي الكرامات الزمنيَّة، قائلاً لهم هكذا: "ليكونوا كعشب السطوح الذي ييبس قبل أن يُقلع" (مز 129: 6). فكما أن العشب الذي ينبت على السطح ليس له جذر عميق ثابت لذا يجف سريعًا، هكذا من يهتم بالكرامات الدنيويَّة بعد أن يصير ظاهرًا في وقت قصير كالزهرة يسقط إلى النهاية، ويصير كلا شيء. إن أراد أحد أن يسبق الآخرين فلينل ذلك بقانون السماء، وليتكلل بالكرامات التي يهبها الله. ليسمو على الكثيرين بشهادة الفضائل المجيدة، غير أن قانون الفضيلة هو الذهن المتواضع الذي لا يطلب الكبرياء بل التواضع! هذا هو ما حسبه الطوباوي بولس أفضل من كل شيء، إذ كتب إلى أولئك الذين يرغبون في السلوك بقداسة: احبوا التواضع (كو 3: 12). وقد مدح تلميذ المسيح ذلك، إذ كتب هكذا: "ليفتخر الأخ المتضع (المسكين) بارتفاعه، وأما الغني فبتواضعه لأنه كزهر العشب يزول" (يع 1: 9-10). الذهن المتضع والمنضبط يرفعه الله، إذ "القلب المنكسر والمنسحق يا الله لا تحتقره" (مز 51: 17). من يظن في نفسه أمرًا عظيمًا وساميًا فيتشامخ في فكره وينتفخ في علو فارغ يكون مرذولاً وتحت اللعنة، إذ يسلك على خلاف المسيح القائل: "تعلموا مني، لأني وديع ومتواضع القلب" (مت 11: 29). كما قيل: "لأن الله يقاوم المستكبرين، وأما المتواضعون فيعطيهم نعمة" (1 بط 5: 5). لقد أظهر الحكيم سليمان في مواضع كثيرة الأمان الذي يحل بالذهن المتضع، إذ يقول: "لا تنتفخ كي لا تسقط" (ابن سيراخ 1: 30)؛ كما يعلن ذات الأمر بطريقة تشبيهية: "المعلي بابه (بيته) يطلب الكسر" (أم 17: 19). مثل هذا يبغضه الله بعدل إذ يُخطئ في حق نفسه ويود أن يتعدى حدود طبيعته بغير شعور أسألك، على أي أساس يظن الإنسان في نفسه أمرًا عظيمًا؟!... ليت كل إنسان ينظر إلى حاله بعينين حكيمتين فيصير كإبراهيم الذي لم يُخطئ في إدراك طبيعته بل دعي نفسه ترابًا ورمادًا (تك 18: 27). القدِّيس كيرلس الكبير + هل ترفض أن تتواضع وأنت بالفعل ساقط؟! شتان ما بين من يتضع ومن هو بالفعل ساقط على الأرض. أنت مُلقى على الأرض، أفلا تريد أن تتواضع؟! القدِّيس أغسطينوس + لا يحصل طالب الكرامة على ما يطمع فيه إنما يعاني من خيبة أمل، وإذ يشغل نفسه بكيفيَّة تثقله بكرامات إذا بها يجد إهانات. وإذ لا يوجد شيء أفضل من التواضع لذلك يقود السيِّد السامع له لا إلى رفض طلب الأماكن المرموقة، وإنما يوصيه بالبحث عن الأماكن المتضعة. القدِّيس يوحنا الذهبي الفم + لا يظن أحد في وصايا المسيح هذه أنها تجعله شخصًا تافهًا غير مستحق لسمو كلمة الله وجلالها. الأب ثيؤفلاكتيوس هذا ويحذِّرنا القدِّيس باسيليوس من إساءة فهم كلمات السيِّد المسيح، فإنه طلب منا ألا نشتهي المراكز الأولى بل نطلب المتكأ الأخير، لكننا نطلبه بهدوء وفي تواضع ونظام لا خلال العنف أو حب الظهور، فإن سألنا صاحب الدعوة أن نأخذ المتكأ الأول نقبل بهدوء أيضًا ولا نفسد نظامه... بمعنى آخر أن كلمات السيِّد تمس أعماق القلب لكي لا يشتهي الإنسان المجد الباطل، سواء جلسنا هنا أو هناك. الله يطلب القلب لا المظهر الخارجي. لذلك ختم السيِّد المثل بقوله: "لأن كل من يرفع نفسه يتضع، ومن يضع نفسه يرتفع" [11]. يمكننا أن نقول بأن صاحب العرس أو الوليمة هو رب المجد يسوع نفسه الذي دعانا جميعًا لنتكئ في كنيسته، الوليمة المفرحة للنفس، فيجتاز في وسطها بلا توقف لأنها مقدَّسة ليرى أصحاب القلوب المتواضعة، فيفيض عليهم من ثمر روحه القدُّوس بغنى، ويرفعهم في أعين السمائيين والأرضيين، وكما قالت القدِّيسة مريم حين قبلت صاحب الوليمة في أحشائها: "أنزل الأعزاء عن الكراسي ورفع المتضعين" (لو 1: 52). 3.اتساع القلب للمحتاجين إذ قدَّم لنا السيِّد بتواضعه أساسًا بقبول صداقته أن نحمل فينا فكره، فنسلك بروح التواضع طالبين المتكأ الأخير، مشتهين ترك المتكآت الأولى لإخوتنا، مقدَّمين بعضنا البعض في الكرامة (رو 12: 10)، الآن يسألنا أيضًا أن نتمثل به بكونه صديقنا السماوي فنحمل قلبًا متسعًا للمحتاجين والمعوزين والمعوقين والمطرودين. إن كان الرب في تجسده قد جاء إلى الإنسان الضائع تاركًا خليقته السماويَّة، أي التسعة والتسعين حَمَلاً ليطلب الخروف الضال، محتملاً بالحب آلام الصليب ليرفعه علي منكبيه ويحمله إلى مجد سماواته، هكذا يليق بنا أن نبحث عن كل محتاج وذليل. "وقال أيضًا للذي دعاه: إذا صنعت غذاءً أو عشاءً فلا تدع أصدقاءك ولا أخوتك ولا أقرباءك ولا الجيران الأغنياء، لئلاَّ يدعوك هم أيضًا فتكون لك مكافأة. بل إذا صنعت ضيافة، فادع المساكين الجدع العرج العُمي. فيكون لك الطوبى، إذ ليس لهم حتى يكافؤك، لأنك تكافئ في قيامة الأبرار" [12-14]. + إن كنا نخجل من هؤلاء الذين لا يخجل منهم المسيح، فنحن نخجل من المسيح نفسه بخجلنا من أصدقائه. لتملأ مائدتك من العرج والمشوهين، فإن المسيح يأتيك خلالهم لا خلال الأغنياء. + إن دعوت صديقًا يبقى يشكرك حتى المساء، لكن الصداقة تبقى إلى حين وتنتهي سريعًا جدّا فلا توازي ما تكلفته من مصاريف. أما أن دعوت فقيرًا أو مشوهًا، فإن الشكر لا يفسد، لأن الله يذكره لك أبديًا، لن ينساه، إذ يكون هو نفسه مدينًا لك. + لنتبع الصداقات التي حسب الروح لأنها قويَّة ويصعب حلها، وليس الصداقات التي تقوم حول المائدة. + كلما كان أخونا متواضعًا يأتي المسيح خلاله ويفتقدنا. لأن من يستضيف إنسانًا عظيمًا غالبًا ما يفعل هذا عن مجدٍ باطلٍ... ليتنا لا نطلب القادرين أن يكافؤننا، بل نتبع القول: "فيكون لك الطوبى إذ ليس لهم حتى يكافؤك". ليتنا لا نضطرب حينما لا يُرد لنا اللطف باللطف، لأننا إن تقبلناه من الناس لا ننال ما هو أكثر، أما إذا لم يُرد لنا من البشر فالله يرده لنا. + يليق بك أن تستقبل (الفقراء) في أفضل حجراتك، فإن أحجمت عن هذا فلا أقل من أن تتقبل المسيح في الحجرات الدنيا حيث يوجد الذين يقومون لك بالأعمال الحقيرة والخدم. ليكن الفقير علي الأقل حافظًا بابك، لأنه حيث توجد الصدقة لا يقدر الشيطان أن يقتحمه ويدخل. إن لم تجلس معهم، فعلى الأقل ارسل لهم الأطباق من مائدتك. القدِّيس يوحنا الذهبي الفم يستعرض القدِّيس كيرلس الكبير تعليقاته علي هذا المثل قائلاً بأن المهتمين بتقديم صور جميلة لا يكتفون باستخدام لون واحد، هكذا إله الجميع واهب الجمال الروحي ومعلمه يزين نفوسنا بفضائل متنوعة لنحمل حياة مقدَّسة من جوانب متنوعة [ليكمل فينا شبهه.] لهذا أمر السيِّد المسيح الناموسيين والفرِّيسيِّين والكتبة أن يسلكوا بروح التواضع ويتحرَّروا من محبَّة المجد الباطل وألا يطلبوا المتكآت الأولى، والآن يطلب منهم محبَّة الفقراء، فلا يستضيفوا في ولائمهم الأغنياء لطلب المديح وحب الظهور بل المحتاجين والمعوقين والمتألَّمين بكل أنواع الأمراض الجسديَّة للحصول علي الرجاء في العلويَّات من الله نفسه. يكمل القدِّيس كيرلس الكبير حديثه عن هذه الفضيلة التي تزين النفس، قائلاً: [الدرس الذي يعلمنا إيَّاه هو حب الفقراء، الأمر الثمين في عيني الله... هل تشعر بالسرور عندما يمدحك أصدقائك وأقاربك الذين تستضيفهم في الوليمة؟ أخبرك بما هو أفضل، فإن الملائكة تمدح سخاءك، والقوات العلويَّة العاقلة والقدِّيسون يفعلون ذلك، بل والله أيضًا يقبل هذا الذي يسمو بالكل ويحب الرحمة وحنون. اقرضه ولا تخف، فسيرده إليك ومعه ربا، إذ قيل "من يرحم الفقير يقرض الرب" (أم 19: 17). أنه يعرف القرض ويعد بالوفاء به (مت 18: 23 الخ)... اقتن النعمة النابعة عن الله. اقتن لك رب السماء والأرض صديقًا، فإنه بالحق يقتني الإنسان صداقة البشر غالبًا بذهبٍ كثيرٍ، فإن تصالح معنا أصحاب الرتب العاليَّة نشعر بفرحٍ عظيمٍ بتقديم هدايا أكثر من طاقتنا بسبب نوالنا كرامة الالتصاق بهم، ومع هذا فإن هذه الأمور زائلة، تنتهي سريعًا تعبر كخيال الأحلام. ألا يليق بنا أن نحسب عضويتنا في بيت الله تستحق أن نقتنيها؟ أما نحسبها أمرًا عظيمًا؟! فبالتأكيد بعد القيامة من الأموات سنقف في حضرة المسيح، وتُقدَّم المكافأة للمترفقين والرحماء، وتكون الدينونة قاسيَّة علي العنفاء الذين لم يكن لهم الحب الطبيعي... إذ قيل: "لأن الحكم هو بلا رحمة لمن لم يعمل رحمة" (يع 2: 13).] أما العلامة أوريجينوس فإذ يأخذ بالتفسير الرمزي. يرى في الوليمة، المائدة الروحيَّة حيث يليق بنا نطرد عنا المجد الباطل ونستضيف الفقراء أو المساكين أي الجهلاء الذين تعوزهم الحكمة، لكي يجدوا في مائدتنا السيِّد المسيح الذي يغني الكل. ونستضيف الضعفاء الذين يقاومون الضمير الداخلي لكي يبرأوا داخليًا. كما نستضيف العرج، أي الذين ضلّوا عن السلوك في الحق لكي يجدوا الطرق المستقيمة في الرب؛ ونستضيف العُمي الذين ليس لهم بصيرة روحيَّة لإدراك الحق لكي يتمتعوا بالنور الحقيقي... هؤلاء ليس لهم ما يكافؤننا به إذ لا يجدوا ما يجيبون به علينا أمام الكرازة المملؤة حبًا! 4. الاهتمام بالدعوة للوليمة إذ أراد السيِّد المسيح كفنانٍ ماهرٍ أن يصوّر أذهاننا بألوان الفضيلة المتباينة كما قال القدِّيس كيرلس الكبير ليشكل أيقونة جميلة علي مثاله، تحمل صورته، أوصانا أن نفتح قلوبنا بالحب للمساكين والمعوزين والمشوهين جسديًا وروحيًا لإشباعهم لحساب الرب نفسه، منتظرين المكافأة العلويَّة من الله وحده. لكننا لن نقدر أن نفتح قلبنا بالحبٍ كوليمة نستضيف فيها اخوتنا الأصاغر ما لم ننعم نحن أولاً كأطفالٍ أصاغر بالدخول إلى الوليمة الإلهيَّة. لهذا جاء حديث رب المجد موجهًا إلينا لكي نقبل التمتع بوليمته ولا نرفض دعوته إلينا... ندخل إلى وليمته الروحيَّة، فتصير قلوبنا ذاتها وليمة محبَّة لإخوتنا في الرب. "فلما سمع ذلك واحد من المتكئين، قال له: طوبى لمن يأكل خبزًا في ملكوت الله. فقال له: إنسان صنع عشاءً عظيمًا ودعا كثيرين. وأرسل عبده في ساعة العشاء ليقول للمدعوين: تعالوا، لأن كل شيء قد أعد" [15-17]. إذ سمع المتكئون حديث السيِّد المسيح السابق، أراد أحدهم أن يتمتع بالمكافأة التي وعد بها السيِّد من يدعو الفقراء في ولائمه، فظن أن المكافأة هي تمتع بولائم ماديَّة في ملكوت السماوات، إذ قال: "طوبى لمن يأكل خبزًا في ملكوت الله". هكذا كان قادة الفكر اليهودي ماديين في تفكيرهم حتى بالنسبة لملكوت الله، أما أولاد الله فيجدون شبعهم لا في الطعام المادي، بل في الله نفسه "الحب الحقيقي"، لذلك يقول القدِّيس إكليمنضس السكندري: [الفلاسفة أحكم من الأغنياء، إذ لا يدفنون أذهانهم في الطعام، ولا ينخدعون بملذّاته. الحب (أغابي) هو الطعام السماوي، مائدة العقل. المحبَّة تحتمل كل شيء، وتصبر علي كل شيء، وتترجى كل شيء. المحبَّة لا تسقط أبدًا (1 كو 13: 7-8).] يقول القدِّيس كيرلس الكبير: [ربما لم يكن هذا الإنسان قد صار روحيًا بعد، بل كان جسديًا، لا يقدر أن يفهم ما نطق به المسيح بطريقة سليمة، لأنه لم يكن ممن آمنوا ولا نال العماد. ظن أن مكافآت القدِّيسين عن أعمال محبَّتهم المشتركة تخص أمور الجسد.] إذ كان هذا الرجل - غالبًا من الفرِّيسيِّين المدعوين عند أحد رؤسائهم - يمثل الفكر اليهودي المادي حتى في الأمور السماويَّة، لهذا قدَّم لهم السيِّد المسيح المثل التالي ليكشف لهم عن سرّ رفض الكثيرين للدعوة السماويَّة، ألا وهو انحدار الفكر نحو الأمور الماديَّة، وانغماس النفس في الزمنيات، واستعبادها للشهوات الزائلة، إذ قال الرب: "إنسان صنع عشاءً عظيمًا، ودعا كثيرين. وأرسل عبده في ساعة العشاء ليقول للمدعوين: تعالوا لأن كل شيء أُعد. فابتدأ الجميع برأي واحد يستعفون. قال له الأول: إني اشتريت حقلاً، وأنا مضطر أن أخرج وأنظره، أسألك أن تعفيني. وقال آخر: إني اشتريت خمسة أزواج بقر وأنا ماضِ لأمتحنها، أسألك أن تعفيني. وقال آخر: إني تزوجت بامرأة، فلذلك لا أقدر أن أجيء. فأتي ذلك العبد وأخبر سيِّده بذلك" [16-21]. + نفهم الإنسان هنا يشير لله الآب... هو خالق المسكونة، وأب المجد، قد أعد عشاءً عظيمًا، أي وليمة للعالم كله تكريمًا للمسيح. في الأيام الأخيرة للعالم، أي أيامنا هذه قام الابن لأجلنا، فيها أيضًا احتمل الموت من أجلنا وسلم جسده مأكلاً، بكونه الخبز النازل من السماء، يعطي حياة للعالم. نحو المساء أيضًا، علي ضوء السراج كان الحمل يُقدَّم ذبيحة حسب شريعة موسى، لهذا فالدعوة التي قدَّمها المسيح دُعيت عشاءً. بعد ذلك، من هو الذي أُرسل، والذي قيل عنه أنه عبد؟ ربَّما يقصد المسيح نفسه، فمع كونه بالطبيعة هو الله الكلمة، ابن الله الآب... لكنه أخلى نفسه وأخذ شكل العبد. بكونه إله من إله فهو رب الكل، لكن يمكن تسميته عبدًا من جهة ناسوته. ومع أنه أخذ شكل العبد كما قلت فهو رب بكونه الله. متى أُرسل؟ عند العشاء، فإن ابن الله الآب الوحيد لم ينزل من السماء ويصير في شكلنا في بداية هذا العالم، بل بالحري عندما أراد الكلي القدرة نفسه ذلك في الأزمنة الأخيرة كما سبق فقلت. وما هي طبيعة الدعوة؟ "تعالوا، لأن كل شيء قد أعد"، لأن الله الآب يُعد لسكان الأرض في المسيح المواهب التي تُعطى للعالم خلاله، من غفران للخطايا، وغسل الأدناس، وشركة الروح القدس، والتبني المجيد كأبناء، وملكوت السماوات. دعا المسيح إسرائيل لهذه البركات بوصايا الإنجيل قبل الآخرين كلهم. ففي موضع يقول بصوت المرتل: "قد أقمت ملكًا بواسطته - أي بالله الآب - علي صهيون جبل قدسي لأخبر بوصايا الرب" (راجع مز 2: 6-7). مرة أخري قيل: "لم أُرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة" (مت 15: 24). هل كان تصميمهم هذا لصالحهم؟ هل أُعجبوا بلطف ذاك الذي أمرهم وعمل ذاك الذي جاء ليخدمهم بالدعوة؟ بلى، إذ "ابتدأ الجميع برأي واحد يستعفون"، بمعنى أنهم بدون تأجيل استعفوا عن قبول الدعوة... ها أنت تدرك كيف لم يستطيعوا أن يدركوا الأمور الروحيَّة بتسليم أنفسهم للأمور الزمنيَّة فصاروا كمن هم بلا إحساس، إذ غلبتهم محبَّة الجسد صاروا بعيدين عن القداسة، طامعين، شغوفين نحو الغنى. طلبوا الأمور الدنيا ولم يعطوا أقل اهتمام للرجاء فيما يخزنه الله فوق. فإن اقتناء مباهج الفردوس لهو أفضل من الحقول الأرضية؛ وجمع ثمار البرّ أفضل من الثمار الزمنيَّة التي نبتغيها من نير الثيران، إذ كُتب: "ازرعوا لأنفسكم بالبّر، اجمعوا ثمر الحياة كحصاد كرم السنة" (راجع هو 10: 12). ألم يكن من واجبهم عوض أن ينجبوا أولادًا حسب الجسد أن يكون لكم الثمر الروحي؟ لأن الأولين يخضعون للموت والفساد، أما الآخرون فيسكنون أبديًا كقدِّيسين. القدِّيس كيرلس الكبير نعود للمثل لنجد صاحب الوليمة يرسل قبل العشاء مباشرة ليدعو الكل، إذ كانت العادة في الشرق هكذا يرسل صاحب الوليمة عبيده أولاً ليدعو أصدقائه، وقبل الأكل مباشرة يرسل ثانية يتعجلهم. هكذا سبق فأرسل الله لنا الأنبياء أولاً، حتى قبل وليمة الصليب أرسل ابنه الوحيد مخليًا ذاته كعبدٍ يدعونا إلى وليمة الحب الإلهي، إلى ذبيحته التي يمكن أن تشبع الكل. وكما يقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم: [حقًا، لقد قدَّمت الذبيحة عن البشريَّة كلها، وهي كافيَّة لخلاص الجميع، لكن لا يتمتع ببركتها سوى المؤمنون وحدهم.] من هم المعتذرون؟ يقول القدِّيس أغسطينوس أنهم ثلاثة أنواع: أولاً: الإنسان الذي اشترى حقلاً: يمثل من له سلطان علي بقعة معينة، فيرمز للكبرياء. ثانيًا: من اشترى خمسة أزواج بقر، يشير إلى المرتبك بالأمور الحسيَّة الجسديَّة، إذ لكل إنسان خمس حواس جسديَّة (النظر، السمع، اللمس، الشم، التذوق) لها أثرها علي النفس، كمن يحمل خمس حواس خفيَّة. فمن يرتبك بهذه الحواس في الأمور الأرضية تشغل جسده كما نفسه عن التمتع بملكوت الله. ثالثًا: المعتذر بالزواج: يشير إلى من حوّل حتى المقدَّسات إلى لذة جسديَّة تعوقه عن اللذة الروحيَّة. يلخص القدِّيس أغسطينوس هذه الأعذار قائلاً: [ليتنا نترك الأعذار الباطلة الشرِّيرة، ونأتي إلى العشاء الذي يجعلنا في شبع داخلي. ليتنا لا ننتفخ بالكبرياء الذي يعوقنا، ولا أيضًا حب الاستطلاع الذي يفزعنا ويبعدنا عن الله، ليت ملذّات الجسد لا تعوقنا عن لذة القلب. لنأتِ ولنشبع!] ويرى القدِّيس أمبروسيوس في تعليقاته علي إنجيل لوقا أن المعتذرين الثلاثة يمثلون محبَّة العالم بطرق متنوعة، الأول ينشغل بالأرضيات فيقتني لنفسه مسكنًا أرضيًا يشغله عن ملكوت الله، لذا جاءت وصيَّة الرب: "بع أملاكك وتعال اتبعني" (مت 19: 21). وأيضًا شراء البقر يشير إلى الارتباك بأعمال العالم، لذلك ذبح إليشع فدان بقر وسلق اللحم بأدوات البقر وأعطى الشعب ليأكلوا (1 مل 19: 21). والثالث الذي تزوج يشير إلى من يهتم بما للعالم ليرضي زوجته (1 كو 7: 33). يمكننا أن نقول ليس العيب في الحقل (المسكن الأرضي)، ولا في البقر (العمل)، ولا في الزوجة (العلاقة الأسريَّة)، إذ يمكن للإنسان أن يتقدس جسده مع نفسه أن يكون بيته وعمله وأسرته مقدَّسا للرب، إنما العيب في الارتباك بهذه الأمور خارج دائرة الحب الإلهي والاهتمام بالميراث الأبدي. يقول القدِّيس أمبروسيوس أن البعض يقدَّمون تفسيرًا آخر وهو أن المستبعدين من الوليمة ثلاثة: الأمم الوثنية، واليهود (الجاحدون)، والهراطقة. فالأمم يمثلون محبَّة المال والطمع، لذا يوصينا الرسول أن نهرب من الطمع (رو 1: 29) لئلاَّ نُعاق من الوليمة كالأمم، كما يقول: "فإنكم تعلمون هذا أن كل زانٍ أو نجسٍ أو طماعٍ الذي هو عابد للأوثان ليس له ميراث في ملكوت المسيح والله" (أف 5: 5). ويحمل اليهود (كالخمسة أزواج بقر) نير الناموس بطريقة حرفيَّة قاتلة، وهي خمسة أزواج، أي عشرة إشارة إلى الوصايا العشرة. وقد قيل للسامريَّة: "كان لك خمسة أزواج" (يو 4: 18). أما نحن فقد أخذنا المسيح الذي وضع علينا نير محبَّته الإلهيَّة (مت 11: 30). ولعل الهراطقة يشّبَهون بالمرتبك بامرأته إذ يرفضون الكنيسة العروس الحقيقيَّة للسيد المسيح ليقيم لأنفسهم زوجة تعوقه بالتعاليم الفاسدة عن العرس السماوي. ويرى البابا غريغوريوس (الكبير) أن المرتبك بالحقل يشير إلى من يهتم بالأمور الخارجيَّة لحياته لا بالحياة الروحيَّة الداخليَّة. والمهتم بالخمسة أزواج بقر يشير إلى من يهتم بالأمور الحسيَّة الجسديَّة لا الحياة السرائريَّة العميقة. والمرتبك بزوجته يشير إلى من يشوه الزواج، فعوض قبوله للإنجاب يتحول إلى مجالٍ لشهوة الجسد وملذّاته. ويرى العلامة أوريجينوس أن من يقتني الحقل مستهينًا بالوليمة هو ذاك الذي يتقبل تعاليم لاهوتيَّة مغايرة رافضًا كلمة الحق. ومن يشتري خمسة أزواج بقر هو من يستهين بطبيعته العاقلة الروحيَّة ليخضع لحواس الجسد، فلا يدرك الروحيات. وأما من يتزوج فيشير لمن ارتبط بالجسد، مهتمًا بالملذّات الجسديَّة أكثر من الله. أخيرًا فإن كثير من الآباء تحدَّثوا عن رافض الدعوة بسبب زواجه، مؤكدين أن القرابات العائليَّة خاصة الزوجيَّة مقدَّسة إن كانت في الرب لبنيان النفس: + إنني لا أرفض رباط الزواج، لا بل أسلم به في حب أعظم، لأنني بهذا أشهد معترفًا لزوجتي التي عينها لي الرب وأكرّمها، ولا أرفض الارتباط بها برباط الحب في المسيح الذي لا ينفك أبدًا. الأب ثيوناس + إله السلام الذي يحثُّنا أن نحب أعدائنا لا يدخل فينا الكراهية والانحلال من جهة من هم أعزاء علينا. إن كنا نحب أعداءنا فبالأكثر نرتفع لنحب الأعزاء القريبين منا... إن كان أب أو ابن أو أخ شرِّيرا يعوق الإنسان عن الإيمان ويصده عن الحياة العلويَّة فلا يصادقه ولا يتفق معه إنما لينحل من رباطاته الجسديَّة (في هذا الشأن). القدِّيس إكليمنضس السكندري الآن إذ كشف السيِّد المسيح في مثله عن العينات الرافضة لوليمته الإنجيليَّة بسبب الارتباط بالأمور الزمنيَّة والشهوات الجسديَّة، أكمل حديث رب البيت هكذا: "أخرج عاجلاً إلى شوارع المدينة وأزقتها، واِدخِل إلى هنا المساكين والجدع والعرج والعمي" [21]. إن كان الرافضون للوليمة في المرتبة الأولى يمثلون اليهود جاحدي الرسالة الإنجيليَّة، فإن حديث رب البيت هنا يشير إلى فتح باب الإيمان لجميع الشعوب والأمم التي عاشت زمانًا في العبادات الوثنية ورجاساتها. فكانت أشبه بالمساكين، ليس لهم كنوز الوصايا الإلهيَّة أو التنبؤات، وكالجدع والعرج مشلولي الحركة الروحيَّة، كالعمي بلا بصيرة داخليَّة. كانوا كمن هم في الشوارع والأزقة ليس لهم بيت الله يستريحون فيه. والآن تنفتح لهم أبواب المدينة السماويَّة لينعموا بالمائدة الإلهيَّة ويوجدوا في حضرة الله أعضاء جسد المسيح، أبناء الله الحي. + جاء الأمم من الشوارع والأزقة، ليت الهراطقة يرجعون من السياجات ويتخلصون من الأشواك! القدِّيس أغسطينوس + الذين هزمتهم مصائب هذا العالم ألزمهم حب الله بالعودة والدخول. مرعبة هي العبارة التاليَّة: "لأني أقول لكم أنه ليس واحد من أولئك الرجال المدعوين يذوق عشائي" [24]. ليته لا يحتقر أحد الدعوة، لئلاَّ إذ يُدعى يعتذر، وعندما يود الدخول لا يستطيع ذلك! البابا غريغوريوس (الكبير) + يرسل عبيده ليدعو المساكين والجدع والعرج والعمي، لأن "الحكمة تنادي في الخارج" (أم 1: 20). أرسل يدعو الخطاة، ليَّاتوا من الطريق الرحب إلى الضيق (مت 7: 13). أرسل عبده إلى شوارع المدينة وأزقتها، فإن الذين يتأهلون لملكوت الله يلزمهم أن يتركوا اشتهاء الأمور الحاضرة ويسرعون إلى الخيرات العتيدة (التي كما في سياج وليس في الشوارع والأزقة). فإن السياج تفصل الأراضي المزروعة عن الشوارع لتمنع الحيوانات من الدخول فلا تتلف الزرع. هكذا بدرع الإيمان (كما بسياج) نميز الخير عن الشر لنقاوم تجارب الأرواح الشرِّيرة. لهذا عندما أراد الرب أن يُظهر محافظته على كرمه قال: "أحاطه بسياج" (مت 21: 33). القدِّيس أمبروسيوس + الذين كان لهم المركز السامي بين عامة الشعب لم يخضعوا للمسيح، عندما قال لهم: "احملوا نيري" (مت 11: 29)، بل رفضوا الدعوة، ولم يقبلوا الإيمان، وبقوا مبتعدين عن الوليمة، محتقرين العشاء العظيم خلال عصيانهم العنيف. يظهر عدم إيمان الكتبة والفرِّيسيِّين بالمسيح من كلماته لهم: "لأنكم أخذتم مفتاح المعرفة، ما دخلتم أنتم، والداخلون منعتموهم" (لو 11: 52). عوضًا عنهم قدَّمت الدعوة للذين في الشوارع والأزقة المنتسبين أيضًا لعامة الشعب اليهودي، الذين كانوا أيضًا مرضى فكريًا وضعفاء ومعوقين... فيُحسبون كعمي وعرج، لكنهم صاروا في المسيح أقوياء وأصحاء تعلموا المشي باستقامة وتقبلوا النور الإلهي في ذهنهم... لاحظ أيضًا دعوة الأمم بعدما دخل هؤلاء (البسطاء من) اليهود في الإيمان. فقد كان الأمميون في القديم مساكين في أذهانهم ليس لهم ثقافة (روحيَّة) من جهة الفهم، قل أنهم كانوا خارج المدينة، يعيشون بلا ناموس كقطيع حملانٍ أكثر منهم بشر، قليلاً ما يستخدمون العقل. لهذا السبب أرسل من يدعو للعشاء إلى الذين هم في الطرق خارج المدينة... بل كمن يلزمهم بالدخول. مع هذا فدعوة البشريَّة للإيمان عمل اختياري، يقبلونه بكامل حريَّة إرادتهم، فيصيرون مقبولين لدى الله، ويتمتعون بفيض عطاياه. القدِّيس كيرلس الكبير كيف يلزمهم بالتمتع بالوليمة مع أن الدعوة اختياريَّة للإيمان؟ يجيب القدِّيس كيرلس الكبير بأن الأمم صارت كمن في عبوديَّة إبليس غير قادرة على الحركة، تحتاج إلى من يجتذبها من هذه العبوديَّة كقول السيِّد: "لا يقدر أحد أن يقبل إليّ أن لم يجتذبه الآب" (يو 6: 44). هذا الاجتذاب يتحقَّق بقوَّة الله العامل في الأمم ليقبلوا السيِّد المسيح. فالالتزام هنا لا يعني فقدان الإنسان حريَّة إرادته، إنما تقديم العون الإلهي الذي يدفعه للإيمان. الإنسان في إيمانه أيضًا يسأل الرب بكمال حريته أن يقتنصه لملكوته كمن يلزمه، بمعنى أنه بإرادته يسلم حياته في يّد الرب ليعمل الله فيه حسب إرادته الإلهيَّة. لعل أيضًا الإلزام هنا لا يعني إلزام الأفراد لقبول الدعوة، وإنما إلزام الأمم بعد أن رفض اليهود، فدخلت الشعوب الأممية إلى الإيمان المسيحي. 5. حمل الصليب إن كانت الصداقة الإلهيَّة تستلزم فينا حمل سمات صديقنا الأعظمk وقبول دعوته لوليمته الإنجيليَّة، فإن هذه الصداقة تقوم داخل دائرة الصليب. حمل صديقنا الصليب من أجلنا، فلنحمله نحن أيضًا من أجله! هذا هو حساب النفقة التي سألنا السيِّد أن نضعها في الاعتبار لبناء برج الصداقة. "وكان جموع كثيرة سائرين معه، فالتفت وقال لهم: إن كان أحد يأتي إليّ، ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده وإخوته وأخواته حتى نفسه، فلا يقدر أن يكون لي تلميذًا" [25-26]. إذ كانت الجموع تلتف حوله، وتسير وراءه، يعلن السيِّد لهم مفهوم "الصداقة معه" والالتفاف حوله والسير وراءه. إنه لا يطلب المظهر الخارجي المجرد، إنما يطلب اللقاء القلبي أولاً حينما يرفض القلب ألا يدخل أحد فيه لا الأب ولا الأم ولا الابن إلا عن طريق الصديق الأعظم يسوع المسيح. حتى نفوسنا لا نحبها خارج الله! هذا هو مفهوم الحب الحقيقي، ألا وهو قبول الصليب مترجمًا عمليًا ببغض كل علاقة خارج محبَّة الله. بمعنى آخر إن كنت أبغض أبي وأمي وأبنائي وإخوتي حتى نفسي، إنما لكي أتقبلهم في دائرة حب أعمق وأوسع، إذ أحبهم في الرب، أحب حتى الأعداء والمقاومين لي في الرب الذي أحبني وأنا عدو ومقاوم ليغتصبني لملكوته صديقًا ومحبوبًا لديه. + ربما يقول البعض: ما هذا يا رب؟ أتحتقر نواميس العاطفة الطبيعيَّة؟ أتأمرنا بأن يكره أحدنا الآخر وأن نستهين بالحب الواجب من الآباء نحو الأبناء، والأزواج نحو الزوجات، والإخوة نحو بعضهم البعض؟ هل نحسب أعضاء البيت أعداء لنا، مع أنه يليق بنا أن نحبهم؟ هل نجعلهم أعداء لكي نقترب إليك ونقدر أن نتبعك؟ ليس هذا هو ما يعنيه المخلِّص، فإن هذا فكر باطل غير لائق؛ لأنه أوصانا أن نكون لطفاء حتى مع الأعداء القساة، وأن نغفر لمن يسئ إلينا، قائلاً: "أحبوا أعدائكم، وصلوا لأجل الذين يسيئون إليكم"، كيف يمكنه أن يرغب فينا أن نبغض من ولدوا في نفس العائلة، وأن نهين الكرامة اللائقة بالوالدين وأن نحتقر إخوتنا؟ نعم حتى أولادنا بل وأنفسنا؟ ما يريد أن يعلمنا إيَّاه بهذه الوصايا يظهر واضحًا لمن يُفهم مما قاله في موضع آخر عن ذات الموضوع: "من أحب أبًا أو أمًا أكثر مني فلا يستحقني، ومن أحب ابنًا أو ابنة أكثر مني فلا يستحقني" (مت 10: 37). فبقوله: "أكثر مني" أوضح أنه يسمح لنا بالحب لكن ليس أكثر منه. أنه يطلب لنفسه عاطفتنا الرئيسيَّة، وهذا حق، لأن محبَّة الله في الكاملين في الذهن لها سموها أكثر من تكريم الوالدين ومن العاطفة الطبيعيَّة للأبناء. القدِّيس كيرلس الكبير + واضح أن الإنسان يبغض قريبه حينما يحبه كنفسه. فإننا بحق نبغض نفوسنا عندما لا ننهمك في شهواتها الجسديَّة، بل نخضعها ونقاوم ملذّاتها. بالبغضة نجعل نفوسنا في حالة أفضل كما لو كنا نحبها بالبغضة (كراهية شرها). البابا غريغوريوس (الكبير) + الله لا يريدنا أن نجهل الطبيعة (الحب الطبيعي العائلي) ولا أيضًا أن نُستعبد لها، وإنما نُخضع الطبيعة، ونكرم خالق الطبيعة، فلا نتخلى عن الله بسبب حبنا للوالدين. القدِّيس أمبروسيوس لقد أبرز هنا ما يعنيه السيِّد بوصيته هذه، قائلاً: "ومن لا يحمل صليبه، ويَّاتي ورائي، فلا يقدر أن يكون لي تلميذًا" [27]. فهو لا يطالبنا بطبيعة البغضة للآخرين، وإنما بقبول الموت اليومي عن كل شيء من أجل الله، فنحمل معه الصليب بلا انقطاع، لا خلال كراهيتنا للآخرين أو حتى أنفسنا، وإنما خلال حبنا الفائق لله الذي يبتلع كل عاطفة وحب! يقول القدِّيس يوحنا الذهبي الفم أن السيِّد لا يطالبنا أن نضع صليبًا من خشب لنحمله كل يوم وإنما أن نضع الموت نصب أعيننا، فنفعل كبولس الذي يحتقر الموت. + نحن نحمل صليب ربَّنا بطريقتين، إما بالزهد فيما يخص أجسادنا أو خلال حنونا علي أقربائنا نحسب احتياجاتهم احتياجاتنا. ولما كان البعض يتنسكون جسديًا ليس من أجل الله، بل لطلب المجد الباطل، ويظهرون حنوًا لا بطريقة روحيَّة بل جسدانية لذلك بحق قال: "وتعال اتبعني". فإن حمل الصليب مع تبعيَّة الرب يعني استخدام نسك الجسد والحنو علي أقربائنا من أجل النفع الأبدي. البابا غريغوريوس (الكبير) إن كان حمل الصليب هو نفقة صداقتنا الحقيقية مع السيِّد المسيح، فإنه يسألنا أن نحسب حساب النفقة، مقدَّما لنا مثلين: الأول من يبني برجًا يلزمه أن يحسب النفقة أولاً قبل أن يحفر الأساس، والملك الذي يحارب ملكًا آخر يراجع إمكانياته قبل بدء المعركة. صداقتنا مع السيِّد المسيح تحمل هذين الجانبين: بناء برج شاهق خلاله نلتقي بالسماوي لنحيا معه في الأحضان السماويَّة، والثاني الدخول في معركة مع إبليس الذي يقاوم أصدقاء المسيح، ولا يتوقف عن مصارعتهم ليسحبهم إلى مملكة الظلمة عوض مملكة النور. أولاً: مثال بناء البرج "ومن منكم وهو يربد أن يبني برجًا، لا يجلس أولاً ويحسب النفقة، هل عنده ما يلزم لكماله، لئلا يضع الأساس، ولا يقدر أن يكمل. فيبتدئ جميع الناظرين يهزءون به، قائلين: هذا الإنسان ابتدأ يبني، ولا يقدر أن يكمل" [28-30]. + لنحسب حساب نفقة البرج الروحي الشاهق العلو، ونتعمق في ذلك مقدَّما بحرص... لنأخذ في اعتبارنا أولاً الأخطاء بصورة واضحة، فنحفر ونزيل الفساد ونفايات الشهوات حتى يمكننا أن نضع أساسات البساطة والتواضع القويَّة فوق التربة الصلبة التي لصدرنا الحيّ، أو بالحري توضع الأساسات علي صخر الإنجيل (6: 48)، بهذا يرتفع برج الفضائل الروحيَّة، ويقدر أن يصمد ويعلو إلى أعالي السماوات في آمان كامل ولا يتزعزع. الأب اسحق + الذين اختاروا السلوك في حياة مجيدة بلا لوم يلزمهم أولاً أن يخزنوا في ذهنهم غيرة كافيَّة، متذكرين القائل: "يا ابني إن أردت أن تخدم الرب أعدد نفسك لكل تجربة وليكن قلبك مستقيمًا وصبورًا" (ابن سيراخ 2: 1).أما من ليس لهم غيرة كهذه كيف يستطيعون بلوغ العلامة التي أمامهم؟! القدِّيس كيرلس الكبير + إذ أعطانا وصايا عاليَّة جدّا وسامية لذلك قدَّم لنا مثل بناء البرج إن أردنا أن نبني برج التواضع، يلزمنا أولاً أن نهيئ أنفسنا ضد متاعب هذا العالم. البابا غريغوريوس (الكبير) + البرج هو برج مراقبة عالٍ لحراسة المدينة واكتشاف اقتراب الأعداء. هكذا بنفس الطريقة يليق بفهمنا أن يحفظ الصلاح ويحذِّر الشر. القدِّيس باسيليوس الكبير + يلزمنا أن نجاهد علي الدوام لنبلغ نهاية كل عمل صعب بالاهتمام المتزايد بوصايا الله، وبهذا نكمل العمل الإلهي. فإنه لا يكفي حجر واحد لعمل البرج، هكذا لا تكفي وصيَّة واحدة لكمال النفس، إنما يلزمنا أن نحفر الأساس وكما يقول الرسول نضع حجارة من ذهب وفضة وأحجار كريمة (1 كو 3: 12). القدِّيس غريغوريوس أسقف نيصص ليتنا إذن ونحن نود أن تكون نفوسنا برجًا شامخًا يعلو نحو السماء، أو مقدَّسا للرب أن نجلس مع أنفسنا لنحسب النفقة، ألا وهي "الإيمان الحيّ العامل بالمحبَّة". هذا الإيمان المعلن بحملنا لصليب الرب. هو يبدأ معنا العمل، لأننا إنما نحمل صليبه هو. وهو الذي يرافقنا طريق الصليب الكرب، لأنه قد اجتازه، وحده ولا يقدر أحد أن يعبر فيه ما لم يختفِ داخله. وهو الذي يكمل الطريق، رافعًا إيَّانا إلى بهجة قيامته. بدون قبول الصليب نحمل اسم المسيح دون حياته فينا، ويكون لنا منظر الصليب دون قوَّته، لهذا تتطلع إلينا القوات الشرِّيرة وتهزأ بنا، قائلة: "هذا الإنسان ابتدأ يبني، ولم يقدر أن يكمل" [30]. وكما يقول القدِّيس كيرلس الكبير أن لنا أعداء كثيرين يودون الاستهزاء بنا، من أرواح شرِّيرة وناموس الخطيَّة وشهوات الجسد الخ. ثانيًا: مثال الملك الذي يحارب "وأي ملك أن ذهب لمقاتلة ملك آخر في حرب لا يجلس أولاً ويتشاور، هل يستطيع أن يلاقي بعشرة آلاف الذي يأتي عليه بعشرين ألفًا. وإلا فمادام ذلك بعيدًا يرسل سفارة ويسأل ما هو للصلح. فكذلك كل واحد منكم، لا يترك جميع أمواله لا يقدر أن يكون لي تلميذًا. الملح جيد، ولكن إذ فسد الملح، فبماذا يصلح، لا يصلح لأرض ولا لمزبلة، فيطرحونه خارجًا. من له أذنان للسمع فليسمع" [31-35]. في مثال البرج تحدَّث عن حساب نفقة البناء، أي عن الجانب الإيجابي. فقد دُعينا إلى الصداقة الإلهيَّة لبناء نفوسنا كبرجٍ شامخٍ يرتفع إلى السماويات عينها، خلالها تتمتع البصيرة بالأمور التي لا تُرى. تدخل في خلوة مع الله لتتأمَّل أسرار محبَّته الفائقة، وتتعرف علي أمجاده في داخلها. هذا وبناء البرج كما رأينا إنما يعني خلال صداقتنا مع ربَّنا يسوع نصير به برجًا حصينًا، لا يقدر العدو أن يقتحم مقدَّسنا الداخلي، ولا يجد له فينا موضع راحة. فنقول مع السيِّد المسيح: "رئيس هذا العالم آتٍ، وليس له فينا شيء"! أما في مثال الملك، فيشير إلى صراع عدو الخير ضدنا، فهو إذ يرى برج حياتنا الداخليَّة يُبنى بالروح القدس ليتجلَّى رب المجد فيه، فترتفع نفوسنا إلى حضن الآب، يلتهب حسدًا وغيرة، ولا يتوقف عن محاربتنا بكل طرق الخداع ليحطم أعماقنا. إن كان عدو الخير يصارع بكونه ملكًا يريد أن يقتنص الكل إلى مملكة الظلمة، فإننا كمؤمنين قد ارتبطنا بملك الملوك فصرنا "ملوكًا" (رؤ 1: 6)، أصحاب سلطان روحي، لنا إمكانية العمل بالروح القدس لكي نغلب بالمسيح الذي "خرج غالبًا ولكي يغلب" (رؤ 6: 2). ودعوتنا للصداقة مع المسيح الغالب هي دعوة للغلبة به، والتمتع بالإكليل السماوي وشركة أمجاده، لذا يقول القدِّيس كيرلس الكبير: [ماذا يعني هذا؟ "مصارعتنا ليست مع دمٍ ولحمٍ، بل مع الرؤساء مع السلاطين مع ولاة العالم على ظلمة هذا الدهر، مع أجناد الشر الروحيَّة في السماويَّات" (أف 6: 12). لنا نحن أيضًا إكليل كما بالغلبة علي أعداء آخرين: الفكر الجسداني، الناموس الثائر في أعضائنا، الشهوات بأنواع كثيرة: شهوة اللذة وشهوة الجسد وشهوة الغنى وغيرها، نصارع مع هذه كفرقة عنيفة من الأعداء. كيف نغلب؟ بالإيمان "بالله نصنع ببأس، وهو يدوس أعدائنا" (مز 60: 12)... يحدثنا أحد الأنبياء القدِّيسين عن هذه الثقة، قائلاً: "هوذا السيِّد الرب يعينني، من هو الذي يعيرني؟!" (إش 50: 9 الترجمة السبعينيَّة)، ويترنم أيضًا داود الإلهي، قائلاً: "الرب نوري ومخلِّصي ممن أخاف؟! الرب عاضد حياتي ممن أجزع؟!" (مز 27: 1). هو قوتنا، وبه ننال النصرة، إذ يعطينا السلطان أن ندوس علي الحيات والعقارب وكل قوَّة العدو.] + الملك هو الخطيَّة التي تملك علي أعضائنا (رو 6: 17، 25)، لكن فهمنا (الروحي) قد خُلق ملكًا، فإن أراد أن يحارب ضد الخطيَّة لينظر أن يعمل بكل ذهنه. الأب ثيؤفلاكتيوس إذ يخرج المسيحي الحقيقي للحرب الروحيَّة يلاقي بعشرة آلاف من يأتيه بعشرين ألفًا [31]، فإنه يمثل "القطيع الصغير" (12: 32) الذي يُسر الآب أن يعطيه ملكوت السماوات. يبدو في المظهر أقل وأضعف أمام مقاومة عدو الخير لكنه بقدر ما يترك "جميع أمواله" [33]، أي لا يتكل على ذاته، ولا بره الذاتي، ولا إمكانياتهن يصير ملحًا جيدًا يملح حتى الآخرين فلا يفسدوا. يحمل المسيحي "عشرة آلاف"، لأن رقم 10 تشير للوصايا ورقم "1000" يشير إلى الفكر الروحي السماوي. فإنه يحارب بالمسيح يسوع سالكًا في الوصيَّة بالفكر السماوي. أما عدو الخير فيأتيه كملك له "عشرون ألفًا" إذ يحاربه بحروب روحيَّة (1000) خلال ضربة الشمال (10) وضربة اليمين (10)، تارة يثير فيه الشهوات كضربة شماليَّة، وأخرى يثير فيه البرً الذاتي كضربة يمينيَّة. أما سّر الغلبة فهو ترك كل شيء [33]، ليكون الله هو الكل في الكل، والتسلَّح بالملح الجيد، أي الوصايا الإلهيَّة كما يقول القدِّيس كيرلس الكبير التي هي لخلاصنا، فإن احتقرنا كلمة الله ووصاياه تتحول حياتنا إلى الفساد فلا نصلح لشيء. وقد سبق لنا الحديث عن الملح الجيد في شيء من التوسع. من أقوال الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
الإصحاح الرابع عشر الآيات (1-6): (إبراء المستسق) الآيات (25-27): في كتاب إنجيل متى (مت37:10-39) الآيات (1-6): "وإذ جاء إلى بيت أحد رؤساء الفريسيين في السبت ليأكل خبزاً كانوا يراقبونه. وإذا إنسان مستسق كان قدامه. فأجاب يسوع وكلم الناموسيين والفريسيين قائلاً هل يحل الإبراء في السبت. فسكتوا فامسكه وأبرأه وأطلقه. ثم أجابهم وقال من منكم يسقط حماره أو ثوره في بئر ولا ينشله حالاً في يوم السبت. فلم يقدروا أن يجيبوه عن ذلك." دعا هذا الفريسي السيد المسيح لوليمة، وكانوا يعدون أطعمة فاخرة يوم الجمعة ليأكلوها يوم السبت. كانوا يراقبونه= إذاً الدعوة ليست عن محبة بل كانوا يتوقون أن يتصيدوا عليه أي خطأ، لأن السيد كثيراً ما وبخهم بالإضافة لحسدهم ضده. وغالباً فهم أتوا بهذا المريض يوم سبت وهم يعرفون شفقة المسيح وحنانه على المرضى وأنه سيشفيه يوم سبت. مرض الإستسقاء= هو تراكم الماء بين الأمعاء وغشاء البطن فتنتفخ البطن فالجسم لا يستفيد بالماء بل يختزنه بلا فائدة. الشفاء في السبت= راجع (لو10:13-17) + كتاب متى (مت1:12-8+ مت9:12-14) عدم إجابتهم على سؤال السيد المسيح= فسكتوا= يفضح خبث نيتهم، فهم ينتظرون أن يقوم المسيح بعمل الشفاء ليشتكوا عليه. فأمسكه= إشارة لعمل المسيح بتجسده ليمسك نسل إبراهيم الهاربين منه (عب16:2). وأبرأه= فدمه غفر خطايانا (1يو7:1). [1] هو يريد إبراء وشفاء البشر [2] ويريد تصحيح مفهوم هؤلاء عن السبت. فالسبت للعبادة وعمل الخير وليس كما يفهمونه أن يجلسوا بلا عمل. وأطلقه= المسيح حررنا من سلطان إبليس (يو36:8). هذا المريض يرمز للبشرية التي إنتفخت من شرب مياه العالم وإستعبدت للشياطين. فمريض الإستسقاء كلما شرب يشعر بالعطش (أر13:2+ يو13:4) وخطوات الشفاء التي إتبعها المسيح مع هذا المريض هي نفس الخطوات التي إتبعها مع البشر في شفائهم وتحريرهم= أمسكه/ أبرأه/ أطلقه. الآيات (7-11): "وقال للمدعوين مثلاً وهو يلاحظ كيف اختاروا المتكأت الأولى قائلا لهم. متى دعيت من أحد إلى عرس فلا تتكئ في المتكأ الأول لعل اكرم منك يكون قد دعي منه. فيأتي الذي دعاك وإياه ويقول لك أعطي مكاناً لهذا فحينئذ تبتدئ بخجل تأخذ الموضع الأخير. بل متى دعيت فاذهب واتكئ في الموضع الأخير حتى إذا جاء الذي دعاك يقول لك يا صديق ارتفع إلى فوق حينئذ يكون لك مجد أمام المتكئين معك. لأن كل من يرفع نفسه يتضع ومن يضع نفسه يرتفع." ربما لاحظ السيد المسيح في هذه الوليمة تسابق الفريسيين على الجلوس بكبرياء في أماكن الصدارة فالروح اليهودية روح متعجرفة تجري وراء الكرامات بطريقة غير لائقة، ومن يفعل هذا يصير مكروهاً وموضع سخرية. والمسيح يعلمنا أن نصير مثله متضعين، نختار المكان الأخير، ألم يتضع هو ويصير عبداً فلنتشبه به لنوجد معه خلال روح الإتضاع. لا بشعور النقص ولا عن تغصب، بل لنلتقي بالمسيح ونشترك مه في المكان أو المتكأ الأخير. حين نأخذ المتكأ الأخير سنجد المسيح هناك، فتشعر بوجوده بجانبك ويفرحك. ولكن إن تصارعنا للجلوس في مكان الكرامة، أي المتكأ الأول لن نجد المسيح في هذا المكان، أي لن نشعر بفرحة الشركة معه. (يع9:1،10+ مز17:51+ أش15:57+ مت29:11+ 1بط5:5+ أم19:17). وعموماً فالنفس التي تثبتت عينيها على الملكوت لا تعود تطيق كرامات الدنيا. تطبيق روحي: الرب يسوع هو صاحب العرس، وهو يدعونا لكنيسته، فمن يختار أن يحيا في إتضاع سيرفعه في مجده، ويملأه هنا من روحه. المسيح يريدنا أن نعتبر أنفسنا غير كفؤ للمتكأ الأول بل للأخير، ويرفعنا هو. لأن كل من يرفع نفسه يتضع= أحسن مثال لذلك الشيطان نفسه (أش11:14-15) ومن يضع نفسه يرتفع= هذا ما حدث مع المسيح نفسه (في7:2-9). الآيات (12-14): "وقال أيضاً للذي دعاه إذا صنعت غذاء أو عشاء فلا تدع أصدقاءك ولا اخوتك ولا أقرباءك ولا الجيران الأغنياء لئلا يدعوك هم أيضاً فتكون لك مكافأة. بل إذا صنعت ضيافة فادع المساكين الجدع العرج العمي. فيكون لك الطوبى إذ ليس لهم حتى يكافؤك لأنك تكافئ في قيامة الأبرار." إكرام المساكين له مكافأته لأن المسيح يضع نفسه مكان المسكين والفقير والمريض والمحتاج (مت31:25-46). ويا ليتنا لا نضطرب حينما لا يُرد لنا اللطف باللطف، لأننا إن تقبلنا من الناس لا ننال ما هو أكثر، أما إذا لم يُرد لنا من البشر فالله يرده لنا. الجُدْع= هم الذين بلا ذراع أو بلا ذراعين. علينا أن نفكر أن لا نعطي لنأخذ (وليمة بوليمة)، بل مغبوط هو العطاء أكثر من الأخذ. ولكن ليس معنى كلام المسيح أنه يمنع ولائم المحبة بين الناس. الآيات (15-24): "فلما سمع ذلك واحد من المتكئين قال له طوبى لمن يأكل خبزاً في ملكوت الله. فقال له إنسان صنع عشاء عظيماً ودعا كثيرين. وأرسل عبده في ساعة العشاء ليقول للمدعوين تعالوا لأن كل شيء قد اعد. فابتدأ الجميع برأي واحد يستعفون قال له الأول أني اشتريت حقلاً وأنا مضطر أن اخرج وأنظره أسألك أن تعفيني. وقال آخر أني اشتريت خمسة أزواج بقر وأنا ماض لامتحنها أسألك أن تعفيني. وقال آخر أني تزوجت بامرأة فلذلك لا اقدر أن أجيء. فأتى ذلك العبد واخبر سيده بذلك حينئذ غضب رب البيت وقال لعبده اخرج عاجلاً إلى شوارع المدينة وأزقتها وادخل إلى هنا المساكين والجدع والعرج والعمي. فقال العبد يا سيد قد صار كما أمرت ويوجد أيضاً مكان. فقال السيد للعبد اخرج إلى الطرق والسياجات والزمهم بالدخول حتى يمتلئ بيتي. لأني أقول لكم انه ليس واحد من أولئك الرجال المدعوين يذوق عشائي." كانت آخر كلمات السيد لأنك تكافئ في قيامة الأبرار (آية14). ولاحظ هذا أحد المتكئين، أن السيد يتكلم عن ما بعد القيامة. وكان من الفريسيين بالتأكيد الذي يؤمنون بالقيامة وليس من الصدوقيين الذين ينكرونها. وكان فكر الفريسيين عن القيامة أن المسيح سيأتي ليملك على الأرض وسيقيم لهم وليمة عظيمة يقدم فيها لضيوفه خبزاً أسموه خبز الملكوت، وأنواعاً فاخرة من الأطعمة المصنوعة من لحوم البهائم والأسماك والطيور ولا سيما لحم الثور العظيم المسمى بهيموث المذكور في (أي15:40). ومن لحم طير عظيم يشبه الجمل في الجسم ويسقيهم خمراً معتقة منذ بدء الخليقة ويطعمهم فاكهة لذيذة من أثمار الفردوس. فقول الرجل خبزاً في ملكوت الله= هو إشارة لهذا المفهوم. وكان رد المسيح على هذا الشخص يعني أن حرمان بعض الناس من دخول الملكوت ليس ناتجاً عن عدم دعوة الله لهم، لكن هو ناتج عن عدم قبولهم دعوة الله. وأن الذين سيحظون بالدخول إلى ملكوت الله هم أبعد الناس عن فكر الناس، فالذين يدخلون هم المساكين والجدع والعرج والعمي. فإذا كان هؤلاء هم بنو الملكوت أفلا تدعونهم أنتم في ولائمكم. أصحاب العهود رفضوا الدخول مثل الفريسيين والكهنة، وسبقهم المساكين، شعب الله اليهودي أغلبه رفض وسبقهم الأمم للدخول. إنسان صنع عشاء= الإنسان هو الله الآب. دعا= الله يريد أن الجميع يخلصون. عشاء عظيماً= هو وليمة سمائية، ليست طعاماً وشراباً، بل سعادة سماوية يذوق المدعوون بعض أطايبها الروحية كعربون هنا على الأرض من مائدة الإفخارستيا هو صنع هذا العشاء بموت إبنه على الصليب. ويسميها عشاء إذ تعطي في آخر العمر، فلا سعادة تفوقها. ودعا كثيرين= الدعوة وجهت أولاً لليهود ولما رفضوها وجهت للأمم. وأرسل عبده= هو المسيح الذي أخذ صورة عبد. لأن كل شئ قد أعد= لقد تم الفداء والتصالح، وإنفتحت أبواب السماء للإنسان بعد أن غفر المسيح خطايا البشر بدمه. وحصل البشر على التبني. إبتدأ الجميع= أغلب اليهود رفضوا المسيح، ولكن قلة آمنت به مثل نيقوديموس. يستعفون= يختلقون الأعذار، لإنغماسهم في الزمنيات والشهوات، وإنحدار الفكر نحو الأمور المادية. وكم مرة دعانا الله للتوبة وإعتذرنا. وكم مرة دعينا للكنيسة وإعتذرنا. ولاحظ أن الله أرسل أنبيائه للشعب اليهودي يدعوهم وأخيراً أرسل إبنه. ولاحظ الأعذار التي قيلت، فهي إنما تعبر عن أنهم منغمسين في الدنيا، لقد ألهتهم الدنيا عن خلاص أنفسهم، أموالهم ومقتنياتهم صارت شغلهم الشاغل وإبتعدوا عن الله، وإنشغلوا بالأسباب الدنيوية عن خلاص نفوسهم. الأول: نجده يصطنع الضرورة= أنا مضطر= هذا لم يشتري الأرض بل باع نفسه للأرض، هو صار أرضي ونسى أنه غريب على الأرض، وإنهمك في الأرضيات. الثاني: يقول أنا ماضٍ= هو تمسك بإرادته العنيدة ورأيه الخاص، ولاحظ أن عذره غير منطقي، فمن يشتري بقر يمتحنه قبل الشراء وليس بعده. وإمتحان البقر يتم صباحاً وليس وقت العشاء. الثالث: المتزوج حديثاً يعفيه الناموس من الخروج للحرب وليس عن خلاص نفسه وهل هذا عذر، فلماذا لا يأتي هو وعروسه معه ليقدس الله هذه الرابطة الجديدة. قد يشير هؤلاء الثلاثة لرفض اليهود للمسيح بسبب إهتمامهم بالأرضيات وجمع الأموال وحسدهم للمسيح لإلتفاف الناس حوله، وعنادهم. لكنهم مازالوا يشيروا لكل واحد منّا. من الذين يهملون دعوة المسيح لهم للخلاص. وأمام رفض اليهود أصحاب الملكوت دعوة المسيح، وجه المسيح دعوته للمساكين والجدع والعرج والعمي= وهؤلاء يشيرون للخطاة والمنبوذين من إسرائيل كالعشارين، ويشيرون للأمم الذين كانوا مرفوضين فقبلهم الله في ملكوته. الطرق والسياجات= إشارة أيضاً للأمم في كل مكان (أع6:18). حتى يمتلئ بيتي= إشارة لكثرة المؤمنين (رؤ9:7). المساكين= الأمم إذ ليس لهم كنوز الكتاب المقدس التي كانت لليهود. الجدع والعرج= الأمم إذ ليس لهم القدرة على الحركة أو العمل الروحي. العمي= الأمم إذ ليس لهم أي بصيرة روحية داخلية. الطرق والسياجات= الأمم إذ كانوا خارج بيت الله. خارج الحظيرة. الزمهم بالدخول= البعيدين عن الله كالأمم يحتاجون لقوة تدفعهم إذ هم غير فاهمين، وهي ليست قوة قهر بل قوة إقناع (أر7:20). يذوقون عشائي= عشاء عرس الخروف (رؤ7:19-9) ولاحظ قوله في (آية22) يوجد أيضاً مكان= فالخلاص مقدم للجميع، لكل من يقبل. لو(25:14-27):- وكان جموع كثيرة سائرين معه فالتفت وقال لهم. أن كان أحد يأتي إلى ولا يبغض أباه وأمه وامرأته وأولاده واخوته وأخواته حتى نفسه أيضا فلا يقدر أن يكون لي تلميذا. ومن لا يحمل صليبه ويأتي ورائي فلا يقدر أن يكون لي تلميذا. في الآيات السابقة كلمنا عن أن الله يدعو الجميع للملكوت وإبتداء من هنا نسمع شروط الدخول للملكوت. وفي هذه الآيات نسمع أول شرط وهو محبة الله أكثر من أي أحد والشرط الثاني هو حمل الصليب فلن يقدر على حمل الصليب إلا من أحب الله حتى أكثر من نفسه. ولا يبغض=المسيح لتابعيه صعوبة الطريق، وأنه ستأتى ساعة وظروف فيها يضطر أتباع المسيح أن يختاروا بينه وبين أحبائهم. بين الحياة بعيداً عنه وبين الموت لأجله.وأنهم لن يستطيعوا أن يتبعوه ما لم يتركوا الأهل فيظهر هذا أمام الناس كأنهم يبغضون أهلهم بالنسبة لهذه العلاقة الجديدة مع المسيح. هنا يظهر حب الشخص لأهله بجانب حبه للمسيح كأنه بغضة لهم، أى يحبهم أقل من محبته للمسيح. عموماً فالكلمة فى العبرية تحتمل الترجمتين 1) يبغض 2) يحب أقل. وهذا ما قيل عن يعقوب وليئة أنه أحب راحيل أكثر منها (تك 30:29) ونفس الكلمة هنا مترجمة فى إنجيل متى من أحب أباً… أكثر منى فلا يستحقنى حتى نفسه=من يغضب من الله ويتخاصم معه ويمتنع عن الكنيسة بسبب مشكلة أو مرض أصابه هو يحب نفسه أكثر من المسيح. ومن يرفض الصليب ويمتع نفسه بمتع محرمة هو يحب نفسه أكثر من المسيح. عموماً إذا أحببنا الله سنحب الجميع حتى أعدائنا من خلاله محبة صحيحة. الآيات (28-35): "ومن منكم وهو يريد أن يبني برجاً لا يجلس أولاً ويحسب النفقة هل عنده ما يلزم لكماله. لئلا يضع الأساس ولا يقدر أن يكمل فيبتدئ جميع الناظرين يهزأون به. قائلين هذا الإنسان أبتدأ يبني ولم يقدر أن يكمل. وأي ملك إن ذهب لمقاتلة ملك آخر في حرب لا يجلس أولاً ويتشاور هل يستطيع أن يلاقي بعشرة آلاف الذي يأتي عليه بعشرين ألفاً. وإلا فما دام ذلك بعيداً يرسل سفارة ويسأل ما هو للصلح. فكذلك كل واحد منكم لا يترك جميع أمواله لا يقدر أن يكون لي تلميذاً. الملح جيد ولكن إذا فسد الملح فبماذا يصلح. لا يصلح لأرض ولا لمزبلة فيطرحونه خارجاً من له أذنان للسمع فليسمع." هنا نرى شرطاً ثالثاً لدخول الملكوت ألا وهو دفع النفقة. فمن أراد أن يتبع يسوع سيكون عليه نفقة وهي التضحية بكل ما في العالم حتى العلاقات الأسرية العادية، إن كانت ستعطلنا عن حب يسوع، وقبول حمل الصليب حباً في يسوع (وهذا موضوع الآيات السابقة 25-27). ومن يتبع يسوع سيبني برجاً من الفضائل، البرج يشير لحياته السمائية والإرتفاع يشير للنمو في الفضائل، والإبتعاد عن الملذات الدنيوية. فالبرج هو حياة في السمائيات (كو1:3). والإبتعاد عن ملذات العالم هو النفقة وهو صليب إختياري "أقمع جسدي وأستعبده" (1كو27:9). المسيح بمثل البرج لا يريد تثبيط الهمم من ناحية الخلاص، فهو يريد أن جميع الناس يخلصون، إنما يريد أن يشرح أن من يتبعه عليه أن لا ينشغل أو يرتبك بالأمور الدنيوية (فالحاجة إلى واحد لو42:10) لأن مثل هذا سريعاً ما يرتد "ديماس تركني إذ أحب العالم الحاضر" (2تي10:4) ويكون بهذا عثرة وسخرية. ولكن المسيح هنا يواجهنا بالحقائق التي ستواجهنا لنستطيع أن نكمل برج الفضائل. لا مانع أن نشعر بضعفنا فقوته في الضعف تكمل.. وإن لم يبني الرب البيت فباطلاً تعب البنائين، ولكن علينا أن نثابر ونجاهد إلى النهاية حتى تعمل معنا النعمة، أي نرضى بحمل صليبنا في تسليم. (الصليب الإختياري مثل قمع الجسد أو تجربة يسمح بها الله). والبرج في علوه يكون قادراً على إكتشاف الأعداء من بعيد. ومن لا يقبل حمل الصليب لا تعمل فيه قوته، بل وتهزأ به الشياطين. فلن يقدر أن يكمل سوى من يقبل حمل الصليب، ويرضى بحمل الأتعاب والآلام. نرى في البرج الحياة السمائية، فكلما إرتفعنا نرى السماويات وندرك لذة العشرة مع الله، ونتعرف على أسراره الفائقة، ويصير برجاً حصيناً ضد العدو. ولكن كلما إرتفع البرج، يهتاج الشياطن فيثير حرباً ضدنا. فكل ما يبني برجاً عليه أن يتوقع أن يأتي عليه الملك الآخر ويحاربه، والملك الآخر هو إبليس إله هذا الدهر ورئيس هذا العالم، وذلك لحسده فهو لا يتوقف عن محاربته لنا بكل طرق الخداع. وهو في حربه يريد أن يقتنص الكل لمملكته، مملكة الظلمة. ولاحظ أن المسيح في مثله يقول عني وعنك أي ملك= فإرتباطنا بملك الملوك يجعلنا ملوكاً (رؤ6:1) أي أصحاب سلطان روحي، نغلب بالمسيح (رؤ2:6). ويكون لنا إكليل وفي (أف12:6) نرى صورة هذا الصراع مع قوات الشر الروحية. وحربنا ستكون ضد شهواتنا التي سيثيرها عدو الخير، وستكون ضد محبة العالم، وستكون ضد إرتباطنا مع الأهل، إذا كان سيفسد محبتنا للمسيح (مثال: من يتخاصم مع الله بسبب مرض أو موت قريب له، هذا أحب قريبه أكثر من المسيح). نخرج للحرب ولنا 10.000= 10 (حفظ الوصايا)، 1000 (الفكر السماوي) أي حربنا ستكون بإلتزامنا بالوصايا حباً في المسيح (يو21:14) وبأن نحيا نطلب ما هو فوق لأن مسيحنا هو فوق (كو1:3+ أف6:2) أما عدو الخير فيأتي بـ 20.000 فهو يحارب بضربات يمينية (بر ذاتي) وضربات يسارية (شهوات) وهذه وتلك= 20. وهو يحاربنا في السماويات (1000) التي نحيا فيها، أي حتى يخرجنا منها (أف12:6) وقد يكون رقم 20= 2×10 ورقم 2 يشير للإنقسام والإختلاف. فالله خلق العالم في وحدة، وبعد الخطية حدث الإنقسام فالإختلاف مع الوصايا قد يشير له رقم 20. على أن المسيح بتجسده عاد ووحد الكنيسة فيه، وصار رقم 2 يشير للتجسد لأنه جعل الإثنين واحداً (أف14:2) ونلاحظ أن قوة العدو 20.000 أكبر من قوتنا 10.000 ولكن لا ننسى أن من إلتزم بالوصايا وعاش السماويات يحارب يسوع فيه فيغلب. يرسل سفارة ويسأل ما هو للصلح= أي يعود لأهله ولشهواته. وفي آية (33) نرى شرطاً آخر للملكوت ألا وهو ترك الأموال، أي عدم الإتكال عليها وأن ننفق منها على المحتاج. (أيات 34،35) راجع كتاب إنجيل متى (مت11:18-14 وما بعده). ومعنى كلام السيد، أنه على المؤمن أن يقبل بحمل صليبه ويبني برجاً، ولا يكتفي بالقشور بل يدخل للعمق، مثل هذا سيكون ملحاً يصلح الفساد الذي في العالم، أمّا الذي يرتد ويتصالح مع إبليس فهذا سيكون ملحاً فاسداً لا يصلح سوى لمزبلة. من له أذنان= أي أن كلامي موجه لمن كانت نفسه تواقة لسماع تعليمي وله إستعداد أن يعمل بها. السيد المسيح بعد أن دعا الكل للملكوت، قال أن هناك شروط وهناك نفقة. فمن يقبل بهذه النفقة سيكون ملحاً في الأرض، وله مكانه في السماء. ومن لا يقبل بالنفقة سيصير ملحاً فاسداً في الأرض، يداس من الناس. ولا نصيب له في الملكوت السماوي.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الاصحاح الرابع عشر شفاء المستسق ، المتكا الاخير ، مثل عشائ السيد وحساب النفقة [ 1 ] شفاء المستسق ( ع 1 - 6 ) ع 1 : دعا أحد رؤساء الفريسيين المسيح إلى وليمة في يوم السبت ، وذلك ليس بغرض إكرامه بل ليمسك عليه خطا فيشكك الشعب فيه أو يثير السلطة عليه ، وقبل المسيح الدعوة لأنه لا يخاف من حيلهم ، ولينتهز الفرصة لعمل الخير أو تعليمهم الحق ؛ فهو يبحث عن خلاص الكل . + لا تنزعج من مكايد المحيطين بك فالله يحميك منهم ، واستمر في صنع الخير والمحبة معهم لاجل المسيح . ع 2 : وجد يسوع أمامه شخصا مريضا بمرض الاستسقاء ، وهو احتجاز كميات من الماء في الجسم ، فينتفخ ولا يستفيد من شرب الماء لأنه لا يصل إلى اعضائه بل يختزن بلا فائدة . و لعل هذا الإنسان قد سمع بمجىء المسيح فاتي ليشفي. ع 3 : الناموسيين : هم المهتمون بتطبيق الناموس ، وكانوا حاضرين في بيت الرئيس الفريسي علم المسيح ما في قلوب الفريسيين والناموسيين من محاولة اصطياد خطأ عليه ، فسالهم هل يحل الابراء في السبت كعمل خير أم لا ، ليعلمهم أن يوم الرب هو تفرغ من الأعمال المادية لنملأه بالعبادة وعمل الخير . ع 4 : امسكه ليعلن شفقته وحنانه عليه . أطلقه ليعود إلى بيته ويبعده عن توبيخات الفريسيين له بسبب شفائه في يوم السبت. عجز الناموسيون عنان يثبتوا من الناموس فكرهم السىء بعدم عمل الخير في السبت فصمتوا . ولم يتعطل المسيح بافكارهم عن عمل الخير ، فامسك بالمريض وشفاه ثم اطلقه متمتعا بالصحة والحرية من المرض. ع 5 - 6 : اكد لهم المسيح ضرورة عمل الخير في السبت بدليل أن الناموس يقضي بانه إذا سقط ثور أحد أو حماره في حفرة سينشله حتى لا يموت ( تث 22 : 4 ) فكم بالاحري الناس ، ينبغي أن نشفق عليهم ونساعدهم في يوم السبت . وعجزوا أيضا عن الرد عليه لقوة حجته. [ 2 ] المتكأ الاخير ( ع 7 - 11 ) ع 7 : كان الفريسيون يشعرون انهم افضل من غيرهم ، لذلك حرصوا علي الجلوس في موائد الولائم بالاماكن الرئيسية علي صدر المائدة. فلكيما يعالج هذا الكبرياء فيكل الناس ، والذي قد يكون لاحظه في عشاء هذا الفريسي الذي استضافه ، قال المثال التالي . ع 8 - 9 : إذا دعيت إلى وليمة عرس ، فلا تجلس في اماكن الصدارة لئلا يأتي صاحب العرس ويطلب منك أن تترك هذا المكان لان انسانا ذا مركز افضل قد حضر بعدك ، فتخجل وتترك المكان وتذهب إلى مكان اقل شرفا . فالإنسان إذا ظن انه افضل من غيره ، سياتي الرب بالمتضعين ويضعهم في السماء مكانه ، أما هو فيذهب بعيدا عكس ما كان يظن . ع 10 : نصح المسيح سامعيه أن يبحث الإنسان عن المتكأ الاخير باتضاع ، إذ يشعر انه اقل من غيره ، ولان المسيح اتضع بتجسده وموته علي الصليب . فان أخذت الموضع الاقل ، تجد المسيح بجوارك ، أي تشعر بوجوده معك ويملا قلبك. ولكن إن دعاك صاحب العرس لمكان افضل ، فاشكره ولا مانع من اتخاذ المكان الافضل فتقبله كنعمة من الله لا تستحقها. و بالطبع لا تأخذ المكان الاخير بغرض أن يكرمك صاحب المكان أمام الكل ، فيظهر اتضاعك وتنتفخ متكبرا بفضيلة الاتضاع لان هذا نفاق واتضاع مزيف. و تقديم صاحب العرس لك إلى مكان افضل يعني أن الله يكرمك ويمجدك أمام الخليقة كلها في يوم الدينونة. ع 11 : أعلن المسيح الحقيقة واضحة ، وهي أن المتكبر الذي يرفع نفسه يضعه الله إلى اسفل ، أما من يسعي إلى الاتضاع ، يرفعه الله ويكرمه. + الاتضاع والخفاء في معاملاتك مع الآخرين ليسا تنازلا عن مكان افضل ، بل هي حكمة روحية لأنه بعيدا عن العظمة الظاهرة أمام الناس ، فتختبر المسيح وتشعر بوجوده معك . فانت باتضاعك احكم الناس لأنك تبحث عناهم شئ وهو عشرة الله التي لا تعطي إلا للمتضعين . ولا تتضايق إن اهملك الناس وشعرت بالوحدة والعزلة، بل اطلب الله وانتهز هذه الفرصة لصلوات وقراءات اكثر ، فيستعلن لك الله وتفرح به فرحا لا يعبر عنه. [ 3 ] إضافة المساكين ( ع 12 - 14 ) ع 12 : وجه المسيح كلامه لمن يقيمون ولائم ، أن لا يدعون احباءهم العظماء حتى يكافئون بولائم مماثلة في بيوتهم، وبهذا تصبح الولائم تجارة ، إذ يأخذون مقابل ما يعطون ، وليس فيها أي عطاء للمحتاجين. ولا تكون الولائم أيضا فرصة للتفاخر بكثرة الاطعمة وترتيبات الوليمة، فالذي يعمل هذا ينال أيضا اجره ، وهو مديح الناس ، وليس له اجر عند الله. و لكن ليس معني هذا أن ولائم المحبة للاقارب والاصدقاء مرفوضة ، إن كان غرضها هو المحبة والترابط والاحساس بوجود الله وسطهم. ع 13 - 14 : الجدع : من قطعت انفهم أو أحد اطرافهم ، فهم مشوهون ومعوقون عن الأعمال العادية وبالتالي فقراء . قيامة الابرار : أي اليوم الاخير حيث يكافا الابرار في ملكوت السماوات، ويطرح الاشرار في العذاب الأبدي . نصح المسيح باضافة المساكين سواء الضعفاء والمشوهين ( الجدع ) أو العرج والعمي ، وكل إنسان يبدو فقيرا أو اقل مقاما في المجتمع ، فهؤلاء غير قادرين علي عمل ولائم مماثلة ، وبهذا تكون وليمتك محبة بلا مقابل ، فيعوضك الله عنها بالاجر السمائي ، أي يكرمك ويضيفك في ملكوت السماوات. + اهتم بالعطاء دون مقابل ، أي لا ترج مقابل من كل من حولك فالاجر السمائي افضل منكل مقابل ارضي . واخدم ليس فقط الفقراء ماديا ، بل بالاحري الضعفاء والمشوهين روحيا بكثرة الخطايا ، والعرج الذين لا يستطيعون السير في طريق الملكوت ، والعمي الذين لا يبصرون الله لانهماكهم في شهوات العالم . [ 4 ] العشاء والمدعوين ( ع 15 - 24 ) ع 15 : يبدو أن واحدا من الفريسيين أو اليهود قد فرح بكلام المسيح عن المكافاة السمائية لمن يضيف المساكين ، فمدح من يأكل طعاما في ملكوت السماوات ، لان فكرته عن السماء كانت مادية ، إذ يظن أن هناك اكلا وشربا مثلما في العالم. ع 16 : دعا : قبول الدعوة هو الاستعداد للحياة مع الله وليس هو الحياة نفسها، بدليل أن كثيرين قد قبلوا الدعوة ولكن في وقت التنفيذ رفضوا لاسباب كثيرة كما يحدث اليوم، إذ يعلن كثيرون ايمانهم نظريا ولكن عند التطبيق العملي في عبادة الله ومحبة الآخرين يعتذرون باسباب مختلفة. أعطى المسيح بهذه المناسبة مثلا عن الاستعداد للملكوت السماوي ، وهو أن انسانا صنع عشائ ، ودعا إليه كثيرين. هذا الإنسان يرمز إلى الله، وقد صنع عشاء بموته علي الصليب ، وتقديم جسده ودمه علي المذبح كل يوم في الكنيسة، الذي هو عربون الوليمة السمائية الروحية التي يهبها لاولاده في المساء ، . ودعا كثيرين ، فهو مات لفداء العالم كله فهو " الذي يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون" ( 1تي 2 : 4 ) ع 17 : عبده : أي المسيح الذي اخذ صورة العبد بتجسده ، واتي يدعو البشر لوليمة جسده ودمه الاقدسين التي يتممها علي الصليب . كما يرمز العبد أيضا للرسل الذين يدعون الناس إلى الكنيسة والاستعداد للملكوت. كل شئ قد اعد :الكنيسة مفتوحة وفيها جسد الرب ودمه، وتنتظر المؤمنين ليتحدوا به. ع 18 - 20 : الجميع : يقصد اغلب المدعويين أولا ، وهم اليهود شعب الله . براي واحد : اتفقوا علي اهمال الإيمان بالمسيح منشغلين بالماديات والكرامة خمسة ازواج بقر : ترمز للخمسة حواس أي الشهوات الحسية عند دعوة المدعويين اعتذروا عن الحضور ، فالله يدعونا للتوبة مرات كثيرة ونحن نرفض . و كانت الاعذار سخيفة جدا ، فالاول اعتذر لأنه قد اشتري حقلا ويريد أن ينظره ، مع أن فحص الحقول لا يكون ليلا وقت العشاء و هذا الاول يرمز للمنهمكين في الارضيات ومحبة القنية. أما الثاني فاعتذر لشرائه خمسة ازواج بقر ويريد أن يمتحنها . وهذا أيضا لا يتم وقت العشاء بل في لنهار ، وهو يرمز للمنشغلين بالشهوات الجسدية. أما الثالث فاعتذر لزواجه . وهو يرمز للمنشغلين بالعالم وارتباطاته. و هؤلاء الثلاثة يشيرون لمن يرفضون الله من اليهود لان الله دعاهم أولا فرفضوا ، ثم دعا بعد ذلك الأمم. + إفحص الاعذار التي تقولها لنفسك لتبرر ابتعادك عن الكنيسة والصلوات والخدمة ، لئلا تكون سخيفة وتفقدك الملكوت. ع 21 : غضب الله ، صاحب العشاء ، لرفض الفريسيين والكهنة ورؤساء اليهود دعوته للخلاص وأرسل يدعو عامة اليهود المساكين والبسطاء ، وكذا الأمم إلى ملكوته ، وجميعهم من اماكنهم الحقيرة في الشوارع والازقة ليرفعهم بحبه إلى السماء. ع 22 : فعل العبيد ، أي الرسل ، كما امرهم الله ، ودخل الكثيرون من اليهود البسطاء والأمم إلى الإيمان فاخبر الرسل الله بكل خدمتهم وبانه يوجد مكان أيضا في الملكوت ، أي أن دم المسيح مقدم لخلاص الكل إن آمنوا. ع 23 - 24 : الطرق والسياجات: اماكن خارج المدن وترمز للامم البعيدين. حتى يمتلئ بيتي لان هلل يفرح بقبول كل المؤمنين في ملكوته. ليس واحد من اولئك الرجال المدعوين السابق دعوتهم في بداية المثل، ورفضوا الحضور للعشاء أي الحياة مع الله علي الأرض، فهؤلاء ليس لهم مكان في ملكوت السماوات . أرسل الله خدامه مرة ثانية ليلزموا المساكن البعيدين عن الله ، أي يشجعوهم ويسندوهم بقوة إذ من فرط ضعفهم وقعوا في الياس ومحتاجين للمساندة ن فهو يطلب خلاص كل البعيدين الذين لا يعرفون الطريق إلى الملكوت ، أما العارفين الرافضين فالله يؤكد انه لن يدخلهم إلى ملكوته . فالله يشفق علي الضعفاء والخطاة ، يبحث عنهم ويسندهم ويدفعهم في طريق الملكوت ، ولكنه يكره العناد والاستهتار واستباحة الخطية. [ 5 ] حساب النفقة : ( ع 25 - 35 ) ذكر بداية هذا الحديث في ( مت 10 : 37 - 38 ) ع 25 - 26 : جموع كثيرة سائرين : كان المسيح في طريقه من الجليل إلى أورشليم فكان أهل المدن والقري يخرجون إليه ويتبعونه لسماع تعاليمه وشفاء امراضهم. لكيما يقاوم المسيح السطحية في حياة تابعيه، وضغ شروطا للخلاص وطالبنا أن نراجع أنفسنا عليها ، فهي نفقات الحصول علي الخلاص . فبالرغم أن الخلاص مجاني بدم المسيح ، لكن لا يهبه إلا للمجاهدين الروحيين . وأول شرط في الجهاد الروحي هو أن نحب الله من كل القلب ، ونحب اقاربنا واحباءنا الذين وهبهم الله لنا ، ولكن إن كانت محبتنا لأحد أو لانفسنا تعطلنا عن الله فلنبغضها ونرفضها . فنحب الناس وأنفسنا من خلال الله ومن اجل الله الذي وهبنا إياها. ع 27 : الشرط الثاني في الجهاد الروحي هي حمل الصليب ، أي احتمال الالام لاجل التمسك بالايمان ، وكذلك جهاد العبادة الروحية والخدمة وبهذا نصير تلاميذ المسيح. ع 28 - 30 : أعطى المسيح مثالا في حساب النفقة ، وهو إن انسانا يريد أن يبني برجا فيحسب هل يملك تكاليف البناء ، لئلا يضع الاساس ولا يستطيع استكمال البناء ، فيهزا به النسا لأنه اضاع امواله عبثا ولم يصل إلى شئ. فلانسان الروحي الذي يريد أن يبني برجا، أي علاق روحية تربطه بالسماء ن ينبغي أن يضع الاساس وهو الإيمان بالمسيح، ويكون له استعداد للجهاد في الصلوات والاصوام والتمسك بالوصايا والتوبة بانسحاق ، حينئذ لا تهزا به الشياطين أعداؤه. فمن يريد انيتبع المسيح ، يسال نفسه هل هو مستعد إلا ينشغل بمحبة نفسه والتعلق بالاخرين ، وكذلك هل مستعد للتجرد واحتمال الآلام لاجل الإيمان ؟ إن كان كذلك فليتقدم بالثقة في الحياة الروحية ، ولكن من يتاثر بكلام المسيح ولكن قلبه متعلق بمحبة العالم والتعلقات العاطفية التي تشغله عن الله ، لن يستطيع استكمال طريقة مع الله . فدعوة المسيح لحساب النفقة ليس تخويفا لتابعيه من صعوبة الطريق ، لكن ليدفعهم حتى يستعدوا بوضعه هدفا وحيدا لهم والارتباط بمحبته ، فيضمنوا الوصول للملكوت والتمتع بعشرته المفرحة دائما. ع 31 - 32 : المثل الأخر في حساب النفقة هو ملك له جيش مكون من عشرة الاف جندي ، سيحارب آخر قوامه عشرون ألف جندي ، فينبغي أن يفكر أولا هل له إمكانيات الانتصار أم يعقد صلحا حتى لا يتعرض للهزيمة والموت. والمقصود انهذا الملك المحارب ينبغي أن يفحص قوته ، هل هو قادر علي مواجهة جيش الاعداء ؟ وكذلك أيضا من يريد أن يسير مع الله ليفحص استعداده لترك تعلقه بالماديات والبشر من اجل الله ، حتى ينجح في الانتصار علي كل شهواته وظروف الحياة المعاكسة ويضمن بالتالي الوصول للملكوت. و يرمز الملك المحارب ذو العشرة آلاف جندي إلى الإنسان الروحي، وعدد عشرة يشير للوصايا ، والالف للسماء . فالإنسان الروحي يحارب بوصايا الله والتعلق بالابدية ، أما العدو وهو الشيطان فيحارب بعشرين، وهي حرب تنقسم إلى قسمين : القسم الاول ويرمز إليه بعشرة أي حرب كاملة تتمثل في الضربات اليمينية وهي المبالغة في العبادة وعمل الخير بغرض الكبرياء ، والقسم الثاني ويرمز إليه بالعشرة الثانية أي حرب كاملة أيضا تتمثل في الضربات اليسارية التي هي جميع أنواع الخطايا والشهوات. فان شعر الإنسان انه ضعيف ، ينبغي أن يتصالح مع الله ليكون هو قوته فيغلب الشياطين ، فهو يرسل شفاعة القديسين، أي السفارة ، ويتوب عن خطاياه فيصطلح مع الله . و يمكن أيضا أن يرمز الملك المحارب بالعشرة الاف إلى الروح ، والملك العدو الذي له عشرين ألف يرمز للجسد، فيفحص الإنسان نفسه هل الروح قوية وقادرة أن تنتصر علي الجسد وتقوده في طريق الحياة الروحية ، وإلا يرسل سفارة أي يستشير اب اعتراف ويتصالح مع جسده باخذ تداريب روحية اقل يستطيع الجسد احتمالها ، ثم بالتدريج ينمو في جهاده وتداريبه الروحية والروح والجسد متفقان ومتصالحان في طريق الملكوت. ع 33 : يضع المسيح الشرط الثالث في الجهاد الروحي ، وهو الاعتماد علي الله وليس اموال العالم ، فيتجرد منها الإنسان الروحي ويعطيها للمحتاجين ، ولا ينزعج إذا خسر شيئا منها. ع 34 - 35 : اذنان : يقصد أن يسمع بكلتي اذنيه ، أي بكل اهتمام ، ويقصد أيضا بالاذنين الاذن الخارجية والاذن الداخلية في القلب أي الفهم الروحي ، ويعني سماع كلامه وفهمه وتطبيقه في الحياة. الملح يحفظ الطعام من الفساد ويعطيه مذاقا حسنا ، كذلك ابناء الله مسئولين عن إعلان الحقوعمل الخير وحفظ وصايا الله ، ولكن إن فسد الملح ( أولاد الله ) باختلاطه بالعالم والشهوات ورفض حمل الصليب وكل جهاد روحي ،سيفقد لموحته وكل مميزاته ، وحينئذ يكون بلا نفع فيلقي في العذاب الأبدي ، أن يدان أولاد الله الذين تركوا حياتهم الروحية وانهمكوا في العالم فتكون دينونتهم اصعب . + إن كان الله قد كشف لنا شروط الخلاص ، فينبغي أن نجاهد فيها واثقين من محبته التي تسندنا وتهبنا الملكوت.
مصادر أخرى لهذا الإصحاح