كلمة منفعة
في تذكرنا لأسلوب آبائنا الرسل في خدمتهم، نتلقى دروسا عملية مثالية في روح الخدمة، نذكر منها:
— روح الخدمة
إنجيل مرقس 8
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
انجيل معلمنا مرقس - الاصحاح رقم 8
انجيل معلمنا مرقس
الإصحاح رقم 8
الأصحاح الثامن :
المسيح المشبع
جاءت الأصحاحات 8-10 تحمل أسئلة كثيرة، منها أسئلة قدمها السيد نفسه، وبعضها التلاميذ، وأحيانًا الشعب أو المقاومون له. كلها كشفت بالأكثر عن شخص السيد المسيح العامل لحساب البشرية موضوع حبه.
في هذا الأصحاح كشفت الأسئلة عن شخصه كمصدر شبع حقيقي للنفس.
1. سؤال حول الخبز 1-10.
2. سؤال حول الآية 11-12.
3. حوار حول الخمير 13-21.
4. سؤال حول البصيرة 22-26.
5. سؤال حول شخص المسيح 27-30.
6. إعلانه عن الصليب 31-33.
7. إعلانه عن شركة الصليب 34-38.
1. سؤال حول الخبز
سبق فبارك الرب الخبز والسمكتين لإشباع خمسة آلاف رجلٍ ماعدا الرجال والنساء (6: 34-44)، إذ تحنن الرب عليهم عندما رآهم كخرافٍ بلا راعٍ، وقد أطال الحديث معهم في موضع خلاء. وأراد التلاميذ أن يصرفهم السيد ليبتاعوا خبزًا، فلم يرد أن يصرفهم جائعين. وها قد سنحت فرصة أخرى فيها بقت الجموع ثلاثة أيام مع السيد وليس لهم ما يأكلونه، وقد رفض السيد أيضًا أن يصرفهم صائمين لئلا يخوروا في الطريق، "لأن قومًا منهم جاءوا من بعيد" [3]. في شفائه المرضى وإخراج الشياطين لم يقدر الإنجيليون أن يحصروا عدد الأشفية والآيات التي صنعها، حتى قال الإنجيلي يوحنا: "وأشياء أُخر كثيرة صنعها يسوع إن كتبت واحدة واحدة، فلست أظن أن العالم نفسه يسع الكتب المكتوبة" (يو 21: 25). أما في أمر إشباع الجموع فعلى ما يظن لم يمارسه سوى مرتين حتى لا يلتف الجمع حوله من أجل الخبز المادي، فتنحرف نظرتهم إلى الزمنيات عوض الشبع الروحي. أما عدم تجاهله هذا الإشباع، إنما ليكشف أنه أيضًا يهتم بالجسد، ولكن ليس على حساب الروحيات.
سبق لنا دراسة هاتين المعجزتين خاصة ما حملتاه من جوانب رمزية راجع تفسير مت 14: 14-21؛ 15: 32-38، لذا أكتفي هنا بإبراز النقاط التالية:
أولاً: لا نستطيع تجاهل التشابه الشديد بين معجزتي إشباع الجموع الواردتين في الأصحاحين 6 و 8 وما لازمهما من ظروف متقاربة للغاية:
إشباع 5000 رجلٍ (6: 35-44).
إشباع الـ4000 (8: 1-9)
عبور البحيرة (6: 45-52).
عبور البحيرة (8: 10).
عبورهم إلى جنيسارت (6: 53-56).
عبورهم إلى دلمانوثة (8: 10).
حواره بعدها مع الفريسيين عن أيدي الدنسة (7: 1-23).
حواره بعدها مع الفريسيين عن الآية من السماء (8: 11).
حواره مع الفينيقية عن خبز البنين (7: 24-30).
حواره مع التلاميذ عن خمير الفريسيين (8: 13-21).
شفاء الأصم الأعقد (7: 31-37).
شفاء الأعمى (8: 22-26).
هذا التشابه الشديد في الظروف المحيطة بالمعجزتين يربط بينهما رباطًا وثيقًا كما رأينا في دراستنا لإنجيل معلمنا متى البشير بكون الأولى تعلن عن شخص المسيّا مشبع اليهود أو أصحاب الناموس، والثانية عن ذات المسيّا المشبع أيضًا للأمم، وأن المعجزتين تحملان ذات المعنى والمفهوم. أما تشابه الأحداث الملازمة لهما واللاحقة لهما، فلا يمكن أن يكون محض صدفة، إنما تعني مفهومًا روحيًا يمس حياتنا، يمكننا أن نلخصه في الآتي:
أ. في المعجزتين إذ شبعت الجموع دخل السيد المسيح السفينة ومعه تلاميذه ليعبروا البحيرة إلى الشاطيء الآخر. كأن غاية إشباعه لنفوسنا أن نتذوق العبور أو الخروج بالمسيح يسوع خلال صليبه المحيي (السفينة) لينطلق قلبنا من برية هذا العالم، مجتازًا أمواجه وتياراته، ليدخل إلى الحياة الأخرى ويتمتع بالأبدية، هذا الخروج لن يتحقق خارج السيد المسيح رأس الكنيسة وقائدها.
ب. إذ شبعت الجموع قام الفريسيون في المرتين يحاورونه تارة عن الأيدي الدنسة وأخرى يطلبون آية من السماء. وكأنه بينما ينشغل السيد المسيح بإشباعنا داخليًا والانطلاق بنا إلى أحضان أبيه خلال ثبوتنا فيه، يبذل عدو الخير كل جهده لإثارتنا في مناقشات غبية تفسر نقاوة القلب الداخلي. يريد العدو أن يسحبنا من الشبع الداخلي إلى الغسلات المظهرية أو الآيات المثيرة للخارج.
ج. بعد المعجزة الأولى تحدث مع الفينيقية عن خبز البنين الذي كان يود أن يتمسك به أصحاب الناموس كبنين لكنهم رفضوه فقُدم للأمم الغرباء، وبعد المعجزة الثانية حدث تلاميذه عن خمير الفريسيين محذرًا إياهم لئلا يأكلوا منه، طالبًا أن ينعموا به هو شخصيًا، الخبز الواحد النازل من السماء!
د. بعد المعجزة الأولى شفى السيد المسيح الرجل الأصم الأعقد، أما بعد الثانية فشفى الأعمى. وكأن السيد مشبع النفوس قد جاء ليفتح أذاننا الروحية لسماع كلمته، ولساننا لتمجيده، وأعيننا لمعاينة بهاء مجده.
ثانيًا: ما هو الخبز الذي قدمه السيد للجموع بعد أن مكثوا معه ثلاثة أيام ولم يكن لهم ما يأكلونه [2] إلا جسده المقدس القائم من بين الأموات في اليوم الثالث؟ فمن يقبل معه آلامه ويحمل صليبه ويُدفن معه يكون كصائمٍ عن العالم بلا طعام يسلمه الرب جسده طعامًا محييًا، الجسد القائم من الأموات!
يرى بعض الآباء أن هذا الخبز يشير إلى كلمة الله أو كلمة الكرازة بالإنجيل التي قُدمت للبشرية الجائعة، فيقول القديس أغسطينوس: [ما تأكلونه أنتم آكل منه أنا أيضًا، وما تعيشون عليه أعيش أنا أيضًا عليه، إذ لنا في السماء مخزن مشترك منه تأتي كلمة الله... أنتم تعلمون أن وليمة الله غالبًا ما نسمع عنها أنها خاصة بالقلب لا بالبطن.] ويقول البابا غريغوريوس (الكبير): [لم يرد أن يصرفهم صائمين لئلا يخوروا في الطريق، إذ يليق بمن يستمع الكرازة أن يجد كلمة تعزية، لئلا بسبب جوعهم وحرمانهم من طعام الحق يسقطون تحت ثقل متاعب الحياة.]
إن كان هذا الخبز يشير إلى كلمة الكرازة، فإن بعض الدارسين يرون في رقم 7 (سبع خبزات) إشارة إلى السبعين رسولاً الذين قاموا بالكرازة بين الأمم، وإلى السبعة شمامسة (أع 6: 3) ، غير أن كثير من الآباء يرون في رقم 7 إشارة إلى أعمال الروح القدس في كنيسة المسيح، وكأن هذا الخبز الذي هو كلمة الكرازة هو عطية الروح القدس للمؤمنين في كنيسة المسيح. بمعنى آخر الروح القدس العامل في الكنيسة خاصة خلال الأسرار السبعة يقدم لنا كلمة الله حية وفعّاله وعملية في حياتنا لتدخل بنا إلى الكمال.
يقول القديس أغسطينوس: [السبع خبزات تعني أعمال الروح القدس السبعة، والأربعة آلاف رجل هي الكنيسة المؤسسة على الأناجيل الأربعة، والسبعة سلال من الفضلات هي كمال الكنيسة، فإنه بهذا الرقم يُرمز للكمال دائمًا.] ويقول الأب ثيؤفلاكتيوس: [رقم 7 يشير إلى الروح القدس الذي يكمل كل شيء، إذ تكمل حياتنا خلال السبعة أيام.]
ويرى القديس أمبروسيوس أن هذا الطعام يشير إلى القوة التي يمنحها لمؤمنيه، فإن كان في وصيته يطالبنا بالمثابرة والجهاد، لكنه هو الذي يهبنا القوة حتى لا نخور في الطريق. إنه يبعث بقوته للجميع. يوزع للكل ولا يتجاهل أحدًا، فإن امتنع إنسان عن بسط يديه لينال قوة الروح الداخلي خار في طريق جهاده.
ثالثًا: أحصى عدد الرجال، لكنه لم يحرم النساء ولا الأطفال من الطعام، وكما يقول القديس أغسطينوس: [دع هؤلاء يأكلون، ليأكل الأطفال فينمون ولا يصيرون بعد أطفالاً، ولينصلح من هو مدللون كالنساء فيصيرون محصنين.] هذا ويرى البعض أن العدد الوارد هنا (4000) يشمل الكل وليس الرجال فقط كما في المعجزة السابقة.
رابعًا: بالنسبة للسلال السبع التي جمعها التلاميذ وقد امتلأت من الفضلات علامة البركة المسيحانية، فهي تشير إلى الكنائس السبع (رؤ 1: 12-20)، وقد حلّ في وسطها ابن الإنسان ينيرها ويشبعها خلال كلمة الإنجيل عاملاً بروحه القدوس فيها.
هذا ويلاحظ أن كلمة "سلال" هنا جاء باليونانية "Spyris" بينما في المعجزة الأولى استخدمت الكلمة اليونانية "Kophinos" والتي ترجمت "قفة". فإن كانت القصة التي بين أيدينا تشير إلى شبع الأمم بالمسيا المخلص بينما القصة السابقة تشير إلى شبع اليهود به، فإن كلمة Spyris تعني سلة عادية أو سلة سمك يستخدمها الكل أما كلمة Kophinoi فهي تمثل نوعًا من السلال خاص بالشعب اليهودي يستخدمه فقراؤهم في روما. لنفس السبب في المعجزة التي بين أيدينا عدد السلال سبع إشارة إلى كمال الكرازة في العالم كله، أما في المعجزة السابقة فعددهم 12 إشارة إلى الاثنى عشر سبطًا.
2. سؤال حول الآية
"فخرج الفريسيون وابتدأوا يحاورونه، طالبين منه آية من السماء لكي يجربوه. فتنهد بروحه، وقال: لماذا يطلب هذا الجيل آية؟ الحق أقول لكم لن تُعطي هذا الجيل آية" [11-12].
بعد إشباع الخمسة آلاف رجل على يدي التلاميذ عوض أن ينشغل الفريسيون بهذا العمل الفائق ليروا فيه تحقيقًا للنبوات، إذ جاء المسيا ووهب تلاميذه أن يقدموا بركته للجماهير فتشبع، رأوا في أيديهم أنها دنسة لأنها لم تتطهر بالماء قبل الأكل حسب تقاليد اليهود. الأيدي التي تمتعت بعطية الله لتقدم ما يشبع الجماهير وتجمع بالبركة فضلات كثيرة كانت في أعينهم دنسة، والآن إذ أكد لهم أنه المسيا مشتهى الأمم ومتمم النبوات بإشباع أربعة آلاف أخرى عوض أن يعيدوا النظر فيما فعلوه ازدادوا جهالة، إذ طلبوا منه آية من السماء لكي يجربوه. وكما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لم يطلبوا آية لكي يؤمنوا وإنما لكي يمسكوه، فلو كان المقاومون مستعدين لقبول الإيمان لصنع لهم آية.]
لقد أراد السيد المسيح أن يدخل بهم إلى السماء عينها، مقدمًا نفسه المن الحقيقي النازل من السماء الواهب حياة أبدية (يو 6)، لكنهم لم يطلبوا الشبع، بل طلبوا علامة منظورة في الطبيعة للجدال والمقاومة. وهم في هذا لم يستطيعوا أن يميزوا بين مجيء السيد المسيح الأول لتقديم الخلاص للعالم كله خلال محبته الفائقة، وبين مجيئه الثاني ليدين العالم. فعلامة مجيئه الأول هي بسط يديه بالحب واللطف نحو كل نفس خاصة على الصليب، أما علامة مجيئه الثاني للدينونة فهي تزعزع قوات السماء، والشمس والقمر لا يعطيان ضوءهما الخ.
لقد تنهد السيد بروحه، وقال: "لماذا يطلب هذا الجيل آية؟" كأنه في مرارة يرى في هذا الجيل الذي كان يجب أن يكون كارزًا بالإنجيل ومعلمًا للعالم عن الخلاص بالصليب، قد تحول عن رسالته إلى تجربة الرب، كآبائهم الذين جربوا الرب. يقول موسى النبي: "ودعا اسم الموضع مسّة ومريبة من أجل مخاصمة بني إسرائيل ومن أجل تجربتهم للرب، قائلين: أفي وسطنا الرب أم لا؟" (خر 17: 7). ويقول المرتل: "فلا تقسوا قلوبكم كما في مريبة، مثل يوم مسة في البرية، حيث جربني آباؤكم، اختبروني، أبصروا أيضًا فعلي، أربعين سنة مقت ذلك الجيل" (مز 95: 8-10).
3. حوار حول الخمير
"ثم تركهم ودخل أيضًا السفينة ومضى إلى العبر، ونسوا أن يأخذ خبزًا، ولم يكن معهم في السفينة إلا رغيف واحد، وأوصاهم قائلاً: أنظروا وتحرزوا من خمير الفريسيين وخمير هيرودس" [13-15].
أولاً: كشف لنا الإنجيلي عن شوق التلاميذ لتبعيته، فمع أنهم جمعوا سبع سلال من الكسر، لكنهم إذ رأوه يدخل السفينة نسوا أن يأخذوا معهم خبزًا، إذ شغلهم السيد الرب عن الاهتمام حتى بالضروريات كالخبز. محبتهم للرب سحبت قلوبهم عن كل ما هو أرضي. لذلك يقول القديس يوحنا سابا: [من ذاق حلاوة ثمار شجرة الحياة، ويريد أن يجري نحو ثمار (محبة) العالم النتنة؟]، كما يقول: [الذين لم يجربوا لذة محبة الله هم مساكين وتعساء، فالله يعطي لمحبيه طيبًاK وبه يسكرهم ويلذذهم.]
ثانيًا: قال الإنجيلي "ولم يكن معهم في السفينة إلا رغيف واحد"، لكي يعلن أنه حتى التلاميذ لم يكونوا قد انفتحت أعينهم خلال معجزة إشباع الجموع ليدركوا أن في وسطهم "خبز الحياة" (يو 6: 51) الذي يشبع الكنيسة كلها ويهبها وحدانية الروح، كقول الرسول: "فإننا نحن الكثيرين خبز واحد جسد واحد لأننا نشترك في الخبز الواحد" (1 كو 10: 17). كان التلاميذ في حاجة إلى تعليم السيد المسيح لينزع عنهم خمير الفريسيين وخمير هيرودس، فتنفتح أعينهم لمعاينة الرغيف الواحد السري، يسوع المسيح ربنا.
ثالثًا: إذ كان التلاميذ لم يزالوا غير قادرين على إدراك مفهوم الطعام الروحي والتعرف على السيد المسيح خبز الحياة، لذلك عندما سألهم أن يتحرزوا من خمير الفريسيين وخمير هيرودس ارتبكوا، قدم لهم سبعة أسئلة تكشف عن جراحاتهم، وتدخل بهم إلى الفهم الروحي، بالرغم من أنه لم يقدم لهم الإجابة، وهي:
أ. لماذا تفكرون أن ليس عندكم خبز؟ [17]، ليكشف أنه العارف بأفكارهم التي لم تكن بعد قادرة أن تنطلق فوق المادة.
ب. ألا تشعرون بعد ولا تفهمون؟ [17]، ليثيرهم للدخول إلى الأعماق، وإدراك من هو الذي في وسطهم، وما هي غاية أعماله.
ج. أحتى الآن قلوبكم غليظة؟ [17]، ليعلن عن حاجتهم إلى تجديد القلب تمامًا ليحمله في داخله ويدرك أسرار ملكوته.
د ، هـ. ألكم أعين ولا تبصرون، ولكم آذان ولا تسمعون؟ [18]، فإنه يذكرهم بما قاله إرميا النبي عن الشعب قديمًا: "الذين لهم أعين ولا يبصرون، ولهم آذان ولا يسمعون" (إر5: 21)، فإذ لهم الحواس الجسدية دون الروحية لا ينعمون بالإدراكات السماوية. وكأنه يدفعهم لطلب إمكانيات العهد الجديد للتمتع خلال الإنسان الجديد بالإدراكات السماوية.
و، ز. "ولا تذكرون، حين كسرت الأرغفة الخمسة للخمسة الآلاف كم قفة مملوءة كسرًا رفعتم؟ قالوا اثنتي عشر. وحين السبعة للأربعة الآلاف كم سل كسر مملوءًا رفعتم؟ قالوا سبعة. فقال لهم كيف لا تفهمون؟" إنه يثيرهم لتذكار أعماله التي تمت بين أيديهم التي تعلن - خلال العهد القديم - أسرار ملكوت الله، وتذكرهم بالرموز والنبوات التي تتحقق الآن قدامهم. وأيضًا يسألهم أن يمعنوا النظر في معجزتي إشباع الجموع ليفهموا أنه "خبز السماء" المشبع للنفوس.
رابعًا: يفسر لنا الإنجيليان متى (16: 12)، ولوقا (12: 1) خمير الفريسيين والصدوقيين أنه رياؤهم، إذ تتطلع اليهود إلى الخمير كرمزٍ للقوة المفسدة (1 كو 5: 6-8؛ غل 5: 9)، أما خمير هيرودس فيعني مكره، إذ دعاه السيد المسيح ثعلبًا. وقد اشترك الفريسيون مع هيرودس وأتباعه في مقاومة السيد المسيح تحت ستار الحق من أجل حفاظهم على مراكزهم الاجتماعية ومكاسبهم الظاهرة. وكأن السيد يحذر أتباعه من الرياء والمكر حتى يمكنهم إدراك الحق ببصيرة روحية سماوية.
سبق لنا الحديث عن خمر الرياء في دراستنا لإنجيل متى، لذا أكتفي هنا بعرض مقتطفات للقديس كيرلس الكبير: [الرياء أمر مكروه لدى الله، وممقوت من الناس، لا يجلب مكافأة، ولا يصلح قط في خلاص النفس بل بالحري يهلكها. إن كان أحد يهرب بالرياء لئلا يُكتشف أمره فإلى حين، لكنه لا يدم طويلاً إذ ينفضح الأمر ويجلب له عارًا، فيكون كالنساء قبيحات المنظر عندما تُنزع عنهن الزينة الخارجية القائمة على وسائل صناعية. الرياء إذن غريب عن القديسين! ليس شيء يُقال أو يُعمل يختفي عن عيني اللاهوت، إذ قيل: "ليس مكتوب لن يُستعلن ولا خفي لا يُعرف" (لو 12: 2). فإن كانت كلماتنا وأعمالنا تظهر في يوم الدينونة يكون الرياء تعبًا باطلاً. يليق بنا بالحري أن نتزكى كعابدين حقيقيين نخدم الله بملامح صادقة وصريحة.]
4.سؤال حول البصيرة
بعد أن أشبع الجموع بخمس خبزات وقليل من صغار السمك معلنًا أنه هو سرّ شبع الكنيسة الحقيقي، يشبعها بسكناه فيها، وبعمل وصيته داخلها، وموهبة روحه القدوس، نجده الآن يفتح عيني أعمى في بيت صيدا ليؤكد أنه هو "سرّ الاستنارة الحقيقي".
يقول الإنجيلي: "وجاء إلى بيت صيدا، فقدموا له أعمى، وطلبوا إليه أن يلمسه. فأخذ بيد الأعمى وأخرجه إلى خارج القرية، وتفل في عينيه، ووضع يديه عليه، وسأله هل أبصر شيئًا. فتطلع وقال: أبصر الناس كأشجار يمشون. ثم وضع يديه أيضًا على عينيه، وجعله يتطلع، فعاد صحيحًا، وأبصر كل إنسان جليًا. فأرسله إلى بيته قائلاً: لا تدخل القرية، ولا تقل لأحد في القرية" [22-26].
أولاً: عُرفت بيت صيدا بعدم إيمانها حتى صارت ممثلة روحيًا في شخص هذا الأعمى، الأمر الذي كشفه حديث السيد عنها: "ويل لك يا بيت صيدا، لأنه لو صُنعت في صور وصيدا القوات المصنوعة فيكما لتابتا قديمًا في المسوح والرماد" (مت 11: 21). هذا وأن "بيت صيدا" تعني "بيت الوادي"، فترمز للعالم وادي الدموع، أصاب البشرية بالعمى الروحي وأفقدها الاستنارة الداخلية.
من هم الذين قدموا الأعمى إلا آباء وأنبياء العهد القديم الذين قدموا للسيد المسيح العالم وقد أصابه العمى، قدموه خلال النبوات والرموز لينعم العالم به كمخلص ويقبل عمله فيه واهبًا إياه روح الاستنارة. وقد اشترك مع رجال العهد القديم التلاميذ والرسل الذين كرزوا في العالم الأممي وقدموه للسيد ليفتح بصيرته.
ثانيًا: "فأخذ بيد الأعمى وأخرجه إلى خارج قريته" [23].
إذ يمسك السيد المسيح بأيدينا، فإن أول عمل يقوم له في حياتنا هو أن ينطلق بنا إلى خارج قريتنا. يحملنا بصليبه إلى خارج "الأنا"، فلا نحيا بعد لحساب ذواتنا، بل لحساب ذاك الذي أحبنا ومات لأجلنا، نحيا بالصليب غير متوقعين حول الذات، بل ننطلق بالحب لنستقبل الله وخليقته في أعماقنا بقلب متسع يضم الكل فيه. لعل هذا هو ما قصده الرسول بولس حين قال: "مع المسيح صلبت، فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فيّ" (غل 2: 20)، وأيضًا: "كما أنا أيضًا أرضي الجميع في كل شيء غير طالب ما يوافق نفسي بل الكثيرين لكي يخلصوا" (1 كو 10: 33).
ولعل خروج الأعمى بيد السيد المسيح إلى خارج قريته يمثل دعوة إلهية لخروجنا معه إلى أورشليم نحمل عار الصليب (عب 13: 13).
ثالثًا: عند شفاء الأعمى استخدم السيد التفل في عينه، ووضع يديه عليه، بالعمل الأول أشار إلى الحكمة الخارجة من فيه، وبالثاني أشار إلى حاجته لليد الإلهية أو الإمكانيات الربانية للعمل، وكأن استنارة البصيرة الداخلية لا تقوم على الحكمة مجردة عن العمل، ولا على العمل المجرد عن المعرفة أو الحكمة الإلهية. استنارتنا الداخلية تقوم على التمتع بالشركة العملية مع الله في المسيح يسوع، فننعم بمعرفته ونسلك بروحه. بمعنى آخر إيماننا ليس فكرًا عقلانيًا نعتنقه، ولا سلوكًا أخلاقيًا نمارسه، إنما هو حياة متكاملة تنبعث عن الإيمان الحيّ العامل بالمحبة، لا فصل فيها بين إيمان وأعمال!
رابعًا: سأله السيد المسيح إن كان يبصر شيئًا، لا لكي يكشف للسيد عما يراه، إذ يعرف الرب كل شيء، إنما ليحثه على الإيمان، كما سبق فسأل الله آدم: أين أنت؟ لا ليعرف موضعه، إنما ليحثه على التوبة.
من أجل ضعف إيمانه لم تكن رؤيته كاملة، فاحتاج إلى سؤال الرب ليعينه، وقد أجاب أنه يرى الناس كأشجار يمشون [24]. إنه يرى لكن ليس بروح التمييز، لذلك وضع الرب يديه عليه مرة أخرى، ووهبه هذه العطية ليرى كل إنسان جليًا.
لعل رؤيته للناس كأشجارٍ تعني ما أصابه من إحباط ويأس، فقد حسب الكل أشجارًا عالية تتحرك نحو السماء لتقدم ثمارًا إلهيًا أما هو ففي عيني نفسه يبدو عاجزًا في وسطهم يحتاج إلى من يسنده ويملأه رجاءً، فيصير مغروسًا في بيت الرب، شجرة زيتون خضراء مثمرة (مز 52: 8).
خامسًا: إذ أبصر الناس جليًا أرسله إلى بيته، وكأنه أراد له أن يعود فيتأمل قلبه ليكتشف في داخله ملكوت السماوات. وكما يقول القديس يوحنا سابا: [طوبى لمن كنزه داخله، ومن خارجه لا يتغذى! طوبى لمن شمسه تشرق داخله، ولا يدع الآخرين يبصرونها! طوبى لمن سمعه مسدود عن نغمات اللهو، لكنه ينصت لسماع الحركات النورانية التي للسمائيين! طوبى لمن استنشاقه عبير الروح القدس وتمتزج رائحة جسده بذلك! طوبى لمن اصطبغت نفسه بحلاوة الله وأيضًا عظامه اقتنت منه دسمًا!]
سادسًا: أخيرًا سأله السيد أن يصمت معلنًا له أن ما فعله كان من أجل المحبة، وليس عن حب للمديح أو طلب مجد من الناس.
5. سؤال حول شخص المسيح
إن كان قد سأل الأعمى عما يراه ليحثه على طلب المزيد والتمتع باستنارة عينيه بصورة أكمل، الآن في الطريق بين قرى قيصرية فيلبس سأل تلاميذه ليهبهم استنارة إيمانية ليدركوا شخصه هو، فينعموا به، ويروه بعيني الإيمان المستنيرتين.
"سأل تلاميذه قائلاً لهم: من يقول الناس إني أنا. فأجابوا: يوحنا المعمدان، وآخرون إيليا، وآخرون واحد من الأنبياء. فقال لهم: وأنتم من تقولون إني أنا؟ فأجاب بطرس وقال له: أنت المسيح. فإنتهرهم كي لا يقولوا لأحد عنه" [27-30].
لقد سألهم لكي يكشف لهم عن شخصه ويدفعهم للاعتراف به بعد إدراكهم له بإعلان إلهي، فيمجدوه أكثر من العامة. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [لقد قادهم إلى مشاعر أسمى وأفكار أعلى بخصوص شخصه حتى لا يكونوا كبقية الجموع.] لذلك يعلق القديس جيروم على قول السيد: "وأنتم من تقولون إني أنا؟" بقوله أن التلاميذ لم يعودوا بعد من الناس لكنهم صاروا به آلهة، [كأنه يقول لهم أنهم كبشر قد فكروا في أمور بشرية وأنتم كآلهة من تقولون إني أنا؟]
لقد رأينا في دراستنا للأصحاح السادس (14-16) أن هيرودس قال عنه أنه يوحنا المعمدان خلال ضميره المعذب، وآخرون قالوا أنه إيليا خلال شوقهم لمجيء الملكوت المسيحاني كملكوت زمني مادي، وآخرون قالوا أنه أحد الأنبياء بسبب مرارة أنفسهم لغياب الأنبياء عنهم ثلاثة قرون. جاءت هذه الأقوال خلال مشاعر بشرية بحتة، أما بطرس فأدرك سره خلال إعلان إلهي، قائلاً: "أنت هو المسيح ابن الله الحيّ" (مت 16: 16-17).
فيما يلي مقتطفات من تعليق القديس أمبروسيوس عن هذا الموقف:
[يمكننا اعتبار شهادة الجموع له بلا نفع، فقد ظنه البعض إيليا قد قام مؤمنون بمجيئه، وآخرون آمنوا بقيامة يوحنا عالمين أن رأسه قد قطعت، وآخرون أنه واحد من الأنبياء القدامى.
البحث في ذلك (أي في شخص المسيح) أمر يفوق قدرتنا، لكنه يتناسب مع فكر شخص كبولس وحكمته، هذا الذي يكفيه أن يعرف المسيح وإياه مصلوبًا (1 كو 2: 2)، لأنه أية معرفة يشتاق إليها أكثر من أنه المسيح؟ ففي هذا الاسم "المسيح" يتجلى اللاهوت ويُعلن التجسد وأيضًا الآلام.
لقد عرفه بقية التلاميذ، لكن بطرس وحده قال: "مسيح الله" (لو 9: 20)، إذ يشمل هذا الاسم كل شيء، ويعّبر عن طبيعته، ويحوي كل الفضائل.
هل نثير تساؤلات حول كيفية ميلاد الرب بينما يقول بولس أنه لا يعرف شيئًا إلا المسيح وإياه مصلوبًا، ويعترف بطرس أنه مسيح الله! نحن بعيون الضعف البشري نبحث هكذا: متى وكيف وما هي عظمته، أما بولس فيرى في هذه التساؤلات هدمًا لا بناء، لذا لا يريد أن يعرف إلا يسوع المسيح.
عرف بطرس أن في "ابن الله" يكمن كل شيء، فقد دفع الآب كل شيء في يده (يو 3: 35)... لذا فيه الأزلية والعظمة التي للآب.
إني قبلت الإيمان بأنه المسيح ابن الله (مت 16: 16) فلا يجوز لي أن أعرف كيف وُلد، لكن لا يجوز لي أيضًا أن أجهل حقيقة ميلاده.
لتؤمن إذن كما آمن بطرس، فتطوّب أنت أيضًا وتتأهل لسماع الكلمات: "إن لحمًا ودمًا لم يعلن لك لكن أبي الذي في السماوات" (مت 16: 17). فاللحم والدم لا يقبلان إلا الأرضيات، أما من ينطق بأسرار الروح فلا يعتمد على تعاليم اللحم والدم بل على الإعلان الإلهي.
ليتك لا تعتمد على اللحم والدم لتأخذ منهما أوامرك، فتصير أنت نفسك لحمًا ودمًا، وإنما من يلتصق بالرب يكون معه روحًا واحدًا (1 كو 6: 17). يقول الله: لا يدين روحي في الجسد بعد لأن كل تصورات قلبه شريرة (تك 6: 3).
ليسمح الرب ألا يكون السامعون لحمًا ودمًا، بل يكونوا متغربين عن شهوة اللحم والدم، فيردد كل واحد منهم: "لا أخاف، ماذا يصنعه بي الإنسان (أي اللحم والدم)؟" (مز 56: 5).
من يغلب الجسد يصير من أعمدة الكنيسة؛ إن لم يستطع أن يبلغ إلى بطرس فإنه يتمثل به ويتمتع بعطايا الله إذ هي كثيرة، يرد لنا مالا تركناه بل ما هو له.
يحق لنا أن نتساءل: لماذا لم يرَ فيه الجموع إلا إيليا أو إرميا أو يوحنا المعمدان؟
ربما رأيت فيه إيليا لأنه أُختطف إلى السماء؛ لكن المسيح ليس كإيليا إذ لم يُختطف إليها بل جاء منها. الأول أُختطف إلى السماء، أما الثاني فلا يحسب خلسة أن يكون معادلاً لله (في 2: 6). الأول انتقم بالنار التي طلبها (1 مل 18: 38) والثاني أحب خلاص المسيئين إليه لا هلاكهم.
لماذا اعتقدوا أنه إرميا؟ ربما لأنه تقدس من الرحم (إر 1: 4)، لكن المسيح ليس كإرميا. الأول تقدس، أما الثاني فهو يقّدس، الأول بدأ بميلاده أما الثاني فهو قدوس القديسين.
لماذا ظنه الشعب يوحنا؟ ربما لأن يوحنا عرف الرب وهو في بطن أمه، لكن المسيح ليس كيوحنا. يوحنا سجد وهو بعد في الرحم، والثاني هو المسجود له. الأول عمّد بالماء، وأما المسيح فبالروح. الأول نادى بالتوبة والثاني غفر الخطايا.]
أخيرًا فقد "انتهرهم كي لا يقولوا لأحد عنه" [30]، أما علة انتهاره لهم، فهو لكي يتم المكتوب عنه ويتحقق صلبه، فلو عرفوا رب المجد لما صلبوه. ويقدم لنا القديس أمبروسيوس تعليلاً آخر وهو أنه أراد الكرازة به بكونه المسيح بعد صلبه وقيامته، فيعرفوه المسيح المصلوب عنهم القائم من الأموات، إذ يقول: [منع التلاميذ من الكرازة به كابن الله ليبشروا به بعد ذلك مصلوبًا. هذه هي روعة الإيمان أن نفهم حقيقة صليب المسيح!... فصليب المسيح وحده نافع لي، لأن "به صلب العالم لي وأنا للعالم" (غل 6: 14). إن كان العالم قد صلب لي فأعرف أنه قد مات فلا أحبه، أعرف الفساد الذي يسري في العالم فأتجنبه كرائحة نتنة، أهرب منه كما من الطاعون وأخرج منه قبل أن يؤذيني.]
6. إعلانه عن الصليب
يرى بعض الدارسين أن إنجيل معلمنا مرقس يمكن تقسيمه إلى جزئين رئيسيين متكاملين، القسم الأول يبدأ بالسفر حتى ما قبل سؤال السيد المسيح تلاميذه عما يقول الناس عنه، والثاني يبدأ بهذا السؤال حتى نهاية السفر. القسم الأول يعلن عن شخص السيد المسيح العامل والمعلم الذي يخدم البشرية بالحب والحنان وقد رافقه ظل الصليب، أما القسم الثاني فتبدأ المرحلة العملية لحمل الصليب، يبدأها بالكشف عن ذاته بالقدر الذي يسندهم حتى يتم الصليب، فيتمجد بحبه العملي، وعندئذ يكشف لهم بهاء مجده خلال قيامته وظهوراته وصعوده خاصة بإرسال روحه القدوس الذي يخبرهم بكل شيء.
الحديث السابق، حديث خاص بين السيد وتلاميذه كان مقدمة لإعلان صليبه، إذ يقول الإنجيلي:
"وابتدأ يعلمهم أن ابن الإنسان ينبغي أن يتألم كثيرًا، ويرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة ويُقتل، وبعد ثلاثة أيام يقوم. وقال القول علانية، فأخذه بطرس إليه وابتدأ ينتهره. فالتفت وأبصر تلاميذه، فانتهر بطرس قائلاً: اذهب عني يا شيطان، لأنك لا تهتم بما لله، لكن بما للناس" [31-33].
إن كان بطرس الرسول استطاع بإعلان إلهي أن يتعرف على "يسوع" أنه المسيح، وهو في الطريق في قرى قيصرية فيلبس [27]، حيث مركز عبادة البعل والعبادات الوثنية الإغريقية مع السلطة الرومانية، لكن مع هذا لم يكن ممكنًا لبطرس أن يتفهم المسيح كفادٍ يُصلب عن البشرية ويقوم ليقيمها معه، إذ كان الفكر اليهودي يرفض هذا تمامًا، لهذا أسرع السيد المسيح يصحح المفهوم.
يمكننا تلخيص الاعتقاد اليهودي بخصوص مجيء المسيا في النقاط التالية:
أ. يسبق مجيء المسيح حلول ضيقة شديدة على العالم يسبب له خرابًا، كما تحل الحروب في العالم والإضطرابات وسفك للدماء... هذه كلها أشبه بالمخاض الذي يحل بالمرأة عندما تلد طفلاً.
ب. وسط هذا الخراب الذي يمس حياة الإنسان والحيوان والطير حتى الأسماك يظهر إيليا النبي ليهيئ الطريق للمسيح. ويعتبر مجيء إيليا أمرًا أساسيًا، حتى أن اليهود في احتفالهم للفصح كانوا يتركون كرسيًا خاليًا يسمونه "كرسي إيليا"، إذ يتوقعون دخوله في أحد أعياد الفصح فجأة.
ج. يظهر المسيا نفسه، ليس مولودًا من بشر، لكنه يأتي رجلاً جبارًا يقدم من السماء في كمال الرجولة والنضج ليخلص شعبه.
د. بمجيئه يهيج الملوك ضده ويقومون بثورة عليه، ويدبرون حربًا ينهزمون فيها ويظهر فيها المسيح كأعظم غالب في البشرية يبيد أعداءه.
هـ. إذ تُعلن غلبته على الأمم يقوم بتجديد أورشليم وتطهيرها، أو تنزل أورشليم جديدة بأعمدة جديدة؛ فيها يجتمع اليهود من كل العالم كسادة للبشرية، إذ تنحني البقية الباقية من الأمم لهم في مذلة، ويعيش اليهود بفرح شديد، حتى أن موتاهم يقومون ليشاركوهم هذا الفرح الجديد. بهذا يرى اليهود بفكرهم المادي المتعصب أنه يحل السلام والبرّ الأبديان في العالم.
هذا الفكر اليهودي لن يقبل مطلقًا سرّ الصليب ولا انفتاح باب الإيمان للأمم، لهذا انتهر بطرس سيده عندما تحدث عن الألم والصليب.
يعلق القديس أمبروسيوس على كلمات السيد المسيح لتلاميذه بخصوص آلامه وصلبه وقيامته، قائلاً: [لقد عرف مقدار الجهد الذي يحتاج إليه التلاميذ ليؤمنوا بآلامه وقيامته، لذلك استحسن أن يقوم بنفسه بتأكيد آلامه وقيامته لهم، وليكون ذلك بداية وسببًا لميلاد الإيمان فيهم.]
ويلاحظ هنا أن الإنجيلي يخبرنا بأن السيد علّم تلاميذه التزامه أن يتألم كثيرًا ويرفض ويقتل وبعد ثلاثة أيام يقوم، لكنه لم يقل لنا تفاصيل الحديث، كيف أكدّ لهم السيد الحاجة إلى الألم والصلب والقيامة. هل حدثهم عن رموز العهد القديم ونبواته، أم قدم لهم الفهم اللاهوتي لعمله الخلاصي؟
على أي الأحوال كشف لهم السيد المسيح أنه لم يكن ممكنًا أن يتحقق الصلاح بموت أحدٍ إلا ابن الإنسان، القادر أن يقتل الموت نفسه ويقوم. يقول القديس أمبروسيوس: [لم يبلغ أحد إلى العظمة التي تؤهله لرفع خطايا العالم كله، لا أخنوخ ولا إبراهيم ولا إسحق الذي قدم نفسه للموت لكنه لا يقدر أن يغفر الخطايا. من هو ذاك الذي بموته تموت كل الخطايا؟ لا يمكن لأحد من الشعب ولا من القيادات أن يقوم بهذا، إنما اختار الآب الابن، ابن الله الذي هو فوق الجميع، أن يقدم نفسه عن الجميع. وكان هو نفسه يحب أن يموت، إذ هو أقوى من الموت، وقادر أن يخلص الآخرين. الذي قام من بين الأموات بلا عون، غلب الموت دون مساندة من إنسانٍ أو خليقةٍ، قام غالبًا الموت، نازعًا الشهوات، إذ لم يعرف قيود الموت.]
7. إعلانه عن شركة الصليب
انتهر السيد المسيح بطرس، لأنه لم يقبل صلب السيد، بل دعاه هو وإخوته لشركة الصليب معه، إذ قال لهم: "من أراد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني. فإن من أراد أن يخلص نفسه يهلكه، ومن يهلك نفسه من أجلي ومن أجل الإنجيل فهو يخلصها. لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه؟ أو ماذا يعطي الإنسان فداء عن نفسه؟ لأن من استحى بي وبكلامي في هذا الجيل الفاسق الخاطيء فإن ابن الإنسان يستحي به متى جاء بمجد أبيه مع الملائكة القديسين" [34-38].
أولاً: سألهم أن يحملوا معه الصليب بإنكار ذواتهم... وإنكار الذات إنما يعني أن لا يتعاطف الإنسان مع ذاته، فلا يرتبك لمستقبله ولا يخشى المرض أو الضيق أو الموت، إنما يكون جاحدًا لنفسه عنيفًا مع الأنا، غير مترف في ملذات جسده. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم [لم يقل "يعتزل الإنسان ذاته" بل ما هو أكثر "ينكر نفسه"، كما لو كان ليس هناك ما يربطه بذاته، فإنه يواجه الخطر ويتطلع إليه كما لو أن الذي يواجهه آخر غيره، هذا بالحقيقة هو اعتزال الإنسان ذاته... أما إنكار الإنسان ذاته فقد أظهره بقوله "يحمل صليبه"، ويعني به أنه يقبل حتى الموت المشين.]
إننا ننكر أنفسنا متى تجنبنا ما هو قديم فينا مجاهدين لننال على الدوام ما هو جديد حتى نبلغ إلى قياس قامة ملء المسيح (أف 4: 13).
يقول القديس أغسطينوس: [إن كان الإنسان بحبه لذاته يصير مفقودًا، فبالتأكيد بإنكاره ذاته يوجد!... لينسحب الإنسان من ذاته لا لأمور زمنية وإنما لكي يلتصق بالله.]
ثانيًا: إذ حث تلاميذه على إنكار الذات وحمل الصليب قدم لهم المكافأة، فمن يعترف به بحياته وحمله الصليب يتقبل عند مجيء السيد المسيح الأخير شركة أمجاده، أما من يستحي بصليبه هنا يرفض وصيته في هذا العالم فسيستحي منه ابن الإنسان في يوم مجده العظيم، ويحسبه كمن هو غير معروف لديه، وكما يقول القديس جيروم: [الله لا يعرف الشرير، إنما يعرف البار.]
وقد قال السيد المسيح في وصفه لمجيئه الأخير: "متى جاء بمجد أبيه مع الملائكة القديسين" وكما يقول القديس أمبروسيوس: [ليظهر أن عظمة الآب ومجده هما ذات عظمة الابن ومجده... تأتي الملائكة في خضوع، أما هو فيأتي ممجدًا! هم يأتون كتابعين، أما هو فيجلس على عرشه! هم يقفون، وهو يجلس! إن استعرنا لغة المعاملات اليومية من الحياة البشرية نقول أنه القاضي وهم العاملون في المحكمة.]
من أقوال الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
الإصحاح الثامن
الآيات (1-9): في كتاب إنجيل متى (مت32:15-38)
الآيات (10-21): في كتاب إنجيل متى (مت1:16-12)
الآيات (22-26): (شفاء أعمى)
الآيات (27:8-30): في كتاب إنجيل متى (مت13:16-20)
الآيات (31:8-1:9): في كتاب إنجيل متى (مت21:16-28)
الآيات (34:8-38): في كتاب إنجيل متى (مت34:10-36 وما بعده)
(مر 10:8-21):-
وللوقت دخل السفينة مع تلاميذه وجاء إلى نواحي دلمانوثة. فخرج الفريسيون وابتداوا يحاورونه طالبين منه آية من السماء لكي يجربوه. فتنهد بروحه وقال لماذا يطلب هذا الجيل آية الحق أقول لكم لن يعطى هذا الجيل آية. ثم تركهم ودخل أيضا السفينة ومضى إلى العبر. ونسوا أن يأخذوا خبزا ولم يكن معهم في السفينة إلا رغيف واحد. وأوصاهم قائلا انظروا وتحرزوا من خمير الفريسيين وخمير هيرودس. ففكروا قائلين بعضهم لبعض ليس عندنا خبز. فعلم يسوع وقال لهم لماذا تفكرون أن ليس عندكم خبز إلا تشعرون بعد ولا تفهمون احتى الآن قلوبكم غليظة. الكم أعين ولا تبصرون ولكم أذان ولا تسمعون ولا تذكرون. حين كسرت الأرغفة الخمسة للخمسة الالاف كم قفة مملوة كسرا رفعتم قالوا له اثنتي عشرة. وحين السبعة للأربعة الالاف كم سل كسر مملوا رفعتم قالوا سبعة. فقال لهم كيف لا تفهمون
(مر 10:8 ) يقول مرقس أن السيد جاء إلى إلى نواحى دلمانوثة، ويقول متى جاء إلى تخوم مجدل (مت 39:15). وهذا المكان بالقرب من طبرية على الشاطىء الغربى للبحيرة. وإلإختلاف فى الأسماء راجع لأن نفس المكان قد يكون لهٌ إسمان، إسم قديم وإسم حديث، ومتى إستخدم أحدهما بينما إستخدم مرقس الآخر.
(مت 1:16-4):- الفريسيين متعارضون فكرياً، لكننا هنا نجدهم قد إتفقوا معاً ضد المسيح فمملكة الظلمة لا تقبل النور. وقد جاءوا للمسيح يطبون آية، ولم يكفهم كل الآيات التى صنعها السيد المسيح. وهم طلبوا آية من السماء= ربما قصدوا بهذا نزول مَنْ مِنَ السماء، أو علامة طبيعية غريبة مثل إختفاء الشمس مثلاً أو بروق ورعود كما فعل موسى. ولكن الأقرب هو فكرة طلبهم مَنْ سماوى، فشيوخهم كانوا يقولون أن المسيا حين يأتى سينزل مناً من السماء كما فعل موسى (يو 30:6،31). والمسيح ما كان عنده مانع من عمل معجزة ولكن لمن يعمل المعجزة ؟ هو يعملها لمن تجعله يؤمن.ولكن هؤلاء عقدوا العزم على عدم الإيمان، بل هم قد أتوا ليَتَحدوُا المسيح فى عناد ومقاومة، ولو كان قد فعل آية لكانوا قد إخترعوا أى شىء ليقاوموه. لذلك هو رفض عمل آية لهم.ولاحظ اتفاق الفريسيين والصدوقيين ضد المسيح بالرغم من اختلافهم.
والمسيح يفضل أن يؤسس ملكوته بالتعليم وليس بعمل الآيات "طوبى للذين آمنوا ولم يروا " (يو 29:20). والتعليم يقود للتوبة، لذلك نادى يوحنا المعمدان أولاً بالتوبة، ثم نادى المسيح بالتوبة ومن بعده التلاميذ فالزمان هو تأسيس الملكوت وذلك يتم بالتوبة، فلن يدخل أحد الملكوت بدون توبة، كما تاب أهل نينوى سابقاً، لذلك يشير السيد إلى يونان النبى. ولكننا نجد هؤلاء المقاومين لا يبحثون سوى عن آية، وحتى الآن فهناك من يفكر فى المعجزات دون أن يقدم توبة. وإشارة المسيح لآية يونان النبى تعنى أن كل ما قدمه يونان لأهل نينوى هو قوله أن المدينة ستهلك إن لم يتوبوا، وبهذه الكلمات فقط تابوا. والآن أمامهم المسيح بكل ما يقوله ويفعله وهم لا يؤمنون ولا يتوبون. والسيد يقول تعرفون أن تميزوا وجه السماء = أى يتعرفوا على حالة الجو خلال العلامات الظاهرة فى السماء. وهؤلاء مثل كثيرين يظهرون ذكائهم فى الأمور المادية لكنهم لا يهتمون بالأمور الروحية وإكتشافهم لفرص التوبة والتعرف على الرب. فهؤلاء الفريسيين برعوا فى معرفة علامات الطقس ولم يعرفوا زمان الإفتقاد الإلهى، فالمسيح فى وسطهم ولم يعرفوه أماّ علامات الأزمنة = هم كدارسين للناموس لابد وأنهم يعرفون النبوات التى تحدد زمان مجىء المسيح بالسنة (دا 24:9-27) وظهور يوحنا المعمدان كسابق (ملا1:3 +أش 3:40) ثم ظهر المسيح ومعجزاته (أش5:35،6). وغيرها كثير من النبوات، فلماذا لم يستخدموا ذكائهم فى دراسة هذه النبوات، ولو فعلوا لكانوا قد عرفوا المسيح. لكنهم كما يقول المسيح جيل شرير فاسق= أى أن خطاياهم وعنادهم وريائهم وحسدهم للمسيح ومحبتهم للأموال وخوفهم على ضياعها إذا سار الناس وراء المسيح، كل هذا أعمى عيونهم عن فهم كتب الأنبياء. ومثل هؤلاء مهما عُمِلَ أمامهم من آيات لن يؤمنوا لذلك تركهم المسيح ومضى والآن بالنسبة لنا فالزمن زمن توبة فعلينا أن لا نفكر سوى فى الإستعداد بتوبة كما تاب أهل نينوى على يد يونان ولا نطلب حدوث معجزات من المسيح بل نسلم بما يريده.
ونلاحظ أن المسيح أيضاً بإشارته ليونان فهو يشير لموته وقيامته، وتأملنا فيما صنعه المسيح لنا يجعلنا نحبه، ومن يحب المسيح سيقبل أى شىء يسمح به (راجع يو15:21-22). والصليب والقيامة أعظم آيات قدمها المسيح للبشرية ففيهما سر خلاص البشرية.
هؤلاء المعاندين بسبب شرهم فاتهم أن يدركوا من هو المسيح، وأنه جاء لخلاصهم الأبدى، ولو أدركوا لخلصوا، لو تابوا لكانوا الآن فى السماء. ولاحظ أن إشارة المسيح لآية يونان فيها تلميح بقبول الأمم بسبب رفض اليهود للمسيح.
وإنجيل مرقس لم يشير لكلام المسيح عن يونان فهو يكتب للرومان الذين لا يعرفون شيئاً عن يونان. وفى (مر12:8) تنهد بروحه = أى التنهد ليس على مستوى الجسد بل من أعماقه شعر بضيق من موقفهم منه.
إذا كان المساء قلتم صحو لأن السماء محمرة = أى إذا رأوا السماء حمراء فى المساء، يقولون إن الجو غداً سيكون صحواً. وفى الصباح اليوم شتاء = وفى صباح اليوم تقولون سيكون اليوم شتاء إذا رأيتم السماء حمراء بعبوسة آى هنا غيوم وسحاب. وتفسير هذا أن السيد أتى بوداعة ومحبة يعلم ويشفى فكان يجب عليهم بذكاء أن يدركوا أن الزمن زمن قبول. صحو= سنة مقبولة (لو 19:4).
الآيات (مر22:8-26): "وجاء إلى بيت صيدا فقدموا إليه أعمى وطلبوا إليه أن يلمسه. فأخذ بيد الأعمى وأخرجه إلى خارج القرية وتفل في عينيه ووضع يديه عليه وسأله هل ابصر شيئاً. فتطلع وقال ابصر الناس كأشجار يمشون. ثم وضع يديه أيضاً على عينيه وجعله يتطلع فعاد صحيحاً وابصر كل إنسان جليا. فأرسله إلى بيته قائلاً لا تدخل القرية ولا تقل لأحد في القرية."
تمت في هذه المعجزة معجزتين [1] فتح أعين الأعمى [2] ملأ ذاكرته. ولشرح هذا علينا أن نفهم كيفية الرؤية: فنحن عند ولادتنا، تنفتح عيوننا وتسجل كل الصور التي نراها في ذاكرة المخ، وحين نرى شخص أو أي صورة ترسل العين هذه الصورة إلى المخ ليبحث في ذاكرته عن ماذا تعني هذه الصورة؟ ولمن هذه الصورة. وهذا يفسر لنا قول الأعمى حين إنفتحت عيناه أنه يرى الناس كأشجار يمشون. هو في الواقع بدأ يرى أشياء، ولكن ذاكرته ليس بها شئ، فهو لا يعرف الفرق بين شكل الرجل وشكل الشجرة إذ لم يراهما من قبل ولم تسجل ذاكرته أي صورة من قبل. ولما وضع السيد يديه عليه ثانية ملأ ذاكرته فأبصر جلياً أي إستطاع أن يميز بين الناس وبين الأشجار.
وأيضاً في المعجزة السابقة، وهي شفاء أصم أعقد، يمكن إعتبارها معجزتين: [1] شفاء الصمم واللسان. [2]التدريب على النطق في لحظة ومن المعروف أن التدريب على النطق يستغرق سنوات.
ويمكن أن يقال أن الشفاء هنا كان تدريجياً، على مراحل. وذلك لأن السيد أراد إظهار هذا، فهو شفى عميان مولودين هكذا عدة مرات ولم نسمع عن هذا الشفاء التدريجي (يو9). إذاً فإظهار هذا التدريج له حكمة روحية. فمثلاً في قصة شفاء بارتيماوس الأعمى كان بارتيماوس يصرخ بإيمان "يا ابن داود ارحمني" (مر46:10-52) ولكن هنا نجد أن الجموع هم الذين قدموا الأعمى للسيد المسيح، وهذا يدل على أنه لم يسمع به من قبل، أو سمع به ولكن إيمانه كان ضعيفاً، ومن كان إيمانه ضعيفاً يصير شفاؤه أصعب.. وبالتدريج.. أي مع كل خطوة شفاء ينمو الإيمان فيستحق درجة أعلى من الشفاء. وبالنسبة لنا فنحن نكون في حال الخطية عميان روحياً، ويبدأ الله العمل معنا عن طريق خدامه، كما قدم الناس هذا الأعمى للمسيح، ومع أول إستجابة لعمل المسيح تبدأ عيوننا تنفتح ولكننا لا نبصر جيداً، ولكن ما نراه يكون كافياً.. إن أردنا واستمر التجاوب مع عمل الله.. لزيادة إيماننا ومع زيادة الإيمان تأتي اللمسة التالية من السيد المسيح ويفتح أعيننا بالأكثر، فنرى الروحيات أوضح، ويزداد فرحنا ويزداد إيماننا.. وعلينا أن نصرخ دائماً "إفتح عيني حتى أراك يا رب"
وأخرجه إلى خارج القرية= هي بالتأكيد قرية لا تستحق أن تحدث المعجزة فيها بسبب قلة إيمانهم. وهكذا يدعونا المسيح لترك أماكن الشر حتى يستطيع أن يفتح أعيننا. وبيت صيدا= هذه هي التي قال عنها السيد ويلاته بسبب عدم إيمانهم "ويلّ يا كورزين، ويلّ لك يا بيت صيدا" (مت20:11-22). فلو كانوا قد آمنوا لكانوا قد تابوا.
ولاحظ أن السيد يأخذ بيد الأعمى ليخرجه خارج القرية، فالمسيح يعيننا على ترك أماكن الشر، فهل نطيع مثلما أطاع هذا الأعمى السيد المسيح.
(مر 27:8-30):-
ثم خرج يسوع وتلاميذه إلى قرى قيصرية فيلبس وفي الطريق سال تلاميذه قائلا لهم من يقول الناس أنى أنا. فأجابوا يوحنا المعمدان وآخرون إيليا وآخرون واحد من الأنبياء. فقال لهم وانتم من تقولون أنى أنا فأجاب بطرس وقال له أنت المسيح. فانتهرهم كي لا يقولوا لأحد عنه.
لاحظ أن المسيح هنا يؤكد ناسوته، والآب يعلن لبطرس لاهوت المسيح وهذا هو إيمان الكنيسة أن تجسد وتأنس، الله ظهر فى الجسد (اتى 16:3).
وهذا الإيمان الذى أعلنه بطرس طَوَّبَهٌ المسيح عليه، فهو أعلن دستور الإيمان القويم، والمخلص يعلن أنه يقيم كنيسته على هذا الإيمان، ويعطى كنيسته سلطان الحل والربط، ليس لبطرس فقط بل لكل الرسل (مت 19:16+ مت 18:18). ولما سأل السيد سؤاله ردد التلاميذ ما يقوله الناس، فمثلاً هيرودس قال أنه يوحنا المعمدان=(مت 2:14). وهناك من قالوا أنه إيليا أى أنه السابق للمسيح (ملا 5:4) وآخرون تصوروا أنه واحد من الأنبياء لأن موسى تنبأ بأن نبيا مثله سيأتى لهم (تث15:18).
وأنتم من تقولون إنى أنا = فالسيد المسيح يهتم جداً بكيف نعرفه نحن خاصته فماذا لو سألك المسيح.. من أنا.. هل سيكون ردك عن معرفة نظرية عرفتها من الكتب، أو من خبرات شخصية إختبرت فيها حلاوة شخصه وحلاوة عشرته، وتعزياته إذ يقف بجانبك فى الضيقات، هل عرفته أم سمعت عنه. فبطرس لم يُكَوِّن رأيه عن المسيح من كلام الناس، بل الله أعلن لهُ، إذاً فلنصرخ إلى الله ليفتح أعيننا لنعرف المسيح ونختبره فنقول مع أيوب، بسمع الأذن قد سمعت عنك والآن رأتك عينى (أى 5:42) لنصلى حتى يعلن لنا الروح القدس عمن هو المسيح، وليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلاّ بالروح القدس (1كو 3:12 + يو 14:16) إيماننا بالمسيح، ومعرفتنا بالمسيح هو إعلان إلهى يشرق به الآب بروحه القدوس.
وتسلم هذا الإيمان خلال التلاميذ والكنيسة، وإستلمناه، ولكن لنصلى حتى لا يبقى هذا الإيمان مجرد خبرة نظرية ولكن خبرة عملية بشخص السيد المسيح، فنحبه إذ ندرك لذة العشرة معه، ومن يُدرك هذا سوف يحسب كل الأشياء نفاية (فى 8:3).
أنت هو المسيح = المسيح هو المسيا الذى كان اليهود ينتظرونه مخلصاً. وكلمة المسيح تعنى الممسوح من الله. وكانت المسحة فى العهد القديم هى للملوك ورؤساء الكهنة والأنبياء فقط (رؤ 5:1 + ابط 4:5 + لو 76:1 ) وفى هذه الآيات نرى المسيح ملكاً ورئيساً للكهنة ونبياً)
إبن الله الحى= لقد سبق نثنائيل وقال هذا قبل بطرس، أن المسيح إبن الله ولكن نثنائيل كان يقصدها بطريقة عامة كما يقولون إسرائيل إبن الله.ولذلك لم نسمع أن السيد طوب إيمان نثنائيل كما فعل مع بطرس (يو 47:1-51).
أنت بطرس وعلى هذه الصخرة أبنى كنيستى= المسيح لايبنى كنيسته على إنسان مهما كان هذا الإنسان. ولكن معنى الكلام أن الكنيسة ستؤسس على هذا الإيمان الذى نطق به بطرس، أن المسيح هو إبن الله الحى. وبإتحادنا به خلال المعمودية نصير أولاد الله، وندخل إلى العضوية فى الملكوت الروحى الجديد وننعم بحياته فينا، نحمله داخلنا كسر حياة أبدية.
ولاحظ قول الكتاب أَنْتَ (مذكر) بطرس وعلى هَذِهِ ( مؤنث) الصخرة إذاً الصخرة هى ليست بطرس، لأن الصخرة التى تبنى عليها الكنيسة هى المسيح نفسه (1كو4:10).والمسيح هو حجر الزاوية (1بط 6:2). وكلمة بطرس مشتقة عن اليونانية Petra بترا أى صخرة، فالمسيح أسس كنيسته على صخرة هى الإيمان به كإبن الله والمسيح لم يقل له أنت Petra. بل قال له أنت Petrus أبواب الجحيم لن تقوى عليها= أبواب الجحيم هى إشارة لقوى الشر وهذه لن تنتصر على الكنيسة، بل ولا الموت قادر أن يسود على المؤمنين، بل هم سيقومون من الموت فى الأبدية ( هذا إذا كان إيمانهم صحيحاً كإيمان بطرس ) وهى أيضاً تشير للتجارب والحروب ضد الكنيسة والمؤمنين سواء كان مصدرها الشيطان أو بشر يحركهم شياطين. فإبن الله الصخرة وحجر الزاوية هو بنفسه الذى يسند كنيسته فلن تنهار.
وأعطيك مفاتيح.. +مت 18:18 + يو 21:20. فالمسيح أعطى لكنيسته سلطان الحل والربط وغفران الخطايا وإمساكها، القبول فى شركة الكنيسة أو إخراج وفرز المخالفين من الشركة المقدسة، السيد أعطي لكنيسته سلطان الحكم على أولادها وتأديبهم. المسيح من خلال كنيسته يحل ويربط. والربط هو لمن يصر على خطيته، فتحرمه الكنيسة من التناول. والحل هو لمن يتوب ويعترف بخطاياه.
أوصى تلاميذه أن لا يقولوا لأحد= اليهود تصوٌروا أن المسيح آتٍ كمخلص من الرومان. وهم فهموا بعض الآيات فى سفر المزامير مثل تحطمهم بقضيب من حديد (مز 9:2 + مز6:79) بطريقة خاطئة، لذلك حرص المسيح ان لا ينتشر خبر أنه المسيا حتى لا يفهم الشعب أنه آتٍ ليحارب الرومان لذلك كان يوصى تلاميذه أن لا يقولوا أنه المسيا، وأيضاً المرضى وكل من أخرج منهم شياطين أمرهم أن لا يقولوا لأحد، وأنتهر الشياطين حتى لا تقول وتتكلم وتكشف هذه الحقيقة أمام الجموع (لو 41:4) لأن الجموع كان لها مفهوم سياسي وعسكري لوظيفة المسيا.
ولكن حينما أعلن بطرس ان المسيح هو إبن الله فرح المسيح وطوبه، لكنه وجه تلاميذه للفهم الحقيقي السليم للخلاص، وأن هذا لا يتم بالانتصار على الرومان، بل بموته وقيامته (مت 21:16) إذاً نفهم أن المسيح يود أن يعرف الناس حقيقته، ولكن ليس كل واحد، بل لمن له القدرة على فهم حقيقة الخلاص. وفى أواخر أيام المسيح على الأرض إبتدأ يعلن صراحة عن كونه إبن الله (مت 63:26،64). لكن نلاحظ أنه تدرج فى إعلان هذه الحقيقة بحب حالة السامعين. فإن من له سيعطى ويزاد (مت 12:13) فبقدر ما ينمو السامع فى إستيعاب أمور وأسرار الملكوت يرتفع التعليم ويزيد وينمو ليعطى الأكثر والأعلى. فمستوى السامع فى نموه هو الذي يحدد مستوى التعليم الذى يقدمه المسيح، أما النفس الرافضة فينقطع عنها أسرار الملكوت والحياة مع الله. فالله إذاً يعطينا أن نكتشف أسراره بقدر ما نكون مستعدين لذلك. وراجع حوار المسيح مع السامرية لترى التدرج فى إعلان حقيقته ومع تجاوبها كان يعلن لها ما هو أكثر عنه.
إذاً الهدف الأول من أن لا يقولوا لأحد أن لا تطالبه الجماهير بأن يكون ملكاً زمنياً أرضياً فتحدث ثورة شعبية ضد الرومان، ولهذا أثاره الرهيبة.
السبب الثانى حتى لا يحرص الكتبة والفريسيون أن يقتلوه قبل الوقت، أى قبل أن ينهى كل تعاليمه وأعماله.
لا يصح أن يتكلم التلاميذ عنه كإبن الله دون أن تظهر الوهيته بالدليل الساطع وذلك بقيامته فعلاً بعد موته.
متى (13:16) قيصرية فيلبس= أسسها هيرودس فيلبس، وسميت بإسمه تميزاً لها عن قيصرية التى على البحر. وهى عند سفح جبل حرمون بجانب منبع نهر الاردن (لو 18:9) وفيما هو يصلى... (مز 27:8) وفى الطريق :- لوقا وحده أشار لصلاة المسيح وربطها بهذا الإعلان السمائى لبطرس بحقيقة المسيح، إذ بصلاة المسيح يُعلن الآب بروحه القدوس لبطرس هذا السر. ومعنى صلاة المسيح هو شفاعة المسيح عنّا امام الآب. لذلك نطلب بإسمه أى شىء نطلبه من الآب. (يو 23:16،24). فالمسيح صلّى على إنفراد (لو 18:9) ثم سار معهم إلى نواحى قيصرية فيلبس وفى الطريق سألهم هذا السؤال فالمسيح بشفاعته عنا يقبلنا الآب ويعمل فينا بروحه القدوس، وأول ما يعمله فينا الروح القدس أنه يثبتنا فى المسيح إبن الله (بالمعمودية والتوبة والإعتراف والتناول ) ثم يعلن لنا عمن هو المسيح فنفهم حقيقة علاقتنا بالله، هو يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله (رو 16:8). لوقا يشير لصلاة المسيح هنا لأنه يدرك خطورة ما سيعلنه بطرس الآن، ويشير أننا لا يمكننا فهم هذه الحقائق إلاّ بشفاعة المسيح الكفارية= صلاته.
ولاحظ أن نص أعتراف بطرس يختلف من إنجيل لآخر، ولكن بجمع النصوص يتكامل المعنى.
متى :- المسيح إبن الله الحي :- هذه إشارة للاهوته فهو الله المتجسد.
مرقس :- المسيح :- هو المسيح أى الممسوح كرئيس كهنة سيقدم ذبيحة نفسه.
لوقا :- مسيح الله :- هو مسيا النبوات الموعود به فى الكتاب، الذى ينتظرونه.
(مر31:8)-
فالتفت وابصر تلاميذه فانتهر بطرس قائلا اذهب عني يا شيطان لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس.
رفض بطرس للصليب هذا لهو نابع من ذاته، أماّ إعترافه بأن السيد هو المسيح إبن الله الحى فهو من الله. إذهب عنى ياشيطان= بطرس ليس شيطاناً ولكن يردد ما وسوس به الشيطان لهُ، فالشيطان دائماً يصور لنا رفض الصليب الموضوع علينا. ويبدو أن بطرس كان رافضاً لفكرة الصليب حتى النهاية، لذلك حين سألهُ السيد أتحبنى … أتحبنى.. أتحبنى صرح له السيد بعد ذلك انه سيموت مصلوباً، ولعلم السيد أن بطرس رافض لفكرة الصليب كرر له كلمة إتبعنى = أى لا ترفض الصليب إن كنت حقيقة تحبنى (يو 15:21-22). ويقال أن نيرون حين أراد قتل بطرس اقنعه المؤمنون فى روما بالهرب، فهرب بطرس، وعلى أبواب روما رأى السيد المسيح متجهاً لروما فسأله إلى أين ؟ فقال أنا ذاهب لأصلب بدلاً منك. فعاد بطرس وسلم نفسه وطلب أن يصلب منكس الرأس.
ولاحظ ما قاله المسيح أنت معثرة لى.. إذهب عنى يا شيطان.. لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس.
فالسيد جاء ليقيم مملكته خلال صليبه وطلب ممن يريد أن يكون له تلميذاً أن يحمل صليبه ويتبعه، فمن يرفض الصليب يرفض الفكر الإلهى آية (24). معثرة = تعمل على تعطيل الصليب والفداء. شيطان = ولا يوجد من يهتم بتعطيل الفداء سو الشيطان
لا تهتم بما لله = الترجمة الحرفية لكلمة تهتم، أن عندك وجهة نظر معينة فهناك من لهم وجهة نظر لا تتفق مع وجهة نظر الله (مثل بطرس هنا) وهى أننا نقبل أن نسير مع المسيح فى الصحة والمجد العالمى والغنى المادى.. الخ أما لو وُجِدَ صليب نرفض المسيح ونتصادم معهُ ويكون هذا بإيعاز من الشيطان. لذلك قال السيد لبطرس إذهب عنى يا شيطان، لأن بطرس كان يكرر فكر الشيطان. والشيطان الخبيث دائماً يسعى لأن يقنع أولاد الله بأنه لو أن الله يحبهم لأعطاهم خيرات زمنية (مال وعظمة وقوة وسلطان.. )ولكن لنعلم أنه كرئيس لهذا العالم (يو 30:14) يغرينا بما تحت يديه، لكن أولاد الله يرفضون العالم بما فيه حتى الصليب، ويقبلون من يد أبيهم السماوى ما يسمح به سواء خيرات زمنية أو صليب، فما يسمح به أبوهم السماوى فيه حياتهم الأبدية، ولكن شرط الشيطان أن يعطينا من خيرات العالم أن نخر ونسجد لهُ (مت 9:4). والمسيح اعطانا مثلاً حتى نفهم هذا فقال متسائلاً هل لو سأل إبن أباه أن يعطيه خبزاً فهل يعطيه أبوه حجراً … فإن كنتم تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا صالحه فكم وكم أبو كم السماوى. من هنا نعلم أن ما يسمح به الله سواء خيرات زمنية (مال / صحة..) أو ما يسمح به من تأديبات، هو لصالح أولاده، هو لخلاص نفوسهم (رو28:8) + (1كو 21:3،22 ) + مرض أيوب وتجربته كانت لخلاص نفسه وكذلك مرض بولس.
(مر 34:8-38):-
ودعا الجمع من تلاميذه وقال لهم من أراد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني. فان من أراد أن يخلص نفسه يهلكها ومن يهلك نفسه من اجلي ومن اجل الإنجيل فهو يخلصها. لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه. أو ماذا يعطي الإنسان فداء عن نفسه. لان من استحى بي وبكلامي في هذا الجيل الفاسق الخاطئ فان ابن الإنسان يستحي به متى جاء بمجد أبيه مع الملائكة القديسين.
ماذا يعطى الإنسان فداءً عن نفسه= من يؤمن بالمسيح تكون له حياة أبدية (يو 25:11). أما لو ضاع عمرنا ومتنا دون إيمان حقيقى حى لن تكون لنا فدية، فالمقتول بعدما يموت لا يستطيع أن يعطى فدية لقاتله. حتى يحييه أو لا يقتله إذ هو مات، فزمان الفدية قد مضى.
ونلاحظ هنا أن كلام السيد المسيح عن الصليب وعن أهمية أن ينكر المؤمن نفسه كان رداً على بطرس الذى بدا أنه رافض لفكرة الصليب (32) ونلاحظ فى آية (34) أن شرط حمل الصليب هو شرط لكل مسيحى يريد أن يتبع المسيح إذ أن الكلام موجه للجميع وللتلاميذ. وشروط التلمذة يحمل صليبه=ينكر ذاته ويقبل بما سمح به الله ويتبعنى = يطيع وصاياى.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثامن
إشباع الجموع * رياء الفرّيسيّين * إبراء الأعمى * الإنباء بالموت والقيامة
(1) إشباع الجموع بالسبعة أرغفة ( ع 1 - 10 ) :
تتشابه هذه المعجزة كثيراً مع معجزة إشباع الخمسة آلاف فى ( ص 6 : 31 - 44 ) ، ولهذا نراجع ، ونكتفى هنا ببعض المعانى الروحية :
(1) إشفاق وحنان الرب يسوع على الجمع الذى له ثلاثة أيام أنفق فيها كل ما كان معه من طعام ، وأشفق أيضاً على انهيار قوتهم فى عودتهم ، لأن قوماً منهم جاءوا من بعيد.
+ هل تشعر بحنان الله عليك واهتمامه بك فى كل أمور حياتك ؟
(2) سؤال التلاميذ يذكّرنا بسؤالهم فى المعجزة الأولى ، وكأنهم نسوا أن المسيح قادر على كل شىء.
+ ألا نفعل نحن أيضاً هكذا ، وننسى أعمال الله معنا ؟!!
(3) " شكر وَكَسَرَ. . . وبارك " : كما فى المعجزة السابقة ، ليعلّمنا أن نشكر الله فى كل الأمور ، وخاصة قبل تناول الطعام.
+ لعلنا بذلك نعلم أولادنا تقليداً حسناً فى اجتماع الأسرة للصلاة قبل الأكل.
(4) لعل السبع خبزات تشير إلى صفات الروح القدس السبعة ، المشبعة لنفوس المؤمنين ، كما ذكرها إشعياء ( 11 : 2 ) : " روح الرب ، روح الحكمة ، ( روح ) الفهم ، روح المشورة ، ( روح ) القوة ، روح المعرفة ، ومخافة الرب ".
+ هل نستوعب معانى هذه الصفات ؟!
(5) " قليل من صغار السمك " : تشير إلى بساطة الكرازة بين الناس ، وعمق تأثيرها وإشباعها.
+ هل نفعل نحن هكذا ؟!
(6) " أربعة آلاف " : يرمز العدد " أربعة " لأركان العالم الأربعة ، الشمال والجنوب والشرق والغرب ؛ ويرمز عدد " آلاف " ( ألف ) للسماء ، مما يعنى أن بركة المسيح تغطى العالم كله ، بل تمتد من الأرض إلى السماء.
+ ماذا فعلت يا أخى لتنال ولو فتات بركة المسيح ؟!
ع 10 : " دلمانُوثة " : قرية صغيرة غير مشهورة على بحر الجليل ، وقريبة من " مجدل " بلدة مريم المجدلية.
(2) تحذير المسيح من رياء الفرّيسيّين ( ع 11 - 21 ) :
ع 11 - 13 : " فخرج الفريسيون " : تعبير قصده القديس مرقس ليوضح أنهم كالثعالب الماكرة ، التى كانت مختبئة ، ثم خرجت للنيل من فريستها. " يحاورونه. . . يجربوه " : يوضح لنا أيضاً أن القصد من المحاورة ليس الإستفادة والتعليم ، بل اصطياد الأخطاء. " فتنهد بروحه " : أى أن الرب حزن وأسف على حالهم وسوء نيتهم ، ورفض أن يصنع لهم معجزة ، إذ كان جديراً بهم أن يؤمنوا بكل ما سبق وصنعه ، وأن ينصرفوا لوظيفتهم فى تعليم الشعب بدلاً من تجربة المسيح. " تركهم. . . ومضى " : يعلمنا السيد المسيح درساً هاماً ، وهو ألا نضيع وقتنا مع كثيرين من المستفزين الذين لا يبغون سوى النقاش واللغو الغير مفيد ، بل يستهلكون طاقتنا ومجهودنا فى لا شىء. . . فاحذر أيها الحبيب من هؤلاء.
ع 14 : فى عَجَلَةٍ من أمرهم ، نسى التلاميذ أن يأخذوا خبزاً معهم ، ولم يكن معهم فى السفينة إلا رغيف واحد. وذكر القديس مرقس هذا ، كمقدمة لسوء فهم التلاميذ لقصد المسيح فى ( ع 15 - 16 ).
ع 15 - 16 : فى السفينة ، بدأ المسيح فى تحذير التلاميذ من رياء الفرّيسيّين ( مت 12 : 1 ) وخمير هيرودس الشرير ، ووصف رياءهم بالخميرة الخبيثة المدفونة فى العجين ، فشرها غير ظاهر ، لكنها آخذة فى الإنتشار. أما التلاميذ ، ففهموا أن المسيح يتكلم عن الخبز ( الخمير ) ، فتذكروا نسيانهم شراء خبزاً لطعامهم.
ع 17 - 20 : علم الرب حديثهم وفهمهم القاصر ، فسألهم موبخاً سبعة أسئلة ، يوجهها لنا أيضاً بعد كل ما صنعه معنا :
س1 : " لماذا تفكرون أنْ ليس عندكم خبز ؟ " ، ( ما سبب التفكير الشديد فى الخبز " الماديات " ؟ )
الرد : لأننا لسنا بعد روحيين.
س2 : " ألا تشعرون بعد ؟! " ، ( لماذا لا تتحرك مشاعركم بالحب نحوى ؟ )
الرد : لأننا نحب أموراً كثيرة. . . أكثر منك يارب!!
س3 : " ولا تفهمون ؟ " ، ( أين هى عقولكم بعد كل أعمالى ؟ )
الرد : إن عقولنا مملوءة بأفكار الدنيا.
س4 : " أحتى الآن قلوبكم غليظة ؟ " ، ( كم من الزمن يلزم لتتحرك قلوبكم بالتوبة ؟ )
الرد : فترة طويلة جداً !!!
س5 : " ألكم أعين ولا تبصرون ؟ " ، ( هل كل ما ترونه تتأملون فى معناه ؟ )
الرد : لا ، فكثيراً ما تأخذنا السطحية فلا نفهم عمق مقاصدك.
س6 : " لكم آذان ولا تسمعون ؟ " ، ( أهكذا تنسون أقوالى ووصاياى وتعليمى ؟ )
الرد : إن ذاكرتنا أيضاً سطحية يارب.
س7 : " كم قفة مملُوَّة ً كِسَراً. . . وكم سَلَّ كِسَرٍ مملُوّاً رفعتم ؟ " ، ( هل تكرار عملى معكم له أثره فى زياده إيمانكم بى
؟! )
الرد : نعم يارب ، فإن تذكّرنا سوف نؤمن ، وتزداد ثقتنا ونتشجع ، ولا نرجع نخاف من أى نقص ظاهر ،
فستكمله أنت لنا.
ع 21 : " كيف لا تفهمون ؟ " : هذا هو العتاب الأخير ، يلخّص به الرب كل ما سبق ، بأن عدم فهمنا أساسه دائماً نسيان الإنسان لعمل الله فى حياته.
+ ساعدنا إذن يا إلهى ألا ننسى ، وافتقدنا دائماً بمحبتك ، وأطل أناتك علينا. . . فنحن إن نسينا ، لا تنسانا أنت ، بل أدم مراحمك علينا كما تطيل الأم أناتها على صغارها. . .
(3) إبراء الأعمى على مرحلتين ( ع 22 - 26 ) :
ع 22 : " بيت صيدا " : قرية عند شمال بحر الجليل على ضفتى نهر الأردن ، وهى بلدة كلٍ من أندراوس وبطرس وفيلبس ، حيث قدموا إليه أعمى ( أقاربه ) ، مؤمنين كإيمان نازفة الدم أن يلمس المسيح فيُشْفَى.
ع 23 : " أخذ بيد الأعمى " : كناية عن أن المسيح يأخذ بيد البشرية حتى لا تسقط فى الخطية ، لأنه : " إن كان أعمى يقود أعمى ، يسقطان كلاهما فى حفرة " ( مت 15 : 14 ). " أخرجه إلى خارج القرية " : ترمز القرية إلى زحام العالم ، فلابد إذن أن يُخرج الإنسان نفسه من مشاغله اليومية ، حتى يستطيع أن ينفرد بالله ويتأمل فى أعماله. أما المعنى المباشر لإخراجه فهو ، أولاً : أن المسيح لا يطلب الشهرة ولا المجد من الناس. ثانياً : إشارة إلى إيمان ورجاء الأعمى الذى جعل المسيح وهو غريب عنه يقوده. " تفل " : صورة استخدمها المسيح أكثر من مرة فى معجزات الشفاء ، والغرض منها أنه يعطى ويمنح الشفاء من داخله ، أى جوهره ، أى سلطان لاهوته. " وضع يديه عليه " : ليجعله يشعر بالأمان ؛ وهذا هو فيض حنان المسيح الدائم علينا. . . فليتنا نشعر أننا نستحقه! . " سأله هل أبصر شيئاً ؟ " : لا يحتاج المسيح إلى سؤال أحد ، فهو العالم بكل شىء ، ولكنه فعل هذا ليعلمنا أن من يسأل يعلم ، فما أكثر الأمور التى يخفيها الله عن الحكماء والفهماء ، ويعلنها للأطفال ( لو 10 : 21 )0
ع 24 : عندما سأله المسيح عن قدرته فى الإبصار ، أجاب بأنه صار يبصر جزئياً الناس كأشجار. وهذا الشفاء المرحلى ، إشارة إلى النمو التدريجى فى الحياة الروحية ، والتوبة التى بعدها ينظر الإنسان الأمور بوضوح.
+ وهذا يعلمنا ، إن كنا خداماً ، أن نترفق بالتائبين العائدين لأحضان الكنيسة ، فربما تكون كل الحقائق الإيمانية ليست واضحة بعد ، ولكنهم محبوبون لقلب الله ، وقد يسبقوننا إلى الملكوت.
ع 25 - 26 : لمس المسيح بعد ذلك عينيه لاستكمال شفائه. . . وكأنه يقول لنا جميعاً ، ولكل من بدأ مسيرة الشفاء الروحى : إن يدى معك تعضدك وتكمل شفائك ، وتعطيك البصيرة الروحية الكاملة حتى تستطيع أن تميز كل الأشياء. وكعادة المسيح ، أمره بألا يخبر أحداً بهذه المعجزة ، ليؤكد هربه من مديح الناس. . . ويعلّمنا نحن أن نخفى أعمال الخير التى أعطانا الله أن نصنعها.
(4) إعتراف بطرس بالمسيح ( ع 27 - 30 ) :
ع 27 - 28 : " قيصرية فيلبس " : مدينة شمال الجليل كان بها عبادة وثنية لأحد آلهة اليونان ، واسمها الحالى هو " بانياس ". وفى زمن المسيح ، جدد بناءها فيلبس إبن هيرودس الكبير ، وسماها " قيصرية " مجاملة لقيصر روما ، فحملت إسمه وصارت " قيصرية فيلبس ". فى الطريق من الجليل إلى منطقة قيصرية فيلبس ، سأل تلاميذه قائلاً لهم : " من يقول الناس إنى أنا ؟ " وجاءت إجابتهم مختلفة بحسب ما سمع كل منهم ، فبعض الناس ادعى أنه يوحنا الذى أقامه الله بعد قتله ( وكان هذا رأى هيرودس نفسه ) ، وآخرون قالوا إنه إيليا السابق للمسيح بحسب نبوة ملاخى " هأنذا أرسل إليكم إيليا النبى قبل مجىء يوم الرب " ( 4 : 5 ) ، وجاء قول القديس مرقس هنا متوافقاً مع ما ذكره القديس متى فى ( 16 : 14 ) أن قوم آخرون قالوا إنه إرميا أو واحد من الأنبياء قام من الموت.
ع 29 - 30 : سأل المسيح التلاميذ سؤالاً ثانياً مكملاً لسؤاله السابق ، وهو : وأنتم ، ما رأيكم ؟ فأجاب بطرس إنه المسيح ذاته رجاء العالم كله. وقد أزاد القديس متى فى ( 16 : 17 ) على ما ذكره القديس مرقس هنا شيئين : (أ) مدح المسيح لبطرس أنه نطق بهذه الحقيقة الإيمانية. (ب) إعلان أنه لم يكن ممكناً لبطرس معرفة هذه الحقيقة إلا بإعلان السماء ( الروح القدس ) له ، راجع شرح ( مت 16 : 16 - 17 ). إلا أن المسيح أوصى تلاميذه ألا يبوحوا بهذا السر لأحد ، إذ لم تكن ساعته قد جاءت بعد ، ولم يحن وقت إعلان مجده بعد صلبه.
+ أخى الحبيب. . . يذكّرنا موقف إبداء رأى اليهود فى شخص المسيح من كونه إيليا أو إرميا أو نبياً آخر ، بموقف كثيرين منا فى هذه الأيام ، فيرى الإنسان الله كما يريد هو أن يكون الله ، وليس الله فى حقيقته المتكاملة. . . فالبعض يرون الله رحوماً بلا عدل ، وآخرون يرونه ديّاناً قاسياً بلا رحمة. . . أما كنيستنا ، فتعلمنا ، بواسطة الإتزان الروحى ، أن نرى الله من خلال كل صفاته ووصاياه ، فهو الرحوم والعادل والطيب والحاسم معاً ، فما أخطر الإتكال على صفة واحدة أو آية واحدة تصف الله.
(5) الإنباء بالموت والقيامة ( ع 31 - 38 ) :
ع 31 - 32 : بعد أن أقر بطرس والتلاميذ بأن يسوع هو المسيح المنتظر ورجاء الأمم ، بدأ المسيح إخبارهم بما هو منتظر من تآمر رؤساء اليهود وكهنتهم وتسليمه ، وأنه سوف يجوز آلاماً كثيرة ، بدءاً من محاكمته حتى صلبه وموته ، فقيامته فى اليوم الثالث. إلا أن هذا الكلام لم يعجب بطرس ، الذى أخذ المسيح جانباً ، وبدأ يعاتبه بشدة عما قاله. وفى هذا الحين ، لم يهتم بطرس بما يرغب فيه المسيح ، بل على العكس ، كان يندفع وراء مشاعره البشرية الطبيعية ، ولا يرى فى المسيح العبد المتألم الذى تنبأ عنه إشعياء ( 53 : 2 - 3 ) ، فالحياة المسيحية كثيراً ما تعنى العمل الشاق والحرمان والمعاناة العميقة. . . إذن ، ركّز نظرك على القيامة التى تعقب الصليب.
ع 33 : " فالتفت وأبصر تلاميذه " : قبل أن يوجه المسيح توبيخه إلى بطرس ، نظر إلى تلاميذه ليكون كلامه موجهاً لكل من يشارك بطرس فى تفكيره القاصر. أما توبيخ بطرس الشديد ، فقد جاء نتيجة قصور فهمه لفداء المسيح للعالم ، فقد كان اهتمامه محصوراً فى المُلك الأرضى للمسيح ، وهو اهتمام معظم الناس ، وليس اهتمام الله بخلاص البشر. " يا شيطان " : برغم صعوبة الكلمة ، إلا أن المسيح قصد بها أن يؤكد أنه لا يوجد من يريد تعطيل الفداء سوى الشيطان نفسه.
ع 34 - 35 : الكلام هنا موجه إلى التلاميذ ، والكنيسة ، وجميع المؤمنين من بعدهم. فمن أراد أن يتبع المسيح ، عليه أن يقبل فكرة حمل الصليب ، وقبول الألم من اضطهاد وترك أهل وأصدقاء وأمور أخرى ، وهذا لا يستطيعه أحد ما لم ينكر نفسه ( ذاته ) ، ويتضع فى حب حقيقى أمام سيده الذى جاز الألم أولاً. ويؤكد المسيح أن خلاص النفس يتطلب منها الجهاد وترك الرفاهية المادية وأنانيتها وشهواتها اللواتى هى عوائق خلاصها ، وأن تنطلق فى الخدمة والكرازة ، فيكون ذلك طريق نجاتها. . . فلا شىء يقارن بما ستربحه مع المسيح.
ع 36 - 37 : لا زال المسيح موجّهاً كلامه لنا جميعاً ، ويحذرنا أن كل مكاسب العالم المادية سنجدها جوفاء فارغة ، لا تساوى خسارة النفس وهلاكها ، وأن كل أموال العالم إن قدمها الإنسان لا تفدى نفسه ، والتى ثمنها دم المسيح وحده. . . فتبعيّة المسيح نعرف بها معنى الحياة الحقيقية ونحن على الأرض ، وتكون لنا الحياة الأبدية أيضاً. . .
ع 38 : كل من أهمل كلام المسيح هنا ، أو خجل من آلامه وصليبه ، فلن يكون له مكاناً ولا نصيباً فى ملكوته عند مجيئه الثانى. . .
+ سيدى الحبيب. . . فى كثير من الأحيان أجد نفسى أرفض الألم والإضطهاد وطريق الصليب ، ولا أعلم أننى هكذا أرفضك أنت ، وأخسر نصيبى معك. . . علمنى يا سيدى ، واكشف لعينىَّ وقلبى عن حقارة هذا العالم وكل مادياته ، فأنطلق نحوك ، لا أبالى بشىء سوى أن أتبع خطواتك ، متمثلاً بك ، حتى أُرضىِ قلبك أولاً ، وأُحرز إكليلى فى ملكوتك. . . آمين.
( ص 9 : 1 ) :
" القيام ههنا " : أى بعض من التلاميذ لن يموتوا قبل أن يَرَوْا علامات بداية ملكوت الله وانتشاره بقوة ، وذلك بانتشار الكرازة وقبول الأمم الإيمان ، ووضوح معالم الكنيسة ، فملكوت الله يعنى أن يملك الله على قلوب البشر المؤمنين باسمه. . .
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح