كلمة منفعة
هناك خوف صبياني، كالخوف من الظلام، ومن الوحدة.وهذا الخوف قد يستمر مع الإنسان في كبره ويخاف الإنسان من غير سبب. أنه ضعف في النفس.
— الخوف
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
انجيل معلمنا متى - الاصحاح رقم 2
انجيل معلمنا متى
الإصحاح رقم 2
الأصحاح الثاني :
سجود الملوك للملك
إذ وُلد المسيّا الملك جاء المجوس يمثّلون كنيسة الأمم المنجذبة لعريسها الملك، تقبل حبّه وتتعبّد له، تقدّم له حياتها تقدمة حب مقابل ذبيحة حبّه اللانهائي:
1. مجيء المجوس 1-6.
2. ثورة هيرودس 7-8.
3. سجود المجوس 9-11.
4. انصراف المجوس 12.
5. الهروب إلى مصر 13-15.
6. قتل أطفال بيت لحم 16-18.
7. العودة إلى الناصرة 19-23.
1. مجيء المجوس
حقًا إن مجيء كلمة الله متجسّدًا قد شغل ذهن الله قبل خلقتنا، وقد هيأ له وسط شعبه بالآباء والأنبياء والناموس، بطرق متنوّعة، ومع هذا إذ تحقّق الأمر تجاهله الشعب تمامًا اللهمّ إلا القليل النادر. لهذا قدّم الله توبيخًا خلال الغرباء، فجاء إليه المجوس كباكورة كنيسة الأمم. جاءوا إلى بلدٍ غريبٍ ليسجدوا لطفل بسيط في مزود، وليس مولود قصر ملكي، لكن يقود موكبهم نجم سماوي، يُعلن عن وجود سرّ خفي فيه.
والمجوس هم كهنة وفي نفس الوقت ملوك كلدانيون أو فارسيون يقضون جل وقتهم في دراسة الظواهر الفلكية والتكهن بالحوادث المقبلة.
غالبًا ما جاء المجوس في موكب عظيم يتقدّمهم ثلاثة من كبارهم يحملون الهدايا للملك العجيب، هؤلاء يمثّلون كل أجناس البشريّة المتسلسلة عن أولاد نوح الثلاثة: سام وحام ويافث. وكأنهم بكور الشعوب الأممية جاءوا يلتفون مع بسطاء اليهود - الرعاة - في السجود للمسيّا، فيضمهم معًا كنيسة واحدة له. يقول القدّيس أغسطينوس: [من هم هؤلاء المجوس إلا بكور الأمم؟ لقد كان الرعاة إسرائيليّين والمجوس أمميّين. كان الأوّلون ملاصقين له، والآخرون جاءوا إ ليه من بعيد. لقد أسرع الكل إلى حجر الزاوية".]
وما هو هذا النجم؟ يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أنه لم يكن نجمًا حقيقيًا كسائر النجوم، إنّما هو ملاك ظهر في شكل نجم أرسله الله لهداية المجوس العاملين في الفلك، ويعلّل ذلك بالآتي:
أولاً: أن مسار النجم الذي ظهر مختلف عن مسار حركة النجوم الطبيعيّة.
ثانيًا: كان النجم ساطعًا في الظهيرة والشمس مشرقة، وليس كبقيّة النجوم تسطع ليلاً.
ثالثًا: كان يظهر أحيانًا ويختفي أحيانًا أخرى.
رابعًا: كان منخفضًا، قادهم إلى حيث المزود تمامًا.
ويرى العلاّمة أوريجينوس أنه نجم حقيقي لكنّه من نوع فريد، إذ يقول: [إننا نعتقد أن الذي ظهر في المشرق كان نجمًا جديدًا، ليس كالنجوم العاديّة... لكنّه يُحسب في عداد المذنبات التي تشاهد في أحيان كثيرة، أو النيازك، أو النجوم الملتحمية أو النجوم التي على شكل الجرار، أو أي اسم ممّا يصف به اليونانيّون أشكالها المختلفة.]
لماذا استخدم النجم؟
أولاً: استخدم الله كل وسيلة للحديث مع شعبه موضّحًا لهم أسرار التجسّد الإلهي وأعماله الخلاصيّة، لكن إذا أظلمت عيون قلوبهم بظلمة الشرّ وتقسّى قلبهم، بعث إليهم غرباء الجنس كعطشى للحق يوبّخونهم. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لتوبيخ اليهود على قسوتهم، ولينزع عنهم كل عذر يحتجّون به على جهلهم الإرادي.] ويقول القدّيس جيروم: [لكي يعرف اليهود بنبأ ميلاد المسيح من الوثنيّين حسب نبوّة بلعام أحد جدودهم، بأن نجمه يظهر من المشرق. وإذ أرشد النجم المجوس حتى اليهوديّة وتساءل المجوس عنه، لم يبقَ لكهنة اليهود عذر من جهة مجيئه.] حقًا في كل عصر إذ يتقسّى قلب المؤمنين أبناء الملكوت يحدّثهم الرب أحيانًا خلال الملحدين والأشرار الذي يقبلون الإيمان في غيرة متّقدة توبّخهم.
ثانيًا: الله الذي يحب البشريّة كلها يُعلن ذاته للجميع، محدثًا كل واحدٍ بلغته. فقد تحدّث مع اليهود بالناموس والنبوّات، واستخدم الفلسفات اليونانيّة بالرغم ممّا ضمّته من أضاليل كثيرة كطريق خلاله قبل كثير من الفلاسفة إنجيل الحق. وها هو يحدّث المجوس رجال الفلك بلغتهم العمليّة.
يحدّث الله كل إنسان باللغة التي يفهمها، فأرسل للرعاة ملائكة وللمجوس نجمًا يقول القدّيس أغسطينوس: [أظهر الملائكة المسيح للرعاة، وأعلن النجم عنه للمجوس. الكل تكلم من السماء!... الملائكة تسكن السماوات، والنجم يزيّنها، وخلال الاثنين تُعلن السماوات مجد الله.] ويقول الآب غريغوريوس الكبير: [كان من اللائق أن كائنًا عاقلاً، أي ملاكًا هو الذي يخبر هؤلاء الذين استخدموا عقولهم في معرفة الله، أمّا الأمم فإذ لم يعرفوا أن يستخدموا عقولهم في معرفته لم يقدهم الصوت الملائكي بل العلاّمة (النجم). لهذا السبب يقول بولس أن النبوّة ليست لغير المؤمنين بل للمؤمنين، وأما الآية (العلامة) فليست للمؤمنين بل لغير المؤمنين (1 كو 14: 22).] ويرى بعض الآباء مثل العلاّمة أوريجينوس أن المجوس أدركوا أن تعاويذهم قد بطلت، وشعروا أثناء عملهم أن أمرًا يفوق السحر قد حدث في العالم، فتطلّعوا إلى النجوم ليروا علامة من الله في السماء، عندئذ أدركوا كلمات بلعام: "يبرز كوكب من يعقوب ويقوم قضيب من إسرائيل... " (عد 24: 17). يقول القدّيس جيروم: [تعلّموا عن ظهور هذا النجم من نبوّة بلعام إذ هم من نسله.]
ثالثًا: يرى البعض أن المجوس تسلّموا هذا التقليد الخاص بظهور النجم عند مجيء الملك المخلّص عن دانيال النبي الذي عينه الملك كبيرًا للمجوس حين كان في السبي البابلي، وفد حدّد في نبوّاته موعد مجيئه.
رابعًا: أراد الله أن يخرج من الآكل أكلاً، ومن الجافي حلاوة، فالنجوم التي اُستخدمت كوسيلة للتضليل يعبدها الناس (عا 5: 26) صارت وسيلة للدخول بهم إلى الالتقاء مع الله. حقًا ما أعجب معاملات الله معنا، إنه لا يحطّم ما لنا حتى إن صار طريقًا للشرّ إنّما يغيّر مساره ويحوّله إلى الخير؛ عِوض أن يكون خادمًا لمملكة الظلمة يصير آلة برّ لحساب مملكة النور. كل ما وهبنا الله من طاقات ومواهب ومشاعر ودوافع إن تدنّست لا يحطّمها الله، بل بروحه القدّوس يجدّدها ويقدّسها لتصير سرّ بنياننا الروحي ووسائط للشهادة له.
والعجيب أن الله استخدم النجوم للكرازة بين الفلكيّين، فإذا ببعضهم أرادوا تأكيد مفاهيمهم الشرّيرة بذات العمل الإلهي الفائق، فادّعوا أن لكل إنسان نجمه الذي يُسيّر حياته لا يقدر أن ينحرف عنه. وقد انبرى كثير من الآباء يواجهون هذه الادعاءات مثل الآباء غريغوريوس الكبير، يوحنا الذهبي الفم، وأغسطينوس. نذكر على سبيل المثال بعض عبارات للقدّيس أغسطينوس: [لم يكن للنجم الذي رآه المجوس السلطان على المسيح المولود حديثًا، لم يكن هذا النجم أحد النجوم التي خُلقت في بدء الخليقة ويجرى في مساره حسب قانون خالقه، إنّما كان نجمًا جديدًا ظهر في هذا الميلاد العجيب من عذراء، وعكس خدمته على المجوس الباحثين عن امرأة، فتقدّمهم ليضيء لهم الطريق حتى قادهم إلى الموضع حيث فيه كان كلمة الرب كطفل. لم يُولد الطفل لأن النجم كان هناك، وإنما جاء النجم لأن المسيح قد وُلد. إن كان يجب أن نتحدّث عن المصير بالأحرى دعنا نقول لم يحدّد النجم مصير المسيح (كما يدَّعي المنجّمون) بل المسيح الذي حدّد مصير النجم.]
خامسًا: جاء النجم يكمّل شهادة الطبيعة للسيّد المسيح. إن كانت البشريّة العاقلة لم تعرف كيف تستقبله كما يجب انطلقت الطبيعة الجامدة تشهد له بلغتها الخاصة. يقول القدّيس أغسطينوس: [شهدت له السماوات بالنجم، وحمله البحر إذ مشى عليه (مت 14: 25)، وصارت الرياح هادئة ومطيعة لأمره (مت 23: 27)، وشهدت له الأرض وارتعدت عند صلبه (مت 27: 51).] هكذا قدّمت الطبيعة تمجيدًا لخاِلقها بلغتها، ونحن أيضًا إذ صرنا سماءً يليق بنا أن نشهد له بظهور نجمه فينا يقود الخطاة إلى المسيّا المخلّص، ينحنون له ويتعبّدون بالحق. ما هو هذا النجم إلا سِمة الصليب الحيّ المعلن في حياتنا الداخليّة وتصرّفاتنا في الرب. يقول القدّيس أغسطينوس: [عرفه المجوس بواسطة نجم كعلامة سماويّة وجميلة قدّمها الرب، لكنّه لا يرغب فينا أن يضع المؤمن نجمًا على جبهته بل صليبًا. بهذا يتّضع المؤمن ويتمجّد أيضًا، فيرفع الرب المتواضعين، هذا الذي في تواضعه تنازل.]
متى بدأ ظهور النجم؟
يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن النجم قد ظهر مبكرًا قبل الميلاد ربّما بحوالي سنتين، حيث قاد المجوس ليبلغوا بيت لحم في وقت الميلاد. ويرى البعض أنه ظهر عند ميلاده، وقد أخذ المجوس بعض الوقت حتى بلغوا بيت لحم، لهذا إذ تحقّق هيرودس الأمر أمر بقتل الأطفال من سنتين فما دون، إذ حسب المدّة بناءً على ظهور النجم.
بالنجم التقَى المجوس باليهود
يروي لنا الإنجيلي اللقاء الذي تمّ بين المجوس واليهود على كل المستويات، خاصة الملك ورؤساء الكهنة وكتبة الشعب، إذ يقول: "ولما وُلد يسوع في بيت لحم اليهوديّة في أيام هيرودس الملك، إذا مجوس من المشرق قد جاءوا إلى أورشليم، قائلين: أين هو المولود ملك اليهود؟ فإنّنا رأينا نجمه في المشرق وأتينا لنسجد له. فلما سمع هيرودس الملك اضطرب وجميع أورشليم معه. فجمع كل رؤساء الكهنة وكتبة الشعب وسألهم: أين يُولد المسيح؟ فقالوا له: في بيت لحم اليهوديّة، لأنه هكذا مكتوب بالنبي: وأنتِ يا بيت لحم أرض يهوذا لستِ الصغرى بين رؤساء يهوذا، لأن منك يخرج مدبر يرعى شعبي إسرائيل" [1-6].
لقد وُلد السيّد في "بيت لحم" التي تعني "بيت الخبز"، فجاء إلينا خبزًا سماويًا يتناوله الجياع والعطاش إلى البرّ. للأسف جاء المجوس من المشرق يحتملون آلام الطريق وأتعابه، يبحثون عن غذاء نفوسهم، بينما بقيَ الملك ورؤساء الكهنة والكتبة في أماكنهم يرشدون الغرباء للخبز الحيّ، وأما هم فلا يقتربون إليه. لعلّهم صاروا كالعاملين في بناء فلك نوح، الذين هيّأوا فلك الخلاص ولم يدخلوه!
حقًا ما أبعد الفارق بين المجوس ورؤساء اليهود، فقد تمتّع الغرباء بسرّ الحياة، وحُرم الرؤساء منه.
يقول القدّيس أغسطينوس: [صار اليهود أشبه بالنجّارين الذين صنعوا فلك نوح، فأقاموا لغيرهم طريق النجاة، أمّا هم فهلكوا في الطوفان. إنهم يشبهون المعالم التي توضع للكشف عن الطريق لكنها تعجز عن السير فيه. السائلون تعلّموا وكمّلوا الطريق، والمعلّمون نطقوا بالتعليم وبقوا متخلّفين.] ويقول القدّيس يعقوب السروجي: [صاروا كارزين له وهم سائرون في الطريق، يبشّرون بأن ملكًا للعالم كلّه قد أشرق. انبسطت كرازتهم لأميال في الطريق، وكسروا قلوب الملوك الذين جازوا في تخومهم، حثّهم الحق ليكونوا له كارزين. الذين هم من الخارج صاروا شهوده وبلغوا أرض اليهوديّة... نظروها فإذا هي هادئة والسكوت يخيّم على حكمائها الذين لم يُدركوا الملك الآتي لخلاصهم. أتى البعيدون ليبشّروا القريبين بميلاد الملك. ابنة الكلدانيّين أرسلت الهدايا للمخلّص، وابنة إبراهيم التي في بيته لم تكرمه.]
2. ثورة هيرودس
تكرّر اسم هيرودس بين عدد من حكّام فلسطين وملوكها أو بعض أجزاء منها أو المناطق القريبة إليها، وفي العهد الجديد ذُكر أربعة ملوك بهذا الاسم، وكان ذلك أثناء الحكم الروماني على فلسطين، من بينهم هيرودس الكبير هذا. وكان هيرودس هذا أدوميًا مولدًا، تجري في عروقه العداوة ضدّ اليهود. لم يكن له حق المُلك، لكنّه صار ملكًا على اليهوديّة، بمساعدة الرومان الذين تحالف معهم أبوه، وكان عنيفًا وشاذًا صار في أواخر أيّامه عرضة للهواجس. كان محبًا لسفك الدماء، قتل الكثير من أعضاء السنهدرين، كما قتل ابنيه الإسكندر وأرسطوبولس، وقبل موته بخمسة أيام قتل ابنه أنتياباتير. وفيما هو يسلّم أنفاسه الأخيرة أمر بقتل جميع عظماء أورشليم حتى يعم الحزن المدينة، ولا يجد الملك الجديد مجالاً للبهجة، لكنّه مات قبل أن تتحقّق أمنيته الأخيرة.
مات هيرودس بعد قتل أطفال بيت لحم بثلاثة شهور، وقد وصف المؤرخ اليهودي يوسيفوس، كيف اشتدّت شراهته في الفترة الأخيرة في أكل اللحم بدرجة بالغة، وأصيب بمرض النقرس وداء الاستسقاء، وقد تصاعدت منه رائحة كريهة جدًا، حتى لم يقدر أحد أن يقترب إليه.
هذه الصورة تكشف لنا عن مشاعر هذا الوحش المفترس، عند سماعه عن موكب المجوس ومجيئهم للسجود لملك اليهود. لقد جمع عدوّ اليهود رؤساء الكهنة والكتبة يسألهم خشية أن يسحب الكرسي من تحته. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لقد خشيَ أن ترجع المملكة إلى يهودي، فيطرده اليهود هو وذرّيته ويقطعونهم من الملوكيّة. حقًا كثيرًا ما يتعرّض السلطان العظيم لمخاوف شديدة. فإن الأفنان (أعالي الأشجار) يمكن أن تحرّكها ريح خفيف، وهكذا الذين يسكنون الأماكن العالية تهزّهم كل إشاعة! أمّا الذين يقطنون الأماكن المنخفضة، أيّا كانت، فيكونون كالأشجار التي في الوادي غالبًا ما لا تؤثّر فيها الرياح.] ويقول الأب غريغوريوس الكبير: [اضطرب الملك الأرضي عندما وُلد الملك السماوي، لأن السيادة الأرضيّة تضطرب عندما تظهر العظمة السماويّة.]
اضطرب هيرودس الأرضي الذي اتسم بالشرّ عندما أدرك أن من تخدمه النجوم السماويّة قد جاء. حقًا إن تجلِّي رب المجد يسوع في القلب كما في مزود يزعزع هيرودس (الشيطان) الطاغية، الذي يملك بالشرّ. وكأنه إذ يملك الرب بصليبه فينا تنهار مملكة إبليس ولا تقدر أن تثبت.
أخفى هيرودس اضطرابه بمظاهر الخداع، إذ يقول الإنجيلي: "حينئذ دعا هيرودس المجوس سرًا. وتحقّق منهم زمان النجم الذي ظهر. ثم أرسلهم إلى بيت لحم، وقال: اذهبوا وافحصوا بالتدقيق عن الصبي، ومتى وجدّتموه فأخبروني، لكي آتي أنا أيضًا وأسجد له" [7-8]. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لكي يغريهم على ذلك تظاهر بالتقوى، مخفيًا السيف وراءها. رسم بالألوان شكل البساطة على حقد قلبه. هذا هو طريق كل فاعلي الشرّ، إذ يخطّطون في الخفاء ليجرحوا الآخرين، فيتظاهرون بالبساطة والصداقة.]
3. سجود المجوس
"فلما سمعوا من الملك ذهبوا، وإذا النجم الذي رأوه في المشرق يتقدّمهم حتى جاء ووقف فوق حيث كان الصبي. فلما رأوا النجم فرحوا فرحًا عظيمًا جدًا. وأتوا إلى البيت، ورأوا الصبي مع مريم أمه، فخّروا وسجدوا له، ثم فتحوا كنوزهم، وقدّموا له هدايا ذهبًا ولبانًا ومرًا" [9-11].
إذ تركوا الملك ظهر لهم النجم وصار يتقدّمهم ليدخل بهم إلى حيث كان السيّد المسيح مضجعًا. ما أحوجنا أن نخرج من دائرة هيرودس الخفي، أي دائرة الخطيّة عمل إبليس، لتتكشّف لنا علامات الطريق الملوكي بوضوح.
يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن النجم الذي رآه المجوس وتقدّمهم إلى بيت لحم إنّما هو خدمة الفقراء والمحتاجين، إذ يقول: [رأوا النجم وكانوا فرحين، وها أنت ترى المسيح نفسه غريبًا وعريانًا ولا تتحرّك!... هم قدّموا ذهبًا وأنت بالكاد تقدّم قطعة خبز!]
برؤيتهم للسيّد استراحت قلوبهم وزالت عنهم كل المتاعب، وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [قبل رؤيتّهم الطفل كانت المخاوف والمتاعب تضغط عليهم من كل جانب، أمّا بعد السجود فحلّ الهدوء والأمان... لقد صاروا كهنة خلال عمله التعبُّدي، إذ نراهم يقدّمون هدايا.]
ماذا تعني هدايا المجوس؟
يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لم يقدّموا غنمًا ولا عجول، بل بالأحرى قدّموا الأمور التي تقترب بهم إلى قلب الكنيسة، إذ جاءوا إليه ببداءة التقدمة: معرفة وحكمة وحبًا.]
ويقول الأب غريغوريوس الكبير: [يقدّم الذهب كجزية الملك، ويقدّم البخور تقدمة لله، ويستخدم المرّ في تحنيط أجساد الموتى. لهذا أعلن المجوس بعطاياهم السرّيّة للذين يسجدون له بالذهب أنه الملك، وبالبخور أنه الله، وبالمرّ أنه يقبل الموت... لنُقدّم للرب المولود الجديد ذهبًا، فنعترف أنه يملك في كل موضع، ولنقدّم له البخور إذ نؤمن أنه الله ظهر في الزمان، مع أنه قبل كل زمان. ولنقدّم له المرّ، مؤمنين أنه وإن كان في لاهوته غير قابل للألم، فقد صار قابلاً للموت في جسدنا. ويمكننا أيضًا بهذه العلامات أن نفهم شيئًا آخر. الذهب يرمز للحكمة كما يشهد سليمان: "كنز مشتهى في فم البار" (أم 21: 20 الترجمة السبعينيّة). والبخور الذي يُحرق أمام الله يرمز لقوة الصلاة كقول المزمور: "لتستقم صلاتي كالبخور قدامك" (مز 141: 2)، والمرّ يرمز لإماتة أجسادنا، حيث تقول الكنيسة المقدّسة لعامليها الذين يعملون فيما لله حتى الموت: "يداي تقطران مرًا" (نش 5:5). إننا نقدّم للملك الجديد الذهب، إن كنّا في عينيّه نضيء بنور الحكمة السماويّة، ونقدّم له بخورًا إن كنّا نحرق أفكار الجسد على مذبح قلوبنا، فنرفع لله اشتياقاتنا السماويّة رائحة طيّبة. ونقدّم له المرّ عندما نُميت بالنسك شرور (شهوات) الجسد، فنقول إنه بالمرّ نحفظ الجسد الميّت من الفساد، كما نقول عن الجسد بأنه فسد متى غلبته الخلاعة، إذ قيل بالنبي، "تعفّنت الحيوانات في روثها". الحيوانات التي تهلك في روثها تُشير إلى الجسدانيّين الذي يختمون حياتهم وسط غباوة شهواتهم. إذن فلنقدّم لله مرًا لحماية أجسادنا المائتة من فساد الخلاعة ويحفظ في الطهارة.]
4. انصراف المجوس
"ثم إذ أوحي إليهم في حلم أن لا يرجعوا إلى هيرودس، انصرفوا في طريق أخرى إلى كورتهم" [2].
في بساطة الإيمان قبِل هؤلاء الرجال ما أُوحيَ إليهم في حلم، ولم يتشكّكوا في الطفل. بالإيمان تركوا طريقهم الذي قدموا منه، ليسيروا في طريق أخرى، حتى لا يلتقوا بهيرودس، مقدّمين للمؤمنين مثلاً حيًا للنفس عندما تلتقي بالسيّد المسيح، إذ لا تعود تسلك في طريقها القديم حيث هيرودس (إبليس) يملك. ويرى الأب غريغوريوس الكبير إن هذا الطريق الجديد إنّما هو طريق الفردوس، الذي تلتزم النفس أن تسلكه خلال لقائها مع ربّنا يسوع. ويقول القدّيس أمبروسيوس: [لنرجع بعيدًا عن هيرودس صاحب السلطان الزمني إلى حين، فنأتي إلى المسكن الأبدي، إلى مدينتنا السمائيّة.]
في مرارة أقول إنه ليس شيء يحزن قلب الله مثل أن يرى منّا مجوسًا قد شاهدوا النجم السماوي، واستنار قلبهم وانطلقوا إلى حيث يوجد المخلّص، فانتزع عنهم كل تغرّب عن الله، وصاروا قريبين جدًا للآب، يحلّ فيهم ويجعلهم مقدّسا له بروحه القدّوس، لكنهم للأسف بعد أن قدّموا حياتهم هدايا ثمينة يفرح بها الرب، عادوا مرتدّين إلى طريق هيرودس، أيضًا إلى أعمال إنسانهم القديم وخضوعهم لإبليس، وكأنه - إن صح هذا التعبير - يسلّمون مسيحهم الداخلي لهيرودس، فيبيد منهم العدوّ ثمر نعمة الله السماويّة فيهم. في مرارة يوبّخهم الرسول بولس، قائلاً: "من خالف ناموس موسى، فعلى شاهدين أو ثلاثة شهود يموت بدون رأفة، فكم عقابًا أشرّ تظنّون أنه يُحسب مستحقًا من داس ابن الله، وحَسِبَ دم العهد الذي قُدِّس به دنسًا، وازدرى بروح النعمة؟" (عب 10: 28-29). إذن ليتنا لا نرتدّ إلى طريق هيرودس المخادع، فلا نسلّم يسوعنا الداخلي في يديه فيصلب مرّة ثانية - إن صح التعبير - ويشهّر به بسببنا، وينطفئ الروح الذي فينا.
5. الهروب إلى مصر
"وبعدما انصرفوا إذا ملاك الرب قد ظهر ليوسف في حلم، قائلاً: قم وخذ الصبي وأمه واهرب إلى مصر، وكن هناك حتى أقول لك، لأن هيرودس مزمع أن يطلب الصبي ليهلكه. فقام وأخذ الصبي وأمه ليلاً وانصرف إلى مصر" [13-14].
يلاحظ القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الملاك لم يقل عن القدّيسة مريم "امرأتك"، بل قال "أمه"، فإنه إذ تحقّق الميلاد وزال كل مجال للشك. صارت القدّيسة منسوبة للسيّد المسيح لا ليوسف. لقد أراد الملاك تأكيد أن السيّد المسيح هو المركز الذي نُنسب إليه. يرى القدّيس أغسطينوس أن النفس التي ترتبط بالسيّد المسيح خلال الإيمان الحيّ العامل بالمحبّة تحمله فينا روحيًا، وكأنها قد صارت له كالقدّيسة مريم التي حملته روحيًا كما حملته بالجسد!
لماذا هرب السيّد المسيح إلى مصر؟
أولاً: الهروب إلى مصر يمثّل حلقة من حلقات الألم التي اجتازها القدّيس يوسف بفرحٍ، فإن كان الوحي قد شهد له بالبرّ، فإن حياة البرّ تمتزج بالآلام دون أن يفقد المؤمن سلامة الداخلي. يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على كلمات الملاك ليوسف، قائلاً: [لم يتعثّر يوسف عند سماعه هذا، ولا قال: هذا أمر صعب، ألم يقل لي إنه يخلّص شعبه، فكيف لا يقدر أن يخلّص نفسه، بل نلتزم بالهروب، ونقطع رحلة طويلة، ونقطن في بلد آخر؟ فإن هذا يناقض ما وعدت به! لم يقل شيئًا من هذا، لأنه رجل إيمان! بل ولا سأل عن موعد رجوعه، إذ لم يحدّده الملاك، بل قال له: "وكن هناك حتى أقول لك". لم يحزن بل كان خاضعًا ومطيعًا يحتمل هذه التجارب بفرح. هكذا يمزج الله الفرح بالتعب، وذلك مع كل الذين يتّقونه... مدبّرًا حياة الأبرار بمزج الواحدة بالأخرى. هذا ما يفعله الله هنا... فقد رأى يوسف العذراء حاملاً، فاضطرب وبدأ يشك... وفي الحال وقف به الملاك وبدّد شكّه ونزع عنه خوفه. وعندما عاين الطفل مولودًا امتلأ فرحًا عظيمًا، وتبع هذا الفرح ضيق شديد إذ اضطربت المدينة، وامتلأ الملك غضبًا يطلب الطفل. وجاء الفرح يتبع الاضطراب بظهور النجم وسجود الملوك. مرّة أخرى يلي هذا الفرح خطر وخوف لأن هيرودس يطلب حياة الطفل، والتزم يوسف أن يهرب إلى مدينة أخرى.]
هذه هي صورة الحياة التقويّة الحقيقية، هي مزيج مستمر من الضيقات مع الأفراح، يسمح بها الرب لأجل تزكيتنا ومساندتنا روحيًا، فبالضيق نتزكّى أمام الله، وبالفرح نمتلئ رجاءً في رعاية الله وعنايته المستمرّة.
ثانيًا: هروب السيّد المسيح من الشرّ أكّد حقيقة تجسّده، وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لو أنه منذ طفولته المبكّرة أظهر عجائب لما حُسب إنسانًا.]
ثالثًا: هروبه كممثّل للبشريّة يقدّم لنا منهجًا روحيًا أساسه عدم مقاومة الشرّ بالشرّ، وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن النار لا تطفأ بالنار بل بالماء.
رابعًا: كانت مصر رائدة العالم الأممي، فكانت بفرعونها تُشير في العهد القديم إلى العبوديّة، بخصوبة أرضها تُشير إلى حياة الترف ومحبّة العالم. كان يمكن للسيّد أن يلتجئ إلى مدينة في اليهوديّة أو الجليل، لكنّه أراد تقدّيس أرض مصر، ليقيم في وسط الأرض الأمميّة مذبحًا له. في هذا يقول إشعياء النبي: "هوذا الرب راكب على سحابة خفيفة سريعة، وقادم إلى مصر، فترتجف أوثان مصر من وجهه، ويذوب قلب مصر داخلها... في ذلك اليوم يكون مذبح للرب في وسط أرض مصر، وعمود للرب عند تُخُمها، فيكون علامة وشهادة لرب الجنود في أرض مصر... فيُعرف الرب في مصر، ويَعرف المصريّون الرب في ذلك اليوم، ويقدّمون ذبيحة وتقدمة، وينذرون للرب نذرًا ويوفون به... مبارك شعبي مصر" (إش 19). اهتم الوحي بهذه الزيارة الفريدة، بها صارت مصر مركز إشعاع إيماني حيّ. وكما خزن يوسف في مصر الحنطة كسندٍ للعالم أثناء المجاعة سبع سنوات، هكذا قدّم السيّد المسيح فيض نعم في مصر لتكون سرّ بركة للعالم كله، ظهر ذلك بوضوح خلال عمل مدرسة الإسكندريّة وظهور الحركات الرهبانيّة والعمل الكرازي. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [هلمّوا إلى برّيّة مصر لتروها أفضل من كل فردوس! ربوات من الطغمات الملائكيّة في شكل بشري، وشعوب من الشهداء، وجماعات من البتوليّين... لقد تهدّم طغيان الشيطان، وأشرق ملكوت المسيح ببهائه! مصر هذه أم الشعراء والحكماء والسحرة... حصّنت نفسها بالصليب! السماء بكل خوارس كواكبها ليست في بهاء برّيّة مصر الممتلئة من قلالي النُسّاك... على أيّ الأحوال، من يعترف بأن مصر القديمة هي التي حاربت الله في برود فعبدت القطط، وخافت البصل، وكانت ترتعب منه، مثل هذا يدرك قوّة المسيح حسنًا.]
يتحدّث أيضًا القدّيس يوحنا الذهبي الفم عن هذه الزيارة المباركة لمصر لتقديسها، فيقول: [إذ كانت مصر وبابل هما أكثر بلاد العالم ملتهبتين بنار الشرّ، أعلن الرب منذ البداية أنه يرغب في إصلاح المنطقتين لحسابه، ليأتي بهما إلى ما هو أفضل، وفي نفس الوقت تمتثل بهما كل الأرض، فتطلب عطاياه، لهذا أرسل للواحدة المجوس، والأخرى ذهب إليها بنفسه مع أمه.] كما يقول: [تأمّل أمرًا عجيبًا: فلسطين كانت تنتظره، مصر استقبلته وأنقذته من الغدر.]
6. قتل أطفال بيت لحم
"حينئذ لما رأى هيرودس أن المجوس سخروا به غضب جدًا، فأرسل وقتل جميع الصبيان الذين في بيت لحم وفي كل تخومها، من ابن سنتين فما دون بحسب الزمان الذي تحقّقه من المجوس. حينئذ تمّ ما قيل بإرميا النبي القائل: صوتٌ سُمع في الرامة، نوح وبكاء وعويل كثير. راحيل تبكي على أولادها، ولا تريد أن تتعزّى، لأنهم ليسوا بموجودين" [16-18].
قتل أطفال بيت لحم لم يتم بمحض الصدفة، لكنّه يمثّل جزءً لا يتجزأ من حياة المخلّص، اهتم الوحي بإعلانه في العهدين القديم والجديد. لقد رأى إرميا النبي راحيل زوجة يعقوب المدفونة هناك تبكي على أولادها (أحفادها) من أجل قسوة قلب هيرودس عليهم.
ربّما يتساءل البعض: لماذا سمح ملك السلام أن تحدث هذه الكارثة بسبب ميلاده؟ في الوقت الذي فيه انطلقت الملائكة بالتسبيح تطوّب البشريّة لتمتّعها بالسلام السماوي، وجاء الغرباء يحملون الهدايا إلى طفل المزود، إذا بالأطفال العبرانيّين يُقتلون بلا ذنب. لقد قدّم هؤلاء الأطفال عملاً كرازيًا وشهادة حق أمام العالم كله، فإنهم يمثّلون كنيسة العهد الجديد التي حملت بساطة الروح كالأطفال، التي لا يطيقها هيرودس فيضطهدها، لكنّه لا يقدر أن يكتم صوت شهادتها، إذ انطلق الأطفال كأبكار لينعموا بالوحدة مع الحمل الإلهي أينما وُجد.
عبور أطفال بيت لحم إلى فوق يمثّلون كنيسة الأبكار كموكب روحي مقدّس يتقدّمهم المصلوب البكر، يرتفعون به ومعه خلال البذل الحق ليشاركوا السمائيّين ليتورجيّاتهم وتسابيحهم العلويّة الجديدة.
في اختصار أقول أن هذا الحدث بما فيه من نحيبٍ وعويلٍ مع مرارةٍ قاسيةٍ لا يمكن إنكارها، يحمل كشفًا عن كنيسة العهد الجديد ككنيسة بسيطة بلا تعقيد، تحمل الصليب كعلامة جوهريّة تمسّ طبيعتها، كنيسة أبكار، مرتفعة إلى فوق تمارس حياتها السماويّة خلال ثبوتها في الرأس السماوي المصلوب!
7. العودة إلى الناصرة
أوحي للقدّيس يوسف أن ينصرف إلى ناحية الجليل، فأتى وسكن في مدينة يُقال لها "ناصرة"، لكي يتم ما قيل بالأنبياء إنه سيّدعي ناصريًا.
يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على هذا الحدث بقوله: [عاد يوسف إلى الناصرة، لكي يتجنب الخطر من ناحية، ومن ناحية أخرى لكي يبتهج بالسكنى في موطنه.]
ذهابه إلى الناصرة، وهي بلد ليست بذي قيمة أراد به أن يحطّم ما اتسم به اليهود من افتخارهم بنسبهم إلى أسباط معيّنة، أو من بلاد ذات شهرة. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لأن الموضع كان قليل الأهمّية، بل بالأحرى ليس فقط الموضع وإنما كل منطقة الجليل. لهذا يقول الفرّيسيّون: "فتش وانظر، إنه لم يقم نبي من الجليل" (يو 7: 52). إنه لم يخجل من أن يُدعى أنه من هناك، ليظهر أنه ليس بمحتاج إلى الأمور الخاصة بالبشر، وقد اختار تلاميذه من الجليل... ليتنا لا نستكبر بسبب سموّ مولدنا أو غنانا، بل بالأحرى نزدري بمن يفعل هكذا. ليتنا لا نشمئز من الفقر، بل نطلب غنى الأعمال الصالحة. لنهرب من الفقر الذي يجعل الناس أشرارًا، هذا الذي يجعل من الغِنى فقرًا (لو 16: 24)، إذ يطلب متوسّلاً بلجاجة من أجل قطرة ماء فلا يجد.]
كلمة "ناصرة"، منها اشتقّت "نصارى" لقب المسيحيّين؛ وهي بالعبريّة Natzar وتعني غصن، ومنها الكلمة العربيّة "ناضر"، وقد سمّيَ السيّد المسيح في أكثر من نبوّة في العهد القديم بالغصن. فجاء في إشعياء النبي: "ويخرج قضيب من جذع يسّى، وينبت غصن من أصوله، ويحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوّة، روح المعرفة ومخافة الرب..." (إش 11: 1-2). وجاء في إرميا: "ها أيام تأتي يقول الرب، وأُقيم لداود غصن برّ، فيملك ملك، وينجح، ويُجري حقًا وعدلاً في الأرض" (راجع إر 33: 15) وفي زكريا: "هأنذا آتي بعبدي الغصن" (زك 3: 8)، "هوذا الرجل الغصن اسمه، ومن مكانه ينبت، ويبني هيكل الرب" (زك 6: 12)... هكذا كان اليهود يترقّبون في المسيّا أنه يُدعى "الغصن"... أي "ناصري".
من أقوال الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
الإصحاح الثانى
هيرودس الكبير (بعد وفاته قسمت المملكة كالتالي على أبنائه)
أولاد هيرودس:
انتيباس الجليل
أرخيلاوس
أدوم/ اليهودية/ السامرة
فيلبس
قيصرية
رفض قيصر تسميته ملكاً وسُمِّىَ رئيس ربع
أعطى لقب ملك ولكن قيصر رفض إعطائه هذا اللقب، وكان شريراً جداً وأسقطه قيصر بعد 9 سنوات وضم ملكه للوالي الروماني مباشرة
سُمِّىَ رئيس ربع
ملك هيرودس الكبير على كل اليهودية سنة 37ق.م. ودخل القدس بمعونة الرومان. وكانت أمه وأبيه أدوميين. وكان الأدوميون قد رضخوا بالقوة للمذهب اليهودي سنة 125ق.م. فلم يكن هيرودس يهودي الأصل. وقد تزوج هيرودوس عشر نساء وكان له أبناء كثيرين. واشتد التنافس فيما بينهم على وراثة العرش. وكان القصر مسرح عشرات المؤامرات والفتن. واشتركت زوجات الملك وأقاربهن في تلك المؤامرات. هذا عدا المؤامرات التي كان يحيكها هيرودس ضد أعدائه من اليهود والرومان فقد كان هيرودس الكبير قاسي القلب، عديم الشفقة يسعى وراء مصلحته مهما كانت الخسائر واشتهـر بكثـرة
الحيل ولم ينتبه إلى صراخ المظلومين. وقتل عدة زوجات وأبناء وأقارب خوفاً من مؤامراتهم. ولكنه بني أماكن كثيرة أشهرها مدينة قيصرية وسماها هكذا تكريماً لأوغسطس قيصر، ورمم مدينة السامرة بعد ان تهدمت وأسماها سباسطيا (سيباستوس هو الاسم اليوناني لاسم أغسطس اللاتيني) أي مدينة أغسطس. وبدأ في ترميم الهيكل في القدس. ومن وحشيته أنه قتل ابنيه الإسكندر وأرسطوبولس، وقبل موته بخمسة أيام قتل ابنه انتيباتر وفيما هو يسلم أنفاسه الأخيرة أمر بقتل جميع عظماء أورشليم حتى يعم الحزن المدينة ولا يجد الملك الجديد مجالاً للبهجة، لكنه مات قبل أن تتحقق أمنيته الأخيرة. وهو الذي أمر بقتل أطفال بيت لحم حتى لا ينافسه مولود بيت لحم الملك. فقد ولد المسيح في أواخر أيام هذا الطاغية. ولقد مات هيرودس الكبير بعد قتل أطفال بيت لحم بثلاثة شهور بعد أن اشتدت شراهته في الفترة الأخيرة لأكل اللحم وأصيب بداء النقرس والاستسقاء، وتصاعدت منه رائحة كريهة جداً حتى لم يقدر أحد أن يقترب إليه. وبعد موته اقتسم أبناءه مملكته حسب ما سبق.
آية (1): "ولما ولد يسوع في بيت لحم اليهودية، في أيام هيرودس الملك، إذا مجوس من المشرق قد جاءوا إلى أورشليم."
بيت لحم= بيت الخبز فهو جاء إلينا خبزاً سماوياً يتناوله الجياع والعطاش إلى البر. في اتضاع كامل قبل الرب يسوع أن يولد ولادة مجهولة. في قرية صغيرة، فهو قد أخلى ذاته أخذاً صورة عبد (2كو9:8+ في7:2). وبيت لحم هي مدينة الملك داود، حيث مسحه صموئيل النبي ملكاً على إسرائيل. وفيها ولد المسيح الملك من نسل داود. ونلاحظ أن متى لا يتكلم عن الناصرة فهو يقدم المسيح الملك نسل داود الملك.
ولما ولد= ولد المسيح سنة 4ق.م. (وكان هذا نتيجة أخطاء العلماء في الحساب في القرون الوسطى حينما حاولوا تغيير التقويم من الحساب تبعاً للطريقة المصرية، طريقة النجوم إلى التقويم الشمسي وهو السائد حالياً، وأكتشف الخطأ بعد ذلك بقرون)
مجوس من المشرق= هم كهنة أو ملوك كلدانيون أو فارسيون يهتمون بدراسة الفلك والظواهر الفلكية، واسم مجوس يعطي للفلاسفة ورجال العالم خاصة علم الفلك ويقال أنهم سحرة ومنجمين من بين النهرين، ويعبدون النار. وكان علماء النجوم من المجوس (كانوا يعتقدون بوجود علاقة بين حركة النجوم وأحداث العالم) يعتقدون أن ظهور نجم علامة على ميلاد شخص عظيم. ويقال أن هؤلاء المجوس كانوا يتبعون مذهب بلعام الذي تنبأ بمجيء المسيح (سفر العدد). وهم كانوا يعرفون نبوته، وينتظرون هذا المولود العجيب الذي قال عنه بلعام "يبرز كوكب من يعقوب .." (عد17:24). ونرى في نبوة بلعام والنجم الذي ظهر للمجوس ليدلهم على ولادة المسيح أن الله لم يقصر نفسه على اليهود، بل هو اهتم بكل البشر، لكل من يطلبه بأمانة. ولقد كان هؤلاء المجوس يمثلون كنيسة الأمم المنجذبة لعريسها الملك. فبينما رفضه اليهود، أتى إليه الأمم الوثنيين فكان مجيئهم توبيخاً لليهود. كان المجوس هم باكورة الشعوب الأممية الذين قبلوا المسيح. وكان المسيح منذ ولادته حجر الزاوية الذي قبله الرعاة الذين أتوا إليه من قريب والمجوس الذين أتوا إليه من بعيد. وغالباً جاء المجوس في موكب عظيم يتقدمهم ثلاثة من كبارهم يحملون الهدايا للملك العجيب. هؤلاء المجوس سيدينوننا، فهم تعبوا ليصلوا للمسيح، فماذا قدمنا له من تعب أو هدايا. هم تركوا بلادهم فلنترك شهواتنا لنراه. وليكن الكتاب المقدس هو النجم الذي يهدينا "سراج لرجلي كلامك ونور لسبيلي" أو هو الروح القدس الذي في داخلنا. والكنيسة تضع في شرقية الهيكل، في حضن الآب قنديل مضئ إشارة للنجم الذي يهدينا إلى أحضان النعمة.
نجد هنا قاعدة أساسية وهي أن من يبحث عن المسيح بأمانة يجده "أطلبوا تجدوا"
فهيرودس ملأ قلبه الحسد فلم يجد المسيح ولم يعرفه. الملك اليهودي لم يجده والملوك الوثنيين (المجوس) وجدوه.
والكهنة عرفوا النبوات ولكن مطامعهم المادية أعمت عيونهم فلم يجدوه ولم يبحثوا عنه فقبلهم مشغول بمادياتهم. الرعاة الرسميين لم يجدوه ورعاة الغنم وجدوه بل تحول الكهنة إلى صالبين للمسيح.
أما المجوس فقد وضعوا في قلوبهم أن يجدوه، فوجدوه مع أنهم وثنيين.
والرعاة الساهرين أتى لهم الملائكة ليرشدوهم وهكذا كل ساهر على رعيته أو ساهر على خلاص نفسه سيجد يسوع.
آية (2): "قائلين: "أين هو المولود ملك اليهود؟ فإننا رأينا نجمه في المشرق وأتينا لنسجد له"."
ما هو هذا النجم:- يقول القديس فم الذهب أنه لم يكن نجماً حقيقياً كسائر النجوم، إنما هو ملاك ظهر في هيئة نجم ليهدي المجوس العاملين في الفلك وذلك:
1- لأن مسار هذا النجم الذي ظهر مختلف مع مسار حركة النجوم الطبيعية.
2- كان النجم يسطع في الظهيرة والشمس مشرقة.
3- كان يظهر أحياناً ويختفي في أحيان أخرى.
4- كان يرتفع حيناً وينخفض حيناً فهو قادهم إلى البيت الذي فيه المسيح تماماً.
أما أوريجانوس فيرى أنه أحد المذنبات، وهذا الاحتمال بعيد للأسباب السابقة.
متى جاء المجوس إلى المسيح: يرى البعض أن النجم ظهر قبل مجيء المسيح للعالم ليلة ميلاده بمدة تكفي لسفر المجوس من بين النهرين إلى بيت لحم، وهم أتوا تماماً ليلة الميلاد، ويرى البعض أن النجم ظهر ليلة ميلاده للمجوس وهم أتوا بعد فترة (ويقول أصحاب هذا الرأي أن ما يدعمه قول الكتاب أن المجوس أتوا إلى البيت أية (11) ولم يقل المذود. وقال الصبي ولم يقل الطفل. وأن هيرودس قتل كل من كان أقل من ستنين)
لماذا استخدم الله النجم؟
1- الله يكلم كل إنسان باللغة التي يفهمها، فكما تحدث مع التلاميذ عن طريق صيد السمك الوفير وتكلم مع قسطنطين الملك المحارب وأراه علامة الصليب قائلاً بهذا تغلب فعرف المسيح وآمن به، وتحدث مع اليهود بالنبوات ومع اليونانيين بالفلسفة يكلم الله المجوس الذين لا يفهمون سوى لغة النجوم عن طرق نجم، وهكذا يكلمنا الله من خلال أعمالنا ودراساتنا ومنازلنا كل اليوم.
2- حين وصلوا لليهودية توقف النجم عن إرشادهم فسألوا اليهود ليرشدوهم فذاع الخبر، وبهذا تكلم الله مع شعبه من اليهود ليعرفوا نبأ الميلاد فلا يكون لهم عذر.
3- الله كلم المجوس عن طريق نجم، وكلم الرعاة عن طريق ملائكة، الكل تكلم من السماء.
4- ربما شعر المجوس أن تعاويذهم قد أبطلت حين ولد المسيح، فأدركوا أن أمراً يفوق السحر قد حدث في العالم، وتذكروا نبوة بلعام، فطلبوا أن يروا نجماً هو كوكب يعقوب الذي حدثهم عنه أبوهم بلعام (عد17:24)، ليدركوا أين هو هذا المولود فيذهبوا إليه فأراهم الله بحسب طلبهم، وحسب ما يفهموه. فهم بحسب مفاهيمهم فهموا نبوة بلعام حرفياً. فهم فهموا قوله كوكب من يعقوب أن هناك نجماً سيظهر.
5- ربما هم عرفوا موعد مولد المسيح من نبوة دانيال الذي كان كبيراً للمجوس.
6- الله أخرج من الجافي حلاوة، فالمجوس استخدموا النجوم بطريقة خاطئة ولكن ها هو الله يرشدهم عن طريقها على مكان المسيح. وكان هؤلاء المنجمون يعتقدون أن لكل شخص نجماً يُسَيِّر حياته، ولكن نرى هنا أن النجم لم يحدد مصير المسيح، بل أن المسيح هو الذي كان يقود النجم.
آية (3): "فلما سمع هيرودس الملك اضطرب وجميع أورشليم معه."
اضطرب= لقد خشى هيرودس أن ترجع المملكة إلى يهودي وتضيع منه، اضطرب الملك الأرضي حين ظهر الملك السماوي، وفي قلب كل منا إن تجلى الرب يسوع يزعزع الشيطان الطاغية الذي يملك بالشر. وكأن الرب يسوع حين يملك فينا بصليبه تنهار مملكة إبليس ولا تقدر أن تثبت. حين يضئ النور تذهب الظلمة.
آية (4): "فجمع كل رؤساء الكهنة وكتبة الشعب، وسألهم: "أين يولد المسيح؟"."
نجد هنا أن رؤساء الكهنة والكتبة يرشدون المجوس للخبز الحي، أما هم فلا يقتربون إليه، لعلهم صاروا كالعاملين في بناء فلك نوح الذين هيأوا فلك الخلاص ولكنهم لم يدخلوه. لقد تمتع الغرباء بسر الحياة وحُرم الرؤساء منه.
الآيات (5،6): "فقالوا له: "في بيت لحم اليهودية. لأنه هكذا مكتوب بالنبي: وأنت يا بيت لحم، أرض يهوذا، لست الصغرى بين رؤساء يهوذا، لأن منك يخرج مدبريرعى شعبي إسرائيل"."
باقي النبوة أن مخارجه منذ الأزل، وهم كتموها نفاقاً لهيرودس (ميخا2:5) لكن واضح معرفتهم بالنبوة بل بحسب نبوة دانيال فهم كانوا يعرفون سنة ميلاده (دا 9) فسمعان وحنة كانا ينتظرانه (لو2)
الآيات (7، 8): "حينئذ دعا هيرودس المجوس سراً، وتحقق منهم زمان النجم الذي ظهر. ثم أرسلهم إلى بيت لحم، وقال: "أذهبوا وافحصوا بالتدقيق عن الصبي. ومتى وجدتموه فأخبروني، لكي آتي أنا أيضاً وأسجد له"."
أخفى هيرودس اضطرابه بمظاهر الخداع، وهذا هو طريق كل فاعلي الشر إذ يخططوا في الخفاء ليجرحوا الآخرين.
آية (9): "فلما سمعوا من الملك ذهبوا. وإذا النجم الذي رأوه في المشرق يتقدمهم حتى جاء ووقف فوق، حيث كان الصبي."
ما أحوجنا أن نخرج من دائرة إبليس (هيرودس)، دائرة الخطية عمل إبليس لتتكشف لنا علامات الطريق الملوكي بوضوح. (نضع قنديل في شرقية الكنيسة رمزا لهذا النجم).
آية (10): "فلما رأوا النجم فرحوا فرحاً عظيماً جداً."
حينما نرى الطريق الملوكي لابد وسنفرح جداً
آية (11): "وأتوا إلى البيت، ورأوا الصبي مع مريم أمه. فخروا وسجدوا له ثم فتحوا كنوزهم وقدموا له هدايا: ذهباً ولباباً ومراً."
المجوس قبل هداياهم قدموا قلوبهم وسجدوا له. هم نفذوا الناموس وهم الأمم، فهم لم يحضروا أمام الرب فارغين (تث16:16)
ذهباً= إشارة لأنه ملك، بالرغم من مظاهر البساطة التي كان فيها، فقد شعر المجوس أنه ملك، لقد عرفوا بالروح، والمسيح يملك على القلوب البسيطة المتضعة. مملكة المسيح لم تكن من هذا العالم، وهو رفض أن يجعلوه ملكاً (يو15:6). ودخل أورشليم راكباً أتاناً. ولكن بينما كان المسيح في مظاهر الوداعة والتواضع كانت السماء تشهد له، فالملائكة ترنم "المجد لله في الأعالي" والآب يشهد مجدت وأمجد أيضاً (يو28:12) . وكانت معجزاته بسلطان، بل هو أعطى لمن يؤمن به أن يكون في مجده ويرث معه، كل من عاش حياته يرضى الله ويطيع وصاياه سيملك معه، كل من قدَّم قلبه ليكون عرشاً للمسيح سيجلس مع المسيح في عرشه (رؤ21:3). ولكن هذا لمن يغلب ويحيا حياة سماوية (رمزها الذهب) على الأرض ويرفض أن يملك شهواته على حياته.
لباناً= إشارة لكهنوته (مز4:110). وكاهن أي شفيع، فهو صار شفيعاً لجنسنا البشري عند الله الآب. هو كاهن قدَّم ذبيحة نفسه، وكانت ذبائح العهد القديم رمزاً للصليب ورئيس كهنتنا يسوع حي للأبد، يشفع فينا للأبد (عب3:7). وهناك مفهوم عام للكهنوت فكل المؤمنين ملوك وكهنة (ملوك لنا سلطان أن نملك على شهواتنا وأجسادنا وكهنة نقدم ذبائح التسبيح والصلاة والإنسحاق بل نقدم أجسادنا ذبائح حية (عب14:13،15+ مز17:51، 2:141+ رو1:12) وبهذا المفهوم فالمسيح هو ملك الملوك ورئيس الكهنة وهذا طبعاً لا يتعارض مع الكهنوت الخاص، فالكهنة هم خدام أسرار الكنيسة.
واللبان يصنع منه البخور، والبخور يقدَّم لله فقط، فلنقدم حياتنا وصلواتنا للمسيح إلهنا. وربما اعتبر المجوس أن المسيح إله يستوجب تقديم البخور له كما يقدمون لآلهتهم.
مراً= إشارة لآلامه وإشارة لأنه نبي (فوظائف المسيح الثلاث ملك/ كاهن/ نبي تنبأ عنها المجوس يوم ميلاده) والأنبياء الذين أرسلهم الله لشعبه عانوا الأمرين. ولكن آلام المسيح في صلبه كانت تسمو عن أفكارنا ويكفي حمله لخطايا البشرية وحجب الآب وجهه عنه كحامل خطايا). والمر يستخدم في تحنيط الموتي، إشارة لقبوله الموت ولكن المر رائحته طيبة جداً ويستخدم في العطور إلا أن مذاقه مر جداً. لذلك فكل من يحتمل مرارة الآلام والصليب يكون لهذا رائحة حلوة عند الله الآب، إذ يشترك مع أبنه في حمل الصليب. وهكذا كل من يميت شهوات جسده، فهو يشترك مع المسيح في موته فيكون له حق التمتع بالقيامة مع المسيح، ولذلك فبالمر أي باحتمال الألم نحفظ أجسادنا من الفساد، وباحتمال صلب الأهواء والشهوات نحفظ أجسادنا من الفساد إذ يكون لها قيامة في الأبدية. بل من يحتمل الآلام تكون له إعلانات وأسرار يستنير بها قلبه فيكون نبي.
وبهذا نرضى المسيح، بأن نقدم له هذه التقدمات [1] حياتنا السماوية (في20:3) (كو1:3) [2] صلواتنا [3] تسابيحنا وشكرنا وسط آلامنا. أي الذهب (حياتنا السماوية) واللبان (الصلاة) والمر (احتمال الألم بشكر).
آية (12): "ثم إذ أوحى إليهم في حلم أن لا يرجعوا إلى هيرودس أنصرفوا في طريق أخرى إلى كورتهم."
الله بهذا أنقذ المسيح وأنقذ المجوس من بطش هيرودس، إذ هو من المؤكد كان سيقتلهم لأنهم اعترفوا بالمسيح ملكاً. وانصراف المجوس دون أن يلتقوا بهيرودس فيه درس روحي لنا، إذ على النفس التي تلتقي بالمسيح أن لا تعود لطريقها القديم (إبليس).
الآيات (13،14): "وبعدما انصرفوا، إذا ملاك الرب قد ظهر ليوسف في حلم قائلاً: "قم وخذ الصبي وأمه وأهرب إلى مصر، وكن هناك حتى أقول لك. لأن هيرودس مزمع أن يطلب الصبي ليهلكه" فقام وأخذ الصبي وأمه ليلاً وأنصرف إلى مصر."
ملاك الرب= المقصود ملاك عادي فملاك الرب يقصد به غالباً المسيح. خذ الصبي وأمه= الملاك الآن لم يقل ليوسف مريم امرأتك، فالميلاد قد تم والشك قد زال، وصارت مريم تنسب للمسيح وليس ليوسف، والمسيح هو منسوب للعذراء لا ليوسف. فالمسيح صار هو المركز الذي ننسب إليه. والمسيح هرب إلى مصر [1] لأنه كان عليه أن يتم رسالة، ولطالما اختفي من بين اليهود إذ أرادوا قتله حتى يتم رسالته (يو59:8). [2] هروب المسيح أكد حقيقة تجسده، فلو أظهر عجائب منذ صغره لما حُسِبَ إنساناً. [3] صار هروب المسيح درساً للهروب من الشر إن أمكن، فالنار لا تطفأ بالنار بل بالماء. [4] أراد المسيح تقديس مصر، هذه التي سيكون للرب مذبحاً في وسطها (أش19:19) وستكون منارة للعالم كله (وكانت الأوثان تسقط في كل بلد في مصر تدخله العائلة المقدسة فكانوا يطردونهم من مدينة إلى أخرى) ومركز إشعاع إيماني، ومركز مدرسة الإسكندرية وأصل الرهبنة.
تأمل: يوسف لم يقل "إذا كان المولود هو يسوع المخلص فلماذا لا يخلصنا من هيرودس وحينما قال له الملاك إذهب إلى مصر ذهب حتى دون أن يسأله كيف أو متى أعود وفي هذا درسين [1] التسليم الكامل، وعدم طلب معجزات بصفة مستمرة [2] احتمال الألم في صمت، فحياة يوسف كانت مع المسيح هي مزيج من الفرح والألم (هروب واضطهاد وألم وملائكة ونجم ومجوس ساجدين ورعاة شهود).
آية (15): "وكان هناك إلى وفاة هيرودس. لكي يتم ما قيل من الرب بالنبي القائل:"من مصر دعوت ابني"."
هذه الآية قالها هوشع (1:11). قالها عن خروج شعب إسرائيل من مصر. لكننا نرى هنا طريقة الروح القدس التي استخدمها الإنجيليين وبولس الرسول في إعادة فهم الآيات النبوية وتطبيقها على المسيح، وأن النبوات عن المسيح كانت مختبأة في العهد القديم.
آية (16): "حينئذ لما رأى هيرودس أن المجوس سخروا به غضب جداً. فأرسل وقتل جميع الصبيان الذين في بيت لحم وفي كل تخومها، من ابن سنتين فما دون، بحسب الزمان الذي تحققه من المجوس."
هنا نرى وحشية هيرودس، فمن قتل أولاده وزوجاته وأقربائه من المؤكد أنه يفعل هذا فهو قتل أولاده وزوجاته لنفس السبب الذي قتل أطفال بيت لحم بسببه ألا وهو خوفه وحرصه على عرشه. وهذا يرينا نتائج الحسد والغضب ومحبة العالم. وصار هؤلاء الأطفال أولا شهداء المسيحية، صاروا رمزاً للكنيسة المضطهدة المتألمة لأجل المسيح، الكنيسة التي رجعت وصارت كالأطفال بسيطة كمسيحها، هذه الكنيسة لا يحتملها إبليس ولا يحتملها العالم ويريد قتلها واختفاءها. ولكن ما لا يفهمه العالم، أين ذهب هؤلاء الأطفال؟ هم في السماء.. ولكن ما مصير من قتلهم ليتمسك بالأرض..!!
الآيات (17،18): "حينئذ تم ما قبل بأرميا النبي القائل: "صوت سمع في الرامة، نوح وبكاء وعويل كثير. راحيل تبكي على أولادها ولا تريد أن تتعزى، لأنهم ليسوا بموجودين."
هنا نرى تطبيق آخر من تطبيقات الروح القدس فيه نتعلم كيف نتعامل مع العهد القديم. فهذه الآية قالها أرمياء (15:31) عمن قتلوا أثناء السبي وعمن ذهبوا سبايا إلى بابل. وراحيل هي أم البنيامينيين، والرامة في بنيامين، وقبر راحيل قرب الرامة. وكأن راحيل هنا ترمز لإسرائيل التي تبكي على أولادها ضحايا السبي. والروح القدس الذي أوحى لمتى باقتباس الآية (متى استعار آية عن السبي وطبقها على أطفال بيت لحم)، أظهر أنها نبوة عن هذا العمل الوحشي الذي قام به هيرودس. ولكن لنعلم أن وسط صرخات الألم التي تصرخها الكنيسة من آلام هذا العالم تولد الكنيسة المنتصرة في السماء والتي هي بلا ألم وباكورتها المسيح.
الآيات (19،20): "فلما مات هيرودس إذ ملاك الرب قد ظهر في حلم ليوسف في مصر قائلاً: "قم وخذ الصبي وأمه وأذهب إلى أرض إسرائيل، لأنه قد مات الذين كانوا يطلبون نفس الصبي"."
مات هيرودس شر ميتة بعد أن قتل ابنه وأصيب بأمراض كريهة.
آية (22): "ولكن لما سمع أن أرخيلاوس يملك على اليهودية عوضاً عن هيرودس أبيه، خاف أن يذهب إلى هناك. وإذ أوحى إليه في حلم، انصرف إلى نواحي الجليل."
لأن أرخيلاوس كان شريراً جداً. والناصرة إحدى مدن الجليل (كلمة جليل تفيد معنى الدائرة وكان مركز اتصالات للأمم المجاورة ومملوءة من الأمم لذلك سمى جليل الأمم (إش1:9،2) )
آية (23): "وأتى وسكن في مدينة تقال لها ناصرة، لكي يتم ما قيل بالأنبياء "أنه سيدعى ناصرياً"."
كانت سمعة الناصرة سيئة جداً عند اليهود (يو52:7+ 46:1)، بل هي بلد بلا أهمية، ولكن من ولد في مذود، ودخل أورشليم على جحش ابن أتان قَبِلَ أن ينتسب للناصرة حتى يهدم كل افتخار وانتساب ومجد باطل. والناصرة كانت تسكن فيها العذراء من قبل (لو26:1). وفيها كانت بشارة الملاك للعذراء، وعادوا من مصر للناصرة.
سيدعي ناصرياً= نشأ المسيح في الناصرة ليحمل اسماً مشتقاً من المكان الذي نشأ فيه، وصار اسمه الناصري ومنها اشتق اسم "نصارى" وهو لقب المسيحيين. وذلك لأن ناصرة بالعبرية هي (NATZAR) وتعنى غصن، ومنها الكلمة العربية (ناضر). وقد سمى السيد المسيح في أكثر من نبوة في العهد القديم بالغصن= ما قيل بالأنبياء أنه سيدعى ناصرياً الأنبياء قالوا أنه غصن وهنا نرى تطبيق ثالث لفهم العهد القديم.
راجع النبوات (إش1:11،2+ أر15:33+ زك8:3، 12:6)
ولكن إشعياء تنبأ أن نور المسيح سيبدأ من الجليل حيث أسباط زبولون ونفتالي (إش1:9،2)
غصن= بعد أن قطعت شجرة داود (العائلة الملكية انتهت بموت صدقيا). نبت المسيح كغصن جديد في هذه الشجرة.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثانى
زيارة المجوس * الهرب إلى مصر والعودة إلى الناصرة
(1) مجئ المجوس ( ع 1 - 6 ) :
ع 1 - 2 : المجوس هم المنجمون الذين كانوا يهتمون بدراسة الطب والفلك ، وكانوا علماء فى بلادهم ، ويُعتبرون كهنة أيضاً ، ولهم مكانة عظيمة تبيَّنها هداياهم0وقد أتوا من المشرق ، غالباً من فارس أو العراق ، ولم يُذكر عددهم لكن على الأقل كان فيهم ثلاثة متقدمون ، وقد يكون تابعاً لهم عدد كبير ؛ وكانوا قد سمعوا نبوات من أجدادهم عن ظهور نجم يشير إلى ميلاد ملك عظيم0وقد قال بلعام ابن بعور النبى ذلك ، وهو من المشرق حيث يسكنون : " أراه ، ولكن ليس الآن0أبصره ، ولكن ليس قريباً0يبرز كوكب من يعقوب ، ويقوم قضيب من إسرائيل فيحطم طرفى موآب ويهلك كل بنى الوغى " ( عد 24 : 17 )0وقد يكونوا فهموا هذا من دانيال الذى كان رئيساً للمجوس ، من نبوته عن ميلاد المسيح : " فاعلم وافهم أنه من خروج الأمر لتجديد أورشليم وبنائها إلى المسيح الرئيس سبعة أسابيع واثنان وستون أسبوعاً يعود ويُبنى سوق وخليج فى ضيق الأزمنة " ( 9 : 25 )0والنجم الذى رأوه لم يكن نجماً عادياً ، فهو إما ملاك ظهر بشكل نجم ، أو نجم خاص روحى أرسله الله ، ويظهر هذا مما يأتى :
أ ) النجوم تتحرك من الغرب إلى الشرق ، أما هذا فمن الشرق إلى الغرب0
ب ) هذا النجم يظهر فى النهار والشمس ساطعة ، وليس فى الليل فقط0
حـ) كان يظهر أحياناً ويختفى أحياناً أخرى ( كما حدث عند سؤالهم هيرودس )0
د ) كان يسير مرتفعاً فى السماء ، ثم ينزل فوق منزل حقير حيث وُلد المسيح0
فلما وصل النجم بهم من المشرق حتى أورشليم ، تأكدوا من النبوات ، وأنه ملك اليهود ، وظنوا أنه يولد فى القصر الملكى ، فسألوا مَن فى القصر0
ع 3 : هيرودس هذا هو المسمى هيرودس الكبير ، وهو من أصل أدومى ، ودخيل على اليهود ، وقد اغتصب المُلك0واتصف بالعنف ، فقتل زوجته وبعض أولاده ، وكان عمره حينذاك سبعين عاماً ، فخاف من الملك الجديد0وسرى الخبر فى القصر وكل أورشليم ، فاضطربوا متحيّرين ماذا يحيط بميلاد الملك الجديد ، وهل يمكن أن تحدث صراعات بينه وبين هيرودس ؟! وهيرودس هذا هو والد هيرودس أنتيباس الذى قتل يوحنا المعمدان ، وجد هيرودس الذى قتل يعقوب بن زبدى وسجن بطرس0
ع 4 : فهم هيرودس أنهم يتحدثون عن المسيا المنتظر ، وخاف أن ينتزع منه المُلك ، فجمع رؤساء الكهنة ، أى الرئيس الحالى والرؤساء السابقين ، وكل رؤساء فرق الكهنة ، وكتبة الناموس الدارسين له ، ليُعلموه أين يولد المسيح حتى يستطيع قتله0
+ مهما كانت عظمة وسلطان الإنسان ، لا يستطيع أن يحتفظ بسلامه ، ما دام فى الخطية بعيداً عن الله ، فالسلام لا يتمتع به إلا أولاد الله0
ع 5 - 6 : " بيت لحم " : هى قرية صغيرة جنوب غرب أورشليم ، تبعد عنها حوالى 8 كم ، وتسمى أيضاً أفراته ( مى 5 : 2 ) ، أو مدينة داود لأنه وُلد فيها ( لو 2 : 4 ) ، وتنبأ عنها ميخا النبى ( 5 : 2 ) ، وهى فى اليهودية تمييزاً لها عن مدينة أخرى تسمى بيت لحم فى الجليل ، وواضح من النبوة أنها صغيرة وحقيرة ، ولكنها صارت عظيمة جداً بميلاد المسيح فيها0لاحظ كيف لم يهتم الكهنة ورؤساؤهم بالبحث عن المسيا المنتظر ، الذى تكلم عنه الأنبياء ، وأشارت إليه الرموز ، لانشغالهم بمراكزهم وأموالهم0بينما بحث الأمم ، والبعيدون عنه فى شكل المجوس المسافرين من بلاد بعيدة ، ليؤكد الكتاب المقدس أن المسيح قد أتى لخلاص العالم كله ، وهو يجذب إليه كل إنسان بالطريقة التى تناسبه ( اليهود بالنبوات ، والمجوس بالنجم لأنهم علماء فلك ) ؛ المهم أن يتجاوب الإنسان مع صوت الله0
+ فمهما كنت ضعيفاً أو حقيراً ، تتحول إلى أعظم إنسان بسكنى المسيح فى قلبك0
(2) سجود المجوس للمسيح ( ع 7 - 12 ) :
ع 7 : بعد أن علم هيرودس بمكان ميلاد المسيح ، سأل المجوس عن ميعاد ظهور النجم لهم فى بلادهم ، وحَسَبَ الوقت حتى وصولهم من فارس إلى اليهودية ، فكان أكثر من عام ، وذلك ليعرف سن الملك الجديد0 " سراً " : لأنه يشعر بشرّه إذ ينوى قتل المسيح ، حتى لا تنكشف خطته فى قتل أطفال بيت لحم التى سيفاجئ بها اليهود0
ع 8 : أخفى هيرودس قساوته فى قلبه ورغبته فى أن يقتل الملك الجديد ، وأظهر نفسه فى براءة للمجوس ، كأنه يريد أن يسجد مثلهم له ، فطلب منهم أن يعرفوا المكان بالتدقيق ثم يخبروه0ويبدو أنه ، من اضطرابه ، لم يرسل وراءهم أحداً ليعرف مكان المولود0
ع 9 - 10 : إعتمد المجوس على منطقهم ، فسألوا فى القصر الملكى حيث ظنوا أن الملك الجديد يولد ، ولم يرشدهم أحد ، ثم خرجوا فوجدوا أن النجم قد اختفى عنهم0وبعدما فشلوا فى معرفة مكانه ، ظهر لهم النجم الإلهى ففرحوا جداً ، وقادهم إلى بيت لحم ثم إلى البيت الذى ولد فيه المسيح0
+ تمسك بوصايا الله لتهديك فى طريق حياتك ، وكذا إرشادات أب اعترافك فوق كل أفكارك ومنطقك ، حتى لا تضل عن المسيح0فلا تتعطل بمشاغل العالم ومنطقه عن هدفك وهو محبة الله ، وقدر تمسكك بوصايا الله سيظل يرشدك ، ولكن إن أهملته ستحتار وتسأل : كيف أسمع صوت الله ؟0
ع 11 : عندما رأوا الطفل يسوع مع أمه العذراء ويوسف النجار ، شعروا بخشوع عظيم ، وسجدوا له وقلوبهم ممتلئة فرحاً ، ثم قدموا له هداياهم وهى الذهب واللبان والمر ، وهى تشير إلى وظائف المسيح ، فالذهب لأنه ملك ، واللبان ، أى البخور ، لأنه كاهن بذبيحة نفسه على الصليب ، والمر إشارة إلى آلامه وموته0ولعل هذه الهدايا كانت معينة للعائلة المقدسة فى تكاليف الرحلة إلى مصر فى بعض نفقاتها0وتظهر هنا عظمة إيمان المجوس بالمسيح أنه كان فى صورة حقيرة ، وكذلك لاحظوا عدم اهتمام اليهود بتمجيد ملكهم ، ولكنهم آمنوا بحسب إرشاد الله لهم بالنجم0
ع 12 : لم يفهم المجوس قصد هيرودس الشرير ، ولكن الله بعد زيارتهم للمسيح ، أعلمهم فى حلم ألا يرجعوا إلى هيرودس لأنه شرير ، وهداهم إلى طريق آخر عادوا منه إلى بلادهم0ويبدو أن هذا الحلم أتاهم بعد رؤية المسيح مباشرة ليسرعوا فى الرحيل إلى بلادهم ، قبل أن ينتبه هيرودس وينفذ خطة قتله لأطفال بيت لحم0
+ إن كنت قد تمتعت بالجلوس مع المسيح ، فلا تعد إلى هيرودس الشرير ، أى شرورك الأولى ، بل عد إلى بلدك الأول وهو الفردوس حيث خُلق آدم قديماً ، أى إرفع قلبك للسماء مستمراً فى علاقة روحية مع الله0
(3) حلم يوسف الثانى ( ع 13 - 15 ) :
ع 13 : أعلم المجوس العائلة المقدسة بما قاله الله لهم فى الحلم ، ففهموا أن هيرودس يبحث عن يسوع ليؤذيه ، ولكنهم لم يضطربوا ، وانتظروا إرشاد الله0ثم تظهر عناية الله بهم واستهزائه بهيرودس الشرير ، فظهر ملاك الله فى حلم ليوسف للمرة الثانية ، وطلب منه أن يأخذ الطفل يسوع وأمه مريم ويهرب بهما إلى مصر ، ويكون هناك حتى يقول له0ومصر هى أقرب مكان لليهودية وليست تحت سلطان هيرودس0
+ وبهذا ، يعلن لنا الله أموراً أساسية فى سلوكنا الروحى ، وهى :
أ ) ضرورة احتمال الآلام ليتزكى الإنسان ، فكم كان صعباً على العجوز يوسف والشابة الصغيرة مريم والطفل يسوع أن يتحملوا مشاق السفر والإقامة فى بلد غريب0
ب ) تأكيد تجسد المسيح ، واحتماله كل معاناة البشر منذ طفولته ، غير مستخدم لقوة لاهوته ليريح نفسه0
حـ) عدم مقاومة الشر ، بل الهروب منه0
د ) مباركة مصر لتكون مركزاً للعمل الروحى على مدى الأجيال بعلمائها ورهبانها وقديسيها0
ع 14 : أطاع يوسف النجار كلام الملاك ، غير معتذر بسبب شيخوخته ، أو صغر الطفل ، أو عدم معرفته بمصر ، وقام ليلاً للسفر إليها0 " ليلاً " : غالباً فى نفس الليلة التى رأى فيها الحلم ، ليسرع فى الهرب قبل إتمام خطة هيرودس ، ولأنه كان غريباً لم يكن معه حاجيات كثيرة تحتاج لإعدادها عند السفر ، كذلك لم يلتفت إليه أحد فهو ليس من أهل المكان0
ع 15 : تحركت العائلة المقدسة إلى مصر ، ومرت بأماكن كثيرة وباركتها ، ومكثت هناك حوالى سنتين حتى مات هيرودس ، وبذلك تمت نبوة هوشع النبى فى عودة المسيا إلى أرض إسرائيل : " من مصر دعوت ابنى " ( 11 : 1 ) ، وكانت هذه النبوة عن خروج بنى إسرائيل من مصر ، وكذا عن رجوع المسيح من مصر إلى بلاد اليهود0
(4) قتل أطفال بيت لحم ( ع 16 - 18 ) :
ع 16 : غضب هيرودس جداً بسبب عدم طاعة المجوس له واعتبرها إهانة عظيمة ، وازداد خوفه من الملك الجديد ، فقرر فى قسوة قلب أن يقتل كل أطفال بيت لحم الذين منهم الملك الجديد0ولكيما يضمن قتله ، طلب من الجنود محاصرة المكان ، فلا ينجو أحد من كل تخوم ( حدود ) بيت لحم0وبحسب توقعاته لعمر الملك الجديد أن يكون حوالى سنة أو أكثر ، طلب أن يُقتل كل الأطفال حتى سن سنتين ليضمن التخلص منه ، لئلا يخطئ العسكر فى تقدير سن الأطفال ، وكذلك أمر بقتل كل من حول بيت لحم ، وكذا من هم أكبر من سن الطفل ليكون قد قضى عليه ، وهذا يُظهر وحشية هيرودس0
ع 17 - 18 : وتحققت بهذا نبوة إرميا السابق الإشارة إليها فى ( ع 8 ) ، والتى تعبر عما حدث أثناء السبى ، وأيضاً ما حدث فى مذبحة بيت لحم ، حيث انتشر الخبر فى كل أورشليم وما حولها ، إذ أن مدينة الرامة تقع شمال أورشليم ، فسمعوا ببكاء وصراخ الأمهات اليهوديات ( اللاتى يُرمز لهن براحيل ) لفقد أطفالهن0وأيضاً راحيل زوجة يعقوب المدفونة فى بيت لحم بكت أولاً على من قُتِلوا أيام سبى بابل ، وتبكى أيضاً على الأطفال المقتولين أيام هيرودس0كل هذا رمز للحزن الذى ساد ، ليس فقط بيت لحم ، بل كل البلاد المحيطة بأورشليم0
+ إن قسوة القلب تجعل الإنسان لا يشعر بمن حوله ، فيسئ إليهم وهو منهمك فى تحقيق أغراضه0فليتك تضع نفسك مكان الآخرين لتشعر بهم ، ولا يكون تحقيق أغراضك على حساب راحة الناس ، بل ليتك تبحث عن راحتهم قبل راحتك كما فعل المسيح حين مات لأجل فدائنا وخلاصنا0
(5) العودة إلى الناصرة ( ع 19 - 23 ) :
ع 19 - 20 : بعد أن ظلت العائلة المقدسة حوالى سنتين فى مصر ، منتظرة سماح الله لها بالرجوع إلى أرض إسرائيل ، ظهر الملاك ليوسف للمرة الثالثة وأعلمه بموت هيرودس وابنه أنتيباتر اللذين كانا يريدان قتل يسوع ( لأن هيرودس قتل ابنه قبل أن يموت بخمسة أيام بعد أن أكمل 37 عاماً فى المُلك ، وكان ذلك عام 4 ق 0 م 0 ) ، وأمر الملاك يوسف بالرجوع0
ع 21 : أطاع يوسف ، ولم يطلب أن يظل بمصر معتذراً بشيخوخته أو الإبتعاد عن الأشرار فى اليهودية ، ففضيلة الطاعة تعلو فوق كل منطق ، ليقود الله حياة من يطيعه0
ع 22 : عندما وصل يوسف إلى مشارف أرض إسرائيل ، سمع أن أرخيلاوس ابن هيرودس قد مَلَكَ عوضاً عنه ، وقد كان مشهوراً بالقسوة مثل أبيه ، فخاف أن يعود إلى بيت لحم بجوار أورشليم ، حيث كان يظن أنها مكان مناسب لسكنى المسيح قريباً من الهيكل وكهنة اليهود0وسأل الله ماذا يعمل ؟ فـ " أوحى إليه فى حلم " ، ربما بواسطة ملاك كالمرات السابقة ، بالذهاب إلى الجليل ، وهو فى شمال أرض إسرائيل ، حيث يملك هيرودس أنتيباس شقيق أرخيلاوس ، وكانت بينهما مشاكل ، بالإضافة إلى اتصافه باللطف0
ع 23 : عندما وصل إلى الجليل ، ذهب إلى مدينة الناصرة ، حيث كان يسكن أولاً ، فهى موطنه الأصلى ، وبهذا تتم نبوات الأنبياء أنه سيدعى ناصرياً0وكلمة " ناصرة " معناها " غصن " ، وقد تنبأ إشعياء وإرميا وزكريا أن المسيح سيدعى الغصن ( اش 11 : 1 - 2 ؛ ار 33 : 15 ؛ زك 3 : 8 ) ، وهذه هى المرة الخامسة التى يستشهد فيها القديس متى بالنبوات0وعاش يسوع فى الناصرة حوالى 28 عاماً حتى بلغ سن الثلاثين ، وكان يعمل مع يوسف النجار فى النجارة0ولم يُذكر كثيراً عن هذه الفترة إلا أنه كان مطيعاً لأمه ويوسف ، وكان ينمو فى القامة والنعمة ، وكان يزور أورشليم فى الأعياد لتتميم العبادة بحسب الشريعة0
+ إن الله يقود حياتك ، فلا تنزعج من الأشرار مهما هددوك ، فهيرودس وأنتيباتر إبنه قد ماتا ، وأرخيلاوس أبعد الله مسيحه عنه حين سكن فى الجليل0فقوة الأشرار بلا قيمة أمام الله ، فاسلك بهدوء وطمأنينة منشغلاً بالله وهو يحميك من كل شر0
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح