كلمة منفعة
لا يكفى أن يكون العمل الذي نعمله خيرًا في أهدافه وإنما يجب أن تكون الوسيلة التي نعمله بها، وسيلة خيرة وطيبة.
— الوسيلة الطيبة
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
انجيل معلمنا متى - الاصحاح رقم 25 انجيل معلمنا متى الإصحاح رقم 25 الأصحاح الخامس والعشرون : انتظار الملكوت يقدّم لنا السيِّد المسيح، وهو في أورشليم كحملٍ محفوظٍ لتقديمه ذبيحة فصح عنّا، مفاهيم حيّة للملكوت الذي ننتظره، ليس كشيء خارج عنّا إنّما نتقبّله امتدادًا للعربون الذي فينا. 1. العذارى الحكيمات 1-13. 2. مثال الوزنات 14-30. 3. مجيء ابن الإنسان 31-46. 1. العذارى الحكيمات في منتصف كل ليل يقرأ المؤمن هذا الفصل من الإنجيل في الخدمة الأولى من صلاة نصف الليل، ليتعرّف على سرّ وقوفه للصلاة ألا وهو انتظار العريس، مهتمّا أن يكون كإحدى العذارى الحكيمات اللواتي يدخلن العرس الأبدي. إنه يقول: "ها هوذا الختن (العريس) يأتي في نصف الليل، طوبى للعبد الذي يجده مستيقظًا. أمّا الذي يجده متغافلاً، فإنه غير مستحق المُضيّ معه. فانظري يا نفسي لئلاّ تثقلي نومًا فتُلقي خارج الملكوت، بل اسهري واصرخي قائلة: قدّوس، قدّوس، قدّوس، أنت يا الله من أجل والدة الإله ارحمنا". ليقف المؤمن في الحضرة الإلهيّة مشتاقًا أن يقدّم حواسه الخمس مقدّسة له، بكونها العذارى الحكيمات اللواتي أخذن زيتًا في آنيتهن مع مصابيح ينتظرن العريس. حقًا إن العذارى الحكيمات يقفن جنبًا إلى جنب مع الجاهلات، كلهُنّ عذارى ومعهُن مصابيحهِّن، كلهُن نعسْنَ ونِمن [5]، لكن الحكيمات يحملن زيتًا تفتقر إليه الجاهلات. يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم في هذا الزيت إشارة إلى الأعمال الصالحة والمقدّسة التي تميّز الإيمان الحيّ من الميّت. فالمؤمن يقدّم بالروح القدس حواسه مقدّسة للعريس بالإيمان العامل بالمحبّة (غل 5: 6). يتقدّم للعريس حاملاً سماته عمليًا في كل أحاسيسه ومشاعره وتصرُّفاته. فإن أخذنا اللسان كمثال يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [عندما يكون لسانك كلِسان المسيح، ويصير فمك فم الآب وتكون هيكلاً للروح القدس، عندئذ أيّة كرامة تكون هذه؟! فإنه وإن كان فمك مصنوعًا من الذهب ومن الحجارة الكريمة فإنه لن يضيء هكذا كما بحُليّ الوداعة. أيّ شيء أكثر حبًا من الفم الذي لا يعرف أن يشتم، بل هو معتاد أن يبارِك وينطق بالكلمات الصالحة.] أما الجاهلات فحملْنَ مصابيحهِّن لكنّهُن لم يستطعن أن يقتنين الزيت المقدّس أي الأعمال الصالحة بالرب، إنّما حملْنَ إيمانا ميّتًا وعبادات شكليّة، وإن ينتهي النهار حيث يمكن للإنسان أن يعمل يأتي الليل حيث لا مجال للعمل، ولا يمكن لأحد أن يستعير زيتًا من آخر فلا يقدرن أن يلتقين بالعريس، إذ يقول السيِّد: "وفيما هنَّ ذاهبات ليبتعْنَ جاء العريس والمستعدَّات دخلْن معه إلى العرس، وأُغلق الباب" [10]. إنهُن لا يلتقين بالعريس كالحكيمات، بل يبقين في الخارج حيث الباب المُغلق. حقًا سيظهر ابن الإنسان على السحاب ويتحدّث مع الأشرار ليدينهم لكنهم لا ينعمون بمجده ولا يُدركون أسراره، إنّما يرونه كابن الإنسان المُرهِب، ينظرون عينيه تتّقِدان نارًا. بمعنى آخر يمكننا القول بأن المجد الذي ينعم به القدّيسون يصير بالنسبة للأشرار موضوع خوف ورِعدة، فلا يرون في السيِّد أمجادًا بل رعبًا! أما الحكيمات فإذ قلوبهِّن، أي عيونِهِّن الداخليّة، نقيّة يعاينَّ الله ويتمتّعنَ ببهائه كقول السيِّد: "طوبى للأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله" (مت 5: 8). ما يحدث مع العذارى ليس بالأمر الجديد، إنّما هو اِمتداد لما مارسوه على الأرض، فإن الحكيمات يتمتّعن بالحياة الداخليّة الجديدة كحياة شركة واتّحاد مع العريس مارسوه على الأرض. أمّا الجاهلات فلا خبرة لهُن بالعريس، وإنما يعشن حتى على الأرض خارج الأبواب، حتى وإن كان لهُن مظهر الحياة التعبّديّة بل والكرازيَّة. الذي اختار هنا أن يدخل مع المسيح ليحيا للملكوت فمن حقّه أن يعاينه في الأبديّة وجهًا لوجهٍ، والذي قبِل لنفسه أن يبقى هنا خارجًا فلن يقدر أن يُعاين السيِّد كعريس ولا يدخل معه عرسه الأبدي، بكونه بعيدًا عن الملكوت! ليس عجيبًا أن يقول السيِّد "إني ما أعرفكن"، لأنهُنَّ لم يدخلْنَ معه في شركة حقيقيّة ولا عاين مجده في داخلهِنَّ! يُعلّق القدّيس أغسطينوس على مثل العذارى الحكيمات والعذارى الجاهلات، قائلاً: [من هنَّ العشر عذارى اللاتي منهُنَّ خمس حكيمات وخمس جاهلات؟... هذا المثل أو هذا التشبيه لست أظن أنه ينطبق على أولئك النساء اللواتي يُدَّعينَ "عذارى" في الكنيسة من أجل قداستهِنَّ العظيمة، وإنما اعتقد أنه ينطبق على الكنيسة كلها... إنه لا ينطبق على الكهنة وحدهم الذين تحدّثنا عنهم بالأمس ولا على الشعب وحده وإنما على الكنيسة بأجمعها. لماذا كان عدد كل منهُنَّ خمس؟... كل روح في جسد تعُرف برقم خمسة، إذ تستخدم الحواس الخمس، فالجسد لا يدرك شيئًا إلا عن طريق المدخل ذي الخمسة أبواب: النظر والسمع والشم واللمس والتذوّق. فمن يضبط نفسه في النظر والسمع والتذوّق واللمس والشم بعيدًا عمَّا هو غير طاهر يحمل لقب "عذراء". إن كان من الصالح أن يحفظ الإنسان حواسه عن المثيرات الدنسة، وبذا يصير لكل نفس مسيحيّة لقب "عذراء"، فماذا إذن خمس منهُنَّ مقبولات وخمس مرفوضات؟ إنه لا يكفي أن يكُنّ عذارى وأن يحملن مصابيح، فهنّ عذارى لحفظهن من ملذّات الحواس الدنسة، ولهن مصابيح لأجل أعمالهن الصالحة التي يقول عنها الرب "فليُضيء نوركم قدَّام الناس لكي يروا أعمالكم الحسنة، ويمجِّدوا أباكم الذي في السماوات" (مت 5: 16). مرّة أخرى يقول لتلاميذه: "لتكن أحقَّاؤكم ممنْطَقة وسُرُجِكم موقَدة" (لو 12: 35)، فبالأحقَّاء يعني البتولية والسُرُج الموقَدة يعني الأعمال الصالحة. إن لقب "البتولية" عادة لا ينطبق على المتزوّجين، لكنّه هنا يعني بتولية الإيمان التي تمثِّل الطهارة المكلَّلة. لذلك لتعلموا يا اخوتي المقدَّسين أن كل إنسان وكل نفس لها الإيمان عديم الفساد الذي به تُمسِك عن الأشياء غير الطاهرة وبه تَصنع الأعمال الصالحة لا تُحسب خِلسَة أن تدعى عذراء، فكل الكنيسة التي يدخل في عضويَّتها عذارى وصبيان ومتزوِّجين ومتزوِّجات يطلق عليها لقب "عذراء"، كيف هذا؟ لتسمع قول الرسول عن الكنيسة عامة وليس عن النساء المتبتّلات وحدهُنَّ: "خطبتُكم لرجل واحد لأقدِّم عذراء عفيفة للمسيح" (2 كو 11: 2). ولأنه يجب الاحتراس من الشيطان مفسد الطهارة أردف الرسول قائلاً: "ولكنّني أخاف أنه كما خدعت الحيّة حواء بمكرها تُفسد أذهانكم عن البساطة التي في المسيح" (2 كو 11: 3). قليلون اقتنوا بتولية الجسد لكن يليق بالكل أن يقتنوا بتولية الروح. فإن كان التحفظ من الفساد أمرًا صالحًا لذلك تقبل النفس لقب البتولية، وإن كانت الأعمال الصالحة تستحق المديح وقد شُبِّهت بالمصابيح، فلماذا خمس منهُنَّ مقبولات وخمس مرفوضات؟... وكيف نميِّز بين الاثنين؟ يميّز بينهُنَّ بالزيت؛ هذا الزيت هو شيء عظيم وعظيم جدًا، ألا وهو المحبّة... يقول الرسول: "وأيضًا أُريكم طريقًا أفضل: إن كنت أتكلّم بألسِنة الناس والملائكة ولكن ليس لي محبّة فقد صرتُ نحاسًا يَطِن أو صنجًا يَرِن" (1 كو 12: 31؛ 13: 1). هذه هي المحبّة، الطريق الأفضل، والتي شُبِّهت بالزيت، إذ يطفو على جميع السوائل. إن صبَبْت عليه ماءً يطفو الزيت....لأن "المحبّة لا تسقط أبدًا" (1 كو 13: 8).] لقد حملت العذارى الحكيمات زيتًا هو المحبّة، لذلك حتى إن نِمنَ مع الجاهلات أي رقدْنَ في القبر (1تس4: 13) وإن أبطأ العريس في قدومه حيث تمر آلاف السنين من آدم إلى مجيئه، لكنّه في لحظة في طرفة عين عند البوق الأخير (1كو15: 52) إذ تسمع الحكيمات صوته يجدن الزيت معهُنَّ فيشعلن مصابيحهن، أمّا الجاهلات فيطلبن زيتًا ولا يجِدُن! يرى القدّيس أغسطينوس: [أن هؤلاء الجاهلات يمثِّلْن النُسّاك الذين بسبب نسكهم صاروا عذارى، لكنهم كانوا يُرضون الناس لا الله؛ يحملون المصابيح ليمدحهم البشر، وليس لهم في داخلهم الزيت الذي يراه الله في القلب.] بنفس الروح يحذّرنا القدّيس جيروم بقوله: [ربّما تُفقَد البتولية بمجرد فِكر. فالبتوليّون الأشرار هم البتوليّون بالجسد دون الروح، هؤلاء أغبياء ليس لهم زيت، لذا يطردهم العريس.] 2. مثال الوزنات أ. في هذا المثل يقدّم السيِّد لعبيده أموالاً، يعطي لواحد خمس وزنات، ولآخر وزنتين، ولثالث وزنة، كل واحدٍ قدر طاقته [14-15]. إنه لا يبخل على أحدٍ بعطاياه، ولا يُحابي أحدًا على حساب آخر، لكنّه يعرف كيف يوزِّع لكل قدر طاقته. فما قدّمه الله لنا من مواهب لم يقدّمها اعتباطًا، وإنما يعرف ما يناسب كل عضو لخلاصه. هذا يدفعنا ألا نتكبَّر على أصحاب المواهب الأقل ولا نحسِد أصحاب المواهب الأكثر، إنّما نشكر واهب المواهب... يكفي أنها من يديه. يقول الرسول: "أنواع مواهب موجودة ولكن الروح واحد، وأنواع خِدَم موجودة ولكن الرب واحد، وأنواع أعمال موجودة ولكن الله واحد" (1 كو 12: 4-6). في حديث للقدّيس أغسطينوس مع شعبه يؤكّد لهم أن للكل وزنات قُدّمت لهم من قِبَل الله، إذ يقول لهم: [لا تظنّوا أن هذا العمل الخاص باستخدام الوزنات لا يخصّكم أنتم أيضًا. حقًا لا تستطيعون العمل من هذا الكرسي (الأسقفي) لكنكم تستطيعون ممارسته قدر ما تتاح لكم الفرصة. أينما هُوجم المسيح دافعوا عنه، أجيبوا على المتذمِّرين، انتهروا المجدِّفين وابتعدوا عن مصادقتهم... قوموا بأعباء وظيفتكم في منازلكم. فالأسقف يُدعى هكذا لأنه يَسُوس الآخرين، ويهتمّ بهم وينصت إليهم. إذن فكل إنسان مادام هو رأس منزله فليعمل عمل الأسقف مهتمّا بإيمان بيته حتى لا يسقط أحدهم في هرطقة: لا زوجة ولا ابن ولا ابنة ولا عبد له، لأنهم قد اُشتروا بثمن هذا مقداره... لا تُهمل أصغر هؤلاء الذين ينتمون إليك بل اِهتم بخلاص كل أهل بيتك بكل سهر؛ فإن فعلتم هذا تكونون قد استخدمتم الوزنة ولا تُحسَبون عبيدًا كسالى ولا تخافون العقاب المرعب.] ب. لا ينتظر الله الربح في ذاته، ولا يهتم بكميَّته، إنّما يهتم بأمانة عبيده أو إهمالهم. فما اقتناه العبدان أصحاب الخمس وزنات والوزنتين هو "الأمانة في الوكالة"، فتأهّلا أن يُقاما على الكثير، أمّا أصحاب الوزنة الواحدة فمشكلته إهماله، إذ أخفي الوزنة وعاش عاطلاً. ج. الربح يجلب ربحًا، والخسارة تجلب خسارة، والخطيّة تلد خطيّة، فصاحب الخمس وزنات إذ ربح خمس وزنات أقيم على الكثير بدخوله إلى فرح سيّده، أمّا صاحب الوزنة فإنه إذ أهمل وعاش عاطلاً ليس فقط لم يربح وزنة أخرى، وإنما خسر الوزنة التي لديه، وسقط في خطيّة أخرى وهي اتّهام سيّده بالقسوة والظلم، إذ يقول له: "يا سيّد، عرفت أنك إنسان قاسِ تحصد حيث لم تزرع، وتجمع من حيث لم تبذر، فخفت ومضيت وأخفيت وزنتك في الأرض" [24-25]. حياة الكسل والبّطالة دفعته لاتّهام سيّده بالقسوة، وهذا بالتالي دفعه للخوف... كل خطيّة تسلّمه إلى خطيّة وكما يقول الأب يوحنا من كرونستادت: [كل خطيّة تبدو بسيطة وغير هامة تقود إلى خطايا أخطر، لذا يجب مقاومتها في بدايتها وسحقها.] ولعلّ أهم الخطايا التي تبدو هيّنة لكنها محطِّمة هي التهاون أو الكسل، وكما يقول القدّيس كيرلّس الكبير: [إذ يعرف بولس أن الكسل هو باب الهلاك يقول: "ويل لي إن كنت لا أبشر" (1 كو 9: 16).] د. حينما بدأ السيِّد بإدانة عبيده أو محاسبتهم بدأ بأصحاب الخمس وزنات فالوزنتين ثم الوزنة. كلما كثرت المواهب كلما كانت دينونتنا تسبق الآخرين ونُطالَب بأكثر. هـ. المكافأة هي "اُدخل إلى فرح سيّدك" [21]، هي دخول إلى العرس الأبدي ليبقى في الداخل، أمّا الجزاء فهو "اِطرحوه إلى الظلمة الخارجيّة" [30]، أي عدم التمتّع برؤية الله النور الحقيقي، وإنما البقاء خارجًا في الظلمة. الذين يدخلون يوجَدون في الداخل حيث لا يمكن إخراجهم خارجًا، وعلى العكس الذين هم في الخارج لا يقدرون على التمتّع بالداخل. يتحدّث القدّيس أغسطينوس على هذا الفرح الداخلي أثناء تعليقه على عبارة السيِّد: "كل ما يعطيني الأب فإليّ يقبل، ومن يقبل إليّ لا أخرجه خارجًا" (يو 6: 37). [أيّ نوع من الداخل هذا الذي لا يخرجون منه خارجًا؟ إنه حياة داخليّة ممتازة، مأوى حلو! يا له من مسكن خفي بلا قلاقل بغير مرارة الأفكار الشرّيرة، وبدون إغراءات الشهوات وفساد الأحزان! أليس هذا هو الموضع السرّي الذي يدخله العبد المستحق، الذي يقول له الرب: "اُدخل إلى فرح سيّدك".] يتحدّث الأب يوحنا من كرونستادت عن هذا الفرح الأبدي السماوي كاِمتداد طبيعي لحياتنا الروحيّة السماويّة التي نعيشها هنا على الأرض، إذ يقول: [خدمتنا الأرضيّة المتنوّعة لمَلِكنا ووطننا هي صورة لخدمتنا الرئيسيَّة لمَلِكنا السماوي، هذه التي يجب أن تستمر أبديًا، هذا الذي يلزمنا أن نخدمه بحقٍ قبل الكل... الخدمة الأرضيّة هي محك وخدمة بدائية للخدمة السماويّة.] المفهوم الرمزي للمثَل يرمز صاحب الوزنات الخمس للمؤمن الذي يقدّم حواسه الخمس مقدّسة لعريسه السماوي، معلنًا عمل روح الله القدّوس في جسده كما في نفسه ليكون بكلّيته للرب السماوي. بمعنى آخر، يُشير إلى الإنسان الذي يضرم فيه مواهبه لله خلال أبواب حواسه الخمسة. أما صاحب الوزنتين فيرمز إلى المؤمن الذي امتلأ قلبه بمحبّة أخيه في الرب، إذ يصير الاثنان واحدًا في الرب. ولهذا السبب نجد السامري الصالح يقدّم دِرهمين لصاحب الفندق علامة محبّته للجريح، والأرملة التي امتدحها السيِّد قدّمت فِلسين علامة حبّها لله ولاخوتها المحتاجين. وفي قبر السيِّد المسيح وُجد ملاكان، واحد عند الرأس والآخر عند القدمين إشارة إلى الحب الذي ربط السمائيّين مع الأرضيين فصار الكل جسدًا واحدًا في الرب المصلوب. وقد أعلن السيِّد ذاته لتلميذيّ عِمواس، مظهرًا أنه يكشف عن أسراره للقلوب المحبّة. إذن فصاحب الوزنات الخمس وصاحب الوزنتين نالا المكافأة الأبديّة بسبب حبِّهما لله والناس، أمّا صاحب الوزنة الواحدة التي دفنها في التراب فيُشير إلى الإنسان الأناني الذي يعمل لحساب ذاته وحده، فلا يرتبط بحب مع الله والناس، وإنما يتَقوْقع حول ذاته في أنانيّة قادرة أن تدفنه في التراب، وتجعل منه إنسانًا أرضيًا لا يقدر أن يرتفع نحو السماء حيث الحب! مثل هذا الإنسان الذي يحيا في التراب ليُشبع ذاته، يفسد نفسه ويخنقها إذ يدفنها في شهوات الجسد الترابي، فلا ينتفع روحيًا وحتى جسده يهلك، فيفقد السماء والأرض معًا. 3. مجيء ابن الإنسان بعد أن تحدّث عن انتظار العذارى لعريسهِنَّ وترقَّب العبيد الحكماء لمجيء سيّدهم ليدخل بهم إلى الفرح، كشف بأكثر وضوح هذا المجيء الأخروي. أولاً: "متى جاء ابن الإنسان في مجده" [31]، ويؤكّد السيِّد "لأن الآب لا يدين أحدًا، بل قد أَعطى كل الدينونة للابن" (يو 5: 22). ويُعلّق القدّيس أغسطينوس على ذلك معلنًا أن الابن المتجسّد هو الذي يدين، حتى لا يرى الأشرار أمجاد اللاهوت، إنّما تقف نظرتهم عند حدود الجسد الذي يظهر مُرهبًا لهم. يظهر بشكل عبد للعبيد، ويحفظ شكل الله للأبناء. ثانيًا: يهب الملكوت للذين قدّموا حبًا للصغار كما للسيِّد المسيح نفسه. وكما يقول القدّيس جيروم: [كل مرّة تبسط يدك بالعطاء أذكر المسيح.] ويقول: [الهيكل الحقيقي للمسيح هو نفس المؤمن فلنزيِّنه ونقدّم له ثيابًا،لنقدِّم له هبات، ولنرحِّب بالمسيح الذي فيه! ما نفع الحوائط المرصَّعة بالجواهر إن كان المسيح في الفقير في خطر الهلاك بسبب الجوع؟] يقول القدّيس كبريانوس: [ماذا يمكن أن يُعلَن المسيح أكثر من هذا؟ كيف يمكنه أن يحُثُّنا على أعمال البرّ والرحمة أكثر من قوله أن ما نعطيه للفقراء والمحتاجين إنّما نقدّمه له هو نفسه، وقوله أنه يحزن من أجل المحتاجين والفقراء إن لم يأخذوا منّا. فمن كان في الكنيسة ولا يعطي أخاه ربّما يتأثّر مفكرًا في المسيح. من لا يفكّر في رفيقه العبد المتألّم الفقير ربّما يفكّر في إلهه الساكن في هذا الرجل الذي يحتقره.] كما يقول القدّيس أمبروسيوس: [أيّة كنوز ليسوع أفضل من هؤلاء المساكين الذين يجب أن يُرى يسوع فيهم؟] كما يقول: [اخدموا الفقراء تخدمون المسيح.] لا يقف العطاء عند الجانب المادي، إنّما يلزمنا أن نسكب الحب كطيب ندهن به قدميّ المخلّص نفسه خلال هؤلاء الأصاغر، أي النفوس المحطَّمة والمحتاجة. وكما يقول القدّيس أمبروسيوس: [مات المسيح مرّة ودُفن مرّة واحدة، ومع هذا يودّ أن يُسكب الطيب على قدميه كل يوم. من هم الذي يُحسَبون قدمين للمسيح فنسكب عليهم الطيب إلا الذين قال عنهم: "بما أنكم فعلتم بأحد إخوتي هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم" [40]. هاتان هما القدمان اللتان أنعشَتْهما المرأة المذكورة في الإنجيل وغسلَتْهما بدموعها.] ثالثًا: يقدّم السيِّد ملكوته السماوي لمن هم أنفسهم قد صاروا ملكوته أثناء غربتهم، إذ سبقوا فحملوه فيهم كملكوت يُشرق عليهم بمجده. يقول القدّيس أغسطينوس معلِّقًا على قول السيِّد: "تعالوا يا مباركي أبي رثو الملكوت المُعد لكم منذ تأسيس العالم" (مت 25: 34). [بمعنى أنتم الذين كنتم الملكوت لكن بغير سلطان لتحكموا، تعالوا لكي تملكوا! أنتم الذين كنتم قبلاً في الرجاء وحده، أمّا الآن فتنالون السلطان كحقيقة واقعة! إذن فإن بيت الله هذا، هيكله، ملكوت السماوات، لا يزال في دور البناء والتنفيذ والإعداد للاجتماع. فيه سيكون مواضع يعدّها الرب الآن، كما فيه أُعدّت بالفعل مواضع كما أوصانا الرب.] رابعًا: يقدّم السيِّد المسيح الملكوت لمؤمنيه بكونه: "المُعد لهم منذ تأسيس العالم" [34]، وعندما يُطرد الأشرار يقول عن النار الأبديّة "المُعدَّة لإبليس وملائكته" [41]، فهو لم يُعِد الإنسان للنار الخارجيّة وإنما للملكوت الأبدي. وقد اختار الأشرار لأنفسهم بأنفسهم أن يُلقوا فيما أُعدّ لغيرهم أي "إبليس وجنوده". أخيرًا فإن الملكوت الذي ننظره هو التمتّع بالسيِّد المسيح نفسه الذي هو سرّ فرحنا الأبدي، يملك فينا، ونقطن فيه إلى الأبد. وكما يقول القدّيس كبريانوس: [المسيح نفسه أيها الإخوة الأحيًاء هو ملكوت الله الذي نشتاق إليه من يوم إلى يوم لكي يأتي. مجيئه هو شهوةٌ لنا نودّ أن يُعلن لنا سريعًا. مادام هو نفسه قيامتنا ففيه نقوم، لنفهم ملكوت الله أنه هو بنفسه إذ فيه نملك.] من أقوال الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
الإصحَاحُ الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ خطاب السيد المسيح عن خراب أورشليم وإنقضاء الدهر يوم ثلاثاء البصخة (متى 24، 25؛ 1:26، 2) (مت25 – مت1:26،2) سبق وأعطى المسيح علامات النهاية وعلامة إقتراب الملكوت وهنا يعطينا مفاهيم حية للملكوت. هو إستمر في حديثه السابق ليحدد من الذي يدخل هذا الملكوت. (مت 1:25-13) مثل العذارى الحكيمات (مت1:25-13): "حينئذ يشبه ملكوت السماوات عشر عذارى أخذن مصابيحهن وخرجن للقاء العريس. وكان خمس منهن حكيمات وخمس جاهلات. أما الجاهلات فأخذن مصابيحهن ولم يأخذن معهن زيتاً. وأما الحكيمات فأخذن زيتا في آنيتهن مع مصابيحهن. وفيما أبطأ العريس نعسن جميعهن ونمن. ففي نصف الليل صار صراخ هوذا العريس مقبل فاخرجن للقائه. فقامت جميع أولئك العذارى واصلحن مصابيحهن. فقالت الجاهلات للحكيمات أعطيننا من زيتكن فان مصابيحنا تنطفئ. فأجابت الحكيمات قائلات لعله لا يكفي لنا ولكن بل اذهبن إلى الباعة وابتعن لكن. وفيما هن ذاهبات ليبتعن جاء العريس والمستعدات دخلن معه إلى العرس واغلق الباب. أخيراً جاءت بقية العذارى أيضاً قائلات يا سيد يا سيد افتح لنا. فأجاب وقال الحق أقول لكن أني ما أعرفكن. فاسهروا إذاً لأنكم لا تعرفون اليوم ولا الساعة التي يأتي فيها ابن الإنسان." أخذ المسيح المثل من عادة يهودية، فكان العريس يأتي مع أصدقائه ليأخذ العروس ومعها صديقاتها العذارى اللواتي يضئن الطريق بالمصابيح. وتقرأ الكنيسة فصل هذا الإنجيل في صلاة نصف الليل، ليتذكر كل من يصلي أنه يجب أن يكون مستعداً لإنتظار العريس، مهتماً أن يكون كإحدى العذارى الحكيمات. ويبدأ المثل بقوله حينئذ= أي أن السيد بعد أن أنهى حديثه عن العلامات الخاصة بالمجيء الثاني يريد أن يشير أن هذا المثل لهو إستمرار لحديثه الخطير.. ليميز كل سامع هل هو من الحكيمات أو هو من الجاهلات ليعرف هل نصيبه هو الملكوت أم سيقف خارجاً ومن ملَّك المسيح على قلبه هنا سيملك المسيح عليه في ملكوته، أي يكون نصيبه ملكوت السموات= العُرس. (راجع قطع نصف الليل). وفيما يلي محاولة لشرح رموز هذا المثل. العريس= هو الرب يسوع. العذارى= هن جماعة النفوس المؤمنة أي الكنيسة وعمل العذارى أن يستقبلن العريس بنور الإيمان والرجاء والمحبة. ولقب العذراوية لا ينطبق عادة على المتزوجين، ولكن المقصود بهذا التعبير، طهارة النفس الكاملة. وبولس الرسول في (2كو2:11) يقول خطبتكم لرجل واحد لأقدم عذراء عفيفة للمسيح، وهو يكلم كل أهل كورنثوس، متزوجين وغير متزوجين. المقصود هنا أن النفس لا تعرف لها إلهاً سوى المسيح وغير متعبدة لأي شهوة عالمية، بل متحررة من كل خطية. العذراء تكون مكرسة لعريسها فقط، ونحن صرنا مكرسين للمسيح بواسطة سر الميرون. ولذلك تمثل الكنيسة كلها بعشر عذارى. عشر= عدد كامل يرمز للكنيسة كلها، التي إجتازت المعمودية ودهنت بزيت الميرون. الحكيمات= من ملأن آنيتهن أي قلوبهم بزيت النعمة، أي يمتلئ القلب بالروح القدس فتستنير النفس بالرب وتتمسك بحبه. عندما تنشأ علاقة بين المسيح والنفس، تقدم النفس عبادة حارة ولكن هناك من يحزن الروح القدس ويطفئه. فنحن في الميرون نحصل على نعمة محددة، بجهادنا تزيد (لذلك يقول إمتلئوا بالروح) وبإستهتارنا تقل (لذلك يقول لا تطفئوا الروح). الجاهلات= تركن القلب فارغاَ ونسين حقيقة مجيء الرب ولهون بمحبة العالم. لهم المسيحية الإسمية، أمّا القلب فخالي من المحبة. هؤلاء أطفأن الروح. نعسن= هل على المؤمن ألاّ ينام؟ قطعاً ليس هذا هو المقصود. ولكن الحكيمات ينعسن وهم ممتلئون سلاماً حقيقياً "فالرب يعطي لأحبائه نوماً" قال عنه سفر النشيد "أنا نائمة وقلبي مستيقظ". أمّا الجاهلات فهن يتمتعن بسلام مزيف قال عنه النبي (أر12:5+ 13:6،14+ 11:8+ حز6:13،10). وراجع أيضاً (مز2:127+ نش2:5). بالنسبة للجاهلات فهن نسين أن الرب سيأتي فلهون في العالم. ولكن علينا أن لا تفارقنا حقيقة أن الرب قادم وفجأة. نعسن ونمن= إذاً إشارة للموت. المصابيح= هي حياتي. وهناك من حياته مستنيرة وصار نوراً للعالم. وهناك من يسلك في شهوات هذا العالم خاضعاً لسلطان الظلمة. صراخ=أصوات الملائكة بالبوق الأخير تنادي للأبرار بالخلاص وللأشرار بالدينونة. الزيت= هو نعمة الروح القدس، وهذه نأخذها في سر الميرون، ولكن من يجاهد يمتلئ لذلك يقول بولس الرسول (إمتلأوا بالروح، إضرم موهبة الله التي فيك بوضع يدي، وهذه الأخيرة قالها لتلميذه تيموثاوس) ويحذرنا من أن نقاوم الروح القدس .. .. .. لا تحزنوا الروح.. لا تطفئوا الروح. فبجهادنا تنسكب النعمة فينا. ومن لا يجاهد تنطفئ النعمة التي فيه. فنحن إذاً من خلال جهادنا إمّا نملأ مصابيحنا أو نطفئها. ولاحظ أن الجاهلات كان لهن رغبة أن يدخلن لكنهن لم يدخلن لأنهن لم يسمعن لصوت إبن الله ولم يجاهدن بل هن نعسن، فالرغبة وحدها لا تكفي. ونلاحظ أنهن أخطأن إذ تصورن أنه يمكنهن الحصول على الزيت في أي وقت والسبب بسيط أن النفس التي تعودت على الإستهتار والتراخي يصعب عليها أن تقوم فجأة وتبدأ الجهاد. لذلك يطلب المسيح منا السهر، أي عدم التراخي حتى تكون آنيتنا مملوءة زيتاً بصفة مستمرة. الباعة= المسيح هو المصدر الوحيد وهو يبيع مجاناً (يو37:7-39+ رؤ17:3،18+ رؤ17:22+ أش1:55) والمسيح أعطانا وسائط النعمة وهي بلا ثمن. لكن لا فرصة للشراء من هذه العطية المجانية سوى في هذه الحياة. أمّا العذارى الجاهلات فأردن أن يشترين بعد فوات الأوان، بعد مجيء العريس= بعد أن نغادر نحن هذه الحياة، أو يأتي العريس فجأة في مجيئه الثاني. إنطفأت مصابيح الجاهلات= كان الواجب على كل نفس أن تضرم هذه الموهبة التي أخذتها من الله (2تي6:1). ولكن الجاهلات خدعن أنفسهن معتمدات على أن لهن المواعيد أو هن قادرات على أن يمتلئن في أي وقت. ولكن الرياء سريعاً ما ينكشف وهو لا يدوم. والذين أهملوا نعمة روح الله سينكشفون في نور الرب. أعطينا من زيتكن= هذا خطأ فلا يوجد إنسان قادر أن يعطيني الإمتلاء، فهذا يعتمد على جهادي الشخصي، ولا وسيلة سوى طلب الإمتلاء من المسيح (يو37:7-39+ 2تي6:1). لا يكفينا وإياكن= لا يوجد إنسان له قداسة تزيد عن حاجته إذاً لا توجد بدعة زوائد فضائل القديسين. نصف الليل= ساعة لا ينتظره فيها أحد، ويكون الناس في أضعف درجات الإستعداد. إني ما أعرفكن= ما يحدث مع العذارى هو إمتداد لما مارسوه على الأرض، فالحكيمات يتمتعن بالحياة الجديدة كحياة شركة وإتحاد مارسنها على الأرض مع العريس، أما الجاهلات فلا خبرة لهن بالعريس، فهن عشن على الأرض خارج أبواب هذه الشركة حتى وإن كان لهن منظر الحياة التعبدية. مصابيح= من إمتلأ بالروح سيظهر هذا في حياته وأعماله ويكون نوراً للعالم، ويرى الناس أعماله ويمجدوا الآب الذي في السموات (مت16:5+ لو35:12). أغلق الباب= ثبات القرار، فما عاد الأبرار يخرجون، ولا الأشرار ولا الشيطان يدخلون. والمستعدات دخلن= وصاروا في أمان، لا يستطيع أحد أن يخطفهن. رقم 5= يشير للحواس الخمسة وأصابع اليد الخمسة وأصابع القدم الخمسة أي يشير لمسئولية الإنسان، فالحواس هي التي أتعرف بها على العالم، وأنا مسئول عن كل ما يدخل إلى القلب عن طريق حواسي الخمسة، فهناك من يقدس سمعه رافضاً أن يسمع أي شئ يدنسه، وهناك من يفتح أذنه لسماع أي شئ فيتدنس، هذه مسئوليتي، وهناك من يستعمل لسانه في التسبيح فيتقدس قلبه، وهناك من يستعمل لسانه في الذم والنم والشتيمة والكذب.. الخ فيدنس قلبه (يع5:3) وأصابع اليد تشير لأعمالي وأصابع القدم تشير لإتجاهاتي وأنا المسئول عنهما. إلاّ أن رقم 5 يشير للنعمة، فالمسيح أشبع 5000 من 5خبزات. والمعنى أن من يجاهد ليضبط ويقدس حواسه وأعماله وإتجاهاته يمتلئ ويشبع من النعمة ويملأ مصباحه فيكون مستعداً للقاء العريس. (مت 14:25-30) مثل الوزنات (مت14:25-30): "وكأنما إنسان مسافر دعا عبيده وسلمهم أمواله. فأعطى واحدا خمس وزنات وآخر وزنتين وآخر وزنة كل واحد على قدر طاقته وسافر للوقت. فمضى الذي اخذ الخمس وزنات وتاجر بها فربح خمس وزنات آخر. وهكذا الذي اخذ الوزنتين ربح أيضاً وزنتين أخريين. وأما الذي اخذ الوزنة فمضى وحفر في الأرض وأخفى فضة سيده. وبعد زمان طويل آتى سيد أولئك العبيد وحاسبهم. فجاء الذي اخذ الخمس وزنات وقدم خمس وزنات آخر قائلاً يا سيد خمس وزنات سلمتني هوذا خمس وزنات آخر ربحتها فوقها. فقال له سيده نعما أيها العبد الصالح والأمين كنت أميناً في القليل فأقيمك على الكثير ادخل إلى فرح سيدك. ثم جاء الذي اخذ الوزنتين وقال يا سيد وزنتين سلمتني هوذا وزنتان أخريان ربحتهما فوقهما. قال له سيده نعما أيها العبد الصالح والأمين كنت أميناً في القليل فأقيمك على الكثير ادخل إلى فرح سيدك. ثم جاء أيضاً الذي اخذ الوزنة الواحدة وقال يا سيد عرفت انك إنسان قاس تحصد حيث لم تزرع وتجمع حيث لم تبذر. فخفت ومضيت وأخفيت وزنتك في الأرض هوذا الذي لك. فأجاب سيده وقال له أيها العبد الشرير والكسلان عرفت أني احصد حيث لم ازرع واجمع من حيث لم ابذر. فكان ينبغي أن تضع فضتي عند الصيارفة فعند مجيئي كنت اخذ الذي لي مع ربا. فخذوا منه الوزنة وأعطوها للذي له العشر وزنات. لأن كل من له يعطى فيزداد ومن ليس له فالذي عنده يؤخذ منه. والعبد البطال اطرحوه إلى الظلمة الخارجية هناك يكون البكاء وصرير الأسنان." مثل العذارى يتحدث عن إنتظار الرب والإمتلاء من النعمة ومثل الوزنات يتحدث عن الأعمال. والسيد هنا يوضح أن هناك حساب على أعمالنا والوزنات التي بين أيدينا. والإنسان المسافر هو المسيح الذي صعد للسماء، والمال الذي سلمه لعبيده هو كل ما أعطانا من مواهب روحية وعطايا روحية ومواهب جسدية ونفسية، نجاهد بها في حياتنا لنربح بها لله. فالمسيح أعطانا جسده ودمه، وأرسل لنا الروح القدس، وأسس لنا كنيسة بأسرارها وأعطى كل واحد مواهب وعطايا حسب إحتياجه وعلى قدر طاقته. هناك من أخذ خمسة وهناك من أخذ إثنين وهناك من أخذ واحدة، فهو لا يبخل على أحد بعطاياه، ولا يحابي أحداً على حساب آخر، لكنه يعرف طاقة كل واحد ويوزع بحسب طاقة كل واحد. فما قدمه لنا الله من مواهب لم يقدمها إعتباطاً وإنما هو يعرف ما يناسب كل عضو لخلاص وخدمة الكنيسة. وهذا يدفعنا ألا نتكبر على أصحاب المواهب الأقل ولا نحسد أصحاب المواهب الأكثر، إنما نشكر صاحب المواهب.. يكفي أنها من يديه (1كو4:21-6) لكن الكل يأخذ (1بط10:4). الوزنات= مالنا/ مواهبنا/ وقتنا/ صحتنا/ نفوذنا/ معرفتنا/ تعليمنا/ محبتنا/ إمكانياتنا العقلية والجسدية العضلية ومشاعرنا/ ذاكرتنا/ قوتنا. سافر للوقت= ترك كل واحد بحريته. (آية19): وبعد زمان طويل = أي بعد إنتهاء زمان هذه الحياة. والله ينتظر من كل منّا أن يعمل بأمانة فيربح نفوس للمسيح ويشهد له ويكون سبباً لمجد الله الآب (مت16:5). ومن يربح هنا دخل إلى فرح سيده، بل نال الوزنة التي أهملها العبد الكسلان. أمّا صاحب الوزنة إذ أهمل وعاش عاطلاً فهو ليس فقط لم يربح وزنة أخرى وإنما هو سقط في خطية أخرى، فالخطية تلد خطية، وهنا نجد أن هذا العبد البطال إتهم سيده بالقسوة والظلم، وهي عادة قديمة، إذ حينما أخطأ آدم نسب لله الخطأ "المرأة التي أعطيتني.." فحياة الكسل والبطالة خطية وهذه سلمته لخطية أخرى وهي إتهام سيده بالقسوة.. وهذه سلمته لخطية الخوف. فكل خطية تبدو بسيطة وغير هامة تقود إلى خطايا أخطر، لذا وجب أن نقاوم كل خطية مهما بدت بسيطة. وهذا ما نبه الله قايين إليه فخطية قايين الأولى الحسد وهذا أسلمه للغضب وهذا أسلمه للتفكير في القتل وهذا أسلمه للتنفيذ وبعد ذلك أيضاً تبجح على الله قائلاً "أحارسٌ أنا لأخي" ثم هرب من الله نهائياً. لذلك ومن بداية الطريق نبه قايين قائلاً "إن لم تحسن فعند الباب خطية رابضة وإليك إشتياقها وأنت تسود عليها" ولو كان قايين قد توقف عند أول خطية بسيطة ما حدث بعد ذلك كل هذا. تحصد حيث لا تزرع= هذا كذب لأن سيده أعطاه كما أعطى لرفقائه. إنسان قاسٍ= هنا نرى تمرده وإتهامه الظالم لسيده. خفت= لو كان يحب سيده ما كان قد خاف، فالمحبة تطرد الخوف. ولو خاف حقيقة لكان قد عمل وإستيقظ من كسله. ولكنه هنا يمثل من يعتذر دائماً أنه غير قادر على حفظ وصايا الله بينما هو لو حاول لوجد أن نعمة الله تسنده، أو من يعتذر عن أي خدمة لله بدعوى أنه غير قادر ولو حاول لوجد أن الله يسنده. خفت هذه ضد ما قاله الرسول بولس "أستطيع كل شئ في المسيح الذي يقويني" عرفت أنك إنسان قاسٍ= بالعكس فهو لم يعرفه، هو لم يعرف الله، هذه تصورات قلبه لأن عينه مغلقة بسبب خطاياه. إخفاء الوزنة= مثل من يحافظ على صحته ويرفض الخدمة لئلاّ يُرهق. من له يعطي ويزاد= فكل من يتاجر بمواهب الروح يعطي له أكثر وتزداد له البركات الروحية بفيض. وداود أخذ وزنات شاول حين ثبت أن شاول غير أمين في وزناته. أما من ليس له محبة الله، ويسلك في شهواته فالله يحرمه من مواهبه فهو لا يستحقها. إدخل على فرح سيدك= هو دخول العرس الأبدي. إطرحوه إلى الظلمة الخارجية= هو إختار الظلمة الداخلية بخطاياه وكان أعمى لا يرى الرب فكان نصيبه هو ما إختاره لنفسه على الأرض، فلن يرى نور الله، وتكون له الظلمة الخارجية بعيداً عن نور الله كما إختار لنفسه على الأرض الظلمة الداخلية. الظلمة الخارجية أي خارجاً عن أورشليم السماوية التي ينيرها الرب يسوع (رؤ5:22) = العذاب الأبدي. التفسير الرمزي: صاحب الخمس وزنات يشير لمن قدس حواسه وأعماله وإتجاهاته فربح خمس وزنات أخر أي حواسه الداخلية التي يتصل بها بالسماء. وصاحب الوزنتين يشير لمن عاش في محبة فرقم (2) يشير لتجسد المسيح الذي أتى ليجعل الإثنين واحداً وكان عمله بمحبة عجيبة، لذلك قدًّم السامري الصالح درهمين علامة محبته للجريح والأرملة التي قدمت فلسين علامة محبتها لله وللمحتاجين وفي قبر المسيح وُجِدَ ملاكين علامة محبة السمائيين مع الأرضيين إذاً هذا يشير لمن أحب الله والناس فهذا تضاعفت محبته لله وللناس، أمّا صاحب الوزنة التي دفنها في التراب فيشير لإنسان أناني متقوقع حول ذاته محب لذاته فقط، غير مرتبط بحب الله ولا الناس، إنسان أرضي لم يستطع أن يرتفع نحو السماء حيث الحب، بل عاش في الأرضيات ولذات العالم الترابي يشبع لذاته وشهواته من اللذات الترابية ويفسد نفسه ويخنقها إذ يدفنها في شهوات الجسد الترابي فلا ينتفع روحياً وحتى جسده يهلك فيفقد السماء والأرض معاً. الصيارفة= حيث تستخدم الأموال في التجارة لتربح. وهؤلاء يشيرون للمرشدين الروحيين الذين كانوا سيرشدونه لأن يقدم خدمات بمحبة للآخرين، فيربح نفس لله= ربا. (مت 31:25-46) مجيء إبن الإنسان (مت31:25-46): "ومتى جاء ابن الإنسان في مجده وجميع الملائكة القديسين معه فحينئذ يجلس على كرسي مجده. ويجتمع أمامه جميع الشعوب فيميز بعضهم من بعض كما يميز الراعي الخراف من الجداء. فيقيم الخراف عن يمينه والجداء عن اليسار. ثم يقول الملك للذين عن يمينه تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم. لأني جعت فأطعمتموني عطشت فسقيتموني كنت غريبا فآويتموني. عرياناً فكسيتموني مريضاً فزرتموني محبوساً فأتيتم إلىّ. فيجيبه الأبرار حينئذ قائلين يا رب متى رأيناك جائعاً فأطعمناك أو عطشاناً فسقيناك. ومتى رأيناك غريباً فآويناك أو عرياناً فكسوناك. ومتى رأيناك مريضاً أو محبوساً فأتينا إليك. فيجيب الملك ويقول لهم الحق أقول لكم بما إنكم فعلتموه بأحد اخوتي هؤلاء الأصاغر فبي فعلتم. ثم يقول أيضاً للذين عن اليسار اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته. لأني جعت فلم تطعموني عطشت فلم تسقوني. كنت غريباً فلم تأووني عريانا فلم تكسوني مريضا ومحبوسا فلم تزوروني. حينئذ يجيبونه هم أيضاً قائلين يا رب متى رأيناك جائعاً أو عطشاناً أو غريباً أو عرياناً أو مريضاً أو محبوساً ولم نخدمك. فيجيبهم قائلاً الحق أقول لكم بما أنكم لم تفعلوه بأحد هؤلاء الأصاغر فبي لم تفعلوا. فيمضي هؤلاء إلى عذاب ابدي والأبرار إلى حياة أبدية." المسيح إبن الإنسان يأتي في مجده للدينونة (يو22:5). ويعطي المجد للإنسان البار ويلقي الأشرار في عذاب أبدي. وهو يهب هذا المجد لمن قدموا حباً للصغار كما لو كانوا يقدمونه للمسيح. فالعذاب هو لغير المؤمنين أو للمؤمنين غير الرحماء. (آية32): الخراف بيضاء تشير للبر (رؤ14:7+ أش18:1+ مز7:51). أمّا الجداء فلونها أسود وهذا اللون يشير للخطية (أر23:13). ونحن كلنا خطاة تميزنا خطيتنا باللون الأسود ولكن من تطهر بدم المسيح يبيض فيصير على يمين المسيح وهذه تأتي بالمعمودية والتوبة المستمرة والثبات في المسيح وتناول جسده ودمه. الجداء= من سبق وأسماهم عذارى جاهلات. الخراف= العذارى الحكيمات. (آية 34): نرى هنا أن الملكوت معَّدْ للإنسان منذ تأسيس العالم. رثوا= ولم يقل خذوا فهم أبناء يرثون مجد أبيهم وليسوا غرباء. (آية41): النار الأبدية هذه معدة لإبليس وملائكته. ولاحظ أنه لم يقل يا ملاعين أبي كما سبق وقال يا مباركي أبي، فهم السبب في لعنتهم وليس الآب. إذاً الله لم يُعِّدْ النار الأبدية للإنسان بل للشيطان، ولكن من يختار بنفسه أن يكون إبناً للشيطان يذهب معه للنار الأبدية (يو44:8+ 1يو10:3)
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الخامس والعشرون مثلى العذارى والوزنات * عمل الرحمة (1) مثل العذارى ( ع 1 - 13 ) : ع 1 : " ملكوت السماوات " : أى مُلك الله السماوى على قلوب أولاده فى الكنيسة ، إستعداداً للملكوت الأبدى0 " عشر " : عدد يرمز للكمال ، أى كل البشر المؤمنين بالله0 " عذارى " : ترمزن للنفوس البشرية التى تؤمن بالله0 " مصابيحهن " : ترمز لإمكانيات الإنسان ، أى الروح والجسد ، ليحيا بها مع الله ، فتستنير حياته0 " العريس " : هو الله0إذن فالكل مؤمن وهدفه الأبدية ، أى الوجود مع العريس إلى الأبد0ولكن ، يختلفون فى كيفية الإستعداد للملكوت0 ع 2 - 4 : " خمس " : يشير لحواس الإنسان الخمسة التى يستخدمها إما حسناً مثل العذارى الحكيمات ، أو يسلمها للشر مثل الجاهلات0 " حكيمات " : كان لهن مظهر التقوى وعمقها ، وهو الزيت الذى فى المصابيح0 " جاهلات " : هن اللاتى لهن مظهر الحياة الروحية ، ولكن ليس لهن زيت ، وهو محبة الله وخدمة الآخرين0والجهل هو أن يكون للإنسان القدرة على التمتع بالله وعِشرته فى هذه الحياة وإلى الأبد ، ويتهاون فى هذا تكاسلاً وانشغالاً بالعالم واهتماماته الكثيرة0 ع 5 : " نعسن000ونِمنَ " : أى نهاية العمر والموت0إنتهت حياة هؤلاء العذارى ومُتنَ لأن العريس ، أى المسيح ، لم يأت بعد0 ع 6 : " نصف الليل " : يشير إلى المجىء الثانى للمسيح بعد رقاد النفوس ، واستعلان دينونته العادلة ، حيث يكافئ الذين رقدوا على الإيمان ، ويجازى من ابتلعهم ظلام العالم الشرير0 " صراخ " : أصوات الملائكة بالبوق الأخير تنادى المؤمنين بالخلاص ، والأشرار بالدينونة0 " اخرجن للقائه " : تتغيّر أجساد الراقدين ، وتتجمّع بعد تحلّلها ، فتصير أجساماً روحية تتحد بأرواحها ، لتقابل المسيح ، وتقف أمامه فى يوم الدينونة0فى مجىء المسيح الثانى ، تقوم الأجساد ، ويجتمع كل البشر فى يوم الدينونة0 ع 7 - 9 : تقدّمت العذارى جميعهن ، أى كل البشر ، للوقوف أمام الله الديّان العادل0وجمع كل واحد ما عنده من إيمان ومحبة ، أى أصلح مصباحه ، ووقف ليحاسَب أمام الله0وهنا فقط ، إنتبهت الجاهلات إلى أن الإيمان بدون محبة ، أى الزيت ، لا ينفع شيئاً وينطفئ المصباح ، لأن الإيمان بدون أعمال ميت ؛ فالشياطين يؤمنون ويقشعرّون ولكن لن يخلُصوا0حاولت العذارى الجاهلات أن تأخذن زيتاً من الحكيمات ، ولكنهن اعتذرن بأنه لا يكفى لهن وللجاهلات ، وينبغى أن يبحثن عن هذا الزيت ويبتعنه من الباعة ، أى يقدمن محبة ورحمة للآخرين ، لأن الأعمال الصالحة مهما عمل الإنسان لا تفضُل وتزيد عنه حتى يعطيها لآخرين0وقول المسيح واضح : " متى فعلتم كل ما أُمِرتُمْ به ، فقولوا إننا عبيد بطالون ، لأننا إنما عملنا ما كان يجب علينا " ( لو 17 : 10 )0 " الباعة " : أى كل إنسان يمكن أن نعمل معه عمل رحمة ، مثل الفقراء والمحتاجين0 ع 10 : حاولت العذارى الجاهلات أن يصنعن الرحمة ، ويعملن الخير فى يوم الدينونة ، ولكن لم تعد هناك فرصة0فقد أخذ المسيح العذارى الحكيمات ودخل بهن إلى الملكوت وأُغلِقَ الباب ، ولم يعد هناك فرصة لدخول أحد بعد ذلك0 " العُرس " : الملكوت الأبدى0 " أُغلِقَ الباب " : معناه ضمان ثبات الحكيمات فى الملكوت ، ومنع الأشرار والشيطان من الدخول ، فلا يواجه الأبرار متاعب فى الملكوت0ومن ناحية أخرى ، لا توجد أية فرصة لنجاة الأشرار من العذاب الأبدى بعيداً عن الله0 ع 11 - 12 : " أخيراً " : أى بعد فوات الأوان والحكم عليهن بالدينونة0 " افتح لنا " : يطلبن مكاناً فى الملكوت0 " ما أعرفكن " : لا يعرفهن كتلميذات وتابعات له0حاولت العذارى الجاهلات الدخول بعد إغلاق الباب فرفض المسيح ، بل أعلن أنه لا يعرفهن ، أى لا علاقة له بهن ، لأنه كان لهن مظهر التقوى وليس قوتها وعمقها ، أى الإيمان بدوت أعمال المحبة0فمن لا يحيا فى محبة الله على الأرض ، ليس له مكان للتمتع بمحبته فى السماء0 ع 13 : يعلق المسيح بوضوح ، مؤكداً أهمية السهر الروحى ، أى الإستعداد الدائم لمجيئه ، لأننا لا نعرف ميعاده0 + الله ينتظر محبتك العملية فى اهتمام بعبادتك المقدسة له ، وأعمال صالحة مع كل من تقابله0فانتهز فرصة العمر لتعمل خيراً قدر استطاعتك ، فتستنير حياتك على الأرض ، ولا تخزى فى يوم الدينونة0 (2) مثل الوزنات ( ع 14 - 30 ) : ع 14 - 15 : " مسافر " : بصعود المسيح إلى السماء ، ترك البشر مدة عمرهم ، ليجتهدوا فى حياتهم الروحية على الأرض حتى مجيئه الثانى0 " أمواله " : كل قدرات البشر هى عطايا إلهية يؤتمنون عليها كوكلاء عن الله ، وسيقدمون عنها حساباً فى اليوم الأخير0 " على قدر طاقته " : كل الإمكانيات التى يمكن أن يستخدمها ، فلم يبخل الله على أحد بعطاياه ، ولم يعطه إمكانيات أكثر من طاقته ، حتى لا يرتبك بها أو يظهر عجزه0 " سافر للوقت " : ترك البشر بحريتهم ليستثمروا إمكانياتهم طوال عمرهم0شبّه الله نفسه بإنسان والبشر بعبيده ، فأعطاهم وزنات ، أى أموال ، ليتاجروا بها ويستثمروها ، وسافر مدة غير معلومة0وتختلف عطايا الله ومواهبه من شخص إلى آخر ، فالبعض يأخذ أكثر من غيره ، وسيحاسب الله كل واحد حسبما أخذ ، فلا يتكبر من أخذ أكثر ، ولا يحسد ولا يغير من أخذ أقل ؛ فالمهم هو الأمانة فى إستثمار قدرات البشر التى وهبها لهم الله ، كثيرة كانت أو قليلة0 ع 16 - 17 : تاجر صاحب الخمس وزنات الذى يرمز لمن استثمر حواسه الخمس ، فربح خمس وزنات أخر ، أى صارت له الحواس الداخلية ، وهى القدرة على معرفة الله ، وليس فقط معرفة العالم المادى المحيط به ، أى صارت له العين الداخلية ، وهى البصيرة ، والأذن الداخلية ، أى سماع صوت الله000إلخ0أما صاحب الوزنتين ، ورقم إثنين يرمز للحب ، مثل العريس وعروسه ، فعندما تاجر بوزنتيه ، ربح أيضاً وزنتين أخريين ، أى تضاعف حبه فصار لله وأيضاً لكل البشر0 ع 18 : العبد الأخير صاحب الوزنة الواحدة يرمز للأنانى ، أى يحب ذاته فقط ، فهو كسلان لم يتعب نفسه بتقديم محبة لله وللآخرين ، بل أخفى وزنته فى التراب ، أى انغمس فى الشهوات الأرضية وتنعمه فى لذّات لإشباع مزاجه الشخصى ، متناسياً أنه وكيل على هذه الوزنة ، وهى ملك لله0 + كل منا وكيل على حياته ، لأنها ملك الله الذى اشترانا بدمه0فينبغى أن نحيا له ، أمناء فى استثمار كل قدراتنا ومواهبنا0 ع 19 : " زمان طويل " : وهى فرصة العمر الطويلة التى أعطاها الله لكل إنسان ، حتى يستثمر إمكانياته لمجد إسمه القدّوس0بعد انتهاء هذه الحياة ، يأتى يوم الدينونة ، أى يأتى السيد ليحاسب عبيده0 ع 20 - 21 : قدم صاحب الخمس وزنات ما ربحه وهى خمس وزنات أُخَرَ ، فمدحه سيده ووصفه أنه " صالح " ، لأنه عاش لله ومحبة الآخرين ، وأيضاً " أمين " لأنه استثمر كل طاقاته فحقق ربحاً 100%0وكافأه لأمانته على الأرض ، وهى القليل ، بمنحه الحياة فى الملكوت حيث يهبه بركات عظيمة ، وهى المُعبَّرُ عنها بالكثير ، أى يحيا فى حب كعروس مع عريسها إلى الأبد فى فرح دائم مع الله سيده وأبوه السماوى0ويفهم من هذا أن كل واحد سيحاسَب عن نفسه ، وعن كل عطية إلهية وُهِبت له ليستثمرها ، لأنه وكيل عليها0 " نِعِمَّاً " : أى حسناً ، وهو مدح من الله ليس أعظم منه0 ع 22 - 23 : قدم العبد الثانى الوزنتين اللتين ربحهما مثل العبد الأول ، فمدحه سيده مثل الأول بنفس المقدار والصفات أنه " صالح وأمين " ، وأعطاه نفس المكافأة وهى دخول الملكوت ، لأنه حقق ربحاً كاملاً وهو 100%0 ع 24 - 25 : العبد الثالث كان أنانياً شريراً ، لسقوطه فى التهاون ، وانزلق فى خطايا أخرى ، ليس فقط إهمال وعدم استخدام قدراته لحساب الله ، أى محبة الله والآخرين ، ولكنه ، عِوَضَ محبته للآخرين ، بدأ يسىء إليهم وأيضاً إلى سيده ، أى الله ، فوصفه أنه قاسى وطماع يأخذ مع أنه لم يعطِ ، وهذا عكس الحقيقة0ولكن الخطية التى تبدأ صغيرة بالكسل والتهاون ، تؤدى إلى خطايا أصعب ، وفى النهاية تُفقِدُ الخاطئ بصيرته الروحية0ويظهر أيضاً كذبه إذ يقول إنى " خفت " ، مع أنه لم يخف الله ويجاهد روحياً ، بل انغمس فى شهواته الأرضية0 ع 26 - 27 : " الشرير والكسلان " : فضح السيد السبب الحقيقى لعدم إتجاره بالوزنة ، وهو كسله وشره0أدان السيد هذا العبد من كلمات فمه ، إذ قال له : إن كنت أنا قاسياً وطماعاً ، لكان الأولى بك أن تتاجر بالوزنة ، أى تستخدمها فى المعاملات المادية لتقتنى ربحاً ، ويقصد بذلك استثمار إمكانياته فى محبة الله والآخرين0 " الصيارفة " : حيث تُستخدم الأموال فى التجارة لتربح ، والمقصود تقديم المحبة للآخرين0والصيارفة هم المتخصصون فى المعاملات المالية ، فيرمزون للآباء والمرشدين الروحيين ، فعندما يطيعهم من يسلك روحياً ، يرشدونه كيف يستثمر إمكانياته لمجد الله0 " الربا " : المكسب الذى يأتى من التجارة ، ومعناه هنا كسب النفوس للمسيح بعمل الخير0 ع 28 - 29 : كان عقاب الله له هو تجريده أولاً من إمكانياته ، ثم وهبها للذى صار له العشر وزنات ، مؤكداً أن كل من له أمانة ومحبة لله ، يُعْطَى من الله مواهب متزايدة0وأما من ليس له محبة لله وللآخرين وغير أمين ، فإن الله ينزع عنه عطاياه لأنه لا يستحقها0 ع 30 : يعاقَب " العبد البطال " ( الشرير ) بإلقائه فى العذاب الأبدى ، المعبَّر عنه " بالظلمة الخارجية " بعيداً عن الله ، هناك يكون الحزن الشديد والألم العنيف الذى يُرمَز إليه " بالبكاء وصرير الأسنان "0 + كن أميناً فى استغلال إمكانياتك فتزداد بركات الله عليك ، ولا تهمل أية نعمة أو وقت متاح لديك ( وزنة ) ، لئلا يحرمك الله من ميراثك الأبدى0 (3) مجئ المسيح وعمل الرحمة ( ع 31 - 46 ) : ع 31 - 33 : بعد أن تحدث المسيح عن مجيئه الثانى بطريقة رمزية كعريس للنفس أو كسيد لعبيده ، يتحدث هنا بوضوح عن يوم الدينونة الذى يأتى فيه ديّاناً بمجد عظيم ، مختلفاً عن صورة الضعف التى عاش فيها بالجسد على الأرض منذ وُلد فى المزود حتى صُلب على الصليب0وسيأتى مع ملائكته ويجلس على كُرسِىِّ مجده ، أى عرشه ، ليدين العالم كله عن أفعالهم فى كل مكان وزمان ، فيفرز البشر بواسطة ملائكته إلى أبرار ويقيمهم عن يمينه ، فاليمين يرمز للبركة والقوة ، أما الأشرار فيقيمهم عن يساره دليل الخزى والعار0وسيكون التمييز سهلاً جداً على الله ، كما يميّز الراعى الغنم التى يرعاها خراف أم جداء0والخراف أكثر طاعة ومسالمة وخضوعاً للراعى عن الجداء0وواضح من كلام المسيح أنه يوجد فى النهاية فريقان فقط ، وهما الأبرار والأشرار ، ويسميهم الحكيمات والجاهلات أو العبيد الأمناء والغير أمناء ، وهنا يسميهم " الخراف والجداء "0ولا يوجد مكان ثالث ، كما يدعى البعض ، لتعذيب ومعاقبة الأشرار مؤقتاً ثم ضمهم إلى الأبرار0 ع 34 : يصف المسيح الملك المؤمنين بأنهم مباركون ، وأنهم أولاد الله أبوه وأبوهم ، أى يعلن شرِكته معهم فى الحب ، وأنه بكر بين إخوة كثيرين ، فيدعوهم مباركين من أبيه ، ويرحب بهم ليرثوا ملكوته الذى أعده لهم قبل أن يُخلَقوا ليتمتعوا معه فيه إلى الأبد0 ع 35 : يعدد المسيح أعمال الرحمة التى قام بها الأبرار ، واستحقوا من أجلها ميراث ملكوت السموات ، ناسباً عمل الرحمة إلى نفسه ، فيذكر إطعامهم للجياع والعطاش مادياً أو روحياً ، واهتمامهم بالغرباء فيستضيفونهم ، وهذا الإهتمام ليس فقط يسد احتياجاتهم ، ولكن يطمئنهم نفسياً لمواصلة الحياة فى المكان الجديد0 + إن قابلت شخصاً غريباً فى أى مكان فرحّب به واشعره بالألفة ، وافتح الطريق للكل حتى يشبعوا بالمسيح طعامنا الحقيقى0 ع 36 : يذكر أيضاً كسوة العريانين سواء للملابس أو لبر المسيح بالسلوك فى الفضيلة0أما فى المرض ، فيشعر الإنسان بضعفه ، ويتأثر بمحبة من يسألون عنه ، وتكون فرصة مناسبة أن نحدثه عن الله0ومن أصعب الحالات أيضاً المحبوسون فى السجن ، فاقدوا حريتهم والذهاب إلى أحبائهم ، فعندما يأتى إليهم الأحباء يفرحون جداً ، فنقدم لهم المسيح الذى لا يتركهم أبداً ، حتى لو كانوا بعيدين عن الناس فى السجن0 ع 37 - 40 : يوضح المسيح كيف يكون عمل الرحمة موجه له شخصياً ، فيقيم حواراً لطيفاً بين الأبرار وبينه ، فيسألونه باتضاع ، متى رأيناك يارب فى جوع أو عطش أو مرض000إلخ ، لأنهم يشعرون أنهم غير مستحقين لهذا المديح0فيجيبهم أن كل ما فعلوه من أعمال رحمة مع الضعفاء الفقراء أو المرضى أو المحبوسين ، هو مقدم له شخصياً0وهذا تقدير إلهى عظيم لعمل الرحمة ، بل إعلان أنه قمة المحبة وسبيلنا لميراث الملكوت0 " الأصاغر " : أى المحتاجين والضعفاء0 ع 41 : ينادى المسيح الأشرار الذين عن يساره ، ويصفهم أنهم مستحقون اللعنة الإلهية والعذاب الأبدى ، مع أنه كان ينبغى أن يكونوا فى الملكوت الذى أعده لهم ، ولكنهم رفضوا التجاوب مع محبته0فيلقيهم الآن بعيداً عنه ، ويحرمهم من محبته التى رفضوها ، ويكونون إلى الأبد فى عذاب النار التى أعدها لإبليس وملائكته الساقطين ، وهم الشياطين ، أى يصبحون الآن كالشياطين لأنهم رفضوا محبة الله0 ع 42 - 43 : يعلن المسيح سبب ذهابهم للعذاب الأبدى ، وهو أنانيتهم ، ورفضهم الإحساس بالآخرين ومساعدتهم فى احتياجاتهم المختلفة0 ع 44 - 45 : يتساءل الأشرار متى رأوا الله محتاجاً ولم يعطوه ، فيعلن لهم أنه كان فى شكل المحتاجين والصغار فى مكانتهم وقدراتهم ، ورفضوا هم تقديم الرحمة لهم0 ع 46 : يؤكد المسيح أن يوم الدينونة هو النهاية ، إذ يدوم الأبرار فى التمتع بالملكوت الأبدى ، أما الأشرار فيتعذبون إلى الأبد أيضاً0 + إنها فرصتك الآن للتوبة والإحساس بالآخرين وعمل الرحمة مع كل من حولك وكل من تقابله ، قبل أن يأتى يوم الدينونة الرهيب0
مصادر أخرى لهذا الإصحاح