كلمة منفعة
المحبة الحقيقية للذات، تأتى بتدريب هذه الذات على محبة الله، ودوام سكناه فيها، وخضوعها لعمل روحه..
— محبة الذات
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
انجيل معلمنا متى - الاصحاح رقم 23
انجيل معلمنا متى
الإصحاح رقم 23
الأصحاح الثالث والعشرون :
الويْلات لمقاومي الملكوت
في الاصحاحات السابقة كشف معلّمنا متّى الإنجيلي عن دور الكتبة والفرّيسيّين والصدّوقيّين مع الهيرودسيّين في مقاومة ملكوت السموات، وقد حوّل السيِّد مقاومتهم إلى فرصة لتعليمهم مع الشعب عن المفاهيم الجديدة لملكوته. وإذ أصرّوا على مقاومتهم له سقطوا تحت الويْلات، ليس غضبًا منه عليهم، وإنما نتيجة طبيعيّة للمقاومة. فما أعلنه السيِّد من ويْلات هو ثمر طبيعي للحياة الشرّيرة التي قبلوها بإرادتهم. وقد أبرز السيِّد بحديثه ثمار تصرُّفاتهم لكي يعطيهم فرصة لمراجعة أنفسهم، وفي نفس الوقت يُحذِّر تلاميذه لئلا يسقطوا فيما سقط فيه هؤلاء المقاومين.
1. التعليم دون العمل 1-4.
2. طلب المتكآت الأولى 5-12.
3. ظُلم الآخرين مع ممارسة العبادة 13-14.
4. إعثار الدخلاء 15-16.
5. النظرة الماديّة في العبادة 17-22.
6. حرفيُّون في الوصيّة بلا روح 23-24.
7. شكليُّون في العبادة بلا حياة 25-28.
8. مقاومون للحق تحت ستار الدين 29-36.
9. الحكم بالخراب الأبدي 37-39.
1. التعليم دون العمل
"حينئذ خاطب يسوع الجموع وتلاميذه. قائلاً: على كرسي موسى جلس الكتبة والفرّيسيّون. فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه فأحفظوه وإفعلوا، ولكن حسب أعمالهم لا تعملوا، لأنهم يقولون ولا يفعلون" [1-3].
اضطّر السيِّد أن يُعلن الويُلات أمام الجموع والتلاميذ ليس تشهيرًا بالكتبة والفرّيسيّين، وإنما تحذيرًا لشعبه لئلاّ يُعثرهم هؤلاء بتصرُّفاتهم، وما هو أهم لئلاّ يسقط شعبه فيما سقطوا فيه. والعجيب أن الكتبة والفرّيسيّين صوبوا سهامهم ضدّ السيِّد المسيح، أمّا هو ففي لطف وعطف يقول: "كل ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه واِعملوه"، وكأنه يحث الشعب على الخضوع لهم، لا من أجل سلوكهم، ولكن من أجل كرسي موسى الذي جلسوا عليه.
لقد جلس الكتبة والفرّيسيّون على كرسي موسى، أي تسلّموا ناموسه، لكي يسجّلوه ويقرأوه ويفسروه، فما ينطقون به ليس من عنديَّاتهم، ولا هو ثمرة قلبهم الشرّير، وإنما هو ثمرة الكرسي الذي يجلسون عليه، أمّا أعمالهم فهي عظة مُرّة وقاتلة تحمل ثمار قلوبهم الدنسة. لهذا شجَّع السيِّد الشعب أن يسمعوا لهم فيما يصدر عن الكرسي لا ما ينبع عن قلوبهم.
هذا هو حال كل خادم متكبّر يقدّم للآخرين كلمة الله، ليس من عندياته وإنما من الكتاب المقدّس، دون أن ينتفع هو به، وكما يقول عنه القدّيس أغسطينوس: [الخادم المتكبّر يُحسب مع الشيطان، أمّا عطيّة المسيح (كلمة الوعظ)، فلا تَفسد بل تفَيض نقيّة خلاله وتعبُر كالماء إلى أرض مخصبة، فيكون الخادم كقناة من الحَجر لا يقدر أن يقدّم ثمرًا بالمياه التي تعبر القناة الحجرية إلى أحواض الزهور في الحديقة. أنها لا تقدّم نموًا في داخلنا كقناة حجرية بل تهب ثمرًا كثيرًا في الحدائق.]
ربّما يسأل أحدهم: كيف نحفظ ما يقوله هؤلاء الأشرار، مع أن السيِّد يقول في موضع آخر: "الإنسان الشرّير من الكنز الشرّير يُخرج الشرور، يا أولاد الأفاعي كيف تقدرون أن تتكلّموا بالصالحات وأنتم أشرّار؟" (مت12: 34-35)؟
يجيب القدّيس أغسطينوس قائلاً: [يخرج الشرّير من عندياته ما هو شرّ... لأن قلبه شرّير... ولا يطلب السيِّد المسيح منّا طاعة الأشرار، لأن ما يخرجوه من كنز قلبهم الشرّير يختلف عمَّا ينطقون به وهم على كرسي موسى. مثال ذلك: في المحكمة ينطق الحاجب بما يقوله القاضي. فما ينطق به لا يُنسب إليه طالما يتّكلم في حضرة القاضي. ما ينطق به الحاجب في بيته يختلف عما ينطق به وهو في المحكمة، إذ ينطق هنا بما يسمعه من القاضي. فالحاجب ينطق بالعقوبة، أراد أو لم يرد، حتى لو كانت العقوبة موجّهة ضدّ صديق له. وينطق أيضًا بالبراءة، شاء أو لم يشأ، ولو كانت لصالح عدوّ له. فلو نطق الحاجب بحسب ما في قلبه لأعطى براءة لصديقه وعاقب عدوّه، لكنّه إذ يتكلَّم من كرسي الحُكم قد يعاقب صديقه ويبرِّئ عدوّه. هكذا بالنسبة للكتبة أيضًا، فلو أنهم تحدّثوا بحسب ما في قلوبهم لسمعتم قولهم: "لنأكل ونشرب لأننا غدًا نموت" (إش 22: 13)، أمّا إذا تكلّموا من على كرسي موسى فيقولون: "لا تقتل، لا تزن، لا تسرق...". إذن لنعمل حسب ما يُعلنه الكرسي الرسمي على فم الكنيسة، لا ما تتفوَّه به قلوبهم. لذلك ينبغي عليك ألا تضطرب عندما تسمع قول الرب: "كل شجرة تُعرف من ثمارها، هل يجتنون من الشوك عنبًا ؟ أو من الحَسَكِ تينًا؟" (لو 6: 44؛ مت 7: 16)... لكن أحيانًا تتشابك كروم العنب بين الحَسَك. لذلك عندما تسمع "الشوك" لا تتجاهل التفكير في العنب، إنّما اِبحث فتجد جذور الأشواك، وعليك أن تميِّزها من بين جذور الكرْم، وأعلم أن إحداها تُشير إلى قلب الكتبة والفرّيسيّين، والأخرى تُشير إلى كرسي موسى.]
حقًا لنقبل كلمات الخدّام ولا نمتثَّل بضعفاتهم أو شرورهم، كما لا ندين تصرفاتهم. هذا من جانبنا، أمّا من جانب الخدّام فيليق بهم أن يهتمّوا أن تكون أعمالهم ختمًا لكلماتهم، حتى لا تتحوّل عظاتهم وتوجيهاتهم إلى "فلسفة نظريّة". لهذا يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [ما أسوأ أن نكون فلاسفة في الكلمات لا في الأعمال.]
يقول السيِّد: "فإنهم يحزمون أحمالاً ثقيلة عسرة الحَمل، ويضعونها على أكتاف الناس وهم لا يريدون أن يحرّكوها بإصبعهم" [4]. الوصيّة في ذاتها ليست مستحيلة ولا ثقيلة، وإنما إذ تصدر عن معلّمين لا يجاهدون فيها يجدها الشعب حِملاً ثقيلاً عسر الحمل، قد حزمها المعلّمون، لا ليحملوها مع الشعب، وإنما ليثقِّلوا بها كاهل الآخرين، أمّا هم فلا يفكِّرون حتى في مجرّد تحريكها بإصبعهم. وعلى العكس فإن ذات الوصيّة إذ يقدّمها معلّمون مختبِرون ومجاهِدون يفرح بها الشعب ويتسابقون على حِملها معهم. هذا ما فعله السيِّد المسيح نفسه، فإنه إذ رأى البشريّة تتسابق على الكراسي فيحزمون لإخوتهم أحمالاً ثقيلة وهم لا يريدون أن يحرّكوها بإصبعهم، إذا به يترك كرسي مجده لينزل وسط شعبه يحمل أثقالنا ويكمّل الناموس عنّا، فيصير النير هيّنًا والحمل خفيفًا.
2. طلب المتكآت الأولى
بينما ترك هؤلاء المراءون الوصايا الإلهيّة لغيرهم اِمتدّت يدهم للعمل لا في تنفيذ الوصيّة وإنما في المظهريَّة التي يراها الناس، وكما يقول السيِّد المسيح: "وكل أعمالهم يعملونها لكي تنظرهم الناس، فيُعرِّضون عصائبهم ويُغطّون أهداب ثيابهم" [5].
ما هي هذه العصابة العريضة التي تغطِّي رؤوسهم، وأهداب الثياب الثمينة التي تغطي أخمص أقدّامهم، إلا الاهتمام بالمظهريّة في كل حياتهم من شعر رؤوسهم حتى أخمص القدمين، يطلبون الزينة الخارجيّة الثمينة التي تخفي حياة داخليّة فارغة بلا عمل ونفس فقدت حياتها!
ينشغل المُرائي بالعِصابة الجميلة والعريضة التي تغطِّي رأسه وذهنه، فلا يفكّر في أمور حياته الداخليّة ولا في خلاص نفسه، فلا يمكن أن يرتفع بذهنه إلى السماويات، إنّما يبقى منشغلاً بالجمال الزمني والمديح الباطل. أمّا الأهداب الذهبية الثمينة فإنها تشل حركة قدميه فيقف جامدًا أسير نظرة الناس، لا يقدر أن يتحرّك في الطريق الكرب المؤدي إلى الملكوت. إنه يخاف على أهداب ثوبه من طريق الملكوت!
يقول القدّيس جيروم: [كل إنسان يسلك لكي ينظره الناس هو كاتب وفرّيسي... ويل لنا نحن البائسين ورثة رذائل الفرّيسيّين. عندما أعطى الله شريعته لموسى وأوصى "اربطها علامة على يدك، ولتكن عصائب بين يديك" (تث 6: 8). وهذا هو المعنى: لتكن تعاليمي على يدك لتتأمّلها نهارًا وليلاً؛ لكن الفرّيسيّين فسّروا الوصيّة حرفيًا فكانوا يكتبون الوصايا العشرة على أربطة صغيرة من الجلد ويطوُونها ويربطونها على رؤوسهم ليحملوها كل يوم أمام الناس. هذه العادة نشاهدها في أيامنا هذه عند الهنود والبابليّين الذين يحملون هذا التاج ليعبروا به أمام الناس... وكانت هذه الأربطة تسمى Phylat res، وهي كلمة مأخوذة عن اليونانيّة تعني "حماية". وحسب مفهومهم أن من يحملها يقتني حماية خاصة. هكذا لم يفهم الفرّيسيّون أنه يجب حمل الوصايا في القلب وإنما على الجسد. هذا وكانت خزائنهم وصناديقهم مملوءة كتبًا ولكن ليس لهم معرفة الله.]
لا يمس الرياء مظهر ثيابهم فحسب، وإنما يبتلع كل حياتهم، فيطلبون الكرامة البشريّة أينما وُجدوا، إن دُعوا كمجاملين في الولائم أو كقادةٍ في المجامع أو حتى إن ساروا في الأسواق، إذ يقول السيِّد:
ويحبُّون المتكأ الأول في الولائم، والمجالس الأولى في المجامع، والتحيَّات في الأسواق، وأن يدعوهم الناس: سيِّدي، سيِّدي" [6-7].
إذ يسحب الرياء قلب المعلّم من أعماقه الداخليّة ليلهيه في العصابة التي يغطي بها رأسه وأهداب ثوبه، تبقى حياته الداخليّة في فراغٍ شديدٍ، فلا يقدر أن يطلب ما يخصّ حياته أو حياة إخوته، إنما يطلب ما هو لمجده الباطل. فإن دُعي في وليمة بدلاً من مشاركته الآخرين أفراحهم أو آلامهم بالحب الداخلي العملي يتسابق على المتكأ الأول. وإن جلس في مجمع لا يهتمّ بتقديم ما هو للبنيان، إنّما يطلب المجلس الأول. وإن نزل إلى الأسواق، لا يلتقي مع الشعب كواحدٍ منهم، بل يطلب التحيَّات والألقاب ليسمعهم يخاطبونه: "سيِّدي، سيِّدي". هذا كلّه دعا المعلّم الأعظم ربّنا يسوع المسيح أن يدخل في بدء خدمته وليمة عرس مُحتلاً الموضع الأخير لكي يخدمهم، مقدّمًا لهم خمر محبّته الفائق عِوض أجران مياه قلوبهم الباردة. وفي المجامع لم يحتل المجلس الأول إنّما بتواضعه كان يسحب الجماهير إلى التمتّع بالحق. لقد نزل إلى الأسواق في تواضع ليحل بين الشعب كواحدٍ منهم، يحملهم على كتفيه بكونهم خرافه الناطقة المريضة؛ يحتضنهم بالحب لينطلق بهم إلى السماويات.
يكمّل السيِّد المسيح حديثه الخاص برفض الكرامات الزمنيّة، قائلاً:
"وأما أنتم فلا تدعوا سيِّدي، لأن معلّمكم المسيح، وأنتم جميعًا إخوة. ولا تدعوا لكم أبًا على الأرض، لأن أباكم واحد الذي في السماوات. ولا تدعوا معلّمين، لأن معلّمكم واحد المسيح. وأكبركم خادمًا لكم، فمن يرفع نفسه يتّضع، ومن يضع نفسه يرتفع" [8-11].
هل يريد السيِّد المسيح منّا مجرّد إلغاء الألقاب "سيِّدي وأبي ومعلّمي" بالنسبة للأشخاص الروحيِّين؟ يقول السيِّد المسيح "لا تدعوا لكم أبًا على الأرض"، وكأنه أراد أن ينزع عنّا نظرتنا للقادة الروحيّين كآباء "على الأرض" أي حسب الجسد الترابي. فإن السيِّد المسيح إذ نزل إلينا على أرضنا حاملاً طبيعتنا، إنّما يريد أن تكون بصيرتنا منفتحة نحو السماء لا الأرض، وعلاقتنا بالجميع، وخاصة القادة الروحيّين، لا ترتبط بالأرض بل بالسماء، نتمتّع بهم في المسيح يسوع ربّنا، فلا نعرف لنا سادة أو آباء أو معلّمين أرضيِّين جسديّين خارج المسيح، إنّما نعرفهم كروحيّين فيه.
ففي الوقت الذي فيه يقول السيِّد "لا تدعوا لكم أبًا على الأرض" يقول الرسول: "لأنه وإن كان لكم ربوات من المرشدين في المسيح لكن ليس آباء كثيرين، لأني أنا ولدتكم في المسيح بالإنجيل" (1 كو 4: 15). إنه يعتزّ بأبوَّته لهم، لأنها "في المسيح بالإنجيل". مرّة أخرى لا يُحسب الرسول كاسرًا للوصيّة الإلهيّة حينما يعتزّ بدعوة أنسيموس ابنًا روحيًا له، إذ يقول:"أطلب إليك لأجل ابني أنسيموس الذي ولدته في قيودي... الذي هو أحشائي" (فل 10، 12). وبقوة الروح يدعو القدّيس يوحنا شعبه "يا أولادي" (1 يو 2: 1؛ 3 يو 4). خارج المسيح يفقد الكاهن أبوّته الروحيّة، وتصير دعوته أبًا اغتصابًا، أمّا في المسيح فيحمل أبوة الله لأولاده، مختفيًا وراء الله نفسه، فيقدّم لهم ما هو لله لا ما هو لذاته.
وما قلناه عن الأبوة نكرّره بخصوص دعوة القادة الروحيّين "معلّمين"، فقد حذَّرنا السيِّد: "لا تدعوا معلّمين لأن معلّمكم واحد المسيح"، لا لنفهمها حرفيًا، وإنما لكي لا نقبل من إنسانٍ تعليمه الذاتي، فلا ندعوه معلّمًا مباشرًا لنا، وإنما نقبله فقط متى جاءنا مختفيًا في تعليم المسيح الحق، فلا يُعلّم من عنديَّاته بل يُعلن كلمة المسيح وإنجيله وشهادته وحياته. لهذا يقول السيِّد نفسه لتلاميذه: "فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم... وعلِّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به، وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر" (مت 28: 20). أعطاهم حق التعليم بقوله: "علّموهم" فيُدعون معلّمين لكن لا يعلِّمون خارج المسيح بل "جميع ما أوصيتكم به"، خلال حلوله فيهم "ها أنا معكم". إنهم معلّمون حقيقيُّون ماداموا يعملون لحساب السيِّد وباسمه، وليس لحسابهم الخاص ومن عنديّاتهم.
لا يُحسب كسرًا للوصيّة أن يؤكّد الرسل وجود معلّمين في الكنيسة ماداموا مختفين في الرب. يقول الرسول: "أم المعلّم ففي التعليم" (رو 12: 7)، ويلقب نفسه معلّمًا: "الذي جُعلت أنا له كارزًا ورسولاً ومعلّما للأمم" (2 تي 1: 11).
هكذا أيضًا بالنسبة لدعوة الآخرين "سيِّدي"، فمن جهة وجود سادة لوجود فوارق طبقيّة وُجدت في ذلك الحين، فإن الرسل وضعوا بروح الإنجيل وبوحي الروح القدس وصايا للسادة والعبيد لا لتأكيد الفوارق وإنما للشهادة للحق، وإعلان روح الأخوة عند السادة نحو العبيد وروح الخضوع لدى العبيد نحو سادتهم لكن في الرب. وفي هذا كلّه يتصرَّف الجميع خلال منظار السيِّد المسيح (أف 6: 5-9، كو 3: 22، 1 بط 2: 18). خلال هذا الروح أمكن للبشريّة أن تحطِّم الرقيق ويتقبّل الناس بعضهم البعض إخوة، أعضاء لبعضهم البعض. أمّا بالنسبة للقادة الروحيّين فقد أراد السيِّد المسيح ألا يعطي لهم سلطان على الشعب اللهمّ إلا في الرب بالروح القدس. فالرسول بولس إذ يكتب إلى القدّيس فليمون يقول له بسلطان ولكن في الرب: "وإن كان لي بالمسيح ثقة كثيرة أن آمرك بما يليق، من أجل المحبّة أطلب.. حتى لا أقول أنك مديون لي بنفسك أيضًا" (فل 8-9، 19)... إنه سيّد له أن يأمر، لكنّه يسأل خلال المحبّة.
لم يتحرَّج الرسولان بولس وسيلا حين قال سجّان فيلبي لهما: "يا سيّديَّ ماذا ينبغي أن أفعل لكي أخلص؟" (أع 16: 30)، إذ لم يكن هذا اللقب تملقًا... إنّما إدراكًا لسلطانهما في الرب. أمّا الرسولان فلم يهتمّا باللقب، وإنما بخلاص الرجل وأهل بيته. عندما يسود روح "الحياة الروحيّة الملتهبة" لا يكون للألقاب خطورتها على حياة الراعي، لأن شوقه لخلاص كل نفس يملأ قلبه، فلا يجد الرياء أو الكبرياء موضعًا فيه.
في اختصار نقول أن السيِّد المسيح لم يقصد إلغاء الألقاب بمفهوم حرفي قاتل، لكنّه أراد أن نلتقي بالقادة الروحيّين خلاله شخصيًا، نقبلهم فيه كروحيّين سمائيّين، ولا نرتبط بهم خلال التملق والمجاملات. لهذا يكمِّل: "وأكبركم يكون خادمًا لكم، فمن يرفع نفسه يتّضع ومن يضع نفسه يرتفع" [11-12]. الخطورة أن يسعى القادة إلى العظمة عِوض الخدمة، فيرتفعون بأنفسهم ليسقطوا، أمّا القائد المتّواضع فإن الألقاب لا تزيده إلا شعورًا بالانسحاق وإحساسًا بالمسئوليّة واتّساعًا لقلبه لخدمة الجميع من أجل الرب لا الناس.
يقول القدّيس جيروم: [هناك فارق كبير بين دعوة إنسان كأبٍ أو معلّمٍ بالطبيعة وبين أن يكون ذلك للمجاملة. عندما ندعو إنسانًا أبًا يكون في ذلك إكرام وتوقير من أجل سنّه. وعندما ندعوه معلّما بكونه يشترك مع المعلّم الحقيقي.]
3. ظُلم الآخرين مع ممارسة العبادة
يمتد الرياء لا ليسحب الخادم إلى الأمجاد الزمنيّة الباطلة فحسب، وإنما ليظلم الأرامل والمحتاجين من أجل إشباع نفسه، مغطِّيًا تصرفاته هذه بشكليِّات من العبادة وإطالة في الصلوات.
"لكن ويل لكم أيها الكتبة والفرّيسيّون المراءون، لأنكم تغلقون ملكوت السماوات قدام الناس، فلا تدخلون أنتم ولا تدعون الداخلين يدخلون. ويل لكم أيها الكتبة والفرّيسيّون المراءون، لأنكم تأكلون بيوت الأرامل ولِعلّه تُطيلون صلواتكم، لذلك تأخذون دينونة أعظم" [13-14].
هكذا إذ تتضخَّم الأنا ego لا يطلب الراعي الكرامات فحسب، وإنما يجري وراء الماديَّات على حساب شعبه فيمتلئ، ولا يقدر أن يدخل طريق الملكوت الكرب خلال الباب الضيِّق، بل يقف خارجًا ليسد الطريق أمام الآخرين، فيتعثّر ويُعثِر. وكما قال النبي: "وكما يكمن لصوص لإنسان كذلك زمرة الكهنة في الطريق يقتلون نحو شكيم" (هو 6: 9).
يقول القدّيس جيروم: [على أي الأحوال المعلّم الذي يُعثِر تلاميذه بأعماله الرديئة يغلق ملكوت السماوات أمامهم.]
4. إعثار الدخلاء
"ويل لكم أيها الكتبة والفرّيسيّون المراءون، لأنكم تطوفون البحر والبرّ لتكسبوا دخيلاً واحدًا، ومتى حصل تصنعونه ابنًا لجهنم أكثر منكم مضاعفًا" [15].
يبذل المرائي الكثير محتملاً مشقَّات السفر والحرمان ليكسب دخيلاً واحدًا، لكنّه إذ يدخل به إلى الإيمان يكتشف الدخيل فيه رياءه، فيتحطَّم إيمانه فيه. إنه يدرك عن قرب ثوب معلّمه المزيف، فلا يعود ينظر إلى كلماته، بل يتطلّع إلى أعماله الخفيّة الشرّيرة، فيترك الإيمان بلا رجعة، إذ لا يعود يفتح باب قلبه لكارزٍ آخر يشهد له عن الإيمان، حتى وإن كان الأخير رجلاً مباركًا، فإن الخبرة الأولى قد حطَّمت الدخيل. وربّما يسلك الدخيل طريقًا آخر، فإنه وإن كان لا يرتدّ عن الإيمان علنًا، لكنّه يرتدّ بسلوكه العملي، إذ يشرب من معلّمه مياه الرياء ليسلك بروحه وربّما بصورة أشد، وفي الحالتين يزج المرائي بالدخيل إلى نيران الظلمة الأبديّة.
ويُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على العبارة السابقة، قائلاً: [هنا يصدر الاتهام في أمرين: الأول عدم نفعهم في خلاص الكثيرين إذ يحتاجون إلى أتعاب كثيرة ليربحوا شخصًا واحدًا، والثاني الإهمال في حفظ من كسبوه. فإنهم ليس فقط يتَّسِمون بالإهمال بل والخيانة، إذ يفسدونه بحياتهم الشرّيرة ويجعلونه أشرّ منهم فلا يقف (الدخيل) عند شرّ معلّمه. فإنه إن رأى معلّمه إنسانًا فاضلاً يتمثل به، أمّا إن رآه شريرًا فيتعدَّاه في الشرّ بسبب الميل الطبيعي للإنسان نحو الشرّ.]
وكما يقول القدّيس جيروم: [كانوا يجتهدون ليصنعوا دخيلاً واحدًا من الشرفاء، يضمّونه إلى شعب الله... لكنّه إذ كان ينظر إلى معلّميه فيُدرك أن أعمالهم تهدم تعاليمهم يرجع إلى قيئه، وبعودته أمميًا يُحسب جاحدًا فيستحق عقابًا أشد ممّا كان عليه قبل قبوله الإيمان.]
5. النظرة الماديّة في العبادة
يفسد الرياء المعلّمين فعِوض أن يحكموا روحيًا حتى في الأمور الماديّة، إذا بهم يحكموا بمنظار مادي حتى في الروحيّات. فيرون في ذهب الهيكل أنه أفضل من الهيكل، والقربان أثمن من المذبح، فمن يُقسِم بذهب الهيكل أو القربان يلتزم بالقسَم أو من يقسِم بالهيكل نفسه أو المذبح فليس بشيءٍ. هكذا إذ تَظْلَمْ البصيرة الداخليّة ويصيبها العمى تنجذب النفس إلى المقدّسات لتطلب الماديَّات فحسب.
يرى القدّيس جيروم: [أنهم يسلكون لا بمخافة الله بل بالرغبة في الغنى]، فالذي يحلف بالذهب أو القربان يلتزم بدفع الذهب وتقديم القربان الأمر الذي ينتفع منه الكهنة، لكن من يحلف بالهيكل أو المذبح ويحنث بالقسم فلا يشغل قلبه في شيءٍ.
6. حرفيُّون في الوصيّة بلا روح
يظهرون في تنفيذ الوصيّة كمدقِّقين للغاية، فيُعشِّرون النِعناع والشبَت والكمُّون الخ. الأمور التي ربّما تُزرع بكميَّات قليلة جدًا في المنازل للاستعمال الشخصي، لكنهم يتركون أثقل الناموس: "الحق والرحمة والإيمان". من أجل المظهر يتمِّمون الأمور التافهة تحت ستار التدقيق، أمّا جوهر الوصيّة الخفي فلا يمسُّونه. يحملون في قلوبهم الكراهيّة والبُغضة والحسد، ويتخلُّون عن الحق والرحمة والإيمان. لكنهم يظهرون كمُحبِّي الحق والمدافعين عنه، أنقياء لا يظلمون أحدًا وأطهارًا، فيُصفُّون عن البعوضة، مع أنهم في الداخل يبلعون الجمل، وكما يقول السيِّد: "أيها القادة العميان الذي يُصفّون عن البعوضة ويبلعون الجمل" [24].
يرى القدّيس جيروم في ذلك جشع للقادة اليهود فإنهم يهتمّون بالعشور حتى بالنسبة للخضروات ذات القيمة البسيطة لأنها تدخل إلى بيوتهم، أمّا الوصايا الخاصة بالرحمة تجاه الفقراء والأرامل والأيتام ومحبّة الله فيتهاونون فيها. وكما يقول القدّيس كيرلّس الكبير: إنهم يدقّقون في الوصيّة التي تحقّق هدفهم المادي وجشعهم ويتهاونون في الوصيّة التي تمسّ علاقتهم مع الله وحياتهم الروحيّة، مع أن كسر أيّة وصيّة إنّما هو كسر للناموس كله. إذ يقول: "عصيان وصيّة واحدة هو عصيان للناموس" (يع 2: 10)، إذ يجعله بلا ناموس. فإن تجاهل أحد هذه الوصايا خاصة الهامة منها، فأيّة كلمات يجدها قادرة أن تُخلِّصه من العقوبة التي يستحقَّها؟! هذا ما اِستحقَّه الفرّيسيّون من توبيخات قاسية إذ حَكم عليهم الرب: "ويل لكم أيها الفرّيسيّون لأنكم تُعشِّرون النَعنع والسَذاب وكل بَقْل وتتجاوزون الحق ومحبّة الله" (لو 11: 42). فإذ هم طامعون أكثر من غيرهم ومشغوفون بالربح القبيح أمروا بضرورة ملاحظة شريعة العشور بدقّة وحرفيّة حتى لا يحذفوا من حساباتهم أقل الأمور والبقول التي بلا ثمن، بينما يتجاهلون ما كان يجب مراعاته من وصايا هامة أعطيت بواسطة موسى مثل الحق الذي يحقّق العدالة في الحكم ومحبّة الله. لقد وبَّخهم الروح بصوت داود: "الله قائم في مجمع الآلهة يقضي وسط الآلهة، حتى متى تقضون جورًا، وترفعون وجوه الأشرار؟!" (مز 82: 1). كما اتَّهمهم على لسان إشعياء: كيف صارت المدينة الأمينة صهيون زانية، ملآنة حقًا كان العدل يبيت فيها وأما الآن فقاتلون؛ صارت فضتك زَغْلاً، ويخلِط تُجَّارك الخمر بالماء، رؤساؤك متمرِّدون وشركاء اللصوص، كل واحد منهم يحب الرشوة ويتبع العطايا، لا يقضون لليتيم ودعوى الأرملة لا تصل إليهم. فإن القضاء بالجور ليس من عمل محبِّي الإخوة.
ويُعلّق القدّيس أمبروسيوس على دعوة الفرّيسيّين "عميانًا" موضّحًا أنهم بلا عذر فقد رأوا السيِّد المسيح لكن حسب الجسد ببصيرة روحيّة عمياء، إذ أظْلم الرياء وحرفيّة العبادة قلوبهم، قائلاً: [لم يبصِره اليهود مع أنهم رأوه.] غير أن رجال الإيمان من أسلافهم لم يروا الرب بالجسد، لكنهم عاينوه روحيًا، إذ لهم البصيرة المستنيرة، لهذا يقول الكتاب أن الشعب كان يرى صوت الله (خر 2: 18). ويُعلّق القدّيس، قائلاً: [من الواضح أن الصوت يُسمع ولا يُرى، فما الصوت إلا موجات تسمعها الأذن ولا تراها الأعين. هذه فكرة عميقة دفعت موسى ليؤكّد أن الإنسان يرى صوت الرب، يراه داخل القلب حيث يشخص إليه بعينيّه (الداخليّتين)... رآه إبراهيم كما هو مكتوب: "إبراهيم تهلّل بأن يرى يومي" (يو 8: 56).. رأى الرب مع أنه بالتأكيد لم ينظره بالجسد... الذين صرخوا: أصلبه، أصلبه، لم يروه، "لأنهم لو عرفوا رب المجد لما صلبوه" (1 كو 2: 8).]
7. شكليُّون في العبادة بلا حياة
من أجل الناس يظهرون كمدقِّقين، ليس فقط في تنفيذ الوصيّة، وإنما في الطقس أيضًا، فيهتمّون جدًا بنقاوة الكأس والصحفة من الخارج، ولا يبالون بما يحملونه في الداخل غير المنظور، فصاروا أشبه بالقبور الجميلة المبْيَّضة من الخارج ومن الداخل مملوءة نتانة وكل نجاسة.
حقًا ما أخطر أن يهتمّ الإنسان بشكليّات العبادة الخارجيّة دون أن يلتقي بالسيِّد المسيح نفسه جوهر عبادتنا وسرّ حياتنا، فتصير العبادة ليست كأسًا للخلاص، وإنما يحمل موتًا للنفس وضيقًا للجسد. وتتحوّل حياة الإنسان إلى قبر جميل من الخارج ينعته الناس بالجمال الروحي والنقاوة، إذ هو مبيَضّ بينما في داخله يحمل نفسًا ميّتة ونجاسة، وإذ لا يجد السيِّد المسيح فيها له مسكنًا. وكما يقول القدّيس جيروم: [كما أن القدّيس هو هيكل الله، هكذا الخاطي يُقيم من نفسه قبرًا.]
8. مقاومون للحق تحت ستار الدين
إذًا يهتمّ الكتبة والفرّيسيّون ببناء قبور الأنبياء ويزيِّنون مدافن الصدِّيقين، فإنهم بهذا العمل إنّما يشهدون عما فعله آباؤهم بالأنبياء والصدِّيقين، إذ قاوموهم وقتلوهم. وها هم يكمِّلون مكيال آبائهم مدبِّرين المؤامرات لقتل السيِّد المسيح نفسه. يخاطبهم القدّيس جيروم على لسان السيِّد المسيح، قائلاً: [املأوا بدوركم مكيال آبائكم، فما لم يحقّقوه هم أكملوه أنتم؛ هم قتلوا الخدّام، وأنتم تصلبون المعلّم. هم قتلوا الأنبياء وأنتم تصلبون ذاك الذي تنبَّأ عنه الأنبياء.]
هكذا يدفع الرياء الإنسان من عمل شرير إلى آخر حتى ينتهي بمقاومة الحق تمامًا، مقدّمين دم الأبرياء ثمنًا رخيصًا في أعينهم، إنه يُحذّرهم من هذا المرض الخبيث الذي هو الرياء، الذي دخل بهم إلى دوَّامة المظهر الباطل والكرامة الزمنيّة ليعبر بهم إلى اغتصاب حقوق الأرامل، متستّرين تحت لواء الكرازة، فيدخلون بالدخلاء إلى نار جهنّم، وتحت ستار الوصيّة يقدّمون ما هو ظاهر، ويكسرون جوهرها. هكذا يلتحفون بشكليَّات العبادة، فيحكمون على أنفسهم بالموت، متستِّرين بقبر أجسادهم، وأخيرًا ها هم يدبِّرون المؤامرات لقتل ابن الله الوحيد ثمنًا للحفاظ على كراسيهم وسلطانهم وكرامتهم، تحت ستار الدفاع عن مجد الله والناموس والأنبياء.
"أيها الحيّات أولاد الأفاعي،كيف تهربون من دينونة جهنّم؟ لذلك هأنذا أرسل إليكم أنبياء وحكماء وكتبة، فمنهم تَقتلون وتَصلبون، ومنهم تَجلدون في مجامعكم، وتَطردون من مدينة إلى مدينة. لكي يأتي عليكم كل دم زكي سُفك على الأرض، من دم هابيل الصدِّيق إلى دم زكريّا بن برخبا الذي قتلتموه بين الهيكل والمذبح" [33-35].
من هو زكريّا بن برخيا؟ يرى القدّيس جيروم أنه وجد في عصره ثلاثة آراء:
1. زكريّا النبي أحد الأنبياء الصغار، وإن كان اسم أبيه مطابقًا لكلمات السيِّد، لكن لم يذكر الكتاب شيئًا عن سفك دمه بين الهيكل والمذبح، خاصة وأن الهيكل في عصره كان مجرّد حطام.
2. زكريّا أب يوحنا المعمدان، قُتل بسبب نبوّته عن مجيء المخلّص، لكن القدّيس جيروم لا يقبل هذا الرأي.
3. زكريّا الذي قتله يوآش ملك يهوذا كما جاء في أخبار الأيام الثاني (24: 21)، لكن اسم أبيه كما جاء في الكتاب المقدّس هو يهوياداع. ويرى القدّيس جيروم أن برخيا تعني "بركة" أو "مبارك من الرب"، ويهوياداع تعني "قداسة"، وإن الشخص يحمل الاسمين، لذلك يحبذ القدّيس جيروم هذا الرأي.
9. الحكم بالخراب الأبدي
إذ تظاهروا بالغيرة على مجد الله والهيكل والناموس والأنبياء، متطلّعين إلى السيِّد كمقاومٍ لهذه جميعها، دفعوا أنفسهم مع الشعب إلى الخراب الأبدي بتشويههم للحق، فيحملون ثمر أعمالهم وأعمال آبائهم.
"الحق أقول لكم أن هذا كلّه يأتي على هذا الجيل. يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء والمرسلين إليها، كم مرّة أردتُ أن أجمع أولادك، كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها، ولم تريدوا. هوذا بيتكم يُترك لكم خرابًا. لأني أقول لكم أنكم لا ترونني من الآن حتى تقولوا مبارك الآتي باسم الرب" [36-39].
لقد بكى السيِّد على أورشليم عندما اقترب منها، وهو يقول: "إنك لو علمتِ أنتِ أيضًا حتى في يومك هذا ما هو لسلامك، ولكن الآن قد أُخفيَ عن عينيّك، فإنه ستأتي أيام ويحيط بك أعداؤك بمترسة، ويحدقون بك ويحاصرونك من كل جهة، ويهدمونك وبنيك فيك، ولا يتركون فيك حجرًا على حجر، لأنك لا تعرفي زمان افتقادك" (لو 19: 42-44). ويبقى السيِّد المسيح يبكي على كل نفس قبلته كأورشليم وصارت هيكلاً له ثم عادت فتنجَّست وقاومته. يقول العلاّمة أوريجينوس: [في الحقيقة نحن أورشليم التي بكاها يسوع... فبعد أن عرفنا أسرار الحق وكلمات الإنجيل وتعاليم الكنيسة، وبعد أن رأينا أسرار الرب نخطئ!... بكى على أورشليمنا فبسبب خطيّتها، إذ يحاصرها الأعداء، ويهدمون بنيها فيها، ولا يتركون فيها حجرًا على حجر. هذا ما يحدث الآن، فبعد أن يعيش إنسان في نسك كامل لسنين ينهزم أمام جاذبيَّة الجسد، ولا يقدر أن يحتمل مستلزمات الطهارة، فيتدنّس الإنسان ويعيش في عدم طهارة، وكأنه لا يُترك فيه حجر على حجر. وفي موضع آخر نقرأ: "كل بِرِّه الذي عمله لا يُذكر، في خيانته التي خانها وفي خطيّته التي أخطأ بها يموت" (خر 18: 14). هذه هي أورشليم التي يُبكى عليها.]
ويقول القدّيس كيرلّس الكبير: [ها أنت ترى أنه بالحقيقة غالبًا ما يطلب أن يمنحهم رحمته لكنهم رفضوا معونته، لذلك أدانهم قانون الله المقدّس، ونزعهم عن عضويَّة بيته الروحي.]
ويقول القدّيس جيروم: [أتيت كالدجاجة لأحميهم، لكنهم استقبلوني بالكراهيّة والغدر. جئت كأم وهم ظنّوا إني قاتلهم فقتلوني.]
ويرى القدّيس أغسطينوس أن السيِّد شبَّه نفسه بالدجاجة، لأنها إذ تحتضن بيضها أو يكون لها صغار يضعف جسمها جدًا ويسقط ريشها لاهتمامها بصغارها. وكأن في ذلك رمز لعمل السيِّد المسيح الذي نزل إلينا يحمل ضعفنا بحبّه ورعايته الإلهيّة.
من أقوال الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
الإصحَاحُ الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ
نطق يسوع بالويلات للكتبة والفريسيين (متى 23)
نطق المسيح بالويلات للكتبة والفريسيين مت23 + مر38:12-40 + لو45:20-47
الآيات (1-3): "حينئذ خاطب يسوع الجموع وتلاميذه. قائلاً على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون. فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه وافعلوه ولكن حسب أعمالهم لا تعملوا لأنهم يقولون ولا يفعلون."
بينما صوب الكتبة والفريسيين سهامهم ضد المسيح نجده في لطف يقول "كل ما قالوا لكم أن تحفظوه فإحفظوه" فهو يحث الشعب على الخضوع لهم، لا من أجل سلوكهم لكن من أجل كرسي موسى الذي جلسوا عليه، ومن أجل ناموس موسى الذي يشرحونه. والمقصود بكرسي موسى الذي جلسوا عليه أنهم تسلموا ناموسه لكي يسجلوه ويقرأوه ويفسروه. وكان من عادتهم أن يقرأوا التوراة من على المنبر كما فعل عزرا. ولكن للأسف كانوا يقدمون تعاليم موسى كوعظ جيد لكنهم لا ينفذونه (وهذا حال بعض الخدام). ونلاحظ أن الله أعطاهم عظات يقدمونها للشعب فكل عطية صالحة هي نازلة من فوق.. (يع17:1) وأن الله أعطاهم هذا كثمرة للكرسي الذي يجلسون عليه. لذلك علينا أن نسمع لمن يجلس على الكرسي فهو يخبرنا بكلام الله، والله يعطيه ليقول لنا. وللأسف فهؤلاء الكتبة والفريسيين لم يستفيدوا حتى مماّ قالوه. لذلك يدعو السيد الشعب أن يسمعوا لهم إذ أن الله أعطاهم ما يقولون، ولكن إذا رأوا في كلامهم ما يناقض الناموس فعليهم أن لا يعملوه فهم بتقليد أبائهم خالفوا الناموس (مت1:15-20+ يو10:5-17). وعلى الشعب أن لا يفعل ما يرونهم يعملونه من شرور. والمسيح أعطانا أن نتمثل ونقتدي بالله لا بإنسان "كونوا كاملين كما أن أباكم الذي في السموات هو كامل". فلا يصح أن نعمل الخطأ مبررين ذلك بأن هذا أو ذاك مهما كان منصبه يفعل هذا الخطأ.
آية (4): "فأنهم يحزمون أحمالاً ثقيلة عسرة الحمل ويضعونها على أكتاف الناس وهم لا يريدون أن يحركوها بإصبعهم."
الوصية في حد ذاتها ليست صعبة، وذلك لأن الله يعطي معونة على أن ننفذها ولكن لن يدرك هذا إلاّ من حاول تنفيذ الوصية. لذلك فالسيد يقول إحملوا نيري فهو هين وحملي فهو خفيف، والنير هو ما يربط ثورين يجران معاً والمعنى أن السيد يحمل معنا، بل هو يحمل كل شئ. وإذا وقف الإنسان ليحكم على الوصية يتصور أنها ثقيلة جداً، من يقدر أن ينفذها، والسبب أن الله غير مرئي ولكن الحمل مرئي وثقيل. ولكن من يحاول أن يزحزح هذا الحمل حتى بأطراف أصابعه سيجد أن الحمل خفيف فالله هو الذي يحمل عنه. وهؤلاء المعلمون اليهود لم يختبروا هذا ولذلك فهم يتصورون أن الوصايا ثقيلة عسرة ويعلمون الناس هذا، أمّا المعلم المختبر الذي عَرِف معونة الله ولذة الوصية يكون تعليمه مشوقاً للناس لأنه هو نفسه قد إختبر (تث11:30-14).
آية (5): "وكل أعمالهم يعملونها لكي تنظرهم الناس فيعرضون عصائبهم ويعظمون أهداب ثيابهم."
ترك معلمي اليهود الإهتمام بتنفيذ الوصايا إلى الإهتمام بالمظهريات وماذا يقول عنهم الناس. طلبوا الزينة الخارجية التي تخفي حياة داخلية فارغة بلا عمل. وهكذا كل مرائي يهتم بما يجلب له المديح غير مهتم بحقيقة حياته الداخلية وخلاص نفسه. والعصائب= عندما أعطى الله شريعته لموسى أوصى "أربطها علامة على يدك ولتكن عصائب بين عينيك (تث8:6) والمعنى ليكن كل عمل تعمله بيدك هو بحسب وصاياي، وتأملها بعينيك نهاراً وليلاً. ولكن الفريسيين فسروا الوصية حرفياً وكتبوا الوصايا العشر وبعض من كتابات موسى ووضعوها على أربطة صغيرة من الجلد ويطوونها على أياديهم اليمنى وعلى رؤوسهم (يربطونها كما نلبس الساعة الآن) ويربطونها على جباههم، متصورين أنها تعطيهم حماية خاصة، ولم يفهموا أنه يجب حمل الوصية في القلب (هم تعاملوا مع العصائب كما يعمل بعض الجهلة اليوم أحجبة تحميهم) بل صاروا يتنافسون في وضع عصائب أعرض= يعرضون عصائبهم يراهم الناس فيظنوا أنهم متمسكين بالناموس وتنفيذ الوصية أكثر من الجميع. ويعظمون أهداب ثيابهم= الأهداب هي حواشي إسمانجونية في أذيال ثيابهم تنفيذاً لما جاء في (عد38:15،39). وهي تذكرهم بأهمية تنفيذ الوصايا كمن يربط خيطاً على إصبعه ليتذكر شيئاً مهماً. والمقصود بهذا أن يظل لهم الفكر السماوي فاللون الإسمانجوني هو لون أزرق سماوي، وأذيال الثياب تحتك بالأرض عند السير والمقصود أننا في أثناء إحتكاكنا بالعالم يجب أن يكون لنا الفكر السماوي. أمّا هم فطلبوا الكرامة الزمنية. ولنعلم أن كل من يسلك لكي ينظره الناس هو فريسي ينطبق عليه كلام السيد هنا.
الطيالسة (مرقس ولوقا) هي ملابس فضفاضة طويلة تشبه ملابس الملوك ليجذبوا احترام الناس.
الآيات (6،7): "ويحبون المتكأ الأول في الولائم والمجالس الأولى في المجامع. والتحيات في الأسواق وأن يدعوهم الناس سيدي سيدي."
هؤلاء عوضاً أن يقدموا للناس خدمة في محبة مهتمين بالضعيف طلبوا الأماكن الأكثر كرامة. وكانوا يطلبون أن الشعب حين يراهم من مسافة يبدأ الشعب في عمل حركات كلها تواضع أمامهم لإعلان كرامتهم. والمسيح فعل عكس هذا إذ غسل أرجل تلاميذه، هو أتى ليَخْدِمْ لا ليُخْدَمْ.
الآيات (8-12): "وأما انتم فلا تدعوا سيدي لأن معلمكم واحد المسيح وانتم جميعاً اخوة. ولا تدعوا لكم أباً على الأرض لأن أباكم واحد الذي في السماوات. ولا تدعوا معلمين لأن معلمكم واحد المسيح. وأكبركم يكون خادماً لكم. فمن يرفع نفسه يتضع ومن يضع نفسه يرتفع."
هل يريد السيد أن نكف عن إستخدام الألقاب سيد/ أب/ معلم؟! بالنسبة للأشخاص الروحيين؟ قطعاً لا يمكن أن نفهم هذا بمفهوم حرفي:-
1- بولس دعا نفسه أب (1كو15:4 + فل10،11+ 1يو1:2+ 3يو4). ولكن نفهم من كلام بولس "لإني أنا ولدتكم في المسيح بالإنجيل" معنى الأبوة المطلوبة فخارج المسيح يفقد بولس أبوته، ويفقد الكاهن أبوته، وتصير دعوته أباً إغتصاباً أمّا في المسيح فيحمل أبوة الله لأولاده، يحمل لهم ما هو لله لا ما هو لذاته.
2- بولس دعا نفسه معلم وقال إن الله وضع للكنيسة معلمين (رو7:12+ 2تي11:1) وبنفس المفهوم نقبل المعلم المختفي في الرب. فالمعلم الحقيقي يُعَلِّم لحساب مجد الله.
3- قبل بولس الرسول من سجان فيلبي هو وسيلا قوله يا سيدي (أع30:16) والمهم أنهما لم يهتما باللقب بل بخلاص نفس الرجل وأهل بيته. والله أعطى للقادة الروحيين سلطان بالروح القدس ليدبروا أمور الكنيسة بالمحبة. (فل8،9،19).
4- عندما يكون القائد له حياة روحية لن يهتم باللقب إنما بخلاص النفوس. ولن يكون للألقاب خطورتها على حياته، فشوقه لخلاص كل نفس يملأ قلبه فلا يجد الرياء أو الكبرياء موضعاً فيه، بل تزيده الألقاب إنسحاقاً وإحساساً بالمسئولية. ولا يشعر في نفسه سوى أنه خادم للكل كما قال السيد على نفسه.
5- المسيح لا يقصد إلغاء الألقاب بل أراد أن نلتقي بالقادة الروحيين خلاله شخصياً، ولا نرتبط بهم خلال التملق والمجاملات.
6- إذا فهمنا هذا الكلام حرفياً فهل لا أقول لأبي الجسدي يا أبي وأقول له يا أخي. إعتماداً على قول المسيح هنا "وأنتم جميعاً إخوة". وهل لن يتعارض هذا مع وصية أكرم أباك وأمك.
7- والمسيح يحذر هنا من أن يرتفع القادة ويسعون للعظمة فيسقطون.
آية (13): "لكن ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تغلقون ملكوت السماوات قدام الناس فلا تدخلون انتم ولا تدعون الداخلين يدخلون."
هذا الويل الأول هو في مقابل التطويب الأول "طوبى للمساكين بالروح لأن لهم ملكوت السماوات" أمّا هؤلاء المتكبرين فهم يغلقون ملكوت السموات أمام الناس. هم أغلقوا الباب أمام الناس بكبريائهم وبعدم تنفيذ الوصايا التي يعلمونها لهم، أي بسلوكهم الخاطئ. وكانوا يقدمون مفتاح للكتبة عند قبولهم وظيفتهم. والسيد يقصد أن يقول أنه عوضاً عن أن تفتحوا للناس باب ملكوت السموات بأن تفتحوا عقولهم وقلوبهم فيقبلون الله، فأنتم أغلقتم هذا الباب (لو52:11). ولو كنتم متضعين ومساكين بالروح لكان الروح القدس ملأكم وكان تعليمكم قد فتح لهم ملكوت السموات، ولكم أيضاً.
آية (14): "ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تأكلون بيوت الأرامل ولعلة تطيلون صلواتكم لذلك تأخذون دينونة اعظم."
هم أصبحوا لا يبحثون سوى عن أنفسهم ويجرون وراء الماديات ليس من الأغنياء فقط، بل من بيوت الأرامل (كانوا يصلون ويطيلون صلواتهم في بيت الميت ليأخذوا أجراً كبيراً من أرملته)، هم طلبوا الكرامة أولاً والآن يطلبون الأموال حتى إن صار في هذا ضيق وحزن في بيوت الأرامل والأيتام. ونقارن هذا مع التطويب الثاني "طوبى للحزانى. لأنهم يتعزون". وبينما كان واجب هؤلاء الخدام أن يعزوا الأرامل أكلوا بيوت الأرامل. وبأعمالهم الرديئة هذه اعثروا الناس. في الويل الأول نجدهم متعظمين بمعارفهم وعلمهم فأغلقوا باب المعرفة على الناس. وفي الويل الثاني نجدهم متعظمين بأموالهم فأغلقوا باب التعزية على الناس الحزانى. ونلاحظ أن المسيح لا يهاجم الصلوات الطويلة، بل العلة في إطالة الصلوات.
آية (15): "ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تطوفون البحر والبر لتكسبوا دخيلاً واحداً ومتى حصل تصنعونه ابناً لجهنم اكثر منكم مضاعفاً."
كانوا يتعبون ليكسبوا دخيلاً يدخل للإيمان اليهودي، ولكن هذا الدخيل حينما يدخل ويرى ريائهم، يتعلم هذا الرياء، وهو إذ لم يرى نموذج طيب يحتذى به يرتد لوثنيته ويصبح أسوأ حالاً فهو تعلم ريائهم وصار مرتداً عن الإيمان وقد عاد لقيئه ووثنيته، وهذا حتى إن جاءه رجل فاضل مبارك يدعوه للإيمان بعد ذلك فمن المؤكد أنه سيرفض إذ صار يشك في الجميع وبهذا يصير حاله أردأ ويصير إبناً لجهنم أكثر. وكان اليهود يحاولون زيادة المؤمنين ويطوفون البر والبحر ليأتوا بمؤمنين ليزداد عددهم ويزداد عدد المقاتلين فيرثوا أرض كنعان بل يمتدوا إلى أكثر. والمسيح في التطويب الثالث المقابل لهذا الويل الثالث يقول أن الودعاء هم الذين يرثون الأرض، وليس هؤلاء المتكبرين المتغطرسين المرائين.
الآيات (16-22): "ويل لكم أيها القادة العميان القائلون من حلف بالهيكل فليس بشيء ولكن من حلف بذهب الهيكل يلتزم. أيها الجهال والعميان أيما اعظم الذهب أم الهيكل الذي يقدس الذهب. ومن حلف بالمذبح فليس بشيء ولكن من حلف بالقربان الذي عليه يلتزم. أيها الجهال والعميان أيما أعظم القربان أم المذبح الذي يقدس القربان. فان من حلف بالمذبح فقد حلف به وبكل ما عليه. من حلف بالهيكل فقد حلف به وبالساكن فيه. ومن حلف بالسماء فقد حلف بعرش الله وبالجالس عليه."
يفسد الرياء بصيرة المعلمين فعوض أن يحكموا روحياً في أمور الماديات إذ بهم يحكمون بمنظار مادي حتى في الروحيات. فيرون في ذهب الهيكل أنه أفضل من الهيكل، والقربان أثمن من المذبح. فالذي يحلف بالذهب يلتزم بدفع ذهباً لو حنث في قسمه. هذا ليشجعوا الشعب أن يأتوا للهيكل بذهب يستفيدوا هم به. والهيكل مدشن بالزيت المقدس وهو لله لذلك فهو الذي يقدس الذهب. والمذبح كل ما يسمه يكون مقدساً (خر37:29). ومن أقسم بالقربان يلتزم بدفع قرابين. أمّا من يحلف بالمذبح ويحنث في قسمه فلا يشغل قلبهم في شئ. هؤلاء لا يهتمون بمجد الله بل بشبع بطونهم وإمتلاء خزائنهم. والمفهوم طبعاً ما يقدمه السيد هنا أن من يحلف بالمذبح فهو يحلف بكل ما عليه من قرابين وذبائح ونار مقدسة، وفوق الكل بالله. فالمذبح يخص الله نفسه والمفهوم أن كل الأقسام ملزمة ولا معنى لوضع هذه الفروق، وأن كل قسم من أي شخص هو إلتجاء إلى الله. وفي مقابل هؤلاء الجوعى للأمور المادية من ذهب وأموال وكل ما يشبع بطونهم يقدم المسيح التطويب الرابع "طوبى للجياع والعطاش إلى البر لأنهم يشبعون". هذا في مقابل الويل الرابع للجياع للمادة والعالم والغنى والطمع.
الآيات (23،24): "ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تعشرون النعنع والشبث والكمون وتركتم اثقل الناموس الحق والرحمة والإيمان كان ينبغي أن تعملوا هذه ولا تتركوا تلك. أيها القادة العميان الذين يصفون عن البعوضة ويبلعون الجمل."
الويل الخامس لهم إذ هم يظهرون كمدققين للغاية فيعشرون النعناع والشبث والكمون وهي نباتات تزرع بكميات صغيرة في حدائق البيوت. وتدقيقهم هذا هو لصالحهم، فهم يركزون في تعاليمهم على دفع العشور مهما كانت قليلة كالنعنع والشبث والكمون، والمعنى الاهتمام بالعشور كلها لأن هذا سيعود عليهم بالفائدة، فالدقيق هنا في وصية العشور ليس هدفه مجد الله بل مصالحهم الشخصية. وبينما يفعلون هذا أهملوا أهم وصايا الناموس "الحق والرحمة والإيمان" لم يوصوا الشعب بالرحمة تجاه الأرامل والأيتام والفقراء فهذا لن يعود عليهم بمنفعة. ولذلك نجد التطويب الخامس المقابل لهذا الويل الخامس، طوبى للرحماء لأنهم يرحمون.
تعملوا هذه= تدفعون العشور في كل شئ. ولا تتركوا تلك= الرحمة. إذاً ليس معنى كلام المسيح عدم دفع العشور بل الإهتمام بالرحمة. يصفون عن البعوضة= يصفون مشروباتهم لئلا يكون بها بعوضة تنجسها، والبعوضة هي أصغر الحشرات النجسة أي التدقيق في الأمور الصغيرة. ويبلعون الجمل= الجمل هو من الحيوانات النجسة وهو أكبرها والحيوانات النجسة تشير للخطايا. والمقصود أنهم يقبلون أعظم الخطايا إن كان في هذا مصلحة لهم. أيها القادة العميان= هم رأوا البعوضة ولكنهم لم يروا الجمل. وهم كان السيد المسيح أمامهم وبسبب بصيرتهم العمياء وحسدهم وطمعهم لم يروه ولا عرفوه بل صلبوه، لقد أظلم الرياء وحرفية العبادة عيون قلوبهم.
الآيات (25،26): "ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تنقون خارج الكأس والصحفة وهما من داخل مملوءان اختطافاً ودعارة. أيها الفريسي الأعمى نق أولاً داخل الكأس والصحفة لكي يكون خارجهما أيضاً نقياً."
هنا يلومهم السيد أنهم يتمسكون بمظهر التقوى مثل كأس أو صحفة ينظفانها من الخارج دون الداخل، والمقصود الممارسات الطقسية التي بلا روح وبلا توبة وبلا محاولة لتطهير القلب. هؤلاء يطهرون الجسد ولا يهتمون بقلوبهم. ومن الخطر أن يهتم أحد بشكليات العبادة الخارجية دون أن يلتقي بالسيد المسيح نفسه جوهر عبادتنا وهو الذي يطهرنا حقيقة. وفي مقابل هذا الويل السادس نجد التطويب السادس "طوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله" أمّا هؤلاء فلم يروا الله ولا عرفوه.
الآيات (27،28): "ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تشبهون قبوراً مبيضة تظهر من خارج جميلة وهي من داخل مملوءة عظام أموات وكل نجاسة. هكذا أنتم أيضاً من خارج تظهرون للناس أبراراً ولكنكم من داخل مشحونون رياء وإثماً."
كان لليهود عادة أن يغسلوا القبور قبل الفصح أولاً للزينة وثانياً حتى لا يحتك بها المارة فيتنجسون، وكانوا يدهنوها باللون الأبيض لتصير واضحة (راجع عد16:19). هنا يشرح السيد أن هؤلاء المظهريين صاروا أمواتاً. فكل من لا يتطهر من خطاياه تقتله الخطية "لك إسم إنك حي وأنت ميت" (رؤ1:3) والعكس فمن يقدم توبة كالإبن الضال يحيا "إبني هذا كان ميتاً فعاش". من يهتم بالظاهر والداخل ميت يكون كالقبر المبيض من الخارج له إسم أنه حي، والناس يمدحونه. بينما داخله ميتاً والله هو الذي يري الداخل (رؤ18:2،23). وفي مقابل هذا الويل نجد التطويب السابع "طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله". الإبن الضال بتوبته عاد لحضن أبيه فحصل على الحياة وصار إبناً لله.
الآيات (29-36): "ويل لكم ايها الكتبة والفريسيون المراؤون لأنكم تبنون قبور الأنبياء وتزينون مدافن الصديقين. وتقولون لو كنا في أيام آبائنا لما شاركناهم في دم الأنبياء. فانتم تشهدون على أنفسكم أنكم أبناء قتلة الأنبياء. فإملأوا انتم مكيال آبائكم. أيها الحيات أولاد الأفاعي كيف تهربون من دينونة جهنم. لذلك ها أنا أرسل إليكم أنبياء وحكماء وكتبة فمنهم تقتلون وتصلبون ومنهم تجلدون في مجامعكم وتطردون من مدينة إلى مدينة. لكي يأتي عليكم كل دم زكي سفك على الأرض من دم هابيل الصديق إلى دم زكريا بن برخيا الذي قتلتموه بين الهيكل والمذبح. الحق أقول لكم إن هذا كله يأتي على هذا الجيل."
ببنائهم لقبور الأنبياء فهم يشهدون أن أباءهم قتلة الأنبياء، وها هم يكملون مكيال أبائهم بتدبيرهم المؤامرات لقتل المسيح. وكان الأهم من بناء قبور للأنبياء أنهم يحفظون أقوالهم ويفهمونها، ولو كانوا قد فعلوا لعرفوا المسيح إذ هو هدف النبوات (رؤ10:19) "فإن شهادة يسوع هي روح النبوة". ونلاحظ تصاعد الخطايا فأولاً هم تكبروا وتعظموا (الويل الأول) ثم صاروا جشعين يأكلون أموال الأرامل (الويل الثاني) ثم صاروا سبب عثرة بريائهم للدخلاء (الويل الثالث) ثم إهتمامهم الكامل بالماديات حتى أنهم شوهوا التعاليم الروحية (الويل الرابع) ثم في سبيل إمتلاء بطونهم إهتموا بوصية العشور لأنهم يكسبون منها وسكتوا عن الخطايا الكبيرة التي كالجمل (الويل الخامس) ثم ريائهم (الويل السادس) وأخيراً وصلوا لحالة الموت الداخلي (الويل السابع) وماذا بعد ذلك إلاّ أنهم يقاومون الحق ويهدرون ويسفكون دماء الأبرياء وعلى رأسهم السيد المسيح (الويل الثامن) وفي مقابل هذا الويل نجد التطويب الثامن.. طوبى لكم إذا طردوكم وعيرَّوكم .. فإنهم هكذا طرودا الأنبياء الذين قبلكم. وهل نفلت من نار جهنم لو فقدنا التقوى الحقيقية. أيها الحيات= فالحيات تقتل حتى من لا يؤذيها وهي تزحف على الأرض إشارة للأفكار الأرضية فهو صلبوا المسيح وإضطهدوا تلاميذه. أولاد الأفاعي= فأبائهم أيضاً قتلوا الأنبياء.
ولنلاحظ أن كل إنسان مسئول عن نفسه، وهم غير مسئولين عن خطايا أبائهم، لكنهم إذ يعملون نفس الشئ= فإملأوا أنتم مكيال أبائكم، وهم ملأوه بشرورهم ثم بقتلهم للمسيح، هنا تأتي عليهم العقوبة وهي دينونة جهنم. والمسيح يخبرهم بأنه سيرسل لهم تلاميذه= أرسل إليكم أنبياء وحكماء.. ويتنبأ لهم بأنهم سيضطهدونهم= فمنهم تقتلون وتصلبون يا لمحبتك يا رب فقبل أن يعاقب وتخرب أورشليم يعطيهم فرصة أخيرة. وبسبب إستمرارهم في خطايا أبائهم سيعاقبون لأنهم لم يتعظوا بما حدث لأبائهم من مصائب بسبب خطاياهم. لذلك فعقوبة هؤلاء الأبناء أعظم= يأتي عليكم كل دم= أي عقوبة مضاعفة وهذا ما حدث في خراب أورشليم.
من هو زكريا بن برخيا: هناك 3 آراء:
1. هو زكريا النبي فإسمه فعلاً زكريا بن برخيا (زك1:1). ولكن الكتاب لم يذكر شيئاً عن أن دمه سفك بين الهيكل والمذبح.
2. هو أبو يوحنا المعمدان الذي إذ أتى إليه جنود هيرودس ليأخذوا يوحنا الطفل ليذبحوه، ذهب به للمذبح وقال من حيث أخذته أعيده. فخطفه ملاك الرب إلى البرية فقتل الجند زكريا.
3. إنه زكريا الذي قتله يوآش ملك يهوذا كما جاء في (2أي21:24). ولكن إسم أبيه يهوياداع. ويرى القديس جيروم أن برخيا تعني بركة ويهوياداع تعني قداسة. وأن الشخص يحمل الإسمين. وهذا هو الرأي الأصوب. فالمسيح ذكر هابيل كأول شهيد يذكر في الكتاب المقدس بسبب بره. وزكريا هو آخر شهيد يذكر في الكتاب المقدس، في العهد القديم (ونلاحظ أن الكتاب المقدس اليهودي ينتهي بسفري أخبار الأيام.) ويكون قصد المسيح أنهم يتحملون دم كل الشهداء الأبرياء الذين إحتواهم الكتاب المقدس، فهم أشر من أبائهم لقتلهم المسيح.
الحق أقول لكم إن هذا كلّه يأتي على هذا الجيل= وفعلاً فخراب أورشليم على يد تيطس الروماني سنة 70م تم بعد كلام السيد المسيح بحوالي 37سنة.
الآيات (37-39): "يا أورشليم يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم مرة أردت أن اجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا. هوذا بيتكم يترك لكم خراباً. لأني أقول لكم إنكم لا ترونني من الآن حتى تقولوا مبارك الآتي باسم الرب."
كم مرة أردت .. ولم تريدوا= لنلاحظ أن إرادتي يمكنها أن تعطل إرادة الله في أمر خلاص نفسي. فالله يريد أن الجميع يخلصون.. (1تي4:2). لذلك قال القديس أغسطينوس (الله الذي خلقك بدونك لا يستطيع أن يخلصك بدونك). والمسيح بكى على أورشليم إذ رأى مستقبلها وما سيحدث لها (لو42:19-44) ويبكي على كل نفس ترفضه لأنها ستهلك ويحاصرها الأعداء ويخربونها. هو أتى لأورشليم عارضاً رحمته وحمايته فرفضوه، فَخَرِبوا، وهو عارِضْ حمايته ورحمته لكل نفس ومن يرفض سيخرب. يبدأ بالتعليم والتطويب ومن يرفض تنصب عليه الويلات. هوذا بيتكم يترك لكم خراباً= لقد خرب الهيكل فعلاً وكل أورشليم وسيظل خرباً للنهاية وحتى يؤمنوا بالمسيح ويقولون مبارك الآتي بإسم الرب. النداء الذي رفضه اليهود يوم أحد الشعانين وجن جنونهم بسببه. وسيكون إيمان اليهود علامة نهاية الأيام. والسيد هنا يشبه نفسه بالدجاجة التي تحتضن بيضها حتى يفقس وتخرج الفراخ للحياة، فهو يريد الحياة لهذا الشعب، ولكن بإختيارهم. إنكم لا ترونني من الآن حتى.. تنطبق على كل منّا، فكل من يسبح الله يراه ويعرفه. ولكنها نبوة عن نهاية الأيام ومجيء المسيح الثاني. ولنلاحظ أن البيت تحول خراباً لأن الله تركه بسبب خطاياهم وهكذا كل نفس تخرب إذا إنغمست في الخطية والعكس إن تابت يعود لها الله وتراه.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثالث والعشرون
كبرياء الفرّيسيّين * شكلية العبادة
(1) التعليم والعمل به ( ع 1 - 4 ) :
ع 1 - 3 : هذه هى آخر عظات المسيح للجموع. وبعد ذلك ، كانت كل أحاديثه للتلاميذ. إحتمل المسيح مقاومات الكتبة والفرّيسيّين المتكبرين ، وكان يرد على أسئلتهم الخبيثة ، مستخدماً ذلك فرصة لتعليمهم مع كل الجموع. ولكنه ، إذ وصل للأسبوع الأخير من حياته على الأرض ، أراد كشف أخطائهم لعلهم يتوبون ، وحتى لا يقلدهم الشعب ، فيسقطون فى خطايا كثيرة. إئتمن الله الكتبة والفرّيسيّين على تعليم الشعب الوصايا والناموس ، فعلّموا كل شئ بالتدقيق ، ولكنهم عاشوا حياة بعيدة تماماً عن الوصايا. فنبّه المسيح تلاميذه والجموع أن يطيعوا كلام الله الذى يعلّم به الكتبة والفرّيسيّون ، مع الإحتراس الشديد ، حتى لا يقلّدوهم فى أعمالهم الخاطئة ، لأن الفرّيسيّين أهملوا تنفيذ وصايا الله.
ع 4 : " يحزمون " : يشبّه الوصايا بأحمال يربطها الفرّيسيّون معاً ، ويطالبون بها الشعب. " أحمالاً ثقيلة " : يشبّه الشعب بدواب ، يضع الفرّيسيّون الوصايا كأحمال ثقيلة على ظهورهم ، حتى تكاد الدواب أن تسقط تحتها وتفقد قدرتها على الحركة بها ، أى لا يستطيعون تنفيذها. " يحركوها بإصبعهم " : يرفضون تنفيذ أقل شئ منها. لأن الفرّيسيّين لا يجاهدون فى تنفيذ الوصايا ، أصبح كلامهم نظرياً ، ومطالبتهم الناس بتنفيذ الوصايا صارت ثقيلة ، ليس لأن الوصية ثقيلة فى حد ذاتها ، بل لأن التعبير عنها وتعليمها خاطئ ، فلا يشجعون الناس على تنفيذها ، وليست لهم خبرة فى كيفية التدرج فى تطبيق الوصايا والتغلب على المعوقات.
+ لا تعلّم شيئاً لغيرك لم تبدأ فى تنفيذه عملياً فى حياتك ، حتى تكون قد استفدت منه ، فيكون كلامك أكثر تأثيراً. ومن ناحية أخرى ، تكون قد تعلمت كيف تنفذه ، فترشد الناس بكلام واقعى عملى يناسب ظروف الحياة المحيطة بك وبهم.
(2) كبرياء الفرّيسيّين ( ع 5 - 12 ) :
ع 5 - 7 : لم يكتفِ الفرّيسيّون بعدم تنفيذ الوصايا فقط ، بل طلبوا الكرامة ومديح الناس ، فالناموس أمر أن تُكتب الوصايا بخط صغير على قطع جلدية وتوضع بين العينين ، أى تكون فى فكر الإنسان وأمام عينيه دائماً. أما هم ، فجعلوا هذه العصائب عريضة ، للتظاهر أنهم أكثر تمسكاً بالوصايا من غيرهم. أما الثياب ، فالله أمر أن توضع فى أهدابها ، أى ذيولها ، بعض الخيوط الأسمانجونية ، أى الزرقاء ، لتذكيرهم بالحياة السمائية. أما الفرّيسيّون ، فجعلوا هذه الأهداب كبيرة لإظهار تقواهم أكثر من غيرهم ؛ وهكذا رفضوا الإتضاع. إن العصائب المادية طمست ذهنهم وأبعدتهم عن الوصية ، والأهداب الطويلة العظيمة أسقطتهم فى الكبرياء ، وأعاقتهم عن السير فى الطريق الكرب ، أى الجهاد الروحى ، بل كانوا يطلبون المكان العظيم المتقدم فى الحفلات والولائم والمجامع. وعندما يمرون بالأسواق المزدحمة بالناس ، يحبون أن يعطيهم الناس تحيات المديح والتعظيم ، وينادونهم بألفاظ التكريم مثل سيدى ، وانشغلوا بهذا الكبرياء عن محبة الله وتنفيذ وصاياه. لذا حرص المسيح على الإتضاع فى كل سلوكه ، سواء فى عُرس قانا الجليل ، أو ميله للخفاء ، أو غسله أرجل التلاميذ. . .
+ على قدر اتضاعك ، ترى الله وتفهم وصاياه وتحبه. وعلى العكس ، إن طلبت مديح الناس ، تبتعد عن محبته ، لأنك تحب ذاتك بدلاً منه.
ع 8 : حذّر المسيح تلاميذه من محبة الرئاسة والسلطان ومديح الناس ، مطالباً إياهم بالإتضاع ، والشعور بأن كل من يرعونهم من الشعب هم إخوتهم ، والمسيح فقط هو المعلم والراعى. وليس المقصود لفظ سيد أو معلم حرفياً ، بل روح الكبرياء والسيطرة ، لأنه يوجد بالطبع فى المجتمعات المختلفة سادة وعبيد أو رئيس ومرؤوس ومعلمون ومتعلمون. ولكن الرئيس أو السيد أو المعلّم الروحى ، يأخذ سلطانه من المسيح ، ويعلّم تعاليم المسيح وليس تعاليمه الشخصية ، بدليل أن الكتاب المقدس فى العهد الجديد يدعونا لإكرام ذوى السلطات والخضوع لهم ( رو 13 : 1 - 2 ). كما يقول بولس الرسول عن نفسه أنه أب : " وإن كان لكم ربوات من المرشدين فى المسيح ، لكن ليس آباء كثيرون ، لأنى أنا ولدتكم فى المسيح يسوع بالإنجيل " ( 1كو 4 : 15 ). وأيضاً يدعو أنسِيمُس إبنه ، " أطلب إليك لأجل ابنى أنسِيمُس الذى ولدته فى قيودى " ( فل 1. ). أما القديس يوحنا الحبيب فيدعو شعبه أولاده ( 1يو 2 : 1 ، 3 : 18 ؛ 3يو 4 ). وبالنسبة للقب سيدى ، فلم يتحرّج بولس أو سيلا عندما قال لهما سجان فيلبى : " يا سيدىَّ ماذا ينبغى أن أفعل لكى أخلص ؟ " ( اع 16 : 30 ).
ع 9 - 10 : يطلب المسيح هنا من التلاميذ وخلفائهم الأساقفة الذين يرأسون الكنيسة ويُدعونَ آباء لها ، ألا يدعوا أحداً أباً لهم لأن الله هو أبوهم ، أى هم مسئولون عن قيادة الكنيسة. ولكن ليس المعنى الحرفى بل بالروح ، إذ يمكن أن يدعو الآباء آباءهم روحياً مثل أب الإعتراف ، بل بالإتضاع يتعلمون من كل الآباء الأساقفة والكهنة وآباءهم الجسديين. والعهد الجديد يقدّر وجود معلمين ، فيقول : " المعلم ففى التعليم " ( رو 12 : 7 ). والخلاصة هى ألا ينفردوا بالسلطة والتعاليم من ذواتهم ، بل بسلطان الله وكلامه ، ولا ينقادون وراء أحد الآباء إذا كان يعلّم تعاليم خارجة عن الكنيسة والمسيح ، مثل الهراطقة.
ع 11 - 12 : ثم يدعوهم بوضوح إلى الإتضاع أمام بعضهم البعض ، ومن يتضع يمجده الله ويرفعه ، أما من يتكبر فيسقط من نظر الله ويرذله.
(3) تعطيل الآخرين وإعثارهم ( ع 13 - 15 ) :
ع 13 : " المراؤون " : تتظاهرون بقيادة الشعب لعبادة الله ، مع أنكم فى الحقيقة تبعدونهم عن الإيمان بالمسيح ، وعن السلوك بروح الوصية. أغلق الفرّيسيّون ملكوت السماوات أمام أنفسهم بكبريائهم وسطحيتهم وابتعادهم عن تنفيذ الوصايا ، وأغلقوه أيضاً فى وجه الشعب بأن جعلوا الوصايا صعبة فى نظرهم ، إذ حمّلوهم أحمالاً عثرة الحمل ، كما أعثروهم بسلوكهم الخاطئ ، فأبعدوا الناس عن الحياة الأبدية.
ع 14 : " لعلة " : أى لسبب وغرض شخصى ، فبإطالتهم الصلاة ، يثق الناس فيهم ويعطونهم الوصاية على أموال الأرامل ، ولكنهم للأسف لا يكونون أمناء عليها ، بل لطمعهم ، يسرقون منها لمنفعتهم الشخصية. إمتد رياء الفرّيسيّين ، فلم يكتفوا بتعطيل الآخرين عن دخول الملكوت ، بل تمسكوا بمظهر الصلاة وإطالتها لينالوامديح الناس ، وليس حباً لله. وامتلأ قلبهم بمحبة المال ، حتى أنهم استغلوا الضعفاء مثل الأرامل وظلموهن وأخذوا أموالهن ، ولم يشعروا أن هذا استغلال وظلم ، لإنهماكهم فى محبة المال والكبرياء.
ع 15 : " البحر والبر " : أى اجتهاد عظيم لجذب إنسان إلى الإيمان اليهودى. " دخيلاً " : وثنياً يدخل إلى الإيمان اليهودى. " ابناً لجهنم " : يستحق العذاب الأبدى. " مضاعفاً " : أى عذابه أكبر فى الأبدية ، لأنه ، بعدما عرف الإيمان بالله ، وأُعثِرَ من الفرّيسيّين ، يستبيح خطاياه القديمة التى كان يحيا فيها أثناء وثنيته. يسعى الفرّيسيّون ليضموا أحد الوثنيين الشرفاء الأغنياء إلى الإيمان ، فيبذلون جهداً كبيراً لأن معونة الله لا تساعدهم ، ثم بعد إيمانه ، يكتشف رياءهم وابتعاد قلوبهم عن الله ، فيعثر فيهم وفى الديانة اليهودية ، ويبتعد عن الله ، فيستحق العذاب الأبدى أكثر من ذى قبل ، إذ بعدما عرف الإيمان جحده.
+ إحذر أن تكون معثراً لغيرك بخطاياك ، فتعطى صورة سيئة عن الله وكنيسته. ولا تكن مغرضاً فى أية عبادة ، بل تقدمها محبة لله ، فتكسب خلاص نفسك ، وتربح تلقائياً مَنْ حولك للمسيح.
(4) النظرة المادية ( ع 16 - 22 ) :
ع 16 - 17 : لانشغال الفرّيسيّين بمحبة المال ، علّموا أن من يحلف بالذهب الذى يقدمه للهيكل ، يلتزم بتنفيذ ما أقسم به. ولكن من حلف بالهيكل ، فيمكنه الرجوع فيما حلف به. كيف هذا ، والهيكل بالطبع أعظم من الذهب الذى يُقدّم له ؟! ولكن ، لاهتمامهم بتحصيل المال ، علّموا هذا التعليم الفاسد.
ع 18 - 19 : " المذبح " : هو المذبح النحاسى الموجود فى مدخل الهيكل ، والذى تُقدّم عليه الذبائح والقرابين من الشعب. يعلّم الفرّيسيّون أيضاً أن من يحلف بالقربان ، لابد أن يوفى ما حلف به. ولكن من حلف بالمذبح ، فليس من المهم أن يوفى ما وعد به ، وذلك ليحصلوا على القرابين المقدمة من الشعب كمكسب مادى لهم ، غير مهتمين بالعبادة ، وتشجيع الناس على الوعود لله والحياة معه.
ع 20 - 22 : الخلاصة أن من يحلف بشئ ، فهو يحلف به وبكل ما يحتويه ، وهذا أمر منطقى. وقد كان القَسَمُ مباحاً فى شريعة موسى ، بشرط أن يكون صادقاً ويلتزم به صاحبه ، ولكنهم كسروا وصية القَسَمِ بتمسكهم بمكاسبهم المادية. ووجّه المسيح نظرهم إلى روح القَسَم ، وهو القَسَم بالله صاحب المذبح والهيكل والسماء. فكيف يهملون الله انشغالاً بنفعهم المادى ، ويفسرون تفاسير لم يقلها الله ؟ فغرض الله من وصية القَسَم فى العهد القديم هو تثبيت إيمان شعبه به ، وابتعادهم عن القَسَم بالآلهة الوثنية.
+ لا تفسر كلام الله بحسب أغراضك الشخصية ، واخضع له ولا تخدع نفسك ، فتنال بركات الله فى حياتك.
(5) حرفية العبادة وشكليتها ( ع 23 - 28 ) :
ع 23 : إهتم الكتبة والفرّيسيّون بتقديم عشور النباتات غير الهامة ، والتى قد تُزرع بكميات قليلة فى حدائق البيوت ، مثل النعناع والشبت والكمون ، ليظهروا مدققين فى كل شئ. ولأن قادة اليهود يستفيدون من جمع هذه العشور ، أهملوا فى نفس الوقت جوهر العلاقة مع الله ، وهو الحق والرحمة والإيمان. والمسيح لا يرفض تقديم العشور ، حتى فى الأمور الصغيرة. ولكن ، لنفهم روح الوصية وليس حرفيتها ، فنقدّم العشور إيماناً ببركة الله ورحمة للمحتاجين وتمسكاً بالله الذى هو الحق ، ونسلك بالرحمة والحق والإيمان فى كل حياتنا ، وليس كالكتبة والفرّيسيّين الذين ظهرت قساوة قلوبهم فى ظلم الأرامل والضعفاء ، ورفضوا الإيمان بالمسيح. " هذه " : تشير إلى تقديم العشور فى كل شئ. " تلك " : أى التمسك بالرحمة والحق والإيمان.
ع 24 : يصفهم المسيح بالعمى لأنهم رفضوا رؤية الحق الذى فيه ، وتمسكوا بالتدقيق فى الأمور الصغيرة التى يشبهها بالبعوضة ، وأهملوا جوهر الوصايا الذى يشبهه بالجمل. فقد كانوا يُصَفُّونَ الماء والخمر لئلا توجد فيه بعوضة ، وهى تُعتبر نجسة بحسب أوامر الشريعة. ولكن ، مع هذا التدقيق ، يتغاضون عن خطايا كبيرة ، مثل القبض على المسيح وصلبه مع أنه برىء.
ع 25 - 26 : يظهر هنا رياء الفرّيسيّين واضحاً أكثر من الخطايا السابقة ، إذ يهتمون بمظهر العبادة المدقق ، أما قلوبهم فمملوءة شراً. وينبههم المسيح إلى أهمية ما هو داخل الكأس والصَّحفةِ ( الطبق ) ، وليس فقط تنظيفهما من الخارج ، بالإبتعاد عن كل نجاسة شخصية ، لأن طعامهم وشرابهم ، الذى جمعوه بالطمع والشر ، لا يفيده تنظيف الأوعية خارجياً ، بل تنقية قلوبهم. ويصف الفرّيسيّ بالعمى ، لأنه لا يرى حقيقة الأمر ، وينشغل بالمظاهر فقط.
ع 27 - 28 : كانت الشريعة تقضى بعدم لمس الميت أو قبره ، لئلا يتنجّس الإنسان ( عد 19 : 16 ، 18 ) ، لذا اهتم اليهود بتبييض قبورهم ، حتى ينتبه المارة إليها ولا يلمسونها. فيشبّه المسيح حياة الفرّيسيّين المرائية بالقبور التى يهتمون بدهنها باللون الأبيض ، فتظهر جميلة من الخارج. أما فى الداخل ، فتوجد عظام ورائحة كريهة مثل الشر الذى فى قلوبهم. فمظهرهم تدقيق وتمسك بالعبادة ، أما قلوبهم فقاسية وسلوكهم شرير.
+ إهتم بتوبتك ومحبتك لله وللآخرين ، فتكون أعمالك وعبادتك تعبيراً عن قلبك الصالح.
(6) مقاومة الحق ( ع 29 - 32 ) :
ع 29 - 30 : يوبخ المسيح الفرّيسيّين أيضاً على مقاومة الحق مع التظاهر بالبر ، إذ يبنون ويزينون قبور الأنبياء ، ويعلنون رفضهم لشرور آبائهم الذين عذبوا وقتلوا هؤلاء الأنبياء ، مع أن أعمالهم شريرة مثل آبائهم ، وقاوموا الأبرار الذين هم أعظم من الأنبياء فى جيلهم ، وهما يوحنا المعمدان ثم المسيح نفسه.
ع 31 - 32 : فكلامكم هذا يعلن أنكم أبناء قتلة الأنبياء ، وليس هذا فقط ، بل شروركم الحاضرة فى مقاومتى أنا وتلاميذى ، تؤكد رياءكم ومظهرية بركم ، أما قلوبكم فمملوءة شراً. والحقيقة أنكم ، بما تفعلون ، تملأون كأس الشر التى صنعها آباؤكم حتى تفيض ، ويُحكم عليكم بالعذاب الأبدى فى النهاية.
+ شجِّع الخير وساعد فيه من كل قلبك وبكل طاقتك ، فتصير ابناً لله ، فكل شئ يؤدى للخير يفرح به الله.
(7) العقاب الإلهى ( ع 33 - 39 ) :
ع 33 : " الحيات " : شبّههم بها لأجل تحايلهم وإصرارهم على صنع الشر. " أولاد الأفاعى " : لأن آباءهم أشرار ، فقد عذبوا وقتلوا الأنبياء قديماً. كل الخطايا السابقة تستوجب بالضرورة نار جهنم ، ولا يعفى منها كل مظاهر العبادة والبر الزائف.
ع 34 : يستمر الله رغم شر اليهود فى عمل الخير معهم ، فيرسل رسله الذين سماهم بالأسماء المعروفة للمعلمين عند اليهود ، وهى الأنبياء والحكماء والكتبة ، ليعلنوا صوته للناس حتى يتوبوا. ولكن ، يقوم عليهم اليهود ويجلدونهم ويعذبونهم ويطردونهم ، بل ويقتلونهم ، لأنهم مصرون على الشر. المجامع : هى أماكن القراءة والوعظ لليهود فى كل مدنهم ، وفيها يحكمون على المتهمين فى نظرهم بالشر ومخالفة الشريعة.
ع 35 : فى النهاية ، سيدينهم الله لمقاومتهم الحق ، ورفض سماع صوته ، بقتل رجاله الأبرياء من أول شهيد فى العالم وهو هابيل الصّدّيق ، إلى زكريا بنِ برخيَّا وهو أبو يوحنا المعمدان ، الذى قُتِلَ بعد أن وضع الطفل يوحنا على المذبح عندما طارده العسكر ، قائلاً لهم : قد أخذته من المذبح وإليه أعيده. فأتى ملاك الله وخطفه من على المذبح ، أما هو فقتلوه. وهكذا يصوّر الأمة اليهودية بشخص واحد ، يعاقبه الله على كل دماء الشهداء فى العهد القديم قبل المسيحية.
+ إعلم أن الله ديّان عادل ، فلا تتمادى فى أنانيتك أو ظلمك لغيرك مهما كان سلطانك أو حجتك المنطقية ، ولكن تُبْ باتضاع وأصلح أخطاءك ، فتنال مراحمه.
ع 36 : قد تم هذا العقاب الإلهى فى هذا الجيل لليهود بتدمير أورشليم وقتل من فيها عام 70م بيد تيطس قائد الرومان.
ع 37 : يشبّه المسيح نفسه بالدجاجة التى تحتضن بيضها حتى يفقس وتخرج الفراخ للحياة ، ولكن يتساقط ريش الدجاجة الأم ، أى تبذل حياتها لتُخرِج بنيها للحياة ، كما تألم المسيح ومات لأجلنا ؛ وقد قدّم محبته لأبناء قتلة الأنبياء ، أما هم فرفضوا تعاليمه التى لخلاصهم ، بل قاموا عليه وصلبوه.
ع 38 : كان الهيكل خَرِباً روحياً من أجل شر الكهنة والكتبة والفرّيسيّين ، وقد تركه المسيح بعد ذلك ، أى نزع بركته منه ، ثم تم خرابه على يد الرومان سنة 70م.
ع 39 : بعد هذا الحديث بأيام قليلة ، صُلب المسيح ومات ولم يره اليهود ، لأنه ظهر بعد قيامته لعدد قليل ، هم تلاميذه وبعض المؤمنين. أما اليهود الذين سيؤمنون ويصيرون مسيحيين ، فسيفرحون فى يوم الدينونة بمجئ المسيح الثانى ، ويقولون : " مبارك الآتى باسم الرب " ( مز 118 : 26 ) ، مثلما فرح التلاميذ والمؤمنون بالمسيح عند ظهوره لهم بعد قيامته ، قائلين كلمات المزمور السابق ؛ وبذلك يشارك كل من يؤمن بالمسيح الرسل ، فيشعر أن المسيح المبارك أتى وحلّ فيه بالإيمان.
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح