كلمة منفعة
المحبة الحقيقية للذات، تأتى بتدريب هذه الذات على محبة الله، ودوام سكناه فيها، وخضوعها لعمل روحه..
— محبة الذات
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
انجيل معلمنا متى - الاصحاح رقم 21 انجيل معلمنا متى الإصحاح رقم 21 الأصحاح الحادي والعشرون : دخول الملك أورشليم تقدّم لنا الأصحاحات الثمانية الأخيرة (21-28) صورة حيّة للأسبوع الأخير لحياة السيِّد المسيح على الأرض الذي قدّم لنا فيه نفسه فِصحًا ليعبُر بنا من ملكوت الظلمة إلى ملكوته الأبدي. وقد حرص الإنجيليّون أن يسجّلوا لنا صورة تفصيليّة عن هذا الأسبوع الذي غيّر مجرى حياة البشريّة. 1. دخوله أورشليم 1-11. 2. تطهير الهيكل 12-14. 3. تسبيح الأطفال 15-16. 4. في بيت عنيا 17. 5. شجرة التين العقيمة 18-22. 6. جدال الرؤساء معه 23-26. 7. مثل الابنين والكرم 27-32. 8. مثل الكرّامين الأشرار 33 -44. 9. إدراك الرؤساء أمثلته 45-46. 1. دخوله أورشليم "ولما قربوا من أورشليم وجاءوا إلى بيت فاجي عند جبل الزيتون، حينئذ أرسل يسوع تلميذين. قائلاً لهما: اذهبا إلى القرية التي أمامكما، فللوقت تجدان أتانًا مربوطة وجحشًا معها،فحلاّهما وأتياني بهما. وإن قال لكما أحد شيئًا، فقولا: الرب محتاج إليهما، فللوقت يرسلهما" [1-3]. كانت أورشليم تكتظ بالملايين في ذلك الوقت، جاءوا يشترون خرافًا يحتفظون بها لتقديمها فِصحًا عنهم، أمّا السيِّد المسيح - حمل الله - فتقدّم بنفسه متَّجهًا نحو أورشليم ليقدّم نفسه فِصحًا عن البشريّة بإرادته. إنه ليس كبقيّة الحملان التي تُذبح فتؤكل وتُستهلك، إنّما يقدّم جسده ذبيحة حب قادرة أن تقيم من الموت وتهب حياة أبديّة لمن ينعم بها. إنه الكاهن والذبيحة في نفس الوقت الذي يتقدّم إلى الصليب، كما إلى المذبح لكي يرفع البشريّة المؤمنة إلى الحياة الجديدة التي فيه، ويحملها معه إلى سماواته. لقد "جاءوا إلى بيت فاجي"، وهي قرية صغيرة جنوب شرقي جبل الزيتون، يسكنها الكهنة ليكونوا قريبين من الهيكل بأورشليم. يرى البعض أن "بيت فاجي" تعني بالعبريّة "بيت التين"، وقد سبق فرأينا في "التينة" رمزًا للكنيسة من جهة وحدتها حيث تضم بذورًا كثيرة داخل غلاف الروح القدس الحلو، خلاله يكون للكل طعمًا شهيًا، وبدونه تصير البذور بلا قيمة لا يمكن أكلها. هذه هي الكنيسة الواحدة المملوءة حلاوة خلالها يرسل السيِّد تلميذيْه ليحلاّ باسمه المربوطين، ويدخلا بالقلوب إلى أورشليم العُليا، أي رؤية السلام. ويرى العلاّمة أوريجينوس أن "بيت فاجي" تعني "بيت الفَكْ"، وكأنها تذكرنا بالفكْ الذي يُلطم عليه المؤمن الحقيقي (الخد الأيمن) فيُحوّل الآخر لمن يلطمه، مقدّمًا له الحب ليكسر شرّه. كما يذكِّرنا بالفكْ الذي ضرب به شمشون الأعداء فأهلكهم، وقد أفاض ماءً أنعشه وقت عطشه (قض 15: 19). هكذا لا نستطيع أن نلتقي بالمسيّا المخلّص كفاتح لأورشليمنا الداخليّة ما لم نقدّم خدِّنا الأيمن وأيضًا الأيسر بالحب لمضايقينا، محتملين شرّهم بصبرٍ حقيقيٍ. هذا هو باب التمتّع بمسيحنا - الفِصح الحقيقي - الذي أفاض علينا ينبوع مياه حيّة كما مع شمشون (قض 15: 19) هو ينبوع ماء روحه القدّوس الذي يروي القلب ليحوِّله من بريَّة مقفرة إلى جنّة الله المثمرة. يقول الإنجيلي: "ولما قربوا من أورشليم وجاءوا إلى بيت فاجي عند جبل الزيتون" [1]... ما هو جبل الزيتون الذي جاء إليه السيِّد قبيل دخوله أورشليم الذي اكتظّ بأشجار الزيتون، إلا السيِّد المسيح نفسه، الذي هو نفسه "الطريق"، هو بدايته وهو نهايته. به يدخل إلينا، وفيه يستقر! وكما يقول القدّيس أمبروسيوس: [لعلّ المسيح نفسه هو الجبل، فمن هو ذاك الجبل إلا الذي يقدر أن يقدّم أشجار زيتون مثمرة، لا كالأشجار التي تنحني بسبب ثِقل ثمارها، وإنما تذخر بالأمم خلال كمال الروح؟! إنه ذاك الذي خلاله نصعد وإليه نبلغ. إنه الباب وهو الطريق؛ هو الذي ينفتح لنا، وهو الذي يفتح.] يقول أيضًا القدّيس أمبروسيوس: [لقد جاء إلى جبل الزيتون لكي يغرس الزيتون الصغير بقوّته السماويّة... إنه الزارع السماوي؛ وكل غرس يغرسه في بيت الله يعلن: "أمّا أنا فمثل زيتونة خضراء في بيت الله، توكّلت على رحمة الله إلى الدهر والأبد" (مز 52: 8).] عند جبل الزيتون أرسل السيِّد تلميذين، قائلاً لهما: "اذهبا إلى القرية التي أمامكما". بعث بتلميذيه إلى قرية ليأتيا بالأتان والجحش المربوطين بعد حلّهما، ليستخدمهما في دخوله أورشليم. معلنًا احتياجه إليهما، وقد رأى آباء الكنيسة أن كل كلمة وردت بخصوص هذا الحدث تحمل معنى يمس خلاص البشريّة، نذكر على سبيل المثال: أولاً: الأتان والجحش يمثّلان رمزيًا العالم في ذلك الحين وقد انقسم إلى اليهود والأمم... فالرب محتاج إلى كل البشريّة حتى وإن انحطّت في فكرها إلى الأتان والجحش من جهة معرفتهم لله وسلوكهم الروحي. وكما يقول المرتّل: "صرتُ كبهيمة عندك، ولكنّني دائمًا معك" (مز 73: 22-23). في تواضع إذ يشعر الإنسان بعجزه عن إدراك أسرار الله يرى نفسه وقد صار كبهيمة عاجزة عن التفكير، فيحمل كلمة الله داخله، ويصير هو نفسه كأورشليم الداخليّة. إنه يتقبّل عمل السيِّد في حياته كما من خلال تلميذيه، يحلانه من الرباطات الأولى بالروح القدس ويقدّمانه للسيِّد كمركبة إلهيّة تنطلق في حرّية، نحو أورشليم العُليا (غل 4: 26) عِوض قريته الأولى وأعمال العبوديّة الحقيرة. يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لقد شبّه البشر بهذين الحيوانين لوجود مشابهات معهما... فالحمار حيوان دنس (حسب الشريعة) وأكثر الحيوانات المستخدمة للحمل غباءً، فهو غبي وضعيف ودنيء ومثقّل بالأحمال. هكذا كان البشر قبل مجيء المسيح إذ تلوّثوا بكل شهوة وعدم تعقل، كلماتهم لا تحمل رقّة، أغبياء بسبب تجاهلهم لله، فإنه أيّة غباوة أكثر من احتقار الشخص للخالق وتعبُّده لعمل يديه كما لو كان خالقه؟! كانوا ضعفاء في الروح، أدنياء، إذ نسبوا أصلهم السماوي وصاروا عبيدًا للشهوات والشيّاطين. كانوا مثقّلين بالأحمال، يئنّون تحت ثقل ظلمة الوثنيّة وخرافاتها.] ويقول القدّيس كيرلّس الكبير في هذا: [لقد خلق إله الكل الإنسان على الأرض بعقلٍ قادرٍ على الحكمة، له قُوى الفهم، لكن الشيطان خدعه؛ ومع أنه مخلوق على صورة الله أضلَّه، فلم تعد له معرفة بالخالق صانع الكل. انحدر الشيطان بسكان الأرض إلى أدنى درجات عدم التعقّل والجهل. وإذ عرف الطوباوي داود ذلك، أقول بكى بمرارة قائلاً: "والإنسان في كرامة لم يفهم، يشبه البهائم بلا فهم" (مز 49: 12). من المحتمل أن الأتان الأكبر سنًا ترمز لمجمع اليهود إذ صار بهيميًّا، لم يعطِ للناموس اهتمامًا إلا القليل، مستخفًا بالأنبياء والقدّيسين، وقد أضاف إلى ذلك عصيانه للمسيح الذي دعاه للإيمان ولتفتيح عينيّه، قائلاً: "أنا هو نور العالم، من يؤمن بي فلا يمشي في الظلمة بل يكون له نور الحياة" (يو 8: 12). الظلمة التي يتحدّث عنها هنا بلا شك تخص الذهن وتعني الجهل والعُمى وداء عدم التعقّل الشديد. أمّا الجحش الذي لم يكن بعد قد اُستخدم للركوب فيمثِّل الشعب الجديد الذي دُعيَ من بين الوثنيّين. فهذا أيضًا قد حُرم بالطبيعة من العقل؛ كان هائمًا في الخطأ، لكن المسيح صار حكمته "المذخَّر فيه جميع كنوز الحكمة (وأسرار) العلم" (كو 2: 3). لذلك أُحضر الجحش بواسطة تلميذين أرسلهما المسيح لهذا الغرض. ماذا يعني هذا؟ إنه يعني أن المسيح دعا الوثنيّين بإشراق نور الحق عليهم، يخدمه في ذلك نظامان: الأنبياء والرسل. فقد رُبح الوثنيّون للإيمان بكرازة الرسل الذي يستخدمون كلمات مقتبسة من الناموس والأنبياء. يقول أحدهم للذين دُعوا بالإيمان لمعرفة مجيء المسيح: "وعندنا الكلمة النبويّة وهي أثبت، التي تفعلون حسنًا إن اِنتبهتم إليها كما إلى سراج منير في موضعٍ مظلمٍ، إلى أن ينفجر النهار ويطلع كوكب الصبح في قلوبكم" (2 بط 1: 19)... فإذ تفجّر النهار بإشراق نور الحق لم تعد الكلمة النبويّة سراجًا صغيرًا بل صار يضاهي أشعة كوكب الصبح. لقد أُحضر الجحش من قرية، مشيرًا بذلك إلى حال فكر الوثنيّين غير المتمدِّن، إذ لم يكن كمن تعلَّم في مدينة، وإنما كمن عاش بطريقة ريفيّة خشنة وفَظّة... هؤلاء لا يستمرّون على هذا الحال بخصوص الذهن غير المتمدِّن، وإنما يتغيّرون إلى حالة من السلام والحكمة بخضوعهم للمسيح معلّم هذه الأمور. إذن، لقد أُهملت الأتان، إذ لم يركبها المسيح مع أنها سبق فاُستخدمت للركوب ومارست الخضوع لراكبيها، مستخدمًا الجحش الذي كان بلا مران سابق ولم يستخدمه أحد... وكما سبق فقلت لقد رفض المجمع اليهودي الذي سبق فامتطاه الناموس، وقبل الجحش، الشعب الذي أُخذ من الأمم.] هذا التفسير الرمزي للقدّيس كيرلّس الكبير أخذه عن العلاّمة أوريجينوس القائل: [رَمَزَ للمجمع اليهودي القديم بالأتان، إذ كان مقيَّدًا بخطاياه. وكان أيضًا معها الجحش مقيَّدًا، كرمز للشعب الحديث الولادة من الأمم. وإذ اقترب المخلّص وصار الطريق لأورشليم السماويّة مفتوحًا أمر بحلِّها خلال تعاليم تلاميذه الذين أعطاهم الروح القدس، قائلاً: "اقبلوا الروح القدس، من غفرتم خطاياه تُغفر له، ومن أمسكتم خطاياه أُمسكت" (يو 20: 22-23). كما يقول: [كان احتياجه هكذا أنه إذ يجلس عليهما يحرّرهما من الأتعاب، مصلحًا من أمْر من يجلس عليهما، لا بمعنى أنه هو الذي يستريح بواسطتهما.] ويقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [يعني بالجحش الكنيسة والشعب الجديد الذي كان قبلاً غير طاهر وقد صار طاهرًا، إذ استقرّ يسوع عليه.] ثانيًا: يتحدّث القدّيس جيروم عن التلميذين اللذين أرسلهما السيِّد، قائلاً: [أرسل تلميذيه، أحدهما لأهل الختان والآخر للأمم.] أمّا القدّيس هيلاري أسقف بواتييه فيرى أن التلميذين قد أرسلا إلى الأمم، أحدهما إلى السامرة التي كانت لها بعض المعرفة عن الله والآخر لبقيّة الأمم، قائلاً: [الأتان والجحش يشيران إلى دعوة الأمم المزدوجة. فالسامريّون عبدوا الله خلال طقوسهم، وقد أُشير إليهم بالأتان، أمّا الأمم فيُشار إليهم بالجحش إذ لم يكونوا بعد قد تدرّبوا على الحمل. هكذا أرسل (السيِّد) اثنين لتحرير من كانوا تحت رباطات الخزعبلات. فآمنت السامرة بواسطة فيلبس، وآمن كرنيليوس بالمسيح كبكر عن الأمم بواسطة بطرس.] لاحظ القدّيس جيروم في إنجيل لوقا البشير أن للجحش أصحاب كثيرون، وكأن هذا الشعب خاضع ليس لخطيّةٍ واحدٍ أو لشيطانٍ واحدٍ بل لكثيرين، هؤلاء الذين اِستسلموا خلال كرازة الرسل، تاركين إيّاه لسيِّده الحقيقي يسوع المسيح. ثالثًا: يتحدّث القدّيس أمبروسيوس عن السلطان الإلهي الذي وُهب للتلميذين ليحلاّ الأتان والجحش، قائلاً: [ما كان يمكن حلهما إلا بأمر الرب، فاليد الرسوليّة التي من قبل الرب تحلِّهما.] ويقول العلاّمة أوريجينوس: [هذه الأتان كانت حاملة أولاً بلعام (عد 22)، والآن تحمل المسيح، هذه التي حلّها التلاميذ، فتحرّرت من الرباطات التي كانت تقيّدها، ذلك لأن ابن الله صعد عليها ودخل بها في المدينة المقدّسة أورشليم السماويّة.] ويقول القدّيس جيروم: [كما أرسل (السيِّد) تلميذيه ليحلاّ الجحش ابن الأتان ليمتطيه، هكذا يرسلهما إليك ليحلاّك من اهتمامات العالم وتركك للّّبْْن والقش الذي لمصر فتتبعه بكونه موسى الحقيقي، وتدخل إلى أرض الموعد خلال البرّيّة.] رابعًا: طلب السيِّد من تلميذيه أن يقولا لصاحب الأتان والجحش: "الرب محتاج إليهما". حقًا إنه يتطلّع إلى البشريّة كلها لا كمن يتعالى عليها، بل كمن هو محتاج إلى الجميع، يطلب قلوبنا مسكنًا له، وحياتنا مركَّبة سماويّة تحمله. لاحظ القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن السيِّد لم يطلب منهما أن يقولا: "ربَّك محتاج إليهما"، ولا أن يقولا "ربّنا محتاج إليهما"، بل قال "الرب"، وذلك [لكي يُدركون أنه رب البشريّة كلها، حتى الخطاة منتمون إليه، وإن كانوا بكامل حرّيتهم قد اِنتموا إلى الشيطان.] والعجيب أن صاحب الأتان والجحش لم يجادلهما بل سلَّم بملكِه للسيِّد، وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [إن كان الذي لم يعرف المسيح خضع له، فكم بالأحرى يليق بتلاميذه أن يقدّموا له كل شيء.] خامسًا: يُعلن الإنجيلي متّى أن ما يحدث قد سبق فأنبأ به زكريّا النبي: "فكان هذا كلّه لكي يتمّ ما قيل بالنبي القائل: قولوا لابنة صهيون هوذا ملكك يأتيك وديعًا راكبًا على أتان وجحش ابن أتان" [4]. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [إذ عرف النبي، أعني زكريّا، حقد اليهود ومقاومتهم للمسيح عند صعوده للهيكل، سبق فحذَّرهم، معطيًا لهم هذه العلامة لكي يعرفوه.] لقد أعلن السيِّد المسيح حبّه لعروسه فتصاغر أمامها لكي يخدمها، فعند دخوله إلى أورشليم ليمد يده للنفس البشريّة كعروس له، لم يتَّخذ لنفسه مركبًا وخيلاً ورجالاً يجرون أمامه، كما فعل أبشالوم بن داود عند دخوله مدينة أبيه (2 صم 5: 1)، ولا اِتخذ لنفسه عجلات وفرسانًا كما فعل أدونيا (1 مل 1: 5)، ولم يبوِّق قدَّامه بالبوق والناي كما حدث مع سليمان (1 مل 1: 38-40). الجالس في سماء السماوات سبق فأرسل إلى إيليّا مركبة ناريّة، أمّا هو فركب أتانًا وجحش ابن أتان، مع أنه هو الذي رآه إشعياء جالسًا على كرسي عظمته على مركبة الكاروبيم على كرسي عال مرتفع وأذياله تملأ الهيكل (إش 6: 1) وكما ينشد القدّيس يعقوب السروجي قائلاً: [حبَّك أنزلك من المركبة إلى الجحش العادي. عِوض جنود الكاروبيم غير المفحوصين، يبجِّلك جحش متواضع في بلدنا! أنزلتْكَ المراحم من بين العجل والوجوه وأجنحة اللهب، لكي يبجّلك ابن الأتان في المركبة. يجاهر السمائيّون ببهائك، وهنا الجحش الحقير المزدرى به يحملك بين السمائيّين. كاروبيم النار يباركونك طائرين، وهنا الأطفال يمجّدونك بتسابيحهم. ملائكة النور... يهيّئون طريقه، والتلاميذ هنا يلقون قدامه ثيابهم. نزل الجبار من عند أبيه ليفتقد مكاننا، وبإرادته بلغ إلى منتهى التواضع. ركب الجحش ليفتقد بالتواضع شعبه. زكريّا النبي حمل قيثارة الروح، وأسرع قدّامه بترتيل نبوّته بابتهاج، شدّ أوتاره وحرَّك صوته وقال: "افرحي يا ابنة صهيون واهتفي واصرخي، لأن ملكك يأتي، وها يبلغ راكبًا جحشًا ابن أتان" (زك 9:9).] ويُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على استخدام السيِّد للأتان والجحش، قائلاً: [إن كان النبي قد عاش قبل مجيئه بزمان طويل يقول "هوذا" (زك 9:9)، ليوضّح أن من يتكلَّم عنه هو ملكهم حتى قبل أن يولد. متى رأيتموه لا تقولوا: ليس لنا ملك إلا قيصر، فقد جاء إليكم ليخلّصكم إن فهمتموه، أمّا إن لم تفهموه فيأتي ضدَّكم. جاء "وديعًا" حتى لا تهابوا عظمته، بل تُحبُّون رقَّتِه. لا يأتي جالسًا على مركبة ذهبيَّة، ولا ملتحفًا بالأرجوان، ولا راكبًا على فرس ناري، كمن يشتاق إلى الخصام والصراع، وإنما يأتي على أتان صديقًا للهدوء والسلام.] سادسًا: إلقاء الثياب تحته، "فذهب التلميذان وفعلا كما أمرهما يسوع. وأتيا بالأتان والجحش، ووضعا عليهما ثيابهما، فجلس عليهما. والجمع الأكثر فرشوا ثيابهم في الطريق" [6-8]. سبق فقلنا أن تقديم الثوب إلى شخص يُشير إلى ترشيحه للرئاسة (إش 3: 6)، وهنا تقدّم التلاميذ نيابة عن الكنيسة يُعلنون قبولهم العريس رأسًا ورئيسًا. ألقوا بالثوب القديم ليتمتّعوا بالسيِّد المسيح نفسه كثوب البرّ الذي يلتحفون به ويختفون فيه. نزعوا ثوب السجن مع يهوياكين (إر 52: 33) حتى يقدروا أن يجالسوا العريس ملك الملوك، فيسمعوا مناجاته: "ما أحسن حبِّك يا أختي العروس... رائحة ثيابِك كرائحة لبنان" (نش 4: 11). أمّا هم فيردّدون: "فرحًا أفرح بالرب، تبتهج نفسي بإلهي، لأنه قد ألبسني ثياب الخلاص، كساني رداء البرّ، مثل عريس يتزيَّن بعمامة ومثل عروس تتزيّن بحليّها" (إش 61: 10). يتحدّث القدّيس جيروم عن هذه الثياب، قائلاً: [ثياب التلميذين التي وضعاها على الحيوان تُشير إلى تعليم الفضيلة أو تفسير الكتاب المقدّس وإلى الحق الذي للكنيسة، فإن لم تتزيّن النفس بهذه الأمور وتلتحف بها لا تستحق أن تحمل الرب.] سابعًا: استخدموا سعف النخيل وأغصان الزيتون، "وآخرون قطعوا أغصانًا من الشجر وفرشوها في الطريق" [8]. جاء في إنجيل يوحنا "فأخذوا سعوف النخل، وخرجوا للقائه" (يو 12: 13). أعلن الشعب عن فرحة الكنيسة بنصرتها بالرب. وقد اختلط سعف النخل بأغصان الزيتون، وكأن روح النصرة قد امتزجت بروح السلام، إذ دخل الأسد ليرقد في القبر، فيفزع الموت، ويفجِّر أبواب الجحيم، مقدّمًا سلامًا فائقًا للنفس بارتفاعها فوق الموت، ودخولها إلى حضن الآب في مصالحة أبديّة. يقول القدّيس أغسطينوس: [سعف النخيل شعار للمدح، يعني النصرة، فقد كان الرب قادمًا للنصرة على الموت بالموت، وهزيمة الشيطان رئيس الموت بصليبه الغالب.] ولعلّ أغصان الشجر هنا تُشير إلى نبوّات العهد القديم التي تقتطعها لكي تفرش لنا طريق دخول المسيّا المخلّص إلى قلبنا، فإنه ما كان يمكن للعالم أن يتقبّل ربّنا يسوع بكونه المسيّا المخلّص لو لم تُفرش هذه النبوّات أمامه في أذهاننا وقلوبنا تُعلن عن شخصه. ثامنًا: صرخات الجموع "والجموع الذين تقدّموا والذين تبعوا، كانوا يصرخون، قائلين: أوصانا لابن داود، مبارك الآتي باسم الرب، أوصنا في الأعالي" [9]. استقبلته الجماهير بفرح وتهليل كملك "ابن داود"، إذ وحده يقدر أن يخلّصهم، ويرتفع بهم إلى الأعالي. لكن ماذا يعني بالجموع التي تقدّمته والتي تبعته. يقول القدّيس جيروم: [جموع الذين آمنوا بالرب قبل الإنجيل (التي تقدّمته)، والذين آمنوا به بعد الإنجيل (تبعته)، فالكل يسبّح معًا بصوت واحد ويشهدون له.] هذا التفسير الرمزي التقطه القدّيس جيروم عن العلاّمة أوريجينوس القائل: [يمكننا القول بأن الذين تقدّموه هم الأنبياء القدّيسون الذين عاشوا قبل مجيئه، أمّا الذين تبعوه، فهم الرسل الذين التصقوا به بعد مجيء الله الكلمة. أعلن الكل نفس الشيء، متّحدين معًا بصوت واحد: إن المخلّص قد تأنّس.] ويقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [السابقون أعلنوا بالنبوّة عن المسيح الآتي، والآخرون سبَّحوا معلنين أن مجيئه قد تحقّق.] هكذا استقبلته الجماهير، تقدّمته جماعة بالتهليل ممثّلة رجال العهد القديم الذين رأوه بعينيّ الإيمان خلال النبوّة، وتبعته جماعة خلفه تسبِّحه كممثّلة لرجال العهد الجديد الذين تمتّعوا بما اشتهاه الأنبياء. أما تسابيحهم فتركّزت في إعلان الخلاص، قائلين: "أوصنا" أو "هوشعنا"، وهي كلمة عبريّة تركت في أغلب الترجمات كما هي، لذلك يراها القدّيس أغسطينوس أداة تعجّب تكشف عن حالة ذهنيّة أكثر منها معنى خاص، وإن كان أغلب الآباء والدارسين يرون فيها معنى "خلصنا". وكما يقول القدّيس جيروم: [أنها تعني أن مجيء المسيح هو خلاص العالم.] أما قوله "أوصنا لابن داود... أوصنا في الأعالي" فكما يقول العلاّمة أوريجينوس: [مدحوا ناسوتيتّه بصراخهم: "هوشعنا يا ابن داود"، ومدحوا إصلاحه، هذا يعني أن الخلاص هو في الأعالي، مشيرًا بوضوح إلى أن مجيء المسيح يعني الخلاص الذي لا يمس البشر وحدهم بل المسكونة كلها، رابطًا الأرضيّات بالسماويات (في 2: 10).] ويُعلّق القدّيس أغسطينوس على قوله "مبارك الآتي باسم الرب قائلاً: [لنفهم من قوله "باسم الرب" بالأكثر "اسم الله الآب"، وإن كان يمكن أن يُفهم على أنه باسمه هو بكونه الرب... لقد قال بنفسه: "أنا قد أتيت باسم أبي ولستم تقبلونني، إن أتى أحد باسم آخر فذلك تقبلونه" (يو 5: 43). فإن المعلّم الحقيقي للتواضع هو المسيح الذي أخلى نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب (في 2: 8)، لكنّه لم يفقد لاهوته بتعليمه التواضع. فبالواحد هو مساوٍ للآب، وبالآخر هو مشابه لنا نحن. بذاك الذي هو مساوي للآب دعانا إلى الوجود، وبالذي صار به مشابهًا لنا، خلَّصنا من الهلاك.] تاسعًا: "ولما دخل أورشليم اِرتجَّت المدينة كلها قائلة: من هذا؟. فقالت الجموع: هذا يسوع النبي الذي من ناصرة الجليل" [10-11]. هكذا إذ دخل يسوعنا الحيّ إلى أورشليمنا الداخليّة ليُقيم ملكوته فينا بالصليب يرتج القلب كلّه مقدّمًا كل مشاعره وأحاسيسه وحبّه للملك الجديد، فيستعيد سلامه ويدخل إلى المصالحة مع السماء، بل ويصير سماءً جديدة! 2. تطهير الهيكل إذ يدخل الرب أورشليمنا الداخليّة إنّما يدخل إلى مقدسه، يقوم بنفسه بتطيره، فيصنع سوطًا يطرد به باعة الحمام ويقلب موائد الصيارفة وهو يقول: "مكتوب بيتي بيت الصلاة يُدعى وأنتم جعلتموه مغارة للصوص" [13]. ما هو هذا السوط إلا الروح القدس الذي يرسله الابن من عند الآب ليبكِّت على خطيّة، ويهب التوبة الداخليّة، ويعطي حِلاً من الخطيّة خلال الكنيسة؟! بالروح القدس الناري يعيد الرب لمقدسه فينا قدسيَّته التي فقدها، بتحويل حياتنا الداخليّة عن "حياة الصلاة" إلى عمل تجاري حتى في الأمور الروحيّة. عِوض أن يكون القلب خزانة إلهيّة تضم في داخلها السيِّد المسيح نفسه كنزًا سماويًا لا يفنى يرتبك بحسابات الصيارفة وتجارة الحمام، فينزع عنه سلام الله الفائق ليقتني لنفسه ارتباكات زمنيّة خانقة للنفس. يرى القدّيس جيروم أن الكهنة اليهود كانوا يستغلِّون عيد الفِصح حيث يأتي اليهود من العالم كلّه لتقديم الذبائح، فحوَّلوا الهيكل إلى مركز تجاري، أقاموا فيه موائد الصيارفة ليقدّموا القروض للناس لشراء الذبائح، يقدّمونها لا بالربا إذ تمنعه الشريعة، وإنما مقابل هدايا عينيّة، هي في حقيقتها ربا مستتر. هذه صورة مؤلمة فيها يتحوّل هيكل الرب عن غايته، ويفقد الكهنة عملهم الروحي، ويحوِّلون رسالتهم إلى جمع المال. وكما يقول العلاّمة أوريجينوس: [ليُطرد كل إنسان يبيع في الهيكل، خاصة إن كان بائع حمام... أي يبيع ما يكشفه له الروح القدس (الحمامة) بمالٍ ولا يُعلّم مجَّانًا، يبيع عمل الروح فيُطرد من مذبح الرب.] يفقد الرعاة عملهم الروحي ويحوِّلون كلمة الله ومواهب الروح القدس وعطاياه إلى تجارة. وكما يقول القدّيس جيروم: [يدخل يسوع كل يوم إلى هيكل أبيه ويطرد من كنيسته في كل العالم أساقفة وكهنة وشمامسة وشعبًا موجِّهًا إليهم ذات الاتهام، أنهم يبيعون ويشترون. وما أقوله عن الكنائس يطبِّقه كل واحد على نفسه، إذ يقول الرسول "أنتم هياكل الله وروح الله ساكن فيكم". ليخلوا بيت قلبنا من كل تجارة ومقر للبائعين والمشترين ومن كل رغبة للحصول على هدايا، لئلا يدخل الرب ثائرًا ويُطهّر هيكله بلا تراخٍ بطريقة أخرى غير السوط، فيُقيم من مغارة اللصوص وبيت التجارة بيتًا للصلاة.] يُعلّق القدّيس جيروم على طرد باعة الحمام وقلب موائد الصيارفة هكذا: [يظن معظم الناس أن أعظم معجزاته هي إقامة لعازر من الأموات أو تفتيح عينيّ المولود أعمى... وفي نظري أن أعجَبَها هي أن شخصًا واحدًا منبوذًا بلا اعتبار (ليس له مركز ديني معيَّن) قُدِّم للصلب استطاع أن يضرب بسوط الكتبة والفرّيسيّين الثائرين ضدّه، والذين يشاهدون بأعينهم دمار مكاسبهم، فيطرد الجمع الكبير ويقلب الموائد ويحطَّم الكراسي، فإن لهيبًا ناريًا ملتهبًا كان يخرج من عينيّه، وعظمة لاهوته تشعْ على وجهه، فلم يتجاسر الكهنة أن يمدُّوا أيديهم عليه.] على أي الأحوال، بحسب الحسابات البشريّة خسر الهيكل في نظر القادة الدينيّين في ذلك الوقت الكثير، إذ طرْد الباعة والمشترين وقلبْ موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام، لكن بمنطق الإيمان نال الهيكل قدسيَّته بحلول السيِّد نفسه فيه، الأمر الذي لا يهمهم في شيء. عِوض التجارة الزمنيّة حلّ الكنز السماوي نفسه يملأ الهيكل سلامًا ومجدًا، واهبًا نورًا لعيون العمي وإمكانيّة للعرج أن يمشوا، إذ قيل "وتقدّم إليه عًمي وعرج في الهيكل فشفاهم" [14]. وكما يقول القدّيس جيروم: [لو لم يقلب موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام ما كان يستحق العمي والعرج أن يستردّوا النور، ويصيروا سريعين في المشي.] إذ يحلّ الرب في القلب يحطَّم الشرّ وكل ما يتعلق به، لتحل بركة الرب فينا، فعِوض العمى الروحي تنفتح أعيننا الداخليّة لمعاينة السماويّات، وتشفي أرجلنا الداخليّة لتنطلق النفس بقوة الروح نحو الأبديّة، بعد أن توقَّفت زمانًا طويلاً لا تقدر على السير في الطريق الملوكي. 3. تسبيح الأطفال بينما انفتحت ألسنة الأطفال والرُضَّع بالتسبيح [16] غضب رؤساء الكهنة والكتبة. الأطفال الصغار لم يقرأوا النبوّات ولا رأوا المعجزات، لكن قلوبهم البسيطة انفتحت للملك فطفقت ألسنتهم العاجزة تنطق بالفرح الداخلي والمجيد. أمّا رؤساء الكهنة والكتبة فقد أُؤتُمنوا على النبوّات وقاموا بشرحها، وجاء المجوس يؤكّدونها، ونظروا المعجزات، لكن قلوبهم المتحجِرة أُغلقت أمام الملك، فامتلت غمًا، وعِوض التسبيح صرخوا غاضبين: "أتسمع ما يقول هؤلاء؟" [16]. حقًا لقد أعلن الأطفال ملكوت الله المُفرح بينما كشف رؤساء الكهنة بضيقهم عن ملكوت الشرّ فاقد السلام. يقول الأب موسى: [أينما وُجد ملكوت السماوات فبالتأكيد تكون الحياة الأبديّة بفرح، وحيثما وُجد ملكوت الشيطان فبلا شك يوجد الموت والقبر، ومن يكون في ملكوت الشيطان لن يقدر أن يحمد الله، إذ يخبرّنا النبي، قائلاً: "ليس الأموات يسبّحون الرب، ولا من ينحدر إلى أرض السكوت، أمّا نحن الأحياء الذين نعيش لله وليس للخطيّة أو للعالم فنُبارك الرب من الآن وإلى الدهر. هللويا (مز115: 17-18).] 4. في بيت عنيا "ثم تركهم وخرج خارج المدينة إلى بيت عنيا، وبات هناك" [17]. إن رجعنا إلى سفر حزقيال نجد الله يهتمّ بمن يسمِّيهم "البقيَّة" وهم جماعة قليلة أطاعت الرب وسمعت له، يهتمّ الله بها حتى وسط التأديبات القاسية التي خضع لها الشعب بكهنته ورؤسائه. هنا أيضًا إن كانت أورشليم قد ثارت ضدّ السيِّد خلال الكتبة والفرّيسيين والصدّوقيّين مع الكهنة ورؤساء الكهنة، لكنّه وجد موضع راحة في قرية قريبة تُسمى "بيت عنيا"، إنه يهتمّ أن يذهب إلى هذا البيت الذي هو بيت لعازر ومريم ومرثا ليستريح فيه. "بيت عنيا" يعني "بيت العناء أو الألم". فإن كان العالم يجري وراء الترف واللذّة الزمنيّة فلا يجد الرب راحته إلا في القلب الذي يصير "بيت عنيا"، محتملاً الآلام من أجل الملكوت. لقد خرجت الألوف في أورشليم تستقبل السيِّد، لكنّه لم يجد قلوبًا منفتحة لاستقباله مثل أصحاب هذا البيت! يُعلّق القدّيس جيروم على ذهاب السيِّد إلى بيت عنيا قائلاً: [كان شديد الفقر بعيدًا كل البعد عن التملُّق فلم يجد في المدينة الكبيرة (أورشليم) مأوى أو مسكنًا، إنّما سكن عند لعازر وأختيْه في بيت صغير جدًا في بيت عنيا.] 5. شجرة التين العقيمة ما كان يمكن أن تقوم مملكة السيِّد إلا بهدم مملكة الظلمة، لهذا إذ أراد غرس كرمه المقدّس التزم أن يحطَّم التينة العقيمة. حقًا لقد كان للتينة ورقها الجذّاب، يأتي إليها الجائع ظنًا أنه يجد ثمرًا، لكنّه يرجع جائعًا. هكذا كان لليهود ورقهم الأخضر من معرفة عن الله وحفظ للشريعة وتسجيل للنبوّات. لكن مع هذا كلّه لم تكن لهم الحياة الداخليّة التي تقدّم ثمرًا. لقد ارتبطوا بالشكل الخارجي البرّاق دون التمتّع بالأعماق الحيّة، اهتموا بالحرف دون الروح. لذلك فإن ما فعله السيِّد، هو هدم للحرف لإقامة الروح الواهب الحياة. وقف السيِّد أمام شجرة التين العقيمة فجفَّت بكلمةٍ من فيهِ، وكما يقول القدّيس جيروم: [تبدَّدت ظلمة الليل بأشعة ضوء الصباح.] ويُعلّق القدّيس أغسطينوس على لَعن شجرة التين، بقوله: [أدرك الرب يسوع أن شجرة معيّنة تستحق أن تصير يابسة، إذ لها الورق دون الثمر. هذه الشجرة هي مجمع اليهود... كان لديهم كل كتابات الأنبياء التي لم تكون إلا أوراقًا، والمسيح جائع يطلب ثمرًا فيهم فلا يجد، إذ لم يجد نفسه بينهم. فمن ليس له المسيح ليس له ثمر. من لا يتمسَّك بوحدة المسيح لا يكون له المسيح، وأيضًا من ليس له المحبّة... اسمع الرسول يقول: "وأما ثمر الروح فهو محبّة" (غل 5: 22) مظهرًا عظمة هذا العنقود خلال هذه الثمرة.] [إننا نجد شجرة التين تُلعن لأن لها ورق بلا ثمر، ففي بداية الجنس البشري لذ أخطأ آدم وحواء صنعا لنفسيهما إزاريْن من أوراق التين (تك3: 7)، هذه التي تُشير إلى الخطايا. نثنائيل أيضًا كان تحت شجرة التين كمن هو تحت ظل الموت، هذا الذي رآه الرب الذي يهتمّ بمن قيل عنهم: "الجالسون في أرض ظلال الموت أشرّق عليهم نور" (إش 9: 2).] إذ يبست الشجرة تعجّب التلاميذ لهذا، فقال لهم السيِّد: "الحق أقول لكم إن كان لكم إيمان ولا تشكّون فلا تفعلون أمر التينة فقط، بل إن قلتم أيضًا لهذا الجبل انتقل وانطرح في البحر فيكون" [21]. وكما يقول القدّيس أغسطينوس: [إنه قد جفَّت تينة اليهود التي رفضت أن تحمل المسيح فيها ثمرًا حيًا، لهذا يقول الرب "أوصَى الغَيْم أن لا يُمطر عليها مطرًا" (إش 5: 6)، لكن بالإيمان انطلق السيِّد المسيح الجبل الحقيقي وانطرح في بحر الأمم، ليتحقّق القول النبوي "جعلتُك نورًا للأمم ليكون خلاص إلى أقصى الأرض" (إش 49: 6).] إن كان لنا الإيمان بالمسيح يسوع ربَّنا، فإنه ليس فقط يجفِّف تينتنا العقيمة التي اِحتلَّت مقدِسه في قلوبنا، وإنما يدخل بنفسه إلينا كما ينطرح الجبل في البحر ليكون سرّ خلاص لنا. بالإيمان ننعم بكل شيء في المسيح يسوع مادمنا نناله فينا، وكما يقول القدّيس مار فيلوكسينوس: [الإيمان يعطي الإنسان قوّة إلهيّة فيه، حيث يؤمن أن كل شيء يريده يفعله!] 6. جدال الرؤساء معه إذ وجَّه السيِّد ضربة لتحطيم مملكة الخطيّة، خاصة الرياء مقيمًا مملكة البرّ، ثار رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب، وكأنهم قاموا يدافعون عن الظلمة، إذ سألوه: "بأي سلطان تفعل هذا؟ ومن أعطاك هذا السلطان؟" [23]. ولم يكن هذا التساؤل بقصد التمتّع بالمعرفة الروحيّة لبنيانهم، وإنما بقصد اقتناص الفرصة لمهاجمته، لهذا لم يُجب سؤالهم، إنّما ردّ عليه بسؤال، إذ قال لهم: "وأنا أيضًا أسألكم كلمة واحدة، فإن قلتم لي عنها أقول لكم أنا أيضًا بأي سلطان أفعل هذا. معموديّة يوحنا من أين كانت: من السماء أم من الناس؟" [24-25]. لقد سألوه بمكرٍ: بأي سلطان تفعل هذا؟ وكما يقول القدّيس كيرلّس الكبير: [إنهم ظنّوا بهذا يجرحون مشاعره ككاسر للناموس الموسوي، إذ لم يكن من سبط لاوي بل من سبط يهوذا، ليس له حق التعليم وشرح الناموس الخ. ولم يُدركوا أنه هو نفسه واضع الناموس.] أجابهم السيِّد بحكمة، فكتم مكرهم بسؤالهم عن القدّيس يوحنا المعمدان، إذ "فكّروا في أنفسهم قائلين: إن قلنا من السماء، يقول لنا فلماذا لم تؤمنوا به؟ وإن قلنا من الناس، نخاف من الشعب، لأن يوحنا عند الجميع مثل نبي" [26]. بقدر ما نتقدّم للسيِّد بقلبٍ بسيطٍ ندخل إلى أسراره، إذ يفرح بنا ويقودنا بروحه القدّوس إلى معرفة أسراره غير المُدركة. أمّا من يستخدم مكر العالم فلا يقدر أن يدخل إليه، بل يبقى خارجًا محرومًا من معرفته. لقد فقد الفرّيسيّون والكهنة وشيوخ الشعب بساطتهم، إذ طلبوا مجدهم الذاتي، ممّا دفعهم إلى الخوف من الناس فلم يدخلوا إلى الحق. وكما يقول القدّيس كيرلّس الكبير: [لاحظ مكر الفرّيسيّين الشديد فقد هربوا من الحق، رفضوا النور، ولم يشعروا بخوف عند اِرتكاب الخطيّة.] 7. مثل الابنين والكرْم إذ يهدم السيِّد الشرّ يقدّم تبريرًا وتوضيحًا لتصرُّفه، والآن إذ دخل أورشليم وقد هاج الرؤساء الدينيّون عليه قام بتوضيح ضرورة طردهم من الكرم ليقيم غيرهم، قادرين على الرعاية بمفهوم جديد يليق بملكوته. في المثل الذي بين أيدينا يَظهر رب المجد كرب بيت يسأل ابنيه أن يعملا في كرْمه - أي كنيسته - لحساب ملكوت السماوات، والأول يمثّل الأمم، الذين بدءوا حياتهم برفض العمل، لكنهم ندِموا أخيرًا ومضوا يعملون في الكرْم، أمّا الثاني فيُشير لليهود الذين قالوا "ها أنا يا سيّد" [30]، لكنهم لم يمضوا. حقًا لقد قبل اليهود العمل في الملكوت لكنهم قبلوه بالكلام دون العمل، لذلك طَردوا أنفسهم بأنفسهم من الكرْم، ليتركوا مكانهم للأمم الذين لم يسمعوا لله أولاً لكنهم عادوا ليُطيعوه. ما أصعب على نفس هؤلاء المؤتمنين على كلمة الله أن يتركوا الكراسي - بسبب عدم إيمانهم بالحق - للعشّارين والزواني الذين سبقوهم إلى ملكوت الله بالإيمان. 8. مثل الكرّامين الأشرار لخّص السيِّد تاريخ الخلاص كلّه في هذا المثل، فيه أوضح محبّة الله المترفّقة، إذ غرس كرمًا وأحاطه بسياج، وحفر فيه معصرة، وبنى برجًا، وسلّمه إلى كرّامين، وسافر. لقد ائتمنهم على الكرم بعد أن قدّم لهم كل الإمكانيّات للعمل، لكن إذ أرسل عبيده يطلب ثمرًا، جلَد الكرّامون بعضهم، وقتلوا بعضًا، ورجموا بعضًا. وتكرّر الأمر في دفعة أخرى، وأخيرًا "أرسل إليهم ابنه قائلاً: يهابون ابني. وأما الكرّامون فلما رأوا الابن قالوا بينهم: هذا هو الوراث، هلمّوا نقتله، ونأخذ ميراثه. فأخذوه وأخرجوه خارج الكرم وقتلوه" [37-39]. في المثل السابق ظهر اليهود كأصحاب كلام بلا عمل، ففقدوا مركزهم ليحل محلَّهم من بالعمل أعلنوا ندمِهم على ماضيهم. أمّا هنا فالسيِّد يكشف لهم أنهم عبر التاريخ كلّه لم يكونوا فقط غير عاملين، وإنما مضطهِدين لرجال الله في أعنف صورة، حتى متى جاء ابن الله نفسه الوارث يُخرجونه خارج أورشليم ليقتلوه! لقد أصدر الحكم عليهم من أفواههم، إذ سألهم: "فمتى جاء صاحب الكرم ماذا يفعل بأولئك الكرّامين؟" قالوا له "أولئك الأردياء يهلكهم هلاكًا رديًا، ويسلّم الكرْم إلى كرّامين آخرين، يعطونه الأثمار في أوقاتها" [40-41] وختم السيِّد على الحكم بقوله: "أمَا قرأتم قط في الكتب: الحجر الذي رفضه البنّاؤون هو قد صار رأس الزاوية، من قِِبَل الرب كان هذا وهو عجيب في أعيننا. لذلك أقول لكن إن ملكوت الله يُنزع منكم ويعطي لأُمَّة تعمل أثماره. ومن سقط على هذا الحجر يترضَّض، ومن سقط هو عليه يسحقه" [42-44]. هكذا بلغ بهم السيِّد إلى النتيجة، ألا وهي الحاجة إلى هدْم البناء القديم ليقوم ملكوت الله على أساس جديد. ما هو الحجر المرفوض؟ قيل أنه عند بناء هيكل سليمان وَجد البنّاؤون حجرًا ضخمًا، فظنّوا أنه لا يصلح لشيءٍ فاحتقروه، ولكن إذ احتاجوا إلى حجر في رأس الزاوية لم يجدوا حجرًا يصلح مثل ذلك الحجر المُحتقر. وكان ذلك رمزًا للسيِّد المسيح الذي احتقره رجال الدين اليهودي، ولم يعلموا أن الحجر الذي يربط بين الحائطين في الهيكل الجديد، يضم فيه من هم من اليهود ومن هم من الأمم، ليصير الكل أعضاء في الملكوت الجديد. شرح القدّيس كيرلّس الكبير هذا المثل في شيء من التفصيل، إذ قال: [إن كان أحد يفحص مدلول ما قيل هنا بعينيّ الذهن الفاحصين يجد كل تاريخ بني إسرائيل مختصرًا في هذه الكلمات. فمن هو الذي غرس الكرم، وماذا يُفهم بالكرم المغروس قد أوضحه المرتّل بقوله عن الإسرائيليّين... "كرمَة من مصر نُقلت، طَردت أُممًا وغرستْها، هيَّأت قدامها فأصَّلت أصولها فملأت الأرض" (مز 80: 8-9). ويُعلن النبي الطوباوي إشعياء ذات الأمر بقوله: "كان لحبيبي كرْم على أَكَََمَة خصبة" (إش 5: 1)، ويتحدّث بأكثر قوّة موضّحًا ما سبق أن قيل بطريقة غامضة: "إن كرم رب الجنود هو بيت إسرائيل وغرس لذّته رجال يهوذا" (إش 5: 7). إذن الله هو غارس الكرم، سافر لمدة طويلة. إن كان الله يملأ الكل وليس غائبًا عن أي كائن بل هو موجود، فكيف سافر صاحب الكرم زمانًا طويلاً؟ هذا يعني أنهم بعد أن رأوه في شكل نار عند نزوله على جبل سيناء مع موسى الذي تكلم معهم بالشريعة كوسيطٍ، لم يعد يهبهم حضرته بطريقة منظورة، وإنما استخدم التشبيهات مأخوذة عن الأعمال البشريّة، فكانت علاقته بهم علاقة من هو سافر عنهم في رحلة بعيدة. إذن كما قلت، لقد سافر ومع هذا كان مهتمّا بكرْمه، يشغِل ذهنه. وإذ أرسل لهم خدّامًا أمناء على مراحل ثلاث مختلفة ليطلب المحصول أو الفاكهة من مخازن كرْمه. لم يترك فترة فاصلة بين هذه المراحل لم يُرسل الله فيها أنبياء أو أبرارًا ينصحون إسرائيل ويَحثّونه على تقديم ثمار حسب الشريعة لأمجاد الحياة. لكنهم كانوا أشرّارًا وعصاه ومتحجّري القلب، وكانت قلوبهم قاسية لا تقبل النصيحة حتى أنهم لم يصغوا للكلمة التي تنفعهم. فنرى إشعياء النبي وهو شخص يمكن القول إنه ذاب من كثرة الأتعاب والمشقّات بلا نفع، قائلاً: "يا رب من صدّق خبرّنا" (إش 53: 1). فبتجاهلهم للمرسلين إليهم "أرسلوهم فارغين" (لو 20: 10)، إذ لم يكن لهم من شيء صالح يقدّمونه لله مُرسلهم. وقد وبّخ إرميا أيضًا جموع اليهود مع حكّامهم بسبب عجرفتهم، وأنذره قائلاً: "من أُكلِّمه وأُنذره فيسمع؟! ها إن أُذنهم غلْفاء فلا يقدرون أن يَصغوا. ها إن كلمة الرب قد صارت لهم عارًا لا يُسرُّون بها" (إر6: 10). وفي موضع آخر يحدّث أورشليم هكذا: "داويْنا بابل فلم تُشفَ، دعوهما ولنذهب كل واحد إلى أرضه، لأن قضاءها وصل إلى السماء" (إر 51: 9). وكما قلت أنه يدعو أورشليم بابل، لأنها لا تختلف عن فارس (عاصمتها بابل) في عصيانها وارتدادها، ولأنها لم ترد أن تخضع للشرائع المقدّسة. وأيضًا ربّما لأنها صارت محتقرة، لأن ليس لها معرفة الله، إذ اختارت أن تتعبّد للخليقة دون الخالق ولعمل يديها، لأن إسرائيل كان مخطئًا بالارتداد عن الإيمان وعبادة الأوثان. هذا هو الطريق الذي به يطردون المرسلين إليهم بخزي. إذ تأمّل رب الكرْم مع نفسه قال: "ماذا أفعل؟!" (لو 20: 13). ويليق بنا أن نفحص بدقّة معنى هذا القول. هل يستخدم صاحب الكرْم هذه الكلمات، لأنه لم يعد له خدّام آخرين؟ بالتأكيد لا، فإن الله لا ينقصه خدّام لتحقيق إرادته المقدّسة. لكنّه كطبيب يقول للمريض: ماذا أفعل؟ من هذا نفهم أن الطبيب قد استخدم كل مصدر للفن الطبّي ولكن بلا نفع. لهذا نؤكد أن رب الكرْم قد مارس كل رقَّة ورعاية مع كرْمه، لكنّه دون أن ينتفع الكرْم بشيء، لهذا يقول: ماذا أفعل؟ وما هي النتيجة؟ لقد أراد أن يحقّق هدفًا أعظم إذ قال "أرسل ابني الحبيب، لعلّهم إذ رأوه يهابونه". فبعد إرساله الخدّام أرسل الابن كواحد لا يُحصى بين الخدّام إذ هو الرب والابن الحقيقي. إن كان قد أخذ شكل العبد من أجل التدبير لكنّه هو الله، ابن الله الآب نفسه، له سلطان طبيعي. فهل كرّم هؤلاء ذاك الذي جاء بكونه الابن والرب والمالك، بكونه وارثًا كل ما يخصّ الله الآب؟! لا، بل قتلوه خارج الكرْم، وقد دبّروا فيما بينهم عملاً غبيًا مملوء جهالة وشرًا، قائلين: "هلمّوا نقتله لكي يصير لنا الميراث". لكن اخبرني، كيف نقبل هذا؟ هل أنت ابن الله الآب؟ هل يكون لك الميراث طبيعيًا؟ إن كنت تطرد الوارث بعيدًا عن الطريق، فكيف تصير أنت ربًا تطمع في الميراث؟! كيف لا يكون هذا أمرًا مضحكًا وسخيفًا؟! فالرب بكونه الابن وكوارثٍ حقيقيٍ له السلطان لدى الآب قد صار إنسانًا، دعا الذين آمنوا به إلى شركة مملكته فيكون مالكًا معهم، أمّا هؤلاء فقد أرادوا نوال المملكة بمفردهم دونه، مغتصبين لأنفسهم الميراث الربّاني. هذا الهدف كان مستحيلاً ومملوء جهالة، لذلك يقول عنهم الطوباوي داود في المزامير: "الساكن في السموات يضحك بهم والرب يستهزئ بهم" (مز 2: 4). ولهذا طرد رؤساء مجمع اليهود بسبب مقاومتهم إرادة الله، مطالبًا إيّاهم بتسليم الكرْم الذي أُؤتُمنوا عليه ولم يُثمر. لقد قال الله في موضع آخر: "رعاة كثيرون أفسدوا كرمي، داسوا (دنّسوا) نصيبي، جعلوا نصيبي المشتهَى برّيّة خربة، جعلوه خرابًا" (إر 12: 10). وقيل على لسان إشعياء: "قد اِنتصب الرب للمخاصمة وهو قائم لدينونة الشعوب، الرب يدخل في المحاكمة مع شيوخ شعبه ورؤسائهم، وأنتم قد أكلتم (حرقتم) الكرم" (إش 3: 13-14). فإذ ردُّوا الأرض بلا ثمر كأشرار، فإنهم بعدلٍ يسقطون تحت ضيقات قاسية بسبب إهمالهم وقتلهم للرب. "ويعطي الكرم لآخرين"، من هم هؤلاء الآخرون؟ أجيب إنهم جماعة الرسل القدّيسين، والمبشّرون بالوصايا الإنجيليّة وخدّام العهد الجديد. الذين يعرفون كيف يهذّبون الناس بطريقةٍ لائقةٍ بلا لومٍ، ويقودونهم في كل شيء بما يَسُر الله بطريقة رائعة. هذا ما تتعلَّمه من قول الله على لسان إشعياء لأُمَّة اليهود أي مجمعهم: "وأرُد يدي عليكِ... وابحث عنك لأُنقّيكِ والذين لا يطيعونني يهلكون، وأنزع عنكِ فاعلي الشرّ وأخضع المتعجرفين، وأعيد قُضاتك كما في الأول ومشيريكِ كما في البداءة" (إش 1: 25) الخ. وكما قلت يُشير بهذا إلى مبشري العهد الجديد الذين قيل عنهم في موضع آخر في إشعياء: "أمّا أنتم فتُدعون كهنة الرب، تُسمُّون خدّام الله" (61: 6). أما كون الكرْم قد أُعطيَ لكرّامين آخرين، ليس فقط للرسل القدّيسين، وإنما أيضًا للذين جاءوا بعدهم، وإن كانوا ليسوا من دم إسرائيلي، فهذا يعلنه إله الجميع بقوله على لسان إشعياء عن كنيسة الأمم وعن بقيّة إسرائيل: "ويقف الأجانب ويرعون غنمكم ويكون بنو الغريب حُرَّاثيكم وكرَّاميكم" (إش 61: 5). فإنه بحق كثير من الأمم حُسِبوا كقدّيسين، وقد صاروا معلِّمين ومدرِّبين، وإلى الآن يوجد رجال من أصل أممي يحتلُّون مراكز كبرى في الكنائس يبذرون بذار التقوى التي للمسيح في قلوب المؤمنين ويردُّون الأمم الذين أُؤتُمنوا عليهم ككروم جميلة في نظر الله.] ويُعلّق القدّيس كيرلّس أيضًا على كلمات السيِّد عن نفسه أنه الحجر المرفوض، هكذا: [المخلّص هو الحجر المختار وقد رذَله هؤلاء الذين كان يجب عليهم بناء مجمع اليهود، وقد صار رأس الزاوية. يشبِّهَه الكتاب المقدّس بحجر زاوية، لأنه يجمع الشعبين معًا: إسرائيل والأمم في إيمان واحد وحب واحد (أف2: 15).] 9. إدراك الرؤساء أمثلته "ولما سمع رؤساء الكهنة والفرّيسيّون أمثاله عرفوا أنه تكلَّم عليهم. وإذ كانوا يطلبون أن يمسكوه، خافوا من الجموع، لأنه كان عندهم مثل نبي" [45-46]. لقد أدرك رؤساء الكهنة والفرّيسيّون كلمات الرب بعقولهم لكنهم لم يقبلوها بروح الحب والبنيان، وعِوض أن يقدّموا توبة عما ارتكبوه فكّروا في الانتقام منه. من أقوال الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
الإصحَاحُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ دخول المسيح أورشليم في موكب عظيم (مت1:21-11+ مر1:11-11+ لو29:19-44+ يو12:12-19) شجرة التين غير المثمرة (مت18:21، 19، [20-22]+ مر12:11-14، [20-26) تطهير يسوع للهيكل للمرة الثانية (مت12:21-17+ مر15:11-19، 11+ لو45:19-48+ لو37:21، 38)، كانت المرة الأولى في بداية خدمة المسيح (يو14:2-17) شجرة التين اليابسة (متى 20:21-22) سؤال الرؤساء عن سلطان يسوع (متى 23:21-27) ثلاثة أمثال إنذار (متى 28:21-14:22) دخول المسيح أورشليم في موكب عظيم مت1:21-11 + مر1:11-11 + لو29:19-44 + يو12:12-19 هذا اليوم كان في خطة الله هي يوم إعلان ملكه ونوع ملكه. فدخل المسيح أورشليم في موكب ملك كمنتصر غالب في الحرب، لكن بتواضع ومحبة وما حدث من إستقبال الناس له لم يكن بترتيب بشري إنما هو بترتيب إلهي. وكملك دخل بيت أبيه أي الهيكل ليطهره. (مت1:21-11) بيت عنيا وبيت فاجي هما من ضواحي أورشليم فهما تحسبان أنهما من أورشليم. فهناك طريق واحد منها إلى أورشليم وبيت عنيا توجد على السفح الشرقي، شمال جبل الزيتون، وبيت فاجي على السفح الشرقي، جنوب جبل الزيتون، أمّا السفح الغربي لجبل الزيتون فيقع عليه بستان جثسيماني.ونلاحظ أن قمة جبل الزيتون تحجب رؤيا أورشليم عمن هو في بيت عنيا. وقد أتى المسيح إلى بيت عنيا لوليمة سمعان الأبرص عشية يوم الأحد. ودخل المسيح فصحنا إلى أورشليم عشية يوم 10نيسان، وهو اليوم الذي يحفظ فيه خروف الفصح حتى يقدم يوم 14نيسان. فالمسيح دخل أورشليم في نفس اليوم الذي يختارون فيه خروف الفصح. كانت أورشليم تكتظ بالحجاج (أع8:2-11) ويقدرهم يوسيفوس بحوالي 2.700.000حاج. ونلاحظ أن الأناجيل الأربعة إهتمت بهذا الأسبوع الأخير من حياة السيد المسيح فمثلاً إنجيل متى إشتمل على الإصحاحات 21-28 ليروي فيها ما حدث في هذا الأسبوع، أسبوع آلام السيد والذي قدّم فيه السيد نفسه ليكون فصحنا ويعبر بنا من الظلمة إلى ملكوته الأبدي. الآيات (1-3): "ولما قربوا من أورشليم وجاءوا إلى بيت فاجي عند جبل الزيتون حينئذ أرسل يسوع تلميذين. قائلاً لهما اذهبا إلى القرية التي أمامكما فللوقت تجدان أتاناً مربوطة وجحشاً معها فحلاهما وأتياني بهما. وإن قال لكما أحد شيئاً فقولا الرب محتاج إليهما فللوقت يرسلهما." جاءوا إلى بيت فاجي= ومرقس يقول بيت فاجي وبيت عنيا.. وأنظر الرسم، ومنه نفهم أن حدود بيت عنيا وبيت فاجي مشتركة ولهم طريق واحد مشترك إلى أورشليم. وقلنا سابقاً أن بيت عنيا تعني بيت الألم والعناء. أمّا بيت فاجي فتعني بيت التين (ربما لكثرة أشجار التين فيها). ولكن التينة تشير للكنيسة التي يجتمع أفرادها في محبة، وهي في العالم في عناء (الحدود مشتركة) لكن المسيح في وسطها. يفرح بالحب الذي فيها ويشترك في ألامها ويرفعها عنها ويعزيها وهي على الأرض. أتاناً مربوطة وجحشاً معها= أمّا باقي الإنجيليين (مرقس ولوقا ويوحنا) فقد ذكروا الجحش فقط وقالوا لم يجلس عليه أحد قط. وقال معظم الأباء أن الأتان المربوطة تشير لليهود الذين كانوا مؤدبين بالناموس مرتبطين به، خضعوا لله منذ زمان. لكنهم في تمردهم وعصيانهم مثل الحمار الذي إنحط في سلوكه ومعرفته الروحية، يحمل أحمالاً ثقيلة من نتائج خطاياه الثقيلة، والحمار حيوان دنس بحسب الشريعة. وهو من أكثر حيوانات الحمل غباءً، هكذا كان البشر قبل المسيح. أمّا الجحش فيمثل الأمم الشعب الجديد الذي لم يكن قد إستخدم للركوب من قبل، ولم يروَّض لا بالناموس ولا عَرِف الله، عاشوا متمردين أغبياء في وثنيتهم، لم يستخدمه الله قبل ذلك ولذلك فهم بلا مران سابق وبلا خبرات روحية. (مز12:49). أتان= أنثى الحمار. جحش= حمار صغير. ومتى وحده لأنه كتب لليهود أشار للأتان والجحش، أمّا باقي الإنجيليين فلأنهم كتبوا للأمم أشاروا فقط للجحش. ربما ركب المسيح على الأتان فترة من الوقت، وعلى الجحش فترة أخرى ليريح الجحش. لكن الإنجيليين الثلاثة يشيروا لبدء دخول الإيمان للأمم. ونلاحظ في (رؤ2:6) أن المسيح ظهر راكباً على فرس أبيض يشير لنا نحن المؤمنين. فالمسيح يقودنا في معركة ضد إبليس وخرج غالباً ولكي يغلب فينا. حينئذ أرسل يسوع تلميذين= رمز لمن أرسلهم المسيح من تلاميذه إلى اليهود والأمم. قولا الرب محتاج إليهما= هذه تشير لأن الله يريد أن الجميع يخلصون (يهوداً وأمم). ولاحظ أنه لم يقول ربك محتاج أو ربنا محتاج بل الرب محتاج فهو رب البشرية كلها، وأتى من أجل كل البشرية. وهو هنا يتطلع إلى البشرية ليس في تعالي بل كمن هو محتاج إلى الجميع، يطلب قلوبنا مسكناً له وحياتنا مركبة سماوية تحمله. فحلاّهما= هذه هي فائدة الكرازة التي قام بها التلاميذ في العالم، أن يؤمن العالم فَيُحَّلُ من رباطات خطيته (يو22:20،23) التي كان يحملها كما يحمل الحمار الأثقال على ظهره. الكنيسة تحل أولادها من رباطات الخطية ليملك عليها المسيح ويقودها لكن كفرس في معركة ضد الشيطان. ونلاحظ أن المسيح لم يدخل أورشليم ولا مرّة، ولا أي مدينة أخرى في موكب مهيب بهذه الصورة سوى هذه المرة لإعلان سروره بالصليب، وهو قبل هذا الموكب فهو حسبه موكبه كملك يملك بالصليب. ويوحنا وحده الذي أشار لهتاف الجماهير بقولهم ملك إسرائيل. ونلاحظ أن المسيح لم يدخل كالقادة العسكريين على حصان فهو مملكته ليست من هذا العالم، ويرفض مظاهر العظمة العالمية والتفاخر العالمي. ويطلب فقط مكاناً في القلوب، يحمل عنها خطاياها التي تئن من ثقلها (كالحمار) فترد لهُ جميله بأن تسكنه في قلبه (مز22:73،32) فيحولها لمركبة سماوية (مز10:18) إن قال لكما أحد شيئاً= غالباً كان صاحب الحمار من تلاميذ المسيح الذين آمنوا به سراً. الآيات (4،5): "فكان هذا كله لكي يتم ما قيل بالنبي القائل. قولوا لإبنة صهيون هوذا ملكك يأتيك وديعاً راكباً على أتان وجحش ابن أتان." إبنه صهيون= أي سكان أورشليم (أش11:62+ زك9:9) والإقتباس تماماً من السبعينية. يأتيك وديعاً= حتى لا يهابوه بل يحبوه لذلك دخل راكباً أتان ولم يركب حصان في موكب مهيب كقائد عسكري. ولكنه الآن يركب حصان، فرس أبيض الذي هو أنا وأنت ليحارب إبليس ويغلب. ومن الذي يغلب إلاّ الذي دخل المسيح قلبه وملك عليه، فدخول المسيح أورشليم يشير لدخوله قلوبنا. الآيات (6-8): "فذهب التلميذان وفعلا كما أمرهما يسوع. وآتيا بالأتان والجحش ووضعا عليهما ثيابهما فجلس عليهما.والجمع الأكثر فرشوا ثيابهم في الطريق وآخرون قطعوا أغصاناً من الشجر وفرشوها في الطريق." فرش الثياب هي عادة شرقية دليل إحترام الملوك عند دخولهم للمدن علامة الخضوع وتسليم القلب. ونحن فلنطرح أغلى مالدينا تحت قدميه. فما حدث يعني أنهم يقبلونه ملكاً عليهم، أو يملكونه عليهم. وإستخدامهم لأغصان الأشجار (غالباً شجر الزيتون) مع سعف النخيل يشير للنصرة (نصرة على الخطية) مع السلام. فالنخل يشير بسعفه للنصرة والغلبة (رؤ9:7). والأغصان تشير للسلام (حمامة نوح عادت بغصن زيتون) وهذا ما كان اليهود يفعلونه وهم يحتفلون بعيد المظال، عيد الأفراح الحقيقية وهذا يدل على فرح الشعب بالمسيح الذي يدخل أورشليم. وكل من يملك المسيح على قلبه يغلب ويفرح. وفرش الأرض بالخضرة هو رمز للخير الذي يتوقعونه حين يملك المسيح. آية (9): "والجموع الذين تقدموا والذين تبعوا كانوا يصرخون قائلين أوصنا لابن داود مبارك الآتي باسم الرب أوصنا في الأعالي." إستعمل البشيرون عبارات مختلفة ولكن هذا يعني أن البعض كان يقول هذا والبعض الآخر كان يقول تلك. أمّا تسابيحهم فتركزت في كلمة أوصنا نطق أرامي معناه خلصنا فهي مأخوذة من هوشعنا بمعنى الخلاص أي يا رب خلص (هو من يهوه)، فالفرح كان بالمسيح المخلص وغالباً هم فهموا الخلاص أن المسيح سيملك عليهم أرضياً ويخلصهم من الرومان. وهذه التسبحة (أوصنا.. ..) مأخوذة من مزمور (118). الجموع الذين تقدموا والذين تبعوا= طبعاً هذه تشير لأن بعض الجموع تقدموا الموكب وبعض الجموع ساروا وراء الموكب. ولكنها تشير لمن آمن بالله وعاشوا قبل مجيء المسيح من القديسين، ولمن آمن بالمسيح بعد مجيئه. فالكل إستفاد بالخلاص الذي قدّمه المسيح. الكل في موكب النصرة. لذلك فالمسيح نزل إلى الجحيم من قبل الصليب ليفتحه ويخرج القديسين الذين كانوا فيه ويأخذهم إلى الفردوس. فالمسيح هو مخلص كل العالم. أوصنا لإبن داود= إشارة لناسوت المسيح وتجسده. أوصنا في الأعالي= فهو الذي أتى من السماء وسيذهب للسماء .. (يو13:3). الآيات (10-11): "ولما دخل أورشليم ارتجت المدينة كلها قائلة من هذا. فقالت الجموع هذا يسوع النبي الذي من ناصرة الجليل." سكان المدينة لم يعرفوه. ولكن من سمع عنه وعمل معه معجزات قد عرفوه. وهؤلاء كان أغلبيتهم من الجليليين الذين هم في وسط الجموع. وكل من دخل المسيح قلبه يرتج قلبه فيطرد من داخله كل خطايا تمنعه من الفرح بالمسيح المخلص ويبدأ في التعرف عليه. لقد خطط المسيح دخوله أورشليم في هذا الموكب المهيب ليعلن أنه ملك ولكن على القلوب وكجزء من تدبير صلبه يوم الفصح (الجمعة). فهو بهذا أثار اليهود ضده فهو دخل كملك ظافر، المسيا الآتي لخلاص شعبه (فهو ملك بصليبه). شجرة التين غير المثمرة مت18:21،19،[20-22] + مر12:11-14 هناك عدة تساؤلات في موضوع التينة 1- المسيح هنا جاع وطلب أن يأكل من شجرة تين رأى أوراقها عليها خضراء ولماّ لم يجد ثمراً لعنها فيبست!! والسؤال هل هذا الموقف يمكن تفسيره بطريقة بسيطة؟ وهل المسيح الذي صام من قبل 40يوماً ورفض أن يطلب من الآب أن يُحوِّل له الحجارة خبزاً، حينما لا يجد تيناً على الشجرة يلعنها لأنه جائع. 2- والأعجب أن الوقت ليس وقت إثمار التين (مر13:11). من هذين السؤالين نفهم أنه لا يمكن تفسير هذه القصة إلاّ رمزياً. فشجرة التين تشير لإسرائيل (لو6:13-9+ هو10:9+ يؤ7:1+ يه12). فالمسيح لا يشبع من التين بل من الثمار الروحية المباركة التي يراها في المؤمنين (يو31:14-35). ومنها نفهم أن المسيح يفرح بإيمان البشر، هذا ما يشبعه + أش11:53). وكان المسيح يتمنى أن يؤمن به اليهود فيشبع ولكنه كان يعلن أنهم لن يؤمنوا، فهذا ليس وقت إثمار شجرة التين اليهودية. والمسيح لعنها إشارة لهدم القديم لتقوم شجرة التين المسيحية أي الكنيسة، ينتهي عهد قديم ليبدأ عهد جديد. لا يمكن أن تقوم مملكة السيد إلاّ بهدم مملكة الظلمة. ولاحظ أن لعن الأمة اليهودية كان بسبب عدم إيمانهم بالمسيح وصلبهم للسيد. بعد أن قدَّم لهم السيد كل إمكانيات الإثمار من ناموس وشريعة وأنبياء. لكنهم ظل لهم الورق، أي منظراً حلواً فهم لهم طقوسهم وهيكلهم وناموسهم لكنهم للأسف بدون ثمار، والثمار التي يريدها الله هي إيمانهم وأعمالهم الصالحة. والأوراق بدون ثمر تشير للرياء والرياء هو أن يظهر الإنسان غير ما يبطن مثل من له صورة التقوى ولكنه ينكر قوتها وهو بلا ثمر (2تي5:3). وتذكرنا أوراق التين، بما فعله آدم حين غطى نفسه بأوراق تين فلم تستره، لكن الله قدًّم له الحل في ذبيحة تشير لذبيحة المسيح وستره بها. وهذا يعني أن كل من يحاول أن يستر نفسه بأعمال تدين ظاهري دون ثمار إيمان داخلية، إيمان بصليب المسيح وفدائه يكون قد فعل كآدم ولم يستر نفسه. علينا أن نعترف بخطايانا ولا نكابر كآدم فيستر المسيح علينا. قارن (مت19:21 مع مر20:11) فنرى أن متى قال أنها يبست في الحال بينما أن مرقس يذكر أنهم رأوا هذا في الغد فما تفسير ذلك؟! هذا يذكرنا بأن الله قال لآدم "يوم تأكل.. تموت" ولكنه عاش أكثر من 900سنة وبهذا نفهم أن وقت أن لعن السيد التينة إنقطع عنها تيار الحياة ولكن بدأ يظهر عليها هذا الإنحلال في غد الثلاثاء. (هذا يشبه من يقول أنه لو تم فصل التيار الكهربي عن مروحة لابد وستقف، ولكنها حين نفصل التيار تظل دائرة لمدة بسيطة ثم تقف) هكذا في موضوع آدم فهو يوم أخطأ بدأ يسرى فيه تيار الموت والإنحلال ومات بعد مدة، ويوم لعن السيد التينة إنقطع عنها تيار الحياة وقوة الحياة في الحال وظهر عليها علامات الموت في اليوم التالي. وهذا ما حدث مع اليهود فهم يوم صلبوا المسيح لُعِنوا وإنقطع عنهم تيار بركة الله وحمايته وظهر هذا بعد أقل من 40سنة على يد تيطس حين خرّب أورشليم وهكذا كل إنسان يخطئ تسرى فيه عوامل الموت فوراً وإذا لم يقدم توبة ويتناول ليحيا، ستظهر عليه علامات الخراب سريعاً. والعكس فمن يكون في خطيته محروماً من بركة الله فحينما يقدم توبة ستعود له هذه البركات بالتأكيد حتى وإن تأخرت (حب17:3،18). (مت18:21-22) آية (21): "فأجاب يسوع وقال لهم الحق أقول لكم إن كان لكم إيمان ولا تشكون فلا تفعلون أمر التينة فقط بل إن قلتم أيضاً لهذا الجبل انتقل وانطرح في البحر فيكون." لقد جفت تينة اليهود بسبب عدم إيمانهم، ولكن بإيمان الأمم إنطرح الجبل الحقيقي وإنطرح وسط بحر الأمم (أش6:49). ونحن إن كان لنا الإيمان بالسيد المسيح سيجفف تينة إنساننا العتيق، ويدخل إلى داخلنا كما ينطرح الجبل في البحر ليكون خلاص لنا. بالإيمان ننعم بكل شئ في المسيح يسوع مادمنا نناله فينا. آية (22): "وكل ما تطلبونه في الصلاة مؤمنين تنالونه." فمن يطلب وهو متشكك لا يستجاب له.. ولكن إن كان لنا إيمان قدر حبة الخردل ووقفنا نصلي يستجيب الله فيزداد إيماننا، فنصلي بإيمان أكثر وحينما يستجيب يتزايد وينمو إيماننا وينزاح وينطرح جبل الشك في البحر ونصير مؤمنين فالله يداوي ويعالج عدم أو ضعف إيماننا. ملاحظات على موضوع التينة : · إنتشرت وسط اليهود أيام المسيح أفكار وثنية مفادها أن هناك إله للخير وإله للشر، وفي موضوع لعن التينة نرى أن المسيح يلعن التينة وكانت المرة الأولى والوحيدة التي تخرج من فم الرب يسوع كلمات لعنة، وهو بهذا أظهر أن هناك إله واحد يجازي بالخير ويدين أيضاً ويعاقب بالشرور، هو القادر على كل شئ فهو يقيم لعازر من الأموات وهو يعلن الأمة اليهودية التي لها مظهر التدين لكنها بلا ثمر، وسيصل شرهم لأن يصلبوه. وطالما أظهر قدرته على فعل الخير وإلحاق الشر بمن يريد، فهو كان قادراً أن يلحق الشر بصالبيه والجنود الذين أتوا ليلاً ليلقوا القبض عليه لكنه لم يريد وسلَّم نفسه طواعية وهو القادر. · التلاميذ رأوا صباح الثلاثاء التينة يابسة وبعد دقائق سألوا المسيح عن علامات الأياّم الأخيرة فقال لهم أن إحدى العلامات "أن شجرة التين يصبح ورقها أخضر، وربما نفهم هذا عن الأمة اليهودية التي ظلت في خراب حوالي 2000سنة وبدأت منذ سنوات تظهر كدولة مرة أخرى. (راجع مت 24). تطهير الهيكل مت12:21-17 + مر11:11،15-19+ لو45:19-48+ 37:21،38 · في بداية خدمة السيد المسيح طهَّرَ الهيكل (يو14:2-17). وهنا نسمع أنه يكرر تطهير الهيكل. ولكن نلاحظ فرقاً واضحاً بين متى ومرقس في ترتيب الأحداث فالإنجيلي متى يورد القصة كأنها حدثت بعد دخول المسيح إلى أورشليم مباشرة. أما مرقس فيذكر التفاصيل بصورة دقيقة. ففي يوم الأحد، يوم الشعانين عقب دخول السيد المسيح إلى أورشليم إتجه مباشرة للهيكل (مر11:11). ولم يفعل شيئاً سوى أنه نظر حوله إلى كل شئ. ثم نجد أن المسيح يذهب للهيكل صباحاً وفي طريقه إلى الهيكل لعن شجرة التين ثم ذهب للهيكل لتطهيره (مر15:11-19). ولا يوجد تناقض في هذا فمتى يكتب لليهود ويقدم لهم المسيح على أنه إبن داود الملك الذي دخل أورشليم كملك وإتجه مباشرة إلى هيكله ليطهره، هنا متى لا يهتم بالترتيب الزمني بل بالمعنى أو الهدف من دخول أورشليم أن يذهب المسيح كملك إلى قصره. فكل ملك يدخل إلى قصره ولكن لأن المسيح ملك سماوي، بل هو الله فقصره هو الهيكل بيت الله أبيه. أمّا مرقس فأورد القصة في مكانها الزمني ولكن بطريقة تسترعى الإنتباه فهو دخل للهيكل عقب دخوله أورشليم مباشرة كما قال متى، ولكنه لم يفعل شيئاً سوى أنه نظر كأنه يعاتب، ألم أطهر هذا المكان من قبل، ما الذي حدث إذن؟ وترك الهيكل ومضى. ولكنه في الغد أتى وطهًّره بطريقة شديدة. وهكذا مع كل منّا قبل أن يطهر المسيح حياتنا بعنف يعاتب ويحذر ثم يتدخل بعنف. (مت12:21-17) متى يورد القصة مباشرة بعد دخول المسيح أورشليم، فمتى يريد أن يشير لملك المسيح الروحي على قلوبنا، فحين يدخل قلوبنا يطهرها ويملك عليها فهو الملك الإلهي. فإذ يدخل الرب أورشليمنا الداخلية إنما يدخل إلى مقدسه، يقوم بنفسه بتطهيره. والسوط الذي يستخدمه قد يكون صوت الروح القدس الذي يبكت على خطية وقد يكون بعض التجارب والآلام. آية (12): "ودخل يسوع إلى هيكل الله واخرج جميع الذين كانوا يبيعون ويشترون في الهيكل وقلب موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام." يبيعون ويشترون= كانت هناك أماكن مخصصة لتغيير العملة ليدفع منها العابدين الجزية (ضريبة نصف الشاقل المقررة على كل يهودي. والشاقل هو العملة اليهودية وهي بدون صور)، ولما كان أناس يهود يأتون من كل العالم ومعهم عملاتهم كان لابد من تغييرها بالعملة المحلية. وكانوا يبيعون الطيور لتقديمها كذبائح ولكن الموضوع تطور ليصير تجارة تدر عائداً ضخماً على حنان وقيافا بل أن المكان الذي كان مخصصاً لصلاة الأتقياء من الأمم خصصوه للتجارة. ويرى البعض أنهم كانوا يقدمون قروض في مقابل هدايا عينية إذ أن الربا ممنوع. بل صاروا يتاجرون في كل شئ في الهيكل. آية (13): "وقال لهم مكتوب بيتي بيت الصلاة يدعى وانتم جعلتموه مغارة لصوص." (أش7:56+ أر11:7+ 1مل29:8+ نح17:11) آية (14): "وتقدم إليه عمي وعرج في الهيكل فشفاهم." هذا هو المسيح الذي أتى ليشفي ويطهر ليعدنا للملكوت السماوي. آية (15): "فلما رأى رؤساء الكهنة والكتبة العجائب التي صنع والأولاد يصرخون في الهيكل ويقولون أوصنا لابن داود غضبوا." عجيب أن يصنع السيد المسيح ما فعله في الهيكل وهو شخص وحيد منبوذ بلا إعتبار، مكروه من رؤساء الكهنة والكهنة، بل هو في قلبه لموائد باعة الحمام والصيارفة يهاجم مصالح رؤساء الكهنة المادية وشاهدوا دمار مكاسبهم. ولكن يبدو أن جلالاً إلهياً كان يبدو على ملامحه ونظراته أرعبتهم فسكتوا، ولم يستطيعوا أن يفعلوا شيئاً سوى أنهم غضبوا. وفي المقابل اكتشف الأطفال في براءتهم حلاوة وجهه ففرحوا به وسبحوا، أمّا من أعمتهم شهوات قلوبهم فرأوا فيه إنساناً مُضِّلاً للشعب. والأطفال لم يفهموا ما يقولونه لكنهم كانوا يرددون ما سمعوه من الكبار بالأمس= أوصنا لإبن داود. الأطفال الذين بلا معرفة إنفتح قلبهم وسبحوا أمّا دارسي النبوات فإنغلق قلبهم وعيونهم فلم يروا. والذي يريد أن يعرف كيف يسبح عليه أن يرجع ويصير مثل الأطفال في بساطتهم وبراءتهم وتصديقهم لما يسمعونه. آية (16): "وقالوا له أتسمع ما يقول هؤلاء فقال لهم يسوع نعم أما قرأتم قط من أفواه الأطفال و لرضع هيأت تسبيحاً." (مز2:8) أما الحكماء في أعين أنفسهم كالفريسيين فستكون لهم النبوات مجرد معلومات غير مفرحة ولا معزية. شجرة التين اليابسة مت20:21-22 + مر20:11-26 (مت20:21-22): "فلما رأى التلاميذ ذلك تعجبوا قائلين كيف يبست التينة في الحال. فأجاب يسوع وقال لهم الحق أقول لكم إن كان لكم إيمان ولا تشكون فلا تفعلون أمر التينة فقط بل إن قلتم أيضاً لهذا الجبل انتقل وانطرح في البحر فيكون. وكل ما تطلبونه في الصلاة مؤمنين تنالونه." يرى الدارسون أن الجبل المتحرك يشير إلى كل ما هو صعب. وكانت اللغة المألوفة عند حاخامات اليهود وفي مدارسهم أن من يفسر نبوة أو نصاً صعباً من الكتاب أنه محرك الجبال. وكما رأينا سابقاً أن الجبل أيضاً يشير للمسيح (دا 35:2،45) وبالإيمان ينتقل المسيح إلى القلب الذي مثل البحر في إضطرابه فيسوده السلام. وينتقل إلى الأمم الذين كالبحر فيسودهم الإيمان والفرح. ولكن هناك شرطين : 1- أن نصلي ونطلب بإيمان وليس عن شك. إلى أن تكون طلبتنا وفق مشيئة الله (1يو14:5). 2- أن يملأ القلب الصفح عن خطايا الآخرين ليغفر لنا الله، فالله لن يستجيب لمن يملأ قلبه الكراهية والغضب والحقد وطلب الإنتقام ولا من يملأ قلبه الشهوات النجسة. الله يستجيب لمن يكون قلبه طاهراً فيسكن فيه. ولاحظنا أن المسيح لعن التينة يوم الإثنين فتوقف عنها تيار الحياة فوراً ولكن علامات الموت ظهرت يوم الثلاثاء صباحاً. سؤال الرؤساء عن سلطان يسوع مت23:21-27 + مر27:11-33 + لو1:20-8 (مت23:21-27): "ولما جاء إلى الهيكل تقدم إليه رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب وهو يعلم قائلين بأي سلطان تفعل هذا ومن أعطاك هذا السلطان. فأجاب يسوع وقال لهم وأنا أيضاً أسألكم كلمة واحدة فان قلتم لي عنها أقول لكم أنا أيضاً بأي سلطان افعل هذا. معمودية يوحنا من أين كانت من السماء أم من الناس ففكروا في أنفسهم قائلين إن قلنا من السماء يقول لنا فلماذا لم تؤمنوا به. وإن قلنا من الناس نخاف من الشعب لأن يوحنا عند الجميع مثل نبي. فأجابوا يسوع وقالوا لا نعلم فقال لهم هو أيضاً ولا أنا أقول لكم بأي سلطان افعل هذا." هو كملك دخل وطهر الهيكل وبهذا يعلن أنه إبن الله والسؤال بأي سلطان تفعل هذا. والرد كان بسؤال عن يوحنا فلماذا؟ لأن يوحنا دعاهم للتوبة ولو فعلوا لإنفتحت بصيرتهم وعرفوه من هو. ورؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ الذين يكونون مجمع السنهدريم، إذ شعروا بأن السيد سلب سلطانهم بطرد الباعة وتطهير الهيكل، بل وأنه كان يجلس في الهيكل يعلم سألوه بأي سلطان تفعل هذا (لو قال من الله وهو قالها مراراً ولم يصدقوا، لقالوا إصنع معجزة، ولو صنع قالوا من إبليس) وأنت لست من سبط لاوي ولا أنت مكلف من رؤساء الكهنة، لو أتوا ليتعلموا ويبحثوا عن الحق لأجابهم السيد، ولكنهم أتوا يدافعون عن الظلمة ويقتنصوا منه كلمة. وهم في ظلمتهم لم يدركوا أنه هو واضع الناموس نفسه. وهو طالما علَّم ولم يريدوا أن يفهموا فلماذا يجيب هذه المرة بوضوح وقلبهم متحجر. وكان أن المسيح سألهم هل معمودية يوحنا من السماء أم من الأرض وهنا نلاحظ عدة نقاط: 1. أن يوحنا علَّم بدون سلطان منكم فلماذا تعترضون علىَّ بأنني لم أخذ منكم سلطاناً. فالمسيح لا يتهرب من الإجابة بل يواجه ضمائرهم. 2. إن يوحنا قد شهد للمسيح. فإن كانت رسالة يوحنا صحيحة من السماء فلماذا لم يؤمنوا، بالمسيح. بل هم سبقوا وإتهموا السيد أنه يخرج الشياطين بسلطان بعلزبول فهم يريدون التشكيك في المسيح أمام الجموع. فهم لو أجابوا أن معمودية يوحنا من السماء فيكون السؤال لهم فلماذا لم تؤمنوا بالمسيح بل لماذا لم تعتمدوا من يوحنا، ولو أنكروا أن معمودية أي خدمة ورسالة يوحنا كانت من السماء فهم يستعدون الناس عليهم وهم بهذا ينكرون الحق أيضاً. وبالتالي لا يستحقون أن يجيبهم السيد. ولذلك تهربوا من الإجابة على سؤال المسيح وقالوا لا نعلم فأثبتوا أنهم وهم معلمو إسرائيل أنهم غير مستحقين لهذا المنصب ولا يستطيعون التمييز والحكم الصحيح وبالتالي لا يستحقون أن يجيبهم المسيح (فالحقيقة أنهم رفضوا يوحنا خوفاً على مراكزهم). ولكنه أجابهم بعد ذلك بمثل الكرامين الأردياء. ونلاحظ أن مكر هؤلاء الرؤساء في سؤالهم أن المسيح لو قال أنا فعلت هذا بسلطان ذاتي لإقتنصوه بتهمة التجديف، ولو قال أنا فعلت هذا بسلطان من آخر يتشكك الناس فيه إذ هو يعمل أعمال إلهية وسطهم. لذلك لم يجيبهم السيد. ولنلاحظ أننا لو تقدمنا للمسيح بقلب بسيط يدخلنا إلى أسراره إذ يفرح بنا ويقودنا بروحه القدوس إلى معرفة أسراره غير المدركة، أمّا من يستخدم مكر العالم فلا يقدر أن يدخل إليه ويبقى خارجاً محروماً من معرفته. وهذا حال كثيرين من دارسي الكتاب المقدس وناقدي الكتاب المقدس. فبينما ينهل البسطاء من كنوز الكتاب المقدس ويشبعون يقف النقاد بكتبهم ومعارفهم يحاولون إصطياد فرق بين كلمة وكلمة وبين فعل وفعل في الكتاب المقدس طالبين مجدهم الذاتي، ولذلك ضاع منهم سر معرفة لذة الكتاب المقدس ولم يعرفوا المسيح بل وجدوا أنفسهم. فالمسيح لا يعلن نفسه لمن يتشامخ عليه. ثلاثة أمثال إنذار المثل الأول: الإبنان مت28:21-32 (28:21-32): "ماذا تظنون كان لإنسان ابنان فجاء إلى الأول وقال يا ابني اذهب اليوم اعمل في كرمي. فأجاب وقال ما أريد ولكنه ندم أخيراً ومضى. وجاء إلى الثاني وقال كذلك فأجاب وقال ها أنا يا سيد ولم يمض. فأي الاثنين عمل إرادة الآب قالوا له الأول قال لهم يسوع الحق أقول لكم أن العشارين والزواني يسبقونكم إلى ملكوت الله. لأن يوحنا جاءكم في طريق الحق فلم تؤمنوا به وأما العشارون والزواني فآمنوا به وانتم إذ رأيتم لم تندموا أخيراً لتؤمنوا به." أمام خبث وعناد رؤساء الكهنة والشيوخ ومقاومتهم للمسيح ومن قبله يوحنا المعمدان قال لهم السيد المسيح هذا المثل. في طريق الحق= فيوحنا جاءكم يدعوكم للتوبة. لم تندموا أخيراً= مازلتم مصرين على عدم التوبة وعلى عبادتكم الشكلية بينما قلوبكم شريرة. الإبن الأول يمتدح مرتين [1] على صدقه في عدم إعطائه وعداً قد لا ينفذه [2] لتراجعه عن خطأه بأن رجع لينفذ مشيئة أبيه. والإبن الثاني يذم مرتين [1] لأنه أعطى وعداً ولم ينفذه [2] لعصيانه مشيئة أبيه. عموماً حين تعرض مشيئة الله ينقسم الناس لقسمين [1] قسم يطيع وينفذ [2] قسم يعاند ويهاجم. ونلاحظ أن الفريسيين هنا الذين لهم مظهر التدين ولكن قلبهم رديء، هؤلاء من قال عنهم السيد "ليس كل من يقول لي يا رب يا رب يدخل ملكوت السموات" (مت21:7). هنا يظهر أن رب المجد طلب كرب بيت من إبنيه أن يمضيا ليعملا في كرمه أي كنيسته. الأول: يمثل الأمم الذين بدأوا حياتهم برفض العمل ولكنهم ندموا أخيراً وقاموا للعمل الثاني: يمثل اليهود الذين قالوا ها أنا يا سيد لكنهم لم يمضوا، قبلوا العمل في الملكوت دون أن يعملوا. لذلك طردوا أنفسهم بأنفسهم من الكرم ليتركوه للأمم. الأول: يمثل العشارين والخطاة الذين تركوا الرب أولاً لكنهم تابوا ورجعوا للرب أخيراً. والثاني: يمثل المتدينين تديناً سطحياً شكلياً مثل الشيوخ والكهنة والفريسيين، لهم مظهر الخضوع لكنهم لا يفعلون إرادة الله، لهم صورة التقوى لكنهم ينكرون قوتها (2تي3:5). هؤلاء سيتركون مكانهم للزواني والخطاة التائبين حقاً. المثل الثاني: الكرامين الأشرار مت33:21-46 + مر1:12-12 + لو9:20-19 (مت33:21-46): "اسمعوا مثلا آخر كان إنسان رب بيت غرس كرماً وأحاطه بسياج وحفر فيه معصرة وبنى برجاً وسلمه إلى كرامين وسافر. ولما قرب وقت الأثمار أرسل عبيده إلى الكرامين ليأخذ أثماره. فاخذ الكرامون عبيده وجلدوا بعضاً وقتلوا بعضاً ورجموا بعضا. ثم أرسل أيضاً عبيداً آخرين اكثر من الأولين ففعلوا بهم كذلك. فأخيراً أرسل إليهم ابنه قائلا يهابون ابني. وأما الكرامون فلما رأوا الابن قالوا فيما بينهم هذا هو الوارث هلموا نقتله ونأخذ ميراثه. فأخذوه وأخرجوه خارج الكرم قتلوه. فمتى جاء صاحب الكرم ماذا يفعل بأولئك الكرامين. قالوا له أولئك الأردياء يهلكهم هلاكاً ردياً ويسلم الكرم إلى كرامين آخرين يعطونه الأثمار في أوقاتها. قال لهم يسوع أما قرأتم قط في الكتب الحجر الذي رفضه البناؤون هو قد صار رأس الزاوية من قبل الرب كان هذا وهو عجيب في أعيننا. لذلك أقول لكم أن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمة تعمل أثماره. ومن سقط على هذا الحجر يترضض ومن سقط هو عليه يسحقه. ولما سمع رؤساء الكهنة والفريسيون أمثاله عرفوا انه تكلم عليهم. وإذ كانوا يطلبون أن يمسكوه خافوا من الجموع لأنه كان عندهم مثل نبي." راجع (أش1:5-7) فالكرم يشير لإسرائيل. وبالتالي فالكرامين هم رؤساء الكهنة والمعلمين ولكل صاحب سلطان. وصاحب الكرم هو الله الذي أحاطه بسياج من حمايته ومن الشريعة والناموس وبنى برجاً من الأنبياء. أكون لها سور من نار (زك5:2) في المثال السابق ظهر اليهود كأصحاب كلام بلا عمل، ففقدوا مركزهم ليحل محلهم من بالعمل أعلنوا ندمهم على ماضيهم، أما هنا فالسيد يكشف لهم أنهم عبر التاريخ كله لم يكونوا فقط غير عاملين وإنما مضطهدين لرجال الله في أعنف صورة حتى متى جاء إبن الله نفسه الوارث يخرجونه خارج أورشليم ليقتلوه. ولقد أخذ السيد الحكم عليهم من أفواههم بأن على صاحب الكرم أن يهلكهم. ويسلم الكرم إلى آخرين الذين هم كنيسة الأمم، أو الكنيسة المسيحية عموماً التي هي من الأمم واليهود الذين آمنوا. الحجر المرفوض= (مز22:118،23). قيل أنه عند بناء هيكل سليمان أن البنائين وجدوا حجراً ضخماً فظنوا أنه لا يصلح لشئ فإحتقروه، ولكن إذ إحتاجوا إلى حجر في رأس الزاوية (ليجمع حائطين كبيرين) لم يجدوا حجراً يصلح إلاّ الحجر الذي سبق وإحتقروه. وكان ذلك رمزاً للسيد المسيح الذي إحتقره رجال الدين اليهودي، ولم يعلموا أنه الحجر الذي سيربط بين اليهود والأمم في الهيكل الجديد ليصير الكل أعضاء في الملكوت الجديد. وفي هذا القول إشارة لموته وقيامته. وسلمه إلى كرامين وسافر= هو حاضر في كل مكان، وعينه على كرمه يرعاه ويهتم بكل صغيرة وكبيرة، ولكن قوله سافر فيه إشارة لأنه ترك للكرامين حرية العمل وأعطاهم المسئولية كاملة علامة حبه للنضوج وتقديره للحرية الإنسانية. وتشير كلمة سافر إلى أنهم رأوا الله على جبل سيناء إذ أعطاهم الوصايا وما عادوا يرونه بعد ذلك، وكأنه بعيداً عنهم وهل نخطئ نحن ونظن أن الله لأننا لا نراه الآن هو غائب، ولن يعود ويظهر للدينونة. حفر معصرة= هو ينتظر الثمار من الكرم ليصنع خمراً. والخمر رمز للفرح. فالله يريد أن يفرح بثمار أولاده. ولكن المعصرة تشير لآلام المسيح (أش1:63-2) لأن أسرار آلام المسيح تبدو كالخمر الجديد، فهو الذي قدّم لنا دمه من عصير الكرمة وينتظر منّا أن نقدم له حياتنا ذبائح حية، ونحتمل الصليب فنملأ معصرته. أرسل عبيده ليأخذ أثماره= الله أرسل للشعب اليهودي أنبياء فقتلوهم وعذبوهم ورفضوهم، ورفضوا تعاليمهم. قالوا فيما بينهم هذا هو الوارث. هلوا نقتله= هم تشاوروا من قبل وسألوه بأي سلطان تفعل هذا وهو هنا يشير لأنه الإبن، فهو صاحب السلطان. ولكنه يتنبأ هنا عن موته على أيديهم. ويتنبأ عن قيامته في موضوع حجر الزاوية. هنا المسيح يظهر لهم أنه هو صاحب السلطان وأنهم هم المقاومين لسلطانه لرفضهم الحق. في إنجيل (لو10:20-12) يحدد لوقا أن صاحب الكرم أرسل ثلاثة رسل قبل إبنه:- الأول: يمثل الناموس الطبيعي أي الضمير وكان قايين أول من كسره بقتله لأخيه. الثاني: يمثل ناموس موسى وموسى نفسه ممثل الناموس هاجوا عليه. الثالث: هم الأنبياء ونبواتهم وطالما قتل الشعب اليهودي هؤلاء الأنبياء. والمسيح يتهم اليهود الذين أمامه من القادة والرؤساء بأنهم مازالوا يعملون ضد الناموس الطبيعي، وضد الناموس الموسوي وضد النبوات، في حياتهم وسلوكهم وفي رفضهم له وهو المخلص الذي تكلم عنه الأنبياء. وتسمية المسيح نفسه بالوارث، فهذا يشير لناسوته، أمّا لاهوته فله كل المجد دائماً. وبناسوته سيحصل على المجد بعد الصليب لحسابنا لنرث نحن فيه. (لو10:20): وفي الوقت= وقت الحصاد والإثمار= بعد أن أعطى الله كهنة اليهود فرصة لرعاية الشعب، أرسل ليطلب النفوس التقية المؤمنة التي يفرح بها. في (لو16:20) المسيح هنا هو الذي يقول "يأتي ويهلك" بينما في متى، فهو ينسب هذا القول للكهنة والفريسيين والحل بسيط. أن الفريسيين هم الذين قالوا هذا، والسيد كرر ما قالوه تأميناً على كلامهم أي هو يوافق على ما قالوه. ونأخذ ميراثه= هنا المسيح يشير لسبب أحقادهم عليه ألا وهو حسدهم له بسبب إلتفاف الشعب حوله وإعجابهم به. وليس بسبب عدم المعرفة لشخصه. فأخذوه وأخرجوه خارج الكرم= فهم صلبوه خارج أورشليم (عب13:13) هذا المثل يقدم ملخصاً رمزياً لعمل الله الخلاصي وتدبيره ورعايته للإنسان غير المنقطعة فتحدث عن عطية الناموس الطبيعي وناموس موسى والأنبياء وعن تجسد الإبن وصلبه وطرده للكرامين القدامى وتأسيس الكنيسة بالروح القدس ليكونوا كرامين جدد (التلاميذ ورسل المسيح والكهنوت المسيحي) ولكن لنلاحظ أن كون الكنيسة هي الكرمة الجديدة فهذا لا يعطيها مبرر أن تتشبه باليهود فلا يكون لها ثمر. ففي (رؤ5:2) نجد أن الله على إستعداد أن يزحزح منارة كنيسة أفسس لأن محبتها نقصت. فإن كان الله لم يشفق على الكرمة أو الزيتونة الأصلية فهل يترك الكرمة أو الزيتونة الجديدة إن كانت بلا ثمر. الله مازال يطلب الثمار في كنيسته وفي كل نفس (رو17:11-24). ولنلاحظ أن الله أعطى الجنة لآدم ليعملها. وكانت الجنة في وسطها شجرة الحياة. والله أعطى لنا الكنيسة وفي وسطها المسيح لنخدم، فكل منّا مطالب بأن يعمل في هذه الجنة، فمنَّا من يزرع ومنّا من يسقي والله يطالب بالثمار أي المؤمنين التائبين. ولكن هناك من يتضايق إذا طلب الله الثمار وهو لا يريد أن يقدم شئ. والحجر هو المسيح. الحجر الذي قطع بغير يدين (دا34:2) إذ وُلِدَ بدون زرع بشر وصار جبلاً يملأ المسكونة. وهو حجر مرذول مرفوض، في تواضع ميلاده في مزود، وفي تواضع حياته وفي عار صليبه وموته والإهانات التي وجهت إليه. لكنه صار رأس الزاوية من سقط على الحجر يترضض= هم من لم يؤمنوا بالمسيح ورفضوه كما رفضه البناؤون، فعدم إيمانهم صار لهم صخرة عثرة. ومن يتعثر في المسيح يضر نفسه، ويكون كمن سقط على الحجر، هذا يقال على كل من يسمع الإنجيل ولا يؤمن. فكل من يرفض المسيح ويقاومه يتعب ويفقد سلامه ويعذب نفسه هنا على الأرض. ومن سقط هو عليه يسحقه= هؤلاء يمثلون من يقاوم المسيح وإنجيله والإيمان الحقيقي ويبذلون جهدهم لتعطيله، هؤلاء يسحقهم المسيح إمّا هنا على الأرض (آريوس) أو يوم الدينونة. وكل من يظل رافضاً المسيح ويقاومه فنهايته الهلاك حين يظهر المسيح في مجيئه الثاني ليدين العالم.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الحادى والعشرون دخول المسيح أورشليم * مثل الكرّامين (1) دخول المسيح أورشليم ( ع 1 - 11 ) : ع 1 - 3 : تبدأ من هذا الأصحاح ، الأحداث التى تمت فى الأسبوع الأخير من حياة المسيح على الأرض0ويذكرها الكتاب المقدس بالتفصيل ، لأنها تختص بإتمام الخلاص للعالم كله0إقترب المسيح من أورشليم ( صباح يوم الأحد ) ، ومن قرية بيت فاجى التى تقع شرقها عند جبل الزيتون0فأرسل إثنين من تلاميذه قائلاً لهما : عندما تدخلان المدينة ، تجدان أتاناً ( أنثى الحمار ) وجحشاً ( الحمار الصغير ) ، فحلاهما من رباطهما ، وإن اعترضكما أحد ، " فقولا الرب محتاج إليهما " ، فيتركهما معكما0وقد كان هذا بترتيب إلهى ، أو قد أُعلِمَ أصحاب الأتان والجحش ، بطريقة لم تُذكر فى الكتاب المقدس ، أنه سيأتى إثنان يطلبانهما للرب ، فأعطوهما لهما0 " أتاناً000وجحشاً " : يرمزان للبشر ، أى اليهود والأمم ، الذين صاروا فى غباء الحمار بسبب ابتعادهم عن الله ، سواء بالإنشغال المادى ، أو بعبادة الأوثان0وانظر كيف كان اتضاع المسيح الذى يقول إنه محتاج لهما ، مع أنه هو خالق كل شئ ! وهكذا يُظهر احتياجه لنفوس أولاده ، لترجع إليه فتحيا معه0إنه واهب كل العطايا وكامل فى ذاته ، ولكن حبه واتضاعه ، هما اللذان يجعلانه يطلب0وانظر إلى حنان الله الراكب على الجحش ، ولكن ، حتى لا يتعب الجحش ، يركب أيضاً على الأتان قليلاً ، ثم على الجحش قليلاً ، فهو يشفق على خليقته ، فبالأحرى على البشرية0والجحش لم يركبه أحد من قبل ، وهذا يرمز لعدم الخضوع إلا لله0وقد أعطى سلطاناً للتلميذين ، أى كهنة العهد الجديد ، أن يحلوا البشرية من رباطاتها ، وهو سلطان الحِل والربط فى سر الإعتراف الذى يُعطَى للتائبين0 ع 4 - 5 : " ابنة صِهيُون " : أحد أسماء أورشليم0كعادة متى الإنجيلى ، يعلن أن فى المسيح إتمام النبوات0فقد تنبأ زكريا النبى ( 9 : 9 ) عن دخول المسيح أورشليم باتضاع ووداعة ، ليملك على القلوب ، وليس ملكاً أرضياً ، ولذا فموكبه بسيط ، يركب على حيوانات ضعيفة مثل الأتان والجحش0 ع 6 : تمم تلميذا المسيح ما أمرهما به ، وأتيا إليه بالأتان والجحش ، ليركب عليهما ويدخل أورشليم0 ع 7 : خلع الثوب وإعطاؤه للآخر ، يعنى فى العرف اليهودى الخضوع له كرئيس ، إذ يتنازل الإنسان عما هو ضرورى له ليخضع للآخر0وقد وضعوها باتضاع على الحيوانات التى سيركبها المسيح ، لتتبارك بجلوسه عليها ، بل وطرحوها على الأرض أيضاً لنفس السبب0 + إخلع عنك اهتماماتك المادية بالصوم والتجرد ، فتتمتع ببركة الله الذى تخضع له ، فيملأك من نعمته0 ع 8 : وضع الجمع أيضاً ثيابهم على الأرض لتتبارك ، كما " قطعوا أغصاناً من الشجر وفرشوها فى الطريق " ، ليمر عليها بالأتان أو الجحش ، لتكتسى الأرض بالخضرة ، أى الخير ، لأنه هو صانع الخيرات0 " أغصاناً من الشجر " : تشير للنبوات التى قيلت عن المسيح ، وتكمل الآن فيه0وتشير أيضاً لكل ما هو مرتفع ، فيكون عند قدميه ، لأنه هو خالق الكل0 ع 9 : كل الجموع التى سبقته لتفرش له الطريق ، والتى تتبعه ، أعلنوا إيمانهم به أنه هو المسيا المنتظر إبن داود ، الآتى باسم الرب ليخلّصهم0 " الجموع الذين تقدموا " : تشير لرجال الله فى العهد القديم0 " والذين تبعوا " : ترمز إلى المؤمنين فى العهد الجديد ، الذين آمنوا ببشارة الإنجيل ، فالكل يطلب خلاصه فى المسيح0 " أوصنا " : معناها خلِّصنا ، فهو المخلّص الذى يرفعهم إلى الأعالى فى ملكوت السماوات0وتأتى أيضاً بمعنى المجد0 ع 10 - 11 : كان موكباً شعبياً بسيطاً ولكن جباراً ، إذ تعلقت القلوب بالمسيح الذى أحبهم واهتم برعايتهم ، وتساءل رؤساء المدينة والكهنة لمن هذا الموكب ، فعلموا أنه ليسوع الناصرى الذى يعلّم الجموع ، ويشفى أمراضهم ويعتنى بهم0 + إهتم أن تكسب محبة الآخرين ، وليس أن ترتفع عليهم بمركزك وسلطانك ، فكل هذا زائل0 (2) تطهير الهيكل ( ع 12 - 17 ) : ع 12 - 13 : كان يتصل بالهيكل مجموعة من الصالات المكشوفة أو الساحات ، يتجمع فيها الشعب0وفيها كان التجار يبيعون ما يحتاجه القادمون إلى الهيكل من حيوانات أو طيور ليقدموها على المذبح0وكان اليهود من بلاد مختلفة يأتون فى الأعياد ، فرتّب الكهنة صيارفة لتغيير العملات إلى العملة اليهودية ، وكان لهم مكسب مادى كبير من هذه التجارة0وهكذا تحولت انشغالات الناس من الإهتمام بالعبادة إلى شراء حاجياتهم ، وقد تكون هناك مبيعات أخرى يبيعونها ليس لها علاقة بالعبادة0فإن كان ضرورياً توفير بعض الإحتياجات الخاصة بالعبادة ، فيجب أن يكون بيعها خارج كل ساحات الهيكل ، حتى تظل كل أماكن الهيكل للعبادة والتعليم0ظهرت غيرة المسيح على بيت الله ، حين ضفر سوطاً ( يرمز للروح القدس الذى يوبخنا على انشغالنا بالأفكار المادية داخل الكنيسة ) ليطرد به الحيوانات والطيور والتجمعات الكبيرة للتجارة داخل الهيكل ( يو 2 : 15 ) ، معلناً أن بيت الله مكرس للصلاة والعبادة فقط ، كما قال إشعياء ( 56 : 7 ) ، وليس للمكاسب التجارية ، إذ صار الكهنة وتابعوهم محبين للمال مثل اللصوص الذين يسرقون ليكنزوا أموالاً كثيرة0فبهذه التجارة ، حوّلوا الهيكل إلى مغارة يجمع فيها اللصوص مقتنياتهم المادية0وقد طرد المسيح الباعة من الهيكل يوم الإثنين ، أى اليوم التالى بعد دخوله أورشليم ، ولكن متى لا يهتم بترتيب الحوادث0 ع 14 - 16 : بعد تطهير الهيكل ، صار هناك هدوء وفرصة للعمل الروحى ، فشفى العمى والعرج ليستنيروا بمعرفة الله ، ويسرعوا فى طريق الحياة الروحية0كما شعر الآتون إلى الهيكل بأن المسيح هو المسيا المنتظر ، ولعلهم كانوا معه فى موكب دخوله إلى أورشليم ، فرددوا الهتافات التى قالوها له ، وخاصة الأطفال منهم ، الذين حفظوا هذه العبارات من كثرة ترديدها ، قائلين : " أوصنا لابن داود " ، فتضايق رؤساء الكهنة والكتبة من هذه الهتافات لأنها إعلان واضح أنه هو المسيا المنتظر إبن داود كما قالت النبوات ، " وقالوا له : أتسمع ما يقول هؤلاء ؟ "0رد عليهم المسيح بالمكتوب فى الأنبياء عندهم ، إن الله يُعِدُّ تسبيحاً له ، يرتفع من أفواه الأطفال ( مز 8 : 2 )0 ع 17 : بعد هذا ، ذهب المسيح إلى قرية بيت عنيا ومعناها " بيت العناء " ، وتقع شرق أورشليم ، حيث بيت صديقه لعازر الذى أقامه من الموت ، وبات هناك ليعود فى اليوم التالى إلى أورشليم0 + إن قلبك هو هيكل لله ، فلا تدع أفكار العالم تشغله ، لأن الله خلقه فيك لترفع منه الصلوات0فخصص وقتاً كافياً لصلواتك قبل انشغالاتك ؛ وأيضاً أثناء أعمالك ، إرفع قلبك بصلوات قصيرة لتتمتع بعِشرة الله0 (3) شجرة التين ( ع 18 - 22 ) : ع 18 - 19 : فى الصباح ، تحرك المسيح ماشياً من بيت عنيا ، عائداً إلى أورشليم ليعلم فى الهيكل ، فجاع ، وهذا إثبات لناسوته0وفى الطريق ، نظر من بعيد شجرة تين مملوءة بأوراق خضراء ، فأتى إليها ليأكل تيناً ، ولكنه عندما وصل إليها لم يجد فيها ثمراً ، فقال لها أنها لن تعطى ثمراً إلى الأبد ، فيبست وماتت ، وهذا إثبات للاهوته0ويلاحظ أن متى البشير لم يهتم بترتيب زمن الأحداث مثل مرقس ، لأن شجرة التين قد لعنها المسيح فى صباح يوم الإثنين ، ولاحظ التلاميذ أنها يبست فى صباح يوم الثلاثاء كما ذكر مرقس البشير ( 11 : 14 ، 20 ) ، أما متى فذكر لعنة التينة وتيبسها معاً0وقد فعل المسيح هذا ليعلن خطورة السطحية فى الحياة الروحية ، مثل اليهود الذين لهم مظهر المعرفة بالله ، وليس لهم ثمار الحب للآخرين0وكل إنسان له مظهر التقوى وليس له عمقها ، فهو مرفوض من الله ، ومحكوم عليه بالموت ، إذ يُقبِلُ إليه الناس ليعرفوا الله ، فلا يجدون فيه ثمراً روحياً0 " شجرة تين " : ترمز للأمة اليهودية وهيكلها0ولأنهم رفضوا المسيح ، تم خراب الهيكل فى عام 70م0وجفاف التينة نبوة عن خراب أورشليم0ونجد أن معجزات المسيح تعلن رحمته ، وهذه هى المعجزة الوحيدة التى تعلن عدل الله ، حتى تكون نظرتنا كاملة نحوه ، فنتذكر رحمته وعدله فى آن واحد ، لكيما نتوب ونتمتع بمراحمه0 ع 20 - 22 : تعجب التلاميذ من جفاف التينة فى الحال ، فانتهز المسيح هذه الفرصة ليظهر لهم قوة الإيمان التى بها يصنعون كل شئ ، حتى " الجبل " ، يقدرون على نزعه من الأرض وإلقائه فى " البحر " ، إن كان لهم إيمان0ويشير " الجبل " إلى الشهوات الكثيرة التى تملك على القلب ، فإن كان للإنسان إيمان ويتمسك بالله ، يستطيع أن يلقى بهذا الجبل إلى " البحر " الذى يمثل العالم ، أى يتخلّص من الشهوات العالمية0 + الصلاة بإيمان ولجاجة تعطينا كل ما نطلبه ، بشرط أن تكون موافقة لمشيئة الله0فلا تتراخَ واطلب من الله بإيمان كل احتياجاتك ، وألّح عليه ، فهو يحب أن يسمع صوتك ويعطيك كل الخيرات0 (4) سلطان المسيح ( ع 23 - 27 ) : ع 23 : حاول رؤساء الكهنة والشيوخ اصطياد خطأ على المسيح ، لأنه ليس من سبط لاوى المسئول عن التعليم ، بل من سبط يهوذا0وإذ لاحظوا طرده للباعة وقوة تعاليمه ، سألوه بأى سلطان يُعلّم ويصنع المعجزات ، ومن أعطاه الإذن وسمح له أن يفعل هذا ، هل بسماح من رئيس الكهنة ؟ لم يسألوا ليعرفوا قوة الله التى فيه ، ولكن ، لعله يخطئ فى أى تعبير ، فيعتبروه كاسراً للناموس ونظام الهيكل0 ع 24 - 27 : إن كان رؤساء الكهنة قد استخدموا الخبث والمكر الإنسانى ، فقد رد عليهم المسيح ، الحكمة الحقيقية ، بسؤال ، وليس قصده التهرب من الإجابة ، لأن سؤاله يرد عليهم0أى أنهم لو آمنوا بدعوة يوحنا المعمدان ، لآمنوا بكلامه عن المسيح وسلطانه0وكان سؤال المسيح عن مصدر معمودية يوحنا : هل هى من السماء ، والله أرسله ، أم هى من الناس ، أى مجرد ادعاء بشرى ؟ " ففكروا فى أنفسهم " ، إن اعترفوا أنها من الله ، سيسألهم لماذا لم تؤمنوا به وتعتمدوا على يديه ؟ وإن أعلنوا رفضهم لمعموديته ، يخافون من الشعب ، لأن الكل يعرف أنه نبى عظيم ، فقالوا : " لا نعلم " ، أى ظهر عجزهم عن الإجابة ، لأنهم خافوا إعلان رأيهم الحقيقى ، وهو رفضهم ليوحنا ، لخوفهم على مركزهم وسلطانهم ، وعدم استعدادهم للتوبة0فقال لهم المسيح : وأنا لن أقول لكم مصدر سلطانى0وهكذا أفحمهم حتى يتوقفوا عن محاولة إيقاعه فى خطأ ، ويلتفتوا إلى ضعفهم ، فيصلحوه بقبول دعوة يوحنا المعمدان ، أى التوبة عن خطاياهم0 + لا تكن مغرضاً فى كلامك مع الآخرين ، بل ابحث عما يفيدك ، وتعلّم من الكل ، وقدّم محبة للجميع0 (5) مثل الإبنين والكرم ( ع 28 - 32 ) : ع 28 - 30 : " الكرم " : هو فرصة الحياة على الأرض التى نجاهد فيها فى عبادة مقدسة لله ، أو نضيعها فى شهوات العالم0أمام رفض رؤساء الكهنة والشيوخ للتوبة بدعوة يوحنا أو ببشارة المسيح ، أعطاهم مثلاً عن أب ، هو الله ، له ابنان : الإبن الأول : يرمز للأمم الذين رفضوا العمل معه فى كرمه ، أى الكنيسة ، ولكنهم عادوا فتابوا وعملوا فى الكرم0ويرمز أيضاً للعشارين والخطاة الذين عاشوا حياتهم بعيداً عن الله ، ولكن آمنوا بالمسيح وتابوا وصاروا قديسين0الإبن الثانى : يرمز لليهود أو الكتبة والفرّيسيّين ، الذين أعلنوا خضوعهم لله وتبعيتهم له بالكلام ، ولكنهم رفضوا الحياة معه ، أى الإيمان بالمسيح والإلتصاق بكنيسته0 ع 31 - 32 : ثم سأل المسيح : مَن مِن الإبنين عمل مشيئة الأب ؟ فقالوا : الأول0فأعلن لهم بوضوح أن البعيدين عن الله مثل العشارين والزوانى ، أى المنغمسين فى كل خطية ، يمكن أن يؤمنوا ويتوبوا ، فيسبقوا إلى الملكوت من يسمون أنفسهم مؤمنين ، مثل اليهود ، ولكنهم لا يعملون مشيئة الله فى المحبة وصنع الخير0فيكون البعيدون أبناء حقيقيين للكنيسة ، أى هم المؤمنون بالمسيح ، وليس اليهود الرافضون0 " فى طريق الحق " : يوحنا المعمدان أعلن لكم الحق بضرورة التوبة والرجوع إلى الله0 " لم تندموا أخيراً " : أى مازلتم مصرين على عدم التوبة ، مكتفين بالعبادة الشكلية ، وقلوبكم شريرة0 + إن ناداك الله للتوبة من خلال الكتاب المقدس أو تعاليم الكنيسة ، أو بأى تعليق ممن يحيطون بك ، أو من خلال أحداث الحياة ، فلا تؤجل رجوعك إلى الله ، ولا تعده بفمك ، ثم تنشغل عنه بظروف الحياة ، بل أسرع إلى أب اعترافك ، وتناول من الأسرار المقدسة لتنال قوة ، وتبدأ فى جهادك الروحى وعشرِتك مع الله0 (6) مثل الكرامين ( ع 33 - 46 ) : ع 33 : لخّص المسيح تاريخ الأمة اليهودية فى هذا المثل0 " رب بيت " : هو الله الذى غرس كرماً ، أى شعب اليهود نسل إبراهيم ، وأحاطه بسياج ، أى الوصايا والناموس على يد موسى0 " معصرة " : هى احتمال الآلام من أجل التمسك بكلام الله وخدمته ، هذه التى عجز عنها اليهود ، فأكملها المسيح بصليبه ، وجاز المعصرة وحده ( اش 63 : 3 )0 " برجاً " : رؤساء الشعب وشيوخه المسئولون عن مراقبة الشعب وهجمات الأعداء من فوق البرج ، حتى ينبهونهم لذلك0ويشملوا رؤساء الأسباط والعشائر والمعلمين وكل قادة الشعب0 " كرامين " : هم كهنة اليهود المسئولون عن رعاية الكرم المغروس ليعطى ثماراً مقدسة ، أى فضائل وحياة نقية ، فى قلوب اليهود المؤمنين0 " وسافر " : أى بعد أن أعلن نفسه واضحاً كنار عظيمة على الجبل أيام موسى ، والآباء إبراهيم وإسحق ويعقوب ، إختفى عن عيون الشعب لإنهماكهم فى الخطايا ، فلم يعودوا يرونه كأنه مسافر0 ع 34 - 36 : " عبيده " : الذين أرسلهم ليأخذوا الثمار ، وهم الأنبياء ورجال الله المرسلون لشعبه على مدى التاريخ ، ليحصدوا حياة مملوءة فضائل من اليهود المؤمنين ، ولكن للأسف قاومهم كهنة اليهود ورؤساؤهم فعذبوهم ، وجلدوا بعضاً ، وقتلوا بعضاً ، ورجموا بعضاً ، أى رفضوا تعاليمهم التى هى صوت الله لهم0وقد أطال الله أناته ( صبره ) عليهم ، بأن أرسل أيضاً عبيداً آخرين أكثر من الأولين ، أى عدد كبير من الأنبياء ، فقاومهم الكهنة ورفضوهم مثل الأولين0 ع 37 - 39 : آخر فرصة وأكبر عمل قدمه الله للشعب اليهودى ، هو تجسد إبنه الوحيد ، كما ذكر لهم فى نبوات الأنبياء ليخلّصهم0وفى المَثَلِ ، عَلم الكرامون أنه إبن صاحب الكرم والوارث لكل ما فيه ، فبدلاً من أن يخضعوا له ويعطوه الأثمار ، قاموا عليه وقتلوه0ورؤساء الكهنة ، لأغراضهم فى الرئاسة والماديات ، رفضوا أن يفهموا أن يسوع هو المسيا المنتظر0وبدلاً من أن يؤمنوا به ، قاوموه لئلا يأخذ مركزهم ، وصلبوه على الصليب0وهكذا يظهر الكبرياء ومحبة الرئاسة التى أعمت عيون الكهنة ، لدرجة رفض المسيا المنتظر إبن الله0 ع 40 - 41 : سأل المسيح الكتبة والفرّيسيّين الذين يسمعونه عن التصرف المناسب من صاحب الكرم مع الكرامين الأردياء ، فقالوا له : يهلكهم ، ويسلّم الكرم لكرامين أفضل منهم يعطونه الثمار فى حينها0هذا هو مصير كهنة اليهود رافضى الإيمان بالمسيح ، أى العذاب الأبدى0 " كرامين آخرين " : التلاميذ والرسل والكهنوت المسيحى0 ع 42 - 44 : " الحجر " : هو المسيح ، والبناء هو الكنيسة ، ورئيس البنائين الذى اختار هذا الحجر هو الله0 " عجيب فى أعيننا " : بحسب النظرة البشرية القاصرة ، يبدو المسيح من أسرة متواضعة ، وليس له غِنى أو مركز مادى ، ولكنه الله المتضع لأجل خلاصنا ، ونحتاج لإيمان حتى نقبله0ذكّرهم المسيح بالمكتوب فى ( مز 118 : 22 ) عن الحجر الذى يظنه البناؤون غير نافع ، ثم يكتشفون فى النهاية أنه أصلح حجر ليكون رأساً للزاوية ، أى يربط الحائطين معاً0وهذا الحجر يرمز للمسيح مخلّص اليهود والأمم ، فهو الذى أرسله الله ، ولم يفهم الكهنة ذلك0ويقرر المسيح بوضوح لرؤساء الكهنة أن ملكوت الله الذى وعد به شعبه ، سيُنزع منهم لعدم إيمانهم ، ويُعطَى للأمم الذين يؤمنون به ، ويقصد أن غير المؤمنين من اليهود ، سيحل محلهم فى كنيسة المسيح المؤمنون من الأمم0ومن يقاوم المسيح ، يسقط على الحجر ليهشمه ، فيصاب هو برضوض ، أى يقابل متاعب0ولكن ، إن تاب وآمن ، يقبله الله0أما من يظل رافضاً للإيمان به ، فسيدينه فى النهاية ويحكم عليه بالهلاك ، أى يسقط عليه الحجر ويسحقه0 ع 45 - 46 : فهم رؤساء الكهنة والفرّيسيّون أن المثل كان عليهم ، وبدلاً من أن يتوبوا ، اغتاظوا منه وحاولوا القبض عليه ، ولكنهم خافوا من الشعب ، لأنه كان فى نظرهم نبى عظيم0 + إذا كشف لك الآخرون أخطاءك ، لا تقاومهم ، بل أسرع للتوبة ، فكلامهم رسالة من الله0
مصادر أخرى لهذا الإصحاح