كلمة منفعة
الغيرة هى اشتعال القلب والإرادة كما بنار، لعمل ما يعتقد الإنسان أنه الخير.. وقد يتحمس الإنسان وتملكه الغيرة بسبب شيء خاطئ، كما قال بولس الرسول عن ماضيه "من جهة الغيرة، مضطهد للكنيسة" (فى3: 6).
— ما معنى الغيرة؟
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
انجيل معلمنا متى - الاصحاح رقم 17
انجيل معلمنا متى
الإصحاح رقم 17
الأصحاح السابع عشر :
ملكوت أخروي وَاقعي
إذ وعد السيّد تلاميذه أن قومًا منهم يرون ابن الإنسان آتيًا في ملكوته، أخذ ثلاثة من تلاميذه ودخل بهم إلى ملكوته الأبدي متجليًا على جبل تابور، لكنّه عاد فنزل معهم، لنعيش هذا الملكوت خلال حياتنا الواقعية على الأرض متجهيّن نحو الصليب.
1. التجلّي 1-8.
2. الحاجة إلى إيليّا 9-13.
3. هدم مملكة الشيطان 14-21.
4. الحاجة إلى الصليب 22-23.
5. إيفاء الدرهمين 24-27.
1. التجلّي
التجلّي هو دخول بالنفس إلى تذوّق الحياة الأخرويّة، لترى عريسها قادمًا في ملكوته، معلنًا لها أمجاده الإلهيّة بالقدر الذي يمكنها أن تحتمله وهي بعد في الجسد. هذا العمل الإلهي الذي تحقّق بطريقة ملموسة على جبل تابور أمام ثلاثة من التلاميذ ونبيّين من رجال العهد القديم، يتحقّق بصورة أو أخرى داخل القلب من حين إلى آخر، لكي يقدر أن ينسحب نحو العُرس الأبدي مشتاقًا إلى الانطلاق نحو الحياة الإنقضائيّة، فيحمل دفعة روحيّة قويّة تسند الإنسان في حمله الصليب والشهادة للسيّد المسيح.
التجلّي هو إعلان" الملكوت السماوي" الممتد فوق كل حدود الزمان، يقدّم للنفس البشريّة التي قبلت أن تكون إيجابيّة فيه بحمل صليب عريسها الملك، والدخول معه إلى الموت يوميًا للتمتّع بقوة قيامته. إنه يمثّل دفعه قويّة يهبها الملك المسيّا لجنوده الروحيّين للجهاد المستمر ضدّ إبليس وأعماله، ليهب فيهم الحنين نحو المكافأة الأبديّة والتمتّع بشركة الأمجاد السماويّة.
إذن فالتجلّي الذي تحقّق مرّة في حياة ثلاثة من التلاميذ، صار رصيدًا قدّمه السيّد لحساب الكنيسة كلها، تسحب منه كل يوم فيتزايد. تطلبه فتجده خبرة يوميّة تقويّة، يعيشها المؤمن على جبال الله المقدّسة، أي وصاياه، خلال الكنيسة سواء في عبادته الجماعيّة أو العائليّة أو الشخصيّة، كما يتذوّقها أثناء عمله بل ونومه، وفي تعامله مع الأتقياء كما مع الأشرار. إنه لقاء مستمر مع ربّنا يسوع المسيح على الدوام، فيه يكشف أمجاده جديدة في كل لحظة من لحظات حياتنا، حتى نلتقي به وجهًا لوجه في مجيئه الأخير.
بين التجلّي وأحداث الصلب
ارتبط التجلّي بأحداث الصلب والقيامة، فإنه لا يمكن للمؤمن أن يرتفع على جبل التجلّي ليرى بهاء السيّد ما لم يقبل صليبه ويدخل معه آلامه ليختبر قوّة قيامته فيه، فيُعلن الرب أمجاده له. ومن جانب آخر ما كان يمكن للتلاميذ أن يتقبّلوا آلامه ويُدكوا سرّ قيامته ما لم يهيِّئهم - خلال ثلاثة منهم - بالتجلّي.
+ إذ تحدّث الرب كثيرًا عن المخاطر التي تنتظره وآلامه وموته، وعن موت التلاميذ والتجارب القاسية التي تلحق بهم في الحياة... كما حدثهم عن أمور صالحة كثيرة يترجّونها، من أجلها يخسرون حياتهم لكي يجدوها، وإنه سيأتي في مجد أبيه ويهبنا الجزاء، لهذا أراد أن يُظهر لهم ما سيكون عليه مجده عند ظهوره، فيروا بأعينهم ويفهموا قدر ما يستطيعون، لهذا أظهر لهم ذلك في الحياة الحاضرة (بالتجلّي)...
القدّيس يوحنا الذهبي الفم
+ القوم الذين قال عنهم أنهم لا يذوقون الموت حتى يعاينوا صورة مجيئه ورمزه، هم هؤلاء التلاميذ الثلاثة الذين أخذهم معه إلى الجبل، وأعلن لهم طريقة مجيئه في اليوم الأخير في مجد لاهوته وجسد تواضعه...
صعد بهم إلى جبل عال لكي يُظهر لهم أمجاد لاهوته... فلا يتعثّروا فيه عندما يرونه في الآلام التي قبلها بإرادته، والتي احتملها بالجسد من أجلنا...
صعد بهم إلى جبل لكي يُظهر لهم ملكوته قبلما يشهدوا آلامه وموته، فيرون مجده قبل عاره، حتى متى كان مسجونًا ومُدانًا من اليهود يفهمون أنه لم يصلب بواسطتهم عن عجز، بل لأنه سُرّ بصلاحه أن يتألّم لأجل خلاص العالم.
أصعدهم إلى جبل لكي يُظهِر لهم قبل قيامته مجد لاهوته حتى متى قام من الأموات يدركون أنه لم يتقبّل هذا المجد كجزاء لعمله كمن لم يكن له هذا المجد، وإنما له هذا المجد منذ الأزل مع الآب والروح القدس. وكما سبق فقال عندما ذهب إلى الآلام بإرادته: "الآن مجّدني أيها الآب بالمجد الذي لي قبل إنشاء العالم" (يو17: 9).
القدّيس مار إفرآم السرياني
الستّة أيام
يؤرِّخ معلّمنا متّى حادثة التجلّي "بعد ستّة أيام" [1] من وعد السيّد لتلاميذه أن منهم قومًا لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتيًا في ملكوته (16: 28). بينما يؤرِّخه القدّيس لوقا باليوم الثامن من هذا الوعد. ليس في هذا تناقض، وإنما اتفاق وسرّ روحي عجيب. فمعلّمنا لوقا الإنجيلي أحصى اليوم الذي فيه أعلن الرب وعده ويوم التجلّي ذاته، أمّا معلّمنا متّى فتحدّث عن الأيام الستّة ما بين اليوم الذي أعلن فيه وعده واليوم الذي تمّ فيه التجلّي. ولم يحدث هذا بلا هدف، وإنما كشف متّى البشير حقيقة يكمّلها لوقا البشير. فإن التجلّي هو إعلان ملكوت المسيّا المخلّص الأخروي، الذي يتحقّق بعد الزمان أي يتمّ في اليوم الثامن الذي يُشير إلى الأبديّة بكونه اليوم الذي يلي نهاية الأسبوع "7". وقد سبق لنا الإشارة إلى رقم 8 في مواضع كثيرة كرمزٍ للحياة الأخرويّة المُقامة. أمّا رقم 6 الذي أورده هنا معلّمنا متّى فيحمل معانِ كثيرة منها:
أولاً: نحن نعلم أن رقم 6 يُشير إلى النقص، لهذا فإن اسم الوحش عدده 666 أي ناقص إلى النهاية، وفي نفس الوقت يُشير إلى كمال عمل الإنسان على الأرض حيث يعمل ستّة أيام ويبقى ناقصًا حتى يتمّ براحته في اليوم السابع أو السبت. هذا الكمال البشري مهما بلغ فهو ناقص، لأننا إن فعلنا كل البرّ نقول أننا عبيد بطّالون. وكأن لمحات التجلّي المُبهجة توهَب للنفس المجاهدة في الرب، الحاملة الصليب كل أيامها الستة، والتي تحسب كاملة في جهادها ناقصة في عينيّ نفسها. حينما يدخل الإنسان إلى حياة الجهاد القانوني بالروح القدس يعترف الإنسان بنقصه، أمّا الله فيراه بارًا، مشرقًا عليه بتجلٍّ خفي في القلب كهبة إلهيّة تسنده وتلهبه لجهاد أعظم، مشتهيًا التمتّع بالتجلّي لا على جبل تابور، وإنما في الأعالي على العرش الإلهي.
ثانيًا: يرى العلاّمة أوريجينوس أن المؤمن لا يقدر أن يرتفع مع السيّد على جبل تابور لينعم بالتجلّي ما لم يعبّر الأيام الستّة للعمل وخلقه العالم المنظور، أي يتعدّى المنظورات وينطلق خارج محبّة العالم، إذ يقول: "خلق العالم في ستّة أيام، أي العدد الكامل (للعمل)... لهذا أظن أن من يتخطّى كل أمور العالم غير ناظر إلى المنظورات لأنها وقتيّة، إنّما يتطلّع إلى غير المنظورات وحدها بكونها أبديّة، يتمّ فيه القول: "بعد ستّة أيام أخذ يسوع..." أشخاصًا معيّنين. فمن يرغب في أن يأخذه يسوع، ويصعد به إلى جبلٍ عال،ٍ ويتأهّل لرؤية تجلِّيه منفردًا، يلزمه أن يجتاز الأيّام الستّة، فلا يرى المنظورات ولا يحب العالم ولا الأشياء التي فيه (1 يو 2: 15)، ولا يرغب في شهواته التي هي شهوات الجسد، ولا يطلب غنى الجسد ومجده، الأمور التي تشتِّت الذهن وتسحبه عن الأمور الإلهيّة الصالحة، وتنحدر به إلى أسفل، وتخدعه بأمور هذه الحياة من غنى ومجد وراحة في الشهوات، التي هي أعداء الحق. من يعبر الأيام الستّة كما قلنا إنّما يحفظ سبتًا جديدًا، ويفرح على جبل عالِ، إذ يرى يسوع متجلِّيًا قدّامه، لأن الكلمة يحمل أشكالاً متعدّدة، فيظهر لكل واحد قدر احتماله، ولا يُعلن عن نفسه أكثر من قُدرة ناظره".
ثالثًا: يرى القدّيس أمبروسيوس في هذا إشارة إلى انقضاء الدهر إذ يقول: [نستطيع أن نقول أنه بعد ستّة آلاف سنة، لأن ألف سنة عند الرب كيوم (مز 89: 4)... إذ خلق العالم في ستّة أيام. بهذا يكشف لنا عن القيامة التي تحدُث عند نهاية زمن العالم. بمعنى آخر من يرتفع فوق العالم، فوق أزمنة الدهر، ويثبت في الأعالي يتطلّع إلى ثمار الأبديّة التي للقيامة العتيدة. إذن فلنتخطّى أعمال الحياة حتى نستطيع أن نرى الله وجهًا لوجه.]
التلاميذ الثلاثة
اختار السيّد المسيح ثلاثة من تلاميذه للتمتّع بالتجلّي، هم بطرس ويعقوب ويوحنا، فإن بطرس الذي يعني الصخرة يُشير إلى الإيمان، ويعقوب عُرف بجهاده وحياته البارة، كما عُرف يوحنا بالحبيب. وكأن النفس لن ترتفع على جبل تابور للتمتّع برؤية عريسها في ملكوته الأبدي، ما لم تحمل في داخلها الإيمان العامل بالمحبّة. ويرى القدّيس هيلاري أسقف بواتييه أن الثلاثة رجال يشيرون إلى البشريّة كلها، كل الأمم، التي جاءت كنسلٍ لسام وحام ويافث، صار لها حق الصعود مع السيّد للتمتّع بتجلّيه.
الجبل العالي
ما هو هذا الجبل العالي الذي نرتفع به ليُعلن الكلمة الإلهي ذاته لنا إلا كلمة الله ذاته ووصيّته الإلهيّة! يقول العلاّمة أوريجينوس: [أن السيّد أعلن لاهوته للذين صعدوا على الجبل العالي، أمّا للذين هم أسفل فظهر لهم في شكل العبد. إنه يسأل من يشتاق أن يتعرّف على حقيقة السيّد ويتجلّى قدامه أن يرتفع مع يسوع خلال الأناجيل المقدّسة على جبل الحكمة خلال العمل والقول.] وفي نفس المعنى يقول القدّيس أمبروسيوس: [هلم نصعد على الجبل ونتضرّع إلى كلمة الله ليكشف لنا عن ذاته في مجده وجماله.]
لا يقدر الإنسان أن ينطلق إلى الملكوت ليرى المجد الإلهي إلا خلال كلمة الله المكتوبة وكلمة الله المتجسّد. فإن السيّد المسيح المتجسّد يحملنا خلال الكلمة المكتوبة وينطلق بنا فيه ومعه ليرتفع بنا إلى القمم العالية منفردين، فيتصاغر العالم جدًا في أعيننا، ونخلع عنّا كل ارتباك وهمّ، كما يفقد العالم قوّة إغراءاته، لتنسحب قلوبنا بالكامل نحو السماء، فنرى ملكوت الرب معلنًا أمامنا وفينا.
تغيير هيئته
"وتغيّرت هيئته قدّامهم، وأضاء وجهه كالشمس، وصارت ثيابه بيضاء كالنور" [2].
هذا التغيير في الحقيقة هو كشف لحقيقة مخفيّة وأمجاد قد سترها الله وراء الجسد حتى يمكنه أن يقترب من جُبلتنا الضعيفة، ونحن نقترب إليه دون أن نحترق! إنه يُعلن بهاء لاهوته قدر ما نحتمل وحسبما يسندنا، حتى ندخل في اليوم الأخير إلى التمتّع بكمال أمجاده.
هذا التجلّي أيضًا كان بصورة أو أخرى لحسابنا، فكما بإعلان بنوَّته الإلهيّة الفريدة في مياه المعموديّة صار لنا حق البنوّة فيه للآب، فقد صار لنا بالتجلّي حق التمتّع بالطبيعة الجديدة المجيّدة التي على صورته المقدّسة، بخلعنا الإنسان العتيق الفاسد وحملنا الإنسان الجديد، والذي يتجدّد أيضًا كل يوم في المسيح يسوع بروحه القدّوس، فينطلق بنا من مجد إلى مجد، ويرتفع بنا من جبل إلى جبل، واهبًا إيّانا جناحيّ حمامة منطلقة نحو عريسها لتستقرّ في أحضانه، وتبقى معه في الفلك الأبدي بين يديه.
يضيء وجه السيّد كالشمس فتستضيء حياتنا به كالقمر، ونبقى في نوره الأبدي لا تقدر الظلمة الدهرية أن تقترب إلينا، ولا يكون لرئيسها موضع فينا، لا في الروح ولا في الجسد. نتلألأ كمؤمنين حقيقيّين على جبل التجلّي بنور السيّد المسيح ككواكبٍ مشرقةٍ مملوءةٍ بهاءً، فتضيء نفوسنا بثمار الروح القدس والنار وتتقدّس أجسادنا بكل أعضائها وأحاسيسها ومواهبها وعواطفها، ويتحوّل الإنسان إلى ملاك منير منجذب نحو النور بغير تردّد.
+ ظهر لتلاميذه حسبما يكون عليه في الدينونة العتيدة، لكن لا يظن أحد أنه خلع عنه شكله الأرضي ومظهره الخارجي، أو نزع عنه حقيقة جسده...
لقد وصف الإنجيلي كيف تغيّرت هيئته، قائلاً: "وأضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور (أو كالثلج)".
عندما يتحدّث عن ضياء وجهه وبياض ثيابه لا يخفي هيئته، إنّما تتغيّر بالمجد. إنها بلا شك تغيّرت على شبه مجده الذي سيكون له في ملكوته. صبغ هيئته بالسمُوّ، لكنّه لم ينزع عنه مظهره الخارجي.
القدّيس جيروم
+ أضاء وجهه ليس كما أضاء وجه موسى من الخارج، وإنما أشعّ مجد لاهوته من وجهه (أي من ذاته)، ومع هذا ظلّت أمجاده فيه. من ذاته يشع نوره ويبقى نوره فيه. إنه لا يأتيه من الخارج ليزيِّنه!... ولا يقبله لاستخدامه إلى حين! إنه لم يكشف لهم أعماق لاهوته التي لا تُدرك، وإنما كشف لهم قدر ما تقدر أعين التلاميذ أن تتقبّل وتميّز!
مار إفرآم السرياني
+ يضيء وجهه كالشمس ليُعلن ذاته لأبناء النور، هؤلاء الذين خلعوا أعمال الظلمة ولبسوا أسلحة النور (رو 13: 12)، فلم يعودوا بعد أبناء ظلمة أو أبناء ليل، بل صاروا أبناء نهار، يسلكون بأمانة كما في النهار (رو13:13، 1تس5: 5). بكشفه عن ذاته يضيء عليهم ليس بشمس بسيطة، وإنما بكونه شمس البر.
العلاّمة أوريجينوس
أما الثوب الأبيض فيُشير إلى كنيسة المسيح الملتصقة به كمن هو ملتحف بها، قد صارت بيضاء كالنور لأن عريسها حالّ في داخلها، شمس البرّ الذي جاء يضيء فيها، فتصير بيضاء كالنور، تحمل طبيعة النور. وقد سبق فرأينا أن هذا الثوب يُشير إلى العرس الأبدي، حيث تتقدّم أيضًا العروس بثوب إلى الرجلين (رؤ 19: 8). لتُزفّ مع عريسها في حضرة الأربعة وعشرين قِسِّيسًا.
+ ثيابه هي الكنيسة... في هذا الثوب كان بولس كما لو كان هُدْبًا، إذ قال عن نفسه: "لأني أصغر الرسل" (1 كو 15: 9). في موضع آخر يقول: "لأني آخر الرسل"؛ الهُدْب في الثوب هو آخر وأقل شيء فيه، لذلك فإن المرأة التي كانت تعاني من نزف الدم إذ لمست هُدْب ثوب المسيح بَرِئت، هكذا الكنيسة التي جاءت من الأمم صارت صحيحة خلال تعاليم بولس الرسول. أي عجبٍ في الإشارة إلى الكنيسة بالثوب الأبيض إن سمعت إشعياء النبي يقول: "إن كانت خطاياكم كالقرمز تبْيَض كالثلج" (إش 1: 18)!
القدّيس أغسطينوس
ويُعلّق العلاّمة أوريجينوس على قول الإنجيلي: "تغيّرت هيْئته قدّامهم" [2]، مركِّزًا على كلمة "قدّامهم". فإن السيّد المسيح هو هو لا يتغيّر، لكن من يتطلّع إليه خلال الأناجيل المقدّسة دون أن يصعد على جبل الحكمة المقدّسة، لا يقدر أن يرى مجده ويُدرك أسراره، أمّا من يرتفع على هذا الجبل فينعم بالتجلّي.
ظهور موسى وإيليّا
"وإذا موسى وإيليّا قد ظهرا لهم يتّكلمان معه" [3].
ليس عجيبًا أن الله الذي يُعلن ملكوته هنا خلال شعبه وسط كنيسته مختفيًا فيها، يُعلن لنا بهاءه الأبدي ليس منعزلاً عنّا. إنه يحيط به قدّيسوه وينعمون بالحديث معه كأب وأخ بكر وعريس وصديق. إنه يفرح بالبشريّة، ويدخل معهم في معاملات، لا على مستوى زمني مؤقَّت، وإنما معاملات أبديّة لا تنتهي. أمّا اختيار موسى وإيليّا فلم يكن بلا هدف، وإنما يمكن تعليله هكذا:
أولاً: كان موسى الرجل الذي شهد عنه الله نفسه أنه أحلَم إنسان على الأرض، إذ قاد هذا الشعب غليظ الرقبة أربعين عامًا وسط تذمُّرات منهم بلا انقطاع، يشفع فيهم لدي الله. لقد أعلن الله غضبه، بقوله: "اتركني ليَحمَى غضبي عليهم وأفنيهم فأصيِّرك شعبًا عظيمًا" (خر 32: 10)، أمّا هو فتضرّع عنهم أمامهم، مفضلاً الشعب عن نفسه بقوله: "والآن إن غفرتَ خطيتّهم وإلا فامحني من كتابك الذي كَتبتْ" (خر 32: 32). وكان إيليّا الرجل الناري الملتهب بالغيرة الذي وقف أمام أخاب الملك وإيزابل، وقتل كهنة البعل، وطلب نارًا لتحرق رسل الملك... وكأن ملكوت المسيح إنّما هو ملكوت الوداعة والحلم، لكن ليس بلا غيرة؛ ملكوت الحب ولكن ليس بتدليل؛ الملكوت المتَّسِع لمغفرة الخطايا والصفْح عن السقطات في استحقاقات الدم، ولكن ليس في استهانة أو استهتار. فالسيّد المسيح بتجلّيه يكشف عن ملكوته الذي هو كنيسته، تحمل روح الحلم فتشفع في الخطاة، خلال الصليب المقدّس، لكن دون تهاون في الحق أو مهادنة مع الخطيّة.
لعلّ السيّد أحضر موسى وإيليّا كمََثلين للتلاميذ فيََغِِيروا منهما في الأمور الحُسنَى، فتكون لهم وداعة موسى وغيرة إيليّا على مجد الله.
ثانيًا: جاء موسى النبي إلى حضرة الملك المسيّا ممثِّلاً الأعضاء الراقدة في الرب، النفوس التي رحلت عنّا بالجسد لكنها مرتبطة معنا حول المسيح الواحد الذي يملك على الجميع. وأما إيليّا النبي فجاء يمثّل الأعضاء المجاهدة إذ لم يمت إيليّا. وكأن الكل يلتقون معًا كأحياء في الرب.
يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [بهذا يُخبرهم أن له سلطان على الموت والحياة، وأنه المدبِّر في الأعالي وأسفل، لهذا جلب من مات، ومن لم يُعاني من الموت.]
ثالثًا: إن كان موسى قد تسلّم الناموس وإيليّا يمثّل الأنبياء، فإن تجلِّي السيّد المسيح بينهما إنّما يُشير إلى أنه هو غاية الناموس ومركز النبوّات.
+ أمّا كوْن موسى وإيليّا هما وحدهما من كل جموع القدّيسين قد حضرا فهذا يعني أن المسيح في ملكوته يقف بين موسى وإيليّا.
القدّيس هيلاري أسقف بواتييه
+ من يرى مجد موسى مدرِكًا الناموس روحيًا في توافق مع يسوع، وينظر الحكمة المخفيّة في الأنبياء في سرّ (1 كو 2: 7)، إنّما يرى موسى وإيليّا وهما مع يسوع (أثناء التجلي).
العلاّمة أوريجينوس
+ ما هو نفع موسى وإيليّا، أي الشريعة والنبوّة إلا الحديث مع الرب؟! يشهد بذلك الذين يقرأون الناموس والنبوّة عن الرب. لاحظ كيف يعبّر الرسول عن ذلك باختصار: "لأن بالناموس معرفة الخطيّة، وأما الآن فقد ظهر برّ الله بدون الناموس" الذي ينظر الشمس مشهودًا لها من الناموس والأنبياء (رو 3: 20-21).
القدّيس أغسطينوس
رابعًا: موسى وإيليّا يمثّلان رجال العهد القديم، وبطرس ويعقوب ويوحنا يمثِّلون رجال العهد الجديد، وكأن السيّد المسيح هو مركز الكتاب المقدّس بعهديه، أو هو سرّ خلاص الكل ومشتهى الجميع. يرى القدّيس مار إفرآم السرياني أن موسى وإيليّا جاءا نيابة عن رجال العهد القديم يشاركان رجال العهد الجديد بهجتهم بالتمتّع بالمسيّا المخلّص الذي طال انتظار البشريّة له، إذ يقول: [هكذا كان حديثهما معه؛ يقدّمان له الشكر إذ حقّق ما قالاه هما وكل الأنبياء... لقد امتلأ الأنبياء بهجة وأيضًا التلاميذ بصعودهم على الجبل. لقد فرح الأنبياء لأنهم شاهدوا تأنّسه... وابتهج التلاميذ لأنهم رأوا مجد لاهوته الذي لم يكونوا بعد قد عرفوه.]
خامسًا: يرى القدّيس يوحنا الذهبي الفم أن الجموع سبق فقالت عن السيّد أنه إيليّا أو أحد الأنبياء (مت 16: 14)، لهذا جاء بقائدي طغمة الأنبياء ليُظهر لتلاميذه الفارق بين العبيد والرب، وأن بطرس على حق في اعترافه أنه ابن الله الحيّ.
سادسًا: إن كان السيّد المسيح في طريقة للمحاكمة يُتّهم بأنه صانع شرّ أي ناقض للناموس، ومجدّف أذ ينسب لنفسه مجد الآب. لهذا قدّم السيّد شهادة سابقة على مستوى فائق من موسى كمستلم الناموس يشهد للسيّد أنه حافظ للناموس وليس ناقضًا له؛ ومن إيليّا الغيور على مجد الله معلِنًا مجد يسوع. وكأن موسى جاء يشهد عن المسيح أنه ليس بفاعل شر،ّ وإيليّا يشهد عنه أنه ليس بمجدّف.
سابعًا: جاء موسى وإيليّا يُعلنان الغلبة الحقيقيّة للسيّد المسيح على الشيطان. لقد واجه موسى فرعون وغلب، وواجه إيليّا آخاب وغلب، أمّا يسوع فيُواجه إبليس ليغلب عن البشريّة كلها وباسمها.
ثامنًا: إذ ارتفع موسى على جبل سيناء تقبَّل الشريعة المقدّسة وسط سحاب كثيف، أمّا إيليّا وهو على الجبل فطلب من الله أن يُرسل نارًا ليحرق رئيسيّ الخمسين وجنودهما. لقد تحقّق هذا في كماله في المسيح يسوع ربّنا الذي هو كلمة الله المقدّم لنا خلال تجسّده ،مختفيًا كما في سحاب، فلا يقدر أحد أن يعاينه بنفسه. وهو النار المتّقدة الذي أحرق رياء اليهود ووثنيّة الأمم لتقديس البشريّة كلها.
تاسعًا: يقدّم لنا القدّيس جيروم تعليلاً لظهور موسى وإيليّا بقوله: [لنلاحظ أنه رفض تقديم آية من السماء للكتبة والفرّيسيّين الذين طلبوا منه ذلك، وها هو يعطي علامة من السماء لكي يزيد إيمان تلاميذه، إيليّا نزل من حيث صعد، وموسى يقوم من بين الأموات.]
عاشرًا: في التجلّي ظهر موسى وإيليّا وكان حاضرًا بطرس ويعقوب ويوحنا؛ فكان السيّد على الجبل بين خمسة من رجال العهدين، وكأن السيّد يريد أن نرتفع بروحه القدّوس إلى جبل تابور فيتجلّى خلال الحواس الخمس المقدّسة. فكلما تقدّست الحواس أعلن السيّد مجده فينا، وظهر بهاءه مُعلنًا في حياتنا.
اِحدى عشر: إن كان موسى وإيليّا من رجال العهد القديم الذين اهتم بقداسة الجسد، فإن بطرس ويعقوب ويوحنا من رجال العهد الجديد الذين اهتموا بقداسة الروح، وكأنّ تجلّي السيّد المسيح يتحقّق بتقديس الجسد والروح معًا.
جيد أن نكون ههنا
"فجعل بطرس يقول ليسوع: يا رب جيد أن نكون ههنا، فإن شئتَ نصنع هنا ثلاث مظال، لك واحدة ولموسى واحدة، ولإيليّا واحدة" [4].
إذ يتجلّى السيّد المسيح أمام النفس البشريّة وفي داخلها لا تقدر إلا أن تطلب البقاء معه إلى الأبد. ينسى الإنسان كل احتياجاته حتى الضروريّة، وكل أقربائه، ليبقى متمتّعا بالعريس الأبدي المتجلّي أمامه، لكن السيّد الذي أخلى ذاته من أجل خلاصنا بعد أن قدّم لنا سرّ تجلِّيه داخلنا يطالبنا بالنزول إلى إخوتنا، نشهد لهم عما رأينا وتمتّعنا، حاملين صليب الخدمة بفرح.
يرى العلاّمة أوريجينوس أن ما قاله الرسول بطرس من شوقه للبقاء في هذا الموضع قصد به بقاء السيّد هناك حتى لا ينزل ههنا، وذلك لخوفه على الرب إذ سمع أنه ينبغي أن يصعد إلى أورشليم. وإذ لم يجسر أن يكرّر القول له: "ارحم نفسك ولا تصعد" استخدم وسيلة أخرى لتحقيق ما في ذهنه. لقد رأى في هذا المكان المنفرد والهادئ موضعًا لائقًا للبقاء فيه. وإذ رغب أن يبقى فيه على الدوام كمكان للسكن طلب أن يصنع ثلاث مظال. لقد ظنّ بهذا أن الرب لا يصعد إلى أورشليم وبالتالي لا يتعرّض للموت. وإذ كان يُعلم أن الكتبة يترقّبونه فكّر أن معهم إيليّا الذي أنزل نارًا على الجبل (2 مل 1) وموسى الذي دخل في السحابة وتكلّم مع الله (خر 24: 33)، بهذا يكون هذا الجبل موضعًا لائقًا للاختفاء لا يمكن لأحد المضطهِدين أن يعرفه.
المظال الثلاث
أمر الله موسى النبي أن يقيم خيمة اجتماع أو مظلّة يحلّ فيها، علامة حضرته وسط شعبه ورعايته لهم، لكن معلّمنا بطرس الرسول إذ لم يكن بعد قد أدرك سرّ الوحدة بين الناموس والأنبياء والإنجيل، لم يطلب مظلّة واحدة تضم الثلاثة كعلامة للحضرة الإلهيّة، وإنما طلب ثلاث مظال.
لا ننسى موقف القدّيس بطرس المملوء محبّة، فإنه لم يطلب أن يُقيم لنفسه مظلّة، لأن "المحبّة لا تطلب ما لنفسها". وقد أجاب السيّد أيضًا بالمحبّة فلم يقبل أن تقام له مظلّة حتى لا يستقر على الجبل بعيدًا عن طريق الألم، إنّما أرسل سحابة نيّرة تظلِّله إلى حين، حتى إذ يتمّم إعلانه ينزل إلى الصليب. إنه لم يطلب ما لنفسه. وبنزوله نزل معه القدّيسون بطرس ويعقوب ويوحنا لكي يحملوا معه صليب الكرازة، ويسيروا معه طريق الآلام، طالبين ما هو للغير وليس ما هو لأنفسهم. اشتهى بطرس أن يبقى على الجبل، لكن السيّد ألزمه بالنزول ليُمارس الحب العامل.
+ أُخذ بطرس وابنا زبدي على جبل تعاليم الحق، ورأوا تجلِّي يسوع، وظهور موسى وإيليّا معه في المجد. لقد اِشتاقوا أن يُقيموا في داخلهم مظال لكلمة الله المزمع أن يحلّ في داخلهم، ولناموسه الذي رأوه في مجد، وللنبوة التي تتنبّأ عن الموت المزمع أن يتمّ (لو9: 31).
وإذ كان بطرس محبًا لحياة التأمّل مفضلاً التمتّع بها عن الحياة وسط الجماهير بضوضائها، تحدّث باسم من يحبون التأمّل: "جيد أن نكون ههنا" [4]. ولما كانت "المحبّة لا تطلب ما لنفسها" (1 كو 13: 5) لم يحقّق يسوع ما ظنه بطرس كأمرٍ حسنٍ، بل نزل من الجبل إلى غير القادرين على الصعود والتمتّع بتجلّيه حتى يشاهدوه قدر ما يحتملون. فإنه يليق بالإنسان البار الذي له المحبّة التي لا تطلب ما لنفسها وهو حرّ في كل شيء أن يربط نفسه بالعبوديّة لجميع من هم أسفل حتى يربحهم (1كو9: 19).
العلاّمة أوريجينوس
+ تعب بطرس من الجموع وقد وُجد على الجبل وحده معه يسوع خبز الروح، لكن لاق به أن يرجع مرّة أخرى للعمل محتملاً الألم، مقتنيًا الحب المقدّس من أجل الله.
+ إنك ترغب في البقاء على الجبل يا بطرس، انزل "اِكرز بالكلمة، اِعكف على ذلك في وقت مناسب وغير مناسب. وبّخ، انتهر، عظ بكل أناة وتعليم" (2 تي4 : 2). احتمل، جاهد... حتى تنال ما يعنيه ثوب المسيح الأبيض من بهاء وجمال خلال عمل المحبّة المستقيم. فإنه متى قُرئ الرسول نسمعه يمدح المحبّة، قائلاً: "لا تطلب ما لنفسها" (1 كو 13: 5)... وفي موضع آخر يطالب أعضاء المسيح أي المؤمنين بهذا الأساس للمحبّة: "لا يطلب أحد ما لنفسه، بل كل واحد ما هو للآخر" (1 كو 10: 24)... ويتحدّث عن نفسه: "غير طالب ما يوافق نفسي بل الكثيرين لكي يخلّصوا" (1 كو 10: 33). هذا ما لم يفهمه بطرس حين رغب في البقاء مع المسيح على الجبل، لقد حُفظ هذا ليكون لك يا بطرس بعد الموت (أي في السماء)، أمّا الآن فيلزمك أن تنزل للعمل على الأرض لكي تخدم عليها. لقد نزل "الحياة (يسوع)" على الأرض لكي يُرذَل ويُصلَب ويُذبَح، نزل الخبز لكي يجوع، نزل الطريق لكي يتعب، نزل الينبوع لكي يعطش، فهل ترفض أنت هذا العمل؟ لا تطلب ما هو لنفسك، بل لتكن لك المحبّة. أكرز بالحق، حينئذ تنطلق إلى الأبديّة لثمر السلام والأمان.
القدّيس أغسطينوس
السحابة النيِّرة
"وفيما هو يتّكلم إذ سحابة نيِّرة ظلَّلتهم، وصوت من السحابة، قائلاً: هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت، له اِسمعوا" [5].
إن كانت السحابة تُشير إلى الحضرة الإلهيّة، هذه التي كانت تملأ جبل سيناء حين قدّم الرب الناموس لموسى (خر 24: 15)، وكانت تملأ خيمة الاجتماع عندما كان الله يتحدّث مع موسى، ويأتي السيّد المسيح في مجيئه الأخير راكبًا إيّاها، فإن السحابة هنا "نيِّرة"، إعلانًا عن عمل التجلّي في حياة المؤمنين. فالنفس إذ تلتقي بالسيّد وتتعرَّف على أسراره قدر ما تحتمل، تستنير أكثر فأكثر بإعلانات سماويّة داخليّة. فتسمع صوت الآب: "هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت له اسمعوا". هذا هو أعظم إعلان يتقبّله الإنسان من الله في أعماق قلبه، وهو إدراك بنوّة المسيح الطبيعيّة لله كموضع سرور الآب، فتذوب نفسه داخليًا خلال اتّحادها بالابن الوحيد، وتشعر بدفء الحب الإلهي، وتتلمّس رضا الله الآب لها في الابن، وفرحه بها فيه، فتسمع لصوت الآب، وتخضع لعمل المسيح فيها بكونه رأسها! لا يطلب المسيحي إعلانات ملموسة يفخر بها، إنّما هذا هو جوهر إعلان الآب له: تلامسه الحقيقي بالابن الوحيد ليكون موضع سرور الآب خلال طاعته الكاملة حبًا وتواضعًا.
لقد تمتّعت القدّيسة مريم بالسحابة النيِّرة في أجلَى صورها، بطريقة فريدة حينما حلّ عليها الروح القدس ليظلِّلها بالقوّة الإلهيّة الفائقة. "الروح القدس يحلّ عليك وقوَّة العليّ تظلِّلك". هذه السحابة النيِّرة، أو الروح القدس الناري يهب المؤمنين استنارة للبصيرة الداخليّة لمعاينة المجد الإلهي للابن الوحيد، ويفتح الأذن لسماع صوت الآب، الذي يكشف لنا "سرّ المسيح" الذي صار فينا بالمعموديّة، فنحرص بالروح أن نبقى في حالة توبة مستمرّة وطاعة، لننعم بسرور الآب ونسمع صوته الأبوي.
+ صنع الله السحابة كخيمة إلهيّة، كانت منيرة، إذ هي مثال للقيامة العتيدة تظلِّل الأبرار الذين كانوا قد احتموا فيها واستناروا بها...
ولكن ما هي هذه السحابة المنيرة التي تظلِّل الأبرار؟
ألعلَّها هي القوّة الأبويَّة التي يصدر منها صوت الآب شاهدًا للابن أنه المحبوب وموضع السرور، ويحثْ من هم تحت ظلِّه أن يسمعوا له؟! إنه كما تكلَّم قديمًا يبقى يتّكلم على الدوام بإرادته.
السحابة المنيرة تعني الروح القدس الذي يظلّل على الأبرار، ويقدّم النبوّات الخاصة بالأمور الإلهيّة...
أتجاسر فأقول هي أيضًا المخلّص...
السحابة النيِّرة التي للآب والابن والروح القدس تظلِّل تلاميذ يسوع الحقيقيّين، أو تظلِّل الإنجيل والناموس والأنبياء حيث تضيء للذين يقدرون أن يروا نورها في (الكتاب المقدّس).
العلاّمة أوريجينوس
+ مصدر هذا الظل هو روح الله الذي لا يظلم قلوب البشر، بل يكشف لها الخفيات، هذا نجده في موضع آخر حيث يقول الملاك: "قوّة العليّ تظلِّلك".
لم توجد السحابة بسبب رطوبة الجبال المدخِّنة (مز 103: 32) ولا بخار الهواء المتكثِّف، ولا غطَّت السماء بظلمة مرهبة، وإنما كانت سحابة نيِّرة، لا تبلِّلنا بالأمطار والسيول، ولا تغمرنا بطوفان، وإنما نَداها الذي يرسله كلمة الله يغمر قلوب البشر بالإيمان.
القدّيس أمبروسيوس
+ عندما يهدّد الرب بالتأديب، يأتي في ظلام السحاب كما في سيناء (خر 19)، أمّا هنا فإذ أراد أن يُعلّم لا أن يؤدِّب ظهرت سحابة نيِّرة.
القدّيس يوحنا الذهبي الفم
+ هؤلاء الذين فكّروا في صنع غطاء أرضي من الأغصان أو مظلَّة قد تغطُّوا محتمين في سحابة نيِّرة، هكذا يكون لنا نحن أيضًا!
القدّيس جيروم
سحابة واحدة!
لقد طلب بطرس الرسول أن يُقيم ثلاث مظال، ولم يدرِ أن الحاجة إلى سحابة واحدة، لأن موسى (الناموس) وإيليّا (الأنبياء) يختفيان في الإنجيل المقدّس، ولهذا أيضًا عندما تكلَّم الآب قال "هذا هو ابني الحبيب" ولم يقل "هؤلاء هم أبنائي المحبوبين". فإن كانت الشريعة تبوِّق لنا بالصوت الإلهي، إنّما لتدخل بنا إلى الابن الوحيد الجنس. وإن كان الصوت النبوي يُعلن لنا الأسرار الإلهيّة، إنّما ليدخل بنا إلى السيّد المسيح الذي فيه كل الأسرار. وكما يقول القدّيس جيروم:
[سُمع صوت الآب من السماوات، مقدّمًا شهادة عن الابن، ومصحِّحًا خطأ بطرس، معلّما إيّاه الحق... لذلك أكمل قائلاً: "هذا هو ابني الحبيب"، لأجله أقيموا خيمة! إنه ابني وهؤلاء عبيدي!]
خوف التلاميذ
"ولما سمع التلاميذ سقطوا على وجوههم وخافوا جدًا، فجاء يسوع ولمسهم، وقال: قوموا، لا تخافوا" [7].
يرتبط التجلّي بالصلب والقيامة، فقد أوضح معلّمنا لوقا البشير أن السيّد المسيح كان يتحدّث مع موسى وإيليّا في الأمور العتيد حدوثها أي آلامه، وأما متّى البشير فأعلن عن سقوط التلاميذ على وجوههم وخوفهم جدًا حتى يمد السيّد يده، ويلمسهم القائم من الأموات، فيقومون من سقوطهم وينزع عنهم الخوف.
سقوط التلاميذ على وجوههم يُعلن عن سقوط كل البشريّة تمامًا، وعجزها التام عن القيام والالتقاء مع الله، إذ صارت وجوههم في التراب ساقطة، لا تقدر على معاينة الأمجاد السماويّة. وحلول الخوف الشديد فيهم يُشير إلى فُقدان السلام الحقيقي، لذلك جاءهم يسوع إشارة إلى نزوله إلينا، ومدّ يده مؤكِّدًا تجسّده. أمّا لمسه إيّاهم، فهو علامة حلوله في وسطنا كواحد منّا، يقدر أن يمدّ لنا يده فنقبلها. أخيرًا بسلطان أقامهم ونزع الخوف عنهم. حقًا لقد ظهرت قصّة سقوط الإنسان وقيامه خلال عمل الله الخلاصي واضحة على جبل التجلّي. وكأن سرّ التجلّي إنّما هو سرّ إعلان الله الدائم فينا، بكونه ابن الله المتجسّد المصلوب والقائم من الأموات، من أجلنا جاء ليقيمنا ونبتهج بعمله فينا.
+ إذ كانوا ساقطين منطرحين على الأرض وغير قادرين على القيام تحدّث معهم بوداعة ولمسهم. فبلمسه إيّاهم انصرف الخوف عنهم، وصارت أعضاؤهم المرتعبة قويّة... وكما شفاهم بلمسة يده، شفاهم أيضًا بوصيّته لذلك تبع هذا بقوله: "قوموا، لا تخافوا". لقد نزع عنهم الخوف أولاً حتى يقدّم لهم تعليمه.
القدّيس جيروم
+ أقامهم الابن الذي اِعتاد أن يُقيم الساقطين.
القدّيس أمبروسيوس
يسوع وحده
"فرفعوا أعينهم ولم يروا أحدًا إلا يسوع وحده. وفيما هم نازلون من الجبل وأوصاهم يسوع، قائلاً: لا تُعلموا أحدًا بما رأيتم، حتى يقوم ابن الإنسان من الأموات" [8-9].
إذ يختبر المؤمن قوّة قيامة السيّد يرفع عينيه بالروح القدس فلا يرى في قلبه إلا يسوع المسيح وحده يملأ كل حياته. بالقيامة دخل إلى العُليِّة ليكون هو وحده سِرّ سلامهم الحقيقي وفرحهم، يشبع كل احتياجاتهم.
أما وصيّته لهم بالصمت فلأنه يريدهم أن يأخذوا فترة تأمّل فيما حدث، ليروا أحداث التجلّي في قلوبهم، لا في أحداث خارجيّة، فيتمثلوا بالقدّيسة مريم التي كانت تحفظ الأمور متفكِّرة بها في قلبها (لو 2: 19). ولعلّه أراد منهم الصمت حتى يختبروا بأنفسهم القيامة، ويتجلّى السيّد في حياتهم الداخليّة، عندئذ يكرزون بالتجلّي ويعلنونه. وكما يقول القدّيس هيلاري أسقف بواتييه: [أمرهم بالصمت فيما يخُص ما رأوه حتى يمتلئوا بالروح القدس ويشهدوا للروحيّات.]
2. الحاجة إلى إيليّا
"وسأله تلاميذه قائلين: فلماذا يقول الكتبة أن إيليّا ينبغي أن يأتي أولاً؟ فأجاب يسوع وقال لهم: إن إيليّا يأتي أولاً، ويرُد كل شيء. ولكني أقول لكم أن إيليّا قد جاء ولم يعرفوه، بل عملوا به كل ما أرادوا" [10-12].
كان للكتبة معرفة نظريّة، فقد فهموا من النبوّات أن إيليّا يسبق مجيء المسيّا. جاء لكنهم ولم يعرفوه ولا قبلوه، إنّما عملوا به ما أرادوا.
من هو إيليّا إلا يوحنا المعمدان، إذ "فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان" [13]. لقد جاء يوحنا بروح إيليّا، لا بمعنى أنه تقمَّص روحه، وإنما يحمل فكره الناري وغيرته الملتهبة على مجد الله، وحياته النُسكيّة في البرّيّة، ليمهّد الطريق بالتوبة من أجل المسيّا المخلّص.
إن كان سيِّدنا قد جاء مترفّقا بنا ولطيفًا للغاية يشتهي خلاصنا، لكن يلزمنا أن يدخل إيليّا الغيور إلى حياتنا ليهيّئ القلب للمخلّص بالمناداة بالتوبة. إن كان التجلّي هو إعلان ملكوت الله السماوي فينا، فلا طريق لهذا التجلّي فينا بدون إيليّا، أي التوبة.
3. هدم مملكة الشيطان
بقدر ما يُعلن ملكوت المسيّا فينا بتجلّيه في حياتنا تنهدم مملكة الشيطان، ولا يكون له موضع فينا، لهذا أوْرَد الإنجيلي بعد التجلّي، أي بعد إعلان مملكة المسيح، إخراج الشيطان من إنسان، إذ يقول الإنجيلي: "ولما جاءوا إلى الجمع تقدّم إليه رجل جاثيًا له، وقائلاً: يا سيّد ارحم ابني، فإنه يُصرَع ويتألّم شديدًا، ويقع كثيرًا في النار، وكثيرًا في الماء" [14-15].
هذه هي علامات العبوديّة لإبليس والدخول في مملكته، حيث يفقد الإنسان اتّزانه الداخلي وسلامه. فيصير في حالة صرَعْ، ويخسر كل سلام حقيقي. يعيش في آلام داخليّة عنيفة، ويُلقِّيه في صراعات متضاربة، تارة يلتهب بنار الغضب العنيف يحرق كل ما هو حوله، بل يحرق نفسه في نيران لا تنطفئ، وتارة يرتمي في مياه الشهوات الجسديّة ومحبّة العالم، مستهينًا بكل شيء من أجل لذّة مؤقَّتة. في مرارة نقول أن الإنسان بخضوعه للخطيّة وارتباطه بمملكة الظلمة يفقد سلام فكره وجسده وروحه، فيعجز عن التفكير السليم ويخسر حياته الروحيّة، وحتى الجسد أيضًا يصير تحت الألم!
اشتكى الرجل، قائلاً: "أحضرته إلى تلاميذك فلم يقدروا أن يشفوه. فأجاب يسوع وقال: أيها الجيل غير المؤمن، إلى متى أكون معكم؟ إلى متى احتملكم. قدّموه إلى ههنا" [16-17].
"عدم الإيمان" هو العائق الذي حرم حتى التلاميذ من إمكانيّة إخراج الشيطان، وكما يقول القدّيس أغسطينوس: [انتهر ربّنا يسوع المسيح غير المؤمنين حتى الذين هم تلاميذه كما سمعنا في الإنجيل الذي قُرئ الآن. لأنه عندما قالوا له: لماذا لم نقدر أن نخرجه؟ أجابهم قائلاً: "لعدم إيمانكم". إن كان الرسل غير مؤمنين، فمن هم المؤمنون؟ ماذا نفعل نحن الحِملان إن كانت الكباش تهتز؟ لكن الله برحمته لم يستخفْ بهم في عدم إيمانهم، بل انتهرهم وسنَدهم، جعلهم كاملين... لقد شعروا بضعفهم إذ قالوا في موضع آخر: "زد إيماننا" (لو 17: 5)، وكان لمعرفتهم نقصهم نفعًا عظيمًا، إذ تعرَّفوا على من يسألونه... توجَّهوا بقلوبهم إلى الينبوع قارعين ليفتح لهم فيمتلئون، فقد أراد أن يقرع عليه البشر!] كما يقول: [لنُصلِِّ، ولنتكِّل على الله فنحيا... لندعوه كما دعاه التلاميذ، قائلين للرب "زد إيماننا.]
لقد عجز التلاميذ عن طرد الشيطان بسبب عدم إيمانهم [20]. لهذا نصحهم السيّد بالصوم والصلاة لمساندتهم في طرده بالإيمان، إذ يقول: "الحق أقول لكم لو كان لكم إيمان مثل حبّة خردل، لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هناك فينتقل، ولا يكون شيء غير ممكنٍ لديكم. وأمّا هذا الجنس فلا يخرج إلا بالصلاة والصوم" [20-21]. هكذا يربط السيّد المسيح الإيمان بالصلاة والصوم، فإن كنّا بالإيمان نختفي في المسيح يسوع ربّنا الحال فينا، ليطرد العدوّ عنّا هذا الذي لا يقدر أن يقف أمامه، فإنّ إيماننا هذا لا يكون عاملاً بدون الجهاد خلال الصلاة والصوم.
ما هو هذا الجبل الذي لم يستطع التلاميذ نقله من موضعه في ذلك الحين، إلا ما كتبَ عنه إرميا النبي "أعطوا الرب إلهكم مجدًا قبل أن يجعل ظلامًا، وقبلما تعثر أرجلكم على جبال العتمة" (إر 13: 16). إن جبل الخطيّة المظلم الذي يدفع الشيطان الخليقة إليه ليفقدها البنوّة لله، ويقتنصها كأبناء للظلمة. هذا هو الجبل الذي نزحزحه بالإيمان خلال الصلاة والصوم كما علمنا سيِّدنا. وكما يقول القدّيس أغسطينوس: [إذ كان يحثّهم على الصلاة أنهى حديثه بقوله: "وأما هذا الجنس فلا يخرج إلا بالصلاة والصوم". إن كان يليق بالإنسان أن يصلّي ليُخرج الشيطان من آخر، فكم بالأولى يليق به أن يُصلّي ليخرج منه طمعه وسكره وترفهه ونجاسته! كم من الأمور قاطنة في الإنسان لو بقيت فيه لا يُقبل في ملكوت السماوات!]
4. الحاجة إلى الصليب
"وفيما هم يتردّدون في الجليل، قال لهم يسوع: ابن الإنسان سوف يسلَّم إلى أيدي الناس. فيقتلونه، وفي اليوم الثالث يقوم، فحزنوا جدًا" [22-23].
إن كان الارتفاع إلى جبل التجلّي يملأ التلاميذ فرحًا وبهجة، يليق بهم أن ينزلوا إلى الحياة المجاهدة ليسمعوا السيّد من حين إلى آخر، يؤكّد التزامه بتسليم نفسه بين أيدي الناس ليُقتل فتُعلن قيامته. لم يكن التجلّي إلا طريقًا يسند التلاميذ في مرحلة حياتهم مع السيّد المسيح المصلوب، فينعموا بقيامته ويدخلوا إلى بهجة تجلٍّ دائمٍ.
5. إيفاء الدرهمين
خضع السيّد المسيح مع تلاميذه لإيفاء الجباية أو الجزية، ليؤكّد مبدأ هامًا في حياتنا الإيمانيّة: أن انتماءنا السماوي يهبنا طاعة وخضوعًا لملوك العالم أو الرؤساء، فنلتزم بتقديم واجباتنا الوطنيّة. فالمسيحي وهو يحمل السيّد المسيح ملكًا سماويًا داخل قلبه، إنّما يحمل روح الوداعة والخضوع في حب للوطن وطاعة.
إن كان بطرس الرسول قد دُعي للتكريس الكامل والتفرّغ للخدمة لحساب الملكوت السماوي، لكن دون تجاهل للحياة الواقعيّة. لهذا ذهب إلى البحر كما إلى العالم، وألقى بالصنارة ليعمل، وإنِّما بقدر ضئيل، فيجد الله قد أعدّ له أستارًا في فم سمكة، ليفي به عن سيّده وعن نفسه. لقد قدّس الله العمل، لكن دون أن يرتبك فيه الإنسان، أو يدخل به إلى روح الطمع، وإنِّما من أجل الاحتياجات الضروريّة.
ولعلّ ما فعله بطرس كان يمثِّل التزام المؤمنين ككل، الكنيسة في جامعيّتها، أما بعد حلول الروح القدس فالتزم الرسل للتفرّغ للخدمة ليس احتقارًا للعمل اليومي العادي، وإنما من أجل عدم الارتباك به.
يُعلن القدّيس كيرلّس الكبير على تصرُّف السيّد المسيح هنا بقوله: [إذ صار الابن الوحيد كلمة الله مثلْنا، وحمل قياس الطبيعة البشريّة انحنى لنير العبوديّة، فدفع بإرادته لجامع الجزية اليهودي الدرهمين حسب ناموس موسى، لكن هذا لم يمنع سِمة المجد الذي فيه. وكأن خضوعنا لكل نظام بروح الرضا والفرح لا يعني إلا مشاركة للسيّد المسيح في خضوعه لننعم معه بمشاركته مجده الداخلي.
من أقوال الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
الإصحاح السابع عشر
(مت 1:17-8 + مر 2:9-8 + لو 28:9-36):- التجلى
(مت 1:17-8):-
وبعد ستة أيام اخذ يسوع بطرس ويعقوب ويوحنا أخاه وصعد بهم إلى جبل عال منفردين. وتغيرت هيئته قدامهم وأضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور. وإذا موسى وايليا قد ظهرا لهم يتكلمان معه. فجعل بطرس يقول ليسوع يا رب جيد أن نكون ههنا فان شئت نصنع هنا ثلاث مظال لك واحدة ولموسى واحدة ولايليا واحدة. وفيما هو يتكلم إذا سحابة نيرة ظللتهم وصوت من السحابة قائلا هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت له اسمعوا. ولما سمع التلاميذ سقطوا على وجوههم وخافوا جدا. فجاء يسوع ولمسهم وقال قوموا ولا تخافوا. فرفعوا أعينهم ولم يروا أحدا إلا يسوع وحده.
(مر 2:9-8):-
وللوقت اجتمع كثيرون حتى لم يعد يسع ولا ما حول الباب فكان يخاطبهم بالكلمة. وجاءوا إليه مقدمين مفلوجا يحمله أربعة. وإذ لم يقدروا أن يقتربوا إليه من اجل الجمع كشفوا السقف حيث كان وبعدما نقبوه دلوا السرير الذي كان المفلوج مضطجعا عليه. فلما رأى يسوع إيمانهم قال للمفلوج يا بني مغفورة لك خطاياك. وكان قوم من الكتبة هناك جالسين يفكرون في قلوبهم. لماذا يتكلم هذا هكذا بتجاديف من يقدر أن يغفر خطايا إلا الله وحده. فللوقت شعر يسوع بروحه انهم يفكرون هكذا في أنفسهم فقال لهم لماذا تفكرون بهذا في قلوبكم
(لو 28:9-36):-
وبعد هذا الكلام بنحو ثمانية أيام اخذ بطرس ويوحنا ويعقوب وصعد إلى جبل ليصلي. وفيما هو يصلي صارت هيئة وجهه متغيرة ولباسه مبيضا لامعا. وإذا رجلان يتكلمان معه وهما موسى وايليا. اللذان ظهرا بمجد وتكلما عن خروجه الذي كان عتيدا أن يكمله في أورشليم. وأما بطرس واللذان معه فكانوا قد تثقلوا بالنوم فلما استيقظوا رأوا مجده والرجلين الواقفين معه. وفيما هما يفارقانه قال بطرس ليسوع يا معلم جيد أن نكون ههنا فلنصنع ثلاث مظال لك واحدة ولموسى واحدة ولايليا واحدة وهو لا يعلم ما يقول. وفيما هو يقول ذلك كانت سحابة فظللتهم فخافوا عندما دخلوا في السحابة. وصار صوت من السحابة قائلا هذا هو ابني الحبيب له اسمعوا. ولما كان الصوت وجد يسوع وحده وأما هم فسكتوا ولم يخبروا أحدا في تلك الأيام بشيء مما أبصروه.
1) فى الآية السابقة وعد السيد تلاميذه أن منهم من سوف يرون إبن الإنسان آتياً فى ملكوته، ها هو هنا يريهم عربون المجد الأبدى فى الملكوت.
2) أخذ السيد معه 3 تلاميذ ليشهدوا على ما حدث، ورقم 3 كافى جداً كشهود بحسب الناموس. وكان الثلاثة دائماً يرافقونه فى الأحداث الهامة مثل إقامة إبنة يايرس وفى بستان جثسيمانى، وهم بطرس ويعقوب ويوحنا. وبطرس لم ينسى ما رآه وسجله فى رسالته (2 بط 16:1-18) وهكذا يوحنا (يو14:1).
3) يقول تقليد الكنيسة أن الجبل كان هو جبل تابور. وهو جبل عالٍ يشير للسمو، سمو قدر المسيح الذى سيرونه الآن متجلياً
4) التجلي هو إعلان لمجد المسيح ولا هوته بخروجه عن مستوى الأرض والزمن. فيه أعطى السيد لتلاميذه أن يتذوقوا الحياة الأخروية، معلناً أمجاده الإلهية بالقدر الذى يستطيع التلاميذ أن يحتملوه وهم بعد فى الجسد.
5) السيد حدث تلاميذه عن آلامه وموته، فكان لابد له أن يظهر لهم ما سيكون عليه مجده عند ظهوره، وإذ رأوا مارأوه كان هذا قوة لهم وسنداً على إحتمال الآلام والاضطهادات التى سيواجهونها دون أن يتعثروا فيه. والله دائماً يعزى كل متألم ليحتمل ألمه.
6) صعدوا أولاً على جبل لكى يتجلى أمامهم. ولكى نعاين نحن مجد الرب يجب أن ندرب أنفسنا أن نحيا فى السماويات، وتكون لنا خلوة هادئة باستمرار نتأمل فيها فى الكتاب المقدس، ونرتفع فوق شهوات العالم ورغبات الذات لنحقق وصية بولس الرسول " فإن كنتم قد قمتم مع المسيح فاطلبوا ما فوق.. إهتموا بما فوق لا بما على الأرض.. اميتوا أعضاءكم التى على الأرض (كو1:3-5"). وتأملنا فى كلمة الله المكتوبة فى الكتاب المقدس تكشف لنا عن كلمة الله أى المسيح، وكلما عاشرناه نحيا فى السماويات كمن يرتفع فوق جبل.
7) التجلي محسوب للإنسان، فنحن سنحصل على جسد ممجد (فى 21:3 + 1يو 2:3).
آيه (1):-
وبعد ستة أيام اخذ يسوع بطرس ويعقوب ويوحنا أخاه وصعد بهم إلى جبل عال منفردين.
وبعد ستة أيام.. ويقول لوقا وبعد هذا الكلام بنحو ثمانية أيام وحل هذه المشكلة بسيط فالقديس لوقا أحصى اليوم الذى فيه أعلن الرب وعده وأحصى يوم التجلى، أما متى ومرقس فأحصوا الأيام الستة التى بين يوم الوعد ويوم التجلي. ولكن وجود رقم 6، رقم 8 له معنى فرقم 6 هو رقم النقص الإنساني، فالإنسان خلق فى اليوم السادس ورقم 8 هو رقم الأبدية. لذلك نجد أن رقم الوحش 666 ورقم إسم يسوع 888. والمعنى أن الإنسان الناقص صار له بالمسيح مجد أبدى وما بين اليوم السادس واليوم الثامن يوم الأبدية المجيد يأتى اليوم السابع يوم الراحة. فمن ينتقل الآن يذهب للراحة فى إنتظار المجد. ولكن يمكننا أيضاً أن نقول أن رقم 6 التصق بالمسيح الذى صلب فى اليوم السادس والساعة السادسة وكانت البشارة به فى الشهر السادس، فهو الذى بلا خطية صار خطية لأجلنا. هو الذى له كل المجد (8) صار له جسد إنسان (6). هو الحى الأبدى (8) صار له جسد ليموت (6).
آية (2):-
وتغيرت هيئته قدامهم وأضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور.
تغيرت هيئته = هذا التغير هو كشف لأمجاده المختفية وراء الجسد، لقد إضطر أن يخفيها حتى يمكننا أن نراه ونسمعه دون خوف، ودون أن نموت وأضاء وجهه كالشمس = هو شمس البر ( ملا 2:4) ينعكس نوره علينا فننير لذلك تشبه الكنيسة بالقمر. نوره هو نور لاهوته وكان يشع من جسده صارت ثيابه بيضاء = الثياب تشير للكنيسة الملصقة به. ويقول مرقس لا يقدر قصار على الأرض أن يبيض مثل ذلك = الثياب بيضاء لأن المسيح برر كنيسته، غسلها بدمه ( رؤ 14:7 + 1يو7:1) وهذا التبرير لا يستطيع أحد أن يعطيه للكنيسة. المسيح فقط بدمه يبرر الكنيسة فتقول تغسلنى فأبيض أكثر من الثلج + (أش 18:1) "قصّار= مبيض ثياب" ولاحظ أن المسيح إحتفظ بملامح وجهه وجسده فهو لن يتخلى عن جسده أبداً، وجسده هو الذى تمجد. وهو جلس بجسده عن يمين الآب. وهذا يعنى أيضاً أننا سنتمجد بجسدنا، إذ يقوم الجسد ولكن يكون جسد نورانى له نفس ملامح الجسد القديم. وبياض ثيابه ولمعانها إشارة لبر جسده وليس مجد لاهوته فمجد لاهوته ظهر فى وجهه الذى أضاء كالشمس، أما برناسوته فظهر فى بياض ثيابه، وناسوته أى جسده الذى هو الكنيسة (أف 30:5). برناسوته أى أنه كان بلا حظية.
تأمل أخر فى (مت 6،8):- نلاحظ أنه قبل حادثه التجلى تكلم المسيح مع تلاميذه عن صليبه (مت 21:16) وبعد حادثة التجلى تكلم ثانية عن صليبه (مت 12:17)والصليب كان فى اليوم السادس والساعة السادسة، والقيامة كانت يوم الأحد أى اليوم الثامن (بداية الأسبوع الجديد). فالصليب (6) هو طريق المجد (8). ومن يتألم معه يتمجد أيضاً معهُ (رو 17:8). وكان قول لوقا وبعد ثمانية أيام من حديث المسيح فى قيصرية فيلبس عن صليبه وصليبنا. فبعد الصليب لابد وسيكون هناك مجد. ولاحظ أنه حتى فى لحظات التجلى كان موسى وإيليا يتكلمان معه عن "خروجه الذى كان عتيداً أن يكمله فى أورشليم آية (31). هكذا يلتحم الصليب بالمجد، والصليب سيكون موضوع تسبيحنا فى المجد. ونحن لا يمكننا أن ننعم بمجد المسيح فينا وتجليه فينا الآن ما لم نقبل وصية الصليب معه، ولن ننعم بالمجد الأبدى بدون صليب. خروجه = مغادرة أورشليم للمرة الأخيرة حاملاً صليبه.
ولاحظ أيضاً لوقا آية(29) وفيما هو يصلى صارت هيئة وجهه متغيرة يتميز إنجيل لوقا بالتركيز على الصلاة. ولوقا لاحظ من قبل أن المسيح كان يصلى قبل أن يسألهم " من يقول الناس إنى أنا إبن الإنسان " وها هو يلاحظ أنه كان يصلى قبل التجلى. فالبنسبة للمسيح فالصلاة هى حديث الشركة مع الآب الواحد معهُ فى اللاهوت، وأن هذا المجد الظاهر فى التجلى ناشىء عن الوحدة بين الآب والإبن فى اللاهوت. أما أهمية الصلاة لنا نحن البشر، فعن طريق الصلاة يتغير شكل الإنسان. وبها ننفذ الوصية تغيروا عن شكلكم (رو2:12)
التجلى عيد سيدى = الكنيسة تهتم بالتجلى، وتحتفل به كعيد سيدى بكونه شهادة حق للاهوت السيد المسيح المختفى فى حجاب الجسد، أعلنه السيد لبعض من تلاميذه قدر ما يحتملوا ليدركوا ما تنعم به الكنيسة فى الأبدية بطريقة فائقة لا ينطق بها.
· موسى وإيليا آية (3):-
هنا نرى صورة رائعة للملكوت، فالله ليس إله أموات بل إله احياء. وفى المجد سننعم كلنا بهذه العشرة الحلوة مع المسيح، هو فى مجده ونحن معه فى المجد فى فرح أبدى، هو يفرح بالبشرية ونحن نفرح به. هناك حوار بين موسى وإيليا وبين المسيح، وهذا ما سيحدث لنا فى السماء، فلن نكون منعزلين عنه، بل فى علاقة حب وحوار ومعاملات حلوة وأبدية. وهذا ما يمكننا أن نختبره من الآن، فالحياة الأبدية تبدأ هنا والملكوت هو فى داخلنا، نحن نحصل الآن على العربون، عربون عشرة المسيح المفرحة.
1- إيليا لم يمت بالجسد بينما موسى مات بالجسد. ولكن كلاهما حول المسيح فليس موت لعبيدك يا رب بل هو إنتقال،هو نوم، ولكن العلاقة مع المسيح لا يقطعها موت الجسد الذى نتذوقة حالياً.
2- موسى ممثل الناموس وإيليا ممثل الأنبياء، وبهذا نفهم أن المسيح هو غاية الناموس ومركز النبوات (رو 4:10 + رؤ 10:19) فكل طقوس الناموس الموسوى كانت رمزاً للخلاص الذى تم بالصليب وكل النبوات كان هدفها المسيح والخلاص الذى تممه.
3- موسى كان حليماً وإيليا كان نارياً فى غيرته، وملكوت المسيح هو ملكوت الوداعة ولكن بغيرة. ووجود موسى وإيليا امام التلاميذ الآن يعطيهم صورة لما يجب ان تكون عليهم خدمتهم ى المستقبل.
4- لاحظ إجتماع المسيح مع ممثلى العهد القديم موسى وإيليا ومع ممثلى العهد الجديد بطرس ويعقوب ويوحنا، فالكل صار واحداً فيه (أف 14:2-16).
5- قال بعض الناس عن المسيح انه إيليا أو أحد الأنبياء والتلاميذ الآن رأوا الفارق بين إيليا وموسى وبين المسيح الرب.
6- ظهور موسى مع المسيح يظهر أن المسيح ليس بناقض للناموس.
7- كان موسى فى غلبته على فرعون وتحرير الشعب من عبودية فرعون وكان إيليا فى غلبته على أخاب وعبادة البعل رموزاً للمسيح فى غلبته على الشيطان والوثنية، وتحريره لأولاده من سلطان الشيطان.
8- رفض السيد المسيح تقديم آية للفريسيين لأنهم لا يستحقون، أما لتلاميذه، فها هو يريهم آية سمائية ليثبت إيمانهم فهم يستحقون.
9- موسى الآن روح وقد ظهر بشكل نورانى، أماّ إيليا فقد ظهر بجسده لأنه لم يمت. وهذ1 يظهر سلطان المسيح فهو رب الأحياء والأموات. ولاحظ أن موسى مات بالجسد لكن الروح موجودة.
10- ويقول لوقا أنهما ظهرا بمجد. وهذا ما سيحدث لكل الكنيسة فى الأبدية أنها ستكون فى مجد لأنه سينعكس عليها مجد المسيح الذى ستراه ممجداً.
11- ألا تتكرر هذه الصورة يومياً فى المخدع حين نقف لنصلى ونتشفع بالقديسين، وكأننا نعقد اجتماع صلاة بيننا وبين القديسين، وحسب وعد المسيح إذا إجتمع إثنين أو ثلاثة بإسمى أكون فى وسطهم.
آية (4):-
فجعل بطرس يقول ليسوع يا رب جيد أن نكون ههنا فان شئت نصنع هنا ثلاث مظال لك واحدة ولموسى واحدة ولايليا واحدة.
يا رب جيد أن نكون ههنا = إذا تجلى الرب للنفس البشرية فإنها تود لو ظلت متمتعة به للأبد تاركة الدنيا وما فيها. وهذا يتذوقه من يتقابل مع المسيح فى الصلاة ( لا يصلى بروتينية وسرعة) فإنه يود ألاّ تتوقف الصلاة.
ثلاث مظال= لقد تصوّر بطرس أن المسيح سيؤسس ملكوته الآن على الجبل، فأراد ان يصنع ثلاث مظال للمسيح ولموسى ولإيليا، وربما تصوّر أن هذه المظال، وأن يمكثوا فى الجبل أمام هذا المنظر البهى ستمنع المسيح من النزول ليتألم كما أخبرهم، ولكن كما قال مرقس أن بطرس ما كان يعلم ما يتكلم به، وهكذا قال لوقا. لقد إنبهر بطرس بما رآه فدخل فى حالة تشبه الهذيان، فهل الأرواح مثل موسى تحتاج لمظال. وهل يتساوى المسيح وموسى وإيليا فيكون لكل واحد مظلة، وهل مظلة واحدة لا تكفى، وهل بعد ان أخبرهم المسيح بأنه يجب أن يتألم ويموت، هل سيغير المسيح خطته ويقبل أن يهرب إلى مظلة فى الجبل؟
والمظلة عادة لتقى الإنسان من نور وحرارة الشمس، ولكن النور يخرج الآن من جسد المسيح فما فائدة المظلة. واضح أن كلام بطرس بلا معنى والسبب إنبهاره بما رأى.
ونلاحظ أن المسيح نزل معهم بعد ذلك لميدان الخدمة، فالخدمة ليست هى البقاء فى الجبل للتمتع بالمسيح فى مجده فقط، بل هى تمتع بالمسيح للإمتلاء ثم نزول للعالم للخدمة، هكذا قالت عروس النشيد (نش 11:7،12) نزول للعالم حاملين صليب الخدمة والكرازة. لقد إشتهى بطرس ان يبقى على الجبل، لكن السيد الزمهم بالنزول ليمارسوا الحب العامل الباذل.
آية (5):-
وفيما هو يتكلم إذا سحابة نيرة ظللتهم وصوت من السحابة قائلا هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت له اسمعوا.
إذا سحابة نيرة ظللتهم= هى الحضرة الإلهية، لقد تصور بطرس أنه سيقيم مظلته من قش وبوص للمسيح. ولكن الآب بمجده يظلل عليه وها هو يعلن هذا. فكما ملأ مجد الرب الهيكل أيام سليمان وخيمة الإجتماع أيام موسى على شكل سحاب، ها هو بمجده يظلل على المسيح.
هذه الصورة ستتكرر فى المجىء الثانى حين يأتى المسيح فى مجد أبيه وهذه السحابة ظللت أيضاً على التلاميذ وعلى موسى وإيليا، فالآب يود لو يشعر كل أولاده بأنه يرعاهم ويظللهم ويشملهم بدفء محبته.ولكن الآب يوصى أولاده هذا هو إبنى الحبيب.. له إسمعوا إذاً حتى نتمتع بهذه المحبة الأبوية علينا أن نسمع وننفذ وصايا المسيح. موسى بظهوره يشهد للمسيح أنه هو النبى الذى تنبأ عنه، وإيليا بالنيابة عن الأنبياء بظهوره الآن يقدم المسيح على أنه هو محور النبوات، وها هو الآب يشهد بحقيقة المسيح أنه إبنه.
ولاحظ أن الله قاد شعبه فى البرية عن طريق سحابة فالله يحب أن يظلل على شعبه ويحميهم ويعزيهم من شمس التجارب، والسحابة نيرة لأن الله نور وساكن فى النور، ولكى يظلل علينا، يجب أن نترك الخطية فالخطية ظلمة ولا شركة للنور مع الظلمة.
آيات (6،7):-
ولما سمع التلاميذ سقطوا على وجوههم وخافوا جدا. فجاء يسوع ولمسهم وقال قوموا ولا تخافوا.
سقوط التلاميذ وخوفهم يعبر عن عجز البشرية عن الإلتقاء بالله بسبب خطاياها وفقدان سلامها. ولمسة يسوع لتلاميذه ودعوته لهم للقيام تشير أنه لهذا أتى وتجسد ليقيمنا من التراب الذى نحن فيه ويعطينا أن نتقابل مع الآب. لا تخافوا= هذه يقولها بسلطان أى أنه يعطى مع كلماته هذه سلاماً يملأ القلب. فالمسيح أتى ليعيدنا للأمجاد السماوية ولنتقابل مع الآب وليقيمنا من التراب الذى كنا فيه وليملأ القلب سلاماً فهو ملك السلام.
آية (8):-
فرفعوا أعينهم ولم يروا أحدا إلا يسوع وحده.
إختفاء موسى وإيليا وبقاء المسيح وحده يحمل معنى أهمية أن تتركز الأنظار على المسيح وحده كمخلص، فلا الناموس ولا الأنبياء يستطيعان أن يخلصا، ولكنها يقودان فقط للمسيح المخلص.
يقول لوقا وحده فى آية (32) أن التلاميذ تثقلوا بالنوم، ويبدو أنه ليس نوماً عادياً ولكن عدم إحتمال لهذا المجد الذى يرونه، وهم ناموا أيضاً فى بستان جثسيمانى فنحن فى جسد بشريتنا لا نحتمل الألم ولا المجد. لذلك سيلبس هذا الفاسد عدم فساد لنحتمل أن نرى مجد الله. عموماً حتى نشاهد مجد المسيح علينا أن نستيقظ من نوم الخطية (أف 14:5) ويقول لوقا أماهم فسكتوا ولم يخبروا أحداً… وكان هذا تنفيذاً لأوامر المسيح (مت 9:17 + مر 9:9).
(مت 9:17-13 + مر 9:9-13):-
(مت 9:17-13):-
وفيما هم نازلون من الجبل أوصاهم يسوع قائلا لا تعلموا أحدا بما رأيتم حتى يقوم ابن الإنسان من الأموات. وسأله تلاميذه قائلين فلماذا يقول الكتبة أن ايليا ينبغي أن يأتي أولا. فأجاب يسوع وقال لهم أن ايليا يأتي أولا ويرد كل شيء. ولكني أقول لكم أن ايليا قد جاء ولم يعرفوه بل عملوا به كل ما أرادوا كذلك ابن الإنسان أيضا سوف يتألم منهم. حينئذ فهم التلاميذ انه قال لهم عن يوحنا المعمدان.
آية (9):- السيد يوصيهم أن لا يعلموا أحد بما رأوه على الجبل لماذا؟
وفيما هم نازلون من الجبل أوصاهم يسوع قائلا لا تعلموا أحدا بما رأيتم حتى يقوم ابن الإنسان من الأموات.
أ) حتى لا يظن الناس أن التجلى مقدمة لملك عالمى (وبعد القيامة لن يحدث هذا).
ب) حتى لا يتشكك الناس إذ تأتى ألامه، لذلك فليقولوا هذا بعد القيامة.
ت) عليهم بالتأمل فيما رأوه، حتى يقوم المسيح وويمتلئوا بالروح القدس، هنا سيروا أحداث التجلى فى قلوبهم وليس كمنظر خارجى فقط
ث) حتى لا ينشغلوا بالمجد عن أحداث الصليب والآلام القادمة.
ج) الناس لن تصدق أن هذا الإنسان المتواضع له كل هذا المجد وسيتهمهم الفريسيين بالكذب، أما بعد القيامة يمكن إثبات هذا المجد.وفيما هم نازلون = بعد الخلوة التى نستمتع فيها مع المسيح ننزل لنخدم موضوع أن إيليا ينبغى أن يأتى أولاً آيات (10:17-13).
تفسير هذه الآيات ورد تحت تفسير آيات (14:11،15). ولاحظ أن الكتبة كان لهم معرفة نظرية بالكتاب ولكن دون روح، فيوحنا أتى كسابق وبروح إيليا فى زهده وتقشفه وشهادته للحق أمام ملوك ولكنهم لم يعرفوه فعيونهم مغلقة. فإيليا قد جاء ليس بحسب الفكر الحرفى، ولكن هناك إعداد تم بواسطة المعمدان للناس فقداموا توبة إستعداداً لمجىء المسيح الأول، وسيأتى إيليا فعلاً قبل المجىء الثانى لإعداد الناس برد قلوب الأباء على الأبناء (ملا 6:4)= قال لهم أن أيليا يأتى أولاً ويرد كل شىء
آية (11). وكلام السيد هنا يعنى أنه المعمدان جاء بروح إيليا وقوته ليكون سابقاً للمسيح الذى هو إبن الإنسان الذى أتى هو أيضاً ولم يعرفوه بل سيتألم منهم. وكما لم يميزوا أن المعمدان هو السابق، لن يميزوا المسيح فهو ضد فكرهم الحرفى أن المسيح يأتى كملك زمنى. وكما قتل هيرودس يوحنا المعمدان سيقتلون هم المسيح.
(مر 10:9) لاحظ أن التلاميذ ما كانوا فاهمين معنى القيامة.
(مت 14:17-21 +مر 14:9-29 + لو 37:9 –43):-
(مت 14:17-21):-
ولما جاءوا إلى الجمع تقدم إليه رجل جاثيا له. وقائلا يا سيد ارحم ابني فانه يصرع ويتألم شديدا ويقع كثيرا في النار وكثيرا في الماء. وأحضرته إلى تلاميذك فلم يقدروا أن يشفوه. فأجاب يسوع وقال أيها الجيل غير المؤمن الملتوي إلى متى أكون معكم إلى متى احتملكم قدموه إلى ههنا. فانتهره يسوع فخرج منه الشيطان فشفي الغلام من تلك الساعة. ثم تقدم التلاميذ إلى يسوع على انفراد وقالوا لماذا لم نقدر نحن أن نخرجه. فقال لهم يسوع لعدم أيمانكم فالحق أقول لكم لو كان لكم إيمان مثل حبة خردل لكنتم تقولون لهذا الجبل انتقل من هنا إلى هناك فينتقل ولا يكون شيء غير ممكن لديكم. وأما هذا الجنس فلا يخرج إلا بالصلاة والصوم.
(مر 14:9-29):-
ولما جاء إلى التلاميذ رأى جمعا كثيرا حولهم وكتبة يحاورونهم. وللوقت كل الجمع لما رأوه تحيروا وركضوا وسلموا عليه. فسال الكتبة بماذا تحاورونهم. فأجاب واحد من الجمع وقال يا معلم قد قدمت إليك ابني به روح اخرس. وحيثما أدركه يمزقه فيزبد ويصر بأسنانه وييبس فقلت لتلاميذك أن يخرجوه فلم يقدروا. فأجاب وقال لهم أيها الجيل غير المؤمن إلى متى أكون معكم إلى متى احتملكم قدموه إلى.فقدموه إليه فلما رآه للوقت صرعه الروح فوقع على الأرض يتمرغ ويزبد. فسال أباه كم من الزمان منذ أصابه هذا فقال منذ صباه. وكثيرا ما ألقاه في النار وفي الماء ليهلكه لكن أن كنت تستطيع شيئا فتحنن علينا وأعنا. فقال له يسوع أن كنت تستطيع أن تؤمن كل شيء مستطاع للمؤمن. فللوقت صرخ أبو الولد بدموع وقال أؤمن يا سيد فاعن عدم أيماني. فلما رأى يسوع أن الجمع يتراكضون انتهر الروح النجس قائلا له أيها الروح الأخرس الأصم أنا أمرك اخرج منه ولا تدخله أيضا. فصرخ وصرعه شديدا وخرج فصار كميت حتى قال كثيرون انه مات. فامسكه يسوع بيده وأقامه فقام. ولما دخل بيتا سأله تلاميذه على انفراد لماذا لم نقدر نحن أن نخرجه. فقال لهم هذا الجنس لا يمكن أن يخرج بشيء إلا بالصلاة والصوم.
(لو 37:9 –43):-
وفي اليوم التالي إذ نزلوا من الجبل استقبله جمع كثير. وإذا رجل من الجمع صرخ قائلا يا معلم اطلب إليك انظر إلى ابني فانه وحيد لي. وها روح يأخذه فيصرخ بغتة فيصرعه مزبدا وبالجهد يفارقه مرضضا اياه. وطلبت من تلاميذك أن يخرجوه فلم يقدروا. فأجاب يسوع وقال أيها الجيل غير المؤمن والملتوي إلى متى أكون معكم واحتملكم قدم ابنك إلى هنا. وبينما هو آت مزقه الشيطان وصرعه فانتهر يسوع الروح النجس وشفى الصبي وسلمه إلى أبيه. فبهت الجميع من عظمة الله وإذ كان الجميع يتعجبون من كل ما فعل يسوع قال لتلاميذه.
1) هنا يشفى السيد ولداً يصرعه الشيطان، أن يخرج منه هذا الشيطان وتأتى هذه المعجزة مباشرة وراء حادثة التجلى. فليس معنى أن يعطينا الله ونحن مازلنا على الأرض بعض التعزيات السماوية أن نكف عن الجهاد ضد الشيطان. ونلاحظ دعوة السيد لتلاميذه لأن يصوموا ويصلوا ليهزموا إبليس. إذاً الحياة الروحية هى جهاد ضد مملكة إبليس بصوم وصلاة وخدمة النفوس التى يعذبها الشيطان بل يستعبدها، وجَذْبَها للمسيح، وهى أيضاً تعزيات سماوية مفرحة. ولننظر لخادم مثالى هو بولس الرسول، وقارن تعزياته (2كو3:1-7) (كم مرة يذكر كلمة تعزية) مع جهاده فى خدمته (2كو 23:11-33). ولكن هناك من يخطىء ويظن أن الحياة الروحية هى خلوة مع الله فقط، وأيضاً هناك من يخطىء ويظن أنه قادر على الخدمة المتواصلة بدون خلوة مع الله.
2) يُصرع ويتألم شديداً = أصل الآية يُصرع فى رؤوس الأهلة وبعض الترجمات ترجمتها يُصرع بالقمر (رؤوس الشهور القمرية) وهذا خداع شيطانى ليوحى للناس علاقة صرع الولد بالكواكب. عموماً فلنلاحظ أن كل من يُستعبد لإبليس يفقد سلامه ويعيش فى ألام حقيقية.
3) يقع كثيراً فى النار وكثيراً فى الماء= وهذا ما يفعله إبليس مع كل واحد منها فهو يحاول أن يدفعنا لنيران الشهوات أو نيران الغضب أو يدفعنا لبرودة الفتور. إن يخضع للخطية يفقد سلامه ويتشتت فكره ويتألم جسده، ويندفع فى خصام بل قتال عنيف مع من حوله، أماّ عن حياته الروحية فهى فتور كامل.
4) تلاميذك لم يقدروا أن يشفوه = المسيح منع عنهم الموهبة حتى يفهموا أهمية الصلاة (الصراخ لله باستمرار) وأهمية الصوم (الزهد فى ملذات الدنيا ) ويكون لديهم شعور مستمر بالإحتياج. فيبدو أنهم بعد التجلى وما رأوه شعروا بنشوة وإكتفاء جعلهم ينسون الصلاة والصوم.
5) أيها الجيل غير المؤمن= 1) ضعف إيمان التلاميذ 2) ضعف إيمان الوالد وهو صرح بهذا أعن عدم إيماني (مر 24:9) 3) ضعف بل عدم إيمان الجمع، جلسوا يحاورونهم فى إستخفاف وقساوة قلب وعدم إيمان. هنا نلمس فى كلمات الرب رنة عدم الرضا ونفاد الصبر فالمسيح أراد أن يرى تلاميذه ولهم صلوات قوية وأصوام يصرع أمامها الشيطان.ولنعلم أن الإيمان ينمو حتى ولو كان مثل حبة خردل، لذلك فالتلاميذ طلبوا مرة من السيد قائلين زد إيماننا (لو 5:17) وبولس يمدح أهل تسالونيكى أن إيمانهم ينمو (2تس 3:1). والله يعمل مع كل واحد من أولاده ليزيد إيمانه، تارة بعطايا حلوة وتارة بتجارب نرى منها يد الله. ولكن من يأخذ عطايا حلوة فليشكر ويسبح، ومن تأتى عليه تجارب فليسلم الأمر لله ويصلى فيرى يد الله. أماّ من يأخذ عطايا فينشغل بها عن الله أو من تأتى لهُ تجارب فيتذمر ويترك صلواته، فمثل هذا لن ير يد الله ولن ينمو إيمانه. ونرى هذا الأب أتى للمسيح وإعترف بأن إيمانه ضعيف أو معدوم، لكن المسيح لم يرفضه إذ أتى إليه، بل شفى له إبنه وبهذا زاد إيمانه. فلنصرخ لله بدون تذمر شاكرين على كل حال فينمو إيماننا وما يساعد على نمو الإيمان. أيضاً الصلاة الكثيرة والأصوام المصاحبة لها.
6) تقولون لهذا الجبل إنتقل=الجبل هو أى خطية محبوبة او شهوة نستعبد لها أو عقبة مستحيلة أو أى صعوبة بحسب الظاهر تواجه المسيحى، كل هذا يمكن أن يتزحزح بالصلاة والصوم مع الإيمان. ولقد تم نقل جبل المقطم فعلاً بحسب هذه الآية
7) جاء المسيح للتلاميذ فى الوقت المناسب، فهم فشلوا فى إخراج الروح والكتبة والجمع يحاورونهم فى إستهزاء. ودائماً يأتى المسيح لكنيسته فى الوقت المناسب ليرفع عنها الحرج ويبكم المقاومين "الله فى وسطها فلا تتزعزع (مز 5:46). وهذا هو وعده (مت 19:10،20) فهو المسئول عن الكنيسة والمدافع عنها، فهى عروسه.
8) مفهوم السيد المسيح هنا عن الصلاة والصوم ولزومهم لطرد الأرواح الشريرة إلتقطته كنيستنا ووضعت أصواماً كثيرة مع صلوات وتسبيحات عديدة، حتى تعطى شعبها قوة فى حربه ضد إبليس. والله يعطى مواهب ( كما أعطى التلاميذ سلطان إخراج الشياطين ) لكن لنحافظ على هذه الموهبة لابد من الصلاة والصوم.
9) (مر 15:9):- تحيروا= رما لأنه كان نازلاً من الجبل مبكراً، أو لأنهم فوجئوا به، وهم أرادوا أن يستمر حديثهم السافر مع تلاميذه، وهم يعلمون انهم لا يستطيعون شيئاً أمامه هو شخصياً، فإن حضر لن يستطيعوا السخرية من عجز التلاميذ. أو هل كان وجهه مازال يشع نوراً من أثار التجلى !! عموماً فالسيد لاحظ تكتل الكتبة ضد تلاميذه فسألهم بماذا تحاورنهم (مر 16:9) فلم يجيبوا. ثم صرخ هذا الأب طالباً الشفاء.
10) (مر 20:9) للوقت صرعهُ الروح= إن طرد روح الشر من حياتنا يصحبه صراع شديد، ولكن بعد أن تتقابل النفس مع المسيح وتدخل فى عشرة معه يمسك بيدها ويقيمها فتقوم مستندة على ذراعه.
11) أومن يا سيد فأعن عدم إيماني= أعلن الوالد إيمانه = أومن.. ولكن خشى أن لا يكون كافياً فصرخ متذللا= أعن عدم إيمانى … فهو إعتبر إيمانه كالعدم، وطلب من الرب أن يعينه فى حالته. فمهما كان إيماننا فهو مازال ناقصاً، وإذا قيس بما يجب أن تكون عليه ثقتنا فى المسيح فهو عدم. ولكى يقوى إيماننا يجب أن نصرخ أؤمن يا سيد فاعن عدم إيمانى. والله دائماً يستجيب لهذه الصرخة وإستجابته تزيد إيماننا. ولاحظ أن السيد لم يرفضه إذ اعترف بعدم إيمانه بل شفى له ابنه وبالتالى شفى له إيمانه.
12) قول المسيح إلى متى أكون معكم= فيه إشارة لصعوده، فإن كان تلاميذه ضعفاء وهو فى وسطهم يسندهم، يرونه ويسألونه ويكلمونه، فماذا سيحدث لهم بعد الصعود إذ لا يجدوه.. هذا يحتاج لإيمان، لأننا بالإيمان نسلك لا بالعيان.
13) كم من الزمن منذ أصابه هذا(مر21:9) = هذا السؤال يوجه لكل من طال زمانه فى الخطية (زمان بقائه مستعبداً لها ) وطال زمان بقائة فى أسر إبليس. وسؤال المسيح معناه لماذا لم تأتى إلىّ لأشفيك منذ زمان. ويشير السؤال لتأثر المسيح لاستعباد الشيطان للبشر كل هذا الزمان.
14) (مر 26:9) فصار كميت = من يخرج منه روح شرير يصير كميت عن العالم (مر27:9) فأمسكه يسوع وأقامه= هو ميت عن العالم حى مع المسيح وهذين = مع المسيح صلبت فأحيا (غل 20:2).
15) السيد أعطى تلاميذه الموهبة على الشفاء وإخراج الشياطين ولكن يلزم إضرام أى موهبة بالصلاة والصوم (2تى 6:1).
16) نفهم من (لو 37:9) أن هذه القصة كانت فى اليوم التالى للتجلى.
17) إلى متى أكون معكم وأحتملكم= واضح تكرار الأناجيل الثلاثة لهذه الجملة. إن أكثر ما يحزن الرب يسوع هو أن يرى أولاده مهزومين أمام الشياطين. لقد أعطانا سلطاناً أن ندوس الحيات والعقارب (لو 19:10) فلماذا لا نستخدمه، لماذا نستسلم ونقول " الشيطان شاطر " هذه الجملة تحزن رب المجد جداً.
(مت 22:17،23 + مر 30:9-32 + لو 43:9-45):-
(مت 22:17،23):-
وفيما هم يترددون في الجليل قال لهم يسوع ابن الإنسان سوف يسلم إلى أيدي الناس. فيقتلونه وفي اليوم الثالث يقوم فحزنوا جدا.
(مر 30:9-32):-
وخرجوا من هناك واجتازوا الجليل ولم يرد أن يعلم أحد. لأنه كان يعلم تلاميذه ويقول لهم أن ابن الإنسان يسلم إلى أيدي الناس فيقتلونه وبعد أن يقتل يقوم في اليوم الثالث. وأما هم فلم يفهموا القول وخافوا أن يسألوه
(لو 43:9-45):-
فبهت الجميع من عظمة الله وإذ كان الجميع يتعجبون من كل ما فعل يسوع قال لتلاميذه. ضعوا انتم هذا الكلام في آذانكم أن ابن الإنسان سوف يسلم إلى أيدي الناس. وأما هم فلم يفهموا هذا القول وكان مخفى عنهم لكي لا يفهموه وخافوا أن يسألوه عن هذا القول.
السيد يخبر تلاميذه بالصليب وهذا ياتى بعد 1) التجلى 2) إخراج الروح الشرير. وهذا يعنى 1) مع أهمية التجلى وأفراحه وتعزياته لكن حتى ننعم بهذا أبدياً لابد من الصليب.
2) حتى يُهزم عدو الخير نهائياً فلابد من الصليب (كو 14:2،15).
3) ولاحظ أن أحداث الصليب كانت تقترب لذلك كان السيد المسيح ينبه تلاميذه حتى لا يفاجئهم ما سوف يحدث. ولكن كون السيد يخبرهم بما حدث إذاً هو يذهب للصليب بسلطانه إذ هو آتى لذلك.
4) السيد لا يريد أن تلاميذه يذهب فكرهم إلى الأمجاد الزمنية خصوصاً بعد التجلى وبعد معجزة إخراج الروح النجس، فيعود ويحدثهم عن أهمية الصليب فالعالم هنا طالما كنا فى الجسد هو عالم ألم وصليب أماّ المجد فهناك.لم يفهموا = فهم فى ذهنهم الأمجاد العالمية، فما علاقة هذا بالصليب. ولم يفهموا أن الصليب هو طريق المجد.
5) لاحظ البعض أن السيد فى بعض الأحيان كان يطلب إخفاء أخبار مجده كما حدث فى موضوع التجلى، وهنا فى ( لو 44:9) يطلب من تلاميذه كتمان موضوع ألامه. فضعوا أنتم هذا الكلام فى أذانكم = فكلا الأمرين غير منفصل فالمسيح تمجد بقيامته وبتجليه وبصعوده.
(مت 24:17-27) إيفاء الدرهمين
الدرهمين=هى ضريبة تدفع لقيصر، وهذه هى الجزية التى تدفعها الشعوب المستعمرة لقيصر. وكان رئيس الكهنة والكهنة معافين من دفع هذه الجزية. وكان قد فات، أو قد حان ميعاد دفع الجزية فتساءل الناس هل يدفع المعلم الجزية أم لا. وكان السؤال حرجاً للمسيح، فقد عُرِفَ أن المعلم هو المسيا المنتظر، وكان بعض الناس يرددون هذا الكلام ولكن رسمياً فهو ليس بكاهن، والنظام السائد يلزمه بالدفع، فهل يدفع وهو المسيا أم لا ؟ وبطرس لهذا تحرج أن يسأله، ولكن العارف بما فى القلوب بادره بالسؤال، وسؤال المسيح يشير لأن النظام جائر فقيصر لاحق له أن يطالب أصحاب الأرض بدفع جزية. ولكن المسيح أظهر طاعة للنظام مهما كان جائراً.
وهذه المعجزة لها معنى فللرب الأرض وملكها، والرب اراد أن يقول لبطرس إدفع الجزية مهما كانت جائرة والله الذى له كل الأرض يعوضك من غناه. ولاحظ أن الرب لم يقل لبطرس إذهب إصطاد سمكاً وبعه وأوفى الدرهمين. ولكن طلب منه أن يصطاد سمكة واحدة، وهنا نرى مثالاً جديداً للجهاد والنعمة. فيا بطرس لأنك صياد إذهب وصِدْ (الصيد = جهاد) ولأنك خادم الله فستجد أعوازك مسددة بطريقة معجزية (نقود فى بطن السمكة = نعمة). وحين يرعانا الله فلا يعوزنا شىء.
ولاحظ أن حرج موقف المسيح أيضاً فى ان الوطنيين كانوا يعارضون دفع الجزية للأجانب أى الرومان. ولكن المسيح فضل أن يخضع للنظام الموجود ولا يعثر أحد. ولكن لاحظ فقر المسيح وتلاميذه، إذ لا يمكلون مقدار هذه الجزية. فالدرهمين = ½ شاقل يهودى = تقريباً 6 قروش، ولكن الرب إفتقر ليغنينا (2كو 9:8) والأستار= شاقل يهودى. والسيد أعطى لبطرس من بطن السمكة ما يكفى تماماً لدفع الجزية عنه وعن بطرس، فقد كان النظام الرومانى يقضى بأن يدفع كل يهودى ½ شاقل = ½ أستار والأستار هو عملة.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح السابع عشر
التجلى * دفع الضرائب
(1) التجلى ( ع 1 - 9 ) :
ع 1 : بعد ستة أيام من إنبائهم بخبر آلامه وموته ، صعد المسيح مع ثلاثة من تلاميذه المقربين إليه ، الذين انتخبهم لاصطحابه أثناء إقامة إبنة يايرُسَ ، وللدخول معه إلى أعماق بستان جثسيمانى قبل القبض عليه ، وذلك لاستعدادهم الروحى أن يفهموا أموراً عالية أكثر من الباقين ، فهو يريد أن يظهر كل شئ للكل ، ولكن ليس الكل يريدون أن يفهموا ، فهؤلاء محبتهم أكبر له. " ستة " : يرمز هذا العدد إلى كمال العمل الإنسانى ، ولكنه أقل من عدد سبعة ، أى كمال العمل الإلهى بالروح القدس.فعندما يكمل الإنسان ما يستطيعه من جهاد ، تعلن نعمة الله له المعونة الإلهية.فقد كان التجلى لمساندة التلاميذ ، حتى لا يتعبوا ويتشككوا عندما يرون صلبه وموته.وقد أخذ الثلاثة ، لأنه على فم شاهدين أو ثلاثة تقوم كل كلمة ، وهم يمثلون البشرية كلها ، مثل أولاد نوح الثلاثة.إرتفع بهم على جبل عالٍ ، إذ يلزم الإرتفاع عن الفكر الأرضى المحدود ، بالتعب ، للصعود إلى السمائيات ، حتى يعلن الله نفسه لنا.
ع 2 : أظهر المسيح بعضاً من بهاء لاهوته ، قدر ما يحتمل تلاميذه الثلاث ، فأعظم نور يعرفونه هو الشمس ، وهكذا صار وجهه ، فهو شمس البر الذى يضئ حياتنا.أما ثيابه ، فصارت ناصعة البياض كالنور ، والثياب هى الملتصقة بالجسد ، فترمز للكنيسة التى تستنير بالمسيح.
ع 3 : ظهر موسى الذى يمثل الناموس ، وإيليا الذى يمثل الأنبياء ، لأن فى المسيح يكمل الناموس ، ونبوات الأنبياء ، وليؤكد أنه يكمل الناموس ويثبّت كل تعاليم الأنبياء.وموسى مات ثم ظهر بجسم روحانى ، أما إيليا فقد صعد بجسده وجاء ليظهر فى هذا التجلى.فالمسيح هو إله الأحياء والأموات ، لأن الذين ماتوا أرواحهم محفوظة عنده.تكلم موسى وإيليا عن الفداء الذى كان مزمعاً أن يكمله فى أورشليم ( لو 9 : 31 ) ، إذ هو هدف الناموس والأنبياء ، أى خلاص العالم ، وغالباً قد عرف التلاميذ شخصيتىِّ موسى وإيليا من مناداة المسيح لهما وحديثه معهما.ويظهر من التجلى ما يلى :
(1) أن الذين رقدوا مثل موسى مازالوا أحياء عند الله.
(2) أن الأرواح فى السماء يعرفون بعضهم.
(3) أن القديسين فى السماء مهتمين بخلاصنا.
ع 4 : فرح التلاميذ جداً بهذا المنظر الإلهى ، وتمتعوا برؤية موسى وإيليا ، فتمنوا ألا ينتهى هذا المنظر.ومن فرح بطرس وإعجابه بعظمة هذا التجلى ، إندفع كعادته ، فعبّر عن مشاعر التلاميذ بعرضه على المسيح صنع ثلاث مظال ، ليستقروا فترة أطول فى هذا المكان ؛ ولم يكن يفهم أن هؤلاء الروحانيين لا يحتاجون إلى مظال لتحميهم.
ع 5 : أثناء انبهار بطرس وتعلقه بمنظر التجلى ، رأى المسيح أنهم لن يحتملوا رؤية لاهوته أكثر من هذا ، فأتت سحابة منيرة ، ترمز لحلول الله النورانى ، واختفى داخلها المسيح وموسى وإيليا والثلاثة تلاميذ.وفى هذا المنظر المخوف داخل السحابة ، سمعوا صوتاً من السماء يعلن أن المسيح هو الإبن الحبيب ، وله ينبغى أن يخضع ويسمع كل البشر ؛ فالآب يشهد أن المسيح هو إبن الله ، الإبن الوحيد الجنس.
ع 6 : خاف التلاميذ جداً عندما دخلوا فى السحابة ولم يعودوا ينظرون شيئاً ، لا المسيح ولا موسى وإيليا ، ولا أيضاً كل واحد منهم رفيقيه.وأمام رهبة صوت الآب من السماء ، سقطوا على الأرض لضعفهم كبشر ، ولكن المسيح الفادى قادر أن يقيمهم من الأرضيات إلى السمائيات.
ع 7 - 8 : لمس المسيح تلاميذه ، فسندهم وشجعهم ، وقاموا ليجدوا منظر التجلى قد انتهى ، ويسوع ، الذى تعودوا شكله ، يقف منفرداً بهيئته البشرية العادية معهم.وبهذا ، يؤكد الكتاب المقدس أن الحاجة إلى واحد ، وهى النظر إلى المسيح إلهنا ومخلّصنا.
ع 9 : أوصاهم المسيح ألا يخبروا باقى التلاميذ أو الجموع بمنظر التجلى إلا بعد قيامته من الأموات ، وذلك لأن السامعين لن يصدقوا ، وسيثير ذلك الكتبة والفرّيسيّين ضدهم ، إذ يظهروا أمامهم كاذبين ، مُدَّعين أموراً غير حقيقية فى نظرهم.وإن صدّق البعض كلامهم ، قد يقودهم هذا إلى تثبيت فكرة المُلك الأرضى الذى يتمنونه ، فيبتعدون عن المُلك الروحى السماوى الذى يقصده المسيح.ولكن ، بعد القيامة ، يكون منظر التجلى مؤيِّداً للاهوته ، ثم يتأكدوا من ذلك أكثر بعد حلول الروح القدس عليهم ، أى بمعونة الله.
+ المسيح مستعد أن يتجلى أمامك إن كنت ترغب فى ذلك ، بل هو يتجلى فعلاً ، ولكنك قد لا تلاحظه لأجل كثرة انشغالاتك المادية ، فهو يحدثك من خلال الكتاب المقدس وإرشادات الكنيسة ، بل من خلال أحداث الحياة وتعليقات المحيطين بك ، وبطرق متنوعة يدعوك للتوبة ومعرفته والحياة معه.وكلما أصغيت باهتمام ، يزيد ظهوره لك بطرق بسيطة واضحة ، فتتمتّع بعِشرته دائماً.
(2) مجئ إيليا ( ع 10 - 13 ) :
ع 10 : فيما كان التلاميذ الثلاثة نازلين من على الجبل مع المسيح ، وكان هذا مع الفجر ، إذ أن التجلى قد حدث غالباً ليلاً ، لأن لوقا الإنجيلى يذكر أيضاً أنهم عندما نزلوا من الجبل فى اليوم التالى ، أى بعد انقضاء الليل ( لو 9 : 28 - 37 ) ، سألوا المسيح عما يقوله الكتبة أن إيليا ينبغى أن يأتى ثانية على الأرض ، فهل تم هذا بتجلى المسيح على الجبل ، أم أنه مجئ آخر ، لأن إيليا لم يمت ، بل صعد حياً إلى السماء ؟ وقد ذُكر مجئ إيليا الثانى فى نبوة ملاخى ( 4 : 5 ).
ع 11 : أكد المسيح أن إيليا سيأتى ثانية ليدعو الناس إلى التوبة ، وسيحدث هذا قبل يوم الدينونة مباشرة ، وسط هياج الشر ، ليعيد الناس إلى الإيمان ، فى آخر فرصة متاحة للبشرية قبل الدينونة.
ع 12 - 13 : أشار المسيح هنا إلى مجئ إيليا الروحى ، حيث أتى يوحنا المعمدان بنفس طباع إيليا ، أى التجرد من الماديات ، والقوة فى إعلان الحق.وقد تألم المعمدان من مقاومة الكتبة والفرّيسيّين له ، مثلما يفعلون بالمسيح إبن الإنسان ، ولم يعرف اليهود أن يوحنا قد أتى بروح إيليا ، أى بنفس طباعه. " عملوا به كل ما أرادوا " : أى قاوموه وسُرُّوا بقتله ، فمع أن القاتل هو هيرودس ، ولكن لولا مقاومة رؤساء الكهنة له ، لما استطاع أن يقتله لأنه كان يخاف من الشعب. " فهم التلاميذ " : لم يفهم التلاميذ إلا عندما شرح لهم تفاصيل إعداد يوحنا الطريق له ، فعلموا أن الكلام عن يوحنا الذى أتى بروح إيليا.
+ الله ينبهنا للتوبة بطرق كثيرة مهما كان شرنا ، فليتنا نتجاوب مع نداءاته سريعاً ، فهو أب حنون سيسندنا ويعطينا القوة لرفض إغراءات الخطية.
(3) إخراج الشيطان الذى عجز التلاميذ عن إخراجه ( ع 14 - 21 ) :
ع 14 - 16 : بعد ظهور لاهوت المسيح فى التجلى ، يظهر ضعف الشيطان أمامه ، إذ تقدم إليه رجل وسجد له ، طالباً منه شفاء إبنه الذى به شيطان يلقيه على الأرض فاقداً الوعى ، وأحياناً يلقيه فى النار أو الماء ليقتله ، فينقذونه بصعوبة.وهذا يمثل الإنسان الشرير الخاضع لإبليس ، فيفقد سلامه واتزانه ، ويحاول إبليس إهلاكه بإلقائه فى الشهوات المختلفة.وقد أضاف الرجل أن تلاميذ المسيح عجزوا عن إخراجه ، مع أنهم أخرجوا شياطين آخرين عندما أرسلهم للتبشير فى اليهودية.
ع 17 - 18 : وبخ المسيح ضعف إيمان تلاميذه ، والرجل الذى بابنه شيطان ، وهو يمثل الجمع كله ، ووبخ أيضاً إلتواءهم ، أى شكهم فى قدرة الله ، وانشغالهم فى الشهوات العالمية ، لأن الكتبة انتهزوا فرصة عجز التلاميذ عن إخراج الشيطان ، وأخذوا يحاورونهم ، مظهرين عجزهم ، ومشككين فى مكانة معلمهم يسوع.ووبخ ضعفهم ، لأنه فارقهم قليلاً ، فظهر ضعف إيمانهم.وكان هذا مفيداً للتلاميذ وللجمع ، حتى يعرفوا أن مصدر قوتهم هو المسيح ، فيلتجئوا إليه دائماً ، ويستطيعوا عمل كل شئ.ثم انتهر الشيطان ، فخرج من الغلام الذى عاد صحيحاً.
ع 19 - 20 : " حبة خردل " : أصغر البذور حجماً ، وهى ترمز للإيمان الصغير جداً.بعد انصراف الجموع ، سأل التلاميذ المسيح عن سبب عجزهم عن إخراج هذا الشيطان ، فأكد لهم أن السبب هو عدم إيمانهم ، وأظهر أن قوة الإيمان مهما كانت صغيرة ، تستطيع نقل الجبل ؛ وقد تم هذا فعلاً فى نقل جبل المقطم بالقاهرة عام 970م فى عهد الأنبا ابرآم إبن زرعة السريانى ( البابا 62 ).والمقصود ليس فقط الجبل العادى ، بل بالأكثر الخطايا والشهوات الرديئة ، وهى الأصعب من الجبال العادية.
ع 21 : أعلن المسيح أنه للتغلب على الشيطان ، نحتاج للإيمان الذى يظهر فى صلوات عميقة ، وللصوم لأنه تجرد من الشهوات العالمية التى يستخدمها إبليس فى إغرائنا.وبالتالى ، نُفقدِهُ قوته ونقهره بقوة الله ؛ بالإضافة إلى أن الصوم يظهر محبتنا لله أكثر من الطعام والماديات.
+ إن كان الله يسمح بظهور عجزك أحياناً ، فهذا لكيما تفحص نفسك وتلتجئ إليه ، فتنال قوة أكبر وتتقدم فى حياتك الروحية ، فلا تتضايق من الضعفات والسقطات ، بل قم سريعاً ، واثقاً أنك ابن الله المحبوب القادر بقوته أن تقهر كل قوة الشيطان.
(4) المسيح ينبئ التلاميذ بموته ( ع 22 - 23 ) :
" يُسلَّمُ إلى أيدى الناس " : وذلك بيد يهوذا الإسخريوطى ، إلى رؤساء الكهنة ، ثم تسليمهم إياه إلى بيلاطس.أثناء تبشير المسيح فى مدن الجليل وقراها ، نبّه تلاميذه ثانية إلى ضرورة القبض عليه ، وآلامه وموته ثم قيامته ، حتى لا ينزعجوا عندما يحدث ذلك.وقد كان ذلك أسهل بعد تجليه وظهور لاهوته.ولكنهم حزنوا ، لمحبتهم له ، ولضعفهم فى مواجهة العالم بدونه ، إذ لم يكونوا يفهمون بعد قوة عمل الروح القدس ، ولم يستوعبوا معنى القيامة ، وغطاهم الحزن لأن تصورهم مازال مرتبطاً بالمُلك الأرضى ، وبقوة المسيح المادية وليست الروحية.
+ اُطلب من الله أن يوضّح لك الطريق التى تسلك فيها ، واستمع لتعاليم الكنيسة ، وأطع أب إعترافك ، فتخرج عن أفكارك الخاصة وتفهم مشيئته ، وتنمو كل يوم فى معرفته.
(5) ضريبة الدرهمين ( ع 24 - 27 ) :
ع 24 : كان كهنة اليهود يأخذون درهمين كل سنة من كل شخص يهودى لأجل احتياجات الهيكل ، والدرهم وقتذاك كان عملة قيمتها صغيرة.وقد أتى جامعو الضرائب إلى اليهودية ، وسألوا بطرس عن إيفاء المسيح لهذه الضريبة ، حتى إذا لم يوفها معتبراً نفسه نبياً ، يجدوا علة عليه أنه ضد الهيكل ولا يهتم باحتياجاته ، وإذا دفع الدرهمين ، فهو شخص عادى وليس المسيا المنتظر ، لأن المسيا فى نظرهم يملك ملكاً أرضياً.وهذه الضريبة ليست إجبارية من الدولة ، بل دليلاً على اهتمام اليهودى بخدمة الهيكل وعبادته.
ع 25 - 26 : " بَلَى " : أى نعم ، وبالتالى الموافقة على دفع الضريبة.علم المسيح بالحديث الذى دار بين جامعى الضرائب وبطرس دون أن يسمعه ، لأنه الله العالم بكل شئ.فبادر بسؤال بطرس عن جمع الضرائب هل يكون من البنين ( اليهود ) ، أم من الأجانب ؟" قال له بطرس : من الأجانب ".حينئذٍ " قال له يسوع : إذاً البنون أحرار " من دفع الضرائب ، أى المسيح هو إبن الله وصاحب الهيكل ، فبالطبع لا يدفع الضريبة. " بنيهم " : يقصد المسيا المنتظر والأنبياء ، وهؤلاء لا تؤخذ منهم ضريبة لأنهم أصحاب الهيكل. " الأجانب " : يقصد باقى اليهود غير الأنبياء.
+ إخضع للنظام الموجود فى المجتمع ، حتى لو كان غير سليم فى نظرك ، إحتراماً لقوانينه ، حيث أن قلبك منشغل بما هو أهم ، أى الأبدية.
ع 27 : لعدم إيمان كهنة اليهود بعد ، قال لبطرس : لا نعثرهم ، وسأدفع الضريبة.ووجّهه المسيح إلى العمل الذى يعرفه ، وهو صيد السمك ، فيلقى " صنارة " فى البحر ، " والسمكة التى يصطادها أولاً " ، يفتح فمها فيجد فيه " إستاراً " ، وهو عمله تساوى أربعة دراهم ، فيدفع الضريبة عن المسيح وعن نفسه.وبهذا يظهر سلطان المسيح على الحيوانات ، وعِلمه بالغيب ، أى بوجود إستار فى فم السمكة ، ثم يوجّهها لتخرج فى الصنارة.كما تظهر محبته واهتمامه بتلميذه بطرس ، فيدفع عنه الضريبة.ويظهر أيضاً فقر المسيح وغالبية تلاميذه ، إذ ليس له أية أموال حتى ولو القليل منها.
+ ثق أن إلهك ، ضابط الكل ، قادر على كل شئ ، ويسد احتياجاتك ، فلا تنزعج من الذين يقاومونك.
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح