كلمة منفعة
ليس عملك أن تخلع الزوان إنما أن تنمو كحنطة، حتى إذا ما جاء الحاصد العظيم يجد سنابلك مملوءة قمحًا فيجمع منها ثلاثين وستين ومائة وتمتلئ أهراؤه حِنطة(1).
— الحنطة والزوان
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
انجيل معلمنا متى - الاصحاح رقم 16 انجيل معلمنا متى الإصحاح رقم 16 الأصحاح السادس عشر : بنَاءُ الملكوتُ المسيحاني لكي يقوم الملكوت المسيحاني كبناءٍ شامخٍ يبلغ السماوات يلزم حفر أساسات عميقة بهدم مملكة الظلمة لإقامة مفاهيم جديدة. بمعنى آخر يلزم أولاً هدم الإنسان القديم ليقوم الإنسان الجديد، خلال صليب ربّنا يسوع المسيح وقيامته. وقد ركّز الإنجيلي هنا على هدم "الرياء" كأساس الإنسان العتيق وقيام "الإيمان" كأساس الإنسان الجديد، أمّا تكلفة هذا العمل فهو الصلب. 1. اتفاق الفرّيسيّين والصدّوقيّين ضدّه 1-4. 2. هدم الرياء محطِّم الملكوت 5-12. 3. قيام الإيمان كأساس الملكوت 13-20. 4. الصلب تكلفة الملكوت 21-23. 5. دورنا الإيجابي في الملكوت 24-26. 6. الملكوت الأخروي 27-28. 1. اتفاق الفرّيسيّين والصدّوقيّين ضدّه "وجاء إليه الفرّيسيّون والصدوقيون ليجرِّبوه، فسألوه أن يريهم آية من السماء" [1]. لقد اتفق المتعارضون فكريًا معًا ضدّ السيّد المسيح، إذ لا تقبل مملكة الظلمة النور، ولا يطيق الباطل الحق حتى وإن تضارب الباطل فيما بينه. لقد اتَّفقوا معًا على تجربته، سائلين إيّاه أن يريهم آية من السماء. طلبوا علامة ظاهرة في الطبيعة، ولم يدركوا أن هذه الآيات والعلامات تسبق مجيئه الأخير للدينونة، علامة انحلال العالم وقوّات الشرّ قدامه لإقامة العالم الجديد، أي ملكوته الأبدي. أمّا الآن فقد جاء ليخلّص لا ليدين، جاء ليقدّم علاماته وآياته في حياة الناس لأجل توبتهم وتغيير طبيعتهم الداخليّة. جاء ليُعلن تحنّنه على البشريّة وترفُّقه بنا لا ليستعرض قوّته وسلطانه. في تعامله مع فرعون ليدينه قدّم له مثل هذه العلامات الخاصة بالطبيعة ليُرهبه، أمّا مع الأصدقاء فلا حاجة لمثلها. لقد قدّم لهم الخلاص الذي تحقّق رمزيًا في يونان النبي، إذ أجاب مجرِّبيه، قائلاً: لهم: "إذا كان المساء قلتم صحو، لأن السماء مُحمَرّة . وفي الصباح اليوم شتاء، لأن السماء مُحمَرَّة بعبوسة. يا مراؤون تعرفون أن تميّزوا وجه السماء، وأما علامات الأزمنة فلا تستطيعون. جيل شرّير فاسق يلتمس آية، ولا تُعطى له آية إلا آية يونان النبي، ثم تركهم ومضى" [2-4]. لقد وهب الله الإنسان عقلاً يفكّر به ليميّز الأمور، فيستطيع أن يتعرّف على حالة الجو خلال العلامات الظاهرة في السماء، لكن للأسف لم يستخدم الفرّيسيّون والصدّوقيّون هذه العطيّة الإلهيّة لحساب ملكوت الله، مع أن بين أيديهم نبوّات الأنبياء تُعلن بوضوح عن شخص السيّد المسيح وأعماله الخلاصيّة. إنهم يقولون أن المساء صحو، لأن السماء مُحمَرة، وقد جاء مساء العالم، ملء الأزمنة، ليبذل الرب دمه لخلاصنا فرفضوه ولم يقولوا أن الوقت صحو، أي وقت مقبول لرجوعهم إليه والتمتّع بأعماله الخلاصيّة. وقد اقترب صباح الأبديّة ولم يدركوا أنهم في شتاء (برودة) الروح يفقدون الإكليل السماوي، وشركة الأمجاد الإلهيّة. صاروا يميّزون وجه السماء ماديًا، ولا يدركون أسرار الملكوت الروحي، فيبقى يونان النبي وغيره من الأنبياء شهود حق ضدّهم. 2. هدْم الرياء محطِّم الملكوت إن كان السيّد المسيح يُقيم ملكوته السماوي فينا، فإن هذا البناء الإنجيلي يحتاج أولاً إلى هدم المفاهيم الخاطئة لوضع أساس روحي جديد. بدون هدم رياء الفرّيسيّين والصدّوقيّين لا يمكن التمتّع بالإيمان الحيّ الخاص بالملكوت، وبدون تحطيم الإنسان القديم لا يمكن إقامة الإنسان الجديد. يروي لنا الإنجيلي لقاءً تمّ بين السيّد المسيح وتلاميذه، نستطيع أن نقول أنه أشبه بمجمع كنسي يضم الرعاة وقد حلّ السيّد في وسطهم ليُعلن لهم أسرار ملكوته، فيما يلي تفاصيله: "ولما جاء تلاميذه إلى العَبْر نسوا أن يأخذوا خبزًا" [5]. لقد انجذب التلاميذ إلى السيّد المسيح؛ فانطلقوا إلى العَبْر الآخر كما إلى الحياة الأخرى، ليعيشوا بفكرٍ سماويٍ، تاركين كل شيء، حتى الضروريّات، إذ نسوا أن يأخذوا خبزًا. "وقال لهم يسوع: انظروا وتحرّزوا من خمير الفرّيسيّين والصدّوقيّين. ففكّروا في أنفسهم قائلين: إننا لم نأخذ خبزًا. فعلم يسوع وقال لهم: لماذا تفكّرون في أنفسكم يا قليلي الإيمان أنكم لم تأخذوا خبزًا؟ أحتّى الآن لا تفهمون، ولا تذكرون خمس خبزات الخمسة آلاف وكم قُفّة أخذتم؟ ولا سبع خبزات الأربعة آلالاف وكم سلاً أخذتم؟ كيف لا تفهمون إني ليس عن الخبز قلت لكم أن تتحرّزوا من خمير الفرّيسيّين والصدّوقيّين؟ حينئذ فهموا أنه لم يقل تحرّزوا من خمير الخبز بل من تعليم الفرّيسيّين والصدّوقيّين" [6-12]. حيث يجتمع الرعاة معًا في المسيح يسوع ربنا، يقوم السيّد نفسه بقيادتهم وتوجيههم، من الجانب السلبي والإيجابي، فيُحذّرهم من الرياء كما يكشف لهم أسرار الآب [17]. فمن الجانب السلبي سألهم أن يتحرّزوا من خمير الفرّيسيّين والصدّوقيّين، وللأسف انسحب فكرهم إلى "الخمير" أو الخبز بالمفهوم المادي، بل ويبدو أنهم ارتبكوا جدًا بسبب عدم وجود طعام، فوبّخهم السيد، مذكّرًا إيّاهم بمعجزتي إشباع الجموع. بهذا عالج السيّد ضعفًا جديدًا في حياتهم، ألا وهو الارتباك بالأمور الماديّة والاحتياجات الزمنيّة. في اختصار نقول أن السيّد عالج الجانب السلبي من ناحيتين: الأولي هي الهروب من الرياء "خمير الفرّيسيّين"، والثانية هي عدم الارتباك في التدابير الماديّة خاصة متى اجتمع بزملائه الرعاة في شخص السيّد المسيح، هذان المرضان للأسف يصيبان الكثير من اجتماعات الرعاة الكنسيّين. لقد حذّرهم من خطيّة الرياء بكونها أخطر عدوّ للملكوت، لأن الخطايا الظاهرة يُمكن تداركها والتوبة عنها، أمّا الرياء فيتسلّل إلى حياة القادة الروحيّين والخدّام والمتعبّدين، لا ليشغلهم عن الخدمة والعبادة، وإنما ليُشعل فيهم الشوق نحو الخدمة والعبادة دون الالتقاء مع السيّد المسيح نفسه، فيرتفع الإنسان بذاتيّته وأنانيّته تحت ستار الدين والخدمة ويظهر البناء شاهقًا بلا أساس ليسقط هاويًا. يشبّه القدّيس يوحنا الذهبي الفم الرياء باللص الذي يتسلّل خفية إلى صفوف المتعبّدين. رعاة ورعيّة، يسرق قلوبهم خلسة دون أن يكتشفوه. ويقول القدّيس أمبروسيوس: [يقدّم لنا ربّنا تأكيدًا قويًا على ضرورة حفظ البساطة مع غيرة الإيمان، فلا نكون كاليهود غير المؤمنين الذين يمارسون أمرًا ما ويتظاهرون في كلماتهم بالغيرة.] أما عن تشبيه الرياء بالخميرة فيقول القدّيس غريغوريوس النزينزي: [عندما تُمتدح الخميرة إنّما لأنها تخص خبز الحياة، وعندما تُذم إنّما لأنها تُشير إلى المكر المرّ الذي يستقر (فيمن يعتاد عليه).] هذا بخصوص الرياء، أمّا الجانب السلبي الآخر فهو تحذيرهم من الارتباك في التدابير الماديّة والتنظيمات أثناء اجتماع الرعاة، عِوض أن يكون "المسيح" نفسه غايتهم. فقد انشغل التلاميذ وارتبكوا بالخبز ولم يدركوا أن الحال في وسطهم هو المسيح "الخبز الحيّ" المشبع للكل! لقد ترك التلاميذ خدمة الموائد للشمامسة (أع 7) المملوءين بالروح القدس وشهود الحق لكي يتفرّغوا هم لخدمة الكلمة! حقًا ليست هناك ثنائيّة بين كلمة الكرازة وأعمال الحب وخدمة الفقراء وتدبير أمور الكنيسة، لكن من أجل تفرّغ كل عضو في الكنيسة للعمل اللائق به يلزم على الرعاة الروحيّين ألا ينشغلوا بخدمة الموائد، ليس تحقيرًا لها، وإنما من أجل التخصّص. فكما أن العين تنظر لحساب الجسد كلّه لكنها لا تسمع بذاتها إنّما خلال الأذن، هكذا يمثّل العمل الكنسي وحدة متكاملة معًا، كما لأعضاء كثيرة في جسدٍ واحدٍ يعمل معًا، كل في تخصّصه. نعود إلى حديث السيّد مع تلاميذه لنلاحظ أنه إذ أراد توجيههم لم يُحذّرهم أمام الجماهير، حتى لا يجرح مشاعرهم، بل تحدّث معهم على انفراد، مقدّمًا لهم صورة حيّة عن الأبوّة الروحيّة التي تترفّق حتى عندما تُحذِّر وتُنذِر. 3. قيام الإيمان كأساس الملكوت بعد أن أعلن السيّد المسيح التزام التلاميذ بهدم الرياء وعدم الارتباك بالأمور الزمنيّة، قدّم لهم الجانب الإيجابي الذي يقوم عليه التعليم الإنجيلي أو بناء الملكوت، ألا وهو "الإيمان"، وذلك من خلال لقاء جديد مع تلاميذه، وكأنه اجتماع رعوي جديد. في هذا الاجتماع سأل تلاميذه قائلاً: "من يقول الناس إنّي أنا ابن الإنسان؟" [13] بهذا السؤال أبرز السيّد جانبًا هامًا في إيماننا به بدعوته "ابن الإنسان" تأكيدًا لتأنُّسه. فإن كان الآب يُعلن لبطرس الرسول أنه ابن الله الحيّ مؤكدًا لاهوته، فإن الابن نفسه يؤكّد ناسوته. كأن إيماننا به إنّما يقوم على "تأنُّسه"... فبالتجسّد الإلهي تقدّم ابن الله كرأس للكنيسة ملكوت الله على الأرض، وباتّحادنا مع ابن الله المتأنّس ندخل - خلال مياه المعموديّة - إلى العضويّة في هذا الملكوت الروحي الجديد، ننعم بصورة خالقنا ونتمتّع بحياته فينا، فنحمله داخلنا كسرّ حياة أبديّة. سألهم السيد: "من يقول الناس إني أنا، ابن الإنسان؟" [13]، وإذ هم من الناس لم يستطيعوا من ذواتهم أن يدركوا سرّ لاهوته، وأمام دهشتهم لتصرُّفاته قال: "قوم يوحنا المعمدان، وآخرون إيليّا، وآخرون إرميا، أو واحد من الأنبياء" [14]. حقًا إن الحاجة إلى الله نفسه لكي يُعلن لنا سرّ المسيح. عاد السيّد يسألهم:" وأنتم من تقولون إنّي أنا؟" [15] ويرى القدّيس جيروم في قول السيّد "وأنتم..." بعد قوله "من يقول الناس..."، أن التلاميذ لم يعودوا بعد من الناس، لكنهم صاروا به آلهة، قائلاً: [كأنه يقول لهم أنهم كبشر قد فكّروا في أمور بشريّة، وأنتم كآلهة من تقولون إني أنا؟] سؤال السيّد لتلاميذه لم يكن اِستفسارًا ولا لكي يَعلم ما في قلوبهم، وإنما ليعطيهم الفرصة لنزع الأفكار البشريّة الخاطئة، وقبول الإعلان الإلهي؛ وكما يقول القدّيس كيرلّس الكبير: [أنه كان يهيّئ تلاميذه لآلامه حتى لا يتشكّكوا فيه.] إذ قدّم السيّد لهم السؤال، "أجاب سمعان بطرس وقال: أنت هو المسيح ابن الله الحيّ [16]. "فأجاب يسوع وقال له: طوبى لك يا سمعان بن يونا، إن لحمًا ودمًا لم يُعلن لك، لكن أبي الذي في السموات" [17]. إيماننا بالمسيّا الملك، ابن الله المتأنّس، ليس فكرة فلسفيّة نعشقها، ولا هو وليد إيمان عقلاني نتقبّله من لحم ودم، إنّما هو إعلان إلهي يشرق به الآب بروحه القدّوس على شعبه خلال الرسل والتلاميذ، فتسلّمته الكنيسة كإعلان إلهي رسولي، كوديعة تَقدِمه من جيلٍ إلى جيلٍ، ليس كتسليمٍ بشري إنّما هو تسليم إلهي، يشرق به الله في قلوب المؤمنين خلالها. إنه عمل إلهي في داخل القلب قادر أن يربط النفس بملكها، فنعيش الحياة الملكوتيّة السماويّة. وما تمّ لبطرس الرسول يتحقّق مع كل عضو في كنيسة المسيح المقدّسة وإن كان بطرق مختلفة، خلال الكاهن أو كلمة وعظ أو كلمة مكتوبة، لكن المعلن الخفي هو الله نفسه، الذي يعمل في القلوب لإعلان الإيمان فيها. وفيما يلي بعض تعليقات الآباء على هذه العبارة: + ما لم يستطع اللحم والدم أن يعلنه، تعلنه نعمة الروح القدس. لهذا السبب تقبّل (سمعان بطرس) اسمًا يعني أنه قد تسلّم إعلانًا من الروح القدس. لأن "ابن يونا" في لساننا يعني "ابن الحمامة"، وإن كان البعض يفهمها ببساطة أن سمعان الملقب بطرس هو "ابن يوحنا" معتبرين أن الاسم "ابن يونا Jona" إنّما قصد به "يوحنا Joanaa"... وكلمة "يوحنا" تعني نعمة الله. بهذا فإن الاسم يفسر سرّيًا بالحمامة أي الروح القدس أو نعمة الله أي عطيّة الروح. القدّيس جيروم + طوبى لذاك الذي يُمدَح لإدراكه وفهمه الذي فوق الرؤيا بالعيون البشريّة، فلا يتطلّع إلى ما هو من الجسد واللحم، إنّما ينظر ابن الله خلال الإعلان له من الآب السماوي. لقد صار مستحقًا أن يكون أول من اعترف بلاهوت المسيح. القدّيس هيلاري أسقف بواتييه + انظر كيف يُعلن الآب عن الابن، والابن عن الآب. فإنّنا لا نتعلّم عن الابن سوى من الآب. هنا يُعلن لنا أن الابن واحد مع الآب ومساوٍ له، مسجود له معه. القدّيس يوحنا الذهبي الفم + آمِن إذن كما آمَنَ بطرس لتُطوَّب أنت أيضًا، وتستحق سماع الكلمات: "إن لحمًا ودمًا لم يُعلنا لك، لكن أبي الذي في السماوات". فاللحم والدم لا يقبلان إلا الأرضيّات، وعلى العكس من يتحدّث عن الأسرار بالروح فلا يعتمد على تعاليم اللحم والدم، وإنما على الإعلان الإلهي. لا تعتمد على اللحم والدم لتأخذ منهما أوامرك، فتصير أنت نفسك لحمًا ودمًا، وأما من يلتصق بالروح فهو روح واحد (1 كو 6: 17). القدّيس أمبروسيوس يكمّل السيّد حديثه مع القدّيس بطرس: "وأنا أقول لك أيضًا أنت بطرس، وعلى هذه الصخرة ابني كنيستي، وأبواب الجحيم لن تقوى عليها" [18]. كلمة "بطرس" مشتقّّة عن اليونانيّة "بترا Petra" أي صخرة، فقد أقام السيّد كنيسته التي هي ملكوته على الصخرة التي هي الإيمان بالسيّد المسيح المعلن للقدّيس بطرس. الإيمان بالمسيّا هو الأساس الذي يقوم عليه بناء الملكوت المرتفع حتى السماوات عينها. بالتجسّد الإلهي تقدّم ابن الله الحيّ كحجر زاوية يسند البناء كلّه فلا تقدر الزوابع أن تحطّمه ولا العواصف أن تهز حجرًا واحدًا منه. + إنه لم يقل له أنت صخرة tu es Petra بل أنت بطرس tu es Petrus، فإن الصخرة كانت المسيح (1 كو10: 4)، التي اعترف بها سمعان كما لو اعترفت الكنيسة كلها، لذلك دُعى "بطرس". القدّيس أغسطينوس + لقد عنى بهذا: أنه على هذا الإيمان وعلى هذا الاعتراف ابني كنيستي. لقد أظهر بهذا أن كثيرين يؤمنون بما اعترَف به بطرس، كما أنه بهذا رفع من روحه وجعله راعيًا. القدّيس يوحنا الذهبي الفم + كما أنه هو النور ويهب تلاميذه أن يدعوا "نور العالم"، كذلك نالوا الأسماء الأخرى من الرب. لقد أعطى لسمعان الذي آمن بالمسيح الصخرة أن يُدعى بطرس "الصخرة". القدّيس جيروم + من يتمثل بالمسيح فهو صخرة. العلاّمة أوريجينوس + عظيمة هي محبّة المسيح الذي أعطى كل ألقابه لتلاميذه، فيقول: "أنا هو نور العالم" (يو 8: 12) ومع ذلك يعطي من طبعه لتلاميذه قائلاً: "أنتم نور العالم" (مت 5: 14). يقول: "أنا هو الخبز الحيّ" (يو 6: 35)، ونحن جميعًا خبز واحد (1 كو 10: 17). يقول: "أنا هو الكرمة الحقيقيّة" (يو 15: 1)، ويقول لك: "غرستُك كرمة سورَق زرع حق كلها" (إر 2: 21). المسيح هو الصخرة: "كانوا يشربون من صخرة روحيّة تابعتهم، والصخرة كانت المسيح" (1 كو 10: 4)، ولم يحرم تلميذه من هذا الاسم، فهو أيضًا صخرة، إذ تكون لك صلابة الصخر الراسخ وثبات الإيمان. اجتهد أن تكون أنت أيضًا صخرة، فلا يبحثون عن الصخرة خارجًا عنك وإنما في داخلك. صخرتك هي عملك، وهي روحك، وعليها تبني بيتك فلا يقدر عاصف من عواصف الروح الشرّير أن يسقطه. صخرتك هي الإيمان الذي هو أساس الكنيسة، فإن كنتَ صخرة تكون كنيسة، وإن كنتَ في الكنيسة فأبواب الجحيم لن تقدر عليك، هذه التي هي أبواب الموت. القدّيس أمبروسيوس "وأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات فكل ما تربطوه على الأرض يكون مربوطًا في السماوات، وكل ما تحله على الأرض يكون محلولاً في السماوات" [19]. إن كان ملكوت السماوات هو عمل إلهي يعلنه الآب في قلوبنا بالروح القدس في ابنه، فقد قدّم مفاتيح هذا الملكوت بين يديّ الكنيسة، لا لتسيطر، وإنما لتخدم البشريّة. لقد تسلّمت السلطان لا لتعمل بذاتها بل بالروح القدس الساكن فيها. فتشترك العروس في عمل العريس نفسه، لتنال كرامة الشركة معه على أن تتم إرادته الإلهيّة في سلوكها. مفتاح الملكوت في الحقيقة هو في ملكيّة ابن داود نفسه الذي يفتح ولا أحد يُغلق، ويُغلق ولا أحد يفتح، فإن كان السيّد قد وهب كنيسته هذا المفتاح الإلهي إنّما يأتمنها عليه ويبقى هو العامل سرّيًا في داخلها، يعرف من يستحق فيفتح له خلالها ومن يتركه خارجًا يغلق عليه. + لو أن هذا قيل لبطرس وحده لما حمل أي أساس لعمل خاص بالكنيسة. القدّيس أغسطينوس + لذلك خلال تغيير الأزمنة وتتابعها يفيض نظام الأساقفة تباعًا في تدبير الكنيسة (بالسلطان الذي أعطى لهم). القدّيس كبريانوس + ليت الذي يربط غيره أو يحلُّه أن يكون هو نفسه بلا لوم، فيوجد مستحقًا أن يربط أو يحلّ في السماء. من يقدر أن يغلق أبواب الجحيم بفضائله تُعطى له مفاتيح ملكوت السماوات كمكافأة. فإنه إذ يبدأ إنسان في ممارسة كل نوع من الفضيلة يكون كمن يفتح لنفسه أبواب السماء، إذ يفتحها الرب بنفسه، فتكون الفضيلة عينها هي باب السماء ومفتاحه. كل فضيلة إنّما هي ملكوت السماوات. العلاّمة أوريجينوس + الأساقفة والكهنة الذين لا يفهمون هذا الأمر (فيحكمون بلا تمييز) يأخذون لأنفسهم نوعًا من كبرياء الفرّيسيّين حتى يظنّون أنهم يقدرون أن يدينوا الأبرياء ويغفروا للمجرمين؛ لكن الله لا ينظر إلى حكم الكهنة وإنما إلى حياة الذين يُدانون. القدّيس جيروم 4. الصلب تكلفة الملكوت "من ذلك الوقت ابتدأ يسوع يظهر لتلاميذه أنه ينبغي أن يذهب إلى أورشليم، ويتألّم كثيرًا من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة، ويُقتل وفي اليوم الثالث يقوم" [21]. إذ أعلن السيّد ملكوته بكونه هدمًا وبناءً، اِقتلاعًا وغرسًا، فيه يُهدم الإنسان القديم بأعماله لكي يقوم الإنسان الجديد؛ فإن تكلفة هذا الملكوت هو "الصلب". لقد بدأ السيّد يتحدّث علانيّة مع تلاميذه عن التزامه بحبّه الإلهي أن يذهب إلى أورشليم، ليحُفظ هناك كفصحٍ حقيقيٍ يُقدَّم عن البشريّة كلها، فيهدم الخطيّة بمملكتها ويُقيم ملكوته بقيامته! بصليبه دان الخطيّة في جسده، هذا الذي لم يعرف خطيّة صار خطيّة من أجلنا، لكي يحطِّم مملكتها ويبدّد سلطانها، فنقوم فيه مقدّسين بدمه، أعضاء جسده المقدّس، أبناء الملكوت الجديد. يُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على ذلك معلنًا إمكانيّة علامة الصليب في إقامة الملكوت بالقول: [كما أنها حطَّمت أبواب الجحيم وفتحت أبواب السماوات وقدّمت مدخلاً جديدًا للفردوس وهدمت حصون الشيّاطين، فلا عجب إن تغلَّبت أيضًا على المواد السامة والحيوانات الكاسرة، وما شابهها.] لم يكن ممكنًا للقدّيس بطرس في ذلك الحين أن يدرك الملكوت الداخلي، وبالتالي أن يتفَّهم "سرّ الصليب"، لهذا يقول الإنجيلي: "أخذ بطرس إليه واِبتدأ ينتهره قائلاً: حاشاك يا رب، لا يكون لك هذا. فالتفت، وقال لبطرس: اذهب عنّي يا شيطان، أنت معثَرة لي لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس" [22-23]. لقد ظنّ الرسول بطرس أنه إذ ينتهر السيّد رافضًا إهانته وآلامه يُعلن بذلك حبّه له. لكنّه فوجئ بالسيّد ينتهره: "اذهب عنّي يا شيطان". بطرس الرسول الذي تقبَّل إعلان الآب عن لاهوت الابن فصار إيمانه الصخرة التي تقوم عليها الكنيسة، وحُسب أهلاً أن يتمتّع مع التلاميذ بمفاتيح الملكوت، إذ رفض الصليب دعاه السيّد " شيطانًا"، و"معثرة لي" و"مهتمّا بما للناس لا بما لله". لقد جاء السيّد يُقيم مملكته خلال صليبه، فمن يرفض الصليب يرفض الفكر الإلهي، ويصير معثرة مهتمّا بالأمور الظاهرة، التي تفرِّح قلب الناس لا الله. فالصليب هو العمل الإلهي الذي شغل فكر الله منذ الأزل لأجل خلاصنا، بدونه يتعثّر الدخول إلى المملكة الإلهيّة، ويتحوّل الملكوت الإلهي إلى ملكوت بشري. 5. دورنا الإيجابي في الملكوت إن كان السيّد قد دفع تكلفة الملكوت على الصليب، فإنّنا لا ننعم بهذا الملكوت ولا ننمو فيه ما لم نشترك إيجابيًا فيه بحمل الصليب مع عريس الملكوت المصلوب. لهذا يكمّل السيّد حديثه مع تلاميذه عن صلبه بالتزامهم بحمل الصليب، إذ يقول الإنجيلي: "حينئذ قال يسوع لتلاميذه: إن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه، ويحمل صليبه ويتبعني" [24]. وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: أن السيّد المسيح بهذا قد وبّخ القدّيس بطرس الذي انتهره عن حمل الصليب، [كأنه يقول لبطرس: أنت تنتهرني لأني أريد أن أتألّم، لكنّني أخبرك بأنه ليس فقط من الخطأ أن تمنعني عن الآلام، وإنما أقول لك أنك لن تقدر أن تخلُص ما لم تمُت أنت أيضًا.] إن كان ملكوت السموات هو التبعيّة للمسيّا الملك، فإنه لا يقدر أحد أن يقبل هذه التبعيّة ما لم يدخل دائرة الصليب، ويحمل سمات الملك نفسه، أي الصليب. يلتزم أن ينكر نفسه أو يجحدها أو يكْفر بها، فتُصلب ذاته على الصليب، لا ليعيش في ضعف وضيق بلا أحاسيس أو مشاعر أو إرادة، وإنما وهو يدخل بالروح القدس إلى صليب السيّد يموت عن ذاته، ليحمل السيّد نفسه في داخله. تختفي الإرادة البشريّة الضعيفة، لا ليعيش بلا إرادة، إنّما تحلّ إرادة المسيح الحكيمة والقادرة لتعمل فيه. ولا ليعيش بلا أحاسيس أو عواطف إنّما وهو يموت عن هذه جميعها يتقبّلها جديدة من يديّ الآب بالروح القدس، فتكون له أحاسيس السيّد المسيح نفسه ورقَّته ووداعته وحنوُّه، ليحيا حاملاً سمات المسيح متجلِّية فيه. هذا هو مفهوم الصليب أنه يحمل خسارة، لكن في الحقيقة هو مكسب، وفيما يبيع المسيحي كل شيء يقتني ما هو أعظم. لذلك يقول السيد: "فإنّ من أراد أن يخلّص نفسه يُهلكها، ومن يُهلك نفسه من أجلي يجدها. لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كلّه وخسر نفسه؟! أو ماذا يُعطي الإنسان فداء عن نفسه؟!" [25-26]. هذا هو الطريق الملوكي الحق الذي فيه يحتمل كل تعب، حتى هلاك حياته الزمنيّة، ليجد نفسه متمتّعا بما هو فائق للحياة، وفيما هو يترك العالم يقتني ما هو أعظم. إنه أخذ مستمر خلال الترْك والتخلِّي! لذلك كتب القدّيس أغناطيوس الأنطاكي في رسالته إلى أهل روما هكذا [ماذا تفيدني ملذّات العالم؟ ما لي وفتنة ممالك هذا العالم؟ إني أُفضِّل أن أموت مع المسيح من أن أملك أطراف المسكونة، إني أطلب المسيح الذي مات من أجلنا، وقام أيضًا من أجلنا. قد قربت الساعة التي سأُولد فيها، اغفروا لي يا إخوتي، دعوني أحيا، اُتركوني أموت. إني أريد أن أكون لله. لا تتركوني في العالم، لا تتركوني ومغريات الأرض. دعوني أبْلغ إلى النور النقي.] ماذا يعني إنكار الإنسان نفسه؟ + ينكر الإنسان ذاته عندما لا يهتمّ بجسده متى جُلد أو احتمل آلامًا مشابهة، إنّما يحتملها بصبر. القدّيس يوحنا الذهبي الفم + إذ يحب أحد الله يبغض ذاته أي إنساننا الجسداني... ففي داخلنا وفي أفكارنا وقلوبنا وإرادتنا قوّة غير عادية تعمل دائمًا كل يوم وفي كل لحظة لتسحبنا من الله؛ تقترح علينا أفكارًا ورغبات واهتمامات ونيّات ومشاغل وكلمات، وأعمال باطلة تثير فينا الشهوات وتدفعها بعنف فينا؛ أقصد المكر والحسد والطمع والكبرياء والمجد الباطل والكسل والعصيان والعناد والخداع والغضب. الأب يوحنا من كرونستادت 6. الملكوت الأخروي يختم السيّد حديثه عن بناء ملكوت السماوات كحياة داخليّة نعيشها هنا بالإعلان عنه كملكوت أُخروي أبدي، هو في حقيقته ليس غريبًا عن الملكوت الداخلي بل اِمتداد له. فما نعيشه الآن في المسيح يسوع خلال الإيمان ننعم به في كمال المجد خلال القيامة أخرويًا، إذ يقول: "فإن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته، وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله" [27]. الحياة الملكوتيّة التي نعيشها هنا وننعم بها ما هي إلا عربون للحياة الخالدة الممتدّة فوق حدود الزمن حين يظهر السيّد المسيح الملك مع ملائكته ليجازي كل واحد حسب عمله. إن كان الإيمان هو أساس الملكوت إلا أنه يلزم أن يكون "عمليًا" حتى يقدّم لنا السيّد الأكاليل الأبديّة مجازيًا "كل واحد حسب عمله". وإذ أراد أن يدخل بتلاميذه إلى هذا الملكوت بطريقة ملموسة سمح لثلاثة من تلاميذه أن ينعموا بتجلّيهK ليختبروا لحظات من الحياة الملكوتيّة الأخرويّة، إذ يقول: "الحق أقول لكم إن من القيام ههنا قومًا لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان آتيًا في ملكوته" [28]. ويرى القدّيس أمبروسيوس أنه يليق بالمؤمن أن ينعم بالتمتّع بهذه الحياة السماويّة في عربونها وهو بعد على الأرض، إذ يقول: [ليس أخنوخ وحده حيّ، إذ ليس بمفرده أُخذ إلى فوق لكن بولس أيضًا أُخذ إلى فوق ليلتقي بالمسيح.] وكأنه يليق بنا أن نتمتّع بارتفاع النفس إلى فوق لتحيا مع السيّد المسيح السماوي فلا يغلبها الموت إلى الأبد. من أقوال الآباء الأولين أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
الإصحاح السادس عشر (مت 1:16-12 + مر 10:8-21): (مت 1:16-12):- وجاء إليه الفريسيون والصدوقيون ليجربوه فسألوه أن يريهم آية من السماء. فأجاب وقال لهم إذا كان المساء قلتم صحو لان السماء محمرة. وفي الصباح اليوم شتاء لان السماء محمرة بعبوسة يا مراؤون تعرفون أن تميزوا وجه السماء وأما علامات الأزمنة فلا تستطيعون. جيل شرير فاسق يلتمس آية ولا تعطى له أية إلا آية يونان النبي ثم تركهم ومضى. ولما جاء تلاميذه إلى العبر نسوا أن يأخذوا خبزا. وقال لهم يسوع انظروا وتحرزوا من خمير الفريسيين والصدوقيين. ففكروا في أنفسهم قائلين أننا لم نأخذ خبزا. فعلم يسوع وقال لهم لماذا تفكرون في أنفسكم يا قليلي الإيمان أنكم لم تأخذوا خبزا. احتى الآن لا تفهمون ولا تذكرون خمس خبزات الخمسة الالاف وكم قفة اخذتم. ولا سبع خبزات الأربعة الالاف وكم سلا أخذتم. كيف لا تفهمون أنى ليس عن الخبز قلت لكم أن تتحرزوا من خمير الفريسيين والصدوقيين. حينئذ فهموا انه لم يقل أن يتحرزوا من خمير الخبز بل من تعليم الفريسيين والصدوقيين. (مر 10:8-21):- وللوقت دخل السفينة مع تلاميذه وجاء إلى نواحي دلمانوثة. فخرج الفريسيون وابتداوا يحاورونه طالبين منه آية من السماء لكي يجربوه. فتنهد بروحه وقال لماذا يطلب هذا الجيل آية الحق أقول لكم لن يعطى هذا الجيل آية. ثم تركهم ودخل أيضا السفينة ومضى إلى العبر. ونسوا أن يأخذوا خبزا ولم يكن معهم في السفينة إلا رغيف واحد. وأوصاهم قائلا انظروا وتحرزوا من خمير الفريسيين وخمير هيرودس. ففكروا قائلين بعضهم لبعض ليس عندنا خبز. فعلم يسوع وقال لهم لماذا تفكرون أن ليس عندكم خبز إلا تشعرون بعد ولا تفهمون احتى الآن قلوبكم غليظة. الكم أعين ولا تبصرون ولكم أذان ولا تسمعون ولا تذكرون. حين كسرت الأرغفة الخمسة للخمسة الالاف كم قفة مملوة كسرا رفعتم قالوا له اثنتي عشرة. وحين السبعة للأربعة الالاف كم سل كسر مملوا رفعتم قالوا سبعة. فقال لهم كيف لا تفهمون (مر 10:8 ) يقول مرقس أن السيد جاء إلى إلى نواحى دلمانوثة، ويقول متى جاء إلى تخوم مجدل (مت 39:15). وهذا المكان بالقرب من طبرية على الشاطىء الغربى للبحيرة. وإلإختلاف فى الأسماء راجع لأن نفس المكان قد يكون لهٌ إسمان، إسم قديم وإسم حديث، ومتى إستخدم أحدهما بينما إستخدم مرقس الآخر. (مت 1:16-4):- الفريسيين متعارضون فكرياً، لكننا هنا نجدهم قد إتفقوا معاً ضد المسيح فمملكة الظلمة لا تقبل النور. وقد جاءوا للمسيح يطبون آية، ولم يكفهم كل الآيات التى صنعها السيد المسيح. وهم طلبوا آية من السماء= ربما قصدوا بهذا نزول مَنْ مِنَ السماء، أو علامة طبيعية غريبة مثل إختفاء الشمس مثلاً أو بروق ورعود كما فعل موسى. ولكن الأقرب هو فكرة طلبهم مَنْ سماوى، فشيوخهم كانوا يقولون أن المسيا حين يأتى سينزل مناً من السماء كما فعل موسى (يو 30:6،31). والمسيح ما كان عنده مانع من عمل معجزة ولكن لمن يعمل المعجزة ؟ هو يعملها لمن تجعله يؤمن.ولكن هؤلاء عقدوا العزم على عدم الإيمان، بل هم قد أتوا ليَتَحدوُا المسيح فى عناد ومقاومة، ولو كان قد فعل آية لكانوا قد إخترعوا أى شىء ليقاوموه. لذلك هو رفض عمل آية لهم.ولاحظ اتفاق الفريسيين والصدوقيين ضد المسيح بالرغم من اختلافهم. والمسيح يفضل أن يؤسس ملكوته بالتعليم وليس بعمل الآيات "طوبى للذين آمنوا ولم يروا " (يو 29:20). والتعليم يقود للتوبة، لذلك نادى يوحنا المعمدان أولاً بالتوبة، ثم نادى المسيح بالتوبة ومن بعده التلاميذ فالزمان هو تأسيس الملكوت وذلك يتم بالتوبة، فلن يدخل أحد الملكوت بدون توبة، كما تاب أهل نينوى سابقاً، لذلك يشير السيد إلى يونان النبى. ولكننا نجد هؤلاء المقاومين لا يبحثون سوى عن آية، وحتى الآن فهناك من يفكر فى المعجزات دون أن يقدم توبة. وإشارة المسيح لآية يونان النبى تعنى أن كل ما قدمه يونان لأهل نينوى هو قوله أن المدينة ستهلك إن لم يتوبوا، وبهذه الكلمات فقط تابوا. والآن أمامهم المسيح بكل ما يقوله ويفعله وهم لا يؤمنون ولا يتوبون. والسيد يقول تعرفون أن تميزوا وجه السماء = أى يتعرفوا على حالة الجو خلال العلامات الظاهرة فى السماء. وهؤلاء مثل كثيرين يظهرون ذكائهم فى الأمور المادية لكنهم لا يهتمون بالأمور الروحية وإكتشافهم لفرص التوبة والتعرف على الرب. فهؤلاء الفريسيين برعوا فى معرفة علامات الطقس ولم يعرفوا زمان الإفتقاد الإلهى، فالمسيح فى وسطهم ولم يعرفوه أماّ علامات الأزمنة = هم كدارسين للناموس لابد وأنهم يعرفون النبوات التى تحدد زمان مجىء المسيح بالسنة (دا 24:9-27) وظهور يوحنا المعمدان كسابق (ملا1:3 +أش 3:40) ثم ظهر المسيح ومعجزاته (أش5:35،6). وغيرها كثير من النبوات، فلماذا لم يستخدموا ذكائهم فى دراسة هذه النبوات، ولو فعلوا لكانوا قد عرفوا المسيح. لكنهم كما يقول المسيح جيل شرير فاسق= أى أن خطاياهم وعنادهم وريائهم وحسدهم للمسيح ومحبتهم للأموال وخوفهم على ضياعها إذا سار الناس وراء المسيح، كل هذا أعمى عيونهم عن فهم كتب الأنبياء. ومثل هؤلاء مهما عُمِلَ أمامهم من آيات لن يؤمنوا لذلك تركهم المسيح ومضى والآن بالنسبة لنا فالزمن زمن توبة فعلينا أن لا نفكر سوى فى الإستعداد بتوبة كما تاب أهل نينوى على يد يونان ولا نطلب حدوث معجزات من المسيح بل نسلم بما يريده. ونلاحظ أن المسيح أيضاً بإشارته ليونان فهو يشير لموته وقيامته، وتأملنا فيما صنعه المسيح لنا يجعلنا نحبه، ومن يحب المسيح سيقبل أى شىء يسمح به (راجع يو15:21-22). والصليب والقيامة أعظم آيات قدمها المسيح للبشرية ففيهما سر خلاص البشرية. هؤلاء المعاندين بسبب شرهم فاتهم أن يدركوا من هو المسيح، وأنه جاء لخلاصهم الأبدى، ولو أدركوا لخلصوا، لو تابوا لكانوا الآن فى السماء. ولاحظ أن إشارة المسيح لآية يونان فيها تلميح بقبول الأمم بسبب رفض اليهود للمسيح. وإنجيل مرقس لم يشير لكلام المسيح عن يونان فهو يكتب للرومان الذين لا يعرفون شيئاً عن يونان. وفى (مر12:8) تنهد بروحه = أى التنهد ليس على مستوى الجسد بل من أعماقه شعر بضيق من موقفهم منه. إذا كان المساء قلتم صحو لأن السماء محمرة = أى إذا رأوا السماء حمراء فى المساء، يقولون إن الجو غداً سيكون صحواً. وفى الصباح اليوم شتاء = وفى صباح اليوم تقولون سيكون اليوم شتاء إذا رأيتم السماء حمراء بعبوسة آى هنا غيوم وسحاب. وتفسير هذا أن السيد أتى بوداعة ومحبة يعلم ويشفى فكان يجب عليهم بذكاء أن يدركوا أن الزمن زمن قبول. صحو= سنة مقبولة (لو 19:4). (مت 5:16-12):- ولما جاء تلاميذه إلى العبر نسوا أن يأخذوا خبزا. وقال لهم يسوع انظروا وتحرزوا من خمير الفريسيين والصدوقيين. ففكروا في أنفسهم قائلين أننا لم نأخذ خبزا. فعلم يسوع وقال لهم لماذا تفكرون في أنفسكم يا قليلي الإيمان أنكم لم تأخذوا خبزا. احتى الآن لا تفهمون ولا تذكرون خمس خبزات الخمسة الالاف وكم قفة أخذتم. ولا سبع خبزات الأربعة الالاف وكم سلا أخذتم. كيف لا تفهمون أنى ليس عن الخبز قلت لكم أن تتحرزوا من خمير الفريسيين والصدوقيين. حينئذ فهموا انه لم يقل أن يتحرزوا من خمير الخبز بل من تعليم الفريسيين والصدوقيين. ولما جاء تلاميذه إلى العبر= أى عبر بحر الجليل. تحرزوا من خمير الفريسيين = إذا تشبهوا بالفريسيين فى ريائهم فلن يمكن إقامة الملكوت داخلهم، فالرياء أخطر عدو للملكوت، هو يتسلل لحياة الخدام والشعب لينشغل الإنسان بذاته دون حساب لأهمية اللقاء مع المسيح وتشبيهه بالخميرة فذلك لإنتشارها السريع، الرياء هو عدوى سريعة الإنتشار. إننا لم نأخذ خبزاً = لقد إنشغلوا بمشكلة تافهة والمسيح صانع المعجزات بينهم.. وكم من مشكلة تافهة تشغلنا عن المسيح. - حتى يقيم السيد ملكوته السماوى فننا فلنهتم بعلاقتنا الشخصية معه بدون رياء، أى بدون إهتمام برأى الناس. ولنذكر على الدوام أنه موجود وقادر على حل أى مشكلة تواجهنا، لنحتفظ بإيمان بسلامنا فيه. ولاحظ أن السيد حين أراد أن يوبخ تلاميذه على خطأ صدر منهم كان هذا بينه وبينهم حتى لا يجرح مشاعرهم أمام الناس. - ونلاحظ أيضاً شغف التلاميذ ببقائهم دائماً بجوار معلمهم حتى أنهم نسوا أن يأخذوا معهم خبزاً. لماذا تفكرون فى أنفسكم = فهو فاحص القلوب والكلى. آلا تشعرون بعد ولا تفهمون = هى دعوة لدخولهم للأعماق، ليعرفوا من هو ويؤمنوا به. أحتى الآن قلوبكم غليظة= يحركهم ليلبوا قلباً جديداً. عموماً فالسيد المسيح لا يعنى بكلامه هذا أن نترك أعمالنا فهو لا يشجع الكسل ولكنه لا يريد أن تكون الأمور المادية سبباً للهم فى قلب الإنسان. (مر 15:8) خمير هيرودس= خبثه ومكره. (مت 13:16-20 + مر 27:8-30 + لو 18:9-21):- (مت 13:16-20):- ولما جاء يسوع الى نواحي قيصرية فيلبس سال تلاميذه قائلا من يقول الناس أنى أنا ابن الإنسان. فقالوا قوم يوحنا المعمدان وآخرون إيليا وآخرون ارميا أو واحد من الأنبياء. قال لهم وانتم من تقولون أنى أنا. فأجاب سمعان بطرس وقال أنت هو المسيح ابن الله الحي. فأجاب يسوع وقال له طوبى لك يا سمعان بن يونا أن لحما ودما لم يعلن لك لكن أبى الذي في السماوات. وأنا أقول لك أيضا أنت بطرس وعلى هذه الصخرة ابني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها. وأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطا في السماوات وكل ما تحله على الأرض يكون محلولا في السماوات. حينئذ أوصى تلاميذه أن لا يقولوا لأحد انه يسوع المسيح. (مر 27:8-30):- ثم خرج يسوع وتلاميذه إلى قرى قيصرية فيلبس وفي الطريق سال تلاميذه قائلا لهم من يقول الناس أنى أنا. فأجابوا يوحنا المعمدان وآخرون إيليا وآخرون واحد من الأنبياء. فقال لهم وانتم من تقولون أنى أنا فأجاب بطرس وقال له أنت المسيح. فانتهرهم كي لا يقولوا لأحد عنه. (لو 18:9-21):- وفيما هو يصلي على انفراد كان التلاميذ معه فسألهم قائلا من تقول الجموع أنى أنا. فأجابوا وقالوا يوحنا المعمدان وآخرون إيليا وآخرون أن نبيا من القدماء قام. فقال لهم وانتم من تقولون أنى أنا فأجاب بطرس وقال مسيح الله. فانتهرهم وأوصى أن لا يقولوا ذلك لأحد. من يقول الناس إنى أنا إبن الإنسان …. أنت هو المسيح إبن الله الحى.. طوبى لك لاحظ أن المسيح هنا يؤكد ناسوته، والآب يعلن لبطرس لاهوت المسيح وهذا هو إيمان الكنيسة أن تجسد وتأنس، الله ظهر فى الجسد (اتى 16:3). وهذا الإيمان الذى أعلنه بطرس طَوَّبَهٌ المسيح عليه، فهو أعلن دستور الإيمان القويم، والمخلص يعلن أنه يقيم كنيسته على هذا الإيمان، ويعطى كنيسته سلطان الحل والربط، ليس لبطرس فقط بل لكل الرسل (مت 19:16+ مت 18:18). ولما سأل السيد سؤاله ردد التلاميذ ما يقوله الناس، فمثلاً هيرودس قال أنه يوحنا المعمدان=(مت 2:14). وهناك من قالوا أنه إيليا أى أنه السابق للمسيح (ملا 5:4) وآخرون تصوروا أنه واحد من الأنبياء لأن موسى تنبأ بأن نبيا مثله سيأتى لهم (تث15:18). وأنتم من تقولون إنى أنا = فالسيد المسيح يهتم جداً بكيف نعرفه نحن خاصته فماذا لو سألك المسيح.. من أنا.. هل سيكون ردك عن معرفة نظرية عرفتها من الكتب، أو من خبرات شخصية إختبرت فيها حلاوة شخصه وحلاوة عشرته، وتعزياته إذ يقف بجانبك فى الضيقات، هل عرفته أم سمعت عنه. فبطرس لم يُكَوِّن رأيه عن المسيح من كلام الناس، بل الله أعلن لهُ، إذاً فلنصرخ إلى الله ليفتح أعيننا لنعرف المسيح ونختبره فنقول مع أيوب، بسمع الأذن قد سمعت عنك والآن رأتك عينى (أى 5:42) لنصلى حتى يعلن لنا الروح القدس عمن هو المسيح، وليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلاّ بالروح القدس (1كو 3:12 + يو 14:16) إيماننا بالمسيح، ومعرفتنا بالمسيح هو إعلان إلهى يشرق به الآب بروحه القدوس. وتسلم هذا الإيمان خلال التلاميذ والكنيسة، وإستلمناه، ولكن لنصلى حتى لا يبقى هذا الإيمان مجرد خبرة نظرية ولكن خبرة عملية بشخص السيد المسيح، فنحبه إذ ندرك لذة العشرة معه، ومن يُدرك هذا سوف يحسب كل الأشياء نفاية (فى 8:3). أنت هو المسيح = المسيح هو المسيا الذى كان اليهود ينتظرونه مخلصاً. وكلمة المسيح تعنى الممسوح من الله. وكانت المسحة فى العهد القديم هى للملوك ورؤساء الكهنة والأنبياء فقط (رؤ 5:1 + ابط 4:5 + لو 76:1 ) وفى هذه الآيات نرى المسيح ملكاً ورئيساً للكهنة ونبياً) إبن الله الحى= لقد سبق نثنائيل وقال هذا قبل بطرس، أن المسيح إبن الله ولكن نثنائيل كان يقصدها بطريقة عامة كما يقولون إسرائيل إبن الله.ولذلك لم نسمع أن السيد طوب إيمان نثنائيل كما فعل مع بطرس (يو 47:1-51). أنت بطرس وعلى هذه الصخرة أبنى كنيستى= المسيح لايبنى كنيسته على إنسان مهما كان هذا الإنسان. ولكن معنى الكلام أن الكنيسة ستؤسس على هذا الإيمان الذى نطق به بطرس، أن المسيح هو إبن الله الحى. وبإتحادنا به خلال المعمودية نصير أولاد الله، وندخل إلى العضوية فى الملكوت الروحى الجديد وننعم بحياته فينا، نحمله داخلنا كسر حياة أبدية. ولاحظ قول الكتاب أَنْتَ (مذكر) بطرس وعلى هَذِهِ ( مؤنث) الصخرة إذاً الصخرة هى ليست بطرس، لأن الصخرة التى تبنى عليها الكنيسة هى المسيح نفسه (1كو4:10).والمسيح هو حجر الزاوية (1بط 6:2). وكلمة بطرس مشتقة عن اليونانية Petra بترا أى صخرة، فالمسيح أسس كنيسته على صخرة هى الإيمان به كإبن الله والمسيح لم يقل له أنت Petra. بل قال له أنت Petrus أبواب الجحيم لن تقوى عليها= أبواب الجحيم هى إشارة لقوى الشر وهذه لن تنتصر على الكنيسة، بل ولا الموت قادر أن يسود على المؤمنين، بل هم سيقومون من الموت فى الأبدية ( هذا إذا كان إيمانهم صحيحاً كإيمان بطرس ) وهى أيضاً تشير للتجارب والحروب ضد الكنيسة والمؤمنين سواء كان مصدرها الشيطان أو بشر يحركهم شياطين. فإبن الله الصخرة وحجر الزاوية هو بنفسه الذى يسند كنيسته فلن تنهار. وأعطيك مفاتيح.. +مت 18:18 + يو 21:20. فالمسيح أعطى لكنيسته سلطان الحل والربط وغفران الخطايا وإمساكها، القبول فى شركة الكنيسة أو إخراج وفرز المخالفين من الشركة المقدسة، السيد أعطي لكنيسته سلطان الحكم على أولادها وتأديبهم. المسيح من خلال كنيسته يحل ويربط. والربط هو لمن يصر على خطيته، فتحرمه الكنيسة من التناول. والحل هو لمن يتوب ويعترف بخطاياه. أوصى تلاميذه أن لا يقولوا لأحد= اليهود تصوٌروا أن المسيح آتٍ كمخلص من الرومان. وهم فهموا بعض الآيات فى سفر المزامير مثل تحطمهم بقضيب من حديد (مز 9:2 + مز6:79) بطريقة خاطئة، لذلك حرص المسيح ان لا ينتشر خبر أنه المسيا حتى لا يفهم الشعب أنه آتٍ ليحارب الرومان لذلك كان يوصى تلاميذه أن لا يقولوا أنه المسيا، وأيضاً المرضى وكل من أخرج منهم شياطين أمرهم أن لا يقولوا لأحد، وأنتهر الشياطين حتى لا تقول وتتكلم وتكشف هذه الحقيقة أمام الجموع (لو 41:4) لأن الجموع كان لها مفهوم سياسي وعسكري لوظيفة المسيا. ولكن حينما أعلن بطرس ان المسيح هو إبن الله فرح المسيح وطوبه، لكنه وجه تلاميذه للفهم الحقيقي السليم للخلاص، وأن هذا لا يتم بالانتصار على الرومان، بل بموته وقيامته (مت 21:16) إذاً نفهم أن المسيح يود أن يعرف الناس حقيقته، ولكن ليس كل واحد، بل لمن له القدرة على فهم حقيقة الخلاص. وفى أواخر أيام المسيح على الأرض إبتدأ يعلن صراحة عن كونه إبن الله (مت 63:26،64). لكن نلاحظ أنه تدرج فى إعلان هذه الحقيقة بحب حالة السامعين. فإن من له سيعطى ويزاد (مت 12:13) فبقدر ما ينمو السامع فى إستيعاب أمور وأسرار الملكوت يرتفع التعليم ويزيد وينمو ليعطى الأكثر والأعلى. فمستوى السامع فى نموه هو الذي يحدد مستوى التعليم الذى يقدمه المسيح، أما النفس الرافضة فينقطع عنها أسرار الملكوت والحياة مع الله. فالله إذاً يعطينا أن نكتشف أسراره بقدر ما نكون مستعدين لذلك. وراجع حوار المسيح مع السامرية لترى التدرج فى إعلان حقيقته ومع تجاوبها كان يعلن لها ما هو أكثر عنه. - إذاً الهدف الأول من أن لا يقولوا لأحد أن لا تطالبه الجماهير بأن يكون ملكاً زمنياً أرضياً فتحدث ثورة شعبية ضد الرومان، ولهذا أثاره الرهيبة. - السبب الثانى حتى لا يحرص الكتبة والفريسيون أن يقتلوه قبل الوقت، أى قبل أن ينهى كل تعاليمه وأعماله. - لا يصح أن يتكلم التلاميذ عنه كإبن الله دون أن تظهر الوهيته بالدليل الساطع وذلك بقيامته فعلاً بعد موته. متى (13:16) قيصرية فيلبس= أسسها هيرودس فيلبس، وسميت بإسمه تميزاً لها عن قيصرية التى على البحر. وهى عند سفح جبل حرمون بجانب منبع نهر الاردن (لو 18:9) وفيما هو يصلى... (مز 27:8) وفى الطريق :- لوقا وحده أشار لصلاة المسيح وربطها بهذا الإعلان السمائى لبطرس بحقيقة المسيح، إذ بصلاة المسيح يُعلن الآب بروحه القدوس لبطرس هذا السر. ومعنى صلاة المسيح هو شفاعة المسيح عنّا امام الآب. لذلك نطلب بإسمه أى شىء نطلبه من الآب. (يو 23:16،24). فالمسيح صلّى على إنفراد (لو 18:9) ثم سار معهم إلى نواحى قيصرية فيلبس وفى الطريق سألهم هذا السؤال فالمسيح بشفاعته عنا يقبلنا الآب ويعمل فينا بروحه القدوس، وأول ما يعمله فينا الروح القدس أنه يثبتنا فى المسيح إبن الله (بالمعمودية والتوبة والإعتراف والتناول ) ثم يعلن لنا عمن هو المسيح فنفهم حقيقة علاقتنا بالله، هو يشهد لأرواحنا أننا أولاد الله (رو 16:8). لوقا يشير لصلاة المسيح هنا لأنه يدرك خطورة ما سيعلنه بطرس الآن، ويشير أننا لا يمكننا فهم هذه الحقائق إلاّ بشفاعة المسيح الكفارية= صلاته. ولاحظ أن نص أعتراف بطرس يختلف من إنجيل لآخر، ولكن بجمع النصوص يتكامل المعنى. متى :- المسيح إبن الله الحي :- هذه إشارة للاهوته فهو الله المتجسد. مرقس :- المسيح :- هو المسيح أى الممسوح كرئيس كهنة سيقدم ذبيحة نفسه. لوقا :- مسيح الله :- هو مسيا النبوات الموعود به فى الكتاب، الذى ينتظرونه. (مت 21:16-28 + مر31:8-1:9 + لو 22:9-27):- (مت 21:16-28):- من ذلك الوقت ابتدا يسوع يظهر لتلاميذه انه ينبغي أن يذهب إلى أورشليم ويتالم كثيرا من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل وفي اليوم الثالث يقوم. فأخذه بطرس إليه وأبتدأ ينتهره قائلا حاشاك يا رب لا يكون لك هذا. فالتفت وقال لبطرس اذهب عني يا شيطان أنت معثرة لي لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس. حينئذ قال يسوع لتلاميذه أن أراد أحد أن ياتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني. فان من أراد أن يخلص نفسه يهلكها ومن يهلك نفسه من اجلي يجدها. لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه أو ماذا يعطي الإنسان فداء عن نفسه. فان ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله. الحق أقول لكم أن من القيام ههنا قوما لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان أتيا في ملكوته (مر31:8)- فالتفت وابصر تلاميذه فانتهر بطرس قائلا اذهب عني يا شيطان لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس. (لو 22:9-27):- قائلا انه ينبغي أن ابن الإنسان يتألم كثيرا ويرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل وفي اليوم الثالث يقوم. وقال للجميع أن أراد أحد أن يأتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه كل يوم ويتبعني. فان من أراد أن يخلص نفسه يهلكها ومن يهلك نفسه من اجلي فهذا يخلصها. لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله واهلك نفسه أو خسرها. لان من استحى بي وبكلامي فبهذا يستحي ابن الإنسان متى جاء بمجده ومجد الأب والملائكة القديسين. حقا أقول لكم أن من القيام ههنا قوما لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله. آية (21):- من ذلك الوقت ابتدا يسوع يظهر لتلاميذه انه ينبغي أن يذهب إلى أورشليم ويتالم كثيرا من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل وفي اليوم الثالث يقوم. المسيح أوضح لتلاميذه من هو وأنه أتى ليؤسس كنيسته، وها هو يعلن ثمن تأسيس الكنيسة أى الصليب. وقبل أن يتوهم تلاميذه إذ سمعوا أنه إبن الله المسيا المنتظر، أنهم سيملكون معه إذ يصير ملكاً وقائداً عظيماً، ها هو يشرح لهم أنه حقاً سيملك ولكن سيملك على قلوب كنيسته بصليبه، حاملاً الرياسة على كتفه (أش 6:9) فالرياسة كانت بصليبه الذى به ملك على قلوبنا، هو بصليبه هدم مملكة الخطية ومملكة إبليس وأقام ملكوته. وقوله هذا يشير لأنه يعلم سابقاً وبدقة ما سيحدث له، إذاً فما سيحدث له هو بسلطانه. آية (23):- فالتفت وقال لبطرس اذهب عني يا شيطان أنت معثرة لي لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس. رفض بطرس للصليب هذا لهو نابع من ذاته، أماّ إعترافه بأن السيد هو المسيح إبن الله الحى فهو من الله. إذهب عنى ياشيطان= بطرس ليس شيطاناً ولكن يردد ما وسوس به الشيطان لهُ، فالشيطان دائماً يصور لنا رفض الصليب الموضوع علينا. ويبدو أن بطرس كان رافضاً لفكرة الصليب حتى النهاية، لذلك حين سألهُ السيد أتحبنى … أتحبنى.. أتحبنى صرح له السيد بعد ذلك انه سيموت مصلوباً، ولعلم السيد أن بطرس رافض لفكرة الصليب كرر له كلمة إتبعنى = أى لا ترفض الصليب إن كنت حقيقة تحبنى (يو 15:21-22). ويقال أن نيرون حين أراد قتل بطرس اقنعه المؤمنون فى روما بالهرب، فهرب بطرس، وعلى أبواب روما رأى السيد المسيح متجهاً لروما فسأله إلى أين ؟ فقال أنا ذاهب لأصلب بدلاً منك. فعاد بطرس وسلم نفسه وطلب أن يصلب منكس الرأس. ولاحظ ما قاله المسيح أنت معثرة لى.. إذهب عنى يا شيطان.. لأنك لا تهتم بما لله لكن بما للناس. فالسيد جاء ليقيم مملكته خلال صليبه وطلب ممن يريد أن يكون له تلميذاً أن يحمل صليبه ويتبعه، فمن يرفض الصليب يرفض الفكر الإلهى آية (24). معثرة = تعمل على تعطيل الصليب والفداء. شيطان = ولا يوجد من يهتم بتعطيل الفداء سو الشيطان لا تهتم بما لله = الترجمة الحرفية لكلمة تهتم، أن عندك وجهة نظر معينة فهناك من لهم وجهة نظر لا تتفق مع وجهة نظر الله (مثل بطرس هنا) وهى أننا نقبل أن نسير مع المسيح فى الصحة والمجد العالمى والغنى المادى.. الخ أما لو وُجِدَ صليب نرفض المسيح ونتصادم معهُ ويكون هذا بإيعاز من الشيطان. لذلك قال السيد لبطرس إذهب عنى يا شيطان، لأن بطرس كان يكرر فكر الشيطان. والشيطان الخبيث دائماً يسعى لأن يقنع أولاد الله بأنه لو أن الله يحبهم لأعطاهم خيرات زمنية (مال وعظمة وقوة وسلطان.. )ولكن لنعلم أنه كرئيس لهذا العالم (يو 30:14) يغرينا بما تحت يديه، لكن أولاد الله يرفضون العالم بما فيه حتى الصليب، ويقبلون من يد أبيهم السماوى ما يسمح به سواء خيرات زمنية أو صليب، فما يسمح به أبوهم السماوى فيه حياتهم الأبدية، ولكن شرط الشيطان أن يعطينا من خيرات العالم أن نخر ونسجد لهُ (مت 9:4). والمسيح اعطانا مثلاً حتى نفهم هذا فقال متسائلاً هل لو سأل إبن أباه أن يعطيه خبزاً فهل يعطيه أبوه حجراً … فإن كنتم تعرفون أن تعطوا أولادكم عطايا صالحه فكم وكم أبو كم السماوى. من هنا نعلم أن ما يسمح به الله سواء خيرات زمنية (مال / صحة..) أو ما يسمح به من تأديبات، هو لصالح أولاده، هو لخلاص نفوسهم (رو28:8) + (1كو 21:3،22 ) + مرض أيوب وتجربته كانت لخلاص نفسه وكذلك مرض بولس. آية (24):- حينئذ قال يسوع لتلاميذه أن أراد أحد أن ياتي ورائي فلينكر نفسه ويحمل صليبه ويتبعني. ينكر نفسه = يرفض فكرة أن له حق فى الخيرات الزمنية، وهذا ما يقنعنا به إبليس لنتصادم مع الله. مثل الأخ الأكبر للأبن الضال، إذ تخاصم مع أبيه من اجل أنه لم يعطه جِدْياً يفرح به مع أصدقائه، وقارن مع محبة أبيه الذى يقول له كل شىء هو لك، والله أعطانا أن نرثه أى نرث مع المسيح (رو17:8) فهل نتصادم معه من أجل أشياء تافهة. يحمل صليبه = يقبل بما سمح به الله واثقاً فى محبة الله، وأن ما سمح به هو للخير حتى وإن لم نفهم الآن (يو 7:13). إن أراد أحد = إرادة حرة.ويتبعنى = طاعة مطلقاً لكل ما يسمح به الله. آية (25) :- فان من أراد أن يخلص نفسه يهلكها ومن يهلك نفسه من اجلي يجدها. لأنه ماذا ينتفع الإنسان لو ربح العالم كله وخسر نفسه أو ماذا يعطي الإنسان فداء عن نفسه. يخلص نفسه= يهرب من الإستشهاد / يهرب من الشدائد فى الخدمة مثلاً ليتمتع بملذات الدنيا / يرفض الصلاة والصوم لمتع دنيوية. يهلك نفسه = يتقدم للإستشهاد / يقدم جسده ذبيحة حية / يقمع جسده ويستعبده / يصلب أهواءه وشهواته. آية (26) :- فان ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه مع ملائكته وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله لو ربح العالم كلهُ = هذا مثل من يضيع عمره فى عمله تاركاً الله، مثل هذا فليعلم أن العالم زائل بطبعه وخسر نفسه= وهى الباقية ولاحظ أن السيد قال هذه الآية رداً على رفض بطرس للصليب. إذاً رفض الصليب فيه ربح للعالم وخسارة أبدية. ماذا يعطى الإنسان فداء عن نفسه = الأموال إن ضاعت جاز أن تعود، أما النفس فهلاكها خسارة لا تعوض. وكيف أقدم فدية عن إنسان تم قتله فعلاً. فإن هلكت النفس، أى ذهبت للجحيم بعد موتها فلا فداء لها. آية(27):- من يرضى بأن يهلك نفسه ستكون مجازاته سماوية فى مجد سماوي هو إمتداد للملكوت الداخلى الذى نعيشه هنا على الارض، ننعم بسلام يفوق كل عقل، وفرح حقيقى بالرغم من ألام هذا العالم (فى 7:4 + يو 22:16) أماّ الملكوت الأخروى فبلا ألم (رؤ 4:21). أماّ من ترك المسيح ليجرى وراء لذات العالم فنصيبه معاناة وحزن على الأرض، ونار متقدة أبدية. وفى هذه الآية يتكلم المسيح عن مجده = يأتى فى مجد. فهو بعد أن تحدث عن ألامه يتحدث هنا عن مجده. ولنلاحظ قول بولس الرسول أن كل من يتألم معهُ يتمجد أيضاً معهُ (رو 17:8). فمن إحتمل صليبه بشكر سيتمجد معهُ. القول الوحيد المسجل للقديس الأنبا بولا " أن من يهرب من الضيقة يهرب من الله" فالضيقة هى شركة ألم وصليب مع المسيح، ومن يشترك معه فى الصليب سيشترك معه فى المجد. (مت 28:16 + مر 1:9 + لو 27:9):- (مت 28:16):- الحق أقول لكم أن من القيام ههنا قوما لا يذوقون الموت حتى يروا ابن الإنسان أتيا في ملكوته. (مر 1:9):- وقال لهم الحق أقول لكم أن من القيام ههنا قوما لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله قد أتى بقوة. (لو 27:9):- حقا أقول لكم أن من القيام ههنا قوما لا يذوقون الموت حتى يروا ملكوت الله. بعد الآية السابقة والتى تحدث فيها السيد المسيح عن المجد، أصبح إشتياق التلاميذ شديداً أن يروه أو حتى يعرفوا ما هو. والسيد فى هذه الآية يطمئنهم بأن بعضاً منهم لن يذوقوا الموت قبل أن يروا ملكوت إبن الإنسان. فما هو ملكوت إبن الإنسان؟ ملكوت إبن الإنسان هو حين يجلس عن يمين أبيه، ويكون فى صورة مجد الآب. ويجلس ليدين. ويملك على الأبرار وهم يخضعون لهُ، ويطأ إبليس وتابعيه ويحبسهم فى البحيرة المتقدة بالنار فيكفوا عن مقاومتهم لملكه. كل هذا سيكون فى يوم الدينونة وما بعده.. ولكن نلاحظ أن كل من أستمع للسيد المسيح وهو يقول هذا الكلام، الكل ما توا أو استشهدوا قبل مجىء السيد المسيح فى مجده ليدين الجميع. فما معنى أن منهم من يموت قبل أن يرى إبن الإنسان آتياً فى ملكوته ؟ نلاحظ أن بعد هذه الآية مباشرة، وفى الأناجيل الثلاثة تأتى قصة تجلى المسيح على الجبل. وفى التجلي رأى بعض التلاميذ بعضاً من مجد السيد المسيح بقدر ما كشفه لهم، وعلى قدر ما إحتملوا، وهم تمتعوا بمجده، وكان هذا إعلاناً عن بهائه الإلهي، وهؤلاء لم يموتوا حتى رأوا هذا المجد وآخرون ممن سمعوا كلمات المسيح هذه رأوا قيامته وصعوده وحلول الروح القدس على الكنيسة وبدء ملكوت الله داخل قلوب المؤمنين، رأوا آلاف تترك آلهتها الوثنية (بل وتبيع ممتلكاتها كما رأينا فى سفر أعمال الرسل) ويحرقوا كتب السحر ويتبعوا المسيح ويملكوه على قلوبهم، ورأوا آلاف الشهداء يبيعون حياتهم حباً فى المسيح، كل هؤلاء كان ملكوت الله فى داخلهم (لو 21:17). لقد رأوا ملكوت الله معلناً فى حياة الناس ضد مجد العالم الزائل. كل هؤلاء الشهداء والذين باعوا العالم لأجل المسيح تذوقوا حلاوة ملك المسيح على قلوبهم، وكان هذا عربون المجد الأبدي إلى أن يحصلوا على كمال مجد الملكوت المعد لهم. وهناك ممن سمعوا قول المسيح هذا لم يموتوا حتى رأوا خراب أورشليم وحريقها الهائل سنة 70م، لقد رأوا صورة للمسيح الديان، ورأوا عقوبة رافضى المسيح. ولاحظ أن الله دبر هروب المسيحيين كلهم من أورشليم قبل حصارها النهائي. لا يذوقون الموت =هذه لا تقال إلاّ على الأبرار فهم لا يموتون بل ينتقلون، وكما قال المسيح عن الموت أنه نوم ( عن إبنة يا يرس وعن لعازر). أماّ الأشرار فهم يموتون وهم مازالوا على الأرض "إبنى هذا كان ميتاً فعاش + لك إسم أنك حى وأنت ميت ( لو 24:15+رؤ 1:3). وذاق الموت قيلت عن المسيح (9:2) فتذوق الموت هو موت بالجسد أما الروح فتذهب إلى الله فى انتظار القيامة. ومن يتذوق عربون المجد الأبدى هنا على الأرض لا يموت بل يتذوق الموت فقط. ويكون معنى كلام السيد أن من الموجودين، من لن ينتقل قبل أن يتذوق حلاوة ملكوت الله فى داخله، وهذا ما حدث بعد يوم الخمسين حينما حل الروح القدس فملأهم سلاماً وفرحاً، وكان المسيح يحيا فيهم (غل 20:2).
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح السادس عشر اضطهاد الفريسيين * حمل الصليب (1) الفريسيون يطلبون آية ( ع 1 - 4 ) : ع 1 : الفرّيسيّون مختلفون مع الصّدوقيّين ، ولكن خوفهم من المسيح ، الذى انجذبت الجموع له وتركتهم ، جعلهم يتفقون على تجربته لمحاولة إظهار ضعفه ، وإبعاد الجموع عنه0فطلبوا منه أن يصنع لهم معجزة كبيرة ، تظهر واضحة فى الجو ، أو نازلة من السماء ، لتؤكد أنه المسيا المنتظر ، مع أنه صنع معجزات كثيرة أمام الجموع0ولكنهم ، بكبريائهم وغيرتهم ، لم يؤمنوا به ، ومازالوا يقاومونه0وظنوا أنه بطلبهم آية كبيرة من السماء ، يُظهرون عجزه عن إتمامها ، فتبتعد عنه الجموع0 ع 2 - 3 : " المساء " : ساعة المغرب0 " السماء محمرة " : عند الغروب وبدء اختفاء قرص الشمس ، تعطى لوناً أحمر فى السماء ، وكلما كان واضحاً ، كلما كان الجو صحواً لعدم وجود غيوم تغطى اللون الأحمر0 " محمرة بعبوسة " : اللون الأحمر عند الشروق ، إذا كان غير واضح لظهور الغيوم ، فمعنى ذلك أن اليوم شتاء ، وقد تمطر0 " وجه السماء " : أى مظاهر الطقس التى تستنتج منها الأحوال الجوية0 " علامات الأزمنة " : وهى النبوات التى تتكلم عن المسيح ، ثم ظهور يوحنا المعمدان السابق له ، وكذلك معجزاته الكثيرة التى لم تظهر قبلاً بهذه القوة فى إسرائيل ، فكلها تؤكد أنه المسيا المنتظر0لم يعطهم المسيح معجزة ، لأنه لم يأتِ ليستعرض قوته أمام الناس ، بل ليخلّصهم من الخطية0ورد على مجرّبيه بأن الله وهبهم العقل الذى يستطيعون به تمييز حالة الطقس ، بوجود شمس مشرقة أو وجود غيم0فإن كانوا قادرين على تمييز حالة الجو ، فلماذا لا يهتمون بالأولَى أن يعرفوا النبوات المكتوبة عنه ؟! فهذا هو عملهم الأساسى كقادة دينيين للمجتمع اليهودى ، فيؤمنون به ، ويقودون الجميع للإيمان0 ع 4 : أوضح المسيح سبب عدم فهمهم ، وهو شر قلوبهم وغيرتهم منه0وقد تعلقوا بأنانيتهم وتركوا الله فصاروا روحياً زناة وفاسقين ، أى عبدوا كبرياءهم دون الله0وبالتالى ، دعاهم للتوبة ، إذ قال لهم إنهم غير محتاجين أن يروا آية من السماء ، بل ليتذكروا قصة يونان النبى وأهل نِينوى ، فيتوبوا مثلهم ، وحينئذٍ يسهل عليهم الإيمان به0وتركهم حزيناً عليهم ، حتى لا يضيع وقته فى مناقشات بلا فائدة0 + لا تنشغل كثيراً بطِلبات مادية من الله ، واعلم أن احتياجك الأول هو التوبة فتصير نقياً ، وثق أنك إذا اهتممت فقط بالتوبة ، فالله سيدبر كل احتياجاتك المادية0 (2) خمير الفريسيين ( ع 5 - 12 ) : ع 5 : عبر التلاميذ بالسفينة من مجدل ، على الشاطئ الغربى لبحر الجليل ، إلى الشاطئ الشرقى0ومن انهماكهم فى الخدمة ، نسوا احتياجاتهم المادية ، أى أخذ طعام للطريق0 + الخادم أو الإنسان الروحى ينسى بعض احتياجاته المادية أثناء انشغاله بالله ، ولكن الله يدبرها له0 ع 6 - 7 : حذر المسيح تلاميذه على انفراد بعيداً عن الجموع ، من خمير الفرّيسيّين ، ويقصد بذلك رياءهم ، إذ يعلّمون تعاليم دينية مدققة ، ولكن لأجل إظهار كرامتهم أمام الناس ، وليس حباً فى الله0والخمير يشبه الرياء ، لأنه يسرى داخلياً فى العجين ، دون أن يشعر به أحد ، كمكر المرائى الذى يتظاهر بالتقوى ، وقلبه بعيداً عن محبة الله0ولكن التلاميذ ظنوا أنه يتكلم عن خمير الخبز المادى ، أى ينبههم لنسيانهم أن يأخذوا طعاماً للطريق0 ع 8 - 11 : كشف كلام المسيح خطية فى قلوب التلاميذ ، وهى انشغالهم بالإحتياجات المادية ، إذ ارتبكوا لأنهم نسوا الطعام اللازم للطريق0فوبخهم المسيح ، مذكراً إياهم بمعجزاته بإشباع الجموع بالخمس خبزات أو السبعة أرغفة ، وكيف شبعوا وفاض عنهم إثنتا عشر قفة أو سبع سلال0فكان ينبغى أن يتكلوا عليه ، واثقين من قدرته على تدبير احتياجاتهم المادية ، ويركزوا فقط فى الخدمة0 ع 12 : فهم التلاميذ حينئذٍ قصد المسيح ، أنه يحذرهم من تعاليم الفرّيسيّين المملوءة رياء ، أى يدعوهم إلى بساطة القلب ومحبة الله والجميع0 + لا تفرح بقدرتك على التظاهر بما ليس داخلك حتى تصل إلى أغراضك ، فهذا يجعلك تنقسم على نفسك ، والناس مع الوقت لا يثقون فيك ، ولكن طبّق فى حياتك ما تؤمن به ، وإن كان داخلك شر ، تُب عنه فتخلص من الرياء0 (3) الإيمان بالمسيح ( ع 13 - 20 ) : ع 13 - 14 : أراد المسيح أن يوجه تلاميذه إلى معرفته والإيمان بلاهوته ، فسألهم ما هو إيمان الناس من جهته ؟ رد التلاميذ بأن هناك آراء كثيرة ، فالبعض مثل هيرودس يظن أنه يوحنا المعمدان وقد قام من الأموات ، والبعض يقول إنه إيليا الذى صعد إلى السماء بجسده قد عاد إلى الأرض ، فقد كان اليهود ينتظرون مجئ المسيا ، إستناداً إلى نبوة ملاخى ( 4 : 5 - 6 ) ، وآخرون يظنون أنه إرميا النبى ، والبعض قال إنه أحد الأنبياء القدامى وقد قام ، وذلك لتشابه بشارته مع بشارة الأنبياء الذين دعوا الناس للتوبة إستعداداً للأبدية ، ولكنهم لم يستطيعوا أن يفهموا شيئاً عن لاهوته0 ع 15 - 16 : ثم انتقل المسيح إلى السؤال المهم ، وهو إيمان تلاميذه من نحوه ، فرد بطرس نيابة عن التلاميذ ، معلناً أنهم يؤمنون به أنه المسيا المنتظر إبن الله ، أى الله المتجسد0 ع 17 : " لحماً ودماً " : أى إنسان0 " أبى الذى فى السماوات " : بروح الله ، فهو إعلان من السماء بقوة الله ، لأن الإيمان بالمسيح المتجسد يعلو عن العقل والمنطق البشرى0مدح المسيح إيمان بطرس الذى أعلنه ، وواضح أن ذلك بنعمة الله ، وليس من منطق بشرى ، لأن سر التجسد يفوق العقل ؛ فكيف يتنازل الله بحبه واتضاعه ليتحد ببشريتنا ؟! ع 18 : أكد المسيح أهمية هذا الإيمان المعلن ، إذ على صخرة الإيمان تُبنَى الكنيسة ، فأساس عضوية أى إنسان بالكنيسة ، هو إيمانه بأن المسيح هو الله0وأعلن أنه لا سلطان لإبليس والجحيم على الكنيسة ، إذ ينتقل أولادها ، المؤمنون ، بعد هذه الحياة إلى فردوس النعيم وملكوت السماوات0ولم يقل له أنت صخرة ، بل قال : " أنت بطرس " ، ليوضح أن الصخرة هى صخرة الإيمان التى تُبنَى عليها الكنيسة ، وليس بطرس0 ع 19 : " مفاتيح " : شبّه الكنيسة بكنز مغلق عليه ، وأعطى المفاتيح للرسل وخلفائهم من الأساقفة والكهنة ، ليعطوا من الله حِلاً بالغفران لمن يتوب ، أو ربطاً ومنعاً عن الأسرار المقدسة لمن يرفض التوبة0 " ملكوت السماوات " : أى الكنيسة ، حيث يملك الله على قلوب أولاده المؤمنين ، وتمتد هذه الكنيسة إلى الأبد0إذ قد تحدث المسيح عن الكنيسة التى يعمل فيها الروح القدس ، أعلن سر الإعتراف الذى فيه يعطى السلطان للرسل ، وهو سلطان الحِل والربط0فكل من يصر على خطاياه يربطون خطاياه عليه ، فلا يستحق التناول من الأسرار المقدسة ، وكل من يتوب ويعترف بها ، يحلونه منها ويناولونه الأسرار0أعطى المسيح هذا السلطان لبطرس ممثلاً لكهنوت العهد الجديد ، أى لكل التلاميذ وخلفائهم من الأساقفة والكهنة ، وسيكرر نفس السلطان مرة أخرى فى ( ص 18 : 18 )0وهذا أول إعلان واضح عن تأسيس سر التوبة والإعتراف ، أحد أسرار الكنيسة السبعة ، وأعلنه مبكراً لأهميته ، إذ أن التوبة مدخل للحياة الروحية كلها0 ع 20 : بعد إعلانه الواضح عن لاهوته ، أوصى تلاميذه ألا يتحدثوا عن هذا الأمر مع الجموع ، لئلا يثيروا حسد الفرّيسيّين والرؤساء الدينيين ، فيعطلوا إيمان الشعب به0وبعد إتمام الفداء على الصليب ، وإعلان قيامته ، يثبّت هذا الحديث إيمانهم0 + إيمانك بالمسيح يجعلك لا تنزعج من تقلبات العالم ، بل تفرح بعِشرته ، وتستعد للوجود الدائم معه فى ملكوته السماوى ، ويدفعك أيضاً إلى خدمته لجذب النفوس البعيدة حتى تدخل ملكوته0 (4) ضرورة حمل الصليب ( ع 21 - 28 ) : ع 21 : " الشيوخ " : رؤساء اليهود ، أعضاء مجمعهم الأعلى وهو السنهدريم ( ص 5 : 21 - 22 )0 " رؤساء الكهنة " : رئيس الكهنة الحالى ، والرؤساء القدامى ، ورؤساء فِرق الكهنة0 " الكتبة " : ناسخى الناموس ومعلميه0بعدما أعلن المسيح لاهوته لتلاميذه ، وتأسيس كنيسته التى تثبت إلى الأبد ، كان ضرورياً أن يعلن ثمن إقامة هذه الكنيسة ، أى سفك دمه على الصليب0فأوضح لتلاميذه ضرورة الآلام التى يتقبلها من شيوخ الكهنة ، والتى تؤدى فى النهاية إلى موته ليفدى البشرية ؛ ولكنه يقوم بعد ذلك فى اليوم الثالث0فبعدما عرفوا لاهوته ، يمكنهم فهم قيامته ، ولا ينزعجوا من آلامه0 ع 22 - 23 : " أخذه " : ظن بطرس أن كلمات المسيح عن آلامه ، نوع من الإنفعال نتيجة كثرة مقاومة اليهود له ، فحاول أن يمنع المسيح من التحدث بهذا الكلام ، لئلا يؤثر على باقى التلاميذ بالحزن واليأس0 " ينتهره " : يحاول منعه من الإستمرار فى هذه الأحاديث0 " حاشاك " : كان بطرس مؤمناً بلاهوته ، ولم يفهم هو وباقى التلاميذ فكرة الفداء ، ورأى أن الآلام تتعارض مع قوته0 " يا شيطان " : لأن تفكيره شيطانى ، إذ يفكر فى المملكة الأرضية ، وليس المُلك السماوى0 " معثرة " : تحاول يا بطرس تعطيل فداء البشرية0 " بما للناس " : أى المُلك الأرضى ، وليس فكر الله وهو فداء البشرية0تأثر التلاميذ لما سيعانيه المسيح ، لأنه هدم فكرة الملكوت الأرضى ، التى اعتقدوا بها مع باقى اليهود ، واندفع بطرس ليمنع المسيح من تسليم نفسه للكهنة بذهابه إلى أورشليم0أما المسيح ، فانتهر بطرس لأنه يعطل فداء البشرية ، وذلك لتمسكه بالمُلك الأرضى ، ومكانته فى هذا الملكوت ، متناسياً الأهم وهو ملكوت السماوات0 ع 24 - 25 : أعلن المسيح شرطىِّ تبعيته ليصير الإنسان عضواً فى هذه الكنيسة ، وهما : (1) إنكار النفس ، أى الإتضاع0 (2) حمل الصليب ، أى احتمال الآلام لأجل التمسك بالإيمان ووصايا الله0 وإذ بدا الطريق صعباً ، أوضح المسيح أن تخليص النفس من خطايا العالم يلزم إهلاكها ، بمعنى رفض وقتل كل شهوة رديّة فى النفس ، ومن يُهلك نفسه ، أى يحمل الصليب لأجل المسيح ، ينقذها من الضياع فى شرور العالم ، ويجد لها مكاناً فى الملكوت0 ع 26 : من الناحية الأخرى ، لو استباح الإنسان لنفسه شهوات العالم ، ولو تصورنا أنه مَلَكَ كل شهوة فيه ، سيخسر أبديته ، وبهذا يكون قد أضاع كل شئ ، لأن هذه النفس ليس ما يساويها أو يعوضها ، فللإنسان نفس واحدة لا يستطيع أن يجد غيرها ، وهى أغلى من كل ممتلكات العالم وشهواته ، وثمنها هو دم المسيح المسفوك لأجلها ، فلا يمكن أن يضيع الإنسان أغلى شئ فى الوجود ، وهو نفسه ، لأجل أية شهوات مادية مؤقتة0 ع 27 : " ابن الإنسان " : لا يستحى المسيح أن يدعو إسمه فى السماء إبن الإنسان ، فكما شاركنا فى الضعف بالجسد على الأرض ، يشركنا معه فى المجد السماوى ، ويظل بيننا كبكر بين إخوة كثيرين0ينبههم المسيح هنا ليوم الدينونة ، حين يأتى فى مجد أبيه مع ملائكته ، ويحاسب كل إنسان على إيمانه ، ومحبته له ، وكل أعماله0فهو بهذا يُطمئن أتباعه أن ما يعانونه على الأرض ، سيأخذون مكافأته يوم الدينونة0وعلى العكس ، الأشرار الذين تلذذوا بالخطية ، سيعاقَبون فى ذلك اليوم0 ع 28 : مجئ إبن الإنسان فى ملكوته ، قد يُقصد به تجليه على الجبل أمام تلاميذه الثلاث : بطرس ويعقوب ويوحنا0وقد يكون المقصود إنتشار الإيمان بالمسيح ومُلكه على القلوب فى بلاد العالم المختلفة ، وهذا قد عاينه كثير من التلاميذ الذين عاشوا مدة طويلة ، مثل يوحنا الحبيب الذى عاش إلى قرب نهاية القرن الأول0 + لا تنبهر بشهوات العالم الزائلة ، أو تنشغل بهمومه واحتياجات الجسد0ولا تكن مقاييسك مادية مثل باقى الناس ، بل اطلب خلاص نفسك بنمو علاقتك مع الله وخدمة الآخرين ، مفضلاً عمل الرحمة عن راحتك ، وتقبّل بفرح كل الآلام التى يسمح بها الله لك ، مدرباً نفسك كل يوم على ضبط شهواتك واستخدام كل شئ بمقدار ، حتى تنطلق مشاعرك بالحب نحو الله ، وتُعد نفسك للأبدية0
مصادر أخرى لهذا الإصحاح