كلمة منفعة
كثيرون يجذبهم إغراء العدد، أي عدد!ويظنون أن النجاح في الحياة يعتمد على العدد..!
— إغراء العدد
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
انجيل معلمنا متى - الاصحاح رقم 12
انجيل معلمنا متى
الإصحاح رقم 12
الأصحاح الثاني عشر :
مفَاهيم الملكوت الجَديد
بعد أن تحدّث عن رفض البعض للملكوت الجديد وقبول البسطاء له بدأ يحدّثنا عن مفاهيم هذا الملكوت من جهة العبادة (السبت)، والسلوك (الوداعة)، والجهاد ضدّ الشيّاطين، والخلاص.
1. مفهوم السبت الجديد 1-13.
2. الوداعة الغالبة 14-21.
3. الغلبة على الشيطان 22-37.
4. مفهوم الآية 38-45.
5. اتّحادنا معه 46-50.
1. مفهوم السبت الجديد
لما كان للسبت أهميته الخاصة عند اليهود، وقد فهموه بمفهوم حرفي قاتل لهذا قدّم السيّد المفهوم الروحي الجديد للسبت. قد سبق لنا معالجة موضوع السبت في أكثر من موضع.
سمح السيّد لتلاميذه أن يقطفوا سنابل ويأكلون، الأمر الذي أثار الفرّيسيّين، إذ يقول الإنجيلي: "في ذلك الوقت ذهب يسوع في السبت بين الزروع، فجاع تلاميذه، وابتدأوا يقطفون سنابل ويأكلون. فالفرّيسيّون لما نظروا قالوا له: هوذا تلاميذك يفعلون مالا يحلّ فعله في السبت" [1-2].
لقد سمحت الشريعة بقطف سنابل الغير "إذا دخلت زرع صاحبك فأقطف سنابل بيدك، ولكن منجلاً لا ترفع على زرع صاحبك" (تث 23: 25). فمن أجل المحبّة سمح الله للإنسان في جوعه أن يقطف سنابل ليأكل، لكنّه لا يستغل المحبّة فيستخدم المنجل. لهذا لم يعترض الفرّيسيّون على قطف السنابل في حد ذاته، وإنما لأجل عمل ذلك يوم السبت، إذ اعتبروا هذا نوعًا من الحصاد والتذرية وهما أمران ممنوعان يوم السبت.
أراد السيّد أن يرتفع بهم إلى ما فوق المفهوم الحرفي للسبت كاشفًا لهم أنه حتى في السبت كان الله يسمح بأمور تبدو في حرفيّتها محرَّمة؛ من ذلك:
أولاً: تصرّف داود النبي والملك: "أمّا قرأتم ما فعله داود حين جاع هو والذين معه. كيف دخل بيت الله وأكل خبز التقدّمة الذي لم يحلّ أكله له ولا للذين معه بل للكهنة فقط" [3-4]. إن كان أكل خبز التقدّمة خاص بالكهنة وحدهم (لا 24: 5-9)، فإن داود النبي يحسب من الجانب الحرفي كاسرًا للوصيّة (1 صم 21: 1-6)، لكن الله لا ينظر للعمل في مظهره الخارجيّة، وإنما في الغاية الداخليّة للقلب. لم يكن داود متهاونًا بالوصيّة ولا متراخيًا، ولكن لم يكن أمامه طريق آخر فلم يُحسب بأكلِه هو ومن معه من هذا الخبز كاسرين للوصيّة.
ثانيًا: تصرّف الكهنة: "أمّا قرأتم في التوراة أن الكهنة في السبت في الهيكل يدنِّسون السبت وهم أبرياء. ولكن أقول لكم أن ههنا أعظم من الهيكل" [5]. إن كان الكهنة في العهد القديم لم يتوقّفوا عن العمل يوم السبت، بل كان العمل يتزايد، إذ تُكثر بالتقدمات والذبائح في ذلك اليوم ويكثر المتعبّدون، كانوا يقومون بأعمال لو قام بها إنسان خارج الهيكل لحُسبت تدنيسًا للسبت، فمن أجل كرامة الهيكل وتحقيق رسالته لم يتوقّف هؤلاء عن العمل، بل يُحسب توقّفهم إهمالاً في حق الهيكل. هذا بخصوص الهيكل القديم فماذا إن كان السيّد نفسه الساكن في الهيكل قد حلّ على الأرض، ألا يصير سبتنا الحقيقي هو العمل الدائم لحساب رب الهيكل؟ إذن فالسبت ليس راحة جسديّة تنبع عن توقُّف عن العمل، إنّما هو راحة تصدر عن عملنا المستمر بالمسيح يسوع ربّنا رب الهيكل وسرّ راحتنا.
ثالثًا: ما جاء في هوشع النبي (6: 6) "فلو علمتم ما هو، إني أريد رحمة لا ذبيحة، لما حكمتم على الأبرياء. فإن ابن الإنسان هو رب السبت أيضًا" [7-8]. لقد وضع الرب جذور الفكر الروحي لمفهوم العبادة والطقس في العهد القديم بالقول: "إني أريد رحمة لا ذبيحة، ومعرفة الله أكثر من محرقات" (هو 6: 6). فمع ما للذبيحة من أهمّية يلتزم بها شعب الله، لكن الله لا يريد الشكل الخارجي، إنّما ما تحمله الذبيحة من سرّ المحبّة والرحمة. هكذا إن كان تنفيذ وصيّة حفظ السبت هي ذبيحة طاعة لله، فإن الله يريد جوهر الطاعة ألا وهو الحب والرحمة.
إذن لم يكسر السيّد المسيح السبت بل قدّسه بقوله عن نفسه أنه "رب السبت"، وذلك كما يلذ أن يقول الله عن نفسه: "إله إبراهيم وإله اسحق وإله يعقوب"، هكذا يلقب السيّد نفسه "رب السبت"، وهو بهذا لا يحطّم وصيّة السبت بل يكشف أعماقها. حقًا لقد ركّز العهد القديم على حفظ السبت بدقّة بالغة، فحين وجد الشعب رجلاً يحتطب حطبًا في البرّيّة يوم السبت صدر الأمر الإلهي لموسى: "قتلاً يُقتل الرجل، يرجمه بحجارة كل الجماعة خارج المحلّة" (عد 15: 35). وقد سبق لنا الحديث عن أهمّية السبت والعبور إلى المسيح نفسه كسرّ سبتنا الحقيقي، الذي فيه يستريح الآب من جهتنا ونحن نستريح فيه من جهة الآب.
يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [حقًا لقد حقّق السبت منافع كثيرة وعظيمة، فجعلهم على سبيل المثال مترفّقين بالعاملين في بيوتهم يحملون لهم الروح الإنسانيّة، وعلّمهم عن عناية الله بخليقته كما جاء في حزقيال (20: 12)، وأيضًا درَّبهم بالتدريج على الامتناع عن الشرّ، مقنعًا إيّاهم أن يهتمّوا بالروحيّات.]
كان السبت هو العيد الأسبوعي يحتفلون به ليعبر بهم إلى الراحة الروحيّة الحقيقيّة، وكما يقول القدّيس يوحنا الذهبي الفم: [لنحفظ العيد على الدوام ولا نفعل شرًا، فإن هذا هو العيد. لتكن أمورنا الروحيّة قويّة، تاركين (الاهتمام) بالأمور الأرضيّة لننعم بالراحة الروحيّة، محجمين عن أعمال الطمع، منسحبين بجسدنا عن الأتعاب الزائدة غير النافعة كما فعل الشعب اليهودي بانسحابهم عن المعاناة التي سقطوا تحتها في مصر.] فالسبت القديم في ذهن القدّيس يوحنا الذهبي الفم هو امتناع عن العمل وكأنه تحرّر من عمل العبوديّة الذي عاناه الشعب قديمًا في مصر، أي انسحاب من عمل اللبن، أو هو خروج مستمر، أمّا السبت الجديد فهو دخول إلى أرض الموعد وتنعم بالمواعيد الإلهيّة. إنه ليس توقُّفًا عن عمل العبوديّة فحسب، وإنما هو ممارسة العمل الروحي في أرض كنعان. لهذا يقول: [يلزمنا ليس فقط أن نُخلِّص من مصر (رمزيًا)، وإنما أن ندخل أرض الموعد.]
نعود إلى تصرّف التلاميذ، فإنهم عبروا إلى الزرع السماوي في السبت الجديد، واقتطفوا "المسيح" السنبلة الحقيقيّة كطعام سماوي يشبع النفس ويعولها. ما فعلوه كان باسم الكنيسة كلها، حيث تدخل بالروح القدس إلى المذبح الإلهي، لتتقبّل سنبلة "الإفخارستيا" كعطيّة إلهيّة تقتات بها، لكي تبلغ إلى الكمال فتتهيّأ للمسيح يسوع عريسها الأبدي.
أراد السيّد تأكيد هذا المفهوم الروحي للسبت بشفائه اليد اليابسة في يوم السبت. ليس فقط التلاميذ هم الذين قاموا بالعمل في السبت بقطفهم السنابل وينعموا بالراحة خلال التناول من السنبلة الإفخارستية، وإنما قام السيّد نفسه بالعمل، فيجد راحته في تقديم محبّته الإلهيّة لنا، لتحويل الطبيعة البشريّة اليابسة إلى مصدر عمل دائم. وكأنه في السبت يستريح الإنسان في الرب، ويستريح الرب فينا. الله هو واهب الشفاء، يُقيم من اليبوسة حيوِيّة، فيتقبّل الإنسان ذلك ليعمل بالإمكانيّة الجديدة بلا توقف.
كان اليهود في حرفيّتهم يمتنعون عن العمل في يوم السبت، حتى في الدفاع عن أنفسهم وعن بلدهم وعائلاتهم، الأمر الذي استغلّه أنتيخوس فقاتلهم وأهلك الكثيرين منهم (1 مك 2: 31-38). فلا نعجب إن رأينا بعض المتزمّتين يسألونه: "هل يحلّ الإبراء في السبوت؟" [10] لم يكن هذا التساؤل من أجل المعرفة، وإنما استنكارًا لتصرفاته واتّهامًا له. أمّا هو فأجابهم ليس دفاعًا عن نفسه، وإنما بقصد الدخول بهم إلى معرفة ملكوته، محدِّثًا إيّاهم برقةٍ ليُثير فيهم روح الشفقة والحنان، إذ قال: "أيّ إنسان منكم يكون له خروف واحد، فإن سقط هذا في السبت في حفرة أفما يمسكه ويقيمه؟ فالإنسان كم هو أفضل من الخروف. إذًا يحلّ فعل الخير في السبوت" [11-12]. يُقال أن رئيس المجمع قد سقط له خروف في حفرة في نفس اليوم وأقامه، وكأن السيّد قد أراد أن يوبّخه معلنًا له أن الإنسان أفضل من الخروف.
2. الوداعة الغالبة
"فلما خرج الفرّيسيّون تشاوروا عليه لكي يهلكوه. فعلم يسوع وانصرف من هناك وتبعته جموع كثيرة فشفاهم جميعًا، وأوصاهم أن لا يظهروه" [ 14-16].
أرادوا بحسدهم أن يهلكوه، فإذا بهم يُهلكون أنفسهم، إذ حرِّموا أنفسهم بأنفسهم منه بانصرافه من هناك، فحرموا من "الحياة". هكذا حينما يمتلئ القلب حسدًا لا يطيق السيّد أن يبقى فيه، يتركه لهلاكه الذاتي. ويُعلّق القدّيس يوحنا الذهبي الفم على تصرفهم هذا بقوله: [إنك لا تضر من تحسده وإنما تضرب داخلك بالسيف.] لما حسد إخوة يوسف أخاهم تمجّد هو، أمّا هم ففقدوا سلامهم.
يتحدّث الأب أفراهات عن الحسد قائلاً: [يقوم الحسد بين الأزواج والزوجات فينشأ الأطفال عصاة لوالديهم!...بالحسد يقتل الإنسان أخاه بلسانه، ويسحب آخر إلى الهلاك بغير رحمة.] هذا القتل وذاك الهلاك في الواقع يرتدّ إلى الحاسد نفسه، إذ يفقد نعمة الله وسلامه السماوي. يقول القدّيس باسيليوس الكبير: [ليس شيء ينبع من النفس أكثر تدميرًا مثل ألم الحسد، فبينما لا يضر الآخرين تكون سطوته الشرّيرة على وجه الخصوص على النفس التي تتقبّله. كما يفسد الصدأ الحديد، هكذا يبدّد الحسد النفس التي يسكنها ويهلكها تمامًا. كما أن الأفاعي يقال عنها أنها تولد بالتهامها أحشاء أمِّها، هكذا يلتهم الحسد النفس التي تلده. الحسد هو ألم ينبع عن نجاح الغير، لهذا فإن الحاسد لن يعيش بغير ألم ولا تفارقه كآبة الذهن.]
إذ التهبت نيران الحسد في قلوب الفرّيسيّين أرادوا قتل السيّد المسيح، وكعادته لم يقف أمام الشرّ ليقاومه بل "انصرف من هناك"، مقدّمًا لنا دستورًا حيًا لمواجهة مضايقات الآخرين لنا وهو الهروب من الشرّ ما أمكن، كما رأينا في الهروب إلى أرض مصر وفي حديثه مع تلاميذه (مت 10: 23).
لقد طالب السيّد تلاميذه أن يهربوا من المدينة التي يُطردون منها ولا يقفوا أمام المضايقين، وقد دافع البابا أثناسيوس الرسولي عن هروبه من أمام وجه الأريوسيّين، وجاء في قوانين القدّيس بطرس خاتم الشهداء لأنه لا يليق إثارة المقاومين حتى لا تلتهب نار الضيق، فيقول... [لعلّهم لم يعرفوا أن رب البيت ومعلّمنا الأعظم كثيرًا ما كان ينسحب بعيدًا عن الذين ألقوا له الشباك، بل وأحيانًا لا يسير علانيّة بسببهم. وفي وقت آلامه انسحب، ولم يسلّم نفسه لهم منتظرًا مجيئهم إليه بسيوف وعصيّ، قائلاً لهم: "كأنه على لص خرجتم بسيوف وعصيّ لتأخذونني" (مت 26: 55)، وهم "أسلموه" إلى بيلاطس (مت 27: 2). وما حدث معه تكرّر مع تلاميذه المتمثلين به، متذكِّرين كلماته الإلهيّة التي نطق بها ليثبِّتنا وقت الاضطهاد، قائلاً: "اِحذروا من الناس، لأنهم سيسلّمونكم إلى مجالس وفي مجامع يجلدونكم" (مت 10: 17). يقول إنهم يسلّموننا لا أن نسلِّم نحن أنفسنا. إنكم تقدَّمون أمام ولاة وملوك من أجلي، لا أنتم الذين تقدِّمون أنفسكم. إنه يريدنا أن نعبر من موضع إلى موضع حيث يوجد المضطهِّدون وذلك من أجل اسمه.]
قابل السيّد المسيح ثورة الأشرار وطلبهم هلاكه بالانصراف عن موضع الشرّ، لا ليستكين وإنما ليقدّم الحب للجميع خلال العمل بلا انقطاع؛ يسكب عطفه وحنوُّه على كل أحد، عاملاً بوداعة، مهتمّا بكل نفس مهما كانت محطّمة وأيا كانت جنسيتها. يقول الإنجيلي: "وتبعته جموع كثيرة فشفاهم جميعًا. وأوصاهم أن لا يظهروه. لكي يتمّ ما قيل بإشعياء النبي القائل. هوذا فتاي الذي اخترته، حبيبي الذي سُرَّت به نفسي. أضع روحي عليه، فيخبِر الأمم بالحق. لا يصيح ولا يسمع أحد في الشوارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف، وفتيلة مدخنة لا يُطفئ، حتى يخرج الحق إلى النصرة. وعلى اسمه يكون رجاء الأمم" [15-21].
هكذا يركّز الإنجيلي على نبوّة إشعياء النبي التي تتحقّق في شخص المسيّا، مؤكدًا لنا أنه:
أ. المختار لتتميم الخلاص.
ب. فيه يسرّ الآب بنا.
ج. مشتهى الأمم ورجائهم.
د. بالوداعة يهب النصرة.
ه. يترفّق بكل ضعيف.
يقول الآب عن المسيّا المخلّص "هوذا فتاي الذي اخترته، حبيبي الذي سُرَّت به نفسي"، فإن كان الآب قد اختار ابنه الوحيد ليتمّم الخلاص، معلنًا كمال الحب الإلهي فإنّنا إذ ندخل فيه وننعم بالعضويّة في جسده نصير نحن أيضًا مختارين من الآب موضع حبّه وسروره! يقول الرسول بولس "مبارك الله أبو ربّنا يسوع المسيح الذي باركنا بكل بركة روحيّة في السماويّات في المسيح، كما اختارنا فيه قبل تأسيس العالم، لنكون قدّيسين وبلا لوم قدّامه في المحبّة، إذ سبق فعيَّننا للتبنّي بيسوع المسيح لنفسه، حسب مسرَّة مشيئته" (أف 1: 3-5).
بمعنى آخر إن كان السيّد المسيح لا يقاوم الشرّ بل يغلبه بالخير، مقدّمًا الحب عِوض كراهيتّهم وحسدهم، فإنّنا نحن أيضًا إذ نقبل الاتّحاد مع أبيه فيه، نظهر كمختاري الله، ونقف أمام الآب بلا لوم حاملين قداسة المسيح، بكوننا أعضاء جسده الذي بلا لوم والمقدّس، فيدعونا الآب أبناء له خلال ثبوتنا في ابنه الوحيد، ويُسرّ بنا كأحبًاء له تحقّقت فينا مشيئته الصالحة.
إن كان الآب يدعو ابنه الوحيد: "حبيبي الذي سُرَّت به نفسي". فإن كل من يجد له موضعًا في الابن يسمع هذه الكلمات الإلهيّة موجّهة إليه شخصيًا، ويُحسب حبيب الله.
يقول: "أضع روحي عليه فيُخبر الأمم بالحق". من هو روح الآب إلا روح الابن؟ لقد أرسل الآب روحه القدّوس على القدّيسة مريم ليهيّئ عمليّة التجسّد الإلهي، وأرسل روحه القدوس ليصعد به إلى الجبل، ليدخل في المعركة الحاسمة مع إبليس على جبل التجربة. إنه روح الابن الذي لن ينفصل قط عنه، هذا الذي منذ الأزل ينبثق من عند الآب ويستقر فيه! وها هو يقدّم لنا روحه القدّوس بعد أن تمّم الفداء وارتفع إلى يمين العظمة، حتى نحمل نحن رسالة المسيح نفسه "نُخبر الأمم بالحق". بالصليب أعلن السيّد بالحق، مقدّمًا كمال الحب الإلهي للبشريّة، دافعًا ثمن خطايانا حتى الفلس الأخير. بقيَ لنا أن نعمل بروحه لنشهد للحق الذي قدّمه الابن الوحيد لنا!
لا يقدر أحد أن يخبر بالحق في كماله إلا الابن المصلوب، لذا فإن عمل الكنيسة في كرازتها هو تقديم المسيح نفسه - بالروح القدس - لإعلان الحق! لهذا لا نعجب إن سمعنا السيّد يقول: "أنا هو الحق". وكأنه لا عمل لنا إلا أن نقبله فينا ونشهد له، أي نقدّمه للآخرين بحياتنا فيه، فننعم بالحق وينعم الآخرون به!
لقد ظنّ اليهود أن الحق لا يُعلن إلا بالقوّة الزمنيّة أو استخدام العنف، فتوقّعوا في المسيّا ملكًا أرضيًا وقائدًا محنكًا يقدر أن يغتصب الدول لحساب إسرائيل، مقيمًا مملكة داود لتسود العالم كله! هذا الفكر المادي تسلّل إلى فكر القادة والشعب، لذا أراد السيّد تصحيح مفهومهم بكل وسيلة وفي أكثر من مناسبة. هنا يؤكّد السيّد أن سرّ غلبته ونصرته هو إعلان الحق خلال الوداعة المملوءة حبًا: "لا يصيح ولا يسمع أحد في الشوارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصِف، وفتيلة مدخّنة لا يُطفئ، حتى يخرج الحق إلى النصرة، وعلى اسمه يكون رجاء الأمم".
إن كانت الخطيّة قد جرحت البشريّة وحطّمتها فلا يكون خلاصها بالعنف والقوّة الزمنيّة، بل بروح الوداعة الهادئ المملوء حبًا وترفُّقًا. تحتاج البشريّة إلى مخلّص لا ليدينها، وإنما يترفّق بها ويسند كل قصبة مرضوضة حتى تستقيم، ويعين كل فتيلة مدخِّنة حتى تلتهب، يتأنّى على الجميع حتى يقبلوا الحق خلال الحب، ويمتلئوا رجاءً عِوض اليأس الذي حطّمهم!
لقد حمل الرسول بولس روح سيّده حين كتب: "شجّعوا صغار النفوس، اِسندوا الضعفاء، تأنّوا على الجميع" (1 تس 5: 14). يقول أيضًا القدّيس أمبروسيوس: [يا رب هب لي أن تكون سقطات كل إنسان أمامي، حتى احتملها معه، ولا انتهره في كبرياء، بل أحزن وأبكي. ففي بكائي من أجل الآخرين أبكي على نفسي، قائلاً: "هي (ثامار) أبرّ مني" (تك28: 26).] ويقول القدّيس يوحنا الدرجي: [أيها الراعي النشيط، أطلب الضال، واحمله على منكبيك بفرح، فتقدر على شفاء الأمراض المميتة المؤلمة، فالمحبّة تعظِّم الجبابرة وهى موهبة الطبيب.]
3. الغلبة على الشيطان
بعد أن قدّم مفهومًا جديدًا للعبادة والسلوك الروحي الحق أعلن مفهوم الغلبة على الشيطان بشفائه مجنون أعمى وأخرس، إذ يقول الإنجيلي: "حينئذ أُحضِر إليه مجنون أعمى وأخرس، فشفاه حتى أن الأعمى الأخرس تكلَّم وأبصر. فبهت كل الجموع وقالوا: ألعلّ هذا هو ابن داود؟!" [22-23]. لقد أدركت الجموع أنه "ابن داود" المسيّا الملك، القادر أن يُخرج الروح الشرّير الذي حرَم هذا الرجل من عقله وبصره ونطقه. فبقيام مملكة المسيّا يُعلن انهيار مملكة الشيطان، التي تُفقد الإنسان فكره السليم وتعمي بصيرته الروحيّة عن رؤية السماويات وتُخرس لسانه فلا ينطق بالتسبيح.
بينما رأى الشعب في هذا التصرّف إعلانًا لمملكة المسيّا ابن داود، إذ بالفرّيسيّين يجدّفون عليه: "أمّا الفرّيسيّون فلما سمعوا قالوا هذا لا يخرج الشيّاطين إلا ببعلزبول رئيس الشيّاطين. فعلم يسوع أفكارهم، وقال لهم: كل مملكة منقسمة على ذاتها تخرب، وكل مدينة وبيت منقسم على ذاته لا يثبت. فإن كان الشيطان يُخرج الشيطان، فقد انقسم على ذاته فكيف تثبت مملكته؟ وإن كنتُ أنا ببعلزبول أُخرج الشيّاطين، فأبناؤكم بمن يُخرِجون؟ لذلك هم يكونون قضاتكم. ولكن إن كنتُ أنا بروح الله أُخرج الشيّاطين، فقد أقبل عليكم ملكوت الله. أم كيف يستطيع أحد أن يدخل بيت القوي وينهب أمتعته إن لم يربط القوي أولاً، وحينئذ ينهب بيته؟من ليس معي فهو عليّ، ومن لا يجمع معي فهو يفرِّق. لذلك أقول لكم كل خطيّة وتجديف يُغفر للناس. وأما التجديف على الروح فلن يُغفر للناس. ومن قال قال كلمة على ابن الإنسان يُغفر له، وأما من قال على الروح القدس فلن يُغفر له، لا في هذا العالم ولا في العالم الآتي. اجعلوا الشجرة جيّدة وثمرها جيد... الخ." [24-33].
لقد أعطى القدّيس أغسطينوس اهتمامًا خاصًا بهذا الفصل، وذلك لأن البعض يسيء فهم "التجديف على الروح القدس" فيغلقون باب الرجاء أمام الكثيرين وأمام أنفسهم، إذ يتشكّكون أنهم سقطوا فيه، الأمر الذي يحرمهم من المغفرة. وإنّني إذ أقدّم موجزًا لكلمات القدّيس بعد تقسيم كلماته إلى ستّة بنود أود أن أُوضِّح مقدّمًا أن التجديف على الروح في حقيقته هو الإصرار على عدم التوبة، فيخطئ الإنسان ضدّ الروح القدس الذي به تكون وحدة الكنيسة وتحقيق الشركة بين أعضائها بعضهم البعض في المسيح يسوع ربّنا، وبهذا يَحرم الإنسان نفسه من ينبوع المغفرة، ويستحق الإدانة بسبب الروح المنقسم على ذاته.
يحدّثنا القدّيس أغسطينوس في هذا الفصل عن:
أولاً: المسيح ليس ببعلزبول رئيس الشيّاطين.
ثانيًا: مملكة الشيطان، لا الكنيسة منقسمة على ذاتها.
ثالثًا: هل يوجد إنسان لم يجدّف على الروح القدس؟
رابعًا: هل يُقصد بالتجديف المعنى الشامل أم الخاص؟
خامسًا: ما هو المعنى الخاص الذي قصده الرب بالتجديف؟
سادسًا: الظروف المحيطة التي نطق فيها السيّد بهذه الكلمات.
أولاً: المسيح ليس ببعلزبول
يقول القدّيس أغسطينوس: [حتى لا يَحسب الفرّيسيّون أن يسوع المسيح برئيس الشيّاطين يخرج الشيّاطين يلزمهم أن ينصتوا إلى قوله: "إن كنتُ أنا ببعلزبول أُخرج الشيّاطين فأبناؤكم فبمن يُخرجون؟ لذلك هم يكونون قضاتكم" [27]. بلا شك يقصد بهم تلاميذه، هؤلاء الذين هم من أبناء هذا الشعب. فمن المؤكد تمامًا أنهم لم يتلقَّنوا شيئًا من الفنون الشيطانيّة من سيّدهم الصالح حتى يمكنهم التسلّط على الشيّاطين، لذلك قال لهم: "هم يكونون قضاتكم". إنهم أوفياء، من أقل الطبقات، لا يعرفون الحقد بل يتّسمون ببساطة قوّتي المقدّسة. إنهم شهود لي وقضاة عليكم، لذلك أضاف: "ولكن إن كنتُ أنا بروح الله أُخرج الشيّاطين فقد أقبل عليكم ملكوت الله"... فإن كنتُ أنا بروح الله أُخرج الشيّاطين فأبناؤكم الذين لم أُعلّمهم أي تعليم مخادع وإنما ببساطة الإيمان فقط يُخرجون الشيّاطين... لذلك سيُقبل عليكم ملكوت الله وتهلك مملكة الشيطان وأنتم تهلكون معها.]
بقوله: "فأبناؤكم بمن يُخرجون؟" يظهر لهم أنهم يفعلون ذلك بحسب نعمته وليس كاستحقاقهم. لذلك يقول: "أم كيف يستطيع أحد أن يدخل بيت القوي وينهب أمتعته، إن لم يربط القوي أولاً وحينئذ ينهب أمتعته؟" فأبناؤكم الذين آمنوا به والذين سيؤمنون به يُخرجون الشيّاطين ببساطة القداسة وليس بقوة بعلزبول. إنهم بلا شك كانوا أشرّارًا وخطاة مثلكم، فإذ كانوا في بيت الشيطان وآنية له، فكيف يستطيعون الخلاص منه هذا الذي ربطهم بالظلمة وتسلّط عليهم، ما لم يكن قد ربطه الرب بسلاسل عدالته وأخذ منه الآنية التي كانت للسخط وجعلها للرحمة؟ هذا هو عين ما قاله الرسول الطوباوي عندما زجر المتكبّرين المتّكلين على برِّهم الذاتي، قائلاً: "لأنه من يميّزك؟" (1 كو 4: 7)، أي من يميّزك من الهلاك الأبدي الموروث عن آدم، أو من يحوِّلك عن كونك إناءً للسخط؟ فإذ لا يستطيع أحد أن يجيب بأنه ببرّه الذاتي يتغيّر عن كونه إناءً للسخط، لذلك يضيف الرسول "وأي شيء لك لم تأخذه؟" يتحدّث الرسول بولس عن تغيير نفسه من كونه إناءً للسخط بقوله "وكنا بالطبيعة أبناء غضب كالباقين أيضًا" (أف 2: 3). فقد كنت مضطهدًا للكنيسة، "كنت مجدّفا ومقاومًا وحاقدًا وحاسدًا، كنت إناءً في منزل ذلك القوي في الشرّ، ولكن المسيح الذي ربط هذا الشيطان القوي أخذ آنية الهلاك وجعلها آنية مختارة".
هكذا يؤكّد السيّد المسيح أنه ليس ببعلزبول رئيس الشيّاطين يخرج الشيّاطين، إنّما وهو ابن الله الوحيد يعمل بروحه القدّوس، أمّا علامة ذلك فتظهر في حياة التلاميذ البسطاء الذين عاش في وسطهم ويدركون كل حياتهم الماضية، وها هم يحملون قوّة وسلطانًا، الأمر الذي يؤكّد ظهور "ملكوت الله". يقول السيّد: "ولكن إن كنتُ بإصبع الله أُخرج الشيّاطين، فقد أقبل عليكم ملكوت الله". لقد ظهر السيّد بيننا يحطّم مملكة الشيطان ويقيم مملكة الله الروحيّة، السلطان الذي مارسه لحسابنا جميعًا، ووهبه لتلاميذه حتى يُعلن ملكوت الله في كل الأمم.
يقول البابا كيرلّس الكبير: [حسنًا قال: "قد أقبل عليكم ملكوت السماوات"، بمعنى أنّني إذ صرتُ إنسانًا مثلكم وأُخرج الشيّاطين بروح الله، فبهذا اِغتنت البشريّة فيّ من ملكوت السماوات، إذ نالت مجدًا بطرد الشيّاطين وانتهار الأرواح الشرّيرة.] ويقول القدّيس أمبروسيوس: [لقد أظهر بذلك وجود سلطان ملوكي للروح القدس (إصبع الله)، ونحن أيضًا إذ يسكن الروح القدس فينا نصير مسكنًا ملوكيًا، لذلك ففي موضع آخر يقول: "ملكوت الله داخلكم" (لو 17: 21).]
ثانيًا: مملكة الشيطان، وليست الكنيسة منقسمة على ذاتها
يقول القدّيس أغسطينوس بأن كنيسة المسيح تمثِّل مملكة الله غير المنقسمة، فهي كنيسة جامعة، أمّا الهراطقة الذين يحملون اسم المسيح وهم منشقّون على الكنيسة فلا ينتمون لمملكة الله، ولا يعني وجودهم أن انقسامًا قد حدث في جسد المسيح، فإن لهم مجرّد الاسم دون العضويّة.
حقًا إن كل انقسام سواء على مستوى الكنيسة الجامعة أو المحليّة أو كنيسة البيت أو داخل قلب المؤمن، إنّما هو غريب عن روح المسيح، يفقد الإنسان عضويّته الحقّة في جسد المسيح الواحد. إنه من عمل الشيطان!
ثالثًا: هل يوجد من لم يجدّف على الروح القدس؟
يستغل عدوّ الخير كلمات السيّد بخصوص عدم مغفرة التجديف على الروح القدس لتحطيم بعض النفوس، فيشكِّكها أنه قد مرّ على فكرها تجديفًا على الأرواح ليُغلق أمامها باب الرجاء في الخلاص! وإذ عانى القدّيس أغسطينوس كأسقف من هذا الأمر وسط شعبه أراد أن يبعث فيهم روح الرجاء محطّما كل تشكيك شيطاني، فبدأ بتأكيد أن كل إنسان معرّض لفكر تجديف، إن لم يكن بالنطق بكلمة تجديف خاصة قبل إيمانه. فهل يُغلق باب الخلاص أمام الجميع؟
يقول القدّيس أغسطينوس:
[من ذا الذي لم يخطئ بكلمة ضدّ الروح القدس قبل كونه مسيحيًّا أو قبل كونه تابعًا للكنيسة الجامعة؟
1. الوثنيون: أليس الوثنيّون الذين يعبدون آلهة كثيرة باطلة، ويسجدون للأصنام، ويقولون بأن الرب يسوع صنع معجزاته بقوة السحر، يكونون كمن قالوا بأنه برئيس الشيّاطين يُخرج الشيّاطين، وإذ يجدّفون على مقدّساتنا يوميًا... ألا يكون ذلك تجديفًا على الروح القدس؟!
2. اليهود: أليس اليهود بنطقهم تلك الكلمات أثاروا المناقشة التي أعالجها؟! ألا ينطقون إلى اليوم بكلمة تجديف ضدّ الروح القدس بإنكارهم حلوله في المسيحيّين؟!
لقد أنكر الصدّوقيّون الروح القدس، أمّا الفرّيسيّون فلم ينكروه مؤكِّدين وجوده، لكنهم أنكروا علاقته بالرب يسوع المسيح، إذ حسبوه برئيس الشيّاطين يُخرج الشيّاطين مع أنه أخرجها بالروح القدس.
3. الهراطقة: كل من اليهود والهراطقة الذين يعتقدون بوجود الروح القدس ينكرون علاقته بجسد المسيح، أي كنيسة الواحدة الوحيدة الجامعة، هؤلاء بلا شك كالفرّيسيّين الذين رغم اعترافهم بوجود الروح القدس إلا أنهم أنكروا وجوده في السيّد المسيح، ناسبين إخراج الشيّاطين إلى كونه رئيسًا للشيّاطين...
لقد اتّضح أن كلاً من الوثنيّين واليهود والهراطقة قد جدّفوا على الروح القدس، فهل يُهمل هؤلاء، ويفقدون الرجاء بحسب العبارة "وأما من قال كلمة على الروح القدس فلن يغفر له، لا في هذا الدهر، ولا في الآتي". هل لا يمكن أن يوجد من لم يجدّف على الروح القدس إلا المسيحي الذي نشأ منذ طفولته في الكنيسة الجامعة؟
حقًا إن كل الذين آمنوا بكلمة الله وتبعوا الكنيسة الجامعة، سواء كانوا وثنيّين أو يهودًا أو هراطقة، نالوا نعمة المسيح وسلامه. فلو لم يكن لهم غفران عن الكلمات التي تفوّهوا بها ضدّ الروح القدس لكان وعدنا لهم وتبشيرنا بالرجوع إلى الله لينالوا السلام وغفران الخطايا أمرًا باطلاً... لأن العبارة لم تقل: "لا تُغفر إلا بالمعموديّة" بل قال "لا يُغفر له لا في هذا الدهر ولا في الآتي".
4. المسيحيّون: قد يظن البعض بأنه لا يخطئ إلى الروح القدس غير الذين اغتسلوا في جرن الولادة الجديدة، فخطيتّهم هذه تكون بجحدهم العطيّة العُظمى التي وهبهم المخلّص إيّاها، ملقين بأنفسهم ـ بعد نوالهم العطيّة ـ في الخطايا المهلكة كالزنا والقتل والارتداد عن المسيحيّة أو عن الكنيسة الجامعة... ولكن كيف يمكننا أن نُبرهن على صحّة هذا؟ إنّني لا أستطيع القول بهذا، لأن الكنيسة لن ترفض التوبة عن أي خطيّة كانت. والرسول بولس يقول بأنه يمكن توبيخ الهراطقة (أي المسيحيّين الذين انحرفوا) لأجل نوالهم التوبة: "عسى أن يعطيهم الله توبة لمعرفة الحق، فيستفيقوا من فخ إبليس إذ قد اِقتنصهم لإرادته" (2 تي 2: 25-26). وما الفائدة من إصلاحهم إن لم يكن لهم رجاء في نوال المغفرة؟ كذلك لم يقل الرب: "المسيحي المعمَّد الذي يقول كلمة على الروح القدس"، بل قال "وأما من قال كلمة..." أي من قال كلمة سواء كان وثنيًا أو يهوديًا أو مسيحيًا أو هرطوقيًا.]
رابعًا: هل يقصد بالتجديف المعنى الشامل، أم معنى خاص؟
بعد أن أكّد القدّيس أغسطينوس أن أبواب مراحم الله مفتوحة للجميع حتى الذين تعرّضوا للتجديف على الروح القدس سواء قبل الإيمان بالسيّد المسيح من اليهود أو أمم أو حتى بعد الإيمان مثل السقوط في هرطقات ضدّ الروح القدس أو اِرتكاب خطايا مرّة، بدأ يوضّح كلمات السيّد المسيح عن "التجديف على الروح القدس" في العبارة التي بين أيدينا ليظهر أنه لا يقصد المعنى الشامل، أي كل تجديف ضدّ الروح القدس وإنما يقصد معنى خاصًا.
يقول القدّيس أغسطينوس:
[لم يقل الرب "لا يُغفر كل تجديف على الروح" أو "من قال أيّة كلمة" بل "وأما من قال كلمة". فلو ذُكرت كلمة "كل" لما أمكن للكنيسة أن تحتضن الخطاة والأشرار والمقاومين لتعطيهم المسيح ومقدّسات الكنيسة، سواء كانوا يهودًا أو أمميّين أو ثنيّين أو هراطقة... أو حتى الضعفاء من المسيحيّين الذين ينتمون للكنيسة الجامعة نفسها. حاشا أن يكون ذلك هو قصد الرب!
أقول، حاشا أن يقول الرب "كل" أو "أي" تجديف أو كلمة على الروح القدس ليس لها مغفرة... إذن فبلا شك توجد تجديفات وكلمات معيّنة لو قيلت على الروح القدس لا يكون لها غفران. فما هي هذه الكلمة؟ هذه هي إرادة الله أن نسأل هذا السؤال ليوضّحه لنا؛ إرادته أن نسأله لا أن نعترض على كلامه.
غالبًا ما يستخدم الكتاب المقدّس هذه الطريقة، وهي أن يعبّر عن أمر ما دون تحديد إن كان يقصد به معنى عامًا أم خاصًا، وبذلك لا توجد ضرورة ملزمة لفهمه بالمعنى العام أو الخاص؛ فهو لا يستخدم كلمة "كل" ولا "بعض"؛ لا يتحدّث بصيغة عامة ولا صيغة خاصة.
أمثلة:
أ. لكي يظهر لكم ذلك بأكثر وضوح تأمّلوا قول الرب نفسه عن اليهود: "لو لم أكن قد جئت وكلمتهم لم تكن لهم خطيّة" (يو 15: 22). هنا لم يحدّد المعنى، كما لو أنه قصد بأن اليهود ما كان لهم أي خطيّة لو لم يكن قد جاء المسيح وكلّمهم. لكن الحقيقة هي أنه جاء ووجدهم مثقّلين بالخطايا (مت 11: 28، رو 5: 20، مت 9: 13)... فكيف إذن لو لم يكن قد جاء المسيح لم تكن لهم خطيّة؟... إنه لم يقل "أيّة خطيّة" لئلا يكذب الحق، ولا قال بصيغة محدّدة "بعض خطايا معيّنة" لئلا لا نتدرّب على الشغف بالبحث. فإن الكتاب المقدّس غني بالأجزاء الواضحة لكي نتغذى بها والأجزاء الغامضة لكي نتدرّب بها. بالأولى يُنزع الجوع والثانية ننال اللذّة.
إذ نعود إلى قوله نجد أن اليهود بالضرورة ارتكبوا بعض الخطايا، لكن ليس جميعها، هذه التي لم تكن موجودة قبل مجيئه وهي إنكار الإيمان به... فبقوله "لم تكن لهم خطيّة" لا نفهمها بمعنى "لم تكن لهم أيّة خطيّة"، وإنما بعضها. كذلك إذ نسمع إنجيل اليوم "التجديف على الروح القدس لن يغفر" لا نفهمه على أنه كل تجديف بل أنواع معيّنة منه...
ب. وإذ قيل "الله لا يجرِّب أحدًا" (يع 1: 3)، لا يفهم أن الله لا يجرِّب أحدًا بأي نوع من التجارب بل لا يجرِّبه بأنواع معيّنة، لئلا يكون المكتوب باطلاً: "الرب إلهكم يمتحنكم (يجرّبكم)" (تث 13: 3). فالله لا يجرِّبنا بالتجربة التي تقودنا للخطيّة، لكنّه يهبنا أن نُجرَّب بالتجربة التي بها يمتحن إيماننا.
ج. وهكذا أيضًا عندما نسمع: "من آمن واِعتمد خلص" (مر 16: 16)، بالطبع لا نفهمها على كل من يؤمن أيّا كان إيمانه، "فالشيّاطين يؤمنون ويقشعرٌّون" (يع 2: 19). ولا نفهمها على كل من اِعتمد، فسِيمون الساحر بالرغم من قبوله المعموديّة إلا أنه لم يكن ممكنًا أن يخلُص... فقوله "من آمن واِعتمد" لم يقصد به جميع الذين يؤمنون ويعتمدون، بل بعضهم، هؤلاء الراسخون في ذلك الإيمان الذي يوضّحه الرسول بأنه "العامل بالمحبّة" (غل 5: 6)...]
خامسًا: ما هو المعنى الخاص الذي قصده بالتجديف على الروح القدس؟
يفسر القدّيس أغسطينوس أن ما قصده الرب هنا هو "الإصرار على عدم التوبة" حتى آخر نسمة من نسمات حياتنا. يقول بأن الروح القدس هو روح الآب والابن، من خواصه الشركة بين الأقنومين، كما أنه هو الذي يعطينا الشركة مع الله، إذ به تنسكب محبّة الله فينا، فتستر خطايانا، بهذا فإن عمله هو غفران الخطايا ومصالحتنا مع الله. ومن ناحية أخرى فإن الروح هو الذي يعطي الشركة بين أعضاء الكنيسة الواحدة في الرب، وهو الذي يهب العضو التوبة والتبكيت كما يعطي للكنيسة حق حلّ خطاياه... إذن عمل الروح القدس في حياتنا هو التوبة لنوال الحلّ... فالتجديف هو الإصرار على عدم التوبة وبالتالي الحرمان من العضويّة الكنسيّة الحقيقية.
يقول القدّيس أغسطينوس:
[أحبّائي... أنتم تعلمون أن سرّ التثليث غير المنظور... الذي يقوم عليه إيماننا، وتعتمد عليه الكنيسة الجامعة وتكرز به، أن الآب ليس أبًا للروح القدس بل للابن، والابن ليس ابنًا للروح القدس بل للآب، وأما الروح القدس فليس روح الآب وحده ولا الابن وحده بل روح الآب والابن... لقد سلَّمت إلينا فكرة العلّة في الآب (أي المصدر)، والبنوّة في الابن، والشركة في الروح القدس، والمساواة في الثلاثة. بذلك صارت مسرة الله أن ننال بواسطة من هو رابطة الوحدة بين أقنومي الآب والابن، الشركة مع بعضنا البعض ومع الثالوث القدّوس... بنفس العطيّة نجتمع معًا في وحدانيّة... ننالها بواسطة الروح القدس الذي هو الله وفي نفس الوقت عطيّة الله...
عطيّة الله الأولى في الروح القدس هي "مغفرة الخطايا"؛ هذا ما بدأت به بشارة يوحنا المعمدان السابق للرب... قائلاً "توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات" (مت 3: 1-2)، وهو أيضًا ما بدأ به ربّنا بشارته (مت 4: 17). ومن الأمور التي تحدّث بها يوحنا إلى الذين جاءوا ليعتمدوا منه قوله: "أنا أعمِّدكم بماء للتوبة ولكن الذي يأتي بعدي هو أقوى منّي، الذي لست أهلاً أن أحمل حذاءه، هو سيعمّدكم بالروح القدس ونار" (مت3: 11). وقال الرب أيضًا: "يوحنا عمّد بالماء وأما أنتم فستعمِّدون بالروح القدس، ليس بعد هذه الأيام بكثير" (أع 1: 5)... فالنار بالرغم من إمكان فهمها على أنها الضيقات التي يتحمَّلها المؤمنون من أجل المسيح، لكن من المعقول هنا أن المقصود بها الروح القدس نفسه. لذلك عندما حلّ الروح القدس قيل: "وظهرت لهم ألسنة منقسمة كأنها من نار واستقرّ ت على كل واحد منهم" (أع 2: 3). وقد قال الرب نفسه: "جئت لأُلقي نارًا على الأرض" (لو 12: 49)، ويقول الرسول: "حارِّين في الروح" (رو 12: 11)، لأن من الروح القدس (النار) تأتي غيرة (حرارة) الحب، "لأن محبّة الله قد انسكبت في قلوبنا بالروح القدس المُعطَى لنا" (رو 5: 5)، وعلى العكس قال الرب: "تبرد محبّة الكثيرين" (مت 24: 12). إذن الحب الكامل هو عطيّة الروح القدس (النار) الكاملة، لكن عطيّته الأولى هي غفران الخطيّة التي بها أنقذنا من سلطان الظلمة (كو 1: 13)، ومن رئيس هذا العالم (يو 12: 31) الذي يعمل الآن في أبناء المعصية (أف 2: 2)... فالروح القدس الذي به يجتمع شعب الله في واحد يُطرد الروح الشرّير المنقسم على ذاته.]
هكذا يبلغ بنا القدّيس أغسطينوس إلى أن عمل الروح القدس هو حياة الشركة مع الله ومع إخوتنا، خلالها لا يكون لإبليس موضع فينا، وذلك بالتوبة، لهذا يكمّل قائلاً: [فالقلب غير التائب ينطق بكلمة ضدّ الروح القدس، ضدّ هذه العطيّة المجّانيّة، وضد النعمة الإلهيّة. عدم التوبة هو التجديف على الروح القدس الذي لن يغفر لا في هذا العالم ولا في الآتي.]
هل يمكن الحكم على إنسان بالتجديف على الروح القدس؟
يقول القدّيس أغسطينوس: [عدم التوبة أو القلب غير التائب أمر غير مؤكّد طالما لا يزال الإنسان حيًا في الجسد. فعلينا ألا نيأس قط من إنسان مادامت أناة الله تقود الشرّير إلى التوبة، ومادام الله لم يأخذه سريعًا من هذا العالم: "هل مسرَّةً أُسرُّ بموت الشرّير يقول الرب، إلا برجوعه عن طرقه فيحيا؟!" (حز 18: 23). قد يكون الإنسان اليوم وثنيًا لكن من أدراك فقد يصبح مسيحيًا في الغد... ليحثك الرسول أيها الأخ قائلاً: "لا تحكموا في شيء قبل الوقت" (1 كو 4: 5)... أكرّر قولي بأن التجديف لا يمكن أن يثبت على إنسان بأي حال من الأحوال مادام على قيد الحياة.]
لماذا يغفر لمن يجدّف على ابن الإنسان ولا يغفر لمن يجدّف على الروح القدس؟
يقول القدّيس أغسطينوس: [حقًا إن كل خطيّة وتجديف يُغفر للبشر ليس فقط، ما يقال ضدّ ابن الإنسان. فمادامت لا توجد خطيّة عدم التوبة، هذه التي توجّه ضدّ الروح القدس الذي به تغفر الكنيسة جميع الخطايا، فإن جميع الخطايا تُغفر... إن قول رب المجد: "من قال كلمة على ابن الإنسان يُغفر له وأما من قال على الروح القدس فلن يُغفر له" لا يعني أن الروح القدس أعظم من الابن، فإنّنا لم نسمع عن هرطقة نادت بهذا. إنّما يُقصد بهذا أن من يقاوم الحق ويجدّف عليه، أي على المسيح بعد إعلانه عن ذاته بين البشر، إذ "صار جسدًا وحلّ بيننا" (يو 1: 14)... ولم يقل كلمة على الروح القدس أي عاد فتاب عن مقاومته وتجديفه على المسيح فإن خطاياه تغفر له... الروح القدس مساوٍ للآب والابن الوحيد في الجوهر حسب لاهوته.]
هكذا يوضّح القدّيس أغسطينوس أن كل تجديف يغفر، إنّما خص "التجديف على الروح القدس" يقصد عدم التوبة وليس تمييزًا له عن الآب والابن.
أوضح القدّيس أيضًا أن الآب يغفر الخطايا (مت 6: 14) والابن يغفر الخطايا (مت 9: 6)، لأن المغفرة هي عمل الثالوث القدّوس، لكنها تخص الروح القدس بكونه روح التبنّي (رو 8: 15)، وواهب الشركة (في 2: 1).... لذلك فإن غفران الخطايا لا يوهب إلا بالروح القدس خلال الكنيسة الجامعة التي لها الروح القدس!
سادسًا: الظروف المحيطة التي نطق فيها السيّد هذه الكلمات
يقول القدّيس أغسطينوس: [لقد شرح الرب بوضوح ما رغب أن يعرِّفنا إيّاه: وهو أن من يجدف على الروح القدس - أي يقاوم بعدم توبته - ويقاوم وحدة الكنيسة التي فيها يعطي الروح القدس مغفرة الخطايا، لا يأخذ هذا الروح القدس... ولئلا يظن أحد أن ملكوت المسيح منقسم على ذاته بسبب هؤلاء الذين يجتمعون في جماعات شاذّة خارج الحظيرة تحت اسم المسيح، لذلك أردف قائلاً: "من ليس معي فهو عليّ ومن لا يجمع معي فهو يفرق" (مت 12: 30)... فالذي يجمع بدون المسيح، مهما جمع باسمه لا يكون معه الروح القدس. وبهذا يجبرنا على أن نفهم بأنه لا يتمّ الغفران عن أي خطيّة أو تجديف - بأي حال من الأحوال - إلا باتّحادنا معًا في المسيح الذي لا يفرق...]
كأن السيّد المسيح في حديثه عن "التجديف على الروح القدس" ليس فقط يحذِّر من عدم نوال المغفرة بسبب عدم التوبة، إنّما يطالب بما هو إيجابي: وهو "العمل لحساب المسيح"، فمن لا يعمل معه يكون كمن هو مقاوم له! فالمسيحي ملتزم بالعمل لحساب المسيح لبنيان الكنيسة، وإلا حُسب كمن يهدم مملكته. وكما يقول القدّيس جيروم: [من ليس للمسيح فهو لضد المسيح.]، ويقول القدّيس كبريانوس: [من يكسر سلام المسيح واتّفاقه يصنع هذا في مضاداة له؛ من يجمع في غير الكنيسة (جماعات الهراطقة) يبعثر الكنيسة.] لهذا يقول القدّيس أمبروسيوس: [إنه يتحدّث هنا عن الذين يخرِّبون وحدة الكنيسة.]
حين قاومت عائلة هليودرس Heliodrus ذهابه إلى الدير بطريقة قاسية ومرّة، كتب إليه القدّيس جيروم يذكره بقول السيّد المسيح: "من ليس معي فهو عليّ، ومن لا يجمع معي فهو يفرق"، قائلاً: [تذكَّر اليوم الذي سُجِّل اسمك في سجلاّت الكنيسة حينما دُفنت مع المسيح في المعموديّة، وتعهَّدت أن تكون مخلصًا له، معلنًا أنك لأجله تترك أباك وأمك. حقًا إن العدوّ يجاهد أن يذبح المسيح في صدرك... فلتهرب بعيون باكية إلى الصليب.]
ولئلا يتعثّر البعض ظانِّين أنهم بطبيعتهم أشرار لذلك فهم غير قادرين على تقديم التوبة خلال الأعمال الصالحة، يتحدّث السيّد المسيح مع الفرّيسيّين، قائلاً: "اجعلوا الشجرة الجيّدة وثمرها جيدًا، أو اجعلوا الشجرة رديئة وثمرها رديًا، لأن من الثمر تُعرف الشجرة" [33]. بهذا يفتح أمامهم باب الرجاء، فإنهم وإن سقطوا في التجديف لكن بإرادتهم يستطيعون أن ينعموا بإمكانيّة الله لتغيير شجرة حياتهم. إن كانت كلماتهم المملوءة تجديفًا تكشف عن نوعيّة شجرهم الداخلي العقيم، لكنهم قادرون بالرب أن يغيِّروا طبيعة شجرهم.
يُعلّق القدّيس أغسطينوس على كلمات السيّد: [ينبغي على الإنسان أن يتغيّر هو أولاً حتى تتغيّر أعماله، فإن بقيَ الإنسان في حالته الشرّيرة لا يمكن أن تكون أعماله صالحة، وإن بقيَ في حالة صالحة لا يمكن أن يحمل ثمرًا شريرًا.]
يقول أيضًا: [غيرّ القلب فتتغيّر الأعمال! اقتلع الشهوات واغرس المحبّة، فكما أن الشهوة (محبّة المال) أصل كل الشرور (1 تي 6: 10) هكذا المحبّة أصل الصلاح.]
ويعلق القديس أغناطيوس على العبارة: "لأن من الثمر تُعرف الشجرة"، قائلاً: [يُعرف من يتكلَّم عن الإيمان من أعماله. فلا يكفي أن نُعلن عن إيماننا، وإنما يلزمنا أن نُظهره عمليًا حتى النهاية.]
إن كنّا في حاجة إلى تغيير الشجرة الداخليّة أي القلب، بالمسيح ربّنا واهب الإنسان الجديد في مياه المعموديّة بروحه القدّوس، حتى نأتي بثمر صالح ولا يكون لنا ثمرة واحدة شرّيرة، فإنّنا أيضًا ملتزمون بالجهاد ألا ننطق بكلمة رديئة أو شرّيرة... لهذا يكمّل السيّد حديثه، قائلاً: "ولكن أقول لكم إن كل كلمة بطالة يتكلّم بها الناس سوف يُعطون عنها حسابًا يوم الدين. لأنك بكلامك تتبرر، وبكلامك تُدان" [36- 37].
يتحدّث القدّيس يوحنا الذهبي الفم عن ضبط اللسان، قائًلا:
[إن الوعاء الذهبي لا يُستعمل للأشياء الدنيئة لغِلوّ ثمنه، فكم بالأحرى الفم فهو أثمن من الذهب والمرجان، فلا يجوز أن ندنِّسه بالكلام القبيح والشتم وطعن الآخرين.]
"الحكيم يقول أن الذين سقطوا بعثرات اللسان أكثر من الذين سقطوا من السيوف" (سيراخ 8: 21)، والمسيح يقول: "ليس ما يدخل الفم ينجس الإنسان بل ما يخرج من الفم هذا ينجس الإنسان" (مت 15: 11). والحكيم يقول أيضًا: "واجعل لفمك بابا ومزلاجًا" (سيراخ 8: 29)."
ويقول الأب يوحنا من كرونستادت: [اهتم بكلماتك فإن الكلمة ثمينة!... لتنطق بكلمة الله الخلاّقة، فإن كلمة الله هو علّة كل الخليقة، فيه يوجد الحاضر والماضي والمستقبل.] كما يقول: [إن كنت تتحدّث مع قريبك، فتكلَّم بتعقُّل ووقار وبطريقة بنّاءة، متجنِّبًا كل كلمة بطّالة بكونها سمّ الحيّة.]
4. مفهوم الآية
"حينئذ أجاب قوم من الكتبة والفرّيسيّين قائلين: يا معلّم نريد أن نرى منك آية. فأجاب وقال لهم: جيل شرّير وفاسق يطلب أيّة ولا تُعطَى له أيّة إلا أيّة يونان النبي. لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليالي، هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليالي" [38-40].
يرى القدّيس كيرلّس الكبير أن السيّد المسيح رفض تقديم آية لهم لأنهم طلبوا ذلك بمكر، فقد قدّم لهم قبل ذلك آيات فاتهموه أنه برئيس الشيّاطين يخرج شيّاطين، لذا لم يستحقّوا التمتّع بآياته، إذ يقول: [نَبَع طلبهم عن مكر فلم يُستجاب لهم كقول الكتاب: "يطلبني الأشرار ولا يجدونني" (راجع هو 5: 6)... لقد نسبوا لبعلزبول أعمالاً مجيّدة هكذا وعجيبة ولم يخجلوا من تحطيم الآخرين مع تحطيم أنفسهم بذات الأمور التي كان يجب أن تكون علّة تثبيت للإيمان بالمسيح. لهذا لم يرد أن يقدّم لهم آية أخرى، فلا يقدّم القُدْس للكلاب ولا يُلقي الدُرر للخنازير، إذ كيف يستحق هؤلاء الذين قدّموا افتراءات مرّة على المعجزات التي تمت أن يتمتّعوا برؤية معجزات أخرى؟... لهذا قال لهم أنه لا تعطى لهم سوى آية يونان التي تعني الصليب والقيامة من الأموات... وقد كان يمكن ليسوع ألا يريد أن يموت بالجسد على الصليب ولا يقدّم الآية لليهود، لكن هذه الآلام ضروريّة لخلاص العالم، فأعطيت لغير المؤمنين (من اليهود) لدينونتهم. في حديثه معهم قال: "اُنقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أُقيمه" (يو 2: 19). إن إبادته للموت وإصلاحه الفساد بالقيامة من الأموات لهو علامة عظيمة على قوّة الكلمة المتجسّد وسلطانه الإلهي وبرهانًا كافيًا كما أظن في حكم الناس الجادِّين. لكنهم رشوا عسكر بيلاطس بمبلغ كبير من المال ليقولوا أن "تلاميذه أتوا ليلاً وسرقوه" (مت 28: 13). لقد كانت (قيامته) علامة ليست بهيّنة بل كافية لإقناع سكان الأرض كلها أن المسيح هو الله، وأنه تألّم بالجسد باختياره وقام ثانية آمرًا قيود الموت أن ترحل والفساد أن يُطرد خارجًا. لكن اليهود لم يؤمنوا حتى بهذا لذلك قيل عنهم بحق "ملكة التيمن ستقوم في الدين مع هذا الجيل وتدينه" [42].
كأن السيّد أراد أن يؤكّد لهم بأن الآية ليست عملاً استعراضيًا، وإنما هي عمل إلهي غايته خلاص الإنسان، يتقدّم هذا كلّه الآية التي حملت رمزًا لدفن السيّد المسيح وقيامته من الأموات ليهبنا الدفن معه والتمتّع بقوة قيامته، أي آية يونان النبي.
إن كانت الآيات والمعجزات غايتها "حياة الإنسان الروحيّة"، لهذا يرى الآباء أن الحياة الفاضلة هي أفضل من صنع المعجزات. إذ لا يديننا الله على عدم صنع معجزات، إنّما يديننا إن كنّا لا نحيا بروحه القدّوس الحياة اللائقة كأولاد له. ويؤكّد السيّد أن في اليوم العظيم، سيدين الأشرار حتى وإن كانوا قد صنعوا باسمه آيات، حاسبًا أنه لا يعرفهم.
+ لا تطلب علامات بل صحّة النفس.
لا تطلب أن ترى ميّتًا قام، فقد تعلَّمت أن العالم كلّه يقوم.
لا تطلب أن ترى أعمى يشفى، بل أن يتطلّع الكل الآن لينعم بنظرة أفضل وأنفع، وتتعلَّم أن تنظر بطهارة فتُصلح عينيك.
إن كنّا نعيش كما يليق يندهش أبناء الوثنيّين بنا أكثر من صانعي المعجزات.
+ إن أردت أن تصنع معجزات أيضًا عليك أن تتخلَّص من المعاصي بهذا تحقّق المعجزات تمامًا.
القدّيس يوحنا الذهبي الفم
+ علينا ألا نُخدع لمجرد تسميتهم باسم المسيح دون أن يكون لهم الأعمال، بل ولا المعجزات تخدعنا، لأن الرب الذي صنع المعجزات لغير المؤمنين، حذّرنا من أن نُخدع بالمعجزات، ظانّين أنه حيثما وُجدت المعجزة المنظورة توجد الحكمة غير المنظورة، لذلك أضاف قائلاً: "كثيرون سيقولون لي في ذلك اليوم يا رب يا رب أليس باسمك تنبّأنا، وباسمك أخرجنا شيّاطين، وباسمك صنعنا قوّات كثيرة، فحينئذ أصرِّح لهم: إني لا أعرفكم قط، اذهبوا عنّي يا فاعلي الإثم" (مت 7: 22-23) فهو لا يعرف غير صانعي البرّ.
القدّيس أغسطينوس
أما ارتباط يونان بشخص السيّد المسيح فهو ارتباط الرمز بالمرموز إليه، وكما يقول القدّيس كيرلّس الأورشليمي: "إن كان يونان قد ألقيَ في بطن الحوت، فالرب يسوع نزل بإرادته إلى حيث حوت الموت غير المنظور، ليجبره على قذف الذين كان قد ابتلعهم، كما هو مكتوب: "من يد الهاوية أفديهم، من الموت أخلِّصهم".
ويقول القدّيس باسيليوس الكبير: [أعطاهم علامة لكن ليست من السماء، لأنهم لم يكونوا يستحقّون رؤيتها، إنّما من أعماق الجحيم، أعنى علامة تجسّده ولاهوته وآلامه وتمجيده بقيامته بعد دخوله إلى الجحيم ليحرّر الذين ماتوا على رجاء.] كما يقول القدّيس أمبروسيوس: [آية يونان ترمز لآلام ربّنا، وفي نفس الوقت شهادة ضدّ خطيّة اليهود الخطيرة التي يرتكبوها. بأهل نينوى يُشير إلى العقاب (إذ يقدّم اليهود العذابات للسيّد المسيح) وفي نفس الوقت الرحمة، فلا ييأس اليهود من المغفرة إن مارسوا التوبة.]
لقد تمتّع أهل نينوى بيونان الكارز المنطلق من بطن الحوت، أمّا نحن فتمتّعنا بيونان الحقيقي القادر أن يطلقنا من أعماق الهاوية ويدخل بنا إلى ملكوته السماوي: "هوذا أعظم من يونان ههنا" [41].
صار لنا أيضًا من هو أعظم من سليمان، الذي لا يحدّثنا بكلمات حكمة فحسب، بل يطرد عنّا مملكة إبليس: "ملكة التيمن ستقوم في الدين مع هذا الجيل وتدينه، لأنها أتت من أقاصي الأرض لتسمع حكمة سليمان، وهوذا أعظم من سليمان ههنا. إذا خرج الروح النجس من الإنسان يجتاز في أماكن ليس فيها ماء يطلب راحة ولا يجد. ثم يقول أرجع إلى بيتي الذي خرجت منه، فيأتي ويجده فارغًا مكنوسًا مزيّنًا. ثم يذهب ويأخذ معه سبعة أرواح أُخر أشرّ منه فتدخل وتسكن هناك، فتصير أواخر ذلك الإنسان أشرّ من أوائله، هكذا يكون أيضًا لهذا الجيل الشرّير" [42-45].
يُعلّق القدّيس كيرلّس الكبير على هذه العبارة بقوله: [جاءت هذه المرأة تطلب أن تسمع سليمان، وقد تحمّلت السفر لمسافة طويلة لتحقيق هذا الهدف، لتصغي لحكمته الخاصة بطبيعة الأمور المنظورة، والحيوانات والنباتات، أمّا أنتم فحاضر بينكم الحكمة عينه تستمعون إليه، هذا الذي جاء ليحدِّثكم عن الأمور غير المنظورة السماويّة، مؤكِّدًا أقواله بأعماله ومعجزاته، فتهربون من كلماته وتجتازون بعيدًا عن طبيعتها العجيبة. كيف إذن، ليس من هو أعظم من سليمان ههنا أي فيّ؟ أسألكم مرّة أخرى أن تلاحظوا حذاقة لغته فإنه يقول: "ههنا" ولا يقول "فيّ" لكي يجتذبنا بتواضعه عندما يمنحنا عطاياه الروحيّة. ومن ناحية أخرى فإنه غير مستحب لدى اليهود أن يسمعوه يقول: "إن أعظم من سليمان فيّ"، فإنهم لو سمعوه يقول هذا لتجاسروا قائلين: "انظروا إنه يقول أنه أعظم من الملوك الذين حكموا علينا في مجد"، فلأجل التدبير استخدم المخلّص لغة التواضع قائلاً: "ههنا" عوضًا عن قوله "في".
ويقول القديس أمبروسيوس: [هنا أيضًا يدين الشعب اليهودي، إذ يعبِّر بقوة عن سرّ الكنيسة في ملكة الجنوب، خلال رغبتها في نوال الحكمة، إذ تأتي من أقاصي الأرض لتسمع كلمات سليمان صانع السلام؛ الملكة التي لها مملكة غير منقسمة تضم أممًا مختلفة ومتباينة في جسدٍ واحدٍ.]
إن كان قد جاء السيّد المسيح الذي هو أعظم من يونان الذي اجتذب أهل نينوى للتوبة، وأعظم من سليمان الذي جاءت إليه ملكة التيمن من أقصى الأرض تسمع حكمته، فقد صار لنا إمكانيّة التمتّع بالملكوت الجديد، فيطرد الشيطان الذي احتلّ القلب زمانًا طويلاً ليسكن الرب فيه. هذه العطيّة المجّانيّة المقدّمة لنا تديننا إن تهاونّا فيها، فتركنا القلب للعدو مرّة أخرى خلال تراخينا، ليتقدّم بصورة أكثر شراسة حتى يحتل ما قد فُقد منه، وكما نرى عمليًا حينما يرتدّ المؤمن عن الحياة المقدّسة يصير في شرّه أبشع ممّا كان عليه قبل الإيمان أو التوبة.
يرى القدّيس يوحنا كليماكوس أن هذا القول الإلهي ينطبق بصورة واضحة على الشاب المتحمِّس الذي ينجح في تركه شهوات الجسد والحياة المترفة، لكنّه بعد دخوله إلى الحياة الرهبانيّة النسكيّة يسقط خلال تهاونه داخل ميناء الأمان، إذ يقول: [يا له من منظر يُرثى له، إذ نرى الذين بعدما عاشوا في مخاطر البحر يعانون من تحطيم السفينة داخل الميناء.]
5. اتّحادنا معه
"وفيما هو يكلِّم الجموع، إذ أمه وإخوته قد وقفوا خارجًا طالبين أن يكلِّموه. فقال له واحدًا: هوذا أمك واخوتك واقفون خارجًا طالبين أن يكلّموك. فأجاب وقال للقائل له: من هي أمي؟ ومن هم إخوتي؟. ثم مدّ يده نحو تلاميذه، وقال: ها أمي وإخوتي. لأن من يصنع مشيئة أبي الذي في السماوات هو أخي وأختي وأمي" [46-50].
"مدّ يسوع يده نحو تلاميذه" مشيرًا إلى تجسّده وحلوله في وسطنا، إذ بهذا دخل بنا إلى علاقة جديدة فحسبنا أمه واخوته.
إن عدنا إلى حديث القدّيس يوحنا المعمدان مع الفرّيسيّين والصدّوقيّين: "يا أولاد الأفاعي... لا تفتكروا أن تقولوا في أنفسكم لنا إبراهيم أبًا، لأني أقول لكم أن الله قادر أن يُقيم من هذه الحجارة أولادًا لإبراهيم" (مت 3: 7، 9)، لأدركنا أن القدّيس يوحنا لم يقصد أن ينكر العلاقة الجسديّة بأبيهم إبراهيم، لكنهم خلال الشرّ فقدوا ارتباطهم به روحيًا وارتبطوا بالبنوّة للأفاعي، إذ يعملون عملها. هنا من الجانب الآخر لم ينكر السيّد المسيح علاقة القدّيسة مريم به، أي أمومتها له حسب الجسد، لكنّه يؤكّدها ويثبِّتها خلال حياتها الإيمانيّة العاملة مشيئة الأب. لقد فتحت القدّيسة مريم العذراء الطريق لا للنساء فقط، وإنما لكل إنسان أن يحملوا(يحمل؟؟) السيّد المسيح روحيًا في قلوبهم وتصير النفس كأنها أم له.
+ إنه لم يقل "أنتِِ لستِ أمي"، بل قال: "من هي أمي؟" وكأنه يقدّم مفهومًا جديدًا للارتباط به، ليس خلال علاقة جسديّة خلال الدم واللحم والنسب، وإنما خلال الطاعة لإرادة أبيه، ألا ترى أنه في كل مناسبة لم ينكر القرابة حسب الطبيعة، لكنّه أضاف إليها ما هو بواسطة الفضيلة؟!
القدّيس يوحنا الذهبي الفم
+ هذا يعني أنه حتى بالنسبة لأمي التي تدعونها مطوّبة، إنّما هي مطوّبة لحفظها كلمة الله، ليس فقط لأن كلمة الله صار فيها جسدًا وحلّ بيننا، وإنما لأنها تحفظ ذات كلمة الله الذي خلقها، وقد صار جسدًا فيها. ليته لا يفرح أحد بالنسب الجسدي، إنّما يفتخر إن كان بالروح مرتبطًا بالله.
القدّيس أغسطينوس
هذا وقد سبق لنا الحديث عمّا يمكننا تسمِيَتُه بأمومة النفس للسيّد المسيح بكونها حاملة له في داخلها، وعن مفهوم "إخوة الرب" بكونهم أبناء مريم زوجة كلوباس، أخت القدّيسة مريم (يو19 : 25)، في كتابنا "القدّيسة مريم في المفهوم الأرثوذكسي".
من أقوال الآباء الأولين
أبونا تادرس يعقوب
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
الإصحاح الثاني عشر
آيات (1-8):- +(مر 23:2-28) + (لو 1:6-5):-
(1-8):-
في ذلك الوقت ذهب يسوع في السبت بين الزروع فجاع تلاميذه وابتداوا يقطفون سنابل ويأكلون. فالفريسيون لما نظروا قالوا له هوذا تلاميذك يفعلون ما لا يحل فعله في السبت. فقال لهم أما قرأتم ما فعله داود حين جاع هو والذين معه. كيف دخل بيت الله وأكل خبز التقدمة الذي لم يحل أكله له ولا للذين معه بل للكهنة فقط. أو ما قرأتم في التوراة أن الكهنة في السبت في الهيكل يدنسون السبت وهم أبرياء. ولكن أقول لكم أن ههنا اعظم من الهيكل. فلو علمتم ما هو أنى أريد رحمة لا ذبيحة لما حكمتم على الأبرياء. فان ابن الإنسان هو رب السبت أيضا.
(مر 23:2-28):-
واجتاز في السبت بين الزروع فأبتدا تلاميذه يقطفون السنابل وهم سائرون. فقال له الفريسيون انظر لماذا يفعلون في السبت ما لا يحل. فقال لهم أما قرأتم قط ما فعله داود حين احتاج وجاع هو والذين معه. كيف دخل بيت الله في أيام ابياثار رئيس الكهنة وأكل خبز التقدمة الذي لا يحل أكله إلا للكهنة وأعطى الذين كانوا معه أيضا. ثم قال لهم السبت إنما جعل لأجل الإنسان لا الإنسان لأجل السبت. إذا ابن الإنسان هو رب السبت أيضاً.
(لو 1:6-5):-
وفي السبت الثاني بعد الأول اجتاز بين الزروع وكان تلاميذه يقطفون السنابل ويأكلون وهم يفركونها بأيديهم. فقال لهم قوم من الفريسيين لماذا تفعلون ما لا يحل فعله في السبوت. فأجاب يسوع وقال لهم أما قرأتم ولا هذا الذي فعله داود حين جاع هو والذين كانوا معه. كيف دخل بيت الله واخذ خبز التقدمة وأكل وأعطى الذين معه أيضا الذي لا يحل أكله إلا للكهنة فقط. وقال لهم أن ابن الإنسان هو رب السبت أيضاً.
بمقارنة ما حدث فى لوقا مع ما قيل فى متى نجد أن اليهود لاموا التلاميذ أولاً ثم شكوهم للمسيح. ونلاحظ الآتى فى هذه القصة:-
1- فقر التلاميذ، إذ يأكلون سنابل وكانت هذه عادة يهودية أن يفركوا السنابل الطرية الناضجة وينفخون القش ويأكلون الحب. ولقد سمحت الشريعة بقطف سنابل الغير أو عنب الغير فى حالة الجوع (تث 24:23،25) ولكن لا يكون هذا فى وعاء أو بإستعمال منجل والاّ صار كسرقة للغير وإستغلال للمحبة.
2- متابعة التلاميذ المستمرة للمعلم فهو لا يهدأ فى خدمته، وهم ملتصقون به دائماً محبة فيه، لا يبحثوا عن طعام بل يأكلوا سنابل نيئة.وواضح أن السيد أراد أن يختلى بتلاميذه فذهبوا للحقول وهناك جاعوا.
3- ما أثار اليهود ليس أكل السنابل من حقل الغير بل قطف السنابل وفركها ونفخ القش يوم السبت، وهذا إعتبروه حصاد وتذرية، وهذا ممنوع يوم السبت. هو مفهوم حرفى قاتل، فكيف يطبقون مفهوم الحصاد على قطف عدة سنابل لأشخاص جوعى.
4- والسيد برر ما فعله تلاميذه بأن داود إذ جاع هو ورجاله أكل الخبز المقدس الذى لا يحل أكله إلاَّ للكهنة. وقطعاً فرك السنابل يوم السبت هو أقل خطورة بكثير من أكل أشخاص عاديين لخبز التقدمة المقدس.وكانت الأرغفة من خبز التقدمة توضع على مائدة خبز الوجوه كل سبت لمدة أسبوع ثم يأكلها الكاهن وأسرته فقط (1صم 1:21-6).
5- أما قرأتم = المسيح متعجب ممن يقرأون ولا يفهمون.
6- الكهنة فى السبت يدنسون السبت=أى الكهنة يقومون بالأعمال الطقسية يوم السبت مثل الذبح والسلخ والتنظيف وشى الذبائح وختان الأطفال إذا وافق اليوم السبت اليوم الثامن لميلاد الطفل. فالكهنة لم يتوقفوا عن العمل= وهم أبرياء=أى أنهم لم يخطئوا بعملهم هذا. وهذه الأعمال لو قاموا بها خارج الهيكل لصار تدنيساً للسبت. فمن أجل كرامة الهيكل وكرامة الوصية التى وضعها رب الهيكل (تقديم الذبائح والختان....) يقوم الكهنة بأعمالهم داخل الهيكل ولا يحسب عملهم خطية، حتى تتم رسالة الهيكل لم يتوقفوا عن العمل. والآن فالمسيح هو رب الهيكل وقد حلَّ على الأرض وهؤلاء التلاميذ يخدمونه ويتبعونه، فما الخطأ فى أن يعملوا هذا العمل البسيط ليستمروا فى خدمتهم لرب الهيكل يوم السبت =ههنا أعظم من الهيكل =فالسيد المسيح بلاهوته المتحد بناسوته هو أعظم.
7- وصية السبت تشير لراحتنا الأبدية فى السماء فى المسيح وخلاصنا من الخطية الذى تم بقيامة المسيح يوم الأحد الذى هو يوم الخليقة الجديدة. وكانت الراحة هى راحة من الأعمال الأرضية ليتذكروا أن هناك سماء وأن هناك إله يجب أن يعبدونه، وفى عبادة الله يجدوا راحتهم. لكن المسيح هو هذا الإله، والتلاميذ الآن معهُ لا يذكروا شيئاً عن أعمالهم وأكلهم وشربهم، بل هم جاعوا حتى إضطروا أن يفركوا سنابل ليأكلوا، فهم وجدوا راحتهم الحقيقية فى التصاقهم بالمسيح، وهذا بالنسبة لهم لم يكن يوماً فى الأسبوع، بل صار المسيح كل حياتهم، فلماذا التقيد بالحرفيات، خصوصاً أن المسيح إلهنا هو واضع وصية السبت، وله كل الحق كواضع للوصية أن يفسر الوصية كما يريد فهو رب السبت
8- يذكر إنجيل مرقس أن السبت وضع لأجل الإنسان = ليرتاح الإنسان وكل من معه جسدياً، بالإ ضافة لأن يذكر الإنسان أنه ينتمى للسماء. وكون السبت وضع لأجل الإنسان فلا يصح أن يكون سبباً فى جوع التلاميذ. فالله يريد رحمة لا ذبيحة (هو 6:6).
9- لقد إشتكى اليهود التلاميذ للمسيح بسبب حريتهم فى المسيح، لكن ما أحلى أن نجد أن المسيح يدافع عنا وعن تلاميذه. فليشتكى علينا من يشتكى فلنا مسيح يدافع عنا.
10- هناك مقارنة لطيفة بين أكل التلاميذ للسنابل والقصة التى إقتبسها السيد المسيح من حياة داود إذ أكل من الخبز المقدس. فكلا القصتين يرمزان للأكل من جسد المسيح فى سر الإفخارستيا، فالمسيح شبه نفسه بحبة الحنطة (يو 24:12) وخبز الوجوه يشير لجسد المسيح فى سر الإفخارستيا ونحن بتناولنا من جسد المسيح نصير كلنا خبز واحد. وأكل داود الذى من سبط يهوذا، سبط المسيح يشير لأن الخبز المقدس الذى كان حكراً على سبط لاوى صار لسبط يهوذا أى لكل المؤمنين بالمسيح.
11- فى إنجيل معلمنا مرقس يذكر أن رئيس الكهنة هو أبياثار، بينما جاء فى سفر صموئيل " أبيمالك":-
أ- (يمكن) أن أبياثار كان وهو إبن إبيمالك وكانا معاً حين إلتقى بهما داود النبى، ثم أن شاول قتل إبيمالك وهرب ابياثار إلى داود وصار رفيقاً له. ولما استقر داود فى ملكه صار أبياثار هو رئيس الكهنة والأكثر شهرة من أبيمالك، وإستمر رئيساً للكهنة طوال فترة ملك داود. ونال شهرة أكثر من أبيه. (1 صم 20:22+7:30).
ب- (يمكن) أن أبيمالك رفض إعطاء الخبز المقدس لداود ورجاله ولكن أبياثار إبنه هو الذى وافق على ذلك، أو أن أبيمالك كرئيس للكهنة رأى أنه بحكم مركزه لا يصح أن يكسر الشريعة فأعطى الخبز المقدس لإبنه ليعطيه هو لداود فنسب العمل لأبياثار.
12- فى (لو 1:6) وفى السبت الثانى بعد الأول= السبت الأول هو عيد الفصح 14 نيسان، فالفصح يسمى سبت. والسبت الثاني هو السبت الذى أتى بعد الفصح مباشرة. وفى هذا الوقت تكون السنابل طرية يمكن أكلها. وفى هذا السبت يقرأ اليهود فى المجامع قصة داود وأكله من الخبز المقدس. وهذه هى القصة التي أستشهد بها السيد المسيح.
مت(9:12-14) + (مر 1:3-6) + (لو6:6-11):-
(مت9:12-14):-
ثم انصرف من هناك وجاء إلى مجمعهم. وإذا إنسان يده يابسة فسألوه قائلين هل يحل الإبراء في السبوت لكي يشتكوا عليه. فقال لهم أي إنسان منكم يكون له خروف واحد فان سقط هذا في السبت في حفرة أفما يمسكه ويقيمه. فالإنسان كم هو افضل من الخروف إذا يحل فعل الخير في السبوت. ثم قال للإنسان مد يدك فمدها فعادت صحيحة كالأخرى. فلما خرج الفريسيون تشاوروا عليه لكي يهلكوه.
(مر 1:3-6):-
ثم دخل أيضا إلى المجمع وكان هناك رجل يده يابسة. فصاروا يراقبونه هل يشفيه في السبت لكي يشتكوا عليه. فقال للرجل الذي له اليد اليابسة قم في الوسط. ثم قال لهم هل يحل في السبت فعل الخير أو فعل الشر تخليص نفس أو قتل فسكتوا. فنظر حوله إليهم بغضب حزينا على غلاظة قلوبهم وقال للرجل مد يدك فمدها فعادت يده صحيحة كالآخرى. فخرج الفريسيون للوقت مع الهيرودسيين وتشاوروا عليه لكي يهلكوه.
(لو6:6-11):-
وفي سبت آخر دخل المجمع وصار يعلم وكان هناك رجل يده اليمنى يابسة. وكان الكتبة والفريسيون يراقبونه هل يشفي في السبت لكي يجدوا عليه شكاية. أما هو فعلم أفكارهم وقال للرجل الذي يده يابسة قم وقف في الوسط فقام ووقف. ثم قال لهم يسوع أسألكم شيئا هل يحل في السبت فعل الخير أو فعل الشر تخليص نفس أو إهلاكها. ثم نظر حوله إلى جميعهم وقال للرجل مد يدك ففعل هكذا فعادت يده صحيحة كالأخرى. فامتلاوا حمقا وصاروا يتكالمون فيما بينهم ماذا يفعلون بيسوع.
السيد هنا يؤكد المبدأ السابق أن الله يريد رحمة لا ذبيحة (هو 6:6) فالسيد هنا بنفسة قام بشفاء الإنسان ذو اليد اليابسة أى المشلولة. واليهود سالوا هل يحل الإبراء فى السبوت= لم يكن السؤال لأجل المعرفة بل إستنكاراً لتصرفات المسيح وإتهاماً لهُ. والسيد إذ يعلم محتهم للأموال والمقتنيات سألهم أى إنسان منكم يكون له خروف … ليظهر لهم أنهم يهتمون بمقتنياتهم وأموالهم أكثر من رحمتهم بإنسان يده مشلولة. والرب كما أعطى قوة لهذا المريض ثم أعطاه أمراً أن يمد يده، هكذا مع كل وصية يعطيها لنا يعطى معها القوة على التنفيذ فنمد أيدينا لفعل الخير بنعمته. ولاحظ إيمان الرجل إذ لم يعترض على أمر المسيح بل مد يده.هناك من قال أن اليهود وضعوا هذا الرجل فى المجمع ليروا هل يشفيه المسيح.والمسيح تعمد أن يصنع معجزات كثيرة يوم السبت، فهو أتى ليصحح المفاهيم الخاطئة. ولاحظ أنهم كانوا يريدون من المسيح ألاّ يشفى يوم السبت، وتآمروا هم لقتل المسيح يوم السبت (مت 14:12) ولهذا إذ عرف المسيح فكرهم قال لهم هل يحل فى السبت فعل الخير أو فعل الشر تخليص نفس أو قتل (مر4:3) بغضب= بسبب عنادهم. ولو فكروا قليلاً فى روح الوصية. ففى وصية السبت يمنع شغل حتى الحيوانات (تث 14:5) وذلك لكى يرتاح الحيوان، فهل الله يهتم براحة الحيوان يوم السبت ولا يهتم بشفاء مريض يوم السبت. لاحظ قول مرقس فصاروا يراقبونه=المقصود أنهم يتربصون به ليتصيدوا عليه خطأ قال السيد للرجل قم فى الوسط =كان هذا ليستدر رحمتهم على الرجل المشلول. ولكن القلوب القاسية لم تلنْ. وهذا تدين فاسد إذ لم يجعل القلوب رحيمة، لهذا أصر السيد على عمل معجزاته يوم السبت ليصحح هذا التدين الفاسد الذى أغلق القلوب.
مت(15:12-21):-
فعلم يسوع وانصرف من هناك وتبعته جموع كثيرة فشفاهم جميعا. وأوصاهم أن لا يظهروه. لكي يتم ما قيل باشعياء النبي القائل. هوذا فتاي الذي اخترته حبيبي الذي سرت به نفسي أضع روحي عليه فيخبر الأمم بالحق. لا يخاصم ولا يصيح ولا يسمع أحد في الشوارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف وفتيلة مدخنة لا يطفئ حتى يخرج الحق إلي النصرة*.وعلى اسمه يكون رجاء الأمم.
إنصرف= إذ أرادوا قتله إنصرف 1) فهم لا يستحقونه،هم رفضوه فرفضوا الحياة. 2) إنصرف ليس خوفاً ولكن لأن ساعته لم تكن قد جاءت بعد. وكان عليه أن يتم تعاليمه أولاً. لذلك أوصاهم أن لا يظهروه. لكنه بعد أن أنهى تعاليمه ورسالته وعِلمَ أن ساعته قد جاءت ثبت وجهه لينطلق إلى أورشليم (لو 51:9). من هنا نتعلم أن نهرب من وجه الشر إذا أمكننا ذلك. هم لم يقبلوه وتشاوروا على قتله أما هو فقدم محبة للناس تبعته جموع فشفاهم جميعاً.
هوذا فتاى = إشارة لتجسده، وكونه كان طفلاً ثم فتى ثم رجلاً. لايصيح=كما يفعل المحاربون فى الحروب، ولا يصيح لينتهر ويدين ويزجر. لا يسمع أحد فى الشوارع صوته= لفرط تواضعه ووداعته.
قصبة مرضوضة لا يقصف=الخاطىء المنسحق تحت خطاياه يشجعه. فتيلة مدخنة لا يطفىء =من له شرارة من نار النعمة يضرمها.
مت(22:12-37) + (مر 22:3-30) + (لو 14:11-23):-
(مت22:12-37):-
حينئذ احضر إليه مجنون اعمى واخرس فشفاه حتى أن الاعمى الأخرس تكلم وابصر.فبهت كل الجموع وقالوا العل هذا هو ابن داود. أما الفريسيون فلما سمعوا قالوا هذا لا يخرج الشياطين إلا ببعلزبول رئيس الشياطين. فعلم يسوع أفكارهم وقال لهم كل مملكة منقسمة على ذاتها تخرب وكل مدينة أو بيت منقسم على ذاته لا يثبت. فان كان الشيطان يخرج الشيطان فقد انقسم على ذاته فكيف تثبت مملكته. وأن كنت أنا ببعلزبول اخرج الشياطين فأبناؤكم بمن يخرجون لذلك هم يكونون قضاتكم. ولكن أن كنت أنا بروح الله اخرج الشياطين فقد اقبل عليكم ملكوت الله. أم كيف يستطيع أحد أن يدخل بيت القوي وينهب أمتعته أن لم يربط القوي أولا وحينئذ ينهب بيته. من ليس معي فهو علي ومن لا يجمع معي فهو يفرق. لذلك أقول لكم كل خطية وتجديف يغفر للناس وأما التجديف على الروح فلن يغفر للناس. ومن قال كلمة على ابن الإنسان يغفر له وأما من قال على الروح القدس فلن يغفر له لا في هذا العالم ولا في الآتي. اجعلوا الشجرة جيدة وثمرها جيدا أو اجعلوا الشجرة رديه وثمرها رديا لان من الثمر تعرف الشجرة. يا أولاد الأفاعي كيف تقدرون أن تتكلموا بالصالحات وانتم أشرار فانه من فضلة القلب يتكلم الفم. الإنسان الصالح من الكنز الصالح في القلب يخرج الصالحات والإنسان الشرير من الكنز الشرير يخرج الشرور. ولكن أقول لكم أن كل كلمة بطالة يتكلم بها الناس سوف يعطون عنها حسابا يوم الدين. لأنك بكلامك تتبرر وبكلامك تدان.
(مر 22:3-30):-
وأما الكتبة الذين نزلوا من أورشليم فقالوا أن معه بعلزبول وانه برئيس الشياطين يخرج الشياطين.فدعاهم وقال لهم بأمثال كيف يقدر شيطان أن يخرج شيطانا. وأن انقسمت مملكة على ذاتها لا تقدر تلك المملكة أن تثبت. وأن انقسم بيت على ذاته لا يقدر ذلك البيت أن يثبت. وأن قام الشيطان على ذاته وانقسم لا يقدر أن يثبت بل يكون له انقضاء. لا يستطيع أحد أن يدخل بيت قوي وينهب أمتعته أن لم يربط القوي أولا وحينئذ ينهب بيته. الحق أقول لكم ان جميع الخطايا تغفر لبني البشر والتجاديف التي يجدفونها. ولكن من جدف على الروح القدس فليس له مغفرة إلى الأبد بل هو مستوجب دينونة أبدية. لأنهم قالوا أن معه روحا نجسا.
(لو 14:11-23):-
وكان يخرج شيطانا وكان ذلك اخرس فلما اخرج الشيطان تكلم الأخرس فتعجب الجموع. وأما قوم منهم فقالوا ببعلزبول رئيس الشياطين يخرج الشياطين. وآخرون طلبوا منه اية من السماء يجربونه. فعلم أفكارهم وقال لهم كل مملكة منقسمة على ذاتها تخرب وبيت منقسم على بيت يسقط. فان كان الشيطان أيضا ينقسم على ذاته فكيف تثبت مملكته لأنكم تقولون أنى ببعلزبول اخرج الشياطين. فان كنت أنا ببعلزبول اخرج الشياطين فأبناؤكم بمن يخرجون لذلك هم يكونون قضاتكم. ولكن أن كنت بإصبع الله اخرج الشياطين فقد اقبل عليكم ملكوت الله. حينما يحفظ القوي داره متسلحا تكون أمواله في أمان. ولكن متى جاء من هو أقوى منه فانه يغلبه وينزع سلاحه الكامل الذي اتكل عليه ويوزع غنائمه. من ليس معي فهو علي ومن لا يجمع معي فهو يفرق.
فى إنجيل متى نسمع أن السيد المسيح يشفى مجنون أعمى وأخرس فيتهمه الفريسيون لحسدهم له انه إنما عمل هذا بالشيطان ليبعدوا الناس عنه. ورد المسيح عليهم فى خطاب طويل. يورد منه القديس مرقس بعضٌ منه. أما القديس لوقا فأورد نفس الخطاب بعد معجزة شفاء أخرس. وكان يخرِجُ شيطاناً وكان ذلك أخرس = طبعاً لا يوجد شيطان أخرس. ولكن هذه صفة الإنسان الذى صار أخرساً نتيجة لسكن الشيطان فيه. وبمقارنة ماورد فى متى وفى لوقا نفهم أن السيد المسيح قد شفى المجنون الأعمى الأخرس بأن أخرج منه الروح النجس الذى جعله كذلك.
والمجنون هو من يفعل شْىء لا يتوقع أن يصدر عن إنساناً عاقل، مثلاً إذا وجدنا إنساناً يُلقى بنفسه فى النار، نقول عنه أنه مجنون لأنه يفعل ما يضربه نفسه. والشيطان يغوى الإنسان أن يخطىء وحين يتجاوب معه ويسير فى طريق الخطية يكون مجنوناً روحياً إذ هو يضر نفسه، فطريق الخطية نهايته الموت. ثم لو سار إنسان فى هذا الطريق سيصاب بالعمى الروحى فلا يعود يعرف المسيح ولا يتذوق حلاوة عشرته. وطالما صار لا يعرف المسيح ولا حلاوة عشرته فهو لن يسبحه ولن يتحرك لسانه طالباً التوبة إذ صار أخرساً. (فالعمى الروحى يعمى الإنسان أيضاً عن فساد طريقه فلا يعرف انه خاطىء ولن يطلب التوبة). فشفاء السيد المسيح لهذا المجنون الأعمى الأخرس هو رمز لشفاء الخاطئ الذى يسيطر عليه الشيطان أو تسيطر عليه الخطية فيسلبه لبه وعقله ويعميه عن رؤية البركات السماوية وعن رؤية الهلاك الأبدى، فلا يقع بصره إلاّ على اللذات العالمية ويعقد لسانه عن الإعتراف بالذنب والتوبة وعن التسبيح. وفى هذه المعجزة نرى إنهيار مملكة الشيطان التى تفقد الإنسان فكره السليم ورؤيته وتخرس لسانه.والشعب العادى رأى فى هذا إعلان مملكة المسيا=العل هذا إبن داود ولكن الفريسيين جدفوا وأظهروا عداءهم بغير تعقل قائلين هذا لا يخرج الشياطين إلاّ ببعلزبول رئيس الشياطين = وأصل كلمة بعلزبول هو بعلزبول أى إله الذباب عند العقرونيين، (2مل 3:1) وأسموه هكذا إذ كانوا يعتقدون أن فيه القدرة على طرد الذباب من المنازل، أما اليهود فأخذوا الإسم وأطلقوه على الشيطان بعد تعديله إلى بعلزبول أى إله المزابل وكان رد المسيح أن الشيطان لا ينقسم على نفسه وإلاّ خربت مملكته. وفى هذا درس لنا إلا ننقسم على أنفسنا سواء على مستوى الكنيسة أو مستوى العائلة.وكل إنقسام سواء على مستوى الكنيسة أو العائلات هو غريب عن روح المسيح. إنه من عمل الشيطان. وهل من المنطقى أن يأتى الشيطان ليسئ لإنسان ( وهذه خطتهم ) فيأتى أخر وينقسم عليهم ويخرجه ما لم يكن لمن أخرجه سلطان على الشياطين.
فأبناؤكم بمن يخرجون= يقصد تلاميذه الذين هم من أبناء الشعب وهؤلاء لما أرسلهم المسيح أخضعوا الشياطين بإسم المسيح (لو 17:10 + مت 8:10) وهؤلاء صيادين بسطاء لم يعرف عنهم أنهم يتعاملون بالسحر وهم صاروا شهود للمسيح وبره وقوته ومحبته وقضاة لهؤلاء المتمردين، فهم بشهادتهم يوم الدين سُيحكم على هؤلاء المفترين على المسيح ظلماً. ولو تعلل هؤلاء بأن الشيطان أغواهم إذ كان مسيطراً عليهم، فتلاميذ المسيح أيضاً سيدينونهم إذ هم منهم، هم إخوتهم وأبناءهم، وهم سيشهدوا أن المسيح قد قيد إبليس وحررهم، وكان المسيح مستعداً لأن يحرر كل من يقبله. ولكن إن كنت أنا بروح الله أخرج الشياطين فقد أقبل عليكم ملكوت الله = هنا السيد يؤكد أنه يخرج الشياطين بروح الله، والمقصود طبعاً أن المسيح يريد أن يقول أنا لا أستخدم بعلزبول ولكن أنا بروح الله الذى تعرفونه أعمل ما أعمله من معجزات إخراج الشياطين، هنا السيد يظهر العلاقة بينه وبين الله حتى يطمئنوا أنه لا يستخدم قوى شيطانية، كان المسيح يمكنه أن يقول أنا أخرج الشياطين بقوتى ولكن كان هذا لن يعطى إطمئناناً للسامعين فهم لم يعرفوا بعد من هو المسيح، كان السيد يريد أن يطمئنهم أن مصدر قوته هو الله وليس الشيطان. وعلامة ذلك قد ظهرت فى حياة التلاميذ البسطاء الذين صاروا يحملون قوة وسلطاناً، الأمر الذى يؤكد ظهور ملكوت الله، محطماً مملكة الشيطان ليقيم مملكة الله الروحية على كل الأمم. وليملك على القلوب
والآن هل السامعين هم من مملكة الله أم من مملكة الشيطان ؟لقد أقبل ملكوت الله وتحطمت مملكة الشيطان، فإن هم قبلوا المسيح صاروا مسكناً للروح القدس وتحرروا من سلطان إبليس، وإن هم عاندوا المسيح وقاوموه فهم بالضرورة سيهلكوا مع مملكة الشيطان التى هلكت وأتت الآية فى لوقا ولكن إن كنت أنا بإصبع الله أخرج.. وبهذا نفهم أن الروح القدس هو إصبح الله بينما يسمى المسيح ذراع الله (اش 9:51+ مز 1:98) فالذراع هى القوة التى يُعْمَلَ بها العمل، أماّ الأصابع فهى التى تنفذ العمل والآن الروح القدس يبنى الكنيسة ويهيىء النفوس، ولكن عمله مبنى على قوة عمل المسيح فى فدائه. وعموما وحدة الذراع والأصابع إشارة لوحدة الإبن والروح القدس.
السيد المسيح هنا لا يستعرض قوته الإلهية بل هو يوجه نظر السامعين من الرافضين والمعاندين إلى السلطان الجديد على الشياطين الذى صار متاحاً للتلاميذ، ومتاح أيضاً لهم ولكنهم بعنادهم يحرمون أنفسهم منه. إذن عوضاً عن أن تتهمونى بأنى ببعلزبول أخرج الشياطين تمتعوا بهذا السلطان وهذا الرصيد الذى صار للبشرية.
أم كيف يستطيع أحد أن يدخل بيت القوى.. = هذا دليل ثالث أن المسيح أخرج الشيطان بسلطانه فهو الأقوى من الشيطان. لقد إحتل الشيطان الإنسان وحسبه بيته، ونهب كل طاقاته وإمكانياته ومواهبه لتعمل لحساب مملكة الشر.هذا العدو القوى لن يخرج، ولا تسحب منه أمتعته التى إغتصبها ما لم يربط أولاً. فقد جاء السيد المسيح ليعلن عملياً سلطانه كمحطم لهذا العدو القوى حتى يسحب منه ما قد سبق فسلبه. وقد يكون بيته هو مملكته على الأرض وأمتعته هم الناس الذين يتشبهون بإبليس أبيهم فى أعمالهم. وكما أننا ندعو القديسين أو أنى مقدسة وأمتعة مكرسة، فالأشرار هم آنية إبليس وأمتعته. والمسيح بدأ معركة مع الشيطان على الجبل وأنهاها على الصليب، وبعد الصليب ربطه (2بط 4:2 + رؤ 1:20-3) من ليس معى فهو علىَّ= فى الحرب مع إبليس ( فالحرب لم تنته بعد لأن إبليس لم يلق فى البحيرة المتقدة بالنار) لا يوجد حياد فإما أن نكون مع المسيح ضد إبليس أو نكون مع إبليس ضد المسيح، إماّ نكون أولاداً لله أو أولاداً لإبليس. هذا الكلام موجه للسامعين ومنهم من إعتبر المسيح أنه إبن داود خصوصاً بعد معجزة شفاء المجنون الأعمى الأخرس، ومنهم الفريسيين الرافضين الذين جدفوا عليه. ومن لا يجمع معى فهو يفرق = فالذى يجمع بدون المسيح، مهما جمع فهو يفرق، فالمسيح واحد وكنيسته واحدة، ومن يجمع بدونه سيكون خارج الكنيسة الواحدة. مع المسيح ليس حل وسط، إماّ أنت مع المسيح أو ضده. والمسيح أتى ليرد الناس لله والفريسيين بقولهم يفرقون الناس عن المسيح، إذن هم مع الشيطان ضد الله
ونلاحظ فى (لو 21:11) قوله حينما يحفظ القوى دارهُ متسلحاً = وأسلحة إبليس القوى الخبث والدهاء، وجاء المسيح ليشهر هذا العدو ويفضحه ويحطم أسلحته بمحبته وبالحق الذى فيه، ليطرده من قلوب أولاده.
فى (مر 22:3) أماّ الكتبة الذين نزلوا من أورشليم = هم بعثة غالباً من مجمع السنهدريم مرسلة لإفساد خدمة السيد، إذ ذاع صيته. لكن قوله نزلوا فهذا إشارة لإنحطاطهم. ولاحظ أن مرقس لم يضع خطاب السيد عقب معجزة ولكن عقب أن أقرباء المسيح قالوا أنه مختل (مر 21:3). فمرقس يصور أن الهجوم على المسيح كان من أقربائه ومن الفريسيين والكتبة والسنهدريم. وهنا يوضح مرقس أن هؤلاء كان يلوثون سمعة يسوع ليوقفوا الإنبهار به.
ومن (مر 22:3) نجد أن هؤلاء الكتبة مرة يقولون أن معهُ بعلزبول ومرة يقولون برئيس الشياطين يخرج الشياطين. والمسيح يرد بأن قولهم هذا وذاك فيه تناقص إذ كيف وهو مستحوذ عليه الشيطان يخرج شياطين، هذا هو الإنقسام بعينه، والشيطان لا يفعل ذلك حتى لا تخرب مملكته. فإخراج الشيطان من إنسان هو حكم بطرده بسلطان يخرج أمامه الشيطان منهزماً.
وفى لو (16:11) نجدهم لم يكتفوا بمعجزة إخراج الشياطين بل يطلبوا معجزة أخرى ليثبت أنه المسيا، فكان اليهود عندهم إعتقاد أن المسيا سينزل مناً من السماء كما فعل موسى (يو 30:6-31).
(مت 31:12-32) ما معنى التجديف على الروح القدس + (لو 10:12) :-
يستغل إبليس هذه الآيات ليحطم بعض النفوس، فيشككها أنه قد مر على فكرها تجديفاً على الروح القدس وبالتالى تبعاً لهذه الآيات فلا غفران وبالتالى إغلاق باب الرجاء أمامها.
ولكن علينا أن نفهم أن أى خطية يقدم عنها توبة يغفرها الله، وهذا وعده (1يو 7:1-9) لاحظ قوله يطهرنا من كل خطية ولكن المقصود بالتجديف على الروح القدس هو الإصرار على مقاومة صوت الروح القدس الذى يبكت على الخطية داعياً للتوبة، أى أن يصر الإنسان على عدم التوبة حتى آخر نسمة من نسمات حياتنا. من قال كلمة على إبن الإنسان يُغفر له= فالإنسان غير المؤمن قد يتعثر فى المسيح إذ يراه إنساناً عادياً فيتكلم عليه كلاماً غير لائق، لكنه حين يؤمن ويعترف بهذه الخطية تغفر لهُ.
أما من قال على الروح القدس فلن يغفر لهُ= السيد يقول هذا للفريسيين الذين قالوا أنه يخرج الشيطان بواسطة بعلزبول، فهم بهذا يقولون عن الروح القدس الذى به يخرج السيد الشياطين أنه بعلزبول، وهذا فيه تجديف على الروح القدس. وحتى من هؤلاء من سيقدم توبة بعد إيمانه ستغفر لهُ، أما لو إستمر مقاوماً للحق فلن تغفر خطيته.ولنلاحظ أن الروح القدس هو الذى يبكت على الخطايا (يو8:16 ). ولكن أمام إصرار الإنسان على المقاومة لصوت الروح القدس ينطفىء صوته. لذلك يحذر الرسول بولس " لا تطفئوا الروح " و"لا تحزنوا الروح" وإذا إنطفأ الروح داخل إنسان لعناده (مثل هؤلاء الفريسيين) سيصبح غير قادراً على التوبة ( لأنه لا يسمع صوت الروح القدس) وإذ لا يقدم توبة لا تغفر خطيته، وهذا هو التجديف على الروح الذى لا يُغفر. ولكن لا يُفهم الكلام حرفياً فغير المؤمنين طالما جدفوا على الروح القدس فهل حينما يؤمنون لن يغفر لهم ما قالوه ؟!!
مر(28:3-30):-
الحق أقول لكم أن جميع الخطايا تغفر لبني البشر والتجاديف التي يجدفونها. ولكن من جدف على الروح القدس فليس له مغفرة إلى الأبد بل هو مستوجب دينونة أبدية. لأنهم قالوا أن معه روحا نجسا.
لاحظنا هنا أن خطاب السيد المسيح جاء بعد أن قال أقرباء المسيح عنه أنه مختل فهذا يعتبَر تجديفاً على إبن الإنسان إذ هم تعثروا فيه ولم يعرفوا حقيقته وجاء الخطاب بعد تجديف الفريسيين وقولهم على الروح القدس أنه بعلزبول وبمثل هذا التجديف على الروح لو إستمروا فى عنادهم فلن يغفر لهم أبداً.
(مت 33:12-37):-
اجعلوا الشجرة جيدة وثمرها جيدا أو اجعلوا الشجرة رديه وثمرها رديا لان من الثمر تعرف الشجرة. يا أولاد الأفاعي كيف تقدرون أن تتكلموا بالصالحات وانتم أشرار فانه من فضلة القلب يتكلم الفم. الإنسان الصالح من الكنز الصالح في القلب يخرج الصالحات والإنسان الشرير من الكنز الشرير يخرج الشرور. ولكن أقول لكم أن كل كلمة بطالة يتكلم بها الناس سوف يعطون عنها حسابا يوم الدين. لأنك بكلامك تتبرر وبكلامك تدان.
إجعلوا الشجرة جيدة وثمرها جيداً. أو إجعلوا الشجرة رديئة..= السيد يوجه كلامه لمن يتهمونه أنه ببعلزبول يشفى ويخرج الشياطين. وإن كان أحد تصدق عليه هذه التهمة فهو بالتأكيد شجرة رديئة وثمارها رديئة ولكن السيد يشرح لهم، أن ينظروا إلى أعماله فسيجدونها أعمال صالحة فهو يجول يصنع خيراً ويشفى المرضى ويدعو للتوبة.. إذاً ثماره جيدة وهذا يدل أنه شجرة جيدة. أما هم فشجرة رديئة فأعمالهم شريرة ومؤامراتهم ضده تفضح خبثهم وريائهم. ولكن السيد لا يغلق الباب أمام أحد فلاحظ أنه يقول إجعلوا الشجرة جيدة = فالفرصة إذن متاحة أمام الجميع لكى يتغيروا من كونهم شجرة رديئة ليصيروا شجرة جيدة ولكن السيد يقول أيضاً إجعلوا الشجرة رديئة = فالله خلقهم شجرة جيدة وأتى بهم إلى أرض جيدة، وهياً لهم كل الظروف ليستمروا شجرة جيدة ولكنهم بإنحرافهم صاروا شجرة رديئة. هذا الكلام لا يعطى لأحد فرصة أن يتعلل بأنه ضعيف وأن طبيعته ساقطة ضعيفة شريرة. لكن يُفهم من هذا الكلام أن السيد يفتح باب الرجاء أمام كل إنسان، ومن يريد يحوله الله من شجرة رديئة إلى شجرة جيدة.
يا أولاد الأفاعى= هم قالوا أنه ببعلزبول يخرج الشياطين، لذلك قال عليهم أولاد أفاعى. فكل من يقبل الأفكار الشيطاينة التى يطرحها عليه الشيطان فى قلبه ثم يتكلم بها بلسانه فقد صار إبناً لإبليس وبوقاً للحية القديمة. كيف تقدرون أن تتكلموا بالصالحات وأنتم أشرار = هؤلاء داخلهم فساد لكنهم فى رياء يتكلمون كلاماً صالحاً أمام الناس وهم يفسرون الكتاب ويعظون.والسيد هنا يلفت النظر أن المهم هو تنقية الداخل وحينما يتطهر الداخل تكون كلماتنا نقية من فيض قلبنا الطاهر =من فضلة القلب يتكلم اللسان =فالبر والتقوى ليست كلمات نوهم بها الناس أننا أتقياء، ( فهذا هو الرياء، وطبيعتنا الداخلية لابد وستفتضح يوماً ما فليس خفى إلاّ ويعلن مت 26:10). ولكن البر والتقوى هى طبيعة نابعة من القلب، فلنصرخ مع داود " قلباً نقياً إخلقه فّى يا الله " والسيد المسيح أتى لهذا ليعطينا أن نكون خليقة جديدة (2 كو 17:5).
بالإضافة لأنهم فى بعض الأحيان يمتدحونه حين يعمل معجزات، وها هم يتهمونه، فكيف يستقيم أن من يمدحونه يتعامل مع بعلزبول. بل كيف يعمل أعمالاً صالحة وهو يتعامل مع بعلزبول، وإخراج الشيطان هو عمل خَيِّرْ والشيطان لا يصدر منه أى خير فكيف يستقيم كلامهم.
ونلاحظ أن القلب يمتلىء بما نضعه فيه، ومصادر دخول المعلومات للقلب هى الحواس والأفكار، فلو قدسناها أى نمنع العين من أن تنظر نظرة شريرة ونمنع الأذن من أن تسمع كلمة بطالة نتلذذ بها وهكذا، بل نغذى حواسنا بمعلومات مقدسة، كما كان داود يشتهى أن يتفرس فى هيكل الله، أو ندرب الأذان على سماع الألحان والترانيم ونجتهد أن نضبط الفكر، فنفكر فى السماويات، بهذا يمتلىء القلب من الكنوز الصالحة، وحينئذ يخرج اللسان أقوال صالحة.
كل كلمة بطالة… =هنا يقدم المسيح حل لمشكلة كيف يتقدس القلب. والبداية التى يعرضها المسيح هى التحكم فى اللسان، جهادنا ألاننطق بكلمة شريرة أو رديئة أو قبيحة، فاللسان لو ضبطناه نضبط الحياة كلها (يع 1:3-12) فمثلاً من يتذمر بإستمرار على وضعه يملأ قلبه تذمراً ضد الله ويزداد لسانه فى إتهاماته ضد الله، ولن تنتهى هذه الدائرة الشيطانية، أما من يتعود على شكر الله وتسبيح الله بلسانه، فهذا يملأ قلبه حباً لله، وبالتالى من داخل هذا القلب المملوء حباً تخرج كلمات تسبيح.
فلنبدأ بأن نغصب أنفسنا أن نتكلم حسناً، هنا ينصلح حال القلب فيبدأ يخرج أقوالاً مباركة من قلب محب وليس بتغصب بالطبيعة الجديدة بالنعمة التى نحصل عليها بالجهاد (أى بالتغصب). وقطعاً علينا أن نغصب أنفسنا حتى تدركنا النعمة وتغير طبيعتنا حتى لا ندان = لأنك بكلامك تتبرر وبكلمك تدان.
(مت 38:12-42 + لو29:11-32):-
(مت 38:12-42):-
حينئذ أجاب قوم من الكتبة والفريسيين قائلين يا معلم نريد أن نرى منك آية. فأجاب وقال لهم جيل شرير وفاسق يطلب آية ولا تعطى له آية إلا آية يونان النبي. لأنه كما كان يونان في بطن الحوت ثلاثة أيام وثلاث ليال هكذا يكون ابن الإنسان في قلب الأرض ثلاثة أيام وثلاث ليال. رجال نينوى سيقومون في الدين مع هذا الجيل ويدينونه لأنهم تابوا بمناداة يونان وهوذا اعظم من يونان ههنا. ملكة التيمن ستقوم في الدين مع هذا الجيل وتدينه لأنها آتت من أقاصي الأرض لتسمع حكمة سليمان وهوذا اعظم من سليمان ههنا.
(لو29:11-32):-
وفيما كان الجموع مزدحمين أبتدأ يقول هذا الجيل شرير يطلب آية ولا تعطى له آية إلا آية يونان النبي. لأنه كما كان يونان آية لأهل نينوى كذلك يكون ابن الإنسان أيضاً لهذا الجيل. ملكة التيمن ستقوم في الدين مع رجال هذا الجيل وتدينهم لأنها أتت من أقاصي الأرض لتسمع حكمة سليمان وهوذا اعظم من سليمان ههنا. رجال نينوى سيقومون في الدين مع هذا الجيل ويدينونه لأنهم تابوا بمناداة يونان وهوذا اعظم من يونان ههنا.
رفض السيد المسيح تقديم آية لهم لأنهم طلبوا هذا بمكر، فهو صنع معجزات من قبل لكنهم قالوا أنه يعملها ببعلزبول فهم لا يستحقون، لأن السيد نفسه عَلّمَ من قبل ضرورة ألا يُلقى القدس للكلاب. ولنفهم أن المعجزة ليست عملاً إستعراضياً، وإنما هى عمل إلهى هدفه خلاص الإنسان، يقدم هذا كله الآية التى حملت رمزاً لدفن السيد المسيح وقيامته التى بها أعطانا الخلاص وهذه الآية هى آية يونان النبى. وموت المسيح نفسه وقيامته هى آية عجبية لمن يفهم، فموت المسيح فيه موت للخطية وقيامة المسيح فيها إنتصار على الموت وهذه هى الآية التى يحتاجها الإنسان لخلاصه.
ونفهم أيضاً أن المعجزات لن تزيد إيمان أحد بقدر ما يزيد إيمانه التأمل فى محبة المسيح المصلوب عناّ، والقائم من الأموات ليقيمنا ويعطينا حياة أبدية فها هم اليهود قد رأوا معجزات كثيرة ولم يؤمنوا بل هم يطلبون المزيد منها، والمسيح يقول لا معجزات، فما تحتاجونه لخلاصكم ليس هو المعجزة بل التأمل فى عمل المسيح الفدائى أى موته وقيامته. ويحتاجون لتوبة كتوبة يونان النبى وتوبة نينوى التى تابت بمناداة يونان.
ثلاثة أيام وثلاث ليال= التلمود يعتبر جزء اليوم يوماً كاملاً. واليهود يعبرون عن اليوم الكامل بقولهم ليلاً ونهاراً (تك 5:1،8… + تك 4:7،12+إس 16:4) جيل شرير وفاسق = يتهمونه أنه ببعلزبول يعمل معجزاته التيمن= اليمن أو الجنوب عموماً أو سبأ.
(لو 30:11) يونان آية لأهل نينوى = ربما أن خبر الحوت وصل لأهل نينوى من البحارة، ثم خرج يونان حياً، وكان هذا سبباً فى إيمان أهل نينوى فكانت آية يونان هى خروجه من بطن الحوت بعد ثلاثة أيام. وآية المسيح الكبرى هى خروجه من الموت بعد ثلاثة أيام. والمعنى وراء هذا الكلام أن الضربات التى كانت ستوجه لنينوى إن لم تتب، ستوجه لليهود لو رفضوا الإيمان بالمسيح، وهذا ما حدث من تيطس سنة 70م.
ونلاحظ فى المثلين الذين إستخدمهما المسيح 1) نينوى سمعت عن خوف وإضطرار 2) ملكة التيمن جاءت تسمع عن إشتياق بعد أن سمعت عن سليمان أماّ إسرائيل فليس لديه إشتياق ولا يحرك قلوبهم الخوف بالرغم من كل ما رأوه وسمعوه من المسيح، مع أن المسيح أتى بحكمة ومعجزات أكثر بكثير من سليمان، ونادى بكلمات أعظم من يونان لكنهم رفضوه. ولاحظ أن نينوى قبلت نبياً غريباً عنهم فهو من إسرائيل وسمعت له وتابت، واليهود رفضوا ربهم المتجسد الذى تكلمت عنه نبوات كتابهم المقدس.
تأمل :- ما نحتاجه اليوم فعلاً ليس كثرة المعجزات ولكن تغير القلب إلى قلب محب لله، والقلب المملوء حباً لله سيقبل من يديه أى شىء.
(مت 43:12-45 + لو 24:11-26) :-
(مت 43:12-45):-
إذا خرج الروح النجس من الإنسان يجتاز في أماكن ليس فيها ماء يطلب راحة ولا يجد. ثم يقول ارجع إلى بيتي الذي خرجت منه فياتي ويجده فارغا مكنوسا مزينا. ثم يذهب ويأخذ معه سبعة أرواح أخر اشر منه فتدخل وتسكن هناك فتصير أواخر ذلك الإنسان اشر من أوائله هكذا يكون أيضا لهذا الجيل الشرير.
(لو 24:11-26):-
متى خرج الروح النجس من الإنسان يجتاز في أماكن ليس فيها ماء يطلب راحة وإذ لا يجد يقول ارجع إلى بيتي الذي خرجت منه.فياتي ويجده مكنوسا مزينا.ثم يذهب ويأخذ سبعة أرواح أخر اشر منه فتدخل وتسكن هناك فتصير أواخر ذلك الإنسان اشر من أوائله.
قبل هذا شرح المسيح أنه هو الذى نهب أمتعة القوى بعد أن دخل بيته وذلك بعد أن ربطه أولاً. والسيد المسيح حررنا كمؤمنين من سلطان إبليس.ولكن السيد المسح هنا يحذرنا لئلا نبدأ الطريق ولا نكمله، فإننا بعد أن حررنا المسيح، علينا أن نجاهد لنستمر أحرار. وذلك بأن نرفض طريق الخطية، وأن نصلى بإستمرار ونمارس وسائط النعمة، نسهر على خلاص نفوسنا ونستعد لليوم الأخير، أماَ من يهمل ويريد فسيعود له الشيطان وبقوة أكبر، فهو لا يجد راحته إلاً فى العودة من حيث طُرد، وهكذا يبقى متربصاً لعله فى تهاوننا يرجع بصورة أشر وأقوى لكى يسكن فينا من جديد. هذا حال من بدأ بالروح وأكمل بالجسد (غل 3:3) وهذا هو حال اليهود الذى يوجه السيد كلامه إليهم، إذ هم بسابق علاقتهم مع الله ووجود الله فى وسطهم، فكأنهم تمتعوا بطرد إبليس من قلوبهم، لكنهم إذ جحدوا الرب وجدفوا عليه صاروا أشر مما كانوا عليه قبل الإيمان ليس فيها ماء= أى يطوف باحثاً عن شخص خلا من الروح القدس ليحتل قلبه.
والشعب اليهودى حين كان فى مصر مستعبداً، يعيشون حسب نواميس المصريين المملوءة دنساً سكن الروح النجس فيهم، ولكنهم خلصوا بواسطة موسى خلال رحمة الله وتقبلوا الشريعة، حينئذ طُرِد منهم الروح النجس، والآن بجحدهم للمسيح هاجمهم الروح النجس من جديد فوجد قلبهم فارغاً، خالياً من مخافة الله، كما لو كان مكنوساً مزيناً، فسكن فيهم. والعكس فالروح القدس إذ يجد قلباً نقياً يطلب الله، يأتى ويسكن عنده.
ليس فيها ماء= كان اليهود يظنون أن البرية هى مكان الشياطين. ونلاحظ عموماً أن الماء يرمز للروح القدس (أش 1:44-4 + يو 37:7-39).
يطلب راحة = الشيطان يجد راحة فى إحتلال أجسام البشر. ليؤذيهم ويبعدهم عن الله، فهذه راحته
أرجع إلى بيتى = فهو إن لم يجد إنسان آخر يدخل فيه يعود لمن خرج منه. ولنطبق هذا على اليهود، فالشيطان خرج منهم إذ أخرجهم موسى من أرض مصر وسكنوا فى أرض الميعاد، ثم سكن فى الأمم الوثنيين، لكنه ظل متربصاً بالمكان الذى خرج منه، فالأمم كانوا أماكن ليس بها ماء. ولما جحد اليهود المسيح وصلبوه، صار واهم أماكن بلا ماء، فرجع الشيطان إلى بيته ومعه سبعة أرواح أخر أشر منه. وهذا ما حدث، فحسب وصف المؤرخ يوسيفوس عن حال اليهود قبل خراب سنه 70م على يد تيطس، نرى فعلاً أن حال اليهود صار من أردأ ما يمكن أخلاقياً كإنما إستولى عليهم لجيئون وإندفعوا فى شرورهم جداً. مكنوساً مزيناً = إذا عاد الإنسان لسيرته الأولى (2بط 20:2-22) ولم يحصنوا أنفسهم بعبادتهم لله. أشر منه= إذاً الشياطين متفاوتين فى القوة والشر والخداع لكن من يتحصن بالله ينجو منهم هو برج حصين.
مكنوساً = ليس فيه أثر لكلام المسيح مزيناً = فيه صور الخلاعة فى القلب. ولاحظ فالشيطان حين يخرج من شخص يظل يجول باحثاً عن شخص آخر يؤذيه، فعمله هو أذية الناس. وإن لم يجد آخر يعود للشخص الذى خرج منه ليحتله ثانية ويؤذيها
(لو 11 : 27-28):-
وفيما هو يتكلم بهذا رفعت امرأة صوتها من الجمع وقالت له طوبى للبطن الذي حملك والثديين اللذين رضعتهما. أما هو فقال بل طوبى للذين يسمعون كلام الله ويحفظونه.
طوبى للبطن= هنا نجد تنفيذ نبوة العذراء "كل الأجيال تطوبنى (لو 48:1)" هذه المرأة تطوب المرأة التى حملت المسيح فى بطنها إذ أعجبت بأقواله. ونفهم أن الروح القدس نطق على شفتيها فهى لم تذكر أباه فهو بلا أب جسدى طوبى للذين يسمعون كلام الله …= المسيح بهذا يطوب العذراء أيضاً فهى بلا شك تحفظ كلام الله وإلاً ما إستحقت أن تكون لهُ أماً. المسيح هنا يرفض أن تكون الطوبى بسبب القرابة الجسدية، ولكن بسبب التقوى فهذا أهم.ونجد أن من تلاميذ المسيح من هم أقرباؤه بالجسد مثل يعقوب ويهوذا كاتب الرسالة وليس الإسخريوطى، ولكنهم فى كتابتهم لم يقولوا أنهم أقرباء لهُ بالجسد، بل عبيده (يع 1:1 + يه1). فالقرابة الجسدية لا تعطى فرحاً بالمسيح، فهاهم بعض أقرباؤه يعتبرونه مختل (مر 21:3). لذلك إعتبر بولس الرسول أنه إن عرفنا المسيح حسب الجسد فنحن ما عرفناه (2كو 16:5) ولاحظ أن الناس لن يحبوا أحداً لأنه يقول أنا إبن فلان أو علان وإنما هم يحبونه لشخصه وأعماله، وهكذا السيد المسيح أراد أن تكون الطوبى لأمه بسبب تقواها. وإن كنا نهاجم الفريسيين على عنادهم وعدم إيمانهم المسيح وعيونهم المغلقة، فإننا نطوب هذه المرأة على أذنيها المفتوحتين وعيونها المفتوحة وقلبها المفتوح،فى علمت أن من أمامها أى المسيح، ليس شخصاً عادياً، إذ هى عرفت قدر كلماته وتعاليمه.
(مت 46:12-50 + مر 31:3- 35 + لو 19:8- 21):-
(مت 46:12-50):-
وفيما هو يكلم الجموع إذا أمه واخوته قد وقفوا خارجا طالبين أن يكلموه. فقال له واحد هوذا أمك واخوتك واقفون خارجا طالبين أن يكلموك. فأجاب وقال للقائل له من هي أمي ومن هم اخوتي. ثم مد يده نحو تلاميذه وقال ها امي واخوتي. لان من يصنع مشيئة أبى الذي في السماوات هو آخى وأختي وأمي.
(مر 31:3- 35):-
فجاءت حينئذ اخوته وأمه ووقفوا خارجا وأرسلوا إليه يدعونه. وكان الجمع جالسا حوله فقالوا له هوذا أمك واخوتك خارجا يطلبونك. فأجابهم قائلا من أمي واخوتي. ثم نظر حوله إلى الجالسين وقال ها امي واخوتي.لان من يصنع مشيئة الله هو أخي واختي وامي.
هذه القصة تحمل نفس المفهوم السابق، فالمسيح هنا يرفع العلاقات من مستوى القرابة بالجسد إلى مستوى العمل بمشيئة الآب كأساس، فمن لا يصنع مشيئة الآب لا يكون من أهل المسيح. ونلاحظ أن إخوة المسيح المسيح بالجسد لم يكونوا يؤمنون به أولاً (يو5:7)، وبعض من أقربائه قالوا أنه مختل (مر 21:3)، فأيهما أقرب للمسيح هؤلاء غير المؤمنين حتى وإن كانوا أقربائه بالجسد، أم الذين آمنوا به وأحبوه وحفظوا وصاياه (يو 15:14). المسيح عموماً يريد أن يرفعنا فوق مستوى العلاقات الجسدية، فهو الذى قال من أحب أباً أو أما.... اكثر منى فلا يستحقنى.
ثم مد يده نحو تلاميذه وقال ها أمى ……= فالمسيح بتجسده وحلوله فى وسطنا دخل معنا فى علاقة جديدة فحسبنا أمه وإخوته. نحن نصير أماً له بحمله فى داخلنا، وصرنا إخوة له بكونه بكراً بين إخوة كثيرين ولاحظ أن السيد المسيح لم يتنكر للعذراء أمه، فهو لم يقل ليست أمى بل من هى أمى ليرفع العلاقة من أن تكون جسدية لعلاقة أسمى، خلال الطاعة لإرادة أبيه. نحن بتنفيذنا للوصية لا نكون فقط أقرباء له بالجسد بل نتحد به ونثبت فيه، فما يفصلنا عنه هو الخطية فلا شركة للنور مع الظلمة. نحن قد أتحدنا به بالمعمودية (رو 3:6-8) ونظل ثابتين فيه (أقرباء له ) إن التزمنا بوصاياه
إخوتهُ = اليهود يعتبرون أولاد الخالة والخال وأولاد العمومة أنهم إخوة. وهكذا قال إبراهيم عن لوط أنه أخاه. وهناك رأى بأنهم إماّ أولاد خالته أو هم أولاد يوسف من زواج سابق.
لاحظ أن لوقا يضع هذه القصة بعد قول السيد المسيح انظروا كيف تسمعون فمن يسمع كلام السيد وينفذه يصير قريباً لهُ. ومتى يضع القصة بعد حديث المسيح عن خروج الروح النجس ورجوعه لو كان المكان مكنوساً. إذاً متى يقصد، هل تريد أن تكون حراً من الأرواح النجسة، وتكون قريباً للسيد المسيح، إذاً نفذ وصاياه. ونفس المفهوم نجده فى إنجيل مرقس واقفون خارجاً = فإخوته لأنهم كانوا لايؤمنون به وقفوا خارجاً. فالوقوف خارجاً يفقدنا علاقتنا بالمسيح.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثانى عشر
تنقية القلب تصنع الرحمة وتهزم الشياطين
(1) قطف السنابل يوم السبت ( ع 1 - 8 ) :
ع 1 - 2 : " السبت " : يوم الرب عند اليهود ، حيث أمر الله بتخصيصه للعبادة ، ولكن شيوخ اليهود منعوا فيه حتى الأعمال الضرورية0ومجد يوم الأحد فاق مجد يوم السبت ، لأن فيه قام رب المجد ، فيعتبر يوم الرب فى العهد الجديد0 " بين الزروع " : أراد المسيح أن ينفرد بتلاميذه ، فذهب بهم إلى الحقول0 " يقطفون سنابل " : كان مسموحاً للجائعين أن يقطفوا بعض السنابل ويفركونها بأيديهم ، ويأكلونها لسد جوعهم0ويُفهم من هذا فقر التلاميذ وحاجتهم للقوت الضرورى ، إذ لم يكن عندهم طعام0 " ما لا يحل فعله " : حرموا بعض الأعمال فى السبت ، ومنها قطف السنابل0وهذا لم تنص عليه الشريعة ، ولكنه من التفسيرات الزائدة الخاطئة التى أضافوها ، وهى تتعارض مع احتياجات الإنسان الضرورية0كان المسيح يمشى مع تلاميذه يوم السبت بين الزروع ، مواصلاً تعليمهم0وبعد فترة جاعوا فقطفوا بعض السنابل ليأكلوا ، وقد كان هذا مسموحاً به فى الشريعة ولا يعتبر سرقة ( تث 23 : 25 )0ولكن الفرّيسيّين إعتبروه عملية حصاد للقمح ، والعمل ممنوع فى يوم السبت ، لذا اعترضوا على المسيح ، لأنه لم يمنع تلاميذه من ذلك0إن كان العمل ممنوعاً يوم السبت ليتفرغوا لعبادة الله ، لكن الأعمال الضرورية مثل الأكل لا تُمنَع ، فكان هذا اتهاماً باطلاً من الفرّيسيّين ، إذ اعتبروا سد التلاميذ لجوعهم هو عملية حصاد للقمح ، وهذا يُظهر سوء نيتهم ، وضيق تفسيرهم لمفهوم الراحة يوم السبت0
ع 3 - 4 : " بيت الله " : خيمة الإجتماع0 " خبز التقدمة " : 12 رغيفاً كانت توضع على مائدة فى القُدسِ على اليمين ، ولا يدخل القدس إلا الكهنة ، فكان يأكله الكهنة فقط ، رمزاً للنعمة الخاصة بسر الكهنوت فى العهد الجديد0ذكر المسيح للتلاميذ ما فعله داود يوم السبت ، حين جاع هو والذين معه ، إذ دخلوا وأكلوا من خبز التقدمة ، الذى لا يحل أكله إلا للكهنة ، ولكن للضرورة ، وحتى لا يخوروا من الجوع ، أكلوا منه0وداود الملك مكرّم جداً ، ومرجع لليهود ليتعلموا منه ، فيظهر هنا فهم داود لروح الوصية ، وليس حرفيتها ، فهو لم يقصد كسر الوصية ، ولكن الأمر يحتاج إلى فهم روح الوصية ، أى المرونة فى التنفيذ0هذا هو البرهان الأول على عدم خطأ التلاميذ فى قطف السنابل يوم السبت0
ع 5 : " التوراة " : أسفار موسى الخمسة ، والمقصود سفر العدد بالتحديد ، حيث يذكر تقديم الذبائح يوم السبت0 " يدنسون السبت " : أى يكسرون الراحة المفروضة فى هذا اليوم0 " وهم أبرياء " : لأنهم يطيعون الناموس بتقديم الخدمات المطلوبة فى الشريعة0أعطى المسيح برهاناً ثانياً ، وهو الأعمال التى يقوم بها الكهنة يوم السبت فى الهيكل ، فهم لا يقصدون كسر السبت ، بل هى أعمال الخدمة المتصلة بعبادة الله ، أى تقديم الذبائح0فالمقصود الإمتناع عن الأعمال العادية ، والمكاسب المادية ، والتفرغ للعمل الروحى ، والإكتفاء فقط باحتياجات الإنسان الضرورية0
ع 6 : إن كان الإنشغال بالهيكل يبيح أى عمل أو خدمة يحتاجها ، فأمامنا المسيح ، رب الهيكل ، الذى هو أعظم منه ، بل إن الهيكل اليهودى يرمز إليه ، فهو الذى سيقدم نفسه ذبيحة على مذبح الصليب0ولذا ، أكل التلاميذ بعض السنابل ليسدوا جوعهم ، ويظلوا منشغلين بسماع تعاليمه وخدمته ، وهذا أسمى غرض0
ع 7 : " الأبرياء " : التلاميذ الفقراء المحتاجين لسد جوعهم ، فهم أبرياء من أى خطأ0أظهر المسيح كلمات الله فى هوشع النبى ( 6 : 6 ) ، أنه يريد رحمة لا ذبيحة ، أى أن المقصود أن عمل الرحمة أهم من الإلتزام الحرفى بالذبيحة ، مع خلو القلب من المحبة ، واتهام الآخرين وإدانتهم0فكيف لم يشعروا بجوع التلاميذ ، واحتياجهم الضرورى أن يأكلوا ؟! إنها قسوة قلب من الفرّيسيّين ، وهكذا ظهر بر التلاميذ وشر الفرّيسيّين0
ع 8 : " رب السبت " : أى واضع قانون السبت ، والذى له وحده أن يسمح بما يرى ، ويضيف ما يلزم الإهتمام به ، فأضاف تقديس يوم الأحد ، وصار هو يوم الرب بقيامته فيه0يؤكد المسيح أنه واضع الشريعة ، التى منها تقديس يوم السبت ، فهو بالطبع لا يريد كسر الوصية ، ولكن ينبغى فهم روحها وتطبيقها تطبيقاً حسناً0وهذا برهان ثالث للدفاع عن التلاميذ فى قطفهم السنابل ، إذ أن معهم رب السبت القادر أن يسمح بما يراه0
+ لا تحكم حسب الظاهر وتدين الآخرين ، بل التمس العذر لهم ، وكن رحيماً بالخطاة كما يتراءف الله عليك ويرحمك0
(2) إبراء ذى اليد اليابسة ( ع 9 - 13 ) :
ع 9 - 10 : " يشتكوا عليه " : يقدموا شكوى فى مجالسهم المحلية ، أنه مخالف0بعد أن اجتاز فى الحقول ، ذهب إلى أحد مجامع اليهود كعادته ليعلّم هناك ، وكان جميع المرضى يتبعونه ليشفيهم ؛ وقد أتى رجل يده مشلولة ، يتمنى أن يشفيه المسيح0لاحظ الفرّيسيّون أن الرجل سيطلب من المسيح الشفاء ، فبادروا بسؤاله ، ليس عن استفهام ، بل بخبث : هل يحل الإبراء يوم السبت ؟ معتبرين أن الشفاء هو أحد الأعمال العالمية ، فهو عمل طبيب يعالج المرضى ، وليس معجزة ورحمة يقدمها المسيح للمحتاجين ؛ وهذا يُظهر سوء نيتهم وتفسيرهم الخاطئ0
ع 11 - 13 : أجاب المسيح على سؤالهم بسؤال آخر ، وهو : إن كان لأحد خروف وسقط فى حفرة يوم السبت ، ألا يسرع لإنقاذه ويخرجه من الحفرة حتى لا يموت ؟ فهذا عمل غير مسموح به ، ولكن يُستثنى كعمل رحمة لإنقاذ الخروف ، فكم بالأحرى يكون الإنسان المريض أهم من الخروف ؟ وبالتالى ، يحل الإبراء كعمل رحمة فى يوم السبت0ثم أمر المسيح ، بسلطانه الإلهى ، ذا اليد اليابسة أن يمدها ، فأطاع الأخير بإيمان ، فشُفِيت فى الحال0ويلاحظ أن المسيح أمر فقط ولم يلمسه ، والرجل مد يده ، ومد اليد غير ممنوع فى السبت0فهكذا أبرأه ، ولم يخالف حتى تعاليمهم الضيقة الخاطئة ، فلم يجدوا أية علة عليه0كم هى عظيمة طاعة هذا المريض ، فرغم أن يده مشلولة ، آمن بكلام المسيح ، وإذ حاول أن يمدها تحركت معه ، فشُفِىَ فى الحال0
+ ليتك تطيع وصايا الله مهما بدت صعبة ، وتقبل تعاليم الكنيسة وإرشادات أب اعترافك ، واثقاً من قوة الله المساندة لك ، فلا تجد مستحيلاً أمامك ، لأن الشيطان يوهمك بضعفك وعجزك عن التخلّص من الخطية واكتساب الفضائل ، فلا تصدقه ، وتأكد أن الطاعة تخرجك من سلطانه وتهبك كل البركات0
(3) وداعة المسيح ( ع 14 - 21 ) :
ع 14 - 16 : " لكى يهلكوه " : هذه أول محاولة لقتله0 " جموع كثيرة " : من اليهود والأمم ، كما يظهر فى ( ع 21 )0إذ ظهر شر الفرّيسيّين أمام بر المسيح ورحمته لتلاميذه وللمرضى ، إغتاظوا جداً وحاولوا قتله ، فلم يقاومهم مستخدماً قوة لاهوته ، بل هرب من وجههم ، لانشغاله باستكمال التبشير وشفاء المحتاجين ، وحتى يعلمنا عدم مقاومة الشر بالشر ، بل الهروب منه ، فأوصى الجموع أن يخفوه وسطهم ، ليستمر فى تعليمه وعمل الخير لكل المحتاجين ، ولأنه كان متضعاً لا يطلب مجداً أرضياً0
ع 17 : أظهر ذلك المسيح بشكل ضعيف ، عكس ما توقعه اليهود من المسيا المنتظر أن يكون قوياً ، يقيم لهم مملكة ويحررهم من سلطان الرومان0وهذا طبعاً تفسير خاطئ من اليهود لم يقصده الله ، بل المهم أن يحررهم من الخطية ، ويملك على قلوبهم ، وليس المُلك الأرضى الذى يزعمونه ، ولذا ، أورد القديس متى نبوءة إشعياء عن المسيح ( 42 : 1 - 4 ) التى تُظهر وداعته ، وعدم مقاومته الشر بالشر0
ع 18 : " الذى اخترته " : المسيح هو وحده المختار من الله والقادر على فداء البشرية ، فلا يستطيع ملاك أو إنسان أن يقوم بهذا العمل0 " سُرَّ به نفسى " : كما أعلن الآب ذلك من السماء عند معموديته فى الأردن ، فهو موضوع سرور الآب لأنه يتمم خلاصنا0 " أضع روحى عليه " : إعلان أن الروح القدس فى الإبن ، كما ظهر فى شكل حمامة عند معموديته ، ولكنه متحد به منذ الأزل لأنه روحه ، فهو إعلان لنا كبشر لنؤمن أنه هو الله0 " الأمم " : إثبات واضح أن الخلاص مقدم للعالم كله0يتحدث الآب عن الإبن بأنه يضع روحه عليه ، وهو فى نفس الوقت روح الإبن الذى هو الروح القدس0وهكذا يعلن الثالوث القدّوس الذى يظهر فى تجسد المسيح المعلن الحق للبشرية بوداعة وحب ، إذ يقول : فتاى وحبيبى0
+ إذا اتحدت بالمسيح وصرت عضواً فى جسده ، أى الكنيسة ، تكون حبيب الله ويُسرُّ بك0
ع 19 : من صفات المسيح الوديع ألا يقابل شر الناس بشر آخر ، فلا يخاصم الأشرار ، ولا يغضب بصياح يعثر الآخرين فى الشوارع ، لأنه هادئ فى داخله بوداعة حقيقية0
ع 20 : تظهر محبة المسيح فى الإهتمام بكل إنسان مهما بدا ضعيفاً أو ميئوساً منه ، مثل القصبة التى ضُربت وكادت أن تنكسر ، أو الفتيلة التى اختفت منها النار ولم يعد إلا دخاناً يتصاعد منها0فهو يسند الإنسان الضعيف جداً حتى يتقوى ويمتلئ به ، وينتصر على خطاياه وضعفاته ، ويصير له مكان فى السماء0إنه يسند القصبة ويشعل الفتيلة ويهتم بها ، حتى يكمل عمله بإظهار الحق فى كل القلوب ، فتنتصر على الخطية وتتحرر منها0
ع 21 : بهذا الحب يعطى رجاء للعالم كله0فإن كان اليهود يرفضون الأمم لابتعادهم عن الله ، فالمسيح يبشرهم ويطلب خلاصهم مهما كان ضعفهم ، حتى يتركوا عبادة الأوثان ويرجعوا إليه0
+ إنه رجاء عظيم مقدم لك ، مهما كانت خطاياك مسيطرة عليك ، أو مشاكلك تبدو بلا حل ، فالمسيح يحبك ، وهو قادر أن يخلّصك من أتعابك0ثق به ، وقم إبدأ من جديد معه0
(4) الغلبة على الشيطان ( ع 22 - 30 ) :
ع 22 : دخل الشيطان فى إنسان ، فأفقده عقله وبصره وكلامه0وقدموه للمسيح فشفاه ، أى أخرج منه الشيطان ، فعاد عاقلاً يبصر ويتكلم0
+ إن الخطية تفقدك تفكيرك السليم ، فلا ترى الله ولا تتكلم بوصاياه0فأسرع للتوبة ، حتى تستعيد إنسانيتك فى المسيح0
ع 23 - 24 : " بهت " : تعجب واندهش جداً0 " ابن داود " : كما وعد الله أن يأتى المسيح من نسل داود0 " بعلزبول " : ( راجع تفسير ص 10 : 24 - 25 ) ، واتهام المسيح بعلاقته به نوع من التحقير له ، وأن قوته من الشياطين وليست من الله0لما نظر اليهود قوة المعجزة ، قالوا إنه المسيا المنتظر إبن داود0أما الفرّيسّيون ، فلأجل كبريائهم ومحبتهم للمراكز العالمية ، وجدوا المسيح مزاحماً لهم ، إذ أصبح قائداً روحياً لليهود ، وبهذا يفقدون مكانتهم ، فأسرعوا يقاومون المعجزة باتهام المسيح ، أنه ، باتفاق خاص بينه وبين رئيس الشياطين بعلزبول ، قد جعل هذا الشيطان يخرج ، ويعود الإنسان صحيحاً ، أى اتهموا المسيح بالسحر ، والتعامل مع الشياطين ، ليبعدوا الناس عن تبعيته والإنبهار بسلطانه الإلهى0
ع 25 - 26 : " علم يسوع أفكارهم " : هذا يُظهر لاهوته وعلمه بالغيب ، وما فى داخل الناس دون أن يسمعهم0قدم المسيح للفرّيسيّين حجة منطقية على بطلان اتهامهم ، حتى لا يتشكك اليهود ، بل يثبتوا فى إيمانهم به وتبعيته ، وهى أن الإنقسام إذا حدث فى أية مملكة تخرب ، إذ يقاوم كل حزب الآخر0فإذا حدث ذلك فى مملكة الشيطان ، فإنه يعنى أن رئيس الشياطين يعتق تابعيه من البشر ، وهذا ضد خطته ، لأنه يريد الإساءة للبشر وإبعادهم عن الله0فلا يمكن أن يعمل الشيطان ضد نفسه ، وإلا تخرب مملكته ، وهذا غير منطقى0وبالتالى ، فإخراج هذا الشيطان هو بقوة الله ، وليس باتفاق مع رئيس الشياطين0
ع 27 : ثم قدم حجة منطقية ثانية ، وهى تلاميذه ، أى أبناء الأمة اليهودية الذين أخرجوا الشياطين0والمعروف عند اليهود بساطة التلاميذ ، وعدم خبرتهم فى التعامل مع الشياطين والسحر والعرافة0إذن ، إخراج التلاميذ للشياطين ، يحكم على اتهام الفرّيسيّين أنه باطل ، كما أن اليهود لا يعترضون على من منهم يخرج الشياطين ، مثل أبناء سَكَاوَا السبعة ( اع 19 : 14 ) ، وإن كان هذا مجرد ادعاء وليست قدرة حقيقية0فلماذا يعترضون على المسيح ويتهمونه بالسحر ، إلا لأنهم يحسدونه ، ويحاولون التشكيك فى قدرته الإلهية ؟
ع 28 : لقد خرج الشيطان بقوة روح الله ، وليس بالسحر ، وهذا معناه أنه هو المسيا المنتظر0 " قد أقبل عليكم ملكوت الله " : أى أتى المسيح ليملك على القلوب ، فلماذا تقاومونه بأفكاركم الشريرة ؟
ع 29 : وقدم المسيح دليلاً ثالثاً على إخراجه الشيطان بسلطان لاهوته ، وهو أنه لا يمكن الإستيلاء على ممتلكات شخص قوى إلا إذا استطعنا أن نقيده أولاً0وبالتالى ، لا يمكن إخراج شيطان من إنسان ، إلا إذا كان لنا سلطان على الشياطين أن نقيدهم ، فنأمرهم بالخروج0أى أن المسيح أقوى من الشياطين ، وبالتالى يستطيع أن يأمرهم بالخروج من البشر0
ع 30 : حيث أن الشيطان ليس صالحاً ولا تابعاً للمسيح ، ولا يجمع البشر للإيمان به ، فهذا دليل على أنه عدو للمسيح ، يحاول تفريق الناس وإبعادهم عنه ، ويدخل فى الناس ليضلهم ويفقدهم عقلهم وبصيرتهم0والمسيح ، بسلطان لاهوته ، يبعد أعداءه الشياطين عن البشر الضعفاء ، فقد أتى ليخلّص البشرية من سلطان إبليس الذى يتحكم فيهم بسبب ضعفهم وخطاياهم0وباتهام الفرّيسيّين له ، يحاولون تفريق الناس وإبعادهم عنه ، وبهذا يكونوا تابعين للشياطين وأعداء المسيح0ويقدم بهذا الحجة المنطقية الرابعة على أنه ضد الشياطين وليس معهم ، ليوبخ الفرّيسيّين حتى يتوبوا عن عداوتهم له ، لأنهم ، بشرّهم يصيرون تابعين للشياطين الذين يحاولون إبعاد البشر عن الله0
+ إفحص كلامك وتصرفاتك : هل لها فائدة فى جذب الآخرين لله ، أم تعثرهم وتبعدهم عنه ، لتعرف هل أنت تابع للمسيح أم للشيطان ؟
(5) الكلام الشرير ( ع 31 - 37 ) :
ع 31 - 32 : أظهر المسيح خطورة إتهام الفرّيسيّين له ، وهو أنه يخرج الشياطين باتفاق مع الشيطان ، وليس بالروح القدس0فإصرارهم على رفض عمل الروح القدس ، وعدم الإيمان بالمسيح ، لن يُغفر لهم إلى الأبد ، أى يأخذهم للعذاب0فهو ينبههم للتوبة ، وعدم التمادى فى أفكارهم الشريرة0فمن أخطأ بكلمة على المسيح الإبن وتاب ، يُغفر له ، أما من يجدف على الروح القدس ، ويرفض عمله فى حياته ، بالإصرار على عدم التوبة ، فمصيره الهلاك الأبدى0
ع 33 - 35 : يوبخ المسيح رياء الفرّيسيّين ، الذين يتظاهرون بالتديّن ، وقلوبهم ممتلئة شراً وكبرياء ، فيقول لهم أن الشجرة الجيدة تعطى ثمراً جيداً ، وهكذا الرديّة تعطى ثمراً رديّاً ، ويطالبهم بالإبتعاد عن الرياء ، فيوافق كلامهم وأعمالهم مشاعر قلوبهم ، وتتنقى أفكارهم ، أى يصير الداخل نقياً وكذلك الخارج ، وإن كان هناك شر فى القلب ، يظهر فى الكلام أو الأعمال ، فيساعدهم ذلك على التوبة ورفض الخطية0فأعمال المسيح المملوءة خيراً ورحمة هى أعمال جيدة تثبت برّه وصلاحه ، أما الفرّيسيّون ، فكلامهم الشرير عن المسيح وكبريائهم ، يثبت أنهم أشرار ؛ فثمارهم الرديّة تعلن شر قلوبهم0ويوبخهم أن رياءهم هذا يشبه الثعابين فى تحايلها ونعومتها الخارجية ، ولكنها ممتلئة سماً ووحشية وافتراساً للآخرين0وبهذا يدعوهم لتنقية قلوبهم مما اكتنزوه داخلها من شرور ، تظهر فى كلامهم واتهاماتهم0
ع 36 - 37 : " كلمة بطالة " : أى غير نافعة ، والمقصود هنا بالأكثر ، الكلام الشرير الذى نسئ به للآخرين0يُظهر المسيح خطورة الكلام الباطل ، أى الشرير أو غير النافع ، حيث أننا سنحاسَب عليه فى يوم الدينونة ، فلا نستهين ونتكلم كلاماً غير نافع أو ضار لغيرنا0فكلامنا الصالح يبررنا فى يوم الدينونة ، وعلى العكس ، كلامنا الشرير الذى يُظهر أن قلوبنا شريرة سيؤدى بنا إلى الهلاك0
+ دقق فى كلامك اليوم : هل هو نافع لك أو للآخرين ، أم يضرك أو يضرهم ، أو هو بلا فائدة ؟ واطلب معونة الله ، فيعطيك حكمة بروحه القدّوس0
(6) ضرورة التوبة ( ع 38 - 45 ) :
ع 38 : " يا معلم " : قالها الكتبة والفرّيسيّون ، إما تهكماً أو تملقاً للمسيح ، حتى يعمل لهم معجزة جديدة0رغم كثرة معجزات المسيح ، لكن مازال الكتبة والفرّيسيّون غير مؤمنين ، فطلبوا منه معجزة ليؤمنوا به ، وهذا معناه أنهم غارقون فى الشكوك التى تعطل الإيمان0
ع 39 - 40 : " جيل " : يقصد الأمة اليهودية التى معظمها بعيد عن الله بشرورهم ، رغم مظهرهم أنهم شعبه0 " فاسق " : الأمة اليهودية هى عروس الله ، وابتعادها عنه هو زنا روحى ، فالفسق هو نوع من الزنا0 " ثلاثة أيام " : الجزء من اليوم عند اليهود يُحسَب يوماً ، ففى موت المسيح جزء من يوم الجمعة ، والسبت كله ، وجزء من يوم الأحد0 " ثلاث ليالى " : المقصود الظلمة التى حدثت عند موته على الصليب وليلة السبت وليلة الأحد0 " قلب الأرض " : قبر المسيح0وبخ المسيح شرور قلوبهم وتماديهم فى الكبرياء والشكوك ، وقال لهم أنهم ليسوا محتاجين أن يروا معجزة جديدة من معجزاته ، بل محتاجين للتوبة ، مثل معجزة توبة يونان النبى ، الذى تاب فى بطن الحوت بعد أن ظل فيه ثلاثة أيام ، ومات عن العالم ، فرجع إلى الله ، وحينئذٍ لفظه الحوت ، وعاد حياً0كما سيموت المسيح عن خطايا العالم كله ، ولكن بقوة لاهوته ، سيقوم من الأموات0فهم محتاجون أن يموتوا عن خطاياهم بالتوبة ، ليؤمنوا به ويقوموا من شرهم ، ويبدأوا الحياة الجديدة معه0
ع 41 : " نِينوى " : عاصمة الإمبراطورية الأشورية ، وهى مدينة على نهر دجلة بالعراق ، قرب مدينة الموصل الحالية ، وكانت عظيمة جداً ومحيطها 48 ميلاً ، وارتفاع أسوارها 28 متراً ، وقد خربت فى القرن السادس قبل الميلاد0عندما نادى يونان بين أهل نِينوى بقوة ، بعد أن تاب ، كان كلامه مؤثراً فيهم فتابوا0والآن ، أمام اليهود كلام أقوى من كلام يونان ، ومعجزات عظيمة ، ولكنهم يرفضون الإيمان0لذلك ، فتوبة أهل نِينوى ستدين عدم إيمان الرافضين للمسيح فى يوم الدينونة العظيم0
ع 42 : " أقاصى الأرض " : أى من بعد حوالى 1000 ميل عن أورشليم0إن كانت ملكة التيمن وسبأ ، أى اليمن ، قد أتت من مكان بعيد ، عندما سمعت عن حكمة سليمان ، وآمنت بقوة روح الله فيه ، فإيمانها يدين أيضاً اليهود الرافضين للمسيح بكلامه وحكمته الكاملة الظاهرة أمامهم0
ع 43 - 44 : " ليس فيها ماء " : الشيطان يميل للسكن فى القفار ، حيث لا يوجد ماء0 " يطلب راحة " : أى يطلب عمل شر ، لأن راحته هى فى إبعاد الناس عن الله0إذ دخل شيطان فى إنسان ، وبقوة الله خرج منه ، يجول باحثاً عن شخص آخر يسكن فيه0وإذ لا يجد له حياة لأجل صلاح الناس ، يعود ليرى صديقه القديم الذى سكن فيه مدة ، فيجد قلبه فارغاً من كل صلاح ، مكتوساً من كل بر ، بل مهيّأً ومزيناً بالشر الذى يعيش فيه0فرغم تخلّصه من الشيطان ، لم يتب عن خطاياه ، ويحيا مع الله فى الصلاح0
ع 45 : عندما يجد هذا الإنسان مهيّأً لسكناه أكثر من ذى قبل ، يأخذ معه سبعة أرواح ( شياطين ) ويسكنون فيه ، ليقودوه فى شرور أكثر ، فيزداد بؤسه ، وتكون نهايته الهلاك0هكذا أيضاً اليهود ، أثناء السبى إرتبطوا بعبادة الأوثان ، وبعد عودتهم تركوها ، ولكنهم لم يرتبطوا بالله قلبياً ، وظلت قلوبهم فارغة0وعندما أتى إليهم المسيح وبشّرهم رفضوه ، وزادوا على خطاياهم خطايا الرياء والكبرياء ، فهم بهذا يهيئون أنفسهم لعمل الشياطين فيهم أكثر من ذى قبل ، فيصير هلاكهم أصعب وعذابهم أشد0
+ عندما يخلّصك الله من خطية ، أو يبعد حربها عنك وتستريح قليلاً منها ، أسرع للإرتباط بالكنيسة والأسرار المقدسة ، وداوم على الصلاة والقراءة ، حتى يمتلئ قلبك بمحبة الله ، وتصير محصناً ضد أى حرب جديدة من الشيطان0
(7) أقرباء المسيح ( ع 46 - 50 ) :
ع 46 - 47 : فيما كان المسيح يعلم وسط الجموع ، جاءت أمه العذراء مريم وأولاد أختها مريم زوجة كلُوبا ، أى أولاد خالة المسيح0وفى العرف اليهودى ، يُعتبر أولاد الخالة إخوة0وقد جاءوا يبحثون عنه ، ليتمتعوا بالجلوس معه والتحدث إليه0ومن كثرة الزحام حوله ، لم يستطيعوا الدخول ، فأخبروه أن خارج البيت أمه وإخوته يطلبونه0
ع 48 : إنتهز المسيح هذه الفرصة ليعلّم الجموع معنى الأمومة والأخوة الروحية ، ولم ينكر أهمية الأمومة والأخوة الجسدية ، ولكن أراد أن يوجه نظر الجموع إلى معنى جديد ، وهو أن يكون للإنسان أمهات وإخوة كثيرون بالروح0
ع 49 - 50 : أظهر المسيح أن الأمومة والأخوة الروحية له ، هى فيمن يحفظ وصاياه ويفعل مشيئته ؛ والمثال لذلك تلاميذه التابعون له0فالأمومة تعنى البذل والتضحية ، والأخوة تعنى الشركة والترابط0فمن يفعل مشيئة الله ، لابد أن يتنازل عن رغباته الشخصية ، ويسعى للإرتباط بالله وبالعالم كله فى محبته ، فتصير له الأمومة والأخوة الروحية لله ، ولإخوته فى الكنيسة وكل العالم0
+ إن تقدير المسيح لك ، ودعوته إياك أخاً لشرف عظيم ، يعطيك دالة فى الصلاة ، وثقة فى معونته مهما سقطت فى الخطية ، لتتوب وترجع إليه0ومن ناحية أخرى ، تحفظ نفسك طاهراً لأنك أخ للمسيح روحياً ، وكذلك تشعر أن كل المؤمنين معك فى الكنيسة إخوة لك ، فتحبهم وتكرمهم بكل اهتمام0
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح