كلمة منفعة
هناك وسائل عديدة تستطيع إن تنجح بها في معاملة الناس وتكسب قلوبهم، وبهذا تقودهم بالحب في طريق روحي، وكما قال الكتاب "رابح النفوس حكيم".
— كيف تعامل الناس؟
سفر لاويين 26
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
الأصحاح السادس والعشرون
الأصحاح السادس والعشرون
البركات واللعنات
غاية هذا السفر هو التمتع بالحياة المقدسة بالله القدوس، وقد جاء هذا الأصحاح أشبه بخاتمة للسفر يكشف عن البركات التي تحل بالإنسان الذي يقبل عمل الله في طاعة لوصاياه كما أعلن اللعنات التي تحل بمن يرفض الوصية ولا يقبل الحياة المقدسة، هذه اللعنات هي ثمرة طبيعية للخطية والعصيان.
1. عبادة الله القدوس [1-2].
2. بركات الطاعة لله القدوس [3-17].
3. اللعنات الحالة على العصاة [18-39].
4. قبول الخطاة التائبين [40-46].
1. عبادة الله القدوس:
إذ يطالبهم بالإرتباط به سألهم ألا يقيموا تمثالاً منحوتًا من الحجارة أو نصبًا من الخشب ولا يصوروا حجرًا ليسجدوا له للعبادة كما يفعل الوثنيون.
أما علامة ارتباطهم به فهي "سبوتي تحفظون ومقدسي تهابون أنا الرب" [2]... هذه الوصية بفرعيها أي حفظ السبت أي تقديسه للرب والسلوك بمهابة في مقدس الرب أو بيته هما علامة حبنا لله وإرتباطنا. حفظ السبت يعني تقديس الزمن لحساب الرب، ومهابة المقدس يعني تقديس المكان، وكأن المؤمن يقدس كل زمان حياته وكل موضع ليكون مكرسًا للرب بلا انقطاع. نحفظ السبت حتى يرفعنا الله بروحه القدوس إلى ما هو فوق الزمن، أي ينطلق بنا إلى أبديته، ونهاب مقدسه لكي ننعم بمقادسه السماوية، بهذا نحيا للرب أبديًا على مستوى سماوي.
2. بركات الطاعة لله القدوس:
إذ يدعونا للعبادة له دون سواه، معلنين قبولنا ملكوته بتقديس سبته أبديًا ومهابتنا لمقدسه السماوي، يكشف لنا بركات هذا اللقاء مع الله، خاصة خلال الطاعة لوصيته وحفظنا وصاياه، متجاوبين مع القدوس بالخضوع لدستوره المقدس:
أولاً: التمتع بالمطر في حينه "إذا سلكتم في فرائضي وحفظتم وصاياي وعملتم بها، أعطي مطركم في حينه" [3-4]. فالمطر في صورته الحرفية هو عطية الله للكل، إذ يمطر الله على الأبرار والظالمين (مت 5: 45)، وليس مكافأة خاصة بحافظي وصاياه وحدهم. أما في المفهوم الروحي فهو خاص بالعصر المسياني، ففي دراستنا لكثير من أسفار الأنبياء رأينا المطر هو إحدى سمات هذا العصر الأساسية، إذ هو عطية الروح القدس التي وهبت بفيض على الكنيسة في يوم الخمسين لكي يحيا المؤمنون ثابتين في المسيح بالروح القدس، الذي يمطر عليهم ليحول قلبهم القفر إلى فردوس مثمر وجنة سماوية تبهج قلب العريس.
ويرى العلامة أوريجانوس في المطر إشارة إلى التمتع بالكلمات الإلهية بإدراكها روحيًا، هذه التي تنعش نفوسنا، إذ يقول: [إبحث في الكتب المقدسة أي مطر يوهب للقديسين وحدهم؟!... جاء في سفر التثنية: "إنصتي أيتها السموات فأتكلم، ولتسمع الأرض أقوال فمي يهطل كالمطر تعليمي ويقطر كالندى كلامي" (تث 32: 1-2). هل هذا القول هو من عندياتي؟! ألم يعلن موسى هذا المطر؟!... بجانب ما جاء في الأنبياء أن الله يفتح فمه فينزل كلماته كالمياه على وجه الأرض (خر 34: 26)، يقول الرسول بولس: "لأن أرضًا قد شربت المطر الآتي عليها مرارًا كثيرة وأنتجت عشبًا صالحًا للذين فلحت من أجلهم تنال بركة من الله، ولكن إن أخرجت شوكًا وحسكًا فهي مرفوضة وقريبة من اللعنة التي نهايتها للحريق" (عب 6: 7-8). يقول الرسول عن هذه الأرض أنها تنال بركة الرب متى شربت المطر وأنتجت الثمر، وتحل عليها اللعنات من عند الرب متى حُرمت من المطر فأخرجت شوكًا وحسكًا. فإن استقبلت أرضنا - أي قلبنا - مطر تعليم الناموس الذي يسقط علينا دائمًا، وإذا حملت ثمار الأعمال تتمتع بالبركات. وبالعكس إن لم يكن لها أعمال روحية يكون لها الشوك والحسك أي هموم هذا العالم وشهواته فتكون قريبة من الهلاك وتستحق الحرق[312]].
إذن لنتقبل كلمة الرب كمطر سماوي يروي أرضنا الداخلية فتأتي بالثمر المتزايد وتتحول أعماقنا إلى جنة مفرحة، هذا المطر يسقط "في حينه"، لا بمعنى أنه يُقدم في وقت ولا يقدم في وقت آخر، وإنما يقدم هذا المطر للمؤمنين حسب إمكانيتهم واستعدادهم، البعض يتقبله خفيفًا والآخر كسيول سريعة، إذ تقدم كلمة الله تارة كلبن للأطفال (1 كو 3: 2)، وأخرى كدسم بيته من نهر نعمته (مز 36: 8). ولعل قوله "في حينه" يُشير إلى فيض عطية الروح القدس الذي حلّ على الكنيسة كمطر غزير بعد صلب السيد وقيامته وصعوده.
ثانيًا: "وتعطي الأرض غلتها" [4]، ما هي هذه الأرض التي تعطي غلتها إلاَّ الجسد الترابي الذي يتقدس بمطر الروح القدس فيُنزع عنه قفره ويتحول إلى فردوس روحي مثمر؟! ما هذه الأرض التي أثمرت إلاَّ جسدنا الذي عاش زمانًا هذا مقداره بلا ثمر حتى أخذه كلمة الله بتجسده فقدم ثمرًا فائقًا يبهج قلب الآب؟! لذا يقول القديس غريغوريوس اللاهوتي: [باركت طبيعتي فيك[313]].
يرى البعض أن هذه الأرض التي أثمرت هي القديسة مريم التي هي أرض مثلنا قدمت أعظم ثمر، هو ربنا يسوع المسيح بتجسده في أحشائها.
ثالثًا: "وتعطي أشجار الحقل أثمارها" [4]. رأى حزقيال النبي في الهيكل الجديد إذ تفيض المياه من عتبة البيت من جهة المذبح فصارت أشبه بنهر عظيم إذا بأشجار من كل نوع على الجانبين (حز 47)، ويشبه المرتل المؤمن بشجرة مغروسة على مجاري المياه تعطي ثمرها في حينه.
يحدثنا العلامة أوريجانوس عن الأشجار الداخلية فيقول: [في داخلنا أشجار إما صالحة أو رديئة (مت 7: 18)، فالأبرار لا يمكنهم أن يحملوا ثمارًا رديئة، بل أشجارًا تأتي بثمار جيدة. أتريد أن أعرفك بأسماء الأشجار التي في داخل نفوسنا؟ إنه لا يوجد فيها شجر تفاح أو كرم عنب، إنما توجد شجرة تسمى البر وأخرى تسمى اليقظة، وأيضًا القوة والإعتدال. إن أردت أن تعرف ففي داخلنا أنواع كثيرة من الأشجار تمثل جنة الرب، يزرعها الرب بنفسه. بالحق توجد أشجار التقوى والحكمة والتعليم ومعرفة الخير والشر، وفوق هذا كله توجد شجرة الحياة (تك 2: 9)[314]].
رابعًا "ويلحق دراسكم بالقطاف، ويلحق القطاف بالزرع، فتأكلون خبزكم بالشبع" [5]. يقصد بالدارس درس الغلات فيمتد موسم الدرس من كثرة المحصول حتى يأتي وقت قطاف الثمار من الأشجار، ويقطفون ثمار الأشجار حتى يأتي وقت الحصاد، وكأن حياتهم تتحول إلى فيض لا ينتهي، يقضي المؤمن حياته كلها يجني كل يوم ثمرًا جديدًا ويتمتع بحصاد لا ينقطع، لذا قيل "يأكل الودعاء ويشبعون" (مز 22: 26). في هذا يقول العلامة أوريجانوس: [لا يكون في حياتنا فراغ... "من يزرع للروح فمن الروح يحصد حياة أبدية" (غلا 6: 8)[315]]. كما يقول: [لا أفهم القول "تأكلون خبزكم بالشبع" على أنه بركة جسدية، كما لو أن الذي يحفظ ناموس الرب ينعم بالخبز العادي حتى يشبع، فإنه حتى الملحدين والمجرمين يأكلون منه لا بشبع فحسب بل وبشهوة!... إنما لننظر إلى القائل: "أنا هو الخبز النازل من السماء، من يأكل من هذا الخبز يحيا إلى الأبد" (يو 6: 51). لنتأمل أن الناطق بهذا هو "الكلمة" (يو 1: 1)، الذي يشبع النفوس. هكذا نفهم الخبز الذي من عند الرب هو الخاص بالبركات... يقدم لنا سليمان إعلانات متشابهة في الأمثال، إذ يقول عن البار أن الصديق يأكل لشبع نفسه أما بطن الأشرار فتحتاج (أم 13: 5)... البار يأكل خبز الحياة على الدوام بغير توقف فتشبع نفسه بالطعام السماوي الذي هو كلمة الآب وحكمته[316]].
خامسًا: "وتسكنون في أرضكم آمنين" [5]. جاء في مناظرات القديس يوحنا كاسيان حين سُئل أحد الآباء: كيف يتحقق وعد الله بأن من يترك بيوتًا وأراضي من أجل الرب يرد له في هذا العالم مائة ضعف بينما نجد الرهبان تركوا ولم يملكوا شيئًا؟ أجاب الأب بأن الراهب قد ترك بيته كي يجد الكل إخوته، وترك أرضًا ليجد الأرض كلها بين يديه. ونحن نرى إلى يومنا هذا كمثال الأب الراهب عبد المسيح الأثيوبي كيف ترك الكثير لكنه نال حتى في الأمور الزمنية أعظم مما ترك، ينام في الصحراء في أي موضع بلا أبواب مغلقة ولا تستطيع الوحوش المفترسة أن تقترب إليه وتؤذيه، بينما كثيرون لهم بيوت ويحاولون تأمين الأبواب غير أن قلبهم مضطرب وحياتهم مهددة وسلامهم مفقود.
وللعلامة أوريجانوس تعليق على هذا الوعد الإلهي، إذ يقول: [لا يكون الظالم في أمان قط إنما هو في اضطراب مستمر، إنه محمول بكل ريح تعليم بحيلة الناس بمكر إلى مكيدة الضلال (أف 4: 14)، أما البار إذ يحفظ ناموس الرب يسكن في أرضه آمنًا، له الفكر الصليب القائل للرب: "قويني يارب بكلامك" (مز 118: 28). لتقوني أمنًا، ولتغرسني فأسكن في الأرض الصخرة المؤسسة في الإيمان (كو 1: 23، أف 3: 17)، إذ لا يكون بيته مؤسسًا على الرمل (مت 7: 24، 26)[317]].
يكمل الرب وعده، قائلاً "وأجعل سلامًا في الأرض فتنامون وليس من يزعجكم" [6]. هذا هو السلام الذي يحل في أرض قلبنا الداخلية، "سلام الله الذي يفوق كل عقل" (ف 4: 7). فبعد أن كانت أرضنا مسرحًا للإضطراب المستمر والقلق والمرارة إذ تقدست بربنا يسوع المسيح وتمتعت بعمل روحه القدوس صارت هيكلاً لله مملوءًا من سلام الله الفائق، لا يستطيع الأسد أي الشيطان بكل ملائكته أن يرهبها (رؤ 12: 7)، فيقول الإنسان مع المرتل "لا تخشى من خوف الليل ولا من سهم يطير في النهار ولا من وباء يسلك في الدجى" (مز 91: 65)، وأيضًا: "الرب نوري وخلاصي ممن أخاف؟! الرب حصن حياتي ممن أرتعب؟!" (مز 27: 1)، وأيضًا: "إن نزل عليّ جيش فلا يخشى قلبي" (مز 27: 3).
خلال هذا السلام الفائق ننام حتى في وسط سجن الضيقات، لا نوم الخمول أو التراخي، إنما الإطمئنان كما فعل بطرس الرسول حين أيقظه الملاك في السجن ليخرج به ويعبر به حتى الباب الخارجي... بهذا نفهم الوعد الإلهي أن يعطي أحباءه نومًا!
سادسًا: "طرد الحيوانات الرديئة من الأراضي" [6]. إن كانت أبوابنا قد انفتحت لكل وحش رديء، وصارت حياتنا الداخلية مأوى لكل شر ودنس، إن كانت مدينتنا الداخلية بلا أسوار تتسلل إليها وحوش البرية بلا عائق، فقد جاء ربنا يسوع المسيح ليطرد هذه الوحوش الرديئة عن أرضنا التي هي أرضه، ليسكن هو فيها.
يقول العلامة أوريجانوس: [الحيوانات الرديئة الروحية هي التي يسميها الرسول "أجناد الشر الروحية في السمويات" (أف 6: 2). عن هذه الحيوانات يقول الكتاب: "الحية كانت أمكر من جميع الوحوش التي على الأرض" (تك 3: 1)... كما قيل: "إبليس خصمكم كأسد زائر يجول ملتمسًا من يبتلعه هو فقاوموه راسخين في الإيمان" (1 بط 5: 8-9). إن أردت أن تعرف حيوانات أخرى رديئة يعلمك إشعياء النبي إذ دعاها في رؤى أنها الدابة في البرية، قائلاً: "في أرض شدة وضيق منها اللبوة والأسد الأفعى والثعبان السام الطيار يحملون على أكتاف الحمير ثروتهم وعلى أسنمة الجمال كنوزهم إلى شعب لا ينفع" (إش 30: 6). هل يتم هذا مع حيوانات البرية المادية؟! كيف يمكن للبوة والأسد والأفعى والثعبان السام أن يحملوا ثروتهم على ظهر حمار أو جمل؟! واضح إذن أن النبي المملوء بالروح القدس يعدد القوى العدوانية التي لأفظع الشياطين. يود أن يقول بأن الشياطين تضع ثروتها التي هي خداعاتها للنفوس، وذلك خلال الحماقة (الحمار) والدنس (الجمل)، ولكي لا نُسلم لهذه الوحوش يلزم للنفس التي تخاف الله أن تقول: "لا تسلم للوحش نفس يمامتك" (مز 74: 19)[318]].
سابعًا: الأمان من السيف، يعلق العلامة أوريجانوس على العبارة: "لا يعبر السيف في أرضكم" [6]، بقوله: [كثيرة هي السيوف التي تعبر في أرضنا إن لم نحفظ ناموس الرب ونتبع وصاياه! ليدخل كل واحد إلى نفسه وليتأمل داخله لئلا تكون أرضنا أي جسدنا مثارة بروح الزنا أو مضطربة بروح الغضب والهياج، أو بحركة البخل، أو بقوس الشهوة واللذات... هذا يعرفه الرسول بولس إذ يقول: "هادمين ظنونًا وكل علو يرتفع ضد معرفة الله" (2 كو 10: 5)، فلا نخضع لهذا السيف ولتلك الحروب بل يحفظ الرب أرضنا في أمان[319]].
ثامنًا: "تطردون أعداءكم" [7]. يقول العلامة أوريجانوس: [أي أعداء هؤلاء إلاَّ الشيطان وملائكته، أي الأرواح الشريرة والشياطين الدنسة (لو 4: 33)؟! إذ نتبعهم فنطردهم، إن حفظنا الوصايا الإلهية يسحق الله الشيطان تحت أرجلنا (رو 6: 20)، فيسقط الأعداء تحت أقدامنا مائتين[320]].
"يطرد خمسة منكم مائة، ومائة منكم يطردون ربوة، ويسقط أعداءكم أمامكم بالسيف" [8]. من هم الخمسة الذين يطردون المائة، إلاَّ الحواس المقدسة التي تحمل قوة فتهزم جمهور الشر وجموع الخطية؟! ومن هم المائة الذين يطردون الربوة إلاَّ جموع أفكارنا المقدسة وجمهور طاقتنا المباركة بالرب إذ تطرد ربوات الأرواح الشريرة؟!
هكذا يمسك الإنسان بكلمة الله كسيف ذي حدين به يسقط الخطية كعدو ويفسد حيل الشياطين، فيدوس العدو تحت قدميه (1 كو 15: 5).
تاسعًا: النمو المستمر: "وألتفت إليكم وأثمركم وأكثركم" [9]. لا يقف الأمر عند تحطيمنا للعدو مهما بدا ضخمًا في عدده، عنيفًا في قوته، وإنما أيضًا نتزايد نحن قوة وعددًا، إذ قيل عن عمل الله حتى في العظام اليابسة التي لنا: "قاموا على أقدامهم جيش عظيم جدًا جدًا" (حز 37: 1)... "فتعلمون إنيّ أنا الرب تكلمت وأفعل يقول الرب" (حز 37: 14).
أما سرّ القوة الروحية فهي "ألتفت إليكم"... يكفي نظرة الله إلينا لتهب أثمارًا كثيرة. وكأن نظراته أشبه بأشعة الشمس التي إن أشرقت على الزراعة جاء المحصول متزايدًا، أما إن احتجبت الشمس عن حقلنا الداخلي فلا يستطيع أن يقدم حصادًا.
يلتفت إلينا لا ليديننا هنا وإنما ليفي ميثاقه معنا [9]، إذ يقول: "وأوفي ميثاقي معكم، فتأكلون العتيق المعتق وتخرجون العتيق من وجه الجديد" [9-10]. يقول العلامة أوريجانوس: [كيف نخرج العتيق ليجد الجديد له موضعًا؟.. نخرج حرف الناموس لكي نحفظه حسب الروح (جديدًا)... يمكننا أن نقول إنه قبل مجئ السماوي ويولد، كنا كلنا أرضيين ولنا صورة الترابي (1 كو 15: 47)، والآن جاء "الإنسان الجديد المخلوق بحسب الله" (أف 4: 22)، فأخرجنا القديم بخلع الإنسان العتيق ولبس الجديد (أف 4: 22)، الذي بحسب الإنسان الداخلي يتجدد يومًا فيومًا (2 كو 4: 16)[321]].
عاشرًا: يختم الله حديثه عن بركات الطاعة لوصيته بأعظم وعد، ألا وهو حلوله وسط شعبه، وفي داخل مؤمنيه، إذ يقول: "وأجعل مسكني في وسطكم، ولا ترذلكم نفسي، وأسير بينكم وأكون لكم إلهًا وأنتم تكونون ليّ شعبًا" [11-12]. وفي وضوح يقول السيد ليلة آلامه: "إن أحبني أحد يحفظ كلامي ويحبه أبي وإليه نأتي وعنده نصنع منزلاً" (يو 14: 23)... وقد دعيت أورشليم السماوية "مسكن الله مع الناس، وهو سيسكن معهم وهم يكونون له شعبًا والله نفسه يكون معهم إلهًا لهم" (رؤ 21: 23). هذه هي العطية الأبدية، يسكن الله معنا ويقبلنا عنده كشعب سماوي له وهو يكون لنا إلهًا يتجلى فينا.
سكنى الله فينا ينزع عنا فراغنا الداخلي الذي لن يشبعه إلاَّ الله نفسه، إذ لا تشبع النفس التي على صورة خالقها إلاَّ بالأصل ذاته. يقول القديس ايريناوس: [إن الإنسان إما أن يكون فارغًا أو مملوءًا وفمن يقبل الله ساكنًا فيه يكون مملوءًا، أما من ليس له معرفة الآب السماوي وليس له الروح القدس ولا قبل فيه المسيح الحياة فيكون فارغًا[322]].
يقول القديس أغسطينوس: [ماذا يعني قوله بالنبي "وأكون لكم إلهًا وأنتم تكونون ليّ شعبًا" سوى أنني أكون كفايتهم، أكون كل شيء يطلبه الناس بوقار: الحياة والصحة والقوت والرخاء والمجد والكرامة والسلام وكل صلاح؟! هذا ما يفسره أيضًا قول الرسول "يكون الله الكل في الكل" (1 كو 15: 28). إنه يكون نهاية اشتياقاتنا التي بلا نهاية![323]].
3. اللعنات الحالة على العصاة:
بعد أن قدم الجانب الإيجابي معلنًا عطايا الله للإنسان الحافظ لوصيته، بدأ في الجانب السلبي يعلن الثمر الطبيعي لرفض الوصية، إذ يُحسب هذا نكثًا للميثاق معه [15] ورفضًا لشخصه، أما هذا الثمر المرّ فهو:
أولاً: "أُسلط عليكم رعبًا وسلاً وحمى تفنى العينين وتتلف النفس" [16]. إن كان الله يُعاقب الإنسان بالرعب وبمرض السل والحمى وفقدان البصيرة إنما هذا يتم بتخلي الله عن رافضه فيسقط الإنسان في هذه المرارة ليعيش بلا سلام داخلي ولا صحة جسدية وبدون بصيرة! يفقد قلبه (سلامه) وجسده وبصيرته! ولعل الله يسمح بهذه الأمور الظاهرة حتى يتفطن إلى ما أصابه داخليًا بسبب عصيانه، فيأتي التأديب كترمومتر يعلن الفساد الداخلي، ليقول "روحي تلفت، أيامي انطفأت" (أي 17: 1).
ثانيًا: "وتزرعون باطلاً زرعكم فيأكله أعداؤكم" [16]. إنهم يعملون لكن ليس لحساب الرب إنما يزرعون زرعهم الذاتي، فلا يباركه الرب إنما يصير نهباً للأعداء.
ثالثًا: "وأجعل وجهي ضدكم فتنهزمون أمام أعداءكم ويتسلط عليكم مبغضوكم وتهربون وليس من يطردكم" [17]. إذ يفقد الإنسان سلامه الداخلي ويخسر شركته مع الله يصير ضعيفًا أمام الأعداء الروحيين حتى وإن كان العدو في ذاته كلا شيء، وكما يقول الحكيم: "الشرير يهرب ولا طارد" (أم 28: 1). سرّ الضعف والهزيمة لا في قوة العدو وإنما في إنهيار الإنسان داخليًا.
رابعًا: إن لم نستجب أمام هذه الضعفات بالتوبة يؤدب الله بتأديب مضاعفة، إذ يقول: "فأحطم فخار عزمكم وأصير سماءكم كالحديد وأرضكم كالنحاس فتفرغ باطلاً قوتكم، وأرضكم لا تعطي غلتها وأشجار الأرض لا تعطي أثمارها" [19-20]. يبدأ الله بتأديب خلال الأمراض ونهب الأعداء فإن لم نتفطن يضاعف الضربات خلال المذلة لتحطيم كبريائنا، يقف الإنسان في مذلة إذ يجد الطبيعة ذاتها وكأنها تقسو عليه، فتصير السماء كالحديد لا تهطل مطرًا، والأرض كالنحاس لا تصلح للزراعة. إن رفع الإنسان عينيه إلى السماء لعلها تستجيب له يجدها حديدًا جامدًا، وإن تطلع إلى الأرض يجد كل من حوله قد صار نحاسًا لا يرق له.
إن كانت السماء تُشير إلى النفس البشرية والأرض إلى الجسد، فحينما لا ينصت الإنسان للوصية الإلهية ولا يتجاوب مع كلمة الله، ينال مكافأته فورًا إذ تصير
نفسه كالحديد وجسده كالنحاس لا يخضعان له ولا يستجيبان لصوته الداخلي...
خامسًا: إفتراس الوحوش لهم "أطلق عليكم وحوش البرية فتعدمكم الأولاد وتقرض بهائمكم وتقلقكم فتوحش طرقكم" [22]. حين تذمر الشعب في البرية ترك الحيات المحرقة تلدغهم (عد 21: 5-6)، وحين استهزأ بعض الأولاد بأليشع النبي سمح بدبتين قتلتا منهم إثنين وأربعين شخصًا، وحينما أرسل ملك أشور أناسًا وثنيين يسكنون أرض كنعان بعد سبيه للشعب الإسرائيلي أرسل الله وحوشًا تفترسهم (مل 17: 24، 26).
ما هذه الوحوش التي تنطلق علينا إلاَّ الخطايا التي يحفظنا الله منها مادمنا في حضرته نستجيب لصوته، فإن أعطيناه القفا لا الوجه ترك الوحوش تعدمنا أولادنا أي ثمارنا الداخلية وتقرض بهائمنا أي تفسد جسدنا؟!
سادسًا: ضربة السيف والوبأ [25]. بمعنى التأديب خلال سيف العدو، والسماح بالوباء حتى تنحل قوة الأشرار فلا يقدرون على مقاومة العدو.
سابعًا: ضربة القحط [26]، "بكسري لكم عصا الخبز تخبز عشر نساء خبزكم في تنور ويرددون خبزكم بالوزن، فتأكلون ولا تشبعون" [26]. يكسر الله لهم عصا الخبز أي يقطع عنهم خبز الحياة، الكلمة الإلهية، فتعيش نفوسهم في جوع لا تجد عصا تتكئ عليها. أما علامة القحط فهو عوض أن يكون لكل سيدة تنور خاص بها تضع فيه الخبز لتسويته، تستخدم كل عشر نساء تنورًا واحدًا، إذ ليس لديهم خبز يحتاج إلى تنور، أو ليس لديهن الوقود اللازم لإشعال أكثر من تنور. العلامة الثانية للقحط هي الحرص في الخبز فيستخدمونه بالوزن لقلة كميته وانتزاع البركة عنهم. ويصل القحط مداه حين تمتد أيدي الوالدين لأكل لحوم أولادهم، كما حدث في أيام يهورام بن آخاب ملك إسرائيل إذ اتفقت إمرأتان أن تطبخ كل منهما ولدها في يوم لتأكلاه معًا (2 مل 6: 24-30)، وأيضًا في أيام حصار ملك بابل لأورشليم، إذ قيل: "أيادي النساء الحنائن طبخت أولادهن، صاروا طعامًا لهن في سحق بنت شعبي" (مرا 4: 10)، وتكرر الأمر حين حاصر تيطس الروماني أورشليم.
حين نعطي ظهورنا للوصية الإلهية يصيبنا قحط داخلي يفقدنا الطعام الضروري، فتمتد أيدينا إلى أولادنا أي الثمار الداخلية لنأكلها ونموت!
ثامنًا: "وأضرب مرتفعاتكم، وأقطع شمساتكم، وألقي جثثكم على جثث أصنامكم وترذلكم نفسي" [30]. حين رفض الشعب الوصية عبدوا الأصنام في الأماكن المرتفعة، وأقاموا الشمسات أي التماثيل الخاصة بعبادة الشمس، أو ربما قصد أقاموا مظالاً يقيمون فيها عند عبادتهم على المرتفعات حتى لا تضربهم الشمس... الله في غيرته يُحطم الآلهة الغريبة التي اتكأ عليها مخالفو الوصية، معلنًا نهاية رفض الوصية: الموت المحتم وفقدان الآلهة التي من صنع أيدينا! بإلقاء الجثث تفوح رائحة الموت والنتانة لذلك يقول "ترذلكم نفسي".
تاسعًا: إذ يرفض الإنسان وصية الله تتحول المدن المحصنة إلى خراب، والمقادس إلى أماكن موحشة ليس من يلجأ إليها، حتى الأرض التي يسكنونها ترفضهم فتلقي بهم إلى الأمم ليصيروا مشتتين ومضطهدين. في شرهم لم يكونوا ملتزمين بالسنة السبتية لتستريح الأرض، وها هي الأرض تلقي بهم خارجًا عنها (تسبت) منهم.
يطردون ليعيشوا في أرض غريبة بروح الجبن، يسقطون بلا طارد حقيقي، إنما طاردهم هو شرهم الداخلي.
4. قبول الخطاة التائبين:
بعد أن أعلن مرارة ما يصل إليه الإنسان بسبب عصيانه لله يعود فيؤكد أن العلاج الوحيد لتمتع الإنسان بالبركة عوض اللعنة هو الرجوع إليه بالتوبة، فيذكر الله وعده، معلنًا إنهم حتى في أشر لحظاتهم لم يرد الله إبادتهم بل تأديبهم.
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الإصحاح السادس والعشرون
هناك نص قانونى يقول "العقد شريعة المتعاقدين". ولقد رأينا فى سفر اللاويين الله يطلب منهم القداسة فهم شعبه وهو له قوانينه كملك يملك عليهم. ثم وجدنا الله يحدد لهم الأعياد فهو يريد فرحهم دائماً. وهنا نجد بنود العقد، إن هم التزموا بوصايا الله، أو قوانين الملك تكون لهم البركات. وإن لم يلتزموا فهناك لعنات (شروط جزائية). ولنلاحظ أن هذه اللعنات ليست إنتقاماً بل
أ- هى ثمرة طبيعية للخطية. فمثلاً حين يعبد الشعب أحداً آخر سوى الله يجلب على نفسه لعنة، فالله وحده حين يملك يحرر، أما الآخرون يذلون من يستعبدونه. وحين يطلب الله أن نحب أعدائنا، فإن لم نفعل ونمت الكراهية داخل القلب، فمن سوف يخسر، بالتأكيد من يملأ قلبه الكراهية فيصاب بأمراض نفسية وجسدية.
ب-الله فى هذه الحياة لا يعاقب كدينونة فالدينونة لها يومها ولكن هو يسمح ببعض الألام للتأديب وراجع الأيات (لا 26 : 18، 23، 27، 44)
الأيات (1-2):-" 1«لاَ تَصْنَعُوا لَكُمْ أَوْثَانًا، وَلاَ تُقِيمُوا لَكُمْ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا أَوْ نَصَبًا، وَلاَ تَجْعَلُوا فِي أَرْضِكُمْ حَجَرًا مُصَوَّرًا لِتَسْجُدُوا لَهُ. لأَنِّي أَنَا الرَّبُّ إِلهُكُمْ. 2سُبُوتِي تَحْفَظُونَ وَمَقْدِسِي تَهَابُونَ. أَنَا الرَّبُّ."
سبب اللعنة والعبودية
الله يسألهم ألا يقيموا تمثالاً منحوتاً ليسجدوا له. ولاحظ أن الأيات الأخيرة من الإصحاح السابق حدثتنا عن عبودية العبرانى للأجنبى وهنا نجد الشرح الروحى فلن يُستَعبد أحد من أولاد الله إن لم يذهب هو بنفسه للعبودية، والتمثال الحجرى قد يكون أى شهوة أو أى خطية. وهذا ما يجلب اللعنات، عبوديتنا لسادة سوى الله. ولا يجب فقط أن نمتنع عن عبادة الأوثان بل أن نهتم بالسمويات وهنا يشار لها بحفظ السبت وأن نعيش فى خوف الله ويشار له بمهابة المقدس. أو يشير السبت ومهابة المقدس لتقديس الزمان والمكان.
الأيات (3-13):-" 3«إِذَا سَلَكْتُمْ فِي فَرَائِضِي وَحَفِظْتُمْ وَصَايَايَ وَعَمِلْتُمْ بِهَا، 4أُعْطِي مَطَرَكُمْ فِي حِينِهِ، وَتُعْطِي الأَرْضُ غَلَّتَهَا، وَتُعْطِي أَشْجَارُ الْحَقْلِ أَثْمَارَهَا، 5وَيَلْحَقُ دِرَاسُكُمْ بِالْقِطَافِ، وَيَلْحَقُ الْقِطَافُ بِالزَّرْعِ، فَتَأْكُلُونَ خُبْزَكُمْ لِلشِّبَعِ وَتَسْكُنُونَ فِي أَرْضِكُمْ آمِنِينَ. 6وَأَجْعَلُ سَلاَمًا فِي الأَرْضِ، فَتَنَامُونَ وَلَيْسَ مَنْ يُزْعِجُكُمْ. وَأُبِيدُ الْوُحُوشَ الرَّدِيئَةَ مِنَ الأَرْضِ، وَلاَ يَعْبُرُ سَيْفٌ فِي أَرْضِكُمْ. 7وَتَطْرُدُونَ أَعْدَاءَكُمْ فَيَسْقُطُونَ أَمَامَكُمْ بِالسَّيْفِ. 8يَطْرُدُ خَمْسَةٌ مِنْكُمْ مِئَةً، وَمِئَةٌ مِنْكُمْ يَطْرُدُونَ رَبْوَةً، وَيَسْقُطُ أَعْدَاؤُكُمْ أَمَامَكُمْ بِالسَّيْفِ. 9وَأَلْتَفِتُ إِلَيْكُمْ وَأُثْمِرُكُمْ وَأُكَثِّرُكُمْ وَأَفِي مِيثَاقِي مَعَكُمْ، 10فَتَأْكُلُونَ الْعَتِيقَ الْمُعَتَّقَ، وَتُخْرِجُونَ الْعَتِيقَ مِنْ وَجْهِ الْجَدِيدِ. 11وَأَجْعَلُ مَسْكَنِي فِي وَسَطِكُمْ، وَلاَ تَرْذُلُكُمْ نَفْسِي. 12وَأَسِيرُ بَيْنَكُمْ وَأَكُونُ لَكُمْ إِلهًا وَأَنْتُمْ تَكُونُونَ لِي شَعْبًا. 13أَنَا الرَّبُّ إِلهُكُمُ الَّذِي أَخْرَجَكُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ كَوْنِكُمْ لَهُمْ عَبِيدًا، وَقَطَّعَ قُيُودَ نِيرِكُمْ وَسَيَّرَكُمْ قِيَامًا."
بركات الطاعة
آية 4 :- أعطى مطركم فى حينه = من الناحية المادية يقصد بهذا زيادة الخير. ولكن هناك معنى روحى فالمطر يشير لعطايا الروح القدس فإذ يمطر الروح القدس على القلوب المقفرة تتحول إلى فراديس مثمرة. وتعطى الأرض غلتها = الأرض تشير للجسد فهو من التراب "خرج الزارع ليزرع.... " وتعطى أشجار الحقل أثمارها = المؤمن كشجرة مغروسة على مجارى المياه (مزمور 1) راجع حز 47
آية 5 :- يقصد بالدراس درس الغلات فيمتد موسم الدرس من كثرة المحصول حتى يأتى وقت قطاف الثمر من الأشجار، ويقطفون ثمار الأشجار حتى يأتى وقت الحصاد، وكأن حياتهم تتحول إلى فيض لا ينتهى، يقضى المؤمن حياته كلها يجنى كل يوم ثمراً جديداً ويتمتع بحصاد لا ينقطع. آمنين = إن لم يحرس الرب المدينة فباطلاً تعب الحراس. فالله يحفظ من الخارج ويعطى سلام فى القلب من الداخل، فلا معنى لكل التحصينات البشرية من الخارج بدون سلام القلب.
آية 6 :- (فى 4 : 7 ) يشير للسلام الداخلى بقوله "سلام الله الذى يفوق كل عقل" وأبيد الوحوش الرديئة = وهذه تعنى روحياً أن الله ينقى من كل شر ودنس. فالحمار مثلاً يشير للحماقة والجمل للحقد والأسد للوحشية والأفعى للمكر. ولا يعبر السيف فى أرضكم = تعنى روحياً أن الله ينزع روح الزنا والغضب وكل شر.
آية 7 :- الأعداء الروحيين هم الشياطين. ومن يحفظ الوصية يعطيه الله سلطان عليهم.
آية 8 :- هذا حدث مع جدعون "قض 7" ويوناثان 1صم14 : 6. يطرد خمسة منكم مائة = 5 تشير للحواس فمن يقدس حواسه بنعمة الله يجد قوة لطرد جمهور الشر وجموع الخطية. ومائة منكم يطردون ربوة = قطيع المسيح قادر أن يطرد ربوات الأرواح الشريرة.
آية 9 :- التفت إليكم وأثمركم = هذه مثل "أراكم فتفرح قلوبكم". فسر القوة والفرح أن الله يفتش علينا وينظر إلينا ويعتنى بنا. واكثركم = علامة القوة.
آية 10 :- تأكلون العتيق المعتق = سيكون المخزون من الغلة السابقة كثير جداً حتى أنهم يمكن أن يأكلوه لسنين عديدة. وتخرجون العتيق من وجه الجديد = من كثرة الخير تضطرون أن تفرغوا مخازنكم من الغلة القديمة لتخزنوا الغلة الجديدة.
الأيات 11--12 :- هذا هو أعظم وعد أن يسكن فى وسطهم يو 14 : 23 + رؤ 21 : 23 أكون لكم إلهاً = أى يكون لهم كفايتهم ويكون لهم كل شئ.
آية 13 :- معناها كما فعلت فى الماضى هكذا سأفعل الأن. وسيركم قياماً = أى ليس فى إنحناء من العبودية. والقيام علامة العزة والكرامة. راجع رو 11 : 10
الأيات (14-39):-" 14«لكِنْ إِنْ لَمْ تَسْمَعُوا لِي وَلَمْ تَعْمَلُوا كُلَّ هذِهِ الْوَصَايَا، 15وَإِنْ رَفَضْتُمْ فَرَائِضِي وَكَرِهَتْ أَنْفُسُكُمْ أَحْكَامِي، فَمَا عَمِلْتُمْ كُلَّ وَصَايَايَ، بَلْ نَكَثْتُمْ مِيثَاقِي، 16فَإِنِّي أَعْمَلُ هذِهِ بِكُمْ: أُسَلِّطُ عَلَيْكُمْ رُعْبًا وَسِلُا وَحُمَّى تُفْنِي الْعَيْنَيْنِ وَتُتْلِفُ النَّفْسَ. وَتَزْرَعُونَ بَاطِلاً زَرْعَكُمْ فَيَأْكُلُهُ أَعْدَاؤُكُمْ. 17وَأَجْعَلُ وَجْهِي ضِدَّكُمْ فَتَنْهَزِمُونَ أَمَامَ أَعْدَائِكُمْ، وَيَتَسَلَّطُ عَلَيْكُمْ مُبْغِضُوكُمْ، وَتَهْرُبُونَ وَلَيْسَ مَنْ يَطْرُدُكُمْ.
18«وَإِنْ كُنْتُمْ مَعَ ذلِكَ لاَ تَسْمَعُونَ لِي، أَزِيدُ عَلَى تَأْدِيبِكُمْ سَبْعَةَ أَضْعَافٍ حَسَبَ خَطَايَاكُمْ، 19فَأُحَطِّمُ فَخَارَ عِزِّكُمْ، وَأُصَيِّرُ سَمَاءَكُمْ كَالْحَدِيدِ، وَأَرْضَكُمْ كَالنُّحَاسِ، 20فَتُفْرَغُ بَاطِلاً قُوَّتُكُمْ، وَأَرْضُكُمْ لاَ تُعْطِي غَلَّتَهَا، وَأَشْجَارُ الأَرْضِ لاَ تُعْطِي أَثْمَارَهَا.
21«وَإِنْ سَلَكْتُمْ مَعِي بِالْخِلاَفِ، وَلَمْ تَشَاءُوا أَنْ تَسْمَعُوا لِي، أَزِيدُ عَلَيْكُمْ ضَرْبَاتٍ سَبْعَةَ أَضْعَافٍ حَسَبَ خَطَايَاكُمْ. 22أُطْلِقُ عَلَيْكُمْ وُحُوشَ الْبَرِّيَّةِ فَتُعْدِمُكُمُ الأَوْلاَدَ، وَتَقْرِضُ بَهَائِمَكُمْ، وَتُقَلِّلُكُمْ فَتُوحَشُ طُرُقُكُمْ.
23«وَإِنْ لَمْ تَتَأَدَّبُوا مِنِّي بِذلِكَ، بَلْ سَلَكْتُمْ مَعِي بِالْخِلاَفِ، 24فَإِنِّي أَنَا أَسْلُكُ مَعَكُمْ بِالْخِلاَفِ، وَأَضْرِبُكُمْ سَبْعَةَ أَضْعَافٍ حَسَبَ خَطَايَاكُمْ. 25أَجْلِبُ عَلَيْكُمْ سَيْفًا يَنْتَقِمُ نَقْمَةَ الْمِيثَاقِ، فَتَجْتَمِعُونَ إِلَى مُدُنِكُمْ وَأُرْسِلُ فِي وَسَطِكُمُ الْوَبَأَ فَتُدْفَعُونَ بِيَدِ الْعَدُوِّ. 26بِكَسْرِي لَكُمْ عَصَا الْخُبْزِ. تَخْبِزُ عَشَرُ نِسَاءٍ خُبْزَكُمْ فِي تَنُّورٍ وَاحِدٍ، وَيَرْدُدْنَ خُبْزَكُمْ بِالْوَزْنِ، فَتَأْكُلُونَ وَلاَ تَشْبَعُونَ.
27«وَإِنْ كُنْتُمْ بِذلِكَ لاَ تَسْمَعُونَ لِي بَلْ سَلَكْتُمْ مَعِي بِالْخِلاَفِ، 28فَأَنَا أَسْلُكُ مَعَكُمْ بِالْخِلاَفِ سَاخِطًا، وَأُؤَدِّبُكُمْ سَبْعَةَ أَضْعَافٍ حَسَبَ خَطَايَاكُمْ، 29فَتَأْكُلُونَ لَحْمَ بَنِيكُمْ، وَلَحْمَ بَنَاتِكُمْ تَأْكُلُونَ. 30وَأُخْرِبُ مُرْتَفَعَاتِكُمْ، وَأَقْطَعُ شَمْسَاتِكُمْ، وَأُلْقِي جُثَثَكُمْ عَلَى جُثَثِ أَصْنَامِكُمْ، وَتَرْذُلُكُمْ نَفْسِي. 31وَأُصَيِّرُ مُدُنَكُمْ خَرِبَةً، وَمَقَادِسَكُمْ مُوحِشَةً، وَلاَ أَشْتَمُّ رَائِحَةَ سَرُورِكُمْ. 32وَأُوحِشُ الأَرْضَ فَيَسْتَوْحِشُ مِنْهَا أَعْدَاؤُكُمُ السَّاكِنُونَ فِيهَا. 33وَأُذَرِّيكُمْ بَيْنَ الأُمَمِ، وَأُجَرِّدُ وَرَاءَكُمُ السَّيْفَ فَتَصِيرُ أَرْضُكُمْ مُوحَشَةً، وَمُدُنُكُمْ تَصِيرُ خَرِبَةً. 34حِينَئِذٍ تَسْتَوْفِي الأَرْضُ سُبُوتَهَا كُلَّ أَيَّامِ وَحْشَتِهَا وَأَنْتُمْ فِي أَرْضِ أَعْدَائِكُمْ. حِينَئِذٍ تَسْبِتُ الأَرْضُ وَتَسْتَوْفِي سُبُوتَهَا. 35كُلَّ أَيَّامِ وَحْشَتِهَا تَسْبِتُ مَا لَمْ تَسْبِتْهُ مِنْ سُبُوتِكُمْ فِي سَكَنِكُمْ عَلَيْهَا. 36وَالْبَاقُونَ مِنْكُمْ أُلْقِي الْجَبَانَةَ فِي قُلُوبِهِمْ فِي أَرَاضِي أَعْدَائِهِمْ، فَيَهْزِمُهُمْ صَوْتُ وَرَقَةٍ مُنْدَفِعَةٍ، فَيَهْرُبُونَ كَالْهَرَبِ مِنَ السَّيْفِ، وَيَسْقُطُونَ وَلَيْسَ طَارِدٌ. 37وَيَعْثُرُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ كَمَا مِنْ أَمَامِ السَّيْفِ وَلَيْسَ طَارِدٌ، وَلاَ يَكُونُ لَكُمْ قِيَامٌ أَمَامَ أَعْدَائِكُمْ، 38فَتَهْلِكُونَ بَيْنَ الشُّعُوبِ وَتَأْكُلُكُمْ أَرْضُ أَعْدَائِكُمْ. 39وَالْبَاقُونَ مِنْكُمْ يَفْنَوْنَ بِذُنُوبِهِمْ فِي أَرَاضِي أَعْدَائِكُمْ. وَأَيْضًا بِذُنُوبِ آبَائِهِمْ مَعَهُمْ يَفْنَوْنَ."
اللعنات على العصاة
نجد هنا الثمر الطبيعى لرفض الوصية، إذ يحسب هذا نكثاً للميثاق مع الله ورفضاً لشخصه. وفى (16) سلاً = هو مرض السل الذى يجعل البدن يهزل. وحين يتخلى الله عن الخاطىء يصاب بالرعب فهو سيصير بلا حماية ويصيبه الهزال، وفقدان البصيرة، ويصاب بمرارة وبلا سلام = تتلف النفس. فلا صحة جسدية ولا صحة نفسية. والله يسمح بهذا لعل الخاطئ يتنبه. وتزرعون باطلاً زرعكم فيأكله أعدائكم = هم يعملون لكن ليس لحساب الرب إنما يزرعون زرعهم الذاتى.
آية 17 :-إذ يفقد الإنسان سلامه الداخلى ويخسر شركته مع الله يصير ضعيفاً أمام الأعداء الروحيين.
آية 18 :-سبعة أضعاف = رقم 7 يشير للكمال.
الأيات 19-20 :-فخار عزكم = المقصود به الهيكل وهذا ما حدث فى سبى بابل ثم مع الرومان بعد المسيح. سمائكم كالحديد = لا تمطر. أرضكم كالنحاس = لا تثمر. فتفرغ باطلاً قوتكم = بدون بركة الرب لا فائدة من المجهود. ولنلاحظ التدرج فى الضربات فلو تنبه الإنسان وقدم توبة لتوقفت الضربات.
آية 21 :-إذا لم يفهم الإنسان التأديب ويتوب تصير خطيته أعظم ويحتاج لتأديب أشد.
آية 22 :-هذا ما حدث فى موضوع الحيات المحرقة عد 21 : 5، 6 وما حدث مع إليشع النبى حين إفترست دبة 42 شخصاً وراجع أيضاً 2مل 17 : 24، 26 وقد تشير الوحوش للخطايا التى تهاجم الإنسان ويحفظ الله الإنسان منها إذا كان فى حضرته. فإن أعطيناه القفا لا الوجه ترك الوحوش تعدمنا أولادنا أى ثمارنا الداخلية وتقرض بهائمنا أى تفسد الجسد.
آية 25 :-نقمة الميثاق = أى ينتقم منكم لكسركم ميثاقى أى تعديكم على شريعتى التى جعلت حفظكم إياها ميثاقاً بينى وبينكم. وباقى الآية حدث حرفياً فى سبى بابل.
آية 26 :-عصا الخبز = الخبز هو عصا الحياة أى الذى تعتمد عليه الحياة. وكسر عصا الخبز أى قطع خبز الحياة. (وروحياً يشير الخبز لكلمة الله)وعلامة القحط سيكون لكل 10 نساء تنور واحد بدلاً من أن يكون هناك تنور لكل واحدة فليس لديهم خبز وليس لديهم وقود. وعلامة أخرى وزن الخبز فلا بركة.
آية 29 :-هذا حدث فى سبى بابل ومع الرومان وحصار السامرة 2مل 6 : 24 – 30
آية 30 :-مرتفعاتكم = عبد الشعب الأصنام فى الأماكن المرتفعة. والشمسات = أى التماثيل الخاصة بعبادة الشمس.
آية 31 :-إذ يرفض الإنسان وصية الله تتحول المدن المحصنة إلى خراب بل والمقادس أيضاً.
آية 32 :-وأوحش الأرض = أى تخلو من الناس بسبب السبى. فيستوحش فيها أعدائكم أى لن يحتمل أعدائكم أن يروا الشر الذى صار إليكم.
آية 34 :-كأن الأرض تألمت من خطاياهم وها هى تستريح بعد طردهم. وهم فى رفضهم لوصايا الله رفضوا حفظ السنة السبتية ولقد إستوفت الأرض سبوتها 2 أي 21:36
آية 35 :-أى أن الأرض لا تزرع ولا تحرث مدة سبيهم ومصيبتهم وهذا حدث فعلاً.
آية 36 :-صوت ورقة = يخافون أخفض الأصوات. فمن طرح مخافة الله من قلبه فأى شئ سيخيفه أم 28 : 1
آية 37 :-من خوفهم سيتخبطون بعضهم ببعض.
آية 38 :-تهلكون = أى تتألمون وسط الشعوب الوثنية وتفقدون هويتكم ونسبكم وإستقلالكم.
الأيات (40-46):-" 40لكِنْ إِنْ أَقَرُّوا بِذُنُوبِهِمْ وَذُنُوبِ آبَائِهِمْ فِي خِيَانَتِهِمِ الَّتِي خَانُونِي بِهَا، وَسُلُوكِهِمْ مَعِيَ الَّذِي سَلَكُوا بِالْخِلاَفِ، 41وَإِنِّي أَيْضًا سَلَكْتُ مَعَهُمْ بِالْخِلاَفِ وَأَتَيْتُ بِهِمْ إِلَى أَرْضِ أَعْدَائِهِمْ. إِلاَّ أَنْ تَخْضَعَ حِينَئِذٍ قُلُوبُهُمُ الْغُلْفُ، وَيَسْتَوْفُوا حِينَئِذٍ عَنْ ذُنُوبِهِمْ، 42أَذْكُرُ مِيثَاقِي مَعَ يَعْقُوبَ، وَأَذْكُرُ أَيْضًا مِيثَاقِي مَعَ إِسْحَاقَ، وَمِيثَاقِي مَعَ إِبْرَاهِيمَ، وَأَذْكُرُ الأَرْضَ. 43وَالأَرْضُ تُتْرَكُ مِنْهُمْ وَتَسْتَوْفِي سُبُوتَهَا فِي وَحْشَتِهَا مِنْهُمْ، وَهُمْ يَسْتَوْفُونَ عَنْ ذُنُوبِهِمْ لأَنَّهُمْ قَدْ أَبَوْا أَحْكَامِي وَكَرِهَتْ أَنْفُسُهُمْ فَرَائِضِي. 44وَلكِنْ مَعَ ذلِكَ أَيْضًا مَتَى كَانُوا فِي أَرْضِ أَعْدَائِهِمْ، مَا أَبَيْتُهُمْ وَلاَ كَرِهْتُهُمْ حَتَّى أُبِيدَهُمْ وَأَنْكُثَ مِيثَاقِي مَعَهُمْ، لأَنِّي أَنَا الرَّبُّ إِلهُهُمْ. 45بَلْ أَذْكُرُ لَهُمْ الْمِيثَاقَ مَعَ الأَوَّلِينَ الَّذِينَ أَخْرَجْتُهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ أَمَامَ أَعْيُنِ الشُّعُوبِ لأَكُونَ لَهُمْ إِلهًا. أَنَا الرَّبُّ».
46هذِهِ هِيَ الْفَرَائِضُ وَالأَحْكَامُ وَالشَّرَائِعُ الَّتِي وَضَعَهَا الرَّبُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي جَبَلِ سِينَاءَ بِيَدِ مُوسَى.
قبول التوبة
آية 41 :-حين يعترفون بخطيتهم فى تواضع ويسلموا بأنهم عوقبوا بعدل وأنهم إستوفوا ما يستحقون = ويستوفوا عن ذنوبهم.
آية 42 :-نلاحظ هنا ذكر يعقوب قبل إسحق وإسحق قبل إبراهيم فهو يتكلم هنا بخلاف المعتاد لأن سياق الكلام أنه يرحمهم بسبب الأباء. فكأنه يعود للوراء للآباء تدريجياً.
آية 43 :-مع أن الله ما زال يحبهم إلا أن الخطية لها عقوبتها.
آية 44 :-هذه الآية دليل كافى أن الله لا يعاقب للإنتقام بل للتأديب فهو مازال يحبهم.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح السادس والعشرون
البركة والتأديب والرحمة
(1) الطاعة والبركة ( ع 1 - 13 ) :
ع 1 : يلخص في هذا الأصحاح الأوامر الإلهية المذكورة في سفر اللاويين ، فينهاهم في هذه الآية عن عبادة الأوثان التي عاشوا بينها في مصر والتي ستُحيط بهم في أرض كنعان ، ويعطي تفاصيل للأوثان أو الأصنام وهي :
1- صنع التماثيل التي ينحتونها من أي مادة ليعبدوها .
2- إقامة نُصب وهي حوائط أو أعمدة تُذكِّرهم بالآلهة الوثنية ليعبدوها .
3- حجارة مصورة بشكل الآلهة الوثنية .
والمقصود النهي عن أي شكل من أشكال عبادة الأوثان بل عبادة الله الواحد خالق السماء والأرض كما نصت الوصية الثانية ( خر 20 : 2 ، 3 ) .
ع 2 : يدعوهم هنا إلى أمرين إيجابيين في عبادته وهما :
1- تخصيص يوم السبت لعبادة الله كما نصت الوصية الرابعة ( خر 20 : 8 - 11 ) ويشمل هذا أيضاً تقديس السنة السابعة وسنة اليوبيل ( ص 25 : 1 - 22 ) . فتقديس السبت يُميزهم عن باقي الشعوب ويعطيهم بركة الله في باقي أيام الأسبوع .
2- إحترام بيت الرب وتقديم الذبائح والصلوات فيه لأنه مسكن الله وسطهم فيتمتعون برعايته وحمايته .
ع 3 : يضع الله شرطاً لنوال بركاته ، ليس فقط معرفة وصاياه بل تطبيقها والعمل بها ، وهذا يوضح اهتمام الله بحرية الإنسان وطاعته لوصاياه فهي مدخل كل البركات التي يذكر أهمها في الآيات التالية .
ع 4 : البركة الأولى هي نزول الأمطار من السماء في أوقات احتياج الزرع إليها ، وهذا أمر أساسي في زراعة أرض كنعان التي تعتمد على الأمطار بالإضافة إلى الأنهار . وبهذا يحصلون على محاصيل الحقل وثمار الأشجار أي يجدون طعامهم . والأمطار ترمُز لبركات الروح القدس النازلة إلينا من السماء وننالها بالكنيسة .
ع 5 : البركة الثانية هي وفرة المحاصيل ، فمن كثرة المحاصيل الشتوية مثل القمح والشعير يستمر دراس حبوبها أي فصل الحبوب عن القش من أبريل حتى يونية فيلتحم بميعاد قطاف أي جمع ثمار الأشجار مثل العنب والزيتون الذي يبدأ في يونية ويستمر حتى سبتمبر ، فيلتحم هذا أيضاً بميعاد الزراعة الشتوية الذي يبدأ في شهر أكتوبر . وهكذا تكون المحاصيل وفيرة فيشبعون ويشكرون الله على سخائه . ويعدهم أيضاً بالأمان من جهة الشبع من الطعام وكذا الحماية من الأعداء الذي يذكره بالتفصيل في الآية التالية .
ع 6 : البركة الثالثة هي السلام والأمان الذي يُعبِّر عنه بنومهم نوماً هادئاً دون أي انزعاج من أمرين وهما :
1- الأعداء بأن يجعل مهابة شعبه في قلوبهم فلا يفكرون في مهاجمتهم أو الإستيلاء على محاصيلهم وغنائمهم .
2- الوحوش التي كانت تكثُر في أرض كنعان ، فيبيدها ويبعدها عنهم .
+ إن كنت تطيع وصايا الله وتنشغل بمحبته ، فثق أنه يكفي احتياجاتك ويمتعك بالسلام الداخلي ويعطيك مهابة في أعين من حولك لتظل في تمتع بعِشرته ، فاطلب أولاً ملكوت الله وبره واعلم أن الباقي سيزاد لك .
ع 7 : البركة الرابعة هي القوة والنصرة على الأعداء إن تجاسر أحدهم وحاول مهاجمتهم ، فينتصرون عليهم ويهربون من أمامهم ويطردونهم بعيداً عن بلادهم . وقد حدثت أمثلة كثيرة لهذا مثل انتصار موسى على العمالقة ويشوع على الكنعانيين .
ع 8 : ربوة : عشرة آلاف . تتجلى قوة الله مع أولاده ، فيستطيع عدد قليل منهم أن ينتصر على عدد كبير من الأعداء . ويعطي أمثلة وهي انتصار خمسة من شعب الله على مائة من الأعداء ومائة من شعب الله على عشرة آلاف من الأعداء . وقد حدث هذا كثيراً مثل انتصار ثلثمائة رجل مع جدعون على آلاف المديانيين وانتصار شمشون وحده على أعداد كبيرة من الفلسطينيين وانتصار يهوذا المكابي بعدد قليل على جيوش الإمبراطورية اليونانية .
ع 9 : البركة الخامسة هي كثرة النسل التي تعطي قوة لشعب الله ، وبهذا يتمم وعده وميثاقه مع الآباء إبراهيم وإسحق ويعقوب ، وهذا يعني رعايته لهم التي تحفظهم وتُكثرهم .
ع 10 : العتيق : القديم . المعتق : الكثير القِدم . يبارك الله غلاتهم التي يجمعونها فتكون وفيرة جداً حتى أن محصول السنة الماضية يأكلون منه حتى يأتي محصول السنة الجديدة ، وقد يبقى عندهم من المحاصيل القديمة الكثير لعدة سنوات وعند جمع المحاصيل الجديدة يضطرون إلى تفريغ المخازن من المحاصيل القديمة كما يقول " تُخرجون العتيق من وجه الجديد " ليضعوا الجديدة أي يكون الخير والشبع بوفرة كبيرة .
ع 11 : البركة السادسة هي رضا الله عنهم بدليل سكناه في وسطهم بخيمة الإجتماع أو هيكل سليمان ، وعندما عصوا الله رفض أن يسكن في وسطهم كما حدث في نهاية حياة عالي الكاهن بذهاب تابوت العهد إلى الفلسطينيين وكما حدث أثناء السبي البابلي عندما دمروا هيكل الله وأورشليم .
ع 12 : إذ يرضى الله عنهم يصحبهم في كل تنقلاتهم ويرعاهم ويُدعى إسمه عليهم ويكونون شعباً خاصاً له ويتميزون بهذا عن باقي الشعوب .
ع 13 : قيود نيركم : النير خشبة مُستعرضة تُوضع على رقبتي حيوانين وتُربط بكل رقبة بواسطة حبل يُسمى قيد ، والمقصود بقطع قيود النير هو التحرر من العبودية . سيركم قياماً : أي منتصبين رافعين الرأس في عزة بدلاً من انحناء الذل والإستعباد في مصر والمقصود العزة والرفعة التي للأحرار . يُذكِّرهم الله بتحريره لهم من عبودية مصر ونصرتهم عليها وبالتالي فهو قادر أن يجعلهم منتصرين دائماً على أعدائهم في كل مكان إن حفظوا وصاياه .
(2) المخالفة والتأديب ( ع 14 - 39 ) :
ع 14 ، 15 : نكثتم : نقضتم العهد والميثاق . على الجانب الآخر يوضح الله العقوبات واللعنات التي تأتي على شعبه إن رفضوا حفظ وصاياه والسلوك بها وكرهوها ونقضوا العهد معه بالحياة كشعب خاص له . ويوضح هذه التأديبات في الأعداد التالية .
ع 16 : التأديب الأول : هو الرعب والمرض ، فبدلاً من السلام الداخلي يملأ قلوبهم الخوف وتنتشر بينهم الأمراض مثل مرض السل ومرض الحمى بأنواعها المختلفة وتؤثر هذه الأمراض على أعضاء الجسم المختلفة ومن أهمها العينان فتضعُف حتى يفقد الإنسان البصر ، وتؤثر أيضاً على نفوسهم وليس فقط أجسادهم ، فيُعانون من متاعب واضطرابات نفسية كثيرة . والتأديب الثاني : هو نهب الأعداء لخيراتهم ، فبعدما يتعبون في زراعة محاصيلهم يهجم الأعداء في وقت الحصاد أو الجمع ويأخذون غلاتهم فيفتقر شعب الله ويجوع .
ع 17 : التأديب الثالث : هو الهزيمة أمام الأعداء إذ أنهم إذا عصوا الله وتحدوه يصير الله خصماً لهم فينهزمون أمام أعدائهم مهما كان ضعفهم ومن خوفهم يهربون من الأعداء حتى لو لم يُطاردوهم ، لأن الرعب سيملأ قلوبهم إذ تخلى عنهم الله بل وصار ضدهم بسبب خطاياهم التي رفضوا بها الله .
+ لا ترفض الله وتُصر على الخطية وتتهاون فيها ثم تعود بعد ذلك تتذمر لأن الله تخلى عنك ، واعلم أن البادئ بالخطأ هو أنت وليس الله ، فراجع نفسك ولا تُضيع أثمن شئ وهو الملكوت من أجل أمور زهيدة وهي لذات هذا العالم الزائل وشهواته الشريرة .
ع 18 : إن قبلوا التأديب ورجعوا إلى الله بالتوبة يسامحهم ولكن إن تمادوا في خطاياهم يُزيد الله عليهم التأديبات سبعة أضعاف أي كمال التأديب حتى يتوبوا ويرجعوا .
ع 19 : التأديب الرابع : هو الذل فيبعد عنهم فخرهم وعزهم الذي وهبه لهم عند إخراجهم من أرض مصر وبرعايتهم في البرية وعند تمليكهم أرض كنعان ، فيقوم عليهم الأعداء ليحتلوهم ويذلوهم . التأديب الخامس : هو وقوف الطبيعة ضدهم فتصير السماء كالحديد ، أي لا تعطيهم مطراً ، فتبطُل الزراعة ويعانون من الجوع ، وكذلك تصير الأرض كالنحاس أي تفقد خصوبتها وقدرتها على إنماء الزرع فيتعرضوا أيضاً للجوع .
ع 20 : يشرح ويستكمل ما قاله في العدد السابق من جهة فقدانهم لمحاصيل الأرض بسبب تحدي الطبيعة لهم ، فمهما تعبوا في زراعة الأرض لا يحصدون شيئاً بسبب تحدي الأرض لهم أو بسبب الآفات ، فلا يحصدون ولا يجمعون شيئاً من المحاصيل أو ثمار الأشجار أو يأخذون القليل جداً والتالف الذي لا يكفيهم .
ع 21 : يكرر هنا أنهم إن لم يخضعوا للتأديب الإلهي ويتوبوا عن خطاياهم سيزيد الله عليهم التأديب والبركات لعلهم ينتبهوا ويتوبوا .
ع 22 : التأديب السادس : هو مهاجمة الوحوش لهم فتفترس أولادهم وبهائمهم فيقل عددهم وتضعُف قوتهم ، وقد حدث هذا فعلاً عند لدغ الحيات للشعب أيام موسى ( عد 21 : 5 ، 6 ) وعند افتراس دبتين اثنين وأربعين من الغلمان الذين استهزأوا بأليشع ( 2مك 2 : 23 ، 24 ) .
ع 23 ، 24 : يؤكد هنا مرة ثالثة على شعبه أنهم إن أصروا على خطاياهم يستمر في تأديبهم بل يُضاعفه سبعة أضعاف أي كمال التأديب ليخضعوا ويرجعوا عن خطاياهم .
ع 25 : يؤكد هنا انهزامهم أمام الأعداء الذين يضربونهم بالسيف ويقتلونهم بالإضافة إلى انتشار الأوبئة بأمراض مختلفة تقضي عليهم ، فينقض الله بهذا ميثاقه معهم بالبركة والحماية لأنهم خالفوا وصاياه فتخلى عنهم وهاجمتهم الأعداء والأوبئة.
ع 26 : التأديب السابع : هو المجاعة التي أُشير إليها ونتجت عن التأديبات السابقة . ولأن الخبز هو أساس الطعام فيقول عنه عصا الخبز لأن الإنسان يتوكأ ويعتمد على العصا ، فيكسر الله عصا الخبز أي تحدث مجاعة . ويُعبِّر عن تفاصيل هذه المجاعة بأن التنور أي الفرن الذي يكفي لخبز امرأة واحدة أو بيت واحد ، ولكن نظراً لقلة المحاصيل وعدم وجود دقيق إلا قليل في كل بيت ، سيكفي التنور الواحد لخبز عشرة بيوت أو عشر نساء . ويؤكد المجاعة بأن الخبز يُعطى للناس بالميزان لقلته فيرددونه أي يحركونه على أيديهم بتدقيق ويزنون مقداراً يسيراً لكل فرد فلا يأكل أكثر منه بسبب الجوع .
ع 27 ، 28 : يكرر الله هنا لشعبه أنه إن عصوه وخالفوا وصاياه سيتخلى عنهم ويسلُك هو أيضاً معهم بالغضب الشديد ، فيسمح بتأديبات سبعة أضعاف لهم لأجل تحديهم وتمردهم لعلهم يتوبون .
ع 29 : من شدة الجوع الذي يسمح به الله يفقد الإنسان مشاعره الطبيعية فيصير كالوحش المفترس فيذبح بنيه ويأكلهم حتى يعيش . وقد حدث هذا فعلاً في حصار بابل لأورشليم ( مرا 4 : 9 ، 10 ) وفي حصار الرومان لأورشليم عام 70م.
ع 30 : التأديب الثامن : هو تخريب مذابح الأوثان التي أُقيمت على التلال وأشكال الشمس التي علقوها على أعمدة خشبية هي السواري أو وضعوها في بيوت لعبادة الشمس . ويسمح الله أيضاً أن يقتلوا بالسيف وتُلقى جثثهم فوق جثث الحيوانات التي قدموها فوق مذابح الأوثان ، أي يموتون في شرهم بتركهم الله وعبادتهم للآلهة الغريبة .
ع 31 : يستكمل الله تأديبه بتخريبه المدن وكذلك الأماكن المقدسة التي هي هيكله في أورشليم ، كما حدث أثناء هجوم بابل وتخريبها للهيكل ولأورشليم ، وكما حدث أيضاً عندما خرَّب الرومان الهيكل . ويُضيف الله بأنه لن يقبل ذبائحهم التي يقدمونها له أي يرفض عبادتهم لأجل إصرارهم على الشر .
ع 32 : إستكمالاً لضربة الخراب ، تصير الأرض موحشة أي خربة وتسكنها الوحوش حتى أن أعداءهم الذين يحتلونهم لا يطيقون الإقامة في أراضيهم الموحشة ويتعجبون لهذا الخراب الذي صارت إليه مدن شعب الله .
ع 33 : أجرد السيف : أخرجه من جرابه لأقتل به الكثيرين والمقصود أنه يسمح للأعداء بقتلهم والذين يعتبرهم الله سيفه. إمتداداً لخراب مدنهم يتشتتون في بلاد العالم حيث ينقلهم الأعداء إليها بعدما يقتلون الكثير منهم وهكذا تظل أراضيهم ومدنهم خربة .
ع 34 ، 35 : سبوتها : المقصود بالسبت هو السنة السابعة والتي أمرت الوصية بعدم زراعة الأرض فيها . أهمل شعب الله تنفيذ وصاياه بعدم زراعة الأرض في السنة السابعة وفي سنة اليوبيل أي السنة الخمسين مدة طويلة ، فسمح الله بتخريب الأرض وعدم زراعتها بدلاً من السنة السابعة التي كان ينبغي ألا يزرعوا فيها ، ويظل السبي مدة كافية والأرض خربة بلا زراعة حتى تُستوفى السنوات التي كان ينبغي ألا يزرعوها ولكنهم خالفوا وصايا الله وزرعوها . وبهذا خسروا بركة الله التي كان يعطيها لهم في السنة السادسة ثم خربت أراضيهم سنيناً كثيرة وتدمرت أيضاً مدنهم وأصبحوا تحت الغضب الإلهي .
ع 36 : الجبانة : الجبن والخوف . يؤكد هنا التأديب الأول وهو إلقاء الخوف في قلوب شعب الله وهم مسبيون ، فيخافون دون أن يُخيفهم أحد حتى أن تحرُّك ورقة شجر مع الهواء يُزعج قلوبهم فيهربون دون أن يطاردهم أعداؤهم لأن الخوف قد ملأ قلوبهم .
ع 37 : يستكمل تأديب الخوف الذي يحل بهم ، فيهربون دون أن يطردهم أحد من شدة قلقهم وفيما هم يهربون يصطدم الواحد بالآخر ويسقطون على الأرض وهم يجرون وهكذا يستمرون في انهزامهم أمام الأعداء مع أن الأعداء تركوهم ولكن الخوف يستمر في إزعاجهم ويطردهم .
ع 38 : وهكذا يضعُف شعب الله ويهلك الكثيرون منهم على أرض الأعداء ويفقدوا أنسابهم وقوميتهم وعبادتهم فيصيروا بلا قيمة .
ع 39 : يهلك الباقون المسبيون من شعب الله في أراضي الأعداء بسبب خطاياهم وخطايا آبائهم التي استمروا فيها سواء بعبادة الأوثان أو الشهوات النجسة الكثيرة .
(3) التوبة والرحمة ( ع 40 - 46 ) :
ع 40 ، 41 : قلوبهم الغلف : أي الغير مختونة ويقصد الغير مؤمنة ومتجددة بالإيمان لتحيا في نقاوة مع الله . بعد أن أظهر بركاته لمن يطيعوا وصاياه وتأديباته لمن يخالفها ، يعطي رجاءً للذين خالفوه وفهموا وقبلوا تأديباته فتابوا ورجعوا إليه فيشملهم بمراحمه . وهذه التوبة معناها الإعتراف بخطاياهم وخطايا آبائهم التي استمروا فيها . وبهذا خالفوا الله فسلك الله معهم بالخلاف أي تخلى عنهم وسمح بتأديبهم وتشتيتهم في بلاد أعدائهم الذين نقلوهم من أرضهم . وبهذا الإعتراف يعلنوا رجوع قلوبهم للإيمان وقبولهم التأديب الذي يستحقونه بسبب عصيانهم .
ع 42 : أذكر ميثاقي : ليس معناه أن الله كان ناسياً بل إعلان إلهي بأنه سيتمم عهده ووعده . وتظهر مراحم الله لأولاده التائبين بأن يتمم لهم وعوده برعايتهم وحمايتهم كما وعد أباهم يعقوب أبا الأسباط وجدودهم إسحق وإبراهيم ( تك 22 : 16 - 18 ) ، ( تك 26 : 1 - 6 ) ، ( تك 35 : 9 - 15 ) . ويعيدهم إلى أرض الميعاد بعد سبيهم .
ع 43 : تستوفي سبوتها : سبق شرحها في ( ع 35 ) ، أي لا تُزرع بدلاً من السنة السابعة التي لم يقدسوا الأرض فيها لله بعدم زراعتها . وحشتها : تظل الأرض موحشة أي غير مزروعة . أبوا أحكامي : عصوا ورفضوا طاعة أحكامي . يرحم الله أولاده التائبين بعد أن أدبهم بنقلهم من أراضيهم على يد الأعداء ، فتركوا الأرض بلا زراعة نتيجة مخالفتهم قديماً وبعدم طاعة وصية السنة السابعة التي أمرهم فيها ألا يزرعوا الأرض فعقاباً لهم يتركون أرضهم رغماً عنهم بلا زراعة وموحشة سنيناً طويلة .
ع 44 : ما أبيتهم : لم أتخلَ عنهم وأمنع أبوتي لهم . أنكث ميثاقي : أنقض عهدي . تظهر مراحم الله أيضاً في عدم كراهيته لشعبه عندما عصوه ، فشتتهم في بلاد الأعداء ولكنه لم يبيدهم وظل منتظراً حتى يتوبوا فيتمم عهده وأبوته ورعايته لهم ويُعيدهم إلى أرضهم بمجد وكرامة .
+ حنان الله مستمر من نحوك حتى وأنت في الخطية وينتظر عودتك ليشملك بمراحمه . إنك لن تجد حناناً في العالم مثله ، فلا تتوانَ عن التوبة والرجوع إليه .
ع 45 : يؤكد الله أنه سيتمم وعوده للآباء الأولين ، إبراهيم وإسحق ويعقوب ، فيرحم شعبه التائب الذي أخرجه من أرض مصر ويُعيد رعايته وحمايته لهم .
ع 46 : يختم الله هنا كلامه بأن ما سبق هو شرائع الله لأولاده ليحيوا بها .
الأصحاح السابع والعشرون
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح