كلمة منفعة
إذا أردت أن تكون عادلًا في أحكامك على الناس. ينبغي باستمرار أن تستمع إلى الطرف الآخر، ولا تأخذ الحقائق من جانب واحد فقط.
— الطرف الآخر
سفر المزامير + مز 151 63
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
اَلْمَزْمُورُ الثَّالِثُ وَالسِّتُّونَ إليك عطشتُ يا إلهي! كان داود النبي في برية يهوذا حين تغنى بهذا المزمور. كان مُستبعدًا من مقدس الله (خيمة الاجتماع)، يعيش طريدًا لا مأوى له، مع أن الله أرسل نبيه ومسحه ملكًا. لقد عبَّر المرتل في هذا المزمور عن شوقه النابع من أعماق قلبه نحو الله، والسكنى في بيت الرب وفي مدينة الله. يقول القديس يوحنا الذهبي الفم إن آباء الكنيسة الأولى كانوا يرون أنه لا يجوز أن يعبر يوم دون الترنم بهذا المزمور في اجتماعات عامة. هكذا لا يليق بالكنيسة أن تكف عن التسبيح به كل يوم. إنه دواء يلهب فينا الشوق نحو الله. لهذا دعته الكنيسة الأولى: "مزمور الصباح". + منذ عصور مبكرة كان المزمور 62 (63) يُستخدَم في الشرق والغرب كتسبحة صباحية. في قوانين الرسل في الشرق (2: 49؛ 8: 37) لا يزال يُحسب أحد مزامير صلوات العشية Lauds، وهكذا أيضًا في الغرب حسب الطقس الروماني. (لكن في أيام كاسيان واضح أنه نقل من صلاة العشية إلى باكر). القديس يوحنا كاسيان يُقدم هذا المزمور كذبيحة شكر لله [2-6]، مع الاعتراف بالثقة العظيمة والاتكال عليه [7-8]. أقسامه 1. عطش نفس المرتل إلى الله 1-4. 2. شبع النفس بالله 5-7. 3. ثقة النفس واتكالها على الله 8-11. العنوان مَزْمُورٌ لِدَاوُدَ لَمَّا كَانَ فِي بَرِّيَّةِ يَهُوذَا جاء في عنوانه أن المرتل "كان في برية يهوذا". وقد انقسم الدارسون إلى أكثر من فريق. اعتقد البعض أن هذا المزمور وُضع أثناء اضطهاد شاول له، وآخرون اعتقدوا أنه أثناء تمرد ابنه أبشالوم. ففي كلتا الفترتين غالبًا ما كان داود في مناطق نائية في يهوذا. الفريق الأول يشير إلى 1 صم 23: 14، 25؛ 24: 1؛ يش 15: 55، 62. ويؤكد أن غابة حارث Hareth وبرية زيف ومعون Moan وعين جدي، كلها مناطق تتبع سبط يهوذا. أما الفريق الثاني فيقتبسون 2 صم 15: 23، 28؛ 16: 2، 14؛ 17: 16، 29، ليؤكدوا أن العنوان يشير إلى فترة متأخرة، أي إلى تمرد أبشالوم. يعتمد الفريق الثاني على دعوة الكاتب نفسه ملكًا، أي تسلم الحكم . في هذا المزمور يظهر شوقه إلى الله، كما يتنبأ عن هلاك شاول. هذا المزمور يناسب كل نفسٍ في حالة قفر، خالية من كل خير، برجوعها إلى السيد المسيح تحظى بكل نعمةٍ. 1. عطش نفس المرتل إلى الله يَا اللهُ إِلَهِي أَنْتَ. إِلَيْكَ أُبَكِّرُ. عَطِشَتْ إِلَيْكَ نَفْسِي. يَشْتَاقُ إِلَيْكَ جَسَدِي فِي أَرْضٍ نَاشِفَةٍ وَيَابِسَةٍ بِلاَ مَاءٍ [1]. ليس بالأمر العجيب أن يُستبعد رجال الله مثل داود النبي وغيره من التمتع بالشركة مع الجماعة المقدسة في الخدمة الكنسية الجماعية (عب 11: 37-38). استبعادهم بالجسد يلهب بالأكثر قلوبهم ونفوسهم كما أجسادهم بالشوق نحو الله. في وسط البرية حيث لا عون بشري يمكن أن يسنده يتطلع المؤمن إلى الله أنه إلهه الشخصي؛ يفتح عينيه في الصباح الباكر مع عيني نفسه ليعلن شوقه له. في وسط ضيقه شعر المرتل أنه قد فقد أمورًا زمنية، وصار طريدًا ومُضطهَدًا، محرومًا حتى من العبادة الجماعية، لكن لن تستطيع كل هذه الظروف أن تحرمه من الله القدير، ضابط الكل، صديقه الشخصي. لقد جفت كل الينابيع البشرية، فصارت عاجزة عن تقديم تعزيات ومعونة لداود، لكن بقي الينبوع الإلهي المفتوح له، لن يجف قط. + غالبًا ما ينسب الأنبياء لأنفسهم ذاك الذي هو إله الجميع بهذه الكلمات: "يا الله إلهي أنت، إليك أبكر" (مز 63: 1). علاوة على هذا فإن هذه اللغة تعلمنا أن كل فردٍ بعدلٍ عليه دين عظيم من الامتنان نحو المسيح، كمن جاء خصيصًا لهذا الشخص وحده. فإنه ما كان يتمنع عن تنازله هذا ولو من أجل شخصٍ واحدٍ فقط. مقياس حبه لكل أحد عظيم جدًا قدر حبه للعالم كله. القديس يوحنا الذهبي الفم + هذا هو صوت القديسين وحدهم، الذين لهم الله إلههم، إذ هو إله إبراهيم وإسحق ويعقوب. لا يستطيع أحد أن يقول إن الرب الإله هو إلهه إن كانت معدته هي إلهه، أو جشعه هو إلهه، أو مجد هذه الحياة هو إلهه، أو افتخار هذا العالم أو قوة الأمور الزمنية. لأن ما يتعبد له الإنسان أكثر من غيره يحسب هو إلهه. العلامة أوريجينوس + يكرر النبي اسم الله ليظهر عظم شوقه إليه. وبقوله "إلهي"، بياء التخصيص التي للإضافة ليظهر أن إله الكل هو إله الصديقين بأكثر تخصيص. بقوله: "أبكر"، كأنه يقول: شوقي إليك يا سيدي يوقظني من النوم باكرًا وقبل كل عمل جسدي آتي إليك بالصلاة. قوله: "عطشت إليك نفسي" معناه: أنت الذي تدعو إليك الظماء لكي ترويهم من ماء الحياة. فكما يشتهي الظمآن إلى الماء، هكذا تشتهي نفسي البلوغ إليك بالصلاة أو بالرجوع إلى أورشليم. الأب أنثيموس الأورشليمي + بالرغم من أن نفسي تعطش إليك، فإنني بالأكثر أبحث عنك بتعب الجسد، وإن كنتُ غير قادر على التطلع إليك في هيكلك. القديس جيروم + أنتم ترون كيف أن (يعقوب) لم يستمر في صراعه حتى ظهور النهار (تك 32: 26). ففي الحقيقة لا يوجد صراع للذين يعيشون في النور. إنه يليق بهؤلاء الذين يبلغون إلى مثل هذه العظمة أن يقولوا: "يا الله إلهي، إني أترقبك من النور" (مز 63: 1 LXX). كما يضيف: "في الغداة تسمع صوتي، في الغداة انتظرك وأنت تراني" (راجع مز 5: 1). عندما يشرق نور الصباح، أي المسيح، في أذهاننا، ويبعث بهاءه في قلوبنا، ننتظر كنفوسٍ نبيلةٍ ونتأهل للاهتمام الإلهي بنا. "عينا الرب على الأبرار" (مز 5: 3). عند الفجر يتوقف الصراع. القديس كيرلس الكبير + يعطش الله إلى عطشك إليه! القديس غريغوريوس النزينزي + هنا برية حيث يوجد فيها عطش كثير. وها أنتم تسمعون صوت ذاك الذي هو في ظمأ الآن في البرية. لكن إن عرفنا أنفسنا كعطشى، فسنعرف أنفسنا كمن يشربون أيضًا. فإن من يعطش في هذا العالم فسيرتوي في العالم القادم، وذلك كقول الرب: "طوبى للجياع والعطاش إلى البرّ، فإنهم يشبعون" (مت 5: 6). لهذا يليق بنا ألا نحب الشبع في هذا العالم، فإننا ستشبع في موضع آخر. لكن الآن لكي لا نضعف في هذه البرية، يرش علينا ندى كلمته، ولا يتركنا تمامًا لنجف... لكي نشرب بنوعٍ ما من نعمته يرش علينا، ومع هذا فنحن نعطش. + عطشتْ إليك نفسي؛ إليك جسدي في أرض ناشفة ويابسة بلا ماء" (مز 63: 1). إن النفس والجسد يعطشان إلى الله... فيعطي الله النفس خبزها الذي هو كلمة الحق، ويعطي الجسد احتياجاته، لأن الله خالق كليهما! القديس أغسطينوس إذ يعطش المرتل إلى الله ليلاً ونهارًا، يبقى الليل ساهرًا، حيث تعلن النفس شوقها لله، حتى يشرق شمس البرّ عليها. هكذا يليق بنفوسنا أن تسهر على الدوام، تعلن عن عطشها لله. + يهب الله الجسد نومًا، حتى تتجدد طاقة أعضاء الجسم، فتصير قادرة على مساندة النفس في سهرها. لكن يلزمنا أن ننتبه إلى هذا، أي لا تنام نفوسنا ذاتها، فإن نوم النفس هو شر. صالح هو نوم الجسد الذي يجدد صحة الجسم. وأما نوم النفس فيعني نسيانها لإلهها. عندما تنسى النفس إلهها تنام. لهذا يقول الرسول: "استيقظ أيها النائم وقم من الأموات فيضئ لك المسيح". (أف 14:5). القديس أغسطينوس + "استيقظ أيها النائم وقم من الأموات فيضئ لك المسيح". (أف 14:5). هل كان الرسول يوقظ إنسانًا نائمًا بالجسد؟ لا، بل يوقظ نفسًا نائمة، لكي تسير وتستضئ بالمسيح. هكذا بنفس الطريقة يقول هذا الرجـل: "يا الله، إلهـي أنت، إليك أبكر" (مز 1:63)... فالمسيح يضيء النفوس، ويجعلها مستيقظة، لكن إنْ أَبْعدَ نوره تنام. ولهذا السبب يقول مزمور آخر: "أَنِرْ عيني لئلا أنام نوم الموت" (مز 3:13). القديس أغسطينوس + يا إلهي وحياتي! لقد سُبي فكري بالحديث معك، فإنه ليس لي من أتحدث معه خارجًا عنك! ماذا أفعل؟ نفسي عطشي إليك، ولحمي يبتغيك (مز 2:63). بالحديث معك يمكن الصعود إليك، وبالتفكر فيك تُوهب رؤية وجهك. + إنني عطشان إلى مياه الحياة، لأنني لم أجرِ بعد إلى ينبوع الحياة! لقد دعاني مع إخوتي قائلاً: إن عطش كان فليأتِ ويشرب! وهوذا النبي ينخسني وقد بّح حلقه من صراخه إلي قائلاً: يا كل العطاش امضوا إلى مياه الحياة، فإن الذين يشربون منه بغير شبع تجري من قلوبهم أنهار ماء حي. الشيخ الروحَاني (يوحنا الدّلياتي) + جاءت رفقة إلى هذا النبع لتملأ جرَّتها ماءً، إذ يقول الكتاب المقدس: "فنزلت إلى العين، وملأت جرَّتها وطلعت" (تك 24: 16). وهكذا أيضًا نزلت الكنيسة أو النفس إلى نبع الحكمة، لتملأ جرَّتها، وترفع تعاليم الحكمة النقية التي لم يرغب اليهود أن يرفعوها من الينبوع الفائض. أصغوا إليه، إذ يقول الينبوع نفسه: "تركوني أنا ينبوع المياه الحية" (إر 2: 13). تعطش نفوس الأنبياء إلى هذا الينبوع، فيقول داود: "عطشت نفسي إلى الله الحيّ" (مز 42: 2-3)، لكي يروي ظمأه بغنى معرفة الله ويغسل دم الحماقة بمياه المجاري الروحية. لأن هذا هو فيض الدم كما يشير الناموس (لا 20: 18)، والذي يُستبان حينما يضطجع رجل مع امرأة طامث. فالمرأة (هنا تشير إلى) البهجة وفتنة الجسد. احترس لئلا يُقوض ثبات فكرك، ويلين باللذة الجسدية التي للاضطجاع. فتذوب باحتضانها تمامًا، وينفتح ينبوعها الذي يجب أن يُغلَق ويوصد بالنية الغيورة والتعقل المتزن. أنت "جنة مغلقة، عين مختوم"، (نش 4: 12). فإنه إذ ينحل ثبات الفكر تتدفق أفكار اللذات الجسدية الضارة للغاية، المتهيجة إلى شهوة جامحة نحو خطر مميت. لكن متى صارت لنا اليقظة الواعية لحراسة الفكر الحيّ، تُضبط (اللذات الجسدانية). القديس أمبروسيوس لِكَيْ أُبْصِرَ قُوَّتَكَ وَمَجْدَكَ، كَمَا قَدْ رَأَيْتُكَ فِي قُدْسِكَ [2]. الآن إذ صار جسد المُرَتِّل كبرية قاحلة عطشى إلى الله الينبوع الحقيقي، فاشتهى أن يظهر أمام الهيكل، ويرى قوته ومجده. هنا كلمة "أُبصر" تعني أن يختبر ويتمتع بقوة الله ومجده (مز 27: 13؛ 34: 8، 12؛ مت 5: 8؛ يو 3: 36). يرى القديس أغسطينوس أنه إذ تشتاق نفس المؤمن إلى الله يذهب إلى بيت الرب، ويتراءى قدامه، فينعم بنظر قوة الله ومجده. أو بمعنى آخر كما يقول الرسول إذ نعرف الله بل بالحري نُعرَف من الله (غل 4: 9). ففيما نحن نعطش إلى التعرف عليه، نكتشف أن مسرة الله أننا معروفون منه. + لنظهر أولاً لله، لكي ما يمكن لله أن يظهر لنا. "لكي أبصر قوتك ومجدك". بالحقيقة، إذ يترك الموضع، أي تلك البرية، وكأن الإنسان يجاهد في البرية لينال عونه الكافي، وإلا فلا يرى قوة الرب ومجده، بل يبقى ليموت من العطش، فلا يجد الطريق، ولا التعزية، ولا الماء الذي به يحتمل الوجود في البرية. ولكن إذ يرتفع إلى الله، حيث تقول له كل أعضائه الداخلية: "عطشت إليك نفسي، ويشتاق إليك جسدي بكل أعضائه! لئلا لا يطلب ما هو لله بل ما هو لغيره، فلا يشتاق إلى قيامة الجسد التي وعد بها الله، بهذا إذ يرتفع تكون له تعزية ليست بقليلة. القديس أغسطينوس يرى العلامة أوريجينوس أن الابن هو قوة الآب، كقول الرسول بولس (1 كو 1: 18)، وهو حكمة الله ومجده. فالمرتل يشتهي أن يرى المسيح وتدبير تجسده. + كما أن الأرض البرية تعطش إلى الماء، هكذا أشتهي أنا إلى المجيء إلى أورشليم حيث مظلة قدسك. وأما أثناسيوس الجليل وأوريجينوس وغيرهما فقالوا إن معنى قول النبي هو: إن البرية القفرة لم تمنع شوقي إليك، بل أُصلِّي إليك، وأُسبَّحك فيها كما أُسبِّحك في أورشليم، طالبًا أن أتمتع بحضرتك، وأعاين عجائبك التي تُظهِر قوتك ومجدك. الأب أنثيموس الأورشليمي لأَنَّ رَحْمَتَكَ أَفْضَلُ مِنَ الْحَيَاةِ. شَفَتَايَ تُسَبِّحَانِكَ [3]. يرى المرتل أن الموت مع التمتع بحب الله وحنوه، خير من الحياة بدونهما، فالحياة لا قيمة لها بدون الحب الإلهي! يقول القديس أثناسيوس إن من يتقدم إلى المسيح يُفَضِّل رحمته وتسبحته عن طول العمر. + حياة الناس كثيرة (متنوعة)، لكن حياة واحدة يعد بها الله؛ يهبها لنا لا عن استحقاقاتنا، بل من أجل رحمته... فإنه بعدلٍ يعاقب الخاطئ، وبرحمة الله لا يعاقب الخاطئ بل يبرره، ويقيم من الخاطئ إنسانًا بارًا، ومن الظالم إنسانًا صالحًا... "شفتاي تسبحانك" [3]. لا يمكن لشفتي أن تسبحانك، ما لم تتحرك رحمتك أمامي. بعطيتك أنا أُسَبِّح، وبرحمتك أُسبِّحك. فإنه لا يمكنني أن أُسَبِّح الله إن لم يهبني القدرة على تسبيحه. القديس أغسطينوس هَكَذَا أُبَارِكُكَ فِي حَيَاتِي. بِاسْمِكَ أَرْفَعُ يَدَيَّ [4]. يقدم المرتل نذرًا أنه مادام حيًا يعلن عن مجد الله. رفع اليدين أثناء الصلاة عادة قديمة كثيرًا ما وردت في العهد القديم. وهي لا تعني الطلبة من الله فحسب، وإنما إشارة تُعبِّر عن الشكر لله (مز 134: 2). هنا يرفع المرتل يديه لا ليطلب شيئًا، بل يطلب الله نفسه موضوع عطشه الداخلي، بل وعطش جسده إليه، يود أن يتراءى أمامه ويسبحه ويمجده. رفع اليدين أو العينين نحو السماء (يو 17: 1)، يحمل مشاركة الجسد النفس في شوقها نحو الله. إنه طقس تعبدي يُعبِّر عن العبادة لله (مز 134: 2) أو سؤاله أمرًا ما (مز 28: 2). وقد استخدم العهد الجديد نفس اللغة (1 تي 2: 8). + من كانت معتقداته بالله مستقيمة وديانته حسنة، فإنه يرفع يديه، أي قواته العملية ترتفع من الأرضيات إلى السماويات وذلك باسم الرب، ويمدح بشفتيه، ويسبحه بفمه، ويرتل له بروحه وعقله. الأب أنثيموس الأورشليمي يرى القديس أغسطينوس أن الله إذ يهب المؤمن حياة جديدة مقدسة، فهو يُسَبِّح الله بشفتيه، ويبارك الله بحياته، أي يشهد لصلاح الله ورحمته خلال سلوكه. نمجد اسم الرب برفع أيادينا، أي بسطها للعمل حسب وصيته، وإرادته المقدسة. + لترفعوا أياديكم في الصلاة. رفع ربنا يديه على الصليب لأجلنا، ولهذا بسط يديه لأجلنا... لكي نبسط نحن أيادينا للأعمال الصالحة. انظروا، إنه يرفع يديه، ويقدم نفسه ذبيحة لله (الآب)، وخلال تلك الذبيحة محا كل خطايانا. ليتنا نرفع نحن أيادينا لله في الصلاة. أيادينا هذه المرفوعة لله لا تخزى إن كنا نمارس الأعمال الصالحة... يقول الرسول: "رافعين أيادي طاهرة، بدون غضب ولا جدال" (1 تي 2: 8). القديس أغسطينوس 2. شبع النفس بالله كَمَا مِنْ شَحْمٍ وَدَسَمٍ تَشْبَعُ نَفْسِي، وَبِشَفَتَيْ الاِبْتِهَاجِ يُسَبِّحُكَ فَمِي [5]. لم يكن ممكنًا للظروف القاسية التي عانى منها المرتل أن تحرم نفسه من الشعور بالشبع والاكتفاء بالله، ولا أن تغلق فمه عن التسبيح له بشفتين مبتهجتين. تربط الكنيسة الأرمنية هذا المزمور بليتورجية الإفخارستيا وذلك بسبب هذه العبارة [آية 5]. + كلمة "بدسم fat" مشتقة من fatty، أي "الغنى". فكما أن النفس التي تتغذى على الأمور الصالحة ومُفعمة بالفضائل، تمتلئ كما من دسمٍ وغنى، كما هو مكتوب، هكذا الشر الذي يصدر كما من الدسم لا يُشار إليه أنه خفيف thin وفقير بل مملوء بالرذائل. القديس جيروم + كما أن الشحم والدسم يعطيان الجسد لذة بأكلهما، ويسمنانه، هكذا مدحك يا الله وتلاوة أقوالك الإلهية تلذذ النفس، وتبهج الشفاه، وتحث الفم على تسبيحك... بقوله: "تمتلئ نفسي" يدل على أن الطعام في الآخرة ليس حسيًا كما ظن البعض، لكنه روحي، لأن النفس لا تتغذى بأطعمة حسية بل روحية. هذه الأطعمة هي مشاهدة مجد الله ودوام الفرح الأبدي. الأب أنثيموس الأورشليمي إِذَا ذَكَرْتُكَ عَلَى فِرَاشِي، فِي السُّهْدِ أَلْهَجُ بِكَ [6]. إن كان مع الفجر يُسَبِّح الله معلنًا شوق نفسه كما جسده إليه، فإنه يبقى طول اليوم مشغولاً به، فيذْكره على فراشه، ويشغله حتى في نومه، فيفتح عينيه على التأمل في الله. صورة رائعة للعطش إلى الله نهارًا وليلاً. جاء في قوانين الرسل (ك 2: 59) إن المؤمنين كأعضاء المسيح يليق بهم أن يشتركوا في صلوات الكنيسة النهارية والليلية: [لا تهملوا في أنفسكم، ولا تحرموا مخلصكم من أعضائه، ولا تقسموا جسده، ولا تشتتوا أعضاءه، ولا تُفَضِّلوا مناسبات هذه الحياة عن كلمة الله، بل اجتمعوا أنتم أنفسكم معًا كل صباح ومساء، ورتلوا المزامير، وصلوا في بيت الرب، رددوا في الصباح المزمور 62 (63 في العبرية)]. + يعلمنا النبي أنه حتى في الفراش وبالأسحار وفي كل وقت نذكر الله، فتهرب منا الأفكار الشريرة من ذاكرتنا كما تهرب الظلمة بحضور النور. الأب أنثيموس الأورشليمي + يليق بنا أن نذكر الله على الدوام، خاصة عندما يكون الفكر غير مُضطرِب، وحين يُمكن للإنسان بهذا التذكُّر أن يدين نفسه، عندما يقدر الإنسان أن يسترجع هذه الأمور في ذاكراته. فإنه في وقت النهار إن أردنا أن نتذكرها ففي الحقيقية تتدخل بعض الاهتمامات الأخرى والمتاعب وتسحب الفكر خارجًا. أما في الليل فيمكن أن يستمر التذكر على الدوام، إذ تكون النفس هادئة ومستريحة، عندما تكون في الميناء تحت سماء صافية. إن كنا في الصباح الباكر نتأمل في هذه الأمور نذهب إلى أعمالنا في أمانٍ عظيمٍ. إن كنا نجعل الله أولاً هو المعين بواسطة الصلاة والطلبة، نسلك هكذا دون أن يكون لنا عدو. وإن وُجد عدو فإنك تسخر منه، وتحتقره، إذ يكون الله معينًا لك. القديس يوحنا الذهبي الفم يرى القديس أغسطينوس كلمة "فراشي" هنا تشير إلى الراحة، فإننا إن كنا نذكر الله وسط المتاعب، يليق بنا أن نذكره عندما ننعم بالراحة. الفجر هو وقت للراحة حيث يكون الإنسان مُستغرقًا في النوم، أما المؤمن فيجد راحته في العمل والتسبيح لله. نلهج به في الفجر، أي بمجرد إشراق نور شمس البرّ علينا. + ليس أحد يعمل في الفجر إلا ذاك الذي يعمل في المسيح. أما ذاك الذي يفكر في المسيح في وقت الراحة، فإنه يتأمل فيه في كل تصرفاته، ويكون المسيح معينًا له في العمل الصالح، حتى لا يفشل بسبب ضعفه. القديس أغسطينوس لأَنَّكَ كُنْتَ عَوْنًا لِي، وَبِظِلِّ جَنَاحَيْكَ أَبْتَهِجُ [7]. ما هو العون الذي قدمه الله لداود، وما هو ستر جناحيه الذي وهبه فرحًا، سوى وجود الشبع والبهجة بالله نفسه. + ليس شيء أفضل من المخزن الذي تتقبله مثل هذه الصلوات. اسمع النبي يقول: "إن كنت أذكرُك على فراشي، أُفكِّر فيك في فجر الصباح". القديس يوحنا الذهبي الفم + الذين لم يميزوا طعم الأكل لشدة المعارك تتمتع نفوسهم بحلاوة الخالق. القديس يوحنا سابا + أنا مبتهج بالأعمال الصالحة، لأن ظل جناحيك عليَّ. إن لم تحمِني فإن الحدأة تقبض عليَّ بكوني دجاجة صغيرة. فإن ربنا نفسه يقول لأورشليم في موضع معين: "يا أورشليم، يا أورشليم... كم مرَّة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها ولم تريدوا" (مت 23: 37). صغار نحن؛ ليت الله يحمينا تحت ظل جناحيه. وماذا عندما ننمو أكثر؟ حسن لنا أنه حتى بعد ذلك يبقى يحمينا، فنكون دومًا صغارًا وهو الأعظم. إنه دائمًا هو الأعظم مهما بلغ نمونا. القديس أغسطينوس + جناحا الله هما رحمته وعنايته بالبشر، وأيضًا هما الكتب الإلهية التي كل من يدرسها ويُنَفِّذ ما بها يرتفع إلى السماء ويستتر بها. الأب أنثيموس الأورشليمي 3. ثقة النفس واتكالها على الله اِلْتَصَقَتْ نَفْسِي بِكَ. يَمِينُكَ تَعْضُدُنِي [8]. غاية المرتل من الترنم لله وسط الضيقة، ليس أن ينزع عنه الضيق، بل أن يلتصق بالله إلهه، ليحتضنه بيمينه، ويعلن له عن نفسه. أنه يود الشركة مع الله، والاستنارة به، والالتصاق به إلى الأبد. السير مع الله يلهب بالأكثر الشوق إليه، فينسى المؤمن كل ما هو حوله، ويعطش إلى الله، فيلتصق به. في رسالة بعثها القديس جيروم إلى ديمترياس، إحدى شريفات روما التي نذرت نفسها لحياة البتولية، أوضح لها أن من يلتصق بالعالم يجد صعوبة في النمو الروحي، أما من يلتصق بالله فالطريق بالنسبة له سهل. [لتحبي أن تشغلي ذهنكِ بقراءات من الكتاب المقدس... لتقولي دائمًا مع العروس التي في نشيد الأناشيد: "في الليل طلبت من تحبه نفسي... أخبرني يا من تحبه نفسي أين ترعى، أين تربض عند الظهيرة" (نش 3: 1؛). ومع المرتل: "التصقت نفسي بك، يمينك تعضدني" (مز 63: 8). ومع إرميا: "لم أجد صعوبة... أن اتبعك" (إر 17: 16 LXX)، لأنه "ليس حزن في يعقوب، ولا رأى تعبًا في إسرائيل" (عد 23: 21 LXX). حين كنتِ في العالم أحببت أمور العالم. + يتفق هذا القول مع ما قاله إرميا النبي: "وأنا لم اضطرب راعيًا وراءك" (راجع إر 17: 16). وما قاله هوشع: "وراء الرب يمشون" (هو 11: 10). وما قاله الرسول في الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس: "من التصق بالرب فهو روح واحد" (1 كو 6: 17). فمن يمقت الشر يلتصق بالصلاح، وهو يلتصق بالرب بالإيمان والأعمال، والله يعضده ويعينه بيمينه الذي هو ابنه الوحيد، ولا يقدر العدو على أذيته. الأب أنثيموس الأورشليمي + لقد هرب داود من وجه شاول (1 مل 19: 18)، لا لكي يهجر الأرض حقًا، وإنما لكي يهرب من عَدْوَى إنسان قاسٍ عاصٍ وغادر. هرب لكي يلتصق بالله، إذ يقول: "التصقت نفسي بك" (مز 63: 8). انسحب ونَأَى بنفسه عن رجاسات هذا العالم، سما بنفسه تمامًا، وذلك كما تأمل إسحق عندما تجوَّل في الحقل (تك 24: 63)... لأن هذه شهادة واضحة تمس الالتصاق بالفضائل، حيث يتجوَّل الإنسان ببراءة قلبه، فلا يشترك في الشهوات الأرضية وإنما يشق طريقه بفكر متحرر، أي بلا لوم، ولا يفتح موضعًا للفساد في داخله. القديس أمبروسيوس + إنني أريدك أن ترى أنواع الأسلحة المختلفة وصفاتها، إذ ينبغي علينا إن أردنا أن نحارب في المعركة الإلهية ضد الشيطان ونُحسَب بين قوّاد المئات (الروحيين) الذين للإنجيل أن نتمنطق بها علي الدوام. يقول الإنجيل: "حاملين فوق الكل ترس الإيمان الذي به تقدرون أن تطفئوا جميع سهام الشرير الملتهبة" (أف6: 16). الإيمان هو الذي يوقف سهام الشهوة الشريرة ويهلكها بالخوف من الدينونة والإيمان بملكوت السماوات... بحسب خبرتنا نستطيع بالتمسك بالله إماتة إرادتنا وقطع شهوات هذا العالم، ونتعلم من أولئك الذين في علاقتهم بالله يقولون بكل إيمان: "التصقت نفسي بك" (مز 8:63)، "لصقتُ بشهادتك. يا رب لا تخزِني" (مز 31:119)، "أما أنا فالاقتراب إلى الله حسن لي" (مز 28:73)، فعلينا ألا نكل بسبب تشتت العقل والتراخي، لأن "المشتغل بأرضهِ يشبع خبزًا وتابع البطالين يشبع فقرًا" (أم 19:28). يلزمنا ألا ننسحب من جهادنا في السهر بسبب اليأس الخطير لأن "الآن ملكوت الله يُغصَب والغاصبون يختطفونهُ" (مت 12:11). فلا يمكن نوال فضيلة بغير جهاد، ولا يمكن ضبط العقل بغير حزن قلبي عميق، لأن "الإنسان مولود للمشقَّة" (أي 7:5). ومن أجل الوصول "إلى إنسانٍ كامل. إلى قياس قامة مِلْءِ المسيح" (أف 13:4) يلزمنا أن نكون علي الدوام في جهاد عظيم مع عناية لا نهائية. الأب سيرينوس + عندما سمع داود العظيم هذا وفهمه قال: "الساكن في ستر العلي، في ظل القدير يبيت، بخوافيه يظللك" (مز 91: 1، 4). وتعنى "بخوافيه" "بكتفيه"، وهذا هو نفس الشيء مثل السير وراء الله، لأن الكتف في ظهر الجسم، ويقول داود عن نفسه: "التصقت نفسي بك، يمينك تعضدنني" (مز 63: 8). وأنت ترى كيف تتفق المزامير مع التاريخ في الكتاب المقدس. فيقول المزمور إن اليد اليمنى لله تساعد الشخص الذي التصق بالله وسار وراءه، ويقول التاريخ في الكتاب إن اليد تلمس الشخص الذي ينتظر في الصخرة عند سماع الصوت الإلهي، ويصلي لكي يسير وراء الله. القديس غريغوريوس أسقف نيصص + إنّ المرتبط بالزواج هو - حسب قول الرسول بولس - منقسمٌ بين اهتماماتٍ كثيرة؛ "أما المتزوج فيهتم فيما للعالم كيف يُرضي امرأته" (1 كو 7: 33)، أما أنتم المحبّون العاشقون لله فتعيشون دون انفصالٍ عنه قط، مردِّدين بلا انقطاعٍ ما قاله داود النبي مدفوعًا باشتياقه: "التصقت نفسي بك، ويمينك عضَّدتني" (مز 63: 8). إنكم لا تجرون وراء حقولٍ أو بيوتٍ أو ما شابه ذلك لكي تقتنوها وتمتلكوها، ولكنكم بعيدون إلى حدٍّ ما عن الشهوات المخزية والنميمة والبُخل وأيّة خدعةٍ أخرى، بل على العكس، فكما هو مكتوبٌ: "الرب إلهك تتّقي، إياه تعبد وبه تلتصق" (تث 10: 20)، وهذا هو في الحقيقة ما تحققونه في حياتكم: "اِذهب وبِع أملاكك، وأعطِ الفقراء، فيكون لك كنز في السماء، وتعال اتبعني" (مت 19: 21). َتتجلَّى قوة هذا القول فيكم عندما تبتعدون عن العالم بكل حزمٍ، وتنبذونه مع كل اهتماماته. إنكم تعتمدون بكلّيتكم على الله الذي قال: "اُطلبوا أولاً ملكوت الله وبرَّه وهذه كلها تُزاد (أو "تتضاعف") لكم". (مت 6 : 33). القديس أنبا سيرابيون أسقف تميّ + جاء أخٌ إلى القديس مقاريوس راغبًا في خدمة المسيح في الحياة الرهبانية، وتوسل إلى الشيخ أن يُرشده ويوجِّهه ويُحصِّنه من نبع المبادئ النسكية التي كانت تفيض منه بغزارة بنعمة الروح القدس، وأن يوضِّح له كيف يمكنه بمعونة الرب أن يتجنَّب فخاخ العدو وهجماته الشريرة. فأجابه المغبوط مقاريوس: "إذا رغبتَ حقًا من كل قلبك أن تهجر العالم يا ابني، وأن تلتصق بالمخلِّص الرب كما يقول النبي: "التصقَتْ نفسي بك، يمينك تعضدني" (مز 63: 8)، ويمين الرب مهيَّأة في الحقيقة لقبول الذين يلتجئون إليها؛ فينبغي أن تنبذ العالم وترفض كل أعماله كقول الرسول: "لأنكم قد مُتُّم، وحياتكم مستترة مع المسيح في الله، متى أُظهِر المسيح حياتنا فحينئذٍ تُظهَرون أنتم أيضًا معه في المجد" (كو 3: 3). فردوس الآباء يعلق القديس أغسطينوس على هذه العبارة "التصقت نفسي خلفك" [3 LXX]: أ. إن الالتصاق بخلف الله لن يتحقق إلا بغراء الحب. ب. الالتصاق يتحقق بالاشتياق إلى الله، وبالتالي العطش إليه، بهذا تلتصق النفس به. ج. يتم الالتصاق بخلف الله، لكي لا نحسب أنفسنا مشيرين له، فيسلك هو حسب إرادتنا، إنما هو القائد الذي يتقدمنا، ونحن نسلك وراءه، نقبل إرادته وننفذ وصاياه. + الغراء (الذي به تلتصق النفس بالله) هو نفسه الحب. ليكن لك الحب، الذي كما بغراء تلتصق نفسك خلف الله. لا تلتصق بالله، وإنما خلف الله، حتى يسير أمامك وأنت تتبعه. القديس أغسطينوس أَمَّا الَّذِينَ هُمْ لِلتَّهْلُكَةِ يَطْلُبُونَ نَفْسِي، فَيَدْخُلُونَ فِي أَسَافِلِ الأَرْضِ [9]. لم يقصد النبي هنا أن تفتح الأرض فاهها وتبتلع أعداءه، كما فعلت بقورح وجماعته (عد 16: 31-34). لقد طلب اليهود هلاك يسوع المسيح بالصليب، وهم في هذا كانوا يخشون على مراكزهم الزمنية، وضياع مقتنياتهم الأرضية (يو 11: 48). خشوا فقدان الأرض، فانحدروا إلى أسافل الأرض. يرى القديس أغسطينوس أسافل الأرض هي الشهوات الأرضية. + السير على الأرض أفضل من السقوط في أسافل الأرض بواسطة الشهوات. كل من يجحف خلاصه، ويطلب الأرضيات، فهو أسفل الأرض. فقد وضع الأرض أمامه، وجعلها فوقه، وسقط هو تحتها. أولئك الذين خافوا أن يفقدوا الأرض، إذ رأوا الجموع تذهب وراء السيد، قالوا عن الرب يسوع المسيح: "إن تركناه هكذا، يؤمن الجميع به، فيأتي الرومانيون ويأخذون موضعنا وأمتنا" (يو 11: 48). لقد خشوا أن يفقدوا الأرض، فانحدروا إلى أسافل الأرض، وهناك حلّ بهم ما قد خشوه. لقد أرادوا أن يقتلوا المسيح حتى لا يفقدوا الأرض، وهم بهذا فقدوا الأرض، لأنهم ذبحوا المسيح... انظروا لقد فقدوا الموضع على أيدي الرومان. القديس أغسطينوس يُدْفَعُونَ إِلَى يَدَيِ السَّيْفِ. يَكُونُونَ نَصِيبًا لِبَنَاتِ آوَى [10]. يسجل لنا سفر صموئيل الثاني (18: 16-17) كيف مات أبشالوم وأتباعه. يبدو أنه لم يُدفن أحد منهم، حتى أبشالوم نفسه أُلقي في حفرة، ووضع عليه كومة من الحجارة. يرى القديس أغسطينوس أن الثعالب أو بني آوى هنا تشير إلى ملوك الأرض الذين استولوا على اليهودية. لقد رفضوا المسيح ملكًا عليهم، فصارت الثعالب أو ملوك العالم تسيطر عليهم وتملك. لقد رفضوا الملك الحقيقي، وقالوا: "لا نريد ملكًا غير قيصر"، وبالفعل هزمهم الرومان وأحرقوا الهيكل. رفضوا الحَمَل، واختاروا الثعلب، فاستحقوا أن يكونوا أنصبة للثعالب. + الذين يتحايلون على قتلي بلا سبب، فعلى قدر ثقل شرهم ينحدرون في الجحيم مدفوعين إلى يد السيوف أي إلى أيادي القاتلين بالسيوف. قوله: "يكونون أنصبة للثعالب" معناه أن الأسد بعد سفكه دم الفريسة وأكل ما يختار من أعضائها يطرح الفضلات لتأكلها الثعالب. قول النبي يعني أن الأشرار يسقطون في انكسار أمام الضعفاء بعد انكسارهم أمام الأقوياء. كما يعني أيضًا أنهم يُقتلون في الحرب ولا يوجد من يدفنهم، فتأكلهم الوحوش، حتى الثعالب تقوى عليهم. أيضًا القوات الشريرة هي ثعالب معنوية لأنها تخدع بحيلها نفوس الجُهال وتتقاسمها أنصبة فيما بينها. الأب أنثيموس الأورشليمي + انظر، ففي وقت القيامة يفرِّق العلي الأمم، ويقسم بني آدم حسب استحقاقاتهم، فمنهم من "يدخلون في أسافل الأرض" (مز 63: ٩)، "ويكونون نصيبًا لبنات آوي" (مز 63: ١٠)، أي للشيَّاطين، حيث بنات آوي (الثعالب) تفسد الكروم (نش ٢: ١٥)، وهيرودس أيضًا منهم، إذ قال عنه المسيح: "اذهبوا وقولوا لهذا الثعلب". لنطرح إذن تصرُّفاتنا الأرضيَّة وأفكارنا الترابيَّة، لئلاَّ نثقل بأفكار الأرض، وندخل إلى أسافل الأرض، ونكون نصيبًا لبنات آوي... يقول الرسول بكل وضوح: "فإن كنتم قد قمتم مع المسيح، فاطلبوا ما هو فوق حيث المسيح جالس عن يمين الله؛ اهتمُّوا بما فوق لا بما على الأرض" (كو ٣: ١-٢). العلامة أوريجينوس + لأن كل البشر الساكنين تحت الشمس صاروا، كما هو مكتوب، "نصيبًا لبنات آوي" (مز 63: 10)، وانقسموا إلى أنواع وأشكالٍ متعددة من فعل الشر، وهزموا بظلمة الجهل، وأيضًا سقطوا في عمق أعماق الخطية. لذلك نجد أن المرتل داود اضطر أن يتضرع إلى الله الكلمة لكي يأتي إلينا من السماء، قائلاً: "يا راعي إسرائيل اصغَ، يا قائد يوسف كالضأن، يا جالسًا على الكاروبيم أشرق، قدام إفرايم وبنيامين ومنسي أيقظ جبروتك، وهلم لخلاصنا" (مز 80: 2-3). وعندما أدرك (المرتل) أن مجيء كلمة الله سيحدث في الوقت المناسب، حيث كنا ساقطين ومنطرحين، صرخ أيضًا: "لماذا أيها الرب تقف بعيدًا؟ هل نسيتنا في الوقت المناسب وفي ألمنا؟" (مز 90: 22). فالمخلص قبل التجسد لم يكن بعد قد أخذ شبهنا، ووُجد بعيدًا عنا، لأن المسافات كانت كبيرة بين الطبيعة البشرية وطبيعة كلمة الله. القديس كيرلس الكبير. أَمَّا الْمَلِكُ فَيَفْرَحُ بِاللهِ. يَفْتَخِرُ كُلُّ مَنْ يَحْلِفُ بِهِ. لأَنَّ أَفْوَاهَ الْمُتَكَلِّمِينَ بِالْكَذِبِ تُسَدُّ . لقد حزن داود على ابنه أبشالوم (2 صم 18: 33؛ 19: 1-7)، لكن فرحه بالرب لم يفارقه. + تَحْمِل نبوة عن زرُبابل الذي تولى على اليهود بعد رجوعهم من السبي. هؤلاء الذين لما خلصوا من أعدائهم فرحوا بالله، وصاروا يُمتدَحون... وقد انسدت أفواه الذين كانوا يشتمونهم باطلاً. الأب أنثيموس الأورشليمي لقد ملك السيد المسيح، وأقام بالصليب كنيسته، مملكة الفرح والسلام، بينما تشتت الصالبون واستدت أفواههم التي حكمت عليه بالصلب! من وحي مز 63 متى ترتوي نفسي بحبك؟! + تبقى نفسي عطشى إليك في برية هذا العالم. بنعمتك تنزل عليها بندى كلمتك! تستعذبها نفسي، فيزداد لهيب حبي لك. ترتوي نفسي ببهائك، ويزداد بالأكثر عطشي إليك. + بمراحمك تسمح لجسدي بالنوم ليستريح، أما نفسي فتسهر على الدوام، تعلن عطشها الشديد إليك. لن تنام نفسي، فإنها تترقب إشراق شمس البرّ عليها. + بحبك تبعث بأشعة نورك على نفسي، فتبصر قوتك ومجدك. تشتهي الانطلاق إليك، لتتنعم بأحضانك الإلهية. نفسي وجسدي يهتفان معًا. شفتاي تسبحانك بلا انقطاع. ويداي ترتفعان إليك لتمارسا عملك. + كل كياني يناديك: لألتصق بخلفك، حتى أسير وراءك. فأنت هو الطريق والحياة الأبدية. أسير وراءك يا راعي النفوس الأمين، وأستظل بجناحيك فتحميني من نيران الشر! + كيف ألتصق بك إلا بعملك فيَّ؟ ليس من مادة تلصقني بك، إنما بغراء الحب ألتصق بك، ولن يقدر العدو أن يفصلني عنك! أنت هو الحب، هب لي ذاتك، فبك تلتصق نفسي! + ألتصق بك يا أيها المصلوب، فتملك في داخلي وتشبع أعماقي. أرى علة صليبك: ملك اليهود! لتملك عليَّ، فلا أشتهي آخر معك! لن أشتهي الأرض، لئلا تتسلط عليَّ، فأنحدر إلى أسفلها، وتسحقني بثقل شهواتها. + لتقيم أيها الملك في داخلي ملكوت الفرح. فأنت هو الحَمَلُ الإلهي العجيب. لن تقدر ثعالب العالم أن تفترسني. أنت نصيبي، وأنا لك، لن يجسر العدو أن يغتصبني من يديك. لك القوة والمجد يا ملك الملوك! ----------
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
المزمور الثالث والستون (الثاني والستون في الأجبية)
رتل داود هذا المزمور وهو هارب من شاول الملك في برية يهوذا بجانب نهر الأردن. ويعبر فيه عن اشتياقه لله الذي هو الآن محروم من هيكله وعبادته أثناء هروبه.
آية (1):- "1يَا اَللهُ، إِلهِي أَنْتَ. إِلَيْكَ أُبَكِّرُ. عَطِشَتْ إِلَيْكَ نَفْسِي، يَشْتَاقُ إِلَيْكَ جَسَدِي فِي أَرْضٍ نَاشِفَةٍ وَيَابِسَةٍ بِلاَ مَاءٍ، "
يَا اَللهُ إِلهِي = التكرار يعبر عن الاشتياق وقوله إلهي تعبر عن الحب (نش3:6).. اَللهُ =هو اله الكون كله .. إِلهِي = هذه عن العلاقة الخاصة بين داود والله. إِلَيْكَ أُبَكِّرُ = اشتياقه لله يجعله يبكر ليصلي. عَطِشَتْ إِلَيْكَ نَفْسِي. يَشْتَاقُ إِلَيْكَ جَسَدِي داود هنا أمامه برية قاحلة لا ماء فيها، فتأمل في هذا المنظر ورآها برية بدون ثمار ولا حياة. فقال وأنا هكذا بدونك يا رب بلا حياة وبلا ثمار. وهكذا كل إنسان بدون الروح القدس الماء المحيي يكون بلا ثمار (يو14:4 + غل22:5 + يو37:7-39) وهنا داود يشعر بهذا العطش فيصلي ليرويه الله. هو شعر أنه بدون الله مثل هذه البرية.وراجع (لو24:11-26). فالروح النجس يسكن في أماكن ليس فيها ماء. وهذا ما حدث مع شاول الملك فحينما فارقه روح الرب دخل فيه روح رديء (1صم14:16). ونصلي هذا المزمور في باكر، لأننا في باكر نبكر للصلاة طالبين الله مشتاقين وعطشانين.
آية (2):- "2لِكَيْ أُبْصِرَ قُوَّتَكَ وَمَجْدَكَ. كَمَا قَدْ رَأَيْتُكَ فِي قُدْسِكَ."
هو اشتياق داود أن يعاين مجد الله في البرية كما عاينه سابقاً في الهيكل. أو هو اشتياقه أن يعود لهيكل الله (الخيمة). لقد كان اشتياق داود دائماً أن يسكن في هيكل الله ويتفرس في هيكله المقدس (مز4:27).
لِكَيْ أُبْصِرَ قُوَّتَكَ = المسيح هو قوة الله (1كو24:1) فتكون هذه نبوة واشتياق لأن يرى المسيح. وكان المسيح في ضعفه أثناء أحداث الصلب كبرية قاحلة ولكن ظهرت فيه قوة الله (أش1:53-3). بهذا نفهم من الآيات (1، 2) أن المرنم يشتاق لعمل المسيح الفدائي الذي به يتحول جسدنا المائت والذي هو كأرض ناشفة بلا ماء إلى هيكل للروح القدس له ثماره.
آية (3):- "3لأَنَّ رَحْمَتَكَ أَفْضَلُ مِنَ الْحَيَاةِ. شَفَتَايَ تُسَبِّحَانِكَ."
رحمة الله أفضل من الحياة بكل ملذاتها وغناها.
آية (4):- "4هكَذَا أُبَارِكُكَ فِي حَيَاتِي. بِاسْمِكَ أَرْفَعُ يَدَيَّ."
حينما تأمل في مراحم الله سبح الله وباركه ورفع يديه (كما رفع موسى يديه فغلبوا).
آية (5):- "5كَمَا مِنْ شَحْمٍ وَدَسَمٍ تَشْبَعُ نَفْسِي، وَبِشَفَتَيْ الابْتِهَاجِ يُسَبِّحُكَ فَمِي."
الشحم والدسم يشبعان الجسد والتسبيح يشبع النفس ويلذذها (أش6:25).والشبع معناه انعدام الاحتياج لغير الله.
آية (6):- "6إِذَا ذَكَرْتُكَ عَلَى فِرَاشِي، فِي السُّهْدِ أَلْهَجُ بِكَ، "
نجد داود يسبح الله . فِي السُّهْدِ = السهد هو الأرق . الأسحار (السبعينية) الأسحار هي الاوقات ما قبل الفجر. والمعني انه لو شعر بأرق واستيقظ قبل الفجر فهو يسبح ويردد اسم الله . إذاً هو لا يسبح الله باكر فقط بل كل اليوم (صلوا بلا انقطاع 1تي17:5) . وهو لا يستطيع أن يضع رأسه على سريره إن لم يجد موضعاً للرب (مز 132 :
3-5) . فهو في حالة اتصال وحديث مع الله باستمرار.
آية (7):- "7لأَنَّكَ كُنْتَ عَوْنًا لِي، وَبِظِلِّ جَنَاحَيْكَ أَبْتَهِجُ."
لاحظ أنه يشكر الله على معونته، وبأنه يستظل بستر جناحي الرب أي رحمته وعنايته بينما هو هارب في البرية من وجه شاول. من الواضح أن الله لم يتركه بل أظهر له قوته وعزاه في ضيقته، كما ظهر مع الثلاث فتية في أتون النار وكما ظهرت الرؤيا ليوحنا وهو منفي في بطمس (مت37:23).
آية (8):- "8اِلْتَصَقَتْ نَفْسِي بِكَ. يَمِينُكَ تَعْضُدُنِي."
هو لا يصلي بلا انقطاع فقط بل يلتصق بالله، فهو لا يجد سلاماً إلا في ذلك.
الآيات (9-10):- "9أَمَّا الَّذِينَ هُمْ لِلتَّهْلُكَةِ يَطْلُبُونَ نَفْسِي، فَيَدْخُلُونَ فِي أَسَافِلِ الأَرْضِ. 10يُدْفَعُونَ إِلَى يَدَيِ السَّيْفِ. يَكُونُونَ نَصِيبًا لِبَنَاتِ آوَى."
أَمَّا الَّذِينَ هُمْ لِلتَّهْلُكَةِ = أعداء داود وأعداء الله والكنيسة وكل مقاوم لله عوضاً عن أن يتمتع بجناحي الله يحتمي تحتهما، يكون بيته خراباً (مت38:23). ولاحظ أن هؤلاء الأعداء يريدون قتل داود = يَطْلُبُونَ نَفْسِي. من المؤكد إن كان داود تحت ظل جناحي الله فلن تنجح مؤامراتهم، بل هم الذين سوف يهلكون = يُدْفَعُونَ إِلَى يَدَيِ السَّيْفِ هنا على الأرض وسيهلكون في أبديتهم= يَدْخُلُونَ فِي أَسَافِلِ الأَرْضِ. (هامان ومردخاي)
ويَكُونُونَ نَصِيبًا لِبَنَاتِ آوَى = هم تركوا أنفسهم للأسد الزائر يفترسهم (1بط8:5) والأسد بعد أن يصطاد فريسته ويأكل منها ما يريده يترك بقية الفريسة للثعالب تأكل الفضلات. لقد صاروا خراباً تاماً. ومن يسقط في أيدي الشياطين يسهل إصطياده عن طريق الثعالب العديدة الخبيثة (شياطين / بشر أشرار).
آية (11):- "11أَمَّا الْمَلِكُ فَيَفْرَحُ بِاللهِ. يَفْتَخِرُ كُلُّ مَنْ يَحْلِفُ بِهِ، لأَنَّ أَفْوَاهَ الْمُتَكَلِّمِينَ بِالْكَذِبِ تُسَدُّ."
الملك هو داود. نصيبه الفرح بسبب إتكاله على الله. وسينصره الله فيفتخر به.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
مزمور الثالث والستون
مضمون هذا المزمور : الأشتياق والعطش إلى اللـــــه
من تأملات قداسة البابا
" يا الله أنت إلهى ، إليك أبكر ، عطشت نفسى إليك "
قال داود هذا المزمور وهو فى البرية ، حينما كان هاربا من شاول الملك الذى كان يطارده ويريد قتله .
فى الواقع إن المزامير التى قالها داود وهو فى الضيقة ، كانت من أجمل مزاميره .
قالها بنفسية حساسة ، وقلبه متصل بالله ، وقد رفعه الألم إلى مستوى عميق من المشاعر .
ليس الألم شيئا رديئا ، إن أحسن الإنسان استغلاله . فهو يعصر النفس ويخرج منها روحيات جميلة .
ونلاحظ أن داود النبى ، كان إذا أحاطت به المشاكل لا يتذمر ولا يتضجر ، بل يرفع قلبه إلى الله مصليا ، وحالما يتصل قلبه بالله فى الصلاة ، ترتفع روحه . فلا تضغطه المشاكل ولا الضيقات . كان يعالج الضيقة بالصلاة .
وكان فى صلاته ينسى المشكلة ويتذكر الله .
وحينئذ كان يستريح من الداخل ، بل تتحول طلبته إلى شكر .
" يا الله أنت إلهى "
بهذا يظهر إيمانه بالله ، ويذكر أن الله هو إلهه الخاص .
يكلمه لا كإله لكل الناس ، ولكل الشعوب والأمم ، وإنما باعتباره إلهه الخاص .
" أنت إلهى " . بينى وبينك علاقة خاصة .. كمن يقول للسيد المسيح " أنت مخلصى " ، مع أنه مخلص العالم كله ..
والله نفسه كان يستخدم هذا الأسلوب أحيانا ، فيقول " أنا إله إبراهيم ، وإله إسحق ، وإله يعقوب " ( خر 3 : 6 ) .
وهكذا أيضا صلى يعقوب وقال " يا إله أبى إبراهيم ، وإله أبى إسحق .. " ( تك 32 : 9 )
إن الله يوافق أيضا على هذه العلاقة الخاصة .
" إليك أبكر "
إيمانك بالله كإله خاص بك ، لا بد أن يكون له تأثير عملى فى حياتك . فالإيمان الأسمى أو الشكلى أو الظاهرى ، لا ينفعك بشىء .
مادام هو إلهك ، ينبغى أن تبكر إليه ، لتتحدث معه .
ويكون أول من تنشىء معه علاقة فى يومك ، فالمحبة التى لا يثبتها العمل هى محبة باطلة أو محبة ناقصة .
لذلك فأنت فى محبتك لله ، تظهر محبتك بتبكيرك للتواجد معه . فأول ساعة من يومك تخصصها له . وهكذا تعطيه بكور وقتك . وعلى الأقل يكون الله هو أول من تتحدث معه فى يومك .
ويتقدس يومك إذ يبدأ بالله .
إذ تعطيه الوقت البكر ، الذى لم يرتبط بأى فكر خاطىء ، ولا بأى شعور سىء ، ولا بأية علاقة مع إنسان ، أو إهتمام بشىء ما .
وإذ تذكر الله فى بدء يومك ، إنما يتقدس فكرك بالصلاة ، ويستحى من أنه ينشغل بشىء خاطىء . وكما كان الله يأخذ البكور من المحاصيل فى العهد القديم ، هو الآن يأخذ بكور وقتك بالصلاة والتأمل وقراءة الكتاب والأفكار الروحية .
عبارة " إليك أبكر " تدل على اشتياقك إلى الله .
" عطشت نفسى إليك "
هذا العطش الذى عبر به داود عن مشاعره ، لعله تعبير عما قاله المسيح فى عظته على الجبل : " طوبى للجياع والعطاش إلى البر ، لأنهم يشبعون " ( مت 5 : 6 ) .
ولا يوجد بر أعظم من الوجود مع الله والتمتع به .
العطش إلى الله يدل على أن صلاته ليست مجرد طاعة لأمر ، أو تغصب لصنع فضيلة . إنما هى مشاعر اشتياق إلى الله . إنه عطشان إلى ذلك الماء الحى ، الذى قال عنه الله فى توبيخه لليهود " تركونى أنا ينبوع المياة الحية ، لينقروا لأنفسهم أبارا ، أبارا مشققة لا تضبط ماء " ( أر 2 : 13 ) .
وهو الماء الحى الذى تحدث عنه الرب مع المرأة السامرية : وأنه " ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية " ( يو 4 : 14 ) .
كأن داود يقول : أنا لا أريد أن أرتوى بماء من عندك ، إنما أريد أن أرتوى بك أنت ، أنت مائى ، وفيك رى نفسى . أنا أرتوى بك .
" لكى يزهر لك جسدى "
لأن الجسد ليس شرا ، كما يرى البعض الذين يرون الخير كله فى الروح ، فالرسول يقول : " مجدوا الله فى أجسادكم وفى أرواحكم التى هى لله " ( 1 كو 6 : 20 ) .
إن الجسد ليس شرا ، فالله قد خلقه ، والله لا يخلق شرا . والجسد ليس شرا ، وإلا ما كان السيد المسيح قد أتخذ له جسدا واتحد به .
الجسد إذن يمكن أن يزهر للرب ، حينما يسير مع الروح فى إتجاه واحد ، ويخضع للروح التى تخضع لله .
" أذكرك على فراشى "
كنت أذكرك على فراشى ، وفى أوقات الأسحار كنت أرتل لك :
كما أذكرك على فراشى ، كذلك أذكرك فى الليل ، على فراشى ، أى فى كل وقت . إنه بهذا يعطينا فكرة عن الصلاة الدائمة ، وعن الصلاة قبل النوم .
أى إنك يارب فى بدء يومى ، وفى نهايته .
" أنت الأول والآخر ، البداية والنهاية " ( رؤ 22 : 13 ) .
حينما تذكر الله على فراشك ، يتقدس فراشك .
" أما الملك فيفرح بالله ،
ويفتخر كل من يحلف به "
هنا داود لا ينسى أنه قد مسح ملكا ( 1 صم 16 ) . وفى الرجاء بتحقيق وعد الله ، يرى أنه سيفرح بالرب . ولا شك أن الرجاء يجلب الفرح ، كما قال الرسول " فرحين فى الرجاء " ( رو 12 : 12 ) .
+ + +
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح