كلمة منفعة
كل فضيلة تخلو من الحكمة، ليست فضيلة.فالمحبة مثلا يجب أن تكون محبة حكيمة، وإلا تنحرف إلى التدليل، والعطف الضار..
— الحكمة
سفر المزامير + مز 151 13
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
المزمور الثالث عشر
إلى متى يارب....؟
يبدو أن داود قد واجه تجارب لا تنتهي في فترةٍ ما من حياته. وقد جاء هذا المزمور بمثابة تضرع يسكبه أمام الله حتى يعينه ضد أعدائه.
يرى بعض الدارسين أن هذا المزمور لم يُكتب أثناء متاعب داود مع شاول، لأنه هذه المتاعب كانت قبل سقوطه في خطيته الشنعاء. ففي رأيهم أنه وضع هذا المزمور أثناء تمرد أبشالوم، عندما أسرع هاربًا من وجه ابنه. غير أن سحابة الحزن الخارجي لم تكن إلا رمزًا باهتًا لما قد ثقل على نفسه داخليًا بسبب الخطية، الأمر الذي كان أكثر سوادًا من ظلمة منتصف الليل[281].
يعبر هذا المزمور الصغير عن آلام داود الشحصية، سجلها كصرخة قوية وصريحة تخرج من أعماق نفسه المتألمة ليرتمي في أحضان مخلصه الذي يخرج به من المرارة إلى حياة الفرح والتهليل. وقد جاء هذا المزمور صلاة تضم كل عناصر المرثاة: شكوى، توسل، ثقة، شكر؛ التي تناسب كل إنسان بار يعاني من متاعب داخلية وخارجية.
يقول وليم بلامر: [يأتي تسلسل هذا المزمور طبيعيًا وبطريقة رائعة. ففي الآيتين 1، 2 يصرخ داود: "إلى متى؟"، مرددًا إياها أربع مرات؛ وفي الآية 3 يبدأ في جدية يصرخ طالبًا العون. وفي الآية 4 يستخدم أسلوب المحاججة الذي غالبًا ما يستخدمه مع الله... وإذ يتوسل يزداد إيمانًا؛ وإذ يؤمن يفرح في الرب، وإذ يفرح ينطلق طافرًا بتسابيح الحمد[282]].
الإطار العام:
1. إلى متى يارب؟ [1-2].
2. توسل
[3-4].
3. أغنية النصرة [5].
1. إلى متى يارب؟
بدأ داود النبي بسؤال، إذ رأى خارجه أن الأعداء قد ارتفعوا، ونفسه في داخله
حزينة، والله من فوق صامت.
يكرر داود في الآيتين 1، 2 "إلى متى...؟" أربع مرات، معبرًا عن إحباطه وفزعه، ويرى البعض أن التكرار هنا أربع مرات يُظهر أن المرتل يصرخ لا باسمه الشخصي وإنما باسم الشعب كله الذي سقط في الأسر أربع مرات: الأسر البابلي، والفارسي (المدياني)، والإغريقي، والروماني. وهكذا يُحسب هذا المزمور مرثاة جماعية ونبّوة تاريخية. وربما كرر المرتل هذه الكلمات أربع مرات ليعلن أنه أينما ذهب: شرقًا أو غربًا أو شمالاً أو جنوبًا لا يجد راحة، لأن الله قد حجب وجهه عنه.
ليس كل تكرار في الصلاة مرفوضًا إنما يُرفض التكرار الباطل.
"إلى متى يارب تنساني إلى الانقضاء؟
حتى متى تصرف وجهك عني؟
إلى متى أضع هذه المشورات في نفسي
والأوجاع في قلبي النهار أجمع؟
إلى متى يرتفع عدوي عليّ؟" [1، 2]
لم يجد داود راحة لنفسه في كل الأرض، لا بسبب تمرد ابنه، وإنما بسبب خطيته التي تجعل الله يحجب وجهه عنه. وقد استعار المرتل هذا التعبير من إعلانات الله المحسوسة في هيكل قدسه، في خيمة الاجتماع التي كانت ترمز إلى أن القدوس يسكن وسط شعبه المقدس. ليس ما يفرح القلب وينير البصيرة الداخلية مثل حضرة الله الواهبة النعم، بكونه هو حياة النفس ونورها. وليس من ظلمة أكثر رعبًا من تلك التي تنبع عن الشعور بأن الله يحجب وجهه عن الانسان. لقد بلغت آلام أيوب ذروتها حين قال: "من يعطيني أن أجده... هأنذا أذهب شرقًا فليس هو هناك، وغربًا فلا أشعر به، شمالاً حيث عمله فلا أنظره، يتعطََّفُ الجنوبَ فلا أراه" (أي 23: 3، 8-9).
v "حتى متى تصرف وجهك عني؟" إذ الله لا ينسى، لذلك فهو لا يحجب وجهه، إنما يتحدث الكتاب المقدس بلغتنا البشرية، فيقول إن الله يحجب وجهه بعيدًا عنا، وذلك حينما لا يُعلن معرفته عن ذاته للنفس التي لم تتطهر عيني فكرها بما فيه من كفاية.
القديس أغسطينوس
ما نطق به داود يحمل نبوة عن السيد المسيح الذي يصرخ نائبًا عن البشرية وقد حمل ثقل خطاياها، فيقول للآب: "إلهي إلهي لماذا تركتني؟" ليتنا نتمثَّل به في اتضاعه وصراخه بإيمان سائلاً الآب أن يوجه وجهه نحونا.
أحيانًا يشعر الإنسان في لحظات فتوره الروحي كأن الله قد تركه أو حجب وجهه عنه، وكأن الخطية - عدوه - قد ارتفعت عليه، لا تطلب إلا موته الأبدي... عندئذ لا يجد له ملجأ إلا الله مخلصه، يصرخ إليه لكي يشرق ببهاء وجهه في داخله.
في وقت المرارة يشعر الإنسان كأن الله قد تركه زمانًا طويلاً، لكن إذ يعود فيلتقي بالله خلال مراحمه العظيمة يدرك القول الإلهي: "لحيظة تركتك وبمراحم عظيمة سأجمعك" (إش 54: 7).
2. توسل:
"أنر عينَّي لئلا أنام نوم الموت" [3].
شعر داود النبي باحتياجه إلى الله الذي حجب وجهه عنه بسبب خطيته أن يعود فيرد وجهه البهي نحوه، وينير إنسانه الداخلي بنوره الإلهي، حتى لا يستمر في خطاياه، فلا ينام مع الذين ماتوا في خطاياهم.
صرخة المرتل "إلى متى" ليست صادرة عن يأس إنما عن نفس متألمة تعرف كيف تحول الشكوى إلى صلاة، لتنطلق بإيمان إلى الله تطلب منه الاستنارة ببهاء وجهه. إنها بدالة الحب تطلب إليه قائلة: "أنظر... أستجب... أنر". فهو وحده القادر أن يدخل إلى أعماقنا، ويتطلع إلى سرائرنا، يستجيب إلى تنهدات قلبنا الخفية، وينير طبيعتنا التي صارت ظلمة.
v لكي نقترب من النور الحقيقي، أعني المسيح، نسبحه في المزامير، قائلين: "أنر عينَّي لئلا أنام نوم الموت". فإنه موت حقيقي هو موت النفس لا الجسد حين نسقط عن استقامة التعاليم الصادقة ونختار الباطل عوض الحق. لذلك يلزم أن تكون أحقاؤنا ممنطقة وسرجنا موقدة كما قيل لنا هنا[283].
القديس كيرلس الكبير
v إذا ما أغلق الإنسان عينيهِ عن الرحمة، ينام في شهوات الملذات الجسدية[284].
الأب قيصريوس أسقف آرل
إذ يشرق مسيحنا في داخلنا يهبنا بروحه القدوس البصيرة المنيرة، فننال فهمًا جديدًا لحب الله وأبوّته وعمله الخلاصي، وإدراكًا لسرّ المسيح الذي يضم الشعوب والأمم إليه كأعضاء جسده المقدس، وإمتلاءً من روحه الناري الذي لا تقدر مياه كثيرة أن تطفئه في داخلنا؛ كما يهبنا العين المفتوحة القادرة أن تعاين الأمجاد السماوية، وأيضًا نظرة جديدة للبشرية كلها تتسم بالحب الباذل العملي من أجل الكل.
بهذه الاستنارة لا يبقى للظلام موضعًا في النفس ولا في الجسد أو في الفكر أو القلب إلخ... بل يكون كل ما في داخلنا وخارجنا مستنيرًا بالرب.
"لئلا يقول عدوي: إني قد قويت عليه.
الذين يحزنونني يتهللون إن أنا زللت" [4].
هكذا قدم داود النبي صلاة قصيرة نابعة عن إحتياجه، لكنها قوية. إنه إنما يطلب من الله أن يشرق عليه بنوره. وقد نصحنا آباء الكنيسة أن نردد صلوات قصيرة على الدوام، تسمى "الصلاة السهمية"، لأنها توجه كالسهم ضد الشيطان.
من هو هذا العدو الذي يخشى المرتل أن يقوى عليه ويعيَّره؟ إنه إبليس أو الخطية. يخشى المرتل سخرية أعدائه، الذين يتهللون إذا ما تزعزع مؤمن ما، ويُسر جدًا بهذا النجاح وإن كان مؤقتًا!
ما أعجب الله الذي كثيرًا ما يسمح لشعبه أن يسقطوا إلى حين تحت عنف أو استبداد أزواج أو والدين أو سادة أو قادة. كان لابد لدانيال وزملائه الأتقياء أن يعيشوا تحت سطوة حكام كلدانيين لهم نزواتهم. وعاشت أبيجايل مع زوج هو ابن لبليعال، لا يجسر أحد أن ينطق أمامه بكلمة. هذه هي المدرسة التي يتتلمذ فيها القديسون لمنفعتهم ونوالهم المجد، فإن الصعاب غير المحتملة تقودنا إلى البركة والنصرة[285].
3. أغنية النصرة:
ثقة داود أو إيمانه بالله قد حوّل حزنه إلى تسبحة مفرحة، وآلامه إلى خلاص، لهذا يقول المرتل:
"يبتهج قلبي بخلاصك.
أسبح الرب المحسن إليّ.
وأرتل لاسم الرب العالي" [6-7].
يقول Stuhlmueller: [من الصعب أن ندلل على سبب هذا التحول المفاجئ: هل تعافى المرتل بسرعة؟ من المحتمل أن المزمور قد نُظم عبر ليالٍ طويلة من الأرق، والآلام المُرّة والصلوات اليائسة، والذكريات القاسية، كل هذا تطور تدريجيًا لينشئ سلامًا، حتى عند الموت يتحول غضب الإنسان أو كآبته إلى سلام داخلي وحب راسخ].
بدأ المزمور بالتنهدات وخُتم بالتسابيح، وكما تقول العروس: "لأن الشتاء قد مضى، والمطر مرّ وزال؛ الزهور ظهرت في الأرض؛ بلغ أوان القضب، وصوت اليمامة سُمع في أرضنا" (نش 2: 11-12). وكما يقول إبن سيراخ: "انظروا يا بني البشر واعلموا أنه ما من أحد توكل على الرب وخزى" (2: 11).
صلاة
v حوّل يارب مرارة نفسي إلى صلاة!
v انظر إلى أعماقي، واستجب لتنهدات قلبي، ولتنر بصيرتي!
أراك فأتعرف عليك وأحبك وأتحد بك وأشاركك مجدك!
v أنر عينيْ قلبي بنورك فلا يكون للظلمة موضع في أعماقي!
v قدني في مدرسة الألم لكي استعذب شركة صلبك وأنعم بقوة قيامتك!
v احملني في وسط وادي الدموع، فيبتهج قلبي بخلاصك، وينفتح فمي بتسبيحك!
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
المزمور الثالث عشر (الثاني عشر في الأجبية)
يرى البعض أن هذا المزمور قاله داود وهو هارب من وجه إبشالوم، وهذا سبب إحساسه بغضب الله وأن الله نساه، هذا الحزن الواضح في بداية المزمور تعبير عن الحزن الداخلي إذ تذكر خطيته وها هو يعاني من نتائجها. ولكننا نرى في هذا المزمور الطريق الصحيح الذي يجب أن يتبعه كل من يشعر بخطيته فيقدم عنها توبة ويصرخ إلى الله ولا يكف عن الصراخ إلى أن يشعر بالاستجابة، وهنا نرى داود يصرخ 4 مرات إلى متى طالباً العون ثم وكأنه يعاتب الله، هل تقبل يا رب أن يفرح أعدائي بحالتي هذه. ولا يتوقف في صلاته عند هذا الحد، بل نجد إيمانه يتشدد ويقول أما أنا فعلي رحمتك توكلت بل يتقدم أكثر ويسبح بفرح. "الذين يزرعون بالدموع يحصدون بالابتهاج" (مز5:126) وهذا الأسلوب نجده دائماً في مزامير داود، فهو يبدأ بالصراخ والدموع وينتهي مسبحاً الله بفرح ونرى في هذا المزمور صورتين.
1. تعبير عن حالة نفس في فتورها الروحي وشعورها بألام نسيان الله.
2. ربما يعبر هذا المزمور عن قول المسيح على الصليب "إلهي إلهي لماذا تركتني" ولكنه ينتهي بتسبيح الله على خلاصه أي قيامة المسيح وانتصاره لذلك نصلي هذا المزمور في باكر.
3. ويقال المزمور من أي مظلوم ومتألم من أي ضيقة.
الآيات (1-2):- "1إِلَى مَتَى يَا رَبُّ تَنْسَانِي كُلَّ النِّسْيَانِ؟ إِلَى مَتَى تَحْجُبُ وَجْهَكَ عَنِّي؟ 2إِلَى مَتَى أَجْعَلُ هُمُومًا فِي نَفْسِي وَحُزْنًا فِي قَلْبِي كُلَّ يَوْمٍ؟ إِلَى مَتَى يَرْتَفِعُ عَدُوِّي عَلَيَّ؟"
هي صراخ الخاطئ في حالة فتوره محاولاً الرجوع لله، ولكنه يحس أن الأمر ليس سهلاً وربما ظن أن الله سيتركه إلى الإنقضاء، وربما أخذ يردد هذه المشاعر الحزينة في قلبه كل يوم، وحزنه راجع إلى انتصار عدوه (الشيطان والجسد) عليه = عَدُوِّي قد أرْتَفِعُ عَلَيَّ. وفي (نش6:5) نرى هنا أن الحبيب تحوَّل وعبر، هذه هي الفترة التي تشعر فيها النفس بنسيان الله لها. ولماذا يتركها الله فترة في هذا الشعور؟ حتى حينما تجده لا تعود للتراخي بل تمسك به ولا ترخِهِ (نش4:3). ونلاحظ هنا أن داود لم يشتكي من مؤامرة ابنه وخيانة الناس، بل ما يزعجه هنا هو نسيان الله له، فإن تمتعنا بحب الله وعدم رضا العالم فنحن لم نَخْسَرْ شيئاً. أما لو كسبنا العالم كله وخسرنا الله فقد خسرنا كل شئ. وليس من شئ يجعلنا نشعر بأن الله يحجب وجهه عنا سوى الخطية ويعزينا قول أشعياء لحيظة تركتك وبمراحم عظيمة سأجمعك (أش7:54).
آية (3):- "3انْظُرْ وَاسْتَجِبْ لِي يَا رَبُّ إِلهِي. أَنِرْ عَيْنَيَّ لِئَلاَّ أَنَامَ نَوْمَ الْمَوْتِ،"
صراخ داود حتى لا يموت في خطيته، يموت دون أن يشعر أن الله قد غفر. أو أن يستمر الإنسان في حالة موت الخطية، فالخاطئ يصرخ إلى الله هل تتركني هكذا كميت بسبب خطيتي. ويصلي أَنِرْ عَيْنَيَّ = فننال فهماً جديداً لمحبة الله ونعاين أمجاده السماوية فلا نعود نفرح بتفاهة العالم وخطاياه. بهذه الاستنارة لا يبقي للظلام موضعاً في الإنسان. أو يعطينا الله تعزية وسط الألم والشعور بوجوده معنا. وهذا ما أشار به رب المجد علي ملاك كنيسة لاودكية " أشير عليك أن تشتري مني ... وكحل عينيك بكحل لكي تبصر " ( رؤ 3 : 18 ). اما من لا تزال عينه الداخلية مغلقة تائها وراء ملذات الخطية ، فهو ما زال في غيبوبة الموت ، غافلا أو نائما غير فاهم انه في طريقه للموت.
آية (4):- "4لِئَلاَّ يَقُولَ عَدُوِّي: «قَدْ قَوِيتُ عَلَيْهِ». لِئَلاَّ يَهْتِفَ مُضَايِقِيَّ بِأَنِّي تَزَعْزَعْتُ."
العدو هو إبليس (أو الخطية) وهو يفرح بسقوط الإنسان قطعاً، ويشمت فيه ( مز 25 : 2 )
آية (5):- "5أَمَّا أَنَا فَعَلَى رَحْمَتِكَ تَوَكَّلْتُ. يَبْتَهِجُ قَلْبِي بِخَلاَصِكَ."
هنا نرى الإيمان المتزايد، فهو يلقي بثقته على الله أن ينجيه، وما يبني عليه ثقته هو مراحم الله، ليس لبر في نفسي يا رب ولكن من أجل مراحمك لنا دالة أن نطلب ونثق فيك أنك تستجيب بسبب مراحمك. ولاحظ أنه ظل يصلي ربما عدة أيام حتى شعر بهذا. بل نتيجة الصلاة أيضاً سمع صوت الروح القدس داخله قائلاً " لا تخف أنا معك" فإبتهج قلبه. ومن يسمع صوت الروح القدس قائلاً لا تخف لا يعود يخاف أبداً من شئ.
آية (6):- "6أُغَنِّي لِلرَّبِّ لأَنَّهُ أَحْسَنَ إِلَيَّ."
حصل داود هنا على حالة السلام الداخلي نتيجة صلواته وإيمانه فبدأ التسبيح ولم يتوقف. والتسبيح علامة على الإمتلاء من الروح القدس الذي أعطاه الفرح. فأليصابات وزكريا حينما إمتلئا من الروح القدس سبحا الله (لو1).
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
المزمور الثالث عشر
إلى متى يارب ......؟
يبدو أن داود قد واجه تجارب لا تنتهى فى فترة ما من حياته ، وقد جاء هذا المزمور بمثابة تضرع يسكبه أمام الله حتى يعينه ضد أعدائه .
من تأملات قداسة البابا شنودة الثالث :
إنه أحد مزامير صلاة باكر . وهو مزمور أنين وشكوى وعتاب من إنسان فى ضيقة ، وقد طال عليه الوقت فى ضيقته .
ولذلك فإن عبارة ( إلى متى ؟ ) تكررت أربع مرات فى صلاة هذا المزمور :
قال : إلى متى يارب تنسانى ؟ إلى الإنقضاء . حتى متى تحجب وجهك عنى ؟ إلى متى أردد هذه الأوجاع فى قلبى ، وهذه الأحزان فى نفسى النهار كله ؟ إلى متى يرتفع عدوى على ؟
هذا التكرار لم يكن تذمرا ، إنما لجاجة فى الصلاة .
هو لون من الإلحاح على الرب . فمهما طالت به المدة فى ضيقته ، لا ييأس ، وإنما يرفع قلبه إلى الله متضرعا وقائلا : إلى متى ؟ رغبة منه فى أن يتدخل الله لإنقاذه ...
عبارة ( إلى متى ) تظهر لنا أن أوقات الألم تبدو طويلة ..
إن ساعة واحدة فى ألم شديد من مرض قاس ، تبدو أطول من ساعات أو ايام فى المتعة والبهجة . دائما لحظات الحزن والوجع والألم طويلة ، وأيام الفرح تبدو قصيرة .
إن يعقوب أبا الآباء خدم من أجل راحيل 14 سنة " وكانت فى عينيه كأيام قليلة بسبب محبته لها " ( تك 29 : 20 ) ..
داود هنا يعاتب الله : لماذا تقف ساكتا فى ضيقتى ؟ " أسرع وأعنى " ( مز 70 ) .
إن طالت عليك أوقات الألم ، فكر فى سببها . ربما يكون داخلك !
ربما طالت بسبب عدم صبرك ، أو عدم إحتمالك ! قد يشعر الإنسان بطول فترة الضيقة ، إذا لم يستطع القلب أن يصرفها من الداخل .. إذا كان فى القلب شىء من الضجر أو التذمر أو عدم الصبر ، أو عدم الإيمان بأن الرب سيخلصه وينجيه . وهكذا يفقد الرجاء أيضا ، فيتعب
إن حلت بك ضيقة ، لا تركز أفكارك فى الضيقة ومتاعبها ، وإنما فى الله الذى سوف ينجيك منها ...
انشغل عن الضيقة بالتفكير فى شىء آخر . فكر فى إحسانات الله ، وفى وعوده ، وفى أعمال محبته . وفى كل ضيقة تمر بك ، قل لنفسك هذه العبارات :
مصيرهــا تنتهى ، كله للخير .. ربنـــــا موجود .....
إنه مزمور يبدأ بالأنين والشكوى والصراخ ، وينتهى بالشكر والفرح والتهليل والتسبيح .
+ + +
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح