كلمة منفعة
كثيرون يخلطون في تصرفاتهم بين العنف والحزم.الحزم مقبول حينما يلزم. أما العنف فإنه منفر..
— العنف أم الحَزْم
سفر الخروج 9
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
الأصحاحات 7-10
الأصحاحات 7-10
الضربات العشر
تتحدث هذه الأصحاحات الأربعة (7-10) عن التسع ضربات الأولي بينما تحدث الأصحاحان (11-12) عن الضربة الأخيرة التي ارتبطت بخروف الفصح:
1. مقدمة للضربات [7: 1-13].
2. تحويل الماء دمًا
[7: 14-23].
3. ضربة الضفادع [8: 1-15].
4. ضربة البعوض [8: 16-19].
5. ضربة الذباب [8: 20-32].
6. ضربة المواشي [9: 1-7].
7. ضربة البثور [9: 8-12].
8. ضربة البرد والنار [9: 13-30].
9. ضربة الجراد
[10: 1-20].
10. ضربة الظلام [10: 21-29].
11. ضربة الأبكار
[ص 11، 12].
1. مقدمة للضربات:
قبل أن يبدأ الله بالضربات أكد لموسى عدة حقائق:
أ. "أنا جعلتك إلهًا لفرعون" [1]. أي جعلتك سيِّدًا عليه، فلا تخافه ولا ترهب قسوة قلبه، وكما يقول القديس باسيليوس: [يقدم هذا اللقب برهانًا علي نوع من السلطان في التدبير أو في العمل[118]]. فالمؤمن يحذر من إبليس، لكنه يؤمن أن له سلطان عليه كقول الرب: "ها أنا أعطيكم سلطانًا لتدوسوا الحيَّات والعقارب وكل قوة العدو ولا يضركم شيء" (لو 10: 19)، وكما يؤكد القديس يوحنا الذهبي الفم في أكثر من مقال إنه ليس للشيطان سلطان علينا، إنما يقدم إغراءاته غير الملزمة وحيله وخداعاته لكي نسقط في فخاخه[119].
ب. "أخوك يكون نبيك" [1]. أي المتكلم عنك، إذ التحمت الوصية (موسى) بالعمل الكهنوت التعبدي (هرون)، صارت العبادة معلنة للوصية وكاشفة عنها، هذا هو إيماننا أن عبادتنا الليتورﭽية ليست شيئًا منفصلاً عن إنجيلنا، بل عاملة به وكارزة، يستطيع الأُمّي والطفل أن يدركا الأسرار الإنجيلية خلال بساطة الطقس وروحانيته، ويقدر المتعلم والناضج أن يجد أعماق المفاهيم اللاهوتية الإنجيلية فيه.
ج. غاية الضربات: "يعرف المصريون إنيّ أنا الرب" [5]، أي يبدد ظلمة الجهل التي طمست عينيّ الإنسان في شره. بمعنى آخر، لم يهدف الله بها إلى إلقاء الرعب في قلوب الحاضرين، إنما أراد أن تكون سندًا للخلاص. وكما يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [بهذه المعجزات عينها يُهزم العدو (الشيطان) ويتقوى شعب الله[120]]. ذكرَّهم بها الرب بعد مرور قرون طويلة ليرُدهم إليه، ففي المزمور (78: 43-53) كان يعاتبهم كيف خلصهم بيد قوية وضرب العدو ليُعينهم، أما هم فلا زالوا يسلكون في قساوة قلبهم.
د. استدعى فرعون ساحرين: ذكر القديس بولس الرسول اسميهما "مينيس ويمبريس" (2 تي 3: 1)، عن التقليد اليهودي، قام هذان الساحران بمقاومة موسى وهرون ليس بإلقاء الرعب والتهديد كما فعل فرعون، وإنما خلال حرب خطيرة هي حرب التمويه بين الحق والباطل، بين عمل الله وعمل إبليس، فحاولا أن يفعلا ما يفعلانه موسى وهرون لكنهما فشلا، إذ يقول الكتاب:
* "عصا هرون ابتلعت عصيِّهم" [12].
* "فعل كذلك العرّافون بسحرهم ليخرجوا البعوض فلم يستطيعوا... فقال العرّافون لفرعون هذا إصبع الله" (8: 18، 19).
* "لم يستطع العرّافون أن يقفوا أمام موسى من أجل الدمامل، لأن الدمامل كانت في العرافين وفي كل المصريين" (9: 12).
بمعنى آخر، إن كان السحرة حاولوا الخداع بإبراز بعض أعمال تحمل صورة ما فعله موسى وهرون، وذلك بفعل السحر، لكنهم كانوا في ضعف، وسقط الساحران تحت الضربات كغيرهما، ولم يكونا قادرين على إبطال الضربات أو إنقاذ فرعون وجنوده... واضطرَّا أن يعترفا بقوة "إصبع الله".
في دراستنا لسفر الرؤيا رأينا حربًا مشابهة، فكما يعلن الثالوث القدوس أعماله مع الإنسان يحاول الثالوث الدنس "ضد المسيح والوحش البرّي والوحش البحري" أن يخدعوا البشر، بل وأحيانًا يقدمون أعمالاً تبدو كما لو كانت تشبه أعمال الثالوث القدوس، مثل عمل المعجزات بفعل شيطاني[121].
هـ. العصا التي كانت في يد موسى النبي دُعيت "عصا الله" (4: 20)، "عصا هرون" (7: 22)، "عصا موسى" (10: 13)، هي عصا الخلاص التي تعمل في حياتنا تُشير إلى الإيمان بالصليب الخشبة المُحيية، لذا دُعيت عصا الله، كما تُشير للوصية الإلهية أو كلمة الله الكارزة بالصليب (عصا موسى)، وأيضًا تشير للحياة التعبُدية التي خلالها ندخل في حياة الشركة مع المصلوب (عصا هرون)، وكأن الإيمان يلتحم بالكتاب المقدس والعبادة بغير انفصال.
و. العصا بين الناموس والصليب: العصا الذي جاء بها موسى إلى مصر هي الناموس الذي يضرب به الضربات العشر، أي يُدين الخطية ويفضحها، وهي أيضًا الصليب الذي جرد إبليس من سلطانه وقهر قوته معطيًا للمؤمنين قوة الغلبة والخلاص، في هذا يقول العلامة أوريجانوس: [موسى يأتي إلى مصر حاملاً العصا التي يعاقب بها ويضرب بها الضربات العشرة، أي بالوصايا العشر. أما العصا التي تمت بها هذه الأمور، والتي أخضعت مصر وروضت فرعون، فهي صليب المسيح الذي غلب العالم، وانتصر علي (رئيس هذا العالم) وعلى "الرؤساء والسلاطين" (كو 2: 15)، إذا ما أُلقيت علي الأرض تتحول إلى حيَّة، فتلتهم حيَّات سحرة مصر الذين قاموا بعمل نفس الشيء، وقد كشف لنا الإنجيل أن هذه الحيَّة هي الحكمة بالقول: "كونوا حكماء كالحيَّات" (مت 10:10)، وفي موضع آخر: "وكانت الحيَّة أحكم جميع الحيوانات التي في الجنة" (تك 3: 1)، إذن فصليب المسيح الذي كانت البشارة به تعتبر نوعًا من الجنون، كان موجودًا في موسى، أي في الناموس، كقول الرب: "لأنه مكتوب عنيّ" ( يو 5: 46)، هذا الصليب الذي كتب عنه موسى، إذ طُرح علي الأرض، أي آمن به البشر، تحول إلى حكمة تلتهم كل حكمة المصريين، أي يبتلع كل حكمة هذا العالم، أنظر كيف صيَّر الله حكمة هذا العالم جهالة؟! (1 كو 1: 2)، برفع المسيح علي الصليب الذي هو قوة الله وحكمته].
ز. سرّ الضربات العشر: يرى بعض الآباء في الضربات العشر صورة رمزية لعمل الصليب في قلب الإنسان الذي صار محبًا للعالم، أي صار كأرض مصر، حتى ينطلق به إلى الحياة المقدسة، ففي اختصار نقول أن:
الضربة الأولي: أو تحويل ماء النهر دمًا، يُشير إلى ضرورة تحويل مياه القلب البارد إلى حياة الجهاد، كقول الرسول: "لم تجاهدوا بعد حتى الدم".
والضربة الثانية: الخاصة بالضفادع تُشير إلي الحياة المملوءة كلامًا فارغًا بلا عمل، كنقيق الضفادع طوال الليل، فبالروح القدس ندخل من كثرة الكلام إلى الحياة الإيمانية العاملة.
والضربة الثالثة: الخاصة بالبعوض تُشير إلي الأفكار الشريرة حيث لا يشعر الإنسان بالبعوضة على جسده إلاَّ عندما تلدغه، وهكذا كثيرًا ما يستسلم الإنسان للأفكار ولا يدري بها إلاَّ بعد أن تثير أحاسيسه نحو الخطية، فينطبق عليه قول الكتاب: "يشربون الإثم كالماء". فبالروح القدس نغلق باب الفكر عن الشر لينفتح منطلقًا نحو العمل الإيجابي البنّاء.
الضربة الرابعة: خاصة بالذباب الذي يقدم عن الأماكن القذرة ويسبب أمراضًا، مُشيرًا بهذا إلى ضرورة الهروب من مصدر الخطية ومثيراتها، كأصدقاء الشر وأماكن الدنس حتى لا تُصاب بالضعف.
الضربة الخامسة: خاصة بالوباء الذي أصاب الماشية، يُشير إلى الانحطاط إلى الأفكار الجسدية الحيوانية، فيليق بنا ألاَّ نسلك حسب شهوات الجسد بل نقبل شهوة الروح.
الضربة السادسة: أي البثور والقروح، تشير إلى فساد الجسد وعدم تقديسنا له، وإذ يلزمنا أن نتقبل عمل الروح القدس حتى في أعضاء جسدنا.
الضربة السابعة: أي حدوث أصوات رعد وبرد ونار، تشير إلى عمل الله داخل القلب فيُرعد بروحه القدوس فينا، ليُزلزل كل خطية استكانت داخل القلب وتأسست فيه، ويسقط البرد لقتل كل بداية زرع شيطاني (الأعشاب)، وبناره المقدسة يحرق الأشواك الخانقة للنفس ويلهب القلب بنار الحب الإلهي.
الضربة الثامنة: خاصة بالجراد تُشير إلى عدم ترك أي أثر للخطية في حياتنا، كما فعل الجراد حيث لم يترك ورقة خضراء في كل الأرض.
الضربة التاسعة: هي الظلام، أي اكتشاف الإنسان عمى بصيرته الروحية، صارخًا إلى الله ليهبه استنارة روحية داخلية.
أخيرًا الضربة العشرة: ضربة الأبكار التي تُشير إلي قتل إبليس وجنوده، لكي نصير نحن أنفسنا أعضاء في كنيسة الأبكار.
قدم لنا العلامة أوريجانوس تفسيرًا لهذه الضربات العشر قائلاً: [كل نفس في هذا العالم تعيش في ضلال وجهل للحقيقة، إنما هي (رمزيًا) في مصر. عندما يقترب منها ناموس الله[122] تتحول لها المياه إلى دم، أي تتحول الحياة السهلة المملوءة كسلاً إلى دم العهدين القديم والجديد، ثم تجتذبها بعيدًا عن الأحاديث الباطلة التي في نظر عناية الله نقيق ضفادع، ثم تُنقيها من الأفكار الشريرة التي تشبه لدغة البعوض، وتنزع عنها إبر الشر. تضمد فيها الجراحات التي تسببها النشوة التي يرمز لها بالذباب، وتهدم فيها الغباء والإدراكات الحيوانية... يهتم الناموس بجراحات خطاياها وينزع عنها انتفاخ الكبرياء وحروق الغضب، ويقدم لها أصوات الرعد أي تعاليم الإنجيل، ويستخدم تأديبات البرد لكي تخضع فيها تنعُمات الحواس وتلذُّذاتها، كما يُقدم لها نار التوبة لكي تُردد النفس قائلة: "ألم يكن قلبنا ملتهبًا فينا" (لو 24: 32)، لا يتأخر الناموس عن أن يرسل لها الجراد الذي يهاجم العواطف الثائرة غير النقية فيلتهمها، فتتهذب النفس بتعاليم الرسل "ليكن كل شيء بلياقة وبحسب ترتيب" (1 كو 14: 40). وعندما تستوفي التأديبات عن عاداتها الشريرة وتلتزم بتغيير حياتها إلى الحياة الفضلى تعترف بصاحب الضربات، وتقول أنه "إصبع الله"، حينئذ تدرك ظلمة أعمالها وتعترف بظلمة خطاياها، فإن بلغت هذا الحد يُهلك الله في داخلها أبكار مصر (الشر)[123]].
2. تحويل الماء دمًا:
يلاحظ في الضربات العشر أن الله كان يوجهها ضد آلهة المصريين نفسها ليكشف ضعفها، إذ يقول: "وأصنع أحكامًا بكل آلهة المصريين أنا الرب" (12: 12)، ومن ناحية أخرى كان يهدف بها إلى فضح حياتهم التي يسلكونها في الشر. فتحويل مياه النيل إلى دم دنس أوقع المصريين في حيرة إذ رأوا معبودهم قد صار دنسًا! ومن جهة أخرى كشف لهم أن فكرهم كله جسداني[124]، يرون كل شيء حسب اللحم والدم وليس بمنظار روحي.
هذا ونهر النيل يُشير إلى حكمة المصريين وفلسفاتهم المتغيرة، فبتحويله إلى دم ظهر أنه لا خلاص لهم بالحكمة البشرية والفلسفة الزمنية، إنما بالإيمان بدم السيِّد المسيح الذي يمتص كل حكمة وفلسفة. لهذا بدأت الضربات بالدم وانتهت أيضًا بالدم، حيث ذُبح خروف الفصح، ووُضعت علامة الدم على العتبة العليا والقائمتين، فهلك أبكار المصريين وأُنقِذ شعب الله.
لقد طلب الرب من موسى أن يذهب إلى فرعون في الصباح [15]، لأن حربنا مع عدو الخير تبدأ مع صباح حياتنا الروحية وبدء انطلاقها. كما طلب منه أن يلتقي به علي حافة النهر، يخرج إليه عند المياه [15]. وكأن ذلك إعلان للمؤمن أن يلتقي مع صاحب الفلسفات بذات فلسفاتهم، فلا تخاف الكنيسة من دراسة العلوم الفلسفية، واشترط أن يأخذ العصا التي تحولت إلى حيَّة في يده، فلا إمكانية للغلبة على الشر بدون الصليب واهب النصرة.
أما النتيجة فهي: "يكون دم في كل أرض مصر في الأخشاب وفي الأحجار" [19]، فإن كان الأرض قد صار "أرض مصر" أي محبًا للعالم، فإن الدم يُدخل إليه ليقدسه، والخشب الذي فيه بلا حياة يجرى فيه الدم ليصير أشجارًا حيَّة مثمرة، والحجارة الجامدة تتحول إلى "أولاد لإبراهيم"، كقول السيِّد المسيح نفسه "إن سكت هؤلاء فالحجارة تصرخ"!
أما موت السمك ونتانته [18، 21] فيُشير إلى هلاك ما ظنه المصريون غذاءً لهم في الفلسفات الزمنية، فتصير رائحة الفلسفات الوثنية بجانب الإيمان غير لائقة، لا تستريح لها النفس.
ويلاحظ أن الماء لم يصر دمًا للعبرانيين، وكما يقول القديس غريغوريوس أسقف نيصص: [ليس بالأمر العجيب أن العبرانيين وهم يقطنون بين الغرباء لا يتأثرون بشرور المصريين، هذا ما يمكن ملاحظته في المدن المزدحمة الآن حيث يتمسك الناس بآراء متناقضة، فبالنسبة للبعض مجاري الإيمان التي يستقون منها التعاليم الإلهية منعشة وواضحة، أما بالنسبة للآخرين الذين يعيشون كالمصريين حسب أهوائهم الشريرة صارت المياه دمًا فاسدًا[125]].
3. ضربة الضفادع:
كانت الضفادع مفرزة للإله أوزوريس، ومن مزامعهم أن إنتفاخها علامة وحي إلهي، فسمح الله أن تفيض عليهم وتصير ضربة كبرى بالنسبة لهم.
يرى القديس أوغسطينوس أنها تشير إلى كثيري التكلم بالأمور الباطلة غير النافعة[126]، ويرى العلامة أوريجانوس أنها تُشير إلى أغاني الشعراء التي هي كنقيق الضفادع تقدم أصواتًا ملتوية ومزعجة بلا عمل، لذا يليق بالمؤمن أن يتخلص بصليب السيِّد المسيح من الكلام الباطل الذي بلا عمل.
إن كان فرعون قد ألزم الشعب بالعمل في الطين فقد ناله تأديب قاسي أن تقفز الضفادع من الطين بشكلها القبيح ورائحتها غير المقبولة، وصوتها المزعج لتدخل إلى بيته وتقتحم مائدته وسريره ومخازنه السرّية، فتتحول حياته طينًا ووحلاً! بالكيل الذي كال به كُيّل له وازداد.
4. ضربة البعوض:
كان الكهنة يهتمون جدًا بالنظافة ويحترسون من التدنس بالبعوض والقمل، فضُربوا بالبعوض، الأمر الذي فشل السحرة أن يخرجوه فاعترفوا أمام فرعون قائلين: "هذا إصبع الله" [19].
ماذا يعني إصبع الله؟ يقول القديس أغسطينوس: [يقول المرتل: "إذ أرى السموات عمل أصابعك" (مز 8: 3)، ونقرأ إن الناموس قد كُتب بإصبع الله (خر 31: 18، 34: 28، تث 9: 10). وأُعطيَ خلال موسى خادمه الطوباوي، هنا يفهم الكثيرون إصبع الله أنه الروح القدس[127]].
يرى العلامة أوريجانوس في ضربة البعوض إشارة إلى الكلمات الرقيقة المعسولة التي تخدع الإنسان خلال المكر، فلا يشعر بها ولا يراها، إذ لا يعرف كيف خُدع وسقط.
كذلك يتساءل القديس أغسطينوس: [لماذا يسمح الله للإنسان أن يتأدب خلال هذه الضربات الضعيفة؟ ويجيب قائلاً: لماذا نحتمل شرورًا من خليقة هي من صنع الله؟ لأننا نقاوم الله! فهل الملائكة تعاني من هذه الخليقة؟! فإننا لو عشنا مثلهم لا يوجد شيء ما يخيفنا. فالتأديب يتهم خطيتك ولا يتهم الديان، بسبب كبريائنا يسمح الله للخليقة الصغيرة جدًا والمزدرى بها أن تعذبنا مادام الإنسان متكبرًا على الله ومتعجرفًا[128]...].
5. ضربة الذباب:
كان المصريون يعبدون آلهة تقوم بطرد الذباب... فأراد الله أن يكشف عن عجز آلهتهم.
6. ضربة الوباء الذي أصاب المواشي:
كان المصريون يعتقدون بالقداسة في بعض الحيوانات ولا سيما العجل أبيس الذي يحسبون أن فيه روح إلههم أوزوريس، فبضربة الحيوانات يدرك المصريون خطأ معتقداتهم، ويرى القديس أغسطينوس أن بضربة الحيوانات أراد أن يضبط الإنسان الشهوة الحيوانية فيه ويروضها فلا يعيش كالحيوان بل في حياة الطهارة[129]].
7. ضربة البثور:
كان للمصريين آلهة كثيرة يقدمون لها أناسًا أحياء، قيل أنهم كانوا يحرقون بعض العبرانيين على مذبحٍ عالٍ ويذرُّون رمادهم في الهواء، لكي تنزل مع كل ذرة بركة، لذلك أخذ موسى رمادًا من التنُّور وذرَّاه، فنشرته الرياح ونزل على الكهنة والشعب والحيوانات بالقروح والدمامل، حتى لم يستطع السحرة أن يقفوا أمام موسى من أجل الدمامل [11]، كأن الله أراد أن يعلن أنه إن كان قد طال أناته عليهم لكنه يستطيع أن يُخلص هؤلاء الذين يحرقونهم بلا ذنب.
8. ضربة الرعد والبرد والنار:
كانت هذه الضربة شديدة إذ لم يعتد المصريون على البرد القارص وهذا الجو العنيف، وقد رأينا أن أصوات الرعد كانت تُشير إلى إعلانات الله وإنذاراته، والبرد يُشير إلى قتل الزرع الرخيص (العشب) الذي أقامه العدو في القلب، والنار تحرق الأشواك الخانقة للنفس ليلتهب القلب بمحبة الله.
ويرى القديس أغسطينوس أن البرد يُشير إلى خطية سلب أموال الآخرين مثل السرقة واللصوصية والاغتصاب، وأن النار تُشير إلى خطية الغضب التي تشتعل في القلب حتى تؤدى إلى جريمة القتل[130].
9. ضربة الجراد:
الجراد مفسد للزرع ومُجلب للقحط، إذ يُبيد كل نبات أخضر، فكانت الضربة تُشير إلى عجز آلهتهم عن إعالتهم حتى جسديًا.
ويرى القديس أغسطينوس في الجراد إشارة إلى الشهادة الباطلة، إذ تؤذي كالجراد غيرها خلال الفم[131].
10. ضربة الظلام:
كان المصريون يعبدون الإله رع أي الشمس. كأن هذه الضربة قد وُجهت ضد هذا الإله، وفي نفس الوقت كشفت لهم عن عمى بصيرتهم الداخلية، وأعلنت عن حاجتهم لمجيء شمس البر الذي يشرق علي الجالسين في الظلمة. وقد بقى الظلام ثلاثة أيام، لعلّ ذلك إشارة إلى انتظار النفس للدخول في نور قيامة المسيح يسوع.
11. موقف فرعون من الضربات:
حاول فرعون أمام هذه الضربات أن يدخل في مفاوضات مع موسى وهرون مقدمًا أنصاف حلول غير مجدية:
أ. ففي البداية إتهم موسى وهرون أنهما يبطلان الشعب، وأن الشعب متكاسل يهرب من العمل (5: 17).
ب. إذ بدأت الضربات صرخ فرعون إليهما ولما حدث الفرج غلظ قلبه ولم يسمع لهما (8: 15).
ج. إذ اشتدت الضربات قال لهم: "اذهبوا اذبحوا لإلهكم في أرض مصر" (8: 25)، أي يتعبدوا لله دون أن يعتزلوا الشر، ودون تغيير في حياتكم.
د. إذ أصرّ موسى وهرون على موقفهما قال: "أنا أطلقكم لتذبحوا للرب إلهكم في البرية، ولكن لا تذهبوا بعيدًا، صليا لأجلي" (8: 28)، تظاهر بالورع والحاجة إلى صلاتهما، لكنه لا يُريدهما أن يسيرا الثلاثة أيام كاملة، أي لا يتمتع الشعب بقوة القيامة مع المسيح يسوع المخلص.
هـ. إذ اشتدت الضيقة سمح لهم بالخروج كما يُريدون (أي يسيرون ثلاثة أيام)، لكنه قال: "اذهبوا أنتم الرجال واعبدوا الرب لأنكم هكذا طالبون" (10: 10)، مشترطًا أن يتركوا نساءهم وأولادهم ومواشيهم، يسمح لنا العدو أن نتعبد لله لكن بدون نسائنا أي أجسادنا، لأن الزوجة إنما تُشير للجسد، كقول الرسول للرجال أن يحبوا نساءهم كأجسادهم، ولا يكون لهم أولاد أي ثمار الروح، وبدون المواشي أي دون تقديس الحواس والعواطف، أنه يريد العبادة منفصلة عن كل حياة الإنسان العملية حتى عن تقديس جسده وعواطفه.
ز. وأخيرًا، سمح لهم أن يخرجوا بنسائهم وأولادهم "غير أن غنمكم وبقركم تبقى" (10: 24). وكانت الإجابة "لا يبقى ظلف" (10: 26). نخرج جميعنا بنسائنا وأولادنا ومواشينا، مقدمين كل شيء للرب، ولا نترك لإبليس موضعًا في حياتنا... لن نترك له ظلفًا في حياتنا، حتى لا يكون له مجال للعمل الشرير في داخلنا.
[118] St. Basil, Epis. 189: 7.
[119] للمؤلف: القديس يوحنا الذهبي الفم: هل للشيطان سلطان عليك؟.
[120] Vita Mos. 2: 64.
[121] للمؤلف: رؤيا القديس يوحنا اللاهوتي، طبعة 1979.
[122] يقصد هنا الشريعة الإلهية بوجه عام أو الوصية الإلهية.
[123] Origen: In Exod, hom 4: 8.
[124] St. Augustine: On Ps. 78.
[125] Vita Moses 2: 66.
[126] On Ps. 78.
[127] St. Augustine: on Ps. 8.
يفهم الأباء إصبع الله التي أوجدت السموات (مز 8: 3)، بأنه الروح القدس الذي يجعل من البشر سموات مقدسة، كما يفهمون ذراع الرب ويمينه بأنه الابن الكلمة.
[128] On the Gospel of St. John, tr. 1: 15.
[129] On Ps. 78.
[130] Ibid.
[131] Ibid.
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الإصحاح التاسع
الضربة الخامسة : ضربة الوباء الذي أصاب المواشي
الآيات (1-7):- "1ثُمَّ قَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «ادْخُلْ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقُلْ لَهُ: هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ إِلهُ الْعِبْرَانِيِّينَ: أَطْلِقْ شَعْبِي لِيَعْبُدُونِي. 2فَإِنَّهُ إِنْ كُنْتَ تَأْبَى أَنْ تُطْلِقَهُمْ وَكُنْتَ تُمْسِكُهُمْ بَعْدُ، 3فَهَا يَدُ الرَّبِّ تَكُونُ عَلَى مَوَاشِيكَ الَّتِي فِي الْحَقْلِ، عَلَى الْخَيْلِ وَالْحَمِيرِ وَالْجِمَالِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ، وَبَأً ثَقِيلاً جِدًّا. 4وَيُمَيِّزُ الرَّبُّ بَيْنَ مَوَاشِي إِسْرَائِيلَ وَمَوَاشِي الْمِصْرِيِّينَ. فَلاَ يَمُوتُ مِنْ كُلِّ مَا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ شَيْءٌ». 5وَعَيَّنَ الرَّبُّ وَقْتًا قَائِلاً: «غَدًا يَفْعَلُ الرَّبُّ هذَا الأَمْرَ فِي الأَرْضِ». 6فَفَعَلَ الرَّبُّ هذَا الأَمْرَ فِي الْغَدِ. فَمَاتَتْ جَمِيعُ مَوَاشِي الْمِصْرِيِّينَ. وَأَمَّا مَوَاشِي بَنِي إِسْرَائِيلَ فَلَمْ يَمُتْ مِنْهَا وَاحِدٌ. 7وَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ وَإِذَا مَوَاشِي إِسْرَائِيلَ لَمْ يَمُتْ مِنْهَا وَلاَ وَاحِدٌ. وَلكِنْ غَلُظَ قَلْبُ فِرْعَوْنَ فَلَمْ يُطْلِقِ الشَّعْبَ. "
كان المصريون يعتقدون بقداسة بعض الحيوانات مثل العجل أبيس وكانوا يحسبون أن فيه روح إلههم أوزوريس. وبلغ من تقديسهم للحيوانات أن ديودوروس المؤرخ سجل أن المصريين مزقوا سفير الرومان لأنه قتل قطاً. وبهذه الضربة يدركون خطأ معتقداتهم.
(آية7): هنا فرعون يريد أن يتأكد أن مواشي إسرائيل لم يصبها ضرر.
الضربة السادسة : ضربة البثور
الآيات (8-12):- "8ثُمَّ قَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى وَهَارُونَ: «خُذَا مِلْءَ أَيْدِيكُمَا مِنْ رَمَادِ الأَتُونِ، وَلْيُذَرِّهِ مُوسَى نَحْوَ السَّمَاءِ أَمَامَ عَيْنَيْ فِرْعَوْنَ، 9لِيَصِيرَ غُبَارًا عَلَى كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ. فَيَصِيرَ عَلَى النَّاسِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ دَمَامِلَ طَالِعَةً بِبُثُورٍ فِي كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ». 10فَأَخَذَا رَمَادَ الأَتُونِ وَوَقَفَا أَمَامَ فِرْعَوْنَ، وَذَرَّاهُ مُوسَى نَحْوَ السَّمَاءِ، فَصَارَ دَمَامِلَ بُثُورٍ طَالِعَةً فِي النَّاسِ وَفِي الْبَهَائِمِ. 11وَلَمْ يَسْتَطِعِ الْعَرَّافُونَ أَنْ يَقِفُوا أَمَامَ مُوسَى مِنْ أَجْلِ الدَّمَامِلِ، لأَنَّ الدَّمَامِلَ كَانَتْ فِي الْعَرَّافِينَ وَفِي كُلِّ الْمِصْرِيِّينَ. 12وَلكِنْ شَدَّدَ الرَّبُّ قَلْبَ فِرْعَوْنَ فَلَمْ يَسْمَعْ لَهُمَا، كَمَا كَلَّمَ الرَّبُّ مُوسَى. "
كان المصريون يقدمون لبعض آلهتهم أناساً أحياء. وقيل أنهم كانوا يحرقون بعض العبرانيين على مذبح عالٍ. (هذا في بعض الأحيان لكن كان هذا الطقس يتم بذبائح حيوانات عادية إن لم يتم تقديم عبرانيين) ثم يذرون الرماد في الهواء. وكان يعتقدون أنه تنزل مع كل ذرة من الرماد بركة. ولذلك أخذ موسى رماداً من التنور وذراه فنشرته الرياح ونزل على الكهنة والشعب والحيوانات. ولم تصبهم بركات من جراء ذلك بل أصابهم قروح ودمامل. حتى أن السحرة خجلوا أن يقفوا أمام موسى بسبب الدمامل التي فيهم. والتنور هو الفرن حيث يشوى اللبن (الطوب). هنا درسين للمصريين [1] لا بركة في الرماد بل ضربة. [2] الضربة بسبب تعذيب الشعب.
الضربة السابعة : ضربة الرعد والبَرَدْ والنار
الآيات (13-35):- "13ثُمَّ قَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «بَكِّرْ فِي الصَّبَاحِ وَقِفْ أَمَامَ فِرْعَوْنَ وَقُلْ لَهُ: هكَذَا يَقُولُ الرَّبُّ إِلهُ الْعِبْرَانِيِّينَ: أَطْلِقْ شَعْبِي لِيَعْبُدُونِي. 14لأَنِّي هذِهِ الْمَرَّةَ أُرْسِلُ جَمِيعَ ضَرَبَاتِي إِلَى قَلْبِكَ وَعَلَى عَبِيدِكَ وَشَعْبِكَ، لِكَيْ تَعْرِفَ أَنْ لَيْسَ مِثْلِي فِي كُلِّ الأَرْضِ. 15فَإِنَّهُ الآنَ لَوْ كُنْتُ أَمُدُّ يَدِي وَأَضْرِبُكَ وَشَعْبَكَ بِالْوَبَإِ، لَكُنْتَ تُبَادُ مِنَ الأَرْضِ. 16وَلكِنْ لأَجْلِ هذَا أَقَمْتُكَ، لِكَيْ أُرِيَكَ قُوَّتِي، وَلِكَيْ يُخْبَرَ بِاسْمِي فِي كُلِّ الأَرْضِ. 17أَنْتَ مُعَانِدٌ بَعْدُ لِشَعْبِي حَتَّى لاَ تُطْلِقَهُ. 18هَا أَنَا غَدًا مِثْلَ الآنَ أُمْطِرُ بَرَدًا عَظِيمًا جِدًّا لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ فِي مِصْرَ مُنْذُ يَوْمِ تَأْسِيسِهَا إِلَى الآنَ. 19فَالآنَ أَرْسِلِ احْمِ مَوَاشِيَكَ وَكُلَّ مَا لَكَ فِي الْحَقْلِ. جَمِيعُ النَّاسِ وَالْبَهَائِمِ الَّذِينَ يُوجَدُونَ فِي الْحَقْلِ وَلاَ يُجْمَعُونَ إِلَى الْبُيُوتِ، يَنْزِلُ عَلَيْهِمِ الْبَرَدُ فَيَمُوتُونَ». 20فَالَّذِي خَافَ كَلِمَةَ الرَّبِّ مِنْ عَبِيدِ فِرْعَوْنَ هَرَبَ بِعَبِيدِهِ وَمَوَاشِيهِ إِلَى الْبُيُوتِ. 21وَأَمَّا الَّذِي لَمْ يُوَجِّهْ قَلْبَهُ إِلَى كَلِمَةِ الرَّبِّ فَتَرَكَ عَبِيدَهُ وَمَوَاشِيَهُ فِي الْحَقْلِ.
22ثُمَّ قَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى: «مُدَّ يَدَكَ نَحْوَ السَّمَاءِ لِيَكُونَ بَرَدٌ فِي كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ: عَلَى النَّاسِ وَعَلَى الْبَهَائِمِ وَعَلَى كُلِّ عُشْبِ الْحَقْلِ فِي أَرْضِ مِصْرَ». 23فَمَدَّ مُوسَى عَصَاهُ نَحْوَ السَّمَاءِ، فَأَعْطَى الرَّبُّ رُعُودًا وَبَرَدًا، وَجَرَتْ نَارٌ عَلَى الأَرْضِ، وَأَمْطَرَ الرَّبُّ بَرَدًا عَلَى أَرْضِ مِصْرَ. 24فَكَانَ بَرَدٌ، وَنَارٌ مُتَوَاصِلَةٌ فِي وَسَطِ الْبَرَدِ. شَيْءٌ عَظِيمٌ جِدًّا لَمْ يَكُنْ مِثْلُهُ فِي كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ مُنْذُ صَارَتْ أُمَّةً. 25فَضَرَبَ الْبَرَدُ فِي كُلِّ أَرْضِ مِصْرَ جَمِيعَ مَا فِي الْحَقْلِ مِنَ النَّاسِ وَالْبَهَائِمِ. وَضَرَبَ الْبَرَدُ جَمِيعَ عُشْبِ الْحَقْلِ وَكَسَّرَ جَمِيعَ شَجَرِ الْحَقْلِ. 26إِلاَّ أَرْضَ جَاسَانَ حَيْثُ كَانَ بَنُو إِسْرَائِيلَ، فَلَمْ يَكُنْ فِيهَا بَرَدٌ.
27فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ وَدَعَا مُوسَى وَهَارُونَ وَقَالَ لَهُمَا: «أَخْطَأْتُ هذِهِ الْمَرَّةَ. الرَّبُّ هُوَ الْبَارُّ وَأَنَا وَشَعْبِي الأَشْرَارُ. 28صَلِّيَا إِلَى الرَّبِّ، وَكَفَى حُدُوثُ رُعُودِ اللهِ وَالْبَرَدُ، فَأُطْلِقَكُمْ وَلاَ تَعُودُوا تَلْبَثُونَ». 29فَقَالَ لَهُ مُوسَى: «عِنْدَ خُرُوجِي مِنَ الْمَدِينَةِ أَبْسِطُ يَدَيَّ إِلَى الرَّبِّ، فَتَنْقَطِعُ الرُّعُودُ وَلاَ يَكُونُ الْبَرَدُ أَيْضًا، لِكَيْ تَعْرِفَ أَنَّ لِلرَّبِّ الأَرْضَ. 30وَأَمَّا أَنْتَ وَعَبِيدُكَ فَأَنَا أَعْلَمُ أَنَّكُمْ لَمْ تَخْشَوْا بَعْدُ مِنَ الرَّبِّ الإِلهِ». 31فَالْكَتَّانُ وَالشَّعِيرُ ضُرِبَا. لأَنَّ الشَّعِيرَ كَانَ مُسْبِلاً وَالْكَتَّانُ مُبْزِرًا. 32وَأَمَّا الْحِنْطَةُ وَالْقَطَانِيُّ فَلَمْ تُضْرَبْ لأَنَّهَا كَانَتْ مُتَأَخِّرَةً.
33فَخَرَجَ مُوسَى مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ لَدُنْ فِرْعَوْنَ وَبَسَطَ يَدَيْهِ إِلَى الرَّبِّ، فَانْقَطَعَتِ الرُّعُودُ وَالْبَرَدُ وَلَمْ يَنْصَبَّ الْمَطَرُ عَلَى الأَرْضِ. 34وَلكِنْ فِرْعَوْنُ لَمَّا رَأَى أَنَّ الْمَطَرَ وَالْبَرَدَ وَالرُّعُودَ انْقَطَعَتْ، عَادَ يُخْطِئُ وَأَغْلَظَ قَلْبَهُ هُوَ وَعَبِيدُهُ. 35فَاشْتَدَّ قَلْبُ فِرْعَوْنَ فَلَمْ يُطْلِقْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، كَمَا تَكَلَّمَ الرَّبُّ عَنْ يَدِ مُوسَى. "
البَرَدْ هو كرات جليد تسقط على الأرض. وكانت هذه الضربة شديدة على المصريين إذ لم يعتد المصريين على البرد القارص وهذا الجو العنيف. وكان الرعد يشير لإنذار الله والبَرَدْ قتل النباتات. والنار قد تأتي من البرق كصواعق تنقض على المنازل والأشجار فتحرقها أو تأتي النار من احتكاك كرات البَرَدْ (الجليد) مع بعضها فيخرج منها ألسنة نار ومن شدة هذه الضربة قيل أرسل جميع ضرباتي إلى قلبك (آية14) فهي ضربة شديدة ثقيلة وهي موجهة لقلبه العنيد.
(آية15): الله من مراحمه كان قادراً أن يضربهم بوبأ فيفنيهم جميعاً بشر وبهائم لكنه لم يفعل.
(آية16): لكي أريك قوتي= لعله يؤمن بقوة الله فيتوب. إذاً ضربات الله هي إنذارات ودعوة للإيمان والتوبة. = ولكي يخبر باسمي في كل الأرض= أي ليؤمن العالم بالله القوى.
(آية19): من رحمة الله أنه يرشد فرعون أن يحمي مواشيه حتى تقل الخسائر.
الآيات (20،21): كل من يستجيب لإنذارات الله يرحم فيحيا ومن يستهين بها يهلك ويموت.
(آية29): لكي تعرف أن للرب الأرض= هذا مخالف لرأي الوثنيين الذين يقولون أن لكل أرض إله يحفظها. بل هناك إله للتناسل وإله للحرب وإله للمزروعات.. الخ.
الآيات (31،32): توقيت الضربة أهلك الكتان والشعير وأبقى الحنطة= القمح والقطاني= البقول.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح التاسع
ضربات وبأ الماشية . الدمامل . البَرَد والنار
(1) ضربة وبأ الماشية ( الضربة الخامسة ) ( ع 1 - 7 ) :
ع 1 - 3 : أمر الله موسى أن يكرر الطلب من فرعون بإطلاق شعبه وإلا سيضرب جميع مواشي مصر بالوبأ فتموت . وكانت بعض المواشي مثل العجل أبيس مقدسة ويعبدها المصريون إذ يحل فيه الإله أوزوريس ، فبموت الماشية يظهر ضعف الإله أوزوريس وهو من أهم الآلهة المصرية .
ويظهر في هذه الضربة مقاصد إلهية هي :
1- حمايته لماشية شعبه وموت ماشية الأشرار المعاندين أي المصريين .
2- هدم العبادات الوثنية التي تعبد الحيوانات مثل العجل أبيس .
3- تظهر قوة الله التي يحدد فيها الزمان والمكان فيضرب الماشية في الحقل والجبل أي في كل مكان يمتلكه المصريين والزمن هو الغد .
4- تحطيم الله لكبرياء العظماء وكذلك قوة الجيش الذي يستخدم الخيل وذلك بموتها .
وموت الماشية يرمز لموت الشهوات الحيوانية داخل الإنسان أي أن الله يساعدهم على ترك شهواتهم حتى يؤمنوا به . وهنا تظهر طول أناة الله على المعاندين والرافضين لعلهم يتوبون فيكرر طلبه بإطلاق شعبه ويكرر الضربات لعلهم يخافونه فيتوبون .
ع 4 : تظهر حماية الله وبركته لأولاده في عدم موت ماشية بني إسرائيل .
+ ثق في بركة الله لك مهما اضطهدك وضايقك من حولك فهو يعوضك بمباركة ما عندك وحفظه ويهبك أيضاً سلاماً وفرحاً لشعورك بوجود الله معك .
ع 5 ، 6 : أظهر الله قوته في تحديد ميعاد الضربة حتى لا يقول أحد أنها بسبب آخر غير الله ، فماتت كل الماشية التي للمصريين أما التي لبني إسرائيل فلم يمت منها شئ .
ع 7 : إنزعج فرعون بموت جميع مواشيه وأرسل رسلاً إلى أرض جاسان ليعرف ماذا حدث لماشية بني إسرائيل الكثيرة ، إذ كانوا يعملون رعاة ، فوجد كل ماشيتهم سليمة ، وبدلاً من أن يؤمن إغتاظ وقسى قلبه ورفض إطلاق بني إسرائيل ليعبدوا الله .
+ عندما ترى بركة الله مع الآخرين إبحث عن فضائلهم والنعمة التي معهم لتقتدي بهم بدلاً من أن تحسدهم أو تغير منهم .
(2) ضربة الدمامل ( الضربة السادسة ) ( ع 8 - 12 ) :
ع 8 ، 9 : هذه هي الضربة السادسة التي أمر الله فيها موسى أن يأخذ من رماد الآتون ( الفرن أو المذبح الذي تُحرق عليه الذبائح ) ويلقيه في الهواء فتصبح دمامل ببثور أي صديد في وجوه جميع المصريين سواء الملك أو الشعب أو الكهنة بل والسحرة أيضاً ( ع 11 ) . وهي مؤلمة بالإضافة إلى أنها تنجس الكهنة المهتمين بطهارتهم عند تقربهم من الآلهة وتعطي شكلاً سيئاً وآثاراً مرضية مزعجة . وقد كان المصريون في عباداتهم يقدمون ذبائح بشرية لآلهتهم فيحرقونها ويذرون رمادها إذ يعتقدون أن كل ذرة رماد بركة من الآلهة . وفي هذه الضربة أظهر لهم موسى بطلان عباداتهم إذ صار هذا الرماد دمامل مؤلمة في أجسادهم . وترمز ضربة الدمامل هذه للخطايا التي تشوه شكل الإنسان أمام الله وتؤلم قلبه فتفقده سلامه .
ع 10 ، 11 : ذرَّى موسى الرماد فصارت دمامل في المصريين وبهائمهم . يا ترى من أين جاءت البهائم للمصريين بعد الضربة السابقة ( وبأ الماشية ) ؟! قد يكونوا اشتروا ماشية من بني إسرائيل بعد موت ماشيتهم أو قد يكونوا اشتروها من البلاد المحيطة مثل السودان وليبيا . وقد ظهرت الدمامل أيضاً في العرافين والسحرة المعاونين لفرعون فظهر ضعف فرعون ومساعديه . ويلاحظ أن موسى قد ذرَّى الرماد نحو السماء ليعلن أن هذه الضربة عقاب سماوي لهم أي من الله وليس من آلهتهم الوثنية . ودُعيت هذه الضربة فيما بعد قرحة مصر كما جاء في ( تث 28 : 27 ) وكان الله يهدد بها الشعوب الوثنية .
ع 12 : أصر فرعون على عناده وقساوة قلبه رغم أن هذه هي الضربة السادسة وتحطمت أمامه قوة آلهته وظهر ضعفه هو وكل مساعديه .
+ ليتك تستفيد من ضعفاتك فتتوب قبل أن تضيع الفرصة ، فالعناد يُظهر جهلك ويحرمك من مراحم الله .
(3) ضربة البَرَد والنار ( الضربة السابعة ) ( ع 13 - 35 ) :
ع 13 - 17 : أرسل الله مع موسى توبيخاً لفرعون على عناده في عدم إطلاق شعبه وأعلن له أنه قادر على قتله هو وكل شعبه ولكنه يبقيه حتى يعطيه فرصة للتوبة وليظهر عجائبه من خلال قساوته .
ع 18 : هدده بأن يمطر بَرَد ، أي كرات أو صفائح ثلجية حادة ، تنزل بكميات كبيرة من السماء فتصدم وتقتل كل من يصادفها . وهذه الضربة عظيمة جداً لذلك حذره الله منها لعله يتوب وأبقاها قرب النهاية لصعوبتها ، فهي الضربة السابعة والتي تُظهر الغضب الإلهي على المعاندين وغير المؤمنين ، وتظهر قوة الله فيها بتحديد زمن الضربة باليوم والساعة بقوله " غداً مثل الآن " .
ع 19 - 21 : أنذر الله فرعون والمصريين ليختبئوا في البيوت ولا يقفوا في الحقول أو الأماكن العراء لئلا يموتوا هم ومواشيهم . وقد خاف البعض فاختبأوا ، أما من لم يؤمن وبقى خارج بيته فقد مات بهذه الضربة . وتظهر هنا رحمة الذي لا يريد إهلاك المصريين بل إيمانهم وتوبتهم .
+ وصايا الله إنذارات لك لكي تتوب قبل أن يأتي يوم الدينونة ، كذلك فإرشاد أب اعترافك وكل تعاليم الكنيسة تحاول إنقاذك ، فانتهز هذه الفرص لتتوب وتُصلح طريقك بل وتقيم علاقة مع الله لتتمتع بمحبته .
ع 22 ، 23 : رفع موسى يده فبدأت الضربة السابعة العنيفة ، وهي مكونة من ثلاثة أقسام تضافرت معاً لإهلاك الأشرار :
1- الرعود : وهي أصوات مزعجة تمثل إنذارات الله .
2- بَرَد : وهو الثلج الحاد الذي يرمز للغضب الإلهي من السماء .
3- نار : تحرق من يقابلها وهي ترمز إلى إلهنا العادل الذي هو نار آكلة .
وتظهر هنا الأعجوبة وهي اتحاد النار مع الثلج في ضربة واحدة ، لأن الثلج يحتاج لبرودة حتى يتجمد والنار هي حرارة تناسب الجو الحار وتصهر كل ما هو متجمد .
ع 24 : هذه الضربة لم تحدث من قبل في مصر لأنها تتميز بالجو المعتدل الذي تندر فيه الرعود والبَرَد ، أما النار فهي غريبة تماماً عن الظروف الجوية فيها .
+ الله يسمح بظروف معاكسة وغريبة في حياتك لعلها تقودك للتوبة ، فعندما تفقد بعض ممتلكاتك أو كرامتك إعلم أن الله يناديك لترجع إليه .
ع 25 : ضرب البَرَد كل المعاندين الذين لم يدخلوا بيوتهم هم ومواشيهم فماتوا ، كما أفسد وأهلك النباتات والأشجار .
ع 26 : يظهر هنا أيضاً تمييز الله لشعبه ، فلم تأتِ عليهم هذه الضربة مثل باقي الضربات .
+ إيمانك بالله يحميك من متاعب كثيرة ، فلا تنزعج من عقاب الله للأشرار لأنك في أمان داخل يده .
ع 27 ، 28 : تلبثون : تستمرون في الإقامة بمصر . إنزعج فرعون من هذه الضربة أكثر من جميع الضربات السابقة ، ولأول مرة أعلن أنه خاطئ وأن الله هو البار ، والتمس بتذلل أن يرفع موسى عنه هذه الضربة ووعد بإطلاق الشعب ليعبدوا الله .
+ لا تندفع في وعود ونذور أثناء ضيقتك لأجل احتياجك ثم تتراجع عنها عندما تنفرج الأزمة .
ع 29 ، 30 : وافق موسى على الصلاة لرفع الضربة ، ولكن بإرشاد الله له كنبي علم بقساوة قلب فرعون وأنه كاذب ومخادع في وعوده ولن يُطلق الشعب .
ع 31 ، 32 : مسبلاً : يحمل سنابل . مبزراً : نضج وكوَّن بذوراً . الحنطة : القمح . القطاني : البقول مثل الفول والعدس .
كانت ضربة البَرَد في وقت الربيع حيث نضج الشعير والكتان فأهلكتهما هذه الضربة ، أما القمح والبقول فكانت مجرد نباتات صغيرة فلم تُصب بأذى ولم يفسد محصولها .
ع 33 : عندما صلى موسى إنقطعت الضربة وتوقفت الأمطار والبَرَد والنار .
ع 34 ، 35 : بعد انقطاع الضربة عاد فرعون إلى قساوة قلبه ورفض إطلاق شعب الله .
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح