كلمة منفعة
يظن إنسان أنه حينما يخطئ، إنما يخطئ إلى الآخرين، مثل الذي يسرق ويقتل ويظلم.. وأنه يخطئ إلى نفسه مثل الذي يهمل في دراسته، وفي صحته، ويضيع مستقبله على الأرض وفي الأبدية، بطريقة ما..
— أخطئ إلى الله
سفر التكوين 49
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
الأصحاح التاسع والأربعون يعقوب يبارك أولاده بنهاية حياة يعقوب على الأرض ينتهي عصر الآباء البطاركة العظام (إبراهيم وإسحق ويعقوب)، لينطلق إسرائيل لا كأفراد بل كشعب وخميرة كان يجب أن تخمر العجين كله بالإيمان وتعد العالم لمجيء المسيا المخلص. لذا ختم هذا العصر بتقديم البركة لكل سبط تحمل في طياتها نبوة عن مجيء المخلص. ١. يعقوب يدعو أولاده ١-٢ ٢. رأوبين ٣-٤ ٣. شمعون ولاوي ٥-٧ ٤. يهوذا ٨-١٢ ٥. زبولون ١٣ ٦. يساكر ١٤-١٥ ٧. دان ١٦-١٨ ٨. جاد ١٩ ٩. أشير ٢٠ ١٠. نفتالي ٢١ ١١. يوسف ٢٢-٢٦ ١٢. بنيامين ٢٧ ١٣. الوصية الوداعية ٢٨-٣٣ ١. يعقوب يدعو أولاده: "ودعا يعقوب بنيه وقال: اجتمعوا لأنبئكم بما يصيبكم في آخر الأيام" . بعد حياة مليئة بالجهاد خلالها اغتصب يعقوب البركة والباكورية، واستحق رغم ضعفاته المتكررة أن ينال الوعد بمجيء المسيا المخلص من نسله، هذا الذي به تتبارك كل الأمم، قضى في مصر ١٧ عامًا في صمت وسكون... والآن إذ هو عابر من هذه الأرض تطلع إلى أولاده كأسباط منهم يخرج شعب الله الذي يتمتع بأرض الموعد، ويأتي المسيا المخلص فانفتح لسانه ينطق بما يراه خلال روح النبوة أو خلال الظلال. كأنه بموسى الذي أرتفع على جبل نبو يتطلع من بعيد إلى أرض الموعد، فيفرح قلبه من أجل الشعب الذي ينعم بتحقيق الوعد الذي حُرم هو منه. لقد رأى الأسباط الاثنى عشر الكنيسة المتمْتعة بخلاص المسيح والنامية في الروح. فرأى في رأوبين الابن البكر والثمر الطبيعي له من ليئة الإنسان المتكل على بكورية الجسد أو أعمال الناموس فيخسر بكورية الروح، لهذا حسبه كمن دنس مضطجع أبيه بتدنيسه الكنيسة عروس المسيح خلال بره الذاتي. ورأى في شمعون ولاوي اللذين منهما جاء الكتبة والكهنة وقد قاوموا السيد المسيح كلمة الله، يشيران إلى خطية المؤامرات الشريرة ومجالس الإثم المفسدة للخدمة وعمل الله. أما يهوذا فرآه يمثل "الحمل" المصلوب، وفي نفس الوقت الأسد الغالب بالصليب. رأى السيد المسيح خارجًا من سبط يهوذا يهب قوة قيامة لمؤمنيه. وكأنه لا يكفي أن نترك البر الذاتي (رأوبين) ونرفض مجالس الشر (شمعون ولاوي) وإنما يلزمنا الالتصاق بيهوذا الحقيقي لننعم بقوة قيامته عاملة فينا. بهذا ينطلق إلى "زبولون" الذي يشير إلى الانطلاق نحو البحر أو الاتجاه إلى الأمم للكرازة لهم. فمن يحمل يهوذا القائم فيه لا يقدر أن يحتمل رؤية الأمم في عدم إيمانهم، طالبًا خلاص كل نفس. أما يساكر فيشبهه بالحمار الذي يحمل أثقال الآخرين. فإن أُتهمنا بالغباوة من أجل احتمالنا الألم بفرح وخدمتنا للآخرين فلا نهرب بل نتقدم للعمل بلا ضجر، متشبهين بالقائل: "تعالوا إليَّ يا جميع المتعبين والثقيلي الأحمال وأنا أريحكم" (مت ١١: ٢٨). بقدر ما ينتشر ملكوت الله بين الأمم يقاوم عدو الخير حتى يظهر "ضد المسيح" من سبط دان كحية على الطريق تلدغ لتهلك. تحدث بعد ذلك عن جاد بكونه يُهاجَم بجيش لكنه يعود فيغلب، إشارة إلى المؤمن الذي يُحارَب كثيرًا لكنه في النهاية ينتصر؛ لذا جاء بعده "أشير" بخبزه السمين أي غلاته متوافرة. فالحروب الروحية وإن كشفت ضعفاتنا لكنها تعطي النفس قوة وتجعلها أكثر أثمارًا. بعد أشير تحدث عن نفتالي كايله (مونث إيل) سريعة الحركة، كلماته عذبة مع الجميع أما يوسف فيحمل في صلبه سبطين منسي وأفرايم، فإن "يوسف" تعني "النمو" وذلك خلال نسيان هموم العالم والتمتع بالثمر المتزايد (أفرايم). أخيرًا يتحدث عن "بنيامين" التي تعني "ابن اليمين" الذي ينعم بشركة المجد الأبدي. يمكننا في إيجاز القول بأن يعقوب رأى بروح النبوة في أولاده صورة حية للكنيسة المجاهدة في المسيح يسوع: ١. رأبوين: الابتعاد عن البر الذاتي. ٧. جاد: الجهاد الروحذي. ٢. شمعون: ولاوي:الابتعاد عن المؤامرات. ٨. أشير: ثمار الجهاد. ٣. يهوذا: الالتصاق بالمسيح. ٩. نفتالي: رقة الحديث. ٤. زبولون: الانطلاق للكرازة. ١٠. يوسف: النمو المستمر. ٥. يساكر:احتمال متاعب الآخرين. ١١. بنيامين: التمتع بيمين الرب. ٢. رأوبين: إذ كانت البركة خلال ظل الناموس بدأ يعقوب ببكره جسديا "رأوبين" والذي يمثل قوة الطبيعة إذ جاء مولودًا من ليئة. "رأوبين" يعني "ابن الرؤيا" لكن للأسف لم يحتفظ بنقاوة عينيه ليرى الأمور السماوية بل أتكل على ذاته فخسر بكوريتة الروحية وفقد بصيرته ليحتل "يهوذا" البكورية الروحية حيث ينعم بمجيء السيد المسيح (البكر) الحقيقي، الذي يشتّمه الآب رائحة رضى، ويراه موضع سروره. يبارك يعقوب بكره حسب الجسد وفي نفس الوقت يعاتبه: "رأوبين أنت بكري قوتي وأول قدرتي، فضل الرفعة وفضل العز؛ فائرًا كالماء لا تنفضل، لأنك صعدت على مضطجع أبيك، حينئذ دنسته. على فراشي صعد" . إن كان يعقوب يعتز ببكره ويدعوه قوته وأول قدرته نال أفضل رفعة وعز لكنه لا ينسى أنه اضطجع مع بلهة سرية أبيه (تك ٣٥: ٢٢) وبسبب ذلك فقد بكوريته لينالها أبنا يوسف (١ أي ٥: ١)، أما البكورية الروحية فاغتصبها يهوذا. لقد انهزم رأوبين أمام شهوته الجسدية فصار كالماء الذي يفور ليبرد ثانية، فاقدًا أفضليته. كان رأوبين يمثل الشعب اليهودي الذي حُسب بكرًا في معرفة الله لكنه بالجحود فقد بكوريته، ففقد قوته الروحية ورفعته وعزه وحسبوا دنسين بمحاولتهم إفساد كنيسة الله. في هذا يقول القديس هيبوليتس الروماني: [كان هناك دور عظيم لإعلان قوة الله لحساب شعبه البكر عند خروجه من مصر، فبسببه تأدبت مصر بطرق كثيرة. لقد عنى بقوله: قوتي وبكري الشعب الأول الذي هو أهل الختان]... لكن للأسف فقدوا هذا الامتياز برفضهم الإيمان بالمخلص، وحسبوا مدنسين للكنيسة. وما حدث بالنسبة لليهود يحدث في أيام الارتداد حيث ينكر الكثيرون الإيمان، إذ يقول الأب هيبوليتس: [في الأيام الأخيرة يهاجم الناس مضطجع الآب، أي الكنيسة العروس، بقصد إفساده، الأمر الذي يحدث في هذه الأيام خلال التجديف]. ٣. شمعون ولاوي: "شمعون ولاوي أخوان، آلات ظلم سيوفهما، في مجلسهما لا تدخل نفسي، بمجمعهما لا تتحد كرامتي، لأنهما في غضبهما قتلاً إنسانًا وفي رضاهما عرقبا ثورًا، ملعون غضبهما فإنه شديد، وسخطهما فإنه قاسٍ" . ماذا رأى يعقوب في أبنيه حتى رفض مجلسهما واتحادهما معًا؟ يقول القديس هيبوليتس: [من شمعون جاء الكتبة ومن لاوي الكهنة، وبإرادتهم تمم الكتبة والكهنة الشر بقتل المسيح بفكر واحد]. حقًا إنهما أخوان، لكن في اتحادهما لم يكرما الله بل قتلا المخلص الذي جاء كإنسان وعرقباه وهو المتقدم كذبيحة (كثور) ليفديهما. هذا هو المفهوم الروحي الذي فيه نرفض كل مؤامرة شريرة حتى نحيا في الكنيسة ملكوت الله. أما من الجانب الحرفي، فإن شمعون ولاوي أخوان أي متشابهان في السمات، أخذا كل واحد سيفه وأتيا إلى مدينة شكيم حيث قتلا كل ذكر انتقامًا لأختهما دينة التي دنسها شكيم بن حمور الحوّي (تك ٣٤)، فلم يراعيا العدل في انتقامهما. لقد تظاهرا بالهدوء واتفقا معًا على الشر وسببا تعبًا لأبيهما. ٤. يهوذا: حقًا أن يهوذا لم ينل نصيب أثنين كيوسف أخيه الذي اغتصب البكورية من رأوبين فصار يوسف سبطين هما منسي وأفرايم، حسبهما يعقوب أبنيه كرأوبين وشمعون ومنسوبين له (تك ٤٨: ٥)، لكن يهوذا نال نصيب الأسد في البركة إذ رأى يعقوب السيد المسيح الملك والكاهن يأتي من نسله، إذ يقول: "يهوذا إياك يحمد أخوتك، يدك على قفا أعدائك، يسجد لك بنو أبيك" . من هو يهوذا هذا الذي يحمده أخوته ويسبحونه إلاَّ السيد المسيح نفسه الخارج من سبط يهوذا، الذي وضع بالصليب يده على قفا إبليس عدوه فحطمه، محررًا البشرية من سلطانه حتى يسجدوا له بالروح والحق. لقد صار يهوذا هو السبط الملوكي، بدأ بداود الملك والنبي وتوّج بظهور ملك الملوك رب المجد منه. "يهوذا جرو أسد، من فريسة صعدت يا ابني، جثا وربض كأسد ولبؤة من ينهضه؟!" . إذ رأى يعقوب في صلب يهوذا السيد المسيح دعاه بالأسد الذي خرج من حرب الصليب غالبًا أعدائه الروحيين. لقد جثا وربض على الصليب... لكن حتى في نومه على الصليب كان أسدًا لا يقدر العدو أن يقترب منه. في هذا يقول القديس أغسطينوس: [لقد سبق فتُنبئ عن موت المسيح بقوله "ربض"، موضحًا أن موته كان بإرادته وليس قسرًا، إذ رمز له بالأسد. لقد أعلن هذا السلطان بنفسه في الإنجيل إذ قال: "ليس أحد يأخذها مني بل أضعها أنا من ذاتي، لي سلطان أن أضعها ولي سلطان أن آخذها أيضًا" (يو ١٠: ١٨). هكذا زأر الأسد وتمم ما قاله. لقد أضاف إلى هذا سلطانه في القيامة بقوله: "من ينهضه؟!" بمعنى أنه يقيم نفسه وليس إنسان يقيمه. لقد قال عن جسده: "انقضوا هذا الهيكل وفي ثلاثة أيام أقيمه" (يو ٢: ١٩). تحدث أيضًا عن نوع موته أي الصعود على الصليب، إذ قيل: "من فريسة صعدت"...]. يكمل يعقوب حديثه مع يهوذا: "لا يزول قضيب من يهوذا ومشترع من بين رجليه حتى يأتي شيلون وله يكون خضوع شعوب" . إنه امتياز يقدمه يعقوب لأبنه الذي يحمل نسله قضيب الملك ومن بنيه (بين رجليه) يكون الحكم الذي يشرع حتى المسيا واهب السلام (شيلون) فيضم الشعوب إلى مملكته الروحية. يقول القديس أغسطينوس: [دعى اليهود هكذا "يهودا"، لأجل يهوذا أحد الإثنى عشر أبنًا ليعقوب... الذي من صلبه جاءت الملوكية... من هذا السبط جاء الملوك، ومنه جاء ربنا يسوع المسيح]. "رابطًا بالكرمة جحشه، وبالجفنة ابن أتانه. غسل بالخمر لباسه، وبدم العنب ثوبه" . في دراستنا لإنجيل متى (ص ٢١) رأينا الأتان يشير إلى الأمة اليهودية والجحش يشير إلى الأمم الذين فقدوا كل تعقل بسبب الرجاسات الوثنية. إنه يعلن بروح النبوة أن لكيهما: اليهود والأمم قد ارتبطا معًا في الكرمة أو الجفنة إذ صارا فيه كنيسة مقدسة واحدة. وكما يعلق القديس هيبوليتس على هذه العبارة: [إنه يدعو أهل الختان وأهل الغرلة في إيمان واحد].س هذا وأن ثوب المسيح أو لباسه يشير إلى الكنيسة الملتصقة به كما رأينا في حديثنا عن القميص الملون (تك ٣٧: ٣)، فإن هذا اللباس غسله السيد بدمه الطاهر... وكما يقول القديس كبريانوس: [إذ يُشار إلى دم الخمر ماذا يعني سوى خمر كأس دم الرب؟!]. ويقول القديس أكلمنضس الإسكندري: [الكرم ينتج خمرًا والكلمة يقدم دمًا، كلاهما يجلبان الصحة، الخمر للجسد والدم للروح]. ويقول القديس أغسطينوس: [ما هذا الثوب الذي يغسله في الخمر، أي يغسله في دمه من الخطية... إلاَّ الكنيسة]. إنما تشير إلى حياة الترف والغنى التي يعيشها ملوك يهوذا. "مسود العينين من الخمر ومبيض الأسنان من اللبن" . يعلق القديس هيبوليتس على هذه العبارة قائلاً: [عيناه لامعتان كما بكلمة الحق إذ ترقبان ما يؤمن به، وأسنانه بيضاء كاللبن معبرًا عن قوة كلماته المنيرة، لذا دعاها بيضاء وقارنها باللبن الذي يقوت الجسد والنفس]. ويقول القديس أغسطينوس: [عيناه حمراوتان بالخمر، هاتان هما شعبه الروحي الذي يسكر بكأسه وأسنانه بيضاء أكثر من اللبن الذي هو الكلمات التي يرضعها الأطفال الذين كما يقول الرسول لم يتأهلوا للطعام القوي (١ كو ٣: ٢، ١ بط ٢: ٢)]. ويرى القديس هيبوليتس أيضًا أن العينين تشيران إلى الأنبياء واللبن إلى وصايا المسيح، إذ يقول: [ما هما عينا المسيح إلاَّ الأنبياء الذين تنبأوا بالروح وأعلنوا مقدمًا الآلام التي تحل به، وفرحوا إذ رأوه بقوة خلال البصيرة الروحية منتعشين بكلمته ونعمته؟... ويشير (اللبن) إلى الوصايا التي تنبع عن فم المسيح القدوس النقية كاللبن]. ٥. زبولون: "زبولون عند ساحل البحر يسكن، وهو عند ساحل السفن وجانبه عند صيدون" . سكن سبط زبولون غرب نهر الأردن وغرب بحر الجليل، وقد اشتغلوا بالتجارة ويرجح أنهم استولوا على أماكن مجاورة للبحر المتوسط... ويرى القديس هيبوليتس أن قوله: "زبولون عند ساحل البحر يسكن" يحمل رمزًا لالتحام إسرائيل بالبحر أي بالأمم، فقد عرف البحر كرمز للأمم والنهر كرمز لليهود ، هكذا يلتحم الاثنان معًا بكونهما قطيعًا واحدًا. يقول القديس: [إنه عند ساحل السفن أي في مرسى آمن، مشيرًا بذلك إلى المسيح مرساة الرجاء. هنا الإشارة إلى دعوة الأمم، حيث تبلغ نعمة المسيح الأرض كلها والبحر. بقوله: "هو عند ساحل السفن ممتد إلى صيدون" يقدم قولاً نبويًا عن كنيسة الأمم التي ظهرت في الإنجيل: "أرض زبولون وأرض نفتاليم طريق البحر عبر الأردن جليل الأمم، الشعب الجالس في الظلمة أبصر نورًا عظيمًا" (مت ٤: ١٥، ١٦). إذن بذكره زبولون محددًا سكناه بحدود البحر إنما يوضح التحام إسرائيل بالأمم ليصير الشعبان قطيعًا واحدًا تحت يد الراعي الأعظم الواحد، الصالح بطبعه، المسيح. لذلك ففي مباركته يقول موسى: "افرح يا زبولون" (تث ١٨: ٣٣)]. ٦. يساكر: "يساكر حمار جسيم رابض بين الحظائر، فرأى المحل إنه حسن والأرض أنها نزهة، فأحنى كتفه للحمل وصار للجزية عبدًا" . شبه يساكر بحمار جسيم أو ضخم وقوي، فقد اشتغل هذا السبط بالفلاحة وكان دأبهم الصبر. وكانت الأرض خصبة فاكتفى السبط بالزراعة ولم يمل إلى الانشغال بالسياسة إلاَّ نادرًا وقد تعرض لدفع الجزية أو الضرائب... يرى القديس هيبوليتس أن قوله الأرض نزهة (دسمة) تشير إلى جسد الرب الغني بعطاياه، قدمه لنا ميراثًا كأنه أرض الموعد الذي يفيض لبنًا وعسلاً، يقوت الأطفال والناضجين. قلنا في مقدمة هذا الأصحاح أن يساكر يشبه الحمار يحمل أثقال الآخرين، حانيًا كتفي محبته للمتعبين ومستعبدًا نفسه ليحرر الآخرين. حينما ذاق شاول الطرسوسي أن الأرض نزهة، وأدرك غنى العطايا الإلهية التي وهُبت له خلال عضويته في جسد المسيح "أحنى كتفه للحمل وصار للجزية عبدًا". لقد قال: "إذ كنت حرًا من الجميع استعبدت نفسي للجميع لأربح الأكثرين" (١ كو ٩: ١٩). هذه هي الجزية التي دفعها مسلمًا نفسه وهو حر عبدًا ليحرر العبيد ويربحهم أبناء الله. لقد أحنى كتفه للحمل قائلاً: "من يضعف وأنا لا أضعف؟! من يُعثر وأنا لا ألتهب؟!" (٢ كو ١١: ٢٩)، "وأما أنا فبكل سرور أُنفق وأنفق لأجل أنفسكم وإن كنت كلما أحبكم أكثر أُحب أقل، فليكن!" (٢ كو ١٢: ١٥، ١٦). ٧. دان: "دان يدين شعبه كأحد أسباط إسرائيل، يكون دان حية على الطريق، افعوانًا على السبيل، يلسع عقبي الفرس فيسقط راكبه إلى الوراء. لخلاصك انتظرت يارب!" . لما كانت النبوة تحمل مرارة لذلك بدأها بعتاب معلنًا أن دان "كأحد أسباط إسرائيل" إذ حُسب سبطًا مع أنه أول ابن ليعقوب من جارية (تك ٣٠: ١–٦)، وقد عُرفت ذريته بالدهاء والمكر، شبهه موسى بشبل أسد يثب من باشان (تث ٣٣: ٢٢). ذكر القديس إيرنياؤس أن ضد المسيح يخرج من سبط دان، وقبل كثير من الآباء هذا الفكر. وقد دلل القديس هيبوليتس على ذلك من قول إرميا النبي: "من دان سمعت حمحمة خيله، عند صوت صهيل جياده ارتجفت كل الأرض فأتوا وأكلوا الأرض وملأها المدينة والساكنين فيها، لأني هأنذا مرسل عليكم حيات أفاعي لا ترقى فتلدغكم يقول الرب" (أر ٨: ١٦)، متطلعًا أن ما وصفه إرميا هنا ينطبق على عصر الارتداد حين يخرج ضد المسيح من سبط دان بجيشه يحارب الكنيسة في كل الأرض ويلدغ المؤمنين بسموم تجاديفه. كما يدلل على قول بكلمات موسى النبي: "دان شبل أسد يثب من باشان" (تث ٣٣: ٢٢). فإن كان السيد المسيح جاء من سبط يهوذا كأسد، فإن ضد المسيح يبذل كل طاقته لخداع البشرية فيخرج من سبط دان كأسد. + كما جاء المسيح من سبط يهوذا سيأتي ضد المسيح من سبط دان... ماذا يعني هنا بالحية إلاَّ ضد المسيح المخادع، الذي أشير إليها في سفر التكوين (٣: ١)، التي خدعت حواء وآدم؟! + هذا بالحقيقة يتحقق في سبط دان، إذ يقوم منه طاغية وملكٍ وقاضٍ مرعبٍ هو أبن الشيطان. القديس هيبوليتس الروماني ٨. جاد: "جاد يزحمه جيش، ولكنه يزحم مؤخرة" . كان نصيب سبط جاد شرق الأردن كطلبه وقد اشترط موسى النبي على بني جاد وبني رأوبين أن يعبروا مع إخوتهم ويحاربوا وعند التقسيم يأخذون شرقي الأردن (عد ٣٢). اختيارهم لشرقي الأردن جعلهم معرضين للقتال، فكانت أرضهم ساحة قتال بين آرام وإسرائيل (٢ مل ١٠: ٣٣)، كما تعرضوا لغزو العمونيين والأموريين لكن بني جاد كانوا يلحقون بهم ويقاتلونهم ويستردون غنائمهم. وكان جبابرة سبط جاد مرافقين لداود في صقلغ، قيل عنهم: "جبابرة البأس رجال جيش للحرب صافوا أتراس ورماح وجوههم كوجوه الأسود وهم كالظبي على الجبال في السرعة... صغيرهم لمئة والكبير لألف" (١ أي ١١٢: ٨–١٤). + إذن فجاء يمثل النفس التي تتعرض لحروب روحية كثيرة لكنها لا تتوقف عن الجهاد في الرب، تسرع كالظبي نحو أورشليم العليا بلا عائق وتقاتل الخطايا والرجاسات بلا خوف! ٩. أشير: "أشير خبزه سمين وهو يعطى لذات ملوك" . تنبأ يعقوب عن أشير بكثرة الخيرات، كما تنبأ موسى عنه أنه يغمس في الزيت قدمه (تث ٣٣: ٢٤)، وقد تحققت النبوتان إذ تمتع سبط أشير بأرض خصبة غنية بأشجار الزيتون التي يستخرج منها الزيت. كانت غلات أرضه وفيرة فقيل أن خبزه سمين، يصدر منها للأسباط الأخرى، هذا بجانب سكناه بجوار البحر مكنه من استيراد البضائع وبيعها لبقية الأسباط لذا قيل "يعطى لذات ملوك"... ويشير هذا السبط على فيض النعمة في حياة المجاهدين الروحيين. ١٠. نفتالي: "نفتالي أيلة (أنثى الإيل) مسيبة تعطي أقوالاً حسنة" . يشبه في محبته للحرية بأنثى الإيل المنطلقة في برية مفتوحة وفي الوادي بلا حواجز تتحرك في خفة وسرعة أينما أرادت. لكن هذه الحرية ليست فرصة للانحلال والشر وإنما التزم السبط بعلاقات طيبة مع بقية الأسباط مقدمًا "أقوالاً حسنة". وفي سفر القضاة ترنمت دبورة قائلة: "زبولون شعب أهان نفسه إلى الموت مع نفتالي على روابي الحقل" (٥: ١٨)، ربنا تشير إلى مدى جهادهم في الحرب. باركهم موسى النبي قبل موته: "يا نفتالي اشبع رضى وامتلئ بركة من الرب واملك الغرب والجنوب" (تث ٣٣: ٢٣)... هكذا صار نفتالي يمثل النفس الرقيقة في تعاملها مع إخوتها تنعم ببركة الرب. ١١. يوسف: نال يوسف "رجل الأحلام"، الابن البكر لراحيل مدحًا أكثر من كل إخوته، فقد كان أمينًا في علاقته مع الله ومحبًا للجميع كابن أو كأخ أو كعبد أو كأجير أو كسجين أو كقائد في القصر... لذا دعاه أبوه "غصن شجرة مثمرة"، وقد كرر العبارة مرتين إشارة إلى أن الثمرة هي ثمرة الحب، لأن رقم ٢ كما يقول القديس أغسطينوس: [يشير إلى الحب، إذ يجعل الاثنين واحدًا. كان يوسف غصنًا يثمر حبًا سماويًا مرتفعًا إلى فوق لا يعوقه حائط الظروف المحيطة أو الأحداث]، إذ يقول: - "يوسف غصن شجرة مثمرة، غصن شجرة مثمرة على ماء، أغصان قد ارتفعت فوق حائط، فمررته ورمته واضطهدته أرباب السهام، ولكن ثبتت بمتانة قوسه وتشددت سواعد يديه" يوسف يمثل النفس البشرية الأمينة للرب التي لا تتوقف عن تقديم الحب الروحي بالرغم من كثرة المقاومات وشدة الحرب الروحية. فالنفس تكون في الرب غصنًا مثمرًا مرتبطة بالأصل كقول السيد: "أنا الكرمة وأنتم الأغصان، الذي يثبت فيَّ وأنا فيه هذا يأتي بثمر كثير، لأنكم بدوني لا تقدرون أن تفعلوا شيئًا" (يو ١٥: ٥). إنه الغصن الذي يرتبط بعين ماء الروح القدس فيهبه حياة وثمارًا، ويتكاثر فيصير أشبه بـ "أغصان قد ارتفعت فوق حائط" الزمان منطلقة نحو السماء. خلال هذا الثبوت في المسيح والتمتع بعمل الروح القدس تواجه النفس من إبليس وجنوده "أرباب السهام" حربًا مريرة تكشف عن نصرته وتزكيته. يرى القديس هيبوليتس أن الحديث هنا ينطبق بالأكثر على السيد المسيح الذي حسده اخوته وقام ضده "أرباب السهام" أي "قادة الشعب" بمشورتهم المرة، لكن أقواسهم انكسرت وانهارت سواعد أيديهم معلنًا النصرة على الصليب ضد القوات الشريرة. أما تشبيه السيد المسيح بغصن فقد تكرر كثيرًا خاصة في سفر زكريا (٣: ٨). لقد عزل أبناء يعقوب أخاهم يوسف عنهم وباعوه كبعد يعيش بعيدًا عنهم في مذلة، فإذا به يره يعقوب "نذير أخوته" ، أي المكرس لله عن أخوته... تمتع ببركات علوية وخيرات أرضية فائقة، إذ باركه أبوه هكذا: "من يديّ عزيز يعقوب، من هناك من الراعي صخر إسرائيل، من إله أبيك الذي يعينك ومن القادر على كل شيء الذي يباركك تأتي بركات السماء من فوق وبركات الغمر الرابض تحت، بركات الثديين والرحم، بركات أبيك فاقت على بركات أبويّ. إلى منية الآكام الدهرية تكون على رأس يوسف وعلى قمة نذير إخوته" . يطلب يعقوب لأبنه يوسف كل بركة ممكنة، فيسأل عنه الله "عزيز يعقوب" أي إلهه المحبوب لديه، الراعي والصخر المعين له، يطلب من القدير أن يبارك ببركات السماء وخيرات الأرض وكثرة النسل (بركات الثديين والرحم)، لينال أكثر مما نال إسحق من إبراهيم ويعقوب من أبيه إسحق (بركات أبيك "لك" فاقت على بركات أبويّ)، سائلاً أن تكون البركة إلى منية الآكام إلى أقصى حدود التلال العالية التي لا يفنيها الدهر. هكذا أحب يعقوب ابنه يوسف أكثر من نفسه طالبًا من إلهه أن يهبه أكثر مما ناله هو من بركة والده وأن تعم البركة نفسه (بركات السماء) وجسده (بركات الغمر الرابض تحت) وكل طاقاته ومواهبه (بركات الثديين والرحم) ليكون مباركًا أبديًا ونذيرًا عن إخوته يشفع عنهم. ١٢. بنيامين: "بنيامين ذئب يفترس، في الصباح يأكل غنيمة وعند المساء يقسم نهبًا" . تشير النبوة هنا إلى شجاعة سبط بنيامين وقوته في الحروب، وقد قيل عن محاربيه: "كل هؤلاء يرمون الحجر بالمقلاع على الشعرة ولا يخطئون" (قض ٢٠: ١٦). ويرى القديس هيبوليتس الروماني أن النبوة هنا تشير إلى شاول الملك الذي من سبط بنيامين، فقد كان ذئبًا يفترس داود الملك، كما تشير إلى شاول الطرسوسي الذي انطلق في صباح حياته ليفترس الكنيسة كغنيمة لكنه آمن وصار خاضعًا لها يقدم نفسه طعامًا (الترجمة السبعينية). قدم لنا القديس چيروم ذات الفكر حين قال: [بولس مضطهد الكنيسة هو الذئب الخارج من بنيامين ليفترس، يحني رأسه أمام حنانيا أحد قطعان المسيح وينال شفاءً لعينيه عندما قبل دواء المعمودية (أع ٩: ١٧، ١٨)]. كما يقول [بولس مضطهد الكنيسة كان في الصباح ذئبًا يفترس وصار في المساء طعامًا يُقدم (حسب الترجمة السبعينية) خاضعًا للحمل حنانيا]. ١٣. الوصية الوداعية: سبق فأوصى يعقوب أبنه يوسف أن يدفنه مع أبيه وأمه وجده وجدته في كنعان في مغارة المكفيلة التي اشتراها إبراهيم من بني حث، وها هو يكرر الوصية لأولاده الإثنى عشر... لقد عاش غريبًا كآبائه ينتظر تحقيق وعود الله في نسله... وأخيرًا مات على رجاء، إذ أسلم الروح وانضم إلى قومه.
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الإصحاح التاسع والأربعون
أية (1):- " 1وَدَعَا يَعْقُوبُ بَنِيهِ وَقَالَ: «اجْتَمِعُوا لأُنْبِئَكُمْ بِمَا يُصِيبُكُمْ فِي آخِرِ الأَيَّامِ."
أخر الأيام= هو تعبير كتابي يشير للمستقبل بوجه عام. وقد يشير لنهاية الأيام أو لنهاية العالم وقد يشير لأيام كنيسة المسيح وبهذا يعني نهاية أيام اليهود كشعب لله.
أية (2):- " 2اجْتَمِعُوا وَاسْمَعُوا يَا بَنِي يَعْقُوبَ، وَاصْغَوْا إِلَى إِسْرَائِيلَ أَبِيكُمْ:"
يعقوب يجمع أولاده لينبئهم بما يحدث لهم. ولقد رأي بروح النبوة المسيح الخارج من سبط يهوذا ورأي الكنيسة الخارجة من الشعب القديم.
الأيات (3- 4):- "3رَأُوبَيْنُ، أَنْتَ بِكْرِي، قُوَّتِي وَأَوَّلُ قُدْرَتِي، فَضْلُ الرِّفْعَةِ وَفَضْلُ الْعِزِّ. 4فَائِرًا كَالْمَاءِ لاَ تَتَفَضَّلُ، لأَنَّكَ صَعِدْتَ عَلَى مَضْجَعِ أَبِيكَ. حِينَئِذٍ دَنَّسْتَهُ. عَلَى فِرَاشِي صَعِدَ."
رأوبين:
أنت بكري قوتي= كان البنون يعدون قوة الأباء ولأنه البكر فهو أول قدرته وقوته.
وأول قدرتي= هو نتيجة قوة الإنسان. ولكن ما هي نتيجة قوة الإنسان الساقط سوي الشهوة التي أفقدت أبوينا آدم وحواء بساطتهما وها هي تفقد رأوبين بكوريته.
فضل الرفعة= أي أفضلها لأنه أولها فهو البكر.
فائراً كالماء= أصل الكلمة "فعل قباحة" وفعل فجور بإنغماس في اللذات والشهوات والماء يفور ولكنه يهبط سريعاً للدلالة علي شدة هياج إنفعالاته.
لا تتفضل= هذا جزاء كل من يسير وراء شهواته، هو يفقد كرامته.
كان يعقوب يعتز ببكره ويدعوه قوته وأول قدرته، نال أفضل رفعة وعز. ولكنه سار وراء شهوته. ولم ينس له أبوه ما فعله مع بلهة حتي وهو علي سرير موته. ولهذا فقد بكوريته لينالها إبنا يوسف. والبكورية الروحية أخذها يهوذا.
هنا رأوبين يمثل سقوط آدم وحواء، آدم الذي كان بكراً للخليقة وسقط وخسر بركته. ويمثل الشعب اليهودي قبل المسيح الذي حسب بكراً في معرفة الله، لكنه بالجحود فقد بكوريته وقوته الروحية ورفعته وعزه وحسبوا دنسين بصلبهم المسيح وإضطهادهم لكنيسته. بل في الأيام الأخيرة عن طريق ضد المسيح الذي يسيرون وراءه سيهاجمون الكنيسة مضجع الله أبيهم (فالكنيسة عروس الله) بقصد إفسادها.
الأيات (5- 7):- "5شِمْعُونُ وَلاَوِي أَخَوَانِ، آلاَتُ ظُلْمٍ سُيُوفُهُمَا. 6فِي مَجْلِسِهِمَا لاَ تَدْخُلُ نَفْسِي. بِمَجْمَعِهِمَا لاَ تَتَّحِدُ كَرَامَتِي. لأَنَّهُمَا فِي غَضَبِهِمَا قَتَلاَ إِنْسَانًا، وَفِي رِضَاهُمَا عَرْقَبَا ثَوْرًا. 7مَلْعُونٌ غَضَبُهُمَا فَإِنَّهُ شَدِيدٌ، وَسَخَطُهُمَا فَإِنَّهُ قَاسٍ. أُقَسِّمُهُمَا فِي يَعْقُوبَ، وَأُفَرِّقُهُمَا فِي إِسْرَائِيلَ."
شمعون ولاوي:
هنا نري وجه آخر لسقوط البشرية قبل المسيح. فرأوبين يمثل الفساد والشهوة. بينما شمعون ولاوي يمثلان القسوة والظلم. وإذا مثل رأوبين آدم فهما يمثلهما قايين سافك الدم.
أخوان= أي متشابهان في قسوتهما وتخطيطهما الماكر للقتل.
في مجلسهما لا تدخل نفسي= لا أشترك في مؤامرتهما الرديئة.
بمجمعهما لا تتحد كرامتي= أي أن اتفاقهما علي الشر لا يتفق مع كرامتي. لذلك فأفعالنا الشريرة لا تتفق مع كرامة أبينا السماوي. وفي رضاهما عرقبا ثوراً= قمة الشر في الأنسان أن يفعل الشر وهو راضي أي يفرح بشره وهو يخطط لشره، يخطط بهدوء وسرور. وهذا ما فعله شعب اليهود في المسيح. وهكذا كان شاول الطرسوسي مع إسطفانوس "وكان شاول راضياً بقتله" أع 1:8. وكلمة ثور تستخدم للرجال العظماء عند العبرانيين فكلمة ثور قريبة جداً من كلمة أمير (مزمور 12:22) ملعون غضبهما فإنه شديد= شمعون ولاوي أخوان أي متشابهان في السمات، أخذ كل منهما سيفه وأتي كلاهما إلي شكيم حيث قتلا كل ذكر ولم يراعيا العدل فيما يصنعون فسببا تعباً لأبيهما. ولاوي جاء منه الكهنة وشمعون جاء منهم الكتبة وهؤلاء وأولئك هم الذين دبروا بمكر قتل المسيح. وكان الكتبة والكهنة أخوان في هذا. قتلا إنساناً فالمسيح هو إبن الإنسان وعرقباه كثور: فهو أتي ليقدم نفسه كذبيحة (كثور). ولقد كان غضبهما شديداً علي المسيح كما كان غضبهما شديد علي شكيم وغالباً أيضاً علي يوسف فهم كانوا أكثر قسوة عليه من باقي الإخوة لذلك إحتجز يوسف شمعون.
أقسمهما في يعقوب= لاوي تم توزيعه في كل إسرائيل. وشمعون لم يعين له نصيباً مستقلاً بل كانوا في داخل نصيب يهوذا (يش 1:19) بل في أسوا أماكن في نصيب يهوذا. ولم يذكر شمعون في بركة موسي. ثم تشتتوا في أماكن أخري كونوا فيها قبائل شمعونية (ا أي 39:4…) أما لاوي فلأن أولاده وقفوا وقفة مقدسة نجد أن الله قد أستخدم تفريقهم وسط إسرائيل للبركة وكان الرب نصيبهم. وهم كلاويين وكهنة تفرقوا ليعلموا الشعب الشريعة.
الأيات (8- 12):- "8يَهُوذَا، إِيَّاكَ يَحْمَدُ إِخْوَتُكَ، يَدُكَ عَلَى قَفَا أَعْدَائِكَ، يَسْجُدُ لَكَ بَنُو أَبِيكَ. 9يَهُوذَا جَرْوُ أَسَدٍ، مِنْ فَرِيسَةٍ صَعِدْتَ يَا ابْنِي، جَثَا وَرَبَضَ كَأَسَدٍ وَكَلَبْوَةٍ. مَنْ يُنْهِضُهُ؟ 10لاَ يَزُولُ قَضِيبٌ مِنْ يَهُوذَا وَمُشْتَرِعٌ مِنْ بَيْنِ رِجْلَيْهِ حَتَّى يَأْتِيَ شِيلُونُ وَلَهُ يَكُونُ خُضُوعُ شُعُوبٍ. 11رَابِطًا بِالْكَرْمَةِ جَحْشَهُ، وَبِالْجَفْنَةِ ابْنَ أَتَانِهِ، غَسَلَ بِالْخَمْرِ لِبَاسَهُ، وَبِدَمِ الْعِنَبِ ثَوْبَهُ. 12مُسْوَدُّ الْعَيْنَيْنِ مِنَ الْخَمْرِ، وَمُبْيَضُّ الأَسْنَانِ مِنَ اللَّبَنِ."
يهوذا:
رأينا فيما سبق الفساد والشهوة والظلم والقسوة ونري هنا مجئ المسيح. فيهوذا هو أبو المسيح بالجسد. لقد نال يهوذا نصيب الأسد في البركة إذ رأي يعقوب السيد المسيح الملك والكاهن يأتي من نسله.
يهوذا إياك يحمد إخوتك= يهوذا يعني يحمد. ومن هو يهوذا هذا الذي يحمده إخوته ويرفعونه ويسبحونه إلا السيد المسيح نفسه الخارج من سبط يهوذا. يدك علي قفا أعدائك= لقد تم هذا مع داود النبي في حروبه وإنتصاراته. وبالنسبة للمسيح فهو وضع بصليبه يده علي قفا إبليس عدوه فحطمه وحرر البشرية من سلطانه. ويسجد لك بنو أبيك= داود كملك حرر الأرض سجد له الجميع. والمسيح تجثو له كل ركبة في 10:2. ويسجدون هنا تكون بمعني يعبدون. وقوله بنو أبيك أي كل أسباط أي اولاد يعقوب يسجدون للسبط الملوكي الذي خرج منه داود. وبالنسبة للمسيح فقد قال عن الآب "أبي وأبيكم" فقد صرنا فيه أبناء للآب.
يهوذا جرو أسد… كأسد وكلبوة= كان يهوذا قد إختار لخاتمه شعاراً هو صورة أسد. والتطور هنا يبدأ بجرو أسد ثم أسد ثم لبؤة. ويقال أن جرو الأسد يشير لكالب الذي نما وصار أسداً في أيام داود. ومن نسل داود خرج ملوك شرسين شبهوا هنا باللبؤة التي هي أكثر شراسة من الأسد. وإذا نظرنا لهذه النبوة علي أنها عن المسيح نقول أن جرو أسد تشير لولادة المسيح كإبن. والأسد يشير للملك ولقد ملك المسيح علي الصليب لذلك يقول جثا وربض كأسد: لقد رأي يعقوب في يهوذا المسيح الخارج من نسله ودعاه بالأسد الذي خرج من حرب الصليب غالباً أعدائه الروحيين. لقد جثا أي سُمِر في ضعف أو في ما يشبه الضعف ونام علي الصليب ولكنه كان كأسد يربض متحفزاً للمعركة فهو سلم نفسه بإرادته ليقاتل في ضراوة (يو 18:10). وكلبوة= هنا إشارة للكنيسة عروس الأسد التي يجب أن تصلب معه وتحمل الصليب فتصير تلميذة له، يصلب لها العالم وتصلب هي للعالم.
من ينهضه= بمعني أنه ليس هناك إنساناً يقيمه بل يقوم هو من نفسه يو 19:2 من فريسة صعدت: هو كأن أسداً في حربه ولكن ماذا كانت صورته أمام الناس سوي فريسة مستسلمة، كشاة سيقت للذبح، صعد إلي صليبه في إستسلام لصالبيه.
لا يزول قضيب من يهوذا= القضيب هو صولجان الملك. والملوك تناسلوا من داود.
ومشترع من بين رجليه= مشترع أي مشرع للقوانين. ومن بين رجليه أي من نسله.
حتي يأتي شيلون= شيلون من نفس مصدر سلوام أي مرسل من الله يو 7:9+ لو 18:4 + يو 36:5-38. وفي أش 5:8 كلمة شيلوه من نفس المصدر وقد ترجمتها السبعينية سلوام. (وقد فتحت عيني الأعمي في سلوام وقارن مع مسود العينين من الخمر). ومعني هذه الأية أن المسيح سيأتي بعد أن يزول الملك عن يهوذا ولا يعود ليهوذا الحق في أن يشرع ويحكم ويقضي. وهذا تم في أثناء الحكم الروماني حين قال اليهود "ليس لنا ملك سوي قيصر. والأكتتاب الذي قام به وأمر به أغسطس قيصر شمل اليهودية فهي إذاً كانت خاضعة لحكمه (لو 2،1:2). وكون اليهود لم يعد لهم سلطاناً ليحكموا يتضح من الأية يو 31:18. فاليهود إذاً كانوا خاضعين تحت الحكم الروماني، لا سلطان لهم علي القضاء أو التنفيذ وكان ملكهم أو واليهم هيرودس أدومياً. وتكون هذه النبوة أية: 10 تشير:
1. الملك سيكون في يهوذا (القضيب والتشريع).
2. شيلون أي المسيح المرسل سيأتي من نسل يهوذا. وقد إتفق علي أن شيلون هو المسيح وأتفق علي هذا اليهود والمسيحيين. وإتفق أن الكلمة تشير أيضاً للراحة والسلام. وأن فترة المسيح ستكون فترة سلام وهذا ما حدث فإن فترة وجود المسيح علي الأرض كانت فترة بلا حروب في الدولة الرومانية وأغلقت الهياكل الوثنية التي تفتح فقط في أيام الحروب، وفتحت هياكل السلام وتفتح في أوقات السلام.
3. يستمر يهوذا في الحكم حتي يأتي المسيح. والمسيح سيأتي بعد أن ينتقل القضيب لشعب اخر. رابطاً بالكرمة جحشه، وبالجفنة إبن أتانه= الكرمة والجفنة مترادفان، ومعناهما شجرة العنب. وقد جاءت الجفنة في الإنجليزية الكرمة المختارة. والمعني المباشر للآية أنها تعبير عن الرخاء والثروة التي سيتمتع بها السبط فمن كثرة الأشجار والخصب لن يجد الرجل مكاناً بربط فيه جحشه سوي الكرمة. والكرمة شجرة ضعيفة، فيكون معني أن يربط الرجل جحشه أنها ستكون قوية حتي تحتمل. ولكن الكرمة هي بالمفهوم الرمزي إشارة لشعب إسرائيل ثم صارت تشير للكنيسة (مز 8:80 + هو 1:10 + أش 1:5-7 + أر 21:2 + مت 33:21 + يو 1:15) إذاً الكرمة هي شعب الله في العهد القديم والعهد الجديد. ولاحظ أن المسيح يوم دخوله إلي أورشليم طلب جحشاً (هذا إستعمله وركبه الناس من قبل) وإبن أتان (هذا لم يركبه أحد من قبل) وقد ركب إبن الأتان. ورأي الأباء أن الجحش يشير لليهود وإبن الأتان يشير للأمم وقد ربط المسيح كلاهما بكرمته فهو الكرمة وكلنا الأغصان. وهو الذي جعل الإثنين واحداً ولاحظ أنه ربط إبن الأتان رمز الكنيسة بالجفنة أي الكرمة المختارة.
غسل بالخمر لباسه وبدم العنب ثوبه= من وفرة الخيرات يصير الخمر كالماء فيغسلون به الثياب ولكن الثوب يشير للكنيسة (كما أشار ثوب يوسف الملون للكنيسة متعددة المواهب) وكون الثوب يغسل بالخمر بل ويقول دم العنب فهذه نبوة واضحة بأن الكنيسة تطهرت بدم المسيح رؤ 14:7 + ا يو 7:1. والخمر هو إشارة لكأس دم الرب الذي يعطي لغفران الخطايا.
مسود العينين من الخمر ومبيض الأسنان من اللبن= مسود العينين مترجمة لامع العينان أي عيناه جميلتان ولا معتان. والخمر إشارة للوفرة والخير الكثير وكذلك اللبن والمعني أن الخيرات الكثيرة (كروم ولبن) أعطته عينين قويتين وحدة بصر وأسنان قوية وروحياً فالمسيح أعطانا فرحاً روحياً كثمرة من ثمار روحه القدوس (غل 22:5 + يو 22:16) والروح القدس الذي يعطي فرحاً للقلب يعطي أيضاً إستنارة ووضوح رؤيا. ويعطي تعليم يو 26:14 + عب 11،10:8. بل الأقوياء يحصلوا علي الطعام القوي ويحولونه إلي لبن يعطونه للصغار 1كو 2:3 + ا بط 2:2. فالروح القدس يعطي الطعام القوي للبالغين وهؤلاء يعطون غذاء الضعفاء 2 تي 2:2. وراجع أش 1:55. والروح القدس يستخدم كلمة الله كغذاء يشبع به النفوس. وهو يعطي بسخاء.
أية (13):- " 13زَبُولُونُ، عِنْدَ سَاحِلِ الْبَحْرِ يَسْكُنُ، وَهُوَ عِنْدَ سَاحِلِ السُّفُنِ، وَجَانِبُهُ عِنْدَ صَيْدُونَ. "
زبولون:
زبولون تعني مسكن. فبعد أن رأينا العالم قبل المسيح في فساد وقسوة ورأينا المسيح أتيا من يهوذا بالجسد. نري الآن سكن الجميع في الكنيسة يهوداً وأمماً. فسبط زبولون سكن بجانب البحر وهم جاوروا الفينيقيين تجار البحر وجاءوا منهم بتجارتهم وباعوا لهم. فيكون زبولون تجاراً. وهذا يشير للكرازة خصوصاً أن البحر يشير للأمم والنهر يشير لليهود. ويكون سكن زبولون (اليهود). بجانب البحر (الأمم) إشارة للكنيسة الواحدة من كلاهما. وصيدون هي صيدا علي البحر المتوسط. (لقد عرف العالم المسيحية من الشعب اليهودي الذي آمن).
الأيات (14-15):- "14يَسَّاكَرُ، حِمَارٌ جَسِيمٌ رَابِضٌ بَيْنَ الْحَظَائِرِ. 15فَرَأَى الْمَحَلَّ أَنَّهُ حَسَنٌ، وَالأَرْضَ أَنَّهَا نَزِهَةٌ، فَأَحْنَى كَتِفَهُ لِلْحِمْلِ وَصَارَ لِلْجِزْيَةِ عَبْدًا. "
يساكر:
يساكر حمار جسيم= غالباً فإن يساكر إختار الحمار شعاراً لخاتمه. وحمار جسيم أي ضخم وقوي وبالإنجليزية Strong donkey. فقد إشتغل هذا السبط بالفلاحة وكان دأبهم الصبر. وكانت أرضهم خصبة فإكتفوا بالزراعة ولم ينشغلوا بالسياسة. وكانوا معرضين لدفع الضرائب. وتشبيه يساكر بحمار يشير لعمله الشاق فهو حمل حملين 1) عمله الشاق في الزراعة 2) الجزية. وماذا كانت مكافأتهم؟ أرضهم الخصبة وزراعتهم الناجحة.
وحظائرهم كثيرة أي أغنامهم كثيرة = رابض بين الحظائر… والأرض نزهة. ونزهة أي مبهجة بخصبها ودسمها. وهم لم يهتموا بالضرائب لأن أرضهم خصبة.
وما أجمل هذا التشبيه عن الكنيسة والذي أتي في مكانه. فبعد أن سمعنا عن مجئ المسيح من سبط يهوذا وسكن اليهود والأمم معاً نسمع أن أرضهم دسمة إشارة للكنيسة التي هي جسد المسيح وتتغذي علي جسده ودمه. وأن الكنيسة مخصبة ورعاياها يزيدون جداً (حظائر كثيرة للرعاية). لقد أدرك خدام الله أن الأرض نزهة ففي السماء مالم تره عين ولم تسمع به أذن وعلي الأرض رأوا عمل المسيح في كنيسته فإهتموا بكرازتهم وعملهم في حقل المسيح دون أن يهتموا بأي ألام تفرض عليهم. وهذا ما قاله بولس الرسول "إذ كنت حراً من الجميع استعبدت نفسي للجميع لأربح الأكثرين 1كو 19:9 + 2 كو 15:12.
الأيات (16- 18):- "16دَانُ، يَدِينُ شَعْبَهُ كَأَحَدِ أَسْبَاطِ إِسْرَائِيلَ. 17يَكُونُ دَانُ حَيَّةً عَلَى الطَّرِيقِ، أُفْعُوانًا عَلَى السَّبِيلِ، يَلْسَعُ عَقِبَيِ الْفَرَسِ فَيَسْقُطُ رَاكِبُهُ إِلَى الْوَرَاءِ. 18لِخَلاَصِكَ انْتَظَرْتُ يَا رَبُّ."
دان:
رأينا فيما سبق الكنيسة المثمرة وخدامها. ورأينا خدامها كيف يتألمون فمن أين تأتي هذه الألام؟ لابد من أنها تأتي بحيل إبليس الحية القديمة. لذلك كان دان حية علي الطريق. هو دائما يثير المشاكل في طريق الله وخدامه. وهذه الحرب بين إبليس والكنيسة تصل لذروتها في نهاية الأيام حين يطلق إبليس من سجنه ويعمل بقوته مع ضد المسيح. وكان سبط دان هم أول من أدخل العبادة الوثنية في إسرائيل بوضعهم تمثال ميخا في مدينة دان. وبسبب هذا حذف إسم دان من المختومين في الرؤيا (رؤ 7). وهذا قد يكون بسبب وثنية سبط دان إلا أن كثير من الأباء رأوا أن نبوة يعقوب هذه مع حذف إسم دان من رؤيا 7 راجع إلي أن ضد المسيح سيأتي من سبط دان. وبسبب الألام الكثيرة التي سيوقعها ضد المسيح بالكنيسة صرخ يعقوب لخلاصك إنتظرت يارب فالمسيح سيأتي مباشرة عقب هذه الأحداث، فلا خلاص حقيقي لكل إرتداد سوي بالمسيح. وهذه الآية هي إيمان بعمل المسيح المخلص. وقد عرفت ذرية دان بالمكر والدهاء قض 18،17.
دان يدين شعبه كأحد أسباط إسرائيل= أي مع كونه إبن جارية إلا أنه يكون سبطاً مستقلاً أو لأن ضد المسيح سيخرج منه فسيكون هذا سبب دينونة لإسرائيل كله الذي يسير وراءه.
أية (19):- "19جَادُ، يَزْحَمُهُ جَيْشٌ، وَلكِنَّهُ يَزْحَمُ مُؤَخَّرَهُ. "
جاد:
كان نصيب سبط جاد شرق الإردن كطلبه. وهذا جعلهم معرضين للقتال من الأعداء من حولهم بصفة مستمرة (أمثال أرام والعمونيين والأموريين) إلا أنهم كانوا يحاربون أعدائهم دائماً ولا يسكتون وكانوا محاربين أقوياء (1 أي 8:12-14) لهم وجوه الأسود. إذاً جاد كان في حرب مستمرة: يزحمه جيش. ولكنه سرعان ما يضرب مؤخرة جيوش أعدائه ويسترد غنائمه: ولكنه يزحم مؤخره في الإنجليزية هو سيتغلب وينتصر أخيراً. إذاً فجاد يمثل الكنيسة التي هي في حرب مستمرة ولكنها ستنتصر أخيراً فهي مرهبة كجيش بألوية.
أية (20):- " 20أَشِيرُ، خُبْزُهُ سَمِينٌ وَهُوَ يُعْطِي لَذَّاتِ مُلُوكٍ."
أشير:
خبزه سمين وهو يعطي لذات ملوك= تنبأ يعقوب عن أشير بكثرة الخيرات. وقال عنه موسي في نبوته أنه يغمس في الزيت قدمه تث 24:33. وفعلاً تحققت النبوتان فقد تمتع سبط أشير بأرض خصبة غنية بأشجار الزيتون التي يستخرج منها الزيت. وكانت غلات أرضه وفيرة فقيل أن خبزه سمين. ويصدر من خيراته للملوك ولباقي الأسباط. هذا يشير لشبع أولاد الله ولفيض النعمة في حياة المجاهدين الروحيين.
أية (21):- " 21نَفْتَالِي، أَيِّلَةٌ مُسَيَّبَةٌ يُعْطِي أَقْوَالاً حَسَنَةً. "
نفتالي:
أيلة: أنثي الأيل. وهي مسيبة= أي كانت ممسوكة ثم جاء من حررها وسيبها حرة وهنا نفتالي يشبه في محبته للحرية بأيلة منطلقة في برية مفتوحة تتحرك في خفة وسرعة أينما أرادت. ولكن حرية هذا السبط لم تكن فرصة للإنحلال والشر، بل إلتزم بعلاقات طيبة مع بقية الأسباط فكانت كلماته : أقوالا حسنة. وهذه صورة رائعة للكنيسة التي حررها المسيح "إن حرركم الإبن فبالحقيقة تكونون أحراراً. والذي حرره المسيح يسبح ويشهد للمسيح أي يعطي أقوالاً حسنة.
الأيات (22- 26):- "22يُوسُفُ، غُصْنُ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ، غُصْنُ شَجَرَةٍ مُثْمِرَةٍ عَلَى عَيْنٍ. أَغْصَانٌ قَدِ ارْتَفَعَتْ فَوْقَ حَائِطٍ. 23فَمَرَّرَتْهُ وَرَمَتْهُ وَاضْطَهَدَتْهُ أَرْبَابُ السِّهَامِ. 24وَلكِنْ ثَبَتَتْ بِمَتَانَةٍ قَوْسُهُ، وَتَشَدَّدَتْ سَوَاعِدُ يَدَيْهِ. مِنْ يَدَيْ عَزِيزِ يَعْقُوبَ، مِنْ هُنَاكَ، مِنَ الرَّاعِي صَخْرِ إِسْرَائِيلَ، 25مِنْ إِلهِ أَبِيكَ الَّذِي يُعِينُكَ، وَمِنَ الْقَادِرِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ الَّذِي يُبَارِكُكَ، تَأْتِي بَرَكَاتُ السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ، وَبَرَكَاتُ الْغَمْرِ الرَّابِضِ تَحْتُ. بَرَكَاتُ الثَّدْيَيْنِ وَالرَّحِمِ. 26بَرَكَاتُ أَبِيكَ فَاقَتْ عَلَى بَرَكَاتِ أَبَوَيَّ. إِلَى مُنْيَةِ الآكَامِ الدَّهْرِيَّةِ تَكُونُ عَلَى رَأْسِ يُوسُفَ، وَعَلَى قِمَّةِ نَذِيرِ إِخْوَتِهِ."
يوسف:
نال يوسف مدحا أكثر من إخوته فقد كان أميناً مع الله ومحباً للجميع أيا كان موقعه. ولقد كان مثمراً : غصن شجرة مثمرة. وهذه أعلي درجات النمو أن يكون الإنسان الروحي مثمراً مهما أصابته سهام العدو (إخوته ثم زوجة فوطيفار ثم فوطيفار نفسه) فمررته ورمته وإضطهدته أرباب السهام. ويعقوب كرر مرتين أن يوسف كان غصن شجرة مثمرة. فهو رغماً عن الإضطهادات التي واجهته ثبت ونما وزاد ونال من ثماره الجميع، فهى ثمار محبته لله وللجميع. وهنا يوسف يشير للمسيح الذي إضطهدوه ولكن تمتع بخلاصه الجميع حتي من إضطهدوه. ثم قال يعقوب أغصان قد إرتفعت فوق حائط= كان غصن وصار أغصان، إذا هو نمو وزيادة وهكذا الكنيسة جسد المسيح. فالمسيح هو الغصن (أش 1:11 + أر 5:23 + زك 8:3) ولماذا كرر قوله غصن مرتين؟ فرقم 2 يشير للتجسد الذي جعل به الإثنين واحداً وصار المسيح الكرمة ونحن الأغصان. فالأغصان إشارة للكنيسة جسد المسيح يو 5:15 وهذه الكنيسة مسنودة علي حائط، هو المسيح الصخرة الحقيقية. فالكروم تحتاج لحائط قوي يسندها فهي ضعيفة في ذاتها إن لم يسندها أحد. وهذه هي بركات المسيح لكنيسته المضطهدة وهذا الغصن علي عين= عين الماء هو إشارة للروح القدس الذي يروي الكنيسة فتثمر. وبالرغم من الإضطهاد ليوسف (أو للمسيح أو للكنيسة) ثبتت بمتانة قوسه وتشددت سواعد يديه بمساعدة من الله من يدي عزيز يعقوب. فالله هو عزيز يعقوب أي ألهه المحبوب لديه، الراعي والصخر المعين له. ويعقوب يطلب لإبنه المحبوب كل البركات. بركات السماء من فوق= أي مطر وندي. وبركات الغمر الرابض تحت= أي الأنهار والينابيع. وبركات الثديين والرحم= أي كثرة النسل وصحة وبركة للأطفال من لبن الثديين. بركات أبيك لك فاقت علي بركات أبوي= أي أكثر من البركات التي أعطاها أبوي يعقوب ليعقوب. هذه البركات رمز للبركات الروحية التي يعطيها الله لكنيسته وهي تزيد بكثير عن البركات المادية التي حصل عليها شعب الله في العهد القديم. إلي منية الأكام الدهرية= الأكام هي التلال العالية. والدهرية أي إلي مدي الدهر. والمعني فلتحل هذه البركات عليك وأمنيتي أن تستمر لك طالما كانت الأكام باقية وطالما هي باقية إلي الأبد. إذا فالبركات لك تكون إلي الأبد. وهذه هي بركات المسيح التي صارت للكنيسة وتستمر حتي تزول السماء والأرض.
وعلي قمة نذير إخوته= إخوة يوسف أبعدوه عنهم لكنه كان قد أفرز وتكرس وتخصص لله فالنذير يعتزل إخوته وكل الناس. ومن تكرس لله يستحق كل هذه البركات له. وقمة نذير إخوته في الإنجليزية علي تاج رأس نذير إخوته.
أية (27):- " 27بَنْيَامِينُ ذِئْبٌ يَفْتَرِسُ. فِي الصَّبَاحِ يَأْكُلُ غَنِيمَةً، وَعِنْدَ الْمَسَاءِ يُقَسِّمُ نَهْبًا»."
بنيامين:
إذا فهمنا أن كل ما مر من نبوات لأولاد يعقوب يشير للكنيسة المجاهدة جسد المسيح والألام التي تقع عليها والجهاد المفروض عليها، فنجد أن نهاية الأمر أن تجلس الكنيسة بعد طول جهاد عن يمين الآب فبنيامين تعني إبن اليمين، واليمين هو مكان الخراف ، بينما اليسار مكان الجداء. وبركة موسي لبنيامين تشير لنفس الشئ في تث 12:33 حبيب الرب يسكن لديه آمناً. فبعد طول جهاد نسكن عند الرب في أورشليم السماوية مسكن الله مع الناس رؤ 3:21.
بنيامين ذئب مفترس= إشارة لشجاعة السبط في الحروب قض 16:20. وتشير لشجاعة الكنيسة المجاهدة التي هي مرهبة كجيش بألوية. وقيل هي نبوة عن شاول الطرسوسي الذي خرج كذئب في الصباح ليفترس المسيحيين المؤمنين ويقتلهم كمضطهد للكنيسة وبعد إيمانه أمن علي يده الكثيرين فقسم نهباً= أي المؤمنين الذي آمنوا بكرازته.
الأيات (28- 33):- "28جَمِيعُ هؤُلاَءِ هُمْ أَسْبَاطُ إِسْرَائِيلَ الاثْنَا عَشَرَ. وَهذَا مَا كَلَّمَهُمْ بِهِ أَبُوهُمْ وَبَارَكَهُمْ. كُلُّ وَاحِدٍ بِحَسَبِ بَرَكَتِهِ بَارَكَهُمْ. 29وَأَوْصَاهُمْ وَقَالَ لَهُمْ: «أَنَا أَنْضَمُّ إِلَى قَوْمِي. اِدْفِنُونِي عِنْدَ آبَائِي فِي الْمَغَارَةِ الَّتِي فِي حَقْلِ عِفْرُونَ الْحِثِّيِّ. 30فِي الْمَغَارَةِ الَّتِي فِي حَقْلِ الْمَكْفِيلَةِ، الَّتِي أَمَامَ مَمْرَا فِي أَرْضِ كَنْعَانَ، الَّتِي اشْتَرَاهَا إِبْرَاهِيمُ مَعَ الْحَقْلِ مِنْ عِفْرُونَ الْحِثِّيِّ مُلْكَ قَبْرٍ. 31هُنَاكَ دَفَنُوا إِبْرَاهِيمَ وَسَارَةَ امْرَأَتَهُ. هُنَاكَ دَفَنُوا إِسْحَاقَ وَرِفْقَةَ امْرَأَتَهُ، وَهُنَاكَ دَفَنْتُ لَيْئَةَ. 32شِرَاءُ الْحَقْلِ وَالْمَغَارَةِ الَّتِي فِيهِ كَانَ مِنْ بَنِي حِثَّ». 33وَلَمَّا فَرَغَ يَعْقُوبُ مِنْ تَوْصِيَةِ بَنِيهِ ضَمَّ رِجْلَيْهِ إِلَى السَّرِيرِ، وَأَسْلَمَ الرُّوحَ وَانْضَمَّ إِلَى قَوْمِهِ."
عند يعقوب نجد الموت أهم من الحياة. فالحياة جعلته حبيس مصر أرض العبودية. أما الموت فمركبة تحمله إلي كنعان، ويضمه إلي أبائه وإله أبائه. فهو حين يوصي أولاده بدفنه في أرض أبائه، ينظر إلي ما وراء الحياة، إلي خارج مصر. هو يوفد جسده الميت ليمتلك الميراث علي الرجاء. لذلك يوصي أولاده ويوصي يوسف بأن ينقلوا جسده إلي كنعان (30:47 + 29:49).فتبقي أيضاً قلوب أولاده متعلقة بكنعان.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح التاسع والأربعون
مباركة يعقوب لأولاده
(1) رأوبين وشمعون ولاوي ( ع 1 - 7 ) :
ع 1 ، 2 : في آخر الأيام : أي المستقبل . دعا يعقوب بنيه الإثنى عشر ليوصيهم وصاياه الوداعية قبل أن يموت ويباركهم ويتنبأ لهم بمستقبلهم .
ع 3 : قوتي وأول قدرتي : البكر يمثل القوة والبركة . فضل : أفضل . فضل الرفعة وفضل العز : المتوقع من البكر أن يرفع رأس أبيه بسلوكه الحسن وتميزه . يمتدح يعقوب إبنه رأوبين ومعناه إبن الرؤية بأنه كان المتوقع منه أن يكون ممثلاً لعظمة وسمو أبيه وفيه كمال البركة والقوة ، فهو عتاب داخل أسلوب مديح .
+ كن رقيقاً في عتابك للآخرين وامتدحهم بكلمات طيبة لتوصل إليهم المعنى الذي تريده وهو أن يتركوا خطاياهم ويسلكوا حسناً دون أن تجرح مشاعرهم .
ع 4 : فاتراً كالماء : متقلب ترتفع مثل الماء الذي يغلي بفقاقيعه ثم تبرد وتنخفض . لا تتفضل : ليس لك الأفضلية على إخوتك . شمعون ولاوي أخوان : شمعون جد الكتبة ولاوي جد الكهنة . واصل يعقوب عتابه لرأوبين ولكن بكلام مباشر أكثر إذ لامه على تقلبه كالماء الذي يفور ثم يبرد ، وذلك لفقدانه الأفضلية على إخوته بسبب سقوطه في خطية شنيعة وهي اضطجاعه مع سرية أبيه بلهة .
ع 5 ، 6 : آلات ظلم سيوفهما : ظلمها لقبيلة شكيم التي قتلوا كل رجالها بسبب خطية شخص واحد هو شكيم . لا تدخل نفسي : لا أستطيع الجلوس بينهما لغضبهما وشرهما . لا تتحد كرامتي : تُذل نفسي وأكون بلا كرامة إن جلست بينهما لكثرة شرهما . قتلا إنساناً : شكيم وقبيلته . في رضاهما : عند تظاهرهما بالوداعة والتفاهم مع حمور وشكيم ، خدعاهما . عرقبا ثوراً : ضرباه في أسفل رجله بالقرب من قدمه فسقط وقتلاه . ويرمز الثور للرجل القوي أي شكيم ورجال قبيلته . إتحد الأخوان شمعون ولاوي في الغضب والإنتقام الذي ظهر في قتلهما رجال قبيلة شكيم ( ص 34 ) ، لذا يعلن يعقوب رجل الله أنه لا يستريح في مخالطتهما لأجل شرهم الفظيع وثورتهما التي لا تقف عند حد .
ع 7 : يستنكر يعقوب غضبهما وانتقامهما لأنه شديد وقاسٍ وعقوبة الله لهما أن يتفرقا في ميراثهما بين أسباط إسرائيل ولا يكون لهما منطقة متكاملة ، فسبط شمعون تضاءل تدريجياً كما يظهر من الإحصاءين اللذين عملهما موسى ( عد 1 ، 26 ) ، وعندما دخلوا أرض الميعاد على يد يشوع لم يكن لهم نصيب خاص بل تملكوا بعض أجزاء من أرض يهوذا ( يش 19 ) . أما سبط لاوي فلم يكن له نصيب في منطقة معينة في أرض الميعاد بل بعض المدن المتفرقة لأنه تكرس للخدمة ( عد 18 : 20 ، 35 : 1 - 8 ) .
(2) يهوذا ( ع 8 - 12 ) :
ع 8 : يهوذا : معناه حمد . فيتنبأ له أبوه بأنَّ إخوته يمجدونه ويشكرونه ، ويكون قوياً فيضرب أعداءه على قفاهم أي يهربوا من أمامه ، ويسجد له إخوته لأنه منه يخرج داود النبي ونسله ملوك مملكة يهوذا ثم يأتي من نسله أيضاً المسيح ملك الملوك الذي يسجد له العالم كله .
ع 9 : جرو أسد : شبل أي إبن الأسد الصغير . من فريسة صعدت : قوي كالأسد يفترس أعداءه ويصعد منتصراً في الحروب . جثا وربض : إستقر بعد انتصاره . من ينهضه : لا يستطيع أحد أن يقلقه أو يزحزح استقراره . يشبهه بالأسد ملك الحيوانات في قوته وانتصاره على كل أعدائه ، ثم يستقر فيخاف منه الجميع ويبتعدون من أمامه . ومن نسل يهوذا يأتي المسيح الذي ينتصر على الشيطان ويقيده عندما يجثو ويربض على الصليب ولا يستطيع أحد أن يوقف فداءه وموته وقيامته ، ولا يستطيع أحد أن يُنهض المسيح بل هو الذي يقيم نفسه في اليوم الثالث .
ع 10 : قضيب : هو عصا ذهبية يمسكها الملوك إعلاناً لتملكهم . مشترع : الذي يقرر الشرائع والوصايا . من بين رجليه : من نسله . شيلون : تعني الذي له الكل أو صانع السلام أو المخلص . شعوب : كل العالم . يعلن أنَّ من سبط يهوذا سيأتي داود الملك الذي يأتي من نسله الملوك على أورشليم حتى نصل إلى المسيح المخلص ، الذي هو شيلون ، ويملك على قلوب المؤمنين به من كل شعوب العالم وليس فقط المؤمنين من اليهود .
ع 11 ، 12 : الجفنة : أي الكرمة أو شجرة العنب . دم العنب : عصير العنب الذي يصير خمراً . مسود العينين من الخمر : كناية عن كثرة شرب الخمر حتى تلمع العينان فتقدران على حدة النظر . مبيض الأسنان من اللبن : كناية عن كثرة اللبن والمواشي التي تدره والذي يرمز إلى كلام المسيح ، الآتي من نسله ، والمغذي كاللبن . يتنبأ له بالخيرات الكثيرة التي يرمز إليها بكثرة الكروم وعصير العنب الخارج منها والمواشي الكثيرة التي تدر اللبن ، فالأرض تكون خصبة ويقتني مواشي كثيرة . وهذا يرمز إلى دم المسيح الفادي والذي نناله في الكنيسة في سر التناول .
+ عندما يعطيك الله خيرات مادية ، إنتبه حتى تشكره وترفع عينيك إلى الخيرات الروحية الأعظم في ملكوت السموات حتى لا تنهمك في الماديات بل تصعدك إلى محبة الله والإلتصاق به .
(3) زبولون ويساكر ودان ( ع 13 - 18 ) :
ع 13 : ساحل البحر : ساحل البحر الأبيض المتوسط غرب نهر الأردن . ساحل السفن : أي الموانئ . جانبه عند صيدون : يصل إلى مدينة صيدا الواقعة على البحر الأبيض جنوب بيروت الحالية بحوالي 25 ميلاً . تنبأ يعقوب لزبولون أن يسكن على ساحل البحر المتوسط فيعمل بالتجارة ويختلط بالأمم وهذا يعرضه لعبادة الأوثان والتمثل بمفاسدهم ولكنه عندما يؤمن بالمسيح الذي بشَّر هذه المنطقة يصير نوراً للعالم وكارزاً بالمسيح ( مت 4 : 15 ، 16 ) .
ع 14 ، 15 : جسيم : ضخم وقوي . بين الحظائر : مستقر بين حظائر الماشية منشغل بالزراعة . أحنى كتفه للحمل : إحتمل التعب والعمل الكثير . رأى المحل حسن .. والأرض نزهة : الأرض خصبة فانشغل بالزراعة . صار للجزية عبداً : دفع الضرائب للحكومة أو للغزاة . شبهه بالحمار في احتمال التعب ، إذ عمل بالزراعة واحتمل أتعابها وابتعد عن السياسة وكان مسالماً فدفع كل الضرائب المطلوبة منه .
ع 16 : يدين شعبه : يحكم نفسه . دان هو أول إبن لجارية فهو إبن بلهة الجارية ، ولكنه حُسِب كسبط مثل باقي الأسباط يحكم نفسه .
ع 17 : أفعواناً : ذكر الثعبان . على الطريق .. على السبيل : يتابع أعداءه بمكر وينتصر عليهم . يلسع عقبي الفرس فيسقط راكبه إلى الوراء : بدهاء يجرد العدو من أسلحته وقوته فينتصر عليه . شبَّه دان بالحية لأنه اتصف بالمكر والدهاء ، فلم يتميز بكثرة الجنود والقوة العسكرية ولكنه كان ينتصر بالدهاء مع الشجاعة .
ع 18 : إذ شبهه بالحية تذكر الشيطان الحية الأولى واشتاق إلى المسيا المخلص .
+ عندما تمر بك ضيقات أو تسقط في خطايا مختلفة ، لا تيأس بل قم واطلب معونة الله ، وإن طالت الضيقة إنتظر خلاص الله فهو لن يتركك أبداً .
(4) جاد وأشير ونفتالي ( ع 19 - 21 ) :
ع 19 : يزحمه جيش : يهجم عليه الأعداء . يزحم مؤخره : يتتبع أعداءه بعد انصرافهم عنه وينتصر عليهم في النهاية . سكن سبط جاد شرق الأردن ، فتعرض لهجمات كثيرة من العمونيين والأموريين وكانوا ينتصرون عليه ولكنه كان يعود فيتابعهم وينتصر عليهم ويأخذ منهم غنائم كثيرة .
ع 20 : خبزه سمين : خيراته كثيرة . لذَّات ملوك : البضائع النفيسة التي يطلبها الملوك والعظماء . سكن أشير في أرض خصبة على ساحل البحر الأبيض المتوسط ، وقد كثرت فيها أشجار الزيتون فحصل على محاصيل كثيرة كان يصدر منها لباقي الأسباط . ولأنه سكن بجوار البحر إشتغل بالتجارة وكان يصدر ويتاجر بالبضائع النفيسة التي يطلبها العظماء في العالم كله . وقد تنبأ عنه موسى النبي أنه يغمس في الزيت رجله لكثرة أشجار الزيتون ( تث 33 : 24 ) .
ع 21 : أيِّلة : أنثى الأيل وهو نوع من الغزلان سريع الحركة جداً . مسيَّبة : حرة وطليقة . أقوالاً حسنة : معاملاته طيبة ومتفاهم . يشبهه بأنثى الغزال السريع الحركة المنطلق لأنَّ أرضه كانت خصبة وانطلق في حرية يعمل فيها ويتمتع بالرخاء ولكن عند الخطر كان يسارع للقتال مع الأعداء ، وكانت معاملاته حسنة مع باقي الأسباط المحيطة به .
+ إهتم بالتعبير الحسن واللطف في التعامل مع من حولك حتى تصنع علاقات طيبة معهم وتحيا في سلام وتستطيع أن تؤثر فيهم وتجذبهم للمسيح .
(5) يوسف وبنيامين ( ع 22 - 27 ) :
ع 22 : يصف يوسف إبنه المحبوب بأنه غصن مثمر من شجرة أبيه ، فإن كان أبوه كثير النسل فهو أيضاً مثمراً ، فهو دائم الإخضرار والحيوية لأنه على عين ماء أي تستمر له البركات الروحية والمادية ، وكذلك الإرتفاع والسمو إذ صار رئيساً على مصر .
ع 23 : مرَّرته : إضطهدوه وأصابوه بمرارة أي ضيق . أرباب السهام : من عادوه مثل إخوته أو إمرأة فوطيفار نفسه الذي ألقاه في السجن . تعرض يوسف لاضطهادات كثيرة ممن حوله .
ع 24 : عزيز يعقوب : الإله الحبيب القوي . من هناك : من السماء . الراعي : المرشد والقائد . صخر إسرائيل : معين إسرائيل القوي . إستطاع يوسف أن يثبت بمعونة الله القدير الذي يسنده من السماء ويرعاه وينجحه فثبت في حياة نقية مع الله وتشدد فلم يخضع للخطية بل مر بنجاح في كل الضيقات وصار رئيساً على مصر كلها بل ودبر أمورها بحكمة وإتقان .
ع 25 : بركات السماء : الأمطار والندى . بركات الغمر الرابض تحت : الأنهار التي تروي أرضه . الثديين والرحم : كثرة النسل وقوته لأنه يتغذى كثيراً من الثديين أي البركات المادية . تنبأ وطلب له بركات الله من السماء بالأمطار ومن الأرض من الأنهار وكثرة النسل وقوته . وقد ظهرت قوة سبطي أفرايم ومنسى في ( تث 33 : 13 - 17 ، يش 17 : 17 ، 18 ) .
ع 26 : منية : قمة ما يبتغيه الإنسان ويتمناه . الآكام : الأماكن المرتفعة . الدهرية : القائمة منذ الدهر أي منذ زمن طويل . والمقصود ينال بركات إلى أقصى ما يتمناه . نذير إخوته : المفرز والمتميز عن إخوته بصلاحه . قال له أنَّ البركات التي ستحل عليه أكثر من البركات التي نالها أبوه وجده وأنها ستكون إلى أقصى ما يمكن لأجل تميزه وبره .
+ تمسك بإيمانك حتى لو أساء إليك البعض وتحملت ضيقات دون ذنب منك ، إثبت في مبادئك والله سيسندك وتنال في النهاية بركات لا يُعبَّر عنها تشبعك على الأرض ثم تتمتع بها إلى الأبد .
ع 27 : يصفه بالشجاعة مثل الذئب الذي يفترس الغنائم في الصباح ثم يأكل هو وأولاده من الفرائس ، عندما يستقر في المساء ، إذ يقسِّمها عليهم . ويقال عن أبطاله وعن إتقانهم الحرب أنهم " يرمون الحجر بالمقلاع على الشعرة ولا يخطئون " ( قض 20 : 16 ) . وهكذا تنبأ يعقوب لأولاده مُظهراً صفاتهم المتنوعة ومنبهاً لهم حتى يتوبوا عن خطاياهم ويسلكوا حسناً ، وهي نبوات وتعاليم لكل المؤمنين حتى يحترسوا من حيل إبليس ويتمسكوا بالفضائل . ويمكن تلخيص تعاليمه وإرشاداته بما يلي :
1- رأوبين : الإحتراس من الكبرياء والشهوة .
2- شمعون ولاوي : الإحتراس من المؤامرات والغضب والإنتقام .
3- زبولون : الإحتراس من الإختلاط بالأشرار والتحول للكرازة لهم .
4- يساكر : يدعوه للإحتمال والمثابرة .
5- دان : يحذره من المكر والدهاء .
6- جاد : يدعوه للرجاء في الجهاد وعدم اليأس .
7- أشير : يتمنى له البركات الكثيرة .
8- نفتالي : يمتدحه بعلاقاته الطيبة وتفاهمه مع الآخرين .
9- يوسف : يتمنى له النمو المستمر .
10- بنيامين : يمتدح شجاعته .
(6) الوصية الوداعية ( ع 28 - 33 ) :
ع 28 : أسباط : قبائل . البركات السابقة هي التي بارك بها يعقوب أولاده الذين صاروا رؤساء أسباط بني إسرائيل .
ع 29 - 32 : طلب من كل أولاده كما طلب من يوسف من قبل في ( ص 47 : 29 - 31 ) أن يدفنوه في كنعان في مغارة المكفيلة التي توجد بحقل عفرون الحثيَّ حيث دُفن إبراهيم وسارة وإسحق ورفقة وليئة .
ع 33 : مات يعقوب أخيراً عن عمر 147 عام ورغم أنه مات في أرض غريبة ولكن إنضمت روحه إلى قومه أي آبائه المؤمنين المنتظرين رجاء فداء المسيح وقيامته ليرتفعوا إلى الفردوس .
+ أنظر إلى نهاية حياتك وهي الموت حتى لا تقبل الخطية أو تتهاون معها . وتذكرك للموت في كل صباح يرفعك للإستعداد السماوي فتسلك بكل ما يرضي الله وتعطي محبة لكل من تقابله .
ونلاحظ أنَّ يعقوب يرمز للمسيح فيما يلي :
1- شهد الكتاب المقدس عن يعقوب أنه كان إنساناً كاملاً ( ص 25 : 27 ) والمسيح كان كاملاً وقال " من منكم يبكتني على خطية " ( يو 8 : 26 ) .
2- عاش يعقوب متغرباً ساكناً الخيام وتغرب عند خاله ثم في مصر وعبَّر عن حياته بأنها أيام غربته ، والمسيح عاش متجرداً طوال حياته .
3- نال يعقوب البكورية والبركة ، والمسيح هو بكر بين إخوة كثيرين وهو أقنوم الحكمة والبركة .
4- يعقوب إستغله لابان خاله ولكن أنقذه الله من يديه ، والمسيح أساء إليه اليهود واضطهدوه وصلبوه ولكن الله أقامه أي قام بلاهوته .
5- يعقوب خدعه أولاده في قتل قبيلة شكيم وفي بيع يوسف ، والمسيح جُرِحَ من أحبائه وتخلى عنه كل المقربين إليه عند الصليب .
ونقدم هنا ملخصاً لحياة يعقوب وهي :
1- يعقوب الجنين في بطن أمه ( ص 25 ) .
2- يعقوب يشتري البكورية من عيسو ( ص 25 ) .
3- يعقوب يغتصب بركة أبيه ( ص 27 ) .
4- حلم يعقوب والسلم ( ص 28 ) .
5- يعقوب يتزوج ويلد بنيناً ويعمل عند خاله ( ص 29 ، 30 ) .
6- الله ينجي يعقوب من مطاردة لابان خاله ( ص 31 ) .
7- مصارعة يعقوب للملاك ( ص 32 ) .
8- مقابلة يعقوب وصلحه مع عيسو ( ص 33 ) .
9- إعتداء شكيم على دينة إبنة يعقوب وانتقام أولاده منهم ( ص 34 ) .
10- إرتحال يعقوب إلى بيت إيل ( ص 35 ) .
11- يعقوب وإبنه المحبوب يوسف ( ص 37 - 48 ) .
12- بركات يعقوب لبنيه وموته ( ص 49 ) .
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح