كلمة منفعة
هناك أشخاص يعيشون في الخيال، يسبحون في آمال من خيال، ويبنون قصورا من خيال، ويعيشون في أحلام اليقظة، ولا يصلون إلى شيء لأنهم غير عمليين.
— الإنسان العملي
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثاني والعشرون ذبح إسحق إن كان نجم إبراهيم أب الآباء قد تلألأ في سماء الروح إنما من أجل إيمانه الذي رفعه فوق الأحداث، فكانت العطايا تزيده شكرًا لله دون تعلق بها، والضيقات تزكية أمام الكل... لقد عاش سنوات غربته سلسلة من النصرات غير المتقطعة. الآن إذ فرح مع امرأته سارة من أجل إسحق ابن الموعد اللذين قبلاه في شيخوختهما عطية إلهية فائقة. فقد طلبه الرب منه ذبيحة حب. وبقدر ما قست التجربة جدًا تمجد إبراهيم وإسحق ابنه، فصارا يمثلان صورة حية لعمل الله الخلاصي خلال ذبيحة الصليب وإعلان قيامة المسيا. 1. امتحان الله لإبراهيم 1-2 2. إسحق في الطريق 3-8 3. إقامة المذبح وتقديم الذبيحة 9-14 4. تجديد الوعد الإلهي 15-19 5. أولاد ناحور 20-24 1. امتحان الله لإبراهيم: إن كانت الكنيسة تعتز بيوم "الخميس الكبير" أو "خميس العهد" الذي فيه نذكر تقديم السيد المسيح ذبيحة العهد الجديد لتلاميذه قائمة على الصليب، لم تجد الكنيسة صورة أوضح من تقدمه إبراهيم إسحق ابنه محرقة للرب كصورة حية لعمل الصليب، حيث يقدم الآب ابنه فدية عن خلاص العالم، لهذا جاءت "قسمة قداس خميس العهد" منصبة على ذبح إسحق. وستبقى الأجيال كلها ترى في هذا العمل الإيماني مثلاً حيًا وفائقًا يكشف عن ذبيحة السيد المسيح. يقول الكتاب: "وحدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن إبراهيم. فقال له: يا إبراهيم. فقال: هأنذا. فقال: خذ ابنك وحيدك الذي تحبه إسحق، وإذهب إلى أرض المريا واصعده هناك على أحد الجبال الذي أقول لك" [1-2]. امتحان الله لإبراهيم لا يعني عدم معرفة الله قلب إبراهيم، فإنه عارف بكل أسرارنا الداخلية، لكنه إنما سمح بالتجربة لكي يذكّيه أمام الكل ويعلن إيمانه التقوى الخفي، فيكون مثلا حيًا للآخرين. وكما يقول القديس أغسطينوس: [جُرب إبراهيم بتقديم ابنه الحبيب إسحق ليزكي طاعته الورعة، ويجعلها معلنة لا لله بل للعالم. ليست كل تجربة هي للومنا وإنما يمكن أن تكون لمدحنا]. ويرى العلامة أوريجانوس أن هذه التجربة كشفت أعماق إبراهيم وأفكاره الخفية من جهة إيمانه بالقيامة، إذ يقول: [بالروح عرف الرسول بولس - على ما أظن - عاطفة إبراهيم وأفكاره، معلنًا إياها بقوله: "بالإيمان قدم إبراهيم إسحق وهو مُجرب، قدم الذي قبل المواعيد وحيده، الذي قيل بإسحق يدعى لك نسل، إذ حسب أن الله قادر على الإقامة من الأموات" (عب 11: 17). لقد سلمنا الرسول أفكار هذا الرجل المؤمن، إذ كانت أفكاره هكذا من جهة إسحق، وهذه هي أول مرة يظهر فيها الإيمان بالقيامة، فقد ترجى إبراهيم قيامة إسحق]. هكذا كشفت التجربة عن قلب إبراهيم أب الآباء كإنسان يؤمن بالقيامة من الأموات. إن كان إبراهيم قد دخل ليجرب أقسى تجربة يمكن أن يجتازها إنسان شيخ وهى تقديم الابن الوحيد المحبوب محرقة بيديه، فإن إبراهيم تمتع وسط التجربة برؤية ربنا يسوع المسيح قائمًا من الأموات خلال علامة معينة ملأت قلبه تهليلاً كقول الرب نفسه: "أبوكم إبراهيم تهلل بأن يرى يومي فرأى وفرح" (يو 8: 56). فإن كان بالإيمان انطلق بابنه نحو المذبح، فقد رجع من التجربة يحمل إسحق وكأنه قائم من الأموات، رمزًا للسيد المسيح الذبيح القائم من الأموات. يبدأ الكتاب عرض التجربة بالقول: "وحدث بعد هذه الأمور" ، وكأن الله لم يسمح لإبراهيم بالتجربة إلاَّ بعد أن ظهر له في بلوطات ممرا وأكد له الوعد من جهة إسحق، وبعدما صنع ميثاقًا مع أبيمالك مظهرًا له كيف أعطاه مهابة ورهبة حتى أمام الملوك. بمعنى آخر أعده لها بطرق كثيرة، وكما يقول الرسول: "لكن الله أمين الذي لا يدعكم تجربون فوق ما تستطيعون بل سيجعل مع التجربة أيضًا المنفذ لتستطيعوا أن تحتملوا" (1 كو 10: 13). هيأ قلبه وفكره وأعد كل حياته لقبول التجربة، كما رافقه أثناء التجربة أيضًا بطريقة خفية وكان سندًا له، وفي النهاية تجلى في حياته بطريقة أو أخرى. وهكذا مع كل تجربة يقوم الرب نفسه بمساندتنا قبل لتجربة وأثناءها وبعدها، حتى يحقق غايته فينا إن قبلنا عمله في حياتنا. لماذا طلب الله من إبراهيم أن يقدم ابنه ذبيحة، مع أن الشريعة الموسوية فيما بعد حرمت الذبائح البشرية ؟ بلا شك كان الوثنيون يقدمون أبكارهم ذبائح لآلهتهم، وكانت هذه التقدمات لا تحمل حبًا من جانب مقدميها بقدر ما تكشف عن روح اليأس الذي يملأ قلوبهم، إذ كانوا يودون غفران خطاياهم بأي ثمن، كما كانوا يودون استرضاء آلهتهم المتعطشة إلى الدماء! لهذا فإن الله طالب إبراهيم خليله بهذه التقدمة ليعلن للوثنيين قلب إبراهيم المحب لله، إذ هو مستعد أن يقدم أثمن ما لديه، وفي نفس الوقت إذ قدم الله كبشًا عوض إسحق أعلن عدم قبوله الذبائح البشرية، ليس عن جفاف في محبة المؤمنين لله، وإنما في تقدير الله للإنسان، إذ لا يطلب سفك دمه وهلاكه! الله لا يطيق الذبائح البشرية، إذ هو محب للبشر، يشتهى حياتهم لا هلاكهم، مقدمًا ابنه الوحيد فديه عنهم، هذا الذي وإن صار إنسانًا لكنه وحده لا يقدر الموت أن يملك عليه ولا الفساد أن يقترب منه! يقول القديس أغسطينوس: [لم يكن إبراهيم يؤمن قط بأن الله يقبل الذبائح البشرية ومع ذلك عندما دوى صوت الوصية الإلهية (بتقديم إسحق) أطاع بغير جدال. كان إبراهيم يستحق المديح إذ كان يؤمن تمامًا أنه إذ يقدم ابنه محرقة يقوم ثانية، كقول الرب له عندما كان إبراهيم غير راغب في تحقيق رغبة امرأته بطرد الجارية وابنها "بإسحق يدعى لك نسل" (21: 12)... لذلك إذ كان الأب متمسكًا بالوعد منذ البداية الذي يتحقق خلال هذا الابن الذي أمر الله بذبحه لم يشك قط أن ذاك الذي كان قبلاً لم يترج ولادته يمكن أن يقوم بعد تقديمه محرقه]. بمعنى آخر أدرك إبراهيم الفارق بين تقديم ابنه ذبيحة وبين الذبائح البشرية التي كانت تقدم للأوثان. هو آمن بالله الذي وهبه إسحق بعدما كان رحم سارة مماتًا وحسب ولادته أشبه بقيامة من الأموات فلا يصعب عليه أن يقيمه بعد تقدمته محرقة؛ أما الوثنيون فكانوا يقدمون أبكارهم استرضاءً لآلهتهم المحبة لسفك الدماء، يقدمونهم بلا رجاء! أخيرًا طلب إليه أن يقدمه محرقة على أرض المريا في الموضع الذي يظهره له... ويرى البعض أن الجبل الذي أقام فيه إبراهيم المذبح ليقدم عليه ابنه هو بيدر أرونه اليبوسي (2 صم 24: 24،1 أي 21: 24)، أي في المكان الذي بُني عليه الهيكل حيث كانت الذبائح تقدم بلا انقطاع تنتظر مجيء الذبيحة الفريدة التي لحمل الله ربنا يسوع المسيح. وفي التقليد السامري أن أرض المريا في منطقة جبل جرزيم شمال أورشليم. ويقول الأب قيصريوس أسقف Arles أن جيروم الكاهن يؤكد خلال لقاءاته مع شيوخ اليهود أن السيد صُلب في ذات الموقع الذي فيه قُدم إسحق محرقة . أما كلمة "مريا" فتعني (الرب راء أو معد)، حيث أعد الرب كبش المحرقة؛ وربما تعني (الرب معلم)... فقد علمنا عن الحب العملي خلال ذبيحة ابنه الوحيد! 2. إسحق في الطريق: "فبكَّرَ إبراهيم صباحًا وشّد على حماره وأخذ اثنين من غلمانه ومعه إسحق ابنه وشقق حطبًا لمحرقة وقام وذهب إلى الموضع الذي قال له الله" . إذ سمع إبراهيم الأمر الإلهي مع ما بدا كمتناقض لمواعيده السابقة في طاعة قام لينفذ الأمر. انطلق للعمل "باكرًا" في الصباح دون تراخ من جانبه، وبغير جدال أو شك في مواعيد الله. كان إبراهيم عجيبًا في طاعته كما كان ابنه أيضًا " الشاب " عجيبًا في استسلامه بين يدي أبيه... فقد أسرع إبراهيم للعمل حسب الأمر الإلهي وإسحق معه لا يعارضه في شيء. يعلق القديس يوحنا الذهبي الفم على عدم استشارة إبراهيم لزوجته سارة في هذا الأمر، بقوله: [إبراهيم الذي كانت له زوجة عجيبة عندما أراد تقديم ابنه أخفي ذلك عنها، مع أنه لم يكن يعلم ماذا حدث، لكنه قد صمم أن يقدم ابنه... إن كان لنا شخص عزيز لدينا كعضو في العائلة ليتنا لا نظهر له أعمال محبتنا ما لم تحتم الضرورة]. أما عن دور إسحق الإيجابي بطاعته لأبيه في الرب فيعلق عليه القديس أمبروسيوس، قائلاً: [خاف إسحق الرب إذ كان بالحق ابن إبراهيم، فخضع لأبيه حتى لم يرد أن يرفض الموت حتى لا يخالف إرادة أبيه، يوسف أيضًا مع أنه حلم بأن الشمس والقمر والكواكب تسجد له مع ذلك خضع لإرادة أبيه في طاعة كاملة (تك 37: 12)]. هكذا إذ كان إبراهيم مطيعًا للرب بحب فائق بلا جدال وهبه إسحق مطيعًا له بحب حقيقي بلا جدال، وكأن الله كافأ إبراهيم في ابنه قبل أن يمتعه بالمكافأة الأبدية. والعجيب في إبراهيم إنه شقق الحطب في الصباح الباكر قبل أن يخرج، حتى لا يوجد عائق يمنعه عن تحقيق أمر الرب له. هذا الحطب إن كان يشير إلى الصليب الذي يعلق عليه إسحق الحقيقي، فإذ شققه إبراهيم بيديه قبل خروجه إنما يرمز لإعلانات الآب عن الصليب خلال الرموز والنبوات في العهد القديم قبل أن يحمله السيد المسيح، ويرتفع هو عليه كمحرقة! لقد كشف الله عن سر الصليب بطرق متنوعة وإن كانت عيون الكثيرين قد انطمست عن معاينته. "وفي اليوم الثالث رفع إبراهيم عينيه وأبصر الموضع من بعيد" . سار إبراهيم لا يومًا ولا يومين بل ثلاثة أيام حتى رأى الموضع من بعيد، وكما يقول العلامة أوريجانوس: [أن اليوم الثالث إنما يشير إلى قيامة السيد المسيح، وكأن إبراهيم قد دخل مع الرب في القبر وعاش معه آلامه حتى انبثق نور قيامته في فجر الأحد (اليوم الثالث) فرفع عينيه وأبصر الموضع من بعيد. كانت عيناه قبلاً منخفضتين نسبيًا ومتذللتين، ربما حاربه العدو بسارة التي تركها الآن في الخيمة ولم يخبرها عن خروجه مع ابنه ليذبحه، ربما حاربه بابنه... لكن على أي الأحوال لم يتوقف إبراهيم عن السير في الطريق ثلاثة أيام، وكأنه ببني إسرائيل الذين طلب إليهم الرب أن يقدموا ذبيحة على مسيرة ثلاثة أيام (خر 5: 3)، إذ لا تقبل ذبيحة خارج دائرة قيامة ربنا يسوع المسيح. هكذا في اليوم الثالث رأى إبراهيم علامة القيامة بطريقة أو بأخرى فرفع عينيه وأبصر الموضع من بعيد. ما هو هذا الموضع إلا السيد المسيح نفسه الذي فيه يرى إسحق ابنه قائمًا من الموت معه وبه أيضًا! سبق لنا الحديث عن سرّ الأيام الثلاثة[319] التي خلالها ننعم لا بذبيحة إسحق بل ذبيحة السيد المسيح القائم من الأموات. ويرى القديس أكليمنضس الإسكندري أن هذه الأيام الثلاثة التي يليق بنا أن نجتازها لنعاين الموضع من بعيد إنما هي: التطلع إلى الأمور الصالحة، شهوات النفس الحسنة، أدرك النفس للأمور الروحية. وكأن النفس لا تقدر أن تعاين سر ذبيحة الصليب ما لم تتطلع إلى الصالحات وتشتهيها في أعماقها وتدركها، أما الذي يفتح العينين لمعاينة هذا السر فهو السيد المسيح نفسه، إذ يقول: [تنفتح عينا الفهم بواسطة المعلم الذي قام من الأموات]. هكذا وسط التجربة وبين ضغطات الألم، وعند كثرة الهموم، امتلأت نفس إبراهيم تعزية انفتاح بصيرته الداخلية في اليوم الثالث لمعاينة سرّ المصلوب القائم من الأموات، فتهلل في داخله إذ رأى يوم الرب (يو 8: 56). تحول أتون التجربة إلى ندى سماوي بظهور السيد المسيح المصلوب القائم من الأموات أمام بصيرة إبراهيم أب الآباء. "فقال إبراهيم لغلاميه: اجلسا أنتما مع الحمار، وأما أنا والغلام فنذهب إلى هناك ونسجد ثم نرجع إليكما" . يقول الأب قيصريوس: [الخادمان اللذان أمرهما إبراهيم بالبقاء مع الأتان يشيران إلى الشعب اليهودي الذي لم يسطع أن يصعد ويبلغ إلى موضع الذبيحة، إذ لم يريدوا الإيمان بالمسيح. الآتان تشير إلى المجمع اليهودي، والكبش الموثق في الغابة بقرينه يبدو أنه يرمز إلى الرب، لأن المسيح أوثق بين الأشواك بقرون إذ علق على خشبة الصليب وسُمر بالصليب]. لقد شاهد الغلامان إسحق ورأيا الخشب يشققه إبراهيم لكنهما لم يستطيعا الانطلاق إلى حيث قُدم إسحق ذبيحة، وكأنهما بالشعب اليهودي الذي رأى السيد حسب الجسد ونظر الصليب لكنه لم يقدر إدراك قوة الصليب. وكما يقول الرسول بولس: "نحن نكرز بالمسيح مصلوبًا لليهود عثرة ولليونانيين جهالة... لأن جهالة الله أحكم من الناس، وضعف الله أقوى من الناس" (1 كو 1: 23، 25). لقد جلس الغلامان مع الحمار ولم ينطلقا مع إبراهيم وإسحق لينظرا سرّ الله، وهكذا كل إنسان يرتبط بالفكر الترابي ويحيا لحساب بطنه وشهوات جسده يكون كمن يجلس مع الحمار، لا يقدر أن ينطلق لمعرفة أسرار الله الروحية التي ترفعه إلى السمويات. "فأخذ إبراهيم حطب المحرقة ووضعه على إسحق ابنه وأخذ بيده النار والسكين وذهب كلاهما معًا" . كان إسحق شابًا، يرى البعض أن عمره حوالي 25 عامًا، لذا وضع إبراهيم الحطب عليه وذهب كلاهما معًا إلى الموضع الذي أظهره له الرب. وكما يقول الأب قيصريوس: [عندما حمل إسحق الخشب للمحرقة كان يرمز للمسيح ربنا الذي حمل خشبه الصليب إلى موضع آلامه. هذا السر سبق فأعلنه الأنبياء، كالقول: "وتكون الرئاسة على كتفيه" (إش 9: 5، 6). فقد كانت رئاسة المسيح على كتفيه بحمله الصليب في اتضاع عجيب. إنه ليس بأمر غير لائق أن يعني بالرئاسة صليب المسيح، إذ به غلب الشيطان، ودعى العالم كله لمعرفة المسيح والتمتع بنعمته]. ويقول القديس أغسطينوس: [حمل إسحق الخشب الذي يقدم عليه محرقة إلى موضع الذبيحة كما حمل المسيح صليبه]. أما القول: "فذهب كلاهما معًا" فتشير إلى أن هذه الذبيحة هي ذبيحة إبراهيم كما هي ذبيحة إسحق. قدم إبراهيم ابنه الوحيد خلال الحب الفائق، وقدم الابن ذاته خلال الطاعة الكاملة، فحسبت الذبيحة لحساب الاثنين معًا. هكذا مع الفارق نقول أن ذبيحة السيد المسيح هي ذبيحة الآب الذي قدم ابنه فديه عنا. وهى ذبيحة الابن الذي أطاع حتى الموت موت الصليب... هذه ذبيحة الحب التي قدمها الآب في ابنه الوحيد الجنس، هذا ما أكده السيد المسيح نفسه بقوله: "لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية" (يو 3: 16)، وأيضًا يقول الرسول بولس: "الذي لم يشفق على ابنه بل بذله لأجلنا أجمعين كيف لا يهبنا أيضًا معه كل شيء؟!" (رو 8: 32). وكما أن السيد المسيح في صلبه قدم ذبيحة الآب في ابنه، فإنه قدم أيضًا نفسه، إذ قيل: "الذي أحبني وأسلم نفسه لأجلي" (غل 2: 20)، "كما أحبنا المسيح أيضًا وأسلم نفسه لأجلنا قربانًا وذبيحة لله رائحة طيبة" (أف 5: 2)، "كما أحب المسيح أيضًا الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها" (أف 5: 25). إن كان القول: "وذهب كلاهما معًا " يشير إلى انطلاق الآب والابن إلى الصليب ليقدما ذبيحة الصليب، يقدمها الآب بإرادته المحبة للبشر، ويقدمها الابن المحب بطاعته العملية، فإن العبارة أيضا تشير إلى انطلاق الله والكنيسة معًا نحو الصليب، فالله يعلن حبه للإنسان بتقديم ابنه فديه عن البشرية، والكنيسة تعلن حبها للآب خلال رأسها المبذول، فيشتم الآب في ذبيحة الصليب رائحة سرور ورضا هذه ذبيحة الكنيسة التي تبذل حياتها أيضًا خلال اتحادها بالمسيح يسوع الباذل حياته! إذ سار إسحق مع إبراهيم نحو المذبح، بدأ الابن يسأل أباه: "يا أبي... هوذا النار والحطب، ولكن أين الخروف للمحرقة؟!". وكما يقول العلامة أوريجانوس: [في هذه اللحظة تتجسم في كلمة الابن (يا أبي) أقسى مواقف التجربة. تصوروا إلى أي درجة يستطيع صوت الابن الذي سيذبح أن يثير أحشاء أبيه؟! لكن إيمان إبراهيم الثابت لم يمنعه من الإجابة بكلمة رقيقة: "هأنذا يا ابني"!!. في الإيمان بالقادر أن يقيم من الأموات قال إبراهيم: " الله يرى له الخروف يا ابني" . وقد رأى الآب الحمل الحقيقي، يسوع المسيح، الذي قدمه ليس فديه عن إسحق وحده بل عن العالم كله. في قوله: "الله يرى" يوضح إبراهيم ثقته الكاملة في خطه الله الخلاصية التي ليست من صنع إنسان لكنها بتدبير إلهي، الله وحده يراها، بطريقته الخاصة الفائقة. 3. إقامة المذبح وتقديم الذبيحة: كل شيء قد أعد فقد بلغ إبراهيم الموضع الذي رسمه الله، والمذبح قد بنى، والحطب الذي حمله إسحق قد رتب، وربط إسحق بيدي أبيه ووضع على المذبح فوق الحطب، ومدّ إبراهيم يده وأخذ السكين ليذبحه... كانت الأمور تسير في جو من الهدوء الداخلي، إبراهيم يؤمن بالله الذي لن يتخلى عن مواعيده، وإسحق في طاعته يمتثل للذبح ولم يبق إلاَّ لحظات ليُذبح الابن ويُقدم محرقة. لقد حُسب إبراهيم أنه قدم ابنه إذ كان مسرعًا في العمل بلا خوف، وقبلت تقدمته حتى وإن لم تتحقق بطريقة حرفية، وكما يقول القديس أمبروسيوس: [بحق قدم الأب ابنه، فإن الله لا يطلب الدم بل الطاعة اللائقة]. وحُسب إسحق ابنًا للطاعة إذ قبل الصليب بإيمان، وكما يقول القديس جيروم: [إسحق في استعداده للموت حمل صليب الإنجيل قبل مجيء الإنجيل]. وفي اللحظة الحاسمة وسط الهدوء الشديد إذ بملاك الرب ينادى إبراهيم: "إبراهيم إبراهيم"... "لا تمد يدك إلى الغلام ولا تفعل به شيئًا، لأني الآن علمت أنك خائف الله فلم تمسك ابنك وحيدك عني" [11-12]. قول الرب "الآن علمت"، كما يقول القديس أغسطينوس: [لا تعني أن الله لم يكن له سابق علم بما في قلب إبراهيم، إنما أراد أن يعلن لإبراهيم نفسه أعماقه الداخلية]، فصار إبراهيم مكشوفًا لنفسه كمحب لله، ومكشوفًا للأجيال كلها أن سرّ عظمة إبراهيم عدم تعلقه بالحياة الزمنية. رأى إبراهيم كبشًا موثقًا بقرنيه في الغابة، واصعده محرقة عوضًا عن ابنه، وكأنه رمز للسيد المسيح الذي علق على خشبة الصليب وسُمر بذراعيه المفتوحين لأجل خلاص العالم. دعي إبراهيم الموضع " يهوه يرأه " أي (الله يُرى)، هكذا ترأى الله لإبراهيم في موضع الذبيحة، إذ فيه تمت المصالحة بين الله والإنسان، وصار لنا حق رؤيته كأبناء لنا موضع في حضن الآب خلال الذبيحة يرفعنا الروح القدس وينطلق بنا إلى الأحضان الإلهية لننعم برؤية إلهية، لا على مستوى البصيرة الزمنية، إنما رؤية الاتحاد مع الله والتمتع بشركة أمجاده أبديًا. من هنا صار المذبح في كنيسة العهد الجديد يمثل السماء عينها... موضع لقاء الله مع الإنسان في الابن الذبيح. 4. تجديد الوعد الإلهي: خلال الذبيحة تمتع إبراهيم برؤية الرب كما تمتع بتحديد الوعد بطريقة فاقت المرات السابقة: أولاً: يرى العلامة أوريجانوس أن الوعود السابقة كانت بالأكثر تميل إلى تأكيد أبوة إبراهيم لأهل الختان وإن كانت لم تتجاهل أبوته الروحية لجميع المؤمنين من كل الأمم والشعوب، أما الوعد هنا فأبرز بالأكثر أبوته الروحية. إذ يقول: ["إذ كان يليق به أن يكون أبًا للذين هم من الإيمان" (غل 3: 9) ويدخل الميراث خلال آلام المسيح وقيامته... كان الوعد الأول يخص الشعب الأول حيث كان (الصوت الإلهي) في الأرض، إذ يقول الكتاب: "ثم أخرجه إلى خارج - خارج الخيمة - وقال له أنظر إلى السماء وعّد النجوم إن استطعت أن تعدها، وقال له هكذا يكون نسلك" (تك 15: 1). أما في تجديد العهد فيُظهر الكتاب أن الصوت جاء من السماء (22: 11). الأول جاء من الأرض والثاني من السماء. ألا يبدو في هذا وجود رمز لحديث الرسول: "الإنسان الأول من الأرض ترابي، والإنسان الثاني الرب من السماء" (1 كو 15: 47)؟ الوعد الخاص بشعب الإيمان يأتي من السماء أما الخاص بالشعب الآخر (اليهودي) فمن الأرض]. ثانيًا: إن كان الوعد الإلهي يشير بالأكثر لميراث الأرض فجاء الصوت من الأرض، والثاني يمس رجال العهد الجديد لميراث أبدى فجاء الصوت من السماء... فإن الأخير جاء مثبتًا بقسم إلهي، الأمر الذي أثار مشاعر الرسول بولس في رسالته إلى العبرانيين (عب 6: 17). ثالثًا: إن كان الله يجدد العهد معنا إنما لكي يعلن التزامنا نحن أيضًا بتحديد العهد معه كقول العلامة أوريجانوس: [فالمؤمن إذ يدخل مع الله في ميثاق داخل مياه المعمودية، فيه يجحد إبليس وكل أعماله ويعلن قبوله لله وأعماله الخلاصية وعضويته الحقة للكنيسة وانتظاره الحياة الأبدية، يجدد هذا العهد يوميًا بالتوبة المستمرة، قائلاً في صلاة باكر: "لنبدأ بدءًا حسنًا "، حاسبًا كل صباح بداية جديدة لحياة أعمق مع الله مخلصه. إذ جدد الله وعوده لإبراهيم رجع إلى غلاميه وذهب معهما إلى بئر سبع ليسكن هناك إن كانت بئر سبع كما رأينا تشير إلى مياه المعمودية وعمل الروح القدس خلالها وفيها، فإذ قدم إبراهيم الذبيحة وتمتع بالوعود الإلهية انطلق إلى غلاميه كما إلى جسده الخاضع له بطاقاته ومواهبه ليستقر كل أيامه عند مياه المعمودية، متذكرًا عمل البنوة الإلهية، ومتجاوبًا مع عمل الروح القدس. كأن المعمودية ليست طقسًا يمارس في بداية الطريق لينتهي وإنما هي حياة يعيشها المؤمن كل أيام تغربه، يدخل إلى المياه ليلتقي مع السيد المسيح المدفون القائم من الأموات فيحيا كل أيامه بالروح القدس ينعم بهذه الحياة، وكأنه يسكن في بئر سبع مع إبراهيم، أي في مياه المعمودية. حين نُسبى بالخطية نجلس كما على أنهار بابل لنبكى متذكرين صهيون، تعجز ألسنتنا عن النطق بكلمات التسبيح والترنم بترنيمات صهيون (مز 137)، أما وقد قبلنا الإيمان بذبيحة إسحق الحقيقي وتمتعنا بالوعد الإلهي الجديد فنسكن في بئر سبع عند مياه المعمودية مع غلماننا نسبح الرب بالقلب كما باللسان. لعل انطلاق الغلامين إلى بئر سبع مع إبراهيم وإسحق في نهاية المطاف يشير إلى عودة اليهود إلى الإيمان بالسيد المسيح الذي لم يستطيعوا قبلاً معاينة سرّ ذبيحته... فينطلقوا في آخر العصور إلى مياه المعمودية ويقبلوا من قد جحدوه. 5. أولاد ناحور: ذكر الكتاب أولاد ناحور أخ إبراهيم من زوجته ملكة ليكشف عن قرابة رفقة لزوجها إسحق، والدها ابن أخ إبراهيم، أي هي ابنة ابن عمه، فإن كان الكتاب يهتم برجال الإيمان ونسبهم فهو يهتم بالمؤمنات ونسبهن ودورهن في تاريخ الخلاص.
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين الإصحاح الثاني والعشرون لو لم توجد في حياة إبراهيم وأسحق سوي هذه الحادثة التي فيها يقدم إبراهيم ابنه ذبيحة، وإبنه إسحق لا يعترض ولا يقاوم، لكان كلاهما أعظم قديسين عبر العصور. وهذه القصة تشير لعظمة إيمان إبراهيم الذي يري أن الله هو كل كفايته حتي لو حرم من كل مصادر التعزية فإبنه إسمعيل مطرود وإبنه اسحق سيقدمه ذبيحة بيديه وبقدر ما قست التجربة جداً تمجد إبراهيم وإسحق إبنه، فصار يمثلان صورة حية لعمل الله الخلاصي خلال ذبيحة الصليب وإعلان قيامة المسيح. والكنيسة تصلي في يوم خميس العهد قسمة ذبح إسحق وهي تذكر تقديم المسيح نفسه كذبيحة. أية (1):- "1وَحَدَثَ بَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ أَنَّ اللهَ امْتَحَنَ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ لَهُ: «يَا إِبْرَاهِيمُ!». فَقَالَ: «هأَنَذَا»." وحدث بعد هذه الأمور : كأن الله لم يسمح بالتجربة الرهيبة إلا بعد أن أعطي له الوعد من جهة اسحق وقد تحقق الوعد وبعد أن اعطي له مهابة ورهبة أمام الملوك. فالله قوَي إيمانه قبل أن يمتحنه فالله لا يجرب إنسان فوق ما يستطيع 1كو 13:10. ومن المؤكد أن الله رافقه وشدده خلالها "يجعل مع التجربة المنفذ" ويكون هذا بطريقة خفية الله إمتحن إبراهيم : والكلمة العبرية لإمتحن تعني يختبر أو يثبت. والمعني أن الله وضع له هذه التجربة ليظهر عظمته أمام الأجيال، عظمة إيمانه الذي لا يهتز. وأراد الله في نفس الوقت أن يظهر لإبراهيم طريقة الخلاص، فرجل مثل إبراهيم حصل علي كل ما يتمناه، الأبناء والأرض والمهابة. من المؤكد أنه كان يفكر في طريقة الخلاص بعد الموت وهنا طلب منه الله هذا الطلب وكان إبراهيم في هذه القصة الرمزية رمزاً للآب الذي سيقدم أبنه ولقد اختبر إبراهيم بنفسه مرارة الألم إعلاناً عن مشاعر الآب الذي قدم إبنه فداء عن بني آدم الذين أحبهم. وخلال التجربة تمتع إبراهيم برؤية واضحة لطريقة الخلاص وفهم مسبقاً كيف أن المسيح سيقوم من الأموات مانحاً الحياة لإبراهيم ولأولاده ففرح إبراهيم "أبوكم إبراهيم تهلل بأن يري يومي فرأي وفرح يو 56:8" فهو بالإيمان والمرارة أنطلق بابنه نحو المذبح ورجع من التجربة فرحاً باسحق القائم من الأموات رمزاً للمسيح. لقد شرح الله طريقة الخلاص ولكن استخدم الله إبراهيم وأسحق الجبابرة الذين يصلحون لهذه المهمة. ولنلاحظ أنه كلما زادت التجربة زاد حجم العطية ولكن الله يعرف من يتحمل ويمتحنه. إذاً معني أن الله يمتحن إبراهيم لا تعني أن الله ينتظر ماذا سيكون موقف إبراهيم من التجربة فهو بالقطع يعرف، ليس هذا فقط، بل الله أظهر نتيجة الامتحان مسبقاً في 6:15 "فأمن إبراهيم بالرب فحسبه له براً". إنما الإمتحان هنا هو لمزيد من الإعلانات ولإظهار بر إبراهيم للعالم. ولقد شرح بولس الرسول ماذا كان إيمان إبراهيم في هذه الحالة عب 17:11-19. إذ قد صدَق وآمن بوعد الله أنه بإسحق سيدعي له نسل فأمن أنه ولو قدمه ذبيحة فسيقيمه الله ثانية فلا نحزن إذا إمتحننا الله بتجربة صعبة فالله لا يمتحن سوي الأقوياء ليعطيهم مزيداً من الإعلانات. ولذلك كان هذا الاعلان او هذا الامتحان لابراهيم القوي وليس للوط الأضعف. وهذا ما قد حدث فلقد مر إبراهيم بتجربة صعبة والنتيجة أنه رأى الله، لقد تحول الإيمان إلى عيان ( أية 14). أية (2):- " 2فَقَالَ: «خُذِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، الَّذِي تُحِبُّهُ، إِسْحَاقَ، وَاذْهَبْ إِلَى أَرْضِ الْمُرِيَّا، وَأَصْعِدْهُ هُنَاكَ مُحْرَقَةً عَلَى أَحَدِ الْجِبَالِ الَّذِي أَقُولُ لَكَ»." الله لا يطيق الذبائح البشرية وقد حرم الناموس والشريعة ذلك تماماً. وكان الوثنيون يقدمون أبكارهم ذبائح لألهتهم فهم كانوا كيائسين يودون إسترضاء الهتهم المتعطشة للدماء. أما الله هنا المحب للبشر فهو أراد أن يعلن أنه لا يريد موت إنسان بل هو الذي سيبذل نفسه عن البشر ليعطيهم حياة. إينك وحيدك الذي تحبه : هذه الكلمات مصممة لتنطبق علي المسيح الإبن الوحيد الجنس المحبوب. أف 6:1 أرض المريا : يري البعض أنه المكان الذي بني فيه الهيكل حيث كانت تقدم الذبائح ويري البعض أنه الموقع الذي صلب فيه المسيح (2 أي 1:3) المهم أن المكانين متجاورين. وكلمة مريا تعني (الرب راء أو معد) حيث أعد الرب كبش المحرقة. وقد قال إبراهيم الرب يري له الخروف للمحرقة (أية 8). فغالباً المكان سمي بحسب الحادثة. وغالباً فجبل المريا يعني كل جبال أورشليم وهي تبعد عن بئر سبع حيث كان إبراهيم يسكن 42 ميلاً (3 أيام سفر). والان فهمنا لماذا كلم الله ابراهيم في هذا المكان لكي يقدم ابنه ذبيحة .فمن هذا الوقت وحتي عودة اسحق حيا ، واسحق في حكم الميت . كما ان المسيح قضي في القبر 3 ايام ثم قام حيا . أية (3):- "3فَبَكَّرَ إِبْرَاهِيمُ صَبَاحًا وَشَدَّ عَلَى حِمَارِهِ، وَأَخَذَ اثْنَيْنِ مِنْ غِلْمَانِهِ مَعَهُ، وَإِسْحَاقَ ابْنَهُ، وَشَقَّقَ حَطَبًا لِمُحْرَقَةٍ، وَقَامَ وَذَهَبَ إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي قَالَ لَهُ اللهُ." فبكر : دون تراخ وقبل أن تستيقظ سارة وتعرف فتمنعه. وبغير جدال أوشك في مواعيد الله. كان إبراهيم عجيباً في طاعته وإسحق عجيباً في إستسلامه. وهذا يعني الحب. وشقق حطباً: ليذهب للمكان مستعداً فلا يوجد ما يعوقه عن تحقيق أمر الرب وحتي لا يضعف حين يصل إلي المكان. والحطب هو الخشب الذي يشير لخشبة صليب المسيح. الله كان يكشف سر الصليب بطرق متنوعة غير أن الكثيرين عيونهم قد إنطمست. ولنري مميزات إيمان إبراهيم. 1. الله سيقيم من الأموات 2. بلا تردد ولا أسئلة كيف ولماذا. 3. بسرعة وباكراً ولا يستشير لحماً ولا دماً 4. إيمان عملي ينفذ وليس كلاماً فقط. لذلك هو إختبر الله ورآه ورأي يومه ورجع من هذه التجربة فرحاً. لا تجربة بلا فرح أية (4):- "4وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ رَفَعَ إِبْرَاهِيمُ عَيْنَيْهِ وَأَبْصَرَ الْمَوْضِعَ مِنْ بَعِيدٍ، " وفي اليوم الثالث : اليوم الثالث يشير للقيامة وكأن إسحق ظل مع المسيح في القبر هذه الثلاثة أيام وفي اليوم الثالث رجع حياً. ولقد تكررت قصة الأيام الثلاثة في الكتاب المقدس لتشرح نفس الفكرة وهناك بعض الأمثلة. 1. طلب من بني إسرائيل أن يقدموا ذبيحة علي مسيرة 3 أيام فالذبيحة لا تقبل خارج دائرة القيامة. 2. بعد مسيرة 3 أيام وجدوا ماء 3. مسيرة التابوت 3 أيام راجع خر 3:5 + 22:15 + عد 33:10 + خر 11:19 + يش 14:1 + 2 مل 5:20 والكتاب لم يخبرنا لماذا سكن إبراهيم في جرار بجانب إبيمالك ولعلنا الأن علمنا السبب!! ليكون إبراهيم وإسحق علي مسافة 3 أيام من جبل المريا في أورشليم ويكمل الرمز. كم كانت التجربة مؤلمة ومرة علي نفس إبراهيم وإسحق ولكن وسط التجربة وبين ضغطات الألم وعند كثرة الهموم إمتلات نفس إبراهيم تعزية وإنفتحت بصيرته الداخلية فعاين سر المصلوب القائم من بين الأموات فتهلل إذ رأي يوم الرب (يو 56:8). وبالنسبة لنا فمن المؤكد أنه لو صبرنا علي أي تجربة ستكون النتيجة خيراً وبقدر ما زاد ألم التجربة زادت إعلانات الله وتعزيته وزاد المجد المنتظر رؤ 18،17:8 + يع 2:1. ولاحظ أن الله لم يجرب لوط بمثل هذه التجربة فلوط الذي وضع نفسه في هذا المكان السيئ هو غير مستعد للإعلانات الإلهية. أية (5):- " 5فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ لِغُلاَمَيْهِ: «اجْلِسَا أَنْتُمَا ههُنَا مَعَ الْحِمَارِ، وَأَمَّا أَنَا وَالْغُلاَمُ فَنَذْهَبُ إِلَى هُنَاكَ وَنَسْجُدُ، ثُمَّ نَرْجعُ إِلَيْكُمَا». " لقد منع إبراهيم غلاميه أن يصحباه لأنهما كانا من المؤكد أنهما سيعوقانه ويمنعانه من ذبح إبنه. فهل نترك تحت التل ما يعوقنا عن العبادة من أفكار وأهتمامات. أما الخادمان اللذان تركهما إبراهيم تحت التل مع الحمار فيشيران للشعب اليهودي الذي لم يستطيع ان يصعد ويبلغ إلي موضع الذبيحة إذ لم يريدوا أن يؤمنوا. وهم رأوا المسيح والصليب ولم يدركوا سره ولا قوة القيامة ولم يفرحوا كما فرح إبراهيم. من إرتبط بالفكر الترابي لا يدرك السماويات وأما أنا والغلام فنذهب… ثم نرجع : هذا يوضح إيمان إبراهيم برجوع إبنه حياً. أية (6):- " 6فَأَخَذَ إِبْرَاهِيمُ حَطَبَ الْمُحْرَقَةِ وَوَضَعَهُ عَلَى إِسْحَاقَ ابْنِهِ، وَأَخَذَ بِيَدِهِ النَّارَ وَالسِّكِّينَ. فَذَهَبَا كِلاَهُمَا مَعًا. " إسحق كان شاباً ويقدر البعض عمره بـ 25 سنة لذلك وضع إبراهيم عليه الحطب رمزاً لحمل المسيح لخشبة صليبه. (وتكون الرئاسة علي كتفيه إش 6،5:9 ) فذهبا كلاهما معاً : قدم إبراهيم إبنه الوحيد خلال الحب الفائق وقدم إسحق نفسه في طاعة كاملة فحسبت الذبيحة لحساب الإثنين معاً. وهكذا فذبيحة المسيح هي ذبيحة الآب الذي قدم إبنه فدية عنا وهي ذبيحة الإبن الذي أطاع حتي الموت موت الصليب (يو 16:3 + رو 32:8 + في 8:2) فقوله ذهبا كلاهما معاً يشير إلي انطلاق الآب والإبن إلي الصليب ليقدما ذبيحة الصليب. أية (7):- " 7وَكَلَّمَ إِسْحَاقُ إِبْرَاهِيمَ أَبِاهُ وَقَالَ: «يَا أَبِي!». فَقَالَ: «هأَنَذَا يَا ابْنِي». فَقَالَ: «هُوَذَا النَّارُ وَالْحَطَبُ، وَلكِنْ أَيْنَ الْخَرُوفُ لِلْمُحْرَقَةِ؟» " لقد كان سؤال إسحق لإبراهيم إبيه ربما أقسي موقف في التجربة. ولكن هذا السؤال سؤال تعليمى لنا جميعاً. فهوذا النار = الروح القدس الذى يساعد والله الذى يقبل... وهوذا الحطب : الوصايا التي نصلب عليها شهواتنا وأهوائنا. ولكن أين الخروف للمحرقة : فهل نقبل أن نكون ذبائح حية (رو 1:12) ونقدم ذواتنا محرقة. أية (8):- " 8فَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: «اللهُ يَرَى لَهُ الْخَرُوفَ لِلْمُحْرَقَةِ يَا ابْنِي». فَذَهَبَا كِلاَهُمَا مَعًا." الله يري له الخروف : جاءت في الإنجليزية في النسخ القديمة Old KJ(God will provide himself a lamb for a burnt offering. وأضيفت كلمة For قبل Himself في النسخ الجديدة New KJ والمعني أن الله سيدبر نفسه الخروف للمحرقة. قال إبراهيم هذا الرد بروح النبوة الذي به رأي خطة الله للخلاص وأنها ليست من صنع إنسان لكنها بتدبير إلهي هو وحده يراه. أية (9):- " 9فَلَمَّا أَتَيَا إِلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي قَالَ لَهُ اللهُ، بَنَى هُنَاكَ إِبْرَاهِيمُ الْمَذْبَحَ وَرَتَّبَ الْحَطَبَ وَرَبَطَ إِسْحَاقَ ابْنَهُ وَوَضَعَهُ عَلَى الْمَذْبَحِ فَوْقَ الْحَطَبِ. " هذه صورة المسيح المربوط والمثبت علي الصليب ولكن بمسامير. أية (10):- "10ثُمَّ مَدَّ إِبْرَاهِيمُ يَدَهُ وَأَخَذَ السِّكِّينَ لِيَذْبَحَ ابْنَهُ. أية (11):- " 11فَنَادَاهُ مَلاَكُ الرَّبِّ مِنَ السَّمَاءِ وَقَالَ: «إِبْرَاهِيمُ! إِبْرَاهِيمُ!». فَقَالَ: «هأَنَذَا» " ملاك الرب : يهوه صانع الخلاص. أية (12):- "12فَقَالَ: «لاَ تَمُدَّ يَدَكَ إِلَى الْغُلاَمِ وَلاَ تَفْعَلْ بِهِ شَيْئًا، لأَنِّي الآنَ عَلِمْتُ أَنَّكَ خَائِفٌ اللهَ، فَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ عَنِّي». " لا تمد يدك إلي الغلام : هذا تدبير الخلاص وهو نفس ما قاله المسيح لمن أتوا للقبض عليه "فدعوا هؤلاء يذهبون يو 8:18" فيسوع حين قال أنا هو يعني أنا يهوة. لأني الأن علمت : هل كان الله لا يعلم قبل ذلك؟ بالقطع كان يعلم فهو لا يخفي عليه شئ. لكن الأن صار إيمان إبراهيم العجيب مكشوفاً أمام العالم كله وأمام نفسه. ونلاحظ أن بولس حين ناقش الآية "فآمن إبراهيم بالله فحسب له براً" ركز علي إيمان إبراهيم وحين ناقشها يعقوب فقد ركز علي أعمال إبراهيم (رؤ 1:4-5 + يع 20:2-23) وليس هناك أي خلاف فبولس كان يكشف الجانب الخفي في قلب إبراهيم ويعقوب كان يتكلم عن الأعمال التي تظهر أمام العالم. فتبرر إبراهيم بإيمانه أمام الله وتبرر بأعماله أمام الناس. فأعمال إبراهيم أظهرت أن إيمانه المخفي إيمان حي وليس إيمان ميت. وهذا الإيمان الذي لم يكن يراه سوي الله ظهر الأن أمام الناس بل حتي أمام إبراهيم نفسه. أية (13):- "13فَرَفَعَ إِبْرَاهِيمُ عَيْنَيْهِ وَنَظَرَ وَإِذَا كَبْشٌ وَرَاءَهُ مُمْسَكًا فِي الْغَابَةِ بِقَرْنَيْهِ، فَذَهَبَ إِبْرَاهِيمُ وَأَخَذَ الْكَبْشَ وَأَصْعَدَهُ مُحْرَقَةً عِوَضًا عَنِ ابْنِهِ. " ممسكاً في الغابة بقرنيه : قرون الكبش هي علامة قوته وهنا هو موثق من قرنيه إشارة للمسيح الذي أخلي ذاته بإرادته وسلطانه (يو 18،17:10). المسيح أوثق قوته أو تنازل عنها حتي يصلب. والغابة شجرة. والمعني أن المسيح كان موثقاً علي الصليب. وسر ذبيحة المسيح نراها في إسحق والكبش معاً. الكبش يمثل المسيح في موته فعلاً وإسحق يمثل المسيح في حمله للصليب ثم في قيامته. ولنلاحظ أيضاً ان الكبش فدي إسحق (إبن الحرة) والمسيح فدي كنيسته الحرة التي حررها. أية (14):- "14فَدَعَا إِبْرَاهِيمُ اسْمَ ذلِكَ الْمَوْضِعِ «يَهْوَهْ يِرْأَهْ». حَتَّى إِنَّهُ يُقَالُ الْيَوْمَ: «فِي جَبَلِ الرَّبِّ يُرَى»." يهوة يرأه : أي الله يُري. فمن ثمار التجربة المؤلمة أن إبراهيم إختبر الرب ورآه. هكذا تراءي الله لإبراهيم في موضع الذبيحة إذ فيه تمت المصالحة بين الله والإنسان. فصار لنا حق رؤيته كأبناء. وهو يري حلاً لكل مشاكلنا ولذلك نتكل عليه وصار هذا مثلاً " في جبل الرب يُري : أي أن الله في علوه وسموه في سماه المشار لها بالجبل، هو يري تعب البشر وأمورهم الصعبة وينقذهم وكان هذا نبوة عن التجسد (أش 5:53 ) مقارنة بين إسحق والمسيح إسحق المسيح ولادة إعجازية من مستودع سارة الميت إبن محبوب وحيد لوالديه. حمل الخشب وسار ثلاثة أيام. طاعة إسحق العجيبة. أخذ إبراهيم معه غلامين وحمار لأورشليم (المريا) عاد إسحق حياً ولادة إعجازية من العذراء بدون زرع بشر. الإبن الوحيد الجنس المحبوب من الآب المحب. حمل الصليب ودفن ثلاثة أيام. طاعة المسيح حتي الموت موت الصليب دخل المسيح أورشليم علي حمار أتي به التلاميذ قام المسيح من الأموات يهوه يرأة:غالبا هنا اظهرالله لابراهيم كيفية الخلاص وتطابق ما فعله بفداء المسيح ففرح . وهذا مااشار له المسيح بقوله ابوكم ابراهيم رأي يومي وفرح ( 8 : 56 ) الأيات (15-18):- "15وَنَادَى مَلاَكُ الرَّبِّ إِبْرَاهِيمَ ثَانِيَةً مِنَ السَّمَاءِ 16وَقَالَ: «بِذَاتِي أَقْسَمْتُ يَقُولُ الرَّبُّ، أَنِّي مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ فَعَلْتَ هذَا الأَمْرَ، وَلَمْ تُمْسِكِ ابْنَكَ وَحِيدَكَ، 17أُبَارِكُكَ مُبَارَكَةً، وَأُكَثِّرُ نَسْلَكَ تَكْثِيرًا كَنُجُومِ السَّمَاءِ وَكَالرَّمْلِ الَّذِي عَلَى شَاطِئِ الْبَحْرِ، وَيَرِثُ نَسْلُكَ بَابَ أَعْدَائِهِ، 18وَيَتَبَارَكُ فِي نَسْلِكَ جَمِيعُ أُمَمِ الأَرْضِ، مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ سَمِعْتَ لِقَوْلِي»." هنا يتمتع إبراهيم بتجديد الوعد بطريقة فاقت المرات السابقة فهو لم يمسك إبنه عن الله فإستحق أن يكشف له الله عن الأتي:- 1. كان الكلام مثبتاً بقسم : بذاتي أقسمت للتدليل علي أهميته وتأكيداً لحدوثه. 2. هو وعد بالبركة : أباركك مباركة. 3. كثرة النسل. وقد سمعنا من قبل أن نسل إبراهيم سيكون كنجوم السماء ومرة أخري سمعنا أنهم كتراب الأرض وكان هذا راجعاً لأن الرؤيا الأولي كانت مساءً فقال نجوم السماء والرؤيا الثانية كانت صباحاً فقال كتراب الأرض. وهنا جمع الإثنين وربما أشار هذا أن نسل إبراهيم سيكون من اليهود (نجوم السماء) الذين كانوا في ليل العالم قبل أن يشرق المسيح شمس البر. وسيكون أباً للكنيسة المسيحية (رمل البحر) الذين هم الأن في نور المسيح. 4. النصرة والغلبة علي الشياطين والأعداء : يرث نسلك باب أعدائه. 5. الوعد بتجسد المسيح ويكون من نسله : يتبارك في نسلك فالمسيح هو بركة العالم العظمي 6. لأن هذه الرؤيا كانت تخص شعب العهد الجديد كان الصوت من السماء : نادي ملاك الرب إبراهيم ثانية من السماء. وقبل ذلك كان الصوت من الأرض فهو لم يقل من السماء من قبل. 7. لهذه الأسباب رجع إبراهيم فرحاً. أية (19):- "19ثُمَّ رَجَعَ إِبْرَاهِيمُ إِلَى غُلاَمَيْهِ، فَقَامُوا وَذَهَبُوا مَعًا إِلَى بِئْرِ سَبْعٍ. وَسَكَنَ إِبْرَاهِيمُ فِي بِئْرِ سَبْعٍ." وسكن إبراهيم في بئر سبع : بئر سبع أصبحت تشير للمعمودية. والختان يشير للمعمودية ولقد إختتن إبراهيم من قبل فما معني أن يسكن عند بئر سبع. المعني ان المعمودية هي موت وقيامة مع المسيح وهذا تم في المعمودية ولكن علي الإنسان أن يعيش ميتاً عن خطايا العالم ليتمتع بالحياة المقامة مع المسيح (جدة الحياة أو الحياة الجديدة). وهكذا إبراهيم بعد أن أخذ كل هذه الإعلانات عاش كميت عن العالم متمتعاً بالحياة الجديدة وفرحاً مع الله متذكراً عمل البنوة الألهية. ومياه البئر تشير للروح القدس الذي ينعم به الأبناء فيكون لهم ثمار "محبة وفرح وسلام…" هكذا ينبغي أن يحيا المؤمن. ولعل إنطلاق الغلامين إلي بئر سبع مع إبراهيم وإسحق في نهاية المطاف يشير إلي عودة اليهود إلي الإيمان بالمسيح الذي لم يستطيعوا قبلاً معاينة سر ذبيحته. فينطلقوا في آخر العصور إلي مياه المعمودية ويقبلوا من كانوا قد جحدوه. الأيات (20-24):- " 20وَحَدَثَ بَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ أَنَّ إِبْرَاهِيمَ أُخْبِرَ وَقِيلَ لَهُ: «هُوَذَا مِلْكَةُ قَدْ وَلَدَتْ هِيَ أَيْضًا بَنِينَ لِنَاحُورَ أَخِيكَ: 21عُوصًا بِكْرَهُ، وَبُوزًا أَخَاهُ، وَقَمُوئِيلَ أَبَا أَرَامَ، 22وَكَاسَدَ وَحَزْوًا وَفِلْدَاشَ وَيِدْلاَفَ وَبَتُوئِيلَ». 23وَوَلَدَ بَتُوئِيلُ رِفْقَةَ. هؤُلاَءِ الثَّمَانِيَةُ وَلَدَتْهُمْ مِلْكَةُ لِنَاحُورَ أَخِي إِبْرَاهِيمَ. 24وَأَمَّا سُرِّيَّتُهُ، وَاسْمُهَا رَؤُومَةُ، فَوَلَدَتْ هِيَ أَيْضًا: طَابَحَ وَجَاحَمَ وَتَاحَشَ وَمَعْكَةَ." جاءت أخبار عائلة إبراهيم لإبراهيم ربما عن طريق القوافل التجارية. وربما أن هذا النبأ هو ما شجع إبراهيم أن يطلب زوجة لإبنه من عائلته. وهذا النبأ يكشف قرابة رفقة لزوجها إسحق. فرفقة قريبة إسحق بالجسد. وهكذا الكنيسة صارت عروس للمسيح وصار هناك قرابة جسدية بين المسيح والكنيسة فهو البكر بين إخوة كثيرين. وقيل عن أقرباء المسيح "أمه وإخوته فهو صارت له قرابات جسدية مع البشر".
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثاني والعشرون ذبح إسحق (1) إمتحان الله لإبراهيم ( ع 1 - 2 ) : ع 1 : بعد أن ظهر الله لإبراهيم مرات كثيرة وأكد وعوده له بالبركة ، وبعد أن أعطاه إسحق إبن الموعد وبارك في أملاكه وقوته حينما إنتصر على كدرلعومر فصارت بينه وبين الله صداقة قوية ، ظهر له هذه المرة ليمتحنه حتى يُظهر فضائله وينميه في المحبة . وهذا بالطبع مختلف عن التجارب التي يدبرها الشيطان ليسقطنا في الخطية . ع 2 : إبنك وحيدك : صار إسحق الإبن الوحيد لإبراهيم بعد صرف إسماعيل ، وكان شاباً يتوقع الآباء ألاَّ يقل عمره عن 25 عاماً والبعض يقول أنه قد تجاوز الثلاثين . الذي تحبه : لأنه إبن شيخوخته وفيه تتم كل المواعيد الإلهية بالبركة . أرض المريا : معناها المعلم أو الرؤيا أو الرب يهيئ ، لأنَّ هناك علَّم الله إبراهيم المحبة الباذلة ورأى الله وتكلم معه وأعد الله له فداءً لإبنه ، ويقال أنها تقع شرق أورشليم حيث بيدر أرون اليبوسي الذي بنى فيه داود مذبحاً وأوقف الله الوبأ ( 2صم 24 : 24 ) وهناك أيضاً بنى سليمان الهيكل . وهناك رأي آخر أنها تقع شمال أورشليم حيث جبل جرزيم ويقال أنَّ الجلجثة كانت في أرض المريا . طلب الله من إبراهيم طلباً صعباً للغاية وهو أن يقدم إسحق إبنه وحيده المحبوب جداً له ، ذبيحة لله ، ويذهب إلى أرض المريا وهناك سيرشده إلى جبل يصعد عليه ويقدم إسحق ذبيحة هناك . + إن بدت الوصية صعبة عليك فلا تضطرب لأنَّ الله سيعطيك معونة لإتمامها ، وفي تنفيذك لها تُظهر محبتك لله وينمو إيمانك وتنال بركات لا تحصى . (2) الطريق إلى تقديم الذبيحة ( ع 3 - 8 ) : ع 3 : شقق حطباً : أي أعده ليحترق بسرعة ورتبه كعيدان تصلح للحريق . ظهر الله لإبراهيم في بئر سبع ليلاً ، فقام إبراهيم باكراً وأعد الحطب الذي سيشعله ليحرق المحرقة ، أي إبنه الذي سيذبحه ، وهنا تظهر طاعته الفورية لله . ولم يخبر سارة حتى لا تعطله بعواطف أمومتها عن تنفيذ أمر الله . وأخذ معه غلامين من عبيده لحمل الماء والطعام للطريق وركب حماراً وسار في الطريق نحو أرض المريا أي نحو أورشليم ومعه إسحق إبنه . ع 4 ، 5 : سار إبراهيم مع إسحق من بئر سبع حتى أورشليم مدة ثلاثة أيام ولما وصل إلى أرض المريا أرشده الله إلى الجبل الذي سيصعد إسحق ذبيحة عليه ، فقال لغلاميه أي عبيده الشباب اللذين جاءا معه ، أن يجلسا عند سفح الجبل مع الحمار حتى يصعد الجبل هو وإبنه إسحق ليقدم ذبيحة ثم يرجعا إليهما . وهذا يثبت إيمان إبراهيم بقدرة الله على إقامة إبنه بعدما يذبحه حتى أنه سيعود معه ويقابل الغلامين . ع 6 : حمل إسحق الشاب الذي تجاوز الخامسة والعشرين من عمره حطب المحرقة ، كما حمل المسيح صليبه ، أما إبراهيم فأمسك بالنار والسكين وسارا كلاهما معاً صاعدين على الجبل . ع 7 ، 8 : تعجب إسحق وهو سائر مع أبيه إبراهيم لتقديم محرقة لله دون أن يكون معهما حيوان ليذبحاه ، فسأل أباه عن الحيوان الذي سيذبحانه . وكان هذا سؤالاً موجعاً جداً لقلب إبراهيم الأب الحنون ولكن إيمانه بالله واتكاله عليه جعله يتماسك ويجيب إبنه بكلمات مطمئنة أنَّ الله الذي أمرنا بتقديم ذبيحة له هو سيعد لنا الذبيحة التي سنقدمها ، فصمت إسحق وسار مع أبيه . + إن كانت بعض أسئلة المحيطين بك تجرح مشاعرك أو تثير عواطفك فلا تتشكك في إيمانك بوصايا الله واحتمل الآلام لأجل إسمه فتنال بركات الله العظيمة . (3) تقديم الذبيحة ( ع 9 - 14 ) : ع 9 ، 10 : أخبر إبراهيم إبنه إسحق أنه سيكون الذبيحة المقدمة لله كما أُمر ، وخضع إسحق وأطاع رغم أنه شاب قادر على مقاومة شيخ عجوز مثل أبيه إبراهيم ، فهو بهذا يرمز للمسيح الذي أخلى نفسه وأطاع حتى الموت بإرادته . فبنى إبراهيم مذبحاً بمساعدة إسحق إبنه ورتب الحطب فوقه وربط إسحق ووضعه على الحطب .. وكم كان هذا مؤلماً لقلب الأب والشيخ إبراهيم ولكن من أجل الله أطاع ورفع السكين ليذبح إسحق . + ثق أنَّ الله يطلب خيرك ولا يمكن أن يضرك ، فأطع وصاياه مهما بدت ثقيلة وهو سيسندك لتتممها ، وبهذا تُظهر حبك له وتختبره وتتمتع براحة وفرح يفوق كل عقل . إذبح مشيئتك لتتمتع بمشيئة الله . ع 11 ، 12 : في اللحظة الحاسمة ، قبل أن تقترب السكين من إسحق ، ظهر ملاك الله ونادى إبراهيم ومنعه من أن يقترب بالسكين من إسحق ومدحه بأنه يخاف الله ويحبه لدرجة أن يقدم له أعز شئ عنده وهو إبنه الوحيد الذي سينال فيه المواعيد . وعندما يقول عن الله " الآن علمت " لا يقصد أنه كان لا يعلم قبلاً ولكنه يعبر بطريقة نفهمها كبشر معلناً بر إبراهيم أمام كل الأجيال ، فهو يقصد الآن ظهر بر إبراهيم . ع 13 : وجَّه الله نظر إبراهيم خلفه فوجد كبشاً مربوطاً بقرنيه في إحدى الأشجار قد أعده الله وأمره أن يقدمه ذبيحة عوضاً عن إسحق ، فذبحه إبراهيم ورفعه محرقة أمام الله . وبهذا يرمز إسحق للمسيح الفادي فيما يلي : 1- حمل إسحق المحرقة كما حمل المسيح الصليب في الطريق إلى الجلجثة . 2- رُبِطَ إسحق ووضع على الحطب كما رُبِطَ المسيح وعلق على الصليب . 3- إرتفعت السكين لتذبح إسحق كما مات المسيح وذبح على الصليب . 4- عاد إسحق حياً بعد تقديم الكبش عوضاً عنه كما قام المسيح في اليوم الثالث . 5- تقديم إسحق أظهر محبة إبراهيم وتضحيته العظيمة وخضوع إسحق ومحبته لله ، كما أظهر الصليب محبة الآب وخضوع الإبن . 6- كان إسحق يخرج إلى الحقل في المساء ليختلي ( ص 24 : 63 ) والمسيح كان يختلي للصلاة . ع 14 : فرح إبراهيم بنجاة إبنه إسحق من الموت وبرؤيته لله واختباره لأبوته وحنانه فدعا إسم هذا المكان "يهوه يرأه " ، أي أنه رأى الله في هذا المكان وصار هذا التعبير مثلاً يقال في كل الأجيال التالية عن كل إنسان يتكل على الله ويطيع كلامه فيقال عنه أنه رأى الله واختبره . (4) تجديد العهد ( ع 15 - 19 ) : ع 15 ، 16 : بعدما منع الله إبراهيم من ذبح إبنه وأعطاه الكبش عوضاً عنه ، ناداه ثانيةً من السماء عن طريق ملاكه مجدداً العهد معه بشكل واضح من أجل محبته الفائقة بقبوله تقديم إسحق ذبيحة لله . ع 17 ، 18 : جدَّد الله عهده لإبراهيم ووعده بما يلي : 1- يعطيه بركة عظيمة في حياته الروحية والمادية . 2- يكثر نسله جداً رغم أنه ليس له الآن إلاَّ إبن واحد . 3- يعطي قوة لنسله فيغلبوا أعداءهم . والمقصود بالباب أي مدخل المدينة ، فكل مدينة لها باب ومن يقتحمه يستطيع أن يتسلط عليها . وقد حدث هذا في إنتصار بني إسرائيل على الشعوب التي كانت تسكن أرض كنعان على يد يشوع ثم ظهرت بالأكثر في تغلب المسيح على الشيطان وتقييده بالصليب . 4- نسل إبراهيم أي المسيح ، إذ لم يقل أنسال ، يكون فيه خلاص البشرية التي تؤمن به . ع 19 : نزل إبراهيم من على الجبل هو وإسحق ووجد الغلامين عبيده ينتظرونه ، فعاد راكباً حماره إلى بئر سبع التي كان يقيم بها على مسافة ثلاثة أيام والتي ترمز لقيامة المسيح بعد ثلاثة أيام . وترمز أيضاً بئر سبع إلى المعمودية التي هي مدخل الأسرار وينالها المؤمن من دم المسيح الذبيح على الصليب كما قدمت الذبيحة على الجبل . + بركات الله وفيرة جداً لك إن تجاوبت مع حبه فهو غني وفي نفس الوقت أب حنون يريد أن يعطيك كثيراً .. فقط إتكل عليه ولا تنزعج من ظروف العالم المضطرب وتمسك بوصاياه فيعطيك بركة وقوة تدوم معك إلى الأبد . (5) أولاد ناحور ( ع 20 - 24 ) : عرف إبراهيم ، لعل ذلك عن طريق التجار ، أنَّ أخاه ناحور الذي يقيم في حاران التي بين النهرين في العراق قد أنجب 12 إبناً ثمانية من زوجته وأربعة من سريته أي جاريته التي تزوجها . وقد ذكر الوحي هذا ليعرفنا بزوجة إسحق إبن الموعد ونسبها ، " فبتوئيل " هو إبن ناحور ومعنى إسمه " رجل الله " وقد أنجب " رفقة " ومعنى إسمها " متصالحة " وهي التي صارت زوجة لإسحق . ويظهر هنا إهتمام الله بأولاده الذين سيعيشون في الإيمان معه . + إنَّ قيمتك غالية جداً في نظر الله لأنك إبنه وتحيا معه وهو يهتم بكل ما يتصل بك ، فاطمئن في كل خطواتك بل وتمتع في كل لحظة في حياتك مع الله لأنه يحبك ودليل حبه الواضح موته على الصليب لأجلك .
مصادر أخرى لهذا الإصحاح