كلمة منفعة
غالبا ما تكون مشكلة الناس هي الوسائل لا الأهداف.كل إنسان يهدف بلا شك إلى سعادة نفسه، وغالبًا ما يهدف أيضًا إلى سعادة غيره. ولكن مشكلته الأولى. هي الوسائل التي يستخدمها للوصول إلى أهدافه.
— الوسائل
اختر مصادر التفسير
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الخامس عشر الميثاق الإلهي في أمانة جاهد إبرام من أجل لوط ورفقائه، وإذ غلب رفض المكافأة البشرية التي كانت حقًا شرعيًا له، فكافأه الرب بما لا يستطيع البشر أن يقدموه، وهو التمتع بالدخول في عهد إلهي، فيكون نسله كنجوم السماء، من نسله يتبارك الأمم. ١. ظهور الرب له ١-٢ ٢. الوعد بالبركة ٣-٨ ٣. الحيوانات المشقوقة والطيور ٩-١٧ ٤. الرب يقطع معه عهدًا ١٨-١٩ ١. ظهور الرب له: "بعد هذه الأمور صار كلام الرب إلى إبرام في الرؤيا، قائلاً: لا تخف يا إبرام، أنا ترس لك، أجرك كثير جدًا. فقال إبرام: أيها السيد الرب ماذا تعطيني وأنا ماضٍ عقيمًا ومالك بيتي هو أليعازر الدمشقي؟!" [١-٢]. جاء كلام الرب لإبرام في الرؤيا في الوقت المناسب... إذ يقول: "بعد هذه الأمور"، كأن ما تمتع به إبرام من كلام الرب ورؤيا إنما يطابق الأحداث السابقة. لقد قدم إبرام حياته وممتلكاته فدية عن ابن أخيه، معرضًا نفسه للخطر، فتمتع بالرب نفسه كترس له. وإذ رفض إبرام المكافأة سمع القول الإلهي: "أجرك كثير جدًا". لم نسمع عن إبرام أنه خائف بل خرج من المعركة غالبًا، فلماذا يؤكد له الرب: "لا تخف يا إبرام، أنا ترسل لك"؟! بلا شك هذا التأكيد الإلهي إنما يمثل اقترابًا إلهيًا نحو إبرام. لقد اقترب إبرام إلى الله لا بالصلاة وتقديم الذبائح فحسب وإنما اقترب إليه بالعمل، خلال الجهاد من أجل نفع الآخرين، لذا يقترب إليه الرب حسب وعده: "اقتربوا إليّ يقول رب الجنود فأقترب إليكم" (زك ١). أقترب إبرام إلى الله خلال ترفقه العملي بأخوته فاقترب إليه الرب بإعلان أنه ترسل له يسنده. أقترب إبرام أيضًا إلى الله برفضه للمكافأة البشرية فاقترب إليه الرب بوعده إياه "أجرك كثير جدًا". لنقترب للرب لا بالصلاة والدموع والمطانيات والتقدمات فحسب وإنما خلال الحياة كلها، خلال الحب له ولكل البشرية... فإننا إذ نقترب إليه بالعمل يقترب هو إلينا عمليًا. أقترب الله منه زاد إبرام اقتراب إليه، إذ تقدم إليه يتحدث لا في شكليات أو رسميات وإنما في جرأة ودالة، يقول له: "أيها السيد الرب ماذا تعطيني وأنا ماضٍ عقيمًا ومالك بيتي أليعازر الدمشقي؟" لم يطلب منه صراحة ابنًا لينزع العار عنه ويتمتع بالميراث، لكنه في دالة يسأله معاتبًا ما نفع العطايا الكثيرة لإنسان عقيم يرثه آخر؟... على أي الأحوال، معاملات الله مع إبرام أعطت الأخير الدالة ليتحدث معه بصراحة بقلب مفتوح حتى دُعى "خليل الله". 2. الوعد بالبركة: في الحقيقة حياة إبرام هي سلسلة غير منقطعة من اللقاءات مع الله والتمتع بالوعود، ولم يكن هذا عن محاباة وإنما تأهل إبرام لهذه العطايا الإلهية غير المنقطعة بسبب أيمانه الحيّ العملي وطاعته للرب في كل شيء. في عتاب تحدث إبرام مع الرب من أجل العطايا التي تُمنح له وليس له ابن يرثه... فكانت إجابة الرب له: "لا يرثك هذا، بل الذي يخرج من أحشائك هو يرثك ثم أخرجه إلى خارج وقال له: أنظر إلى السماء وعد النجوم إن استطعت أن تعدها، وقال له: هكذا يكون نسلك" [٤-٥]. "فآمن بالرب فحسب له برًا" . صار كلام الرب لإبرام... وبحسب الطبيعة يبدو الوعد مستحيلاً، لكن إبرام "آمن بالرب فحسب له برًا"؛ هذه هي المرة الأولى التي فيها نسمع كلمة "آمن". يقول معلمنا بولس: "ولا بعدم إيمان ارتاب في وعد الله بل تقوى بالإيمان معطيًا مجدًا لله" (عب ٤: ٢٠)، وقد اقتبس رجال الله العبارة: "آمن بالرب" في أكثر من موضع (رو ٤: ٣؛ غل ٣: ٦؛ يع ٢: ٢٣)، وكأن إبرام أب الآباء قد فتح لنا نحن أولاده طريق البر خلال الإيمان، إذ يقول الرسول: "ولكن لم يكتب من أجله وحده أنه حسب له، بل من أجلنا نحن أيضًا الذين سيحسب لنا، الذين نؤمن بمن أقام يسوع ربنا من الأموات" (رو ٤: ٢٣، ٢٤). ٣. الحيوانات المشقوقة والطيور: في دالة الصداقة الفائقة القائمة بين الله وإبرام، إذ نال الأخير وعدًا آمن فحسب له برًا، لكنه طلب علامة، قائلاً: "أيها السيد الرب بماذا أعلم أني أرثها؟" . لم يكن طلب العلامة يحمل شيئًا من التشكك في مواعيد الله، إنما يحمل علامة انفتاح قلب لإبرام ووجود دالة بينه وبين الله. وقد جاءت العلامة تكشف لنا "سر الكنيسة الخارجة من صلب إبرام". فإن كان الله قد وعده بنسل من صلبه كنجوم السماء لا تعد، الآن يكشف له عن هذا النسل الذي يصير كنيسة مقدسة للرب تضم أعضاءها من نسل إبراهيم من أهل الختان كما من أهل الأمم. في اختصار طالبه الرب أن يشق عجلة سنها ثلاث سنوات وعنزة وكبشًا في ذات السن، ويضع كل شق مقابل الآخر، ويذبح يمامة وحمامة دون أن يشقهما... وإذ جاءت الجوارح على الجثث كان إبرام يزجرها. وعند الغروب وقع إبرام في سبات، وصار في رعبة مظلمة، وقيل أن نسله يُستعبد في أرض غريبة لمدة أربعمائة سنة... ثم غابت الشمس فصارت العتمة، وإذا تنور ومصباح نار يجوز بين تلك القطع. ماذا يعني هذا كله؟ يرى الأب قيصريوس أسقف Arles أن هذه الرؤيا تخص الكنيسة الجامعة وقد ضمت أعضاء من كل الأمم، صاروا أولادًا لإبراهيم لا حسب الجسد وإنما بالإيمان، لكن للأسف يسلك بعضهم روحيًا والبعض جسديًا إذ يقول: [دعى إبراهيم أبًا لجمهور أمم (تك ١٧: ٥)، إذ تؤمن الأمم بالمسيح ويصيرون أولادًا لإبراهيم بامتثالهم بإيمانه وليس خلال ولادة جسدية. أما اليهود فإذ يجحدون الإيمان يصيرون أبناء إبليس، وقد لُقبوا في الإنجيل: "أولاد الأفاعي" (مت ٣: ٧)، بينما استحق الأمم المؤمنون بالمسيح أن يُلقبوا أولاد إبراهيم، فالعجلة والمعزة والكبش سنهم ثلاث سنوات يشيرون مع اليمامة والحمامة إلى كل الأمم. وصفوا بأن سنهم ثلاث سنوات لإيمانهم بسرّ الثالوث. لا تضم الكنيسة الجامعة أعضاء روحيين فقط بل وجسديين أيضًا. فإن كان البعض يعلن أنه يؤمن بالثالوث لكنهم جسديون إذ هم متراخون في التخلي عن الخطايا والرذائل. توجد أيضًا نفوس روحية مع الجسديين لهذا تضم اليمامة والحمامة، فيُفهم من الحيوانات الثلاثة وجود الجسديين ومن اليمامة والحمامة وجود الروحيين. لاحظ بدقة أنه قيل عن إبراهيم أنه يشق الحيوانات الثلاثة إلى شقين كل شق يوضع مقابل صاحبه، ويقول الكتاب: "وأما الطير فلا يشقه" . لماذا هذا أيها الأخوة لأنه يوجد في الكنيسة الجامعة أُناس جسديون منقسمون، أما الروحانيون فلن ينقسموا. يقول الكتاب: "ينفصل كل واحد مقابل صاحبه"؛ لماذا ينفصل كل واحد مقابل صاحبه؟ لأن الأشرار محبي العالم لا يتوقفون عن الانقسامات والافتراءات فيما بينهم، لذلك فهم منقسمون كل واحد ضد الآخر، أما الطيور، أي النفوس الروحية، فلا تنقسم. لماذا لا تنقسم؟ لأن لها قلبًا واحدًا ونفسًا واحدة في الرب (أع ٤: ٣٢)... بالتأكيد اليمام والحمام المشار إليه قبلاً هو هذه النفوس، ففي اليمامة تتمثل الطهارة وفي الحمامة تتمثل البساطة. كل خائفي الله في الكنيسة الجامعة هم الطاهرون والبسطاء، يقولون مع المرتل: "يا ليت لي جناحًا كالحمامة وأطير فأستريح" (مز ٥٥: ٦)، وأيضًا "السنونة (وجدت) عشًا لنفسها حتى تضع أفراخها" (مز ٨٤: ٣). فإن الجسديين المنقسمين على أنفسهم مثقلون بقيود الرذيلة الثقيلة، أما الروحيون فمرتفعون إلى الأعالي بأجنحة الفضيلة المتنوعة، كما بجناحين، أي بوصيتي حب الله وحب القريب، منطلقين نحو السماء. هؤلاء يستطيعون القول مع الرسول: "سيرتنا هي في السموات" (في ٣: ٢٠). وإذ يقول الكاهن: "ارفعوا قلوبكم" يجيبون بتأكيد وورع أنهم قد رفعوا قلوبهم للرب. على أي الأحوال، قليلون جدًا ونادرون هم الذين يستطيعون في الكنيسة أن ينطقوا هكذا بثقة وحق]. كما يقول الأب قيصريوس أيضًا: [ليتنا نظهر بساطة الحمامة وطهارة اليمامة، لنُرفع إلى السماء بأجنحة الفضيلة الروحية، كقول الرسول: "سنخطف جميعًا معهم في السحب لملاقاة الرب في الهواء]. الآن إذ نترك الحديث عن هذه الذبيحة ونتطلع إلى إبرام ونجد منظره أمام زوجته وعبيده غريبًا، إذ يقف الشيخ الوقور بجوار هذه الحيوانات والطيور المذبوحة بطريقة معينة وقد رتبها ترتيبًا خاصًا، دون أن يقدمها على مذبح أو يطلب طهيها، إنما يقف ليرى الطيور الجارحة تحوم حولها لتقتنص منها شيئًا، وهو يزجرها طول النهار. تُرى ماذا كانت مشاعر إبرام طوال اليوم؟ وما هي مشاعر المرافقين له؟ إن كانت هذه الذبائح تشير إلى الكنيسة الجامعة بنقاوتها كما بحملها للضعفاء فيها، كما تشير إلى حياة كل عضو فيها، فإن إبرام يشير إلى النفس الروحية اليقظة التي لا تستطيع أن تمنع الطيور الجارحة النجسة من أن تحوم حوله، لكنه يقدر أن يمنعها من أن تستقر عنده أو تخطف شيئًا من عندياته. هذا ما أكده كثير من آباء الكنيسة، أن المؤمن الحيُ لا يقدر أن يمنع حرب الخطايا من مهاجمته، لكنها إذ تجد إنسانًا يقظًا لا تقدر أن تدخل إليه أو تتسلل إلى فكره أو قلبه، إنما تبقى الحرب خارجه، تحوم حوله دون أن تنال منه شيئًا. بقي اليوم كله في طاعة لله يزجر الجوارح دون أن يرى شيئًا أو يسمع صوتًا، وقبيل مغيب الشمس صار في سبات ووقعت عليه رعبة مظلمة وعظيمة... لماذا؟ لقد رأى ثمر الخطية في حياة الإنسان، كيف تفسده وتستعبده؟! فقد سمع أن نسله يكون مستعبدًا لأمة غريبة في مذلة أربعمائة عام... إنها صورة مؤلمة للنفس التي تسقط تحت الخطية فتصير في عبودية فرعون الطاغي ومذلته. لكن الله عند غروب الشمس، أي في ملء الزمان، يطلق البشرية بالصليب من هذه العبودية واهبًا إياهم غنائم روحية كثيرة، إذ يقول: "بعد ذلك يخرجون بأملاك جزيلة" ... "ثم غابت الشمس فصارت عتمة، وإذا تنور دخان ومصباح نار يجوز بين تلك القطع" ، إشارة إلى خلاص الناس في الرب واستنارتهم بالروح القدس الناري. يمكننا القول أن ما حدث مع إبرام هنا يشير إلى عمل السيد المسيح الخلاصي، فقبيل غروب الشمس، في ملء الزمان، وقع على الرب سبات إذ أسلم الروح على الصليب، معلنًا مرارة الخطية التي حدرتنا إلى الجحيم ونزلت بنا إلى العبودية زمانًا، لكن الرب الراقد على الصليب إذ ينزل إلى الجحيم يحملنا على كتفيه ويخرج بنا كما بأملاك جزيلة، حاملاً غناه، وواهبًا إيانا غنى الروح، حتى متى جاء غروب العالم وانقضاء الدهر يُعلن خلاص أجسادنا، ويعلن يومه العظيم كما بنار. يقدم لنا القديس أغسطينوس تفسيرًا رائعًا لهذه الرؤيا، جاء فيه: [يكفي أن نعرف أنه بعدما قال أن إبرام آمن بالله فحسب له برًا لم يفشل إبرام في الإيمان عندما قال "أيها الرب الإله بماذا أعلم أني أرثها؟" ... فإنه لم يقل " كيف أعرف؟" كما لو كان لم يؤمن بعد أنه يرث، وإنما قال "بماذا أعلم؟" بمعنى يطلب علامة ليعرف الطريق الذي به يتحقق ما قد آمن أن يناله. إنه كالعذراء مريم التي ليس عن عدم أيمان قالت: "كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلاً؟" (لو ١: ٣٤)، فإنها تسأل عن الوسيلة التي بها يتحقق ما سيحدث فعلاً. لذلك عندما سألَت هذا أُخبرَت: "الروح القدس يحل عليكِ وقوة العلي تظللكِ" (لو ١: ٣٥). هنا أيضًا أُعطي له رمز بدقة خلاله يتعرف على الطريقة التي يتحقق بها الأمر الذي لم يشك فيه. هذا الرمز يتكون من ثلاث حيوانات: عجلة ومعزة وكبش، ومن طائرين: يمامة وحمامة. العجلة تشير إلى الشعب الذي سيخضع للناموس، والمعزة تشير إلى أنه شعب خاطي، وأما الكبش فيشير إلى أنهم سيملكون، (وقد قيل عن هذه الحيوانات أنها تبلغ ثلاث سنوات من جهة عمرها، وذلك لوجود ثلاث حقبات زمنية متمايزة: من آدم إلى نوح، ومن نوح إلى إبراهيم، ومن إبراهيم إلى داود الذي يقيم مملكة الأمة الإسرائيلية كإرادة الرب بعدما يُرفض شاول... ). وربما حملت هذه الحيوانات معانٍ أخرى أكثر مناسبة، فإنني لا أشك في أنها تحمل رموزًا لمعان روحية هي واليمامة والحمامة. لقد قيل "أما الطير فلا يشقه" ، لأن الجسديين منشقين ضد أنفسهم أما الروحيون فليس بينهم انشقاق قط، سواء كانوا مثل اليمامة منعزلين عن المناقشات الكثيرة مع الناس أو كانوا كالحمامة يعيشون وسطهم، فكلا الطيرين بسيطان وغير ضارين... أما الطيور الجارحة التي نزلت على الجثث فلا تمثل أمرًا صالحًا بل تمثل أرواح الهواء التي تطلب لنفسها بعض الطعام خلال إنشاقات الجسدانيين. جلوس إبراهيم بجوارها يشير إلى أنه حتى وسط إنشقاقات الجسدانيين يُحفظ المؤمنون الحقيقيون حتى النهاية. حلول الخوف العظيم بإبراهيم والرعب من العتمة الشديدة عن غروب الشمس هذا يشير إلى أنه في آخر الأزمنة سيكون المؤمنون في شدة وضيق، الأمر الذي تحدث عنه الرب في الإنجيل: "يكون حينئذ ضيق عظيم لم يكن مثله منذ ابتداء العالم" (مت ٢٤: ٢١). أما ما قيل لإبراهيم أن نسله يكون غريبًا في أرض ليست لهم ويستعبدون ٤٠٠ عامًا، فواضح أنه نبوة عن شعب إسرائيل الذين يستعبدون في مصر... أما ما قيل: "ثم غابت الشمس... وإذا تنور دخان ومصباح نار يجوز بين تلك القطع" ، فيشير إلى الجسدانيين سيحاكمون بنار في نهاية العالم]. ٤. الرب يقطع معه عهدًا: "في ذلك اليوم قطع الرب مع إبرام ميثاقًا، قائلاً: لنسلك أعطي هذه الأرض من نهر مصر إلى النهر الكبير نهر الفرات" . إذ كشف الله لإبرام علامة الخلاص لكل الأمم، خلال سُبات الرب قبيل الغروب عند ملء الزمان، وحوّل له الظلمة إلى تنور دخان (إشارة إلى حرق الذبيحة) ومصباح نور يجوز وسط شعبه، أكد له الوعد أنه يهب نسله الأرض. وكأنه يؤكد له أن كل ما يتمتع به إبرام من لقاءات مع الله ورؤى وإعلانات إنما من أجل تمتع أولاده بالميراث الروحي في المسيح يسوع مخلص العالم. هذا الميثاق يحمل جانبين متكاملين: تمتع أولاد إبراهيم بالأرض وطرد الأمم الوثنية منها، وقد حددهم بعشر أمم . يرى الأب سرابيون أن هذه الأمم المطرودة تشير إلى الخطايا الثمانية العظمى التي تنعم بالنصرة عليها: النهم، الزنى، محبة المال، الغضب، الغم، الفتور الروحي، حب الظهور، الكبرياء، مضافًا إليها عبادة الأوثان والتجديف.
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين الإصحاح الخامس عشر أية (1):- " 1بَعْدَ هذِهِ الأُمُورِ صَارَ كَلاَمُ الرَّبِّ إِلَى أَبْرَامَ فِي الرُّؤْيَا قَائِلاً: «لاَ تَخَفْ يَا أَبْرَامُ. أَنَا تُرْسٌ لَكَ. أَجْرُكَ كَثِيرٌ جِدًّا». " لا تخف : هو مهدد بحرب الأن مع كدرلعومر ورجاله وهو ساكن وسط أناس غرباء. أجرك كثير جداً: هو ترك المكافأة الأرضية. والله هنا يكافأه بما لا يستطيع البشر أن يعطوه فيكون نسله كنجوم السماء ومن نسله يتبارك الأمم. ولاحظ قوله بعد هذه الأمور: كأن ما تمتع به إبرام من كلام الرب ووعوده له جاء نتيجة لأنه عرَض نفسه للخطر من أجل أنقاذ لوط. وبالنسبة لنا فكلما جاهدنا في علاقتنا مع الله كلما إقترب الله منا. أية (2):- " 2فَقَالَ أَبْرَامُ: «أَيُّهَا السَّيِّدُ الرَّبُّ، مَاذَا تُعْطِينِي وَأَنَا مَاضٍ عَقِيمًا، وَمَالِكُ بَيْتِي هُوَ أَلِيعَازَرُ الدِّمَشْقِيُّ؟» " حينما شعر إبرام بإقتراب الله إليه تحدث إبرام في جرأة ودالة مع الله وقال ماذا تعطيني وأنا ماض عقيماً: ماض في طريق الأرض كلها أي سأموت دون وريث يحمل اسمي= ومالك بيتي . أثبتت الأثار أن العبد كان يرث سيده إن لم يكن له أبناء. اليعازر الدمشقي: فربما صار له عبداً وهو في طريقه من حاران إلي كنعان مروراً بدمشق. أية (3):- " 3وَقَالَ أَبْرَامُ أَيْضًا: «إِنَّكَ لَمْ تُعْطِنِي نَسْلاً، وَهُوَذَا ابْنُ بَيْتِي وَارِثٌ لِي»." إبن بيتي : هذه تعني مالك بيتي أو عبدي ومن تواضعه ومحبته يسميه أبن أي بمنزلة أبن. الأيات (4-5):- " 4فَإِذَا كَلاَمُ الرَّبِّ إِلَيْهِ قَائِلاً: «لاَ يَرِثُكَ هذَا، بَلِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ أَحْشَائِكَ هُوَ يَرِثُكَ». 5ثُمَّ أَخْرَجَهُ إِلَى خَارِجٍ وَقَالَ: «انْظُرْ إِلَى السَّمَاءِ وَعُدَّ النُّجُومَ إِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَعُدَّهَا». وَقَالَ لَهُ: «هكَذَا يَكُونُ نَسْلُكَ». " حياة إبراهيم سلسلة غير منقطعة من اللقاءات مع الله والتمتع بالوعود بسبب إيمانه الحي العملي وطاعته للرب في كل شئ. وعد النجوم: إذا هذه الرؤيا كانت ليلاً وحين قال له نسلك كتراب الأرض (16:13) كان هذا في نور النهار وهو يري التراب. أية (6):- " 6فَآمَنَ بِالرَّبِّ فَحَسِبَهُ لَهُ بِرًّا." فآمن بالرب فحسبه له براً : بحسب الطبيعة كان يبدو مستحيلاً تنفيذ هذا الوعد. وهنا نسمع لأول مرة كلمة "آمن" (عب20:4 + رو3:4 + غل 6:3 + يع 23:2 + رؤ 24،23:4) وصرنا نحن أولاد لإبراهيم بالإيمان. هو فتح لنا طريق البر خلال الإيمان. أية (7):- "7وَقَالَ لَهُ: «أَنَا الرَّبُّ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أُورِ الْكَلْدَانِيِّينَ لِيُعْطِيَكَ هذِهِ الأَرْضَ لِتَرِثَهَا». " الله لم يخرجه من أور ليتركه في الصحراء بل أعد له كنعان ليرثها. أية (8):- " 8فَقَالَ: «أَيُّهَا السَّيِّدُ الرَّبُّ، بِمَاذَا أَعْلَمُ أَنِّي أَرِثُهَا؟»" بماذا أعلم أني أرثها: هو سؤال يحمل الشك فالله أعلن إيمانه من قبل (أية 6) وهو لم يقل كيف أعرف؟ كما لو كان لم يؤمن بعد أنه يرث. وإنما قال " بماذا أعلم" كأنه يطلب علامة ليعرف الطريق الذي به يتحقق ما قد آمن أن يناله. وهذا ما صنعته العذراء مريم فهي سألت عن الوسيلة التي بها تلد وهي لا تعرف رجلاً لذلك أجابها الملاك "الروح القدس يحل عليك" ولأن سؤال إبراهيم كان عن ميراث كنعان وكنعان تشير إلي كنعان السماوية جاءت إجابة الله تحمل جوانب ذبيحة المسيح وعهده الجديد الذي به يكون لأولاد إبراهيم بالإيمان الدخول لكنعان السماوية. وسؤال إبرام لله هنا يظهر الدالة بينه وبين الله. وقد جاءت العلامة تكشف لنا سر الكنيسة الخارجة من صلب إبرام . فالله وعده بنسل كنجوم السماء والأن يكشف له عن هذا النسل الذي يصير كنيسة مقدسة للرب تضم أهل الختان (اليهود) والأمم. الأيات (9-10):- " 9فَقَالَ لَهُ: «خُذْ لِي عِجْلَةً ثُلاَثِيَّةً، وَعَنْزَةً ثُلاَثِيَّةً، وَكَبْشًا ثُلاَثِيًّا، وَيَمَامَةً وَحَمَامَةً». 10فَأَخَذَ هذِهِ كُلَّهَا وَشَقَّهَا مِنَ الْوَسَطِ، وَجَعَلَ شِقَّ كُلِّ وَاحِدٍ مُقَابِلَ صَاحِبِهِ. وَأَمَّا الطَّيْرُ فَلَمْ يَشُقَّهُ. " الحيوانات المشقوقة هي طريقة الميثاق والدخول في عهد عند القبائل القديمة فيقوم المتعاهدان بشق حيوان ويسيران وسطه كعلامة عهد وميثاق وبمعني ليشقني الله هكذا لو خالفت العهد. وهنا شق إبرام الحيوانات إلي نصفين ووضع كل شق منهم تجاه الأخر أما الطيور فلم يشقها بل وضع كل طائر تجاه الأخر (الحمامة واليمامة) [ لاحظ أن العهد بين الله والإنسان (العهد الجديد) كان بذبيحة المسيح] فهذه الرؤيا كشفت (1) سر المسيح المصلوب (2) سر الكنيسة الخارجة من صلب إبرام. وهذه الحيوانات لها تفسيرات متعددة:- 1. مؤمنين يسلك بعضهم روحياً والبعض جسدياً وسن الحيوانات 3 سنوات إشارة لإيمان المؤمنين بسر الثالوث الأقدس ولقيامتهم. والجسديون يشير لهم الحيوانات والروحيون يشير لهم الطيور. وشق الحيوانات يشير لأن الجسديون دائما منقسمون أما الروحيون فلا ينقسموا فهم لهم قلب واحد وروح ومحبة واحدة. واليمام يمثل الطهارة والحمام يمثل البساطة. الجسديون المنقسمون علي أنفسهم مثقلون بقيود الرذيلة الثقيلة، أما الروحيون فمرتفعون إلي الأعالي بأجنحة الفضيلة المتنوعة كما بجناحين. 2. البهائم والطيور المستخدمة هي من الطيور والحيوانات الطاهرة كما جاءت بعد ذلك في الشرائع اللاوية وهي المسموح بتقديم ذبائح منها وإذا فهمنا أن الذبائح كلها تشير للمسيح يمكن فهم أن تعدد الذبائح يشير لتعدد أوجه ذبيحة المسيح فالعجلة تشير أنه أتي كعبد صابر بل أعطانا جسده طعاماً (الإبن الضال ذبح له العجل المسمن) والعنزة تشير للخاطئ (الجداء علي اليسار مت 33:25) والمسيح صار خطية لأجلنا لنصير نحن بر الله فيه. والكبش كان يستخدم في ذبيحة التكريس (ذبيحة الملء) والمسيح أطاع حتي الموت بكل خضوع أما الطيور (اليمامة والحمامة) فيشيروا لأنه سماوي جاء من فوق ليفدي البشر. واليمامة.تشير للمحبة والحزن ولم يكن ما يفوق محبة المسيح ولا أحزانه (نفس حزينة حتي الموت) وهي تشير للطهارة أيضاً والحمامة تشير للبساطة والطهارة والوداعة. 3. العجلة تشير إلي الشعب الذي سيخضع للناموس، والمعزة تشير إلي أنه شعب خاطئ والكبش يشير إلي انهم سيملكون فالكبش يقود القطيع. ولأنهم في عمر ثلاث سنين فهم يشيرون لثلاث حقب زمنية متمايزة ‌أ. من آدم إلي نوح. ‌ب. من نوح إلي إبراهيم. ‌ج. من إبراهيم إلي داود (المملكة). والأراء الثلاث يشيرون إلي الرد علي سؤال إبرام " كيف يرث" والرد بالمسيح المصلوب والكنيسة المتألمة كطريق للمجد. أية (11):- " 11فَنَزَلَتِ الْجَوَارِحُ عَلَى الْجُثَثِ، وَكَانَ أَبْرَامُ يَزْجُرُهَا." الطيور الجارحة تمثل أرواح الهواء النجسة التي تطلب ما لنفسها خلال إنشقاقات الجسديين. وإبرام يشير للنفس الروحية اليقظة التي لا تستطيع أن تمنع الطيور الجارحة من أن تحوم حوله، لكنه يقدر أن يمنعها من أن تستقر عنده أو تخطف شيئاً من عندياته. وهذا ما أكده أباء الكنيسة أن المؤمن الحي لا يقدر ان يمنع حرب الخطايا من مهاجمته لكنها إذ تجد إنساناً يقظاً لا تقدر أن تدخل إليه أو تتسلل إلي فكره أو قلبه. وإبرام هنا طلب علامة فطلب منه الله شق الذبائح وإنتظر إبرام علامة فلم تظهر بل هاجمت الجوارح الذبائح (الذبائح تشير للمؤمن كذبيحة روحية حية) فصار أبرام يبعدها النهار كله وهذا يشير أنه يجب علينا أن نسهر علي ذبائحنا الروحية وننتظر إعلانات الله وعلينا أن ننتظرها بصبر وهي بالتأكيد ستأتي. ولكن علينا أن ننتظر في يقظة تحقيق وعود الله. وقد تشير هذه الجوارح للشعوب المناوئة لإسرائيل مثل بابل وأشور وغيرها. ولنلاحظ أنه لابد من حروب عدو الخير ضد شعب الله ولا أحد يكلل إن لم يجاهد قانونياً (أف 12:6). أية (12):- " 12وَلَمَّا صَارَتِ الشَّمْسُ إِلَى الْمَغِيبِ، وَقَعَ عَلَى أَبْرَامَ سُبَاتٌ، وَإِذَا رُعْبَةٌ مُظْلِمَةٌ عَظِيمَةٌ وَاقِعَةٌ عَلَيْهِ." أوقع الله علي إبرام سباتاً مثل الذي أوقعه علي آدم، فالله أغلق أبواب الجسد ليعطي الروح فرصة لتتأمل الأِشياء الروحية. وإذا رعبة مظلمة عظيمة واقعة عليه : وهذه تشير إلي:- 1. لقد رأي ثمر الخطية في حياة الإنسان، كيف تستعبده وتفسده. وسمع عن أن نسله سيكون مستعبداً 400 سنة. هي صورة مؤلمة للنفس التي تسقط تحت الخطية فتصير في عبودية فرعون الطاغي ومذلته. وتشير للضيق العظيم في نهاية الأزمنة بسبب الخطية مت 21:24. 2. ما حدث مع إبرام هنا يشير إلي عمل السيد المسيح الخلاصي فقبيل غروب الشمس، في ملء الزمان، وقع علي الرب سبات، إذ أسلم الروح علي الصليب، معلناً مرارة الخطية التي أحدرتنا إلي الجحيم ونزلت بنا إلي العبودية زماناً. 3. الرعب ناشئ عن إحتجاب وجه الرب بسبب الخطية وهذا ما ستختبره ذرية أبرام إلي حين. أية (13):- " 13فَقَالَ لأَبْرَامَ: «اعْلَمْ يَقِينًا أَنَّ نَسْلَكَ سَيَكُونُ غَرِيبًا فِي أَرْضٍ لَيْسَتْ لَهُمْ، وَيُسْتَعْبَدُونَ لَهُمْ. فَيُذِلُّونَهُمْ أَرْبَعَ مِئَةِ سَنَةٍ. " فيذلونهم 400 سنة يذكر سفر الخروج في (4:12) أن إقامة بني إسرائيل التي أقاموها في مصر كانت 430 سنة وغالباً فإن مصر تشير للغربة والعبودية. وبالمفهوم الرمزي تصبح مدة ألـ 430 سنة هي منذ دعوة الله لإبرام بالخروج من أور حتي خروج الشعب من أرض مصر. وتكون مدة 400 سنة هي من بدء إضطهاد إسمعيل لأسحق حتي خروج الشعب من أرض مصر لذلك قال هنا فيذلونهم مع تحديد المدة بـ 400 سنة. أما بقاء الشعب في مصر فكانت مدته حوالي 210 سنة وتحسب المدد كالتالي:- 1. المدة من دعوة الله لإبرام وهو في ما بين النهرين في أور إلي خروجه من حاران كانت 5-15 سنة ولنقل أنها 5 سنين. 2. المدة من ترك حاران ودخوله كنعان إلي ولادة اسحق 25 سنة لأنه ترك حاران وعمره 75 سنة وولد إسحق وعمره 100 سنة (24:12 + 25:21). 3. من ولادة اسحق إلي ولادة يعقوب 60 سنة (26:25). 4. من ولادة يعقوب حتي دخوله إلي أرض مصر مع بنيه 130 سنة (1:47) وبذلك تكون مدة التغرب في كنعان : 5+ 25+60+130=220 سنة وتصبح مدة الإقامة في مصر : 430 –220 : 210 وحينما قال أن مدة تغربهم في مصر 400 سنة فهي إطلاق الجزء علي الكل بإعتبار أن فترة إقامتهم في مصر كانت الجزء الأعظم أهمية في تاريخ تغربهم أو نقل أن فترة وجودهم في مصر هي التي تمثل عبوديتهم. وفترة وجود إبراهيم واسحق ويعقوب في كنعان هي فترة تغرب ولم يكن قد أتي بعد فترة الميراث، وكانوا في هذه الفترة رحل في خيام (عب 9:11). وبهذا المفهوم قالت الترجمة السبعينية ان فترة إقامتهم في مصر وكنعان كانت 430 سنة. فالسبعينية أضافت كنعان علي مصر كحاشية توضيحية. وهكذا فهمها بولس الرسول راجع غل 17:3 "وإنما أقول هذا أن الناموس الذي صار بعد 430 سنة لا ينسخ عهداً قد سبق فتمكن من الله نحو المسيح حتي يبطل الموعد" فهو إعتبر أن الـ 430 سنة بدأت بوعد الله لإبرام حتي خروج الشعب من مصر وحصولهم علي الناموس. ولنلاحظ قول الله نسلك سيكون غريباً في أرض ليست لهم : (كنعان ومصر) ويستعبدون لهم هذه تمت في مصر. والله لم يكشف إسم مصر لسببين: 1. في أن الغربة شاملة مصر وكنعان في أيام إبراهيم وإسحق ويعقوب 2. حتي لا يرفض يعقوب ونسله النزول إلي مصر. أية (14):- " 14ثُمَّ الأُمَّةُ الَّتِي يُسْتَعْبَدُونَ لَهَا أَنَا أَدِينُهَا، وَبَعْدَ ذلِكَ يَخْرُجُونَ بِأَمْلاَكٍ جَزِيلَةٍ. " هناك خطة سمح بها الله للخلاص فنحن إستعبدنا ووقعنا تحت الالام والضيق نتيجة للخطية. وغربة الشعب (400 سنة) إشارة لغربتنا في هذا العالم. وهكذا كنا قبل المسيح في عبودية. وكما إضطهد إسمعيل إسحق وإضطهد المصريين شعب الله بل كانوا يقتلون أولادهم (هذا إشارة لأعمال إبليس الذي كان قتالاً للناس منذ البدء) هكذا الكنيسة لابد وأن تقع في ضيق يصل إلي ذروته في نهاية العالم مروراً بعصور إستشهاد. والله سمح بل رتب أنه من خلال الآلام نتطهر ونتنقي ونستعد للأمجاد. ومن يتألم معه يتمجد معه (رو 17:8) + (لو 26:24). الأمة التي يستعبدون لها أنا أدينها: هذا ما حدث خلال الضربات العشر ضد فرعون ورجاله ثم بشق البحر وغرق جنوده. وهذا رمز لدينونة إبليس في بحيرة النار (رؤ 20:19). بعد ذلك يخرجون بأملاك جزيلة : الشعب خرج من مصر محملاً بعطايا كثيرة. والرب يسوع الراقد علي الصليب إذ ينزل إلي الجحيم يحملنا علي كتفيه ويخرج بنا كما بأملاك جزيلة. حاملاً غناه، وواهباً إيانا غني الروح، حتي متي جاء غروب العالم وإنقضاء الدهر يعلن خلاص أجسادنا ويعلن يومه العظيم كما بنار. أية (15):- " 15وَأَمَّا أَنْتَ فَتَمْضِي إِلَى آبَائِكَ بِسَلاَمٍ وَتُدْفَنُ بِشَيْبَةٍ صَالِحَةٍ." هذه تشير إلي خلود النفس حيث تجتمع نفس إبرام مع نفوس أبائه. لأن جسد إبراهيم دفن في كنعان في مغارة المكفيلة بينما دفن أبائه في أراض ما بين النهرين. أية (16):- " 16وَفِي الْجِيلِ الرَّابعِ يَرْجِعُونَ إِلَى ههُنَا، لأَنَّ ذَنْبَ الأَمُورِيِّينَ لَيْسَ إِلَى الآنَ كَامِلاً». " في الجيل الرابع : ربما المقصود 4×100 : 400 سنة فيكون الجيل 100 سنة. ولكن هذه الأية تحدد غالباً الأجيال التي عاشت في مصر وكانت ثلاثة أجيال وقد خرج من مصر الجيل الرابع فقد دخل لاوي (الجيل الأول) وخرج موسي (الجيل الرابع( خر 16:6-20 لأن ذنب الأموريين ليس إلي الآن كاملاً : الأموريين هم أشهر شعوب الكنعانيين ومن أشرهم. والله يتركهم هذه المدة دون عقاب أ) لعل طول أناته تقتادهم إلي التوبة ب) حتي تكون خطاياهم شاهدة عليهم. وكون أن الله يسمح بأن اليهود يضربوهم فهذا بسبب ذنوبهم وكان ذلك حينما إمتلأ كأسهم. ولاحظ أن سدوم وعمورة كانوا أكثر شراً فلم يمهلهم الله، وكان كأسهم قد إمتلأ أسرع وصاروا ناضجين للخراب وذنبهم كاملاً فأحرقهم الله. والله يستخدم شعب ليؤدب شعباً اخر وقد إستخدم الله مثلاً الشعوب المجاورة لإسرائيل لتأديب إسرائيل. أية (17):- " 17ثُمَّ غَابَتِ الشَّمْسُ فَصَارَتِ الْعَتَمَةُ، وَإِذَا تَنُّورُ دُخَانٍ وَمِصْبَاحُ نَارٍ يَجُوزُ بَيْنَ تِلْكَ الْقِطَعِ." تنور دخان ومصباح نار يجوز بين القطع: تنور الدخان يشير للغموض الذي كان يكتنف أحداث الخلاص في العهد القديم ويشير للدخان المتصاعد من ذبيحة المحرقة فالمسيح المخلص قدم نفسه ذبيحة محرقة عنا ويشير لألام الشعب في عبوديتهم في مصر ولألام الكنيسة فكما تألم المسيح ستتألم كنيسته. ومصباح النار يعلن حضور الله ولقيادته لشعبه فهو كان لهم كعمود نار يقودهم في برية هذا العالم (كما قاد إسرائيل في برية سيناء) والآن يقودنا بكلمته المقدسة وبروحه القدوس الذي حل علي تلاميذه كألسنة نار. وهو ظهر لموسي في العليقة كنار" والله لنا في حمايته كسور من نار ومجداً في وسطنا (زك 5:2+ زك 6:12) إذن فهذا المصباح يشير للخلاص الإلهي وسط الضيقات وكما تتألم الكنيسة معه هكذا تتمجد معه. ونشرق كمصباح منير بعد نهاية هذا العالم وسط ظلمة ودخان الدينونة (أش 1:62) وقد جرت العادة في المعاهدات التي من هذا النوع أن يجوز الطرفان وسط الذبائح ولكن نجد أن إبرام لم يُدْع للإجتياز بين القطع فلا تعهد من قبله بل المصباح وحده يجوز بين القطع إعلاناً أن الله هو الذي يتعهد أن يتم عمله كاملاً بواسطة صليب إبنه. وأبنه الذي قدم ذبيحة (الحيوانات المشقوقة) وهو السماوي (اليمامة والحمامة) وهو نور العالم (مصباح نار) وكانت ألامه رهيبة كذبيحة محرقة (الدخان). وما كان علي إبرام ومن صار من أولاده المؤمنين سوي أن يزجر الطيور الجارحة وأن يجاهد في رفض الأفكار الشريرة. ولنلاحظ أن الروح القدس النارى الذي حصلنا عليه يعطينا معونة وإستنارة. أية (18):- " 18فِي ذلِكَ الْيَوْمِ قَطَعَ الرَّبُّ مَعَ أَبْرَامَ مِيثَاقًا قَائِلاً: «لِنَسْلِكَ أُعْطِي هذِهِ الأَرْضَ، مِنْ نَهْرِ مِصْرَ إِلَى النَّهْرِ الْكَبِيرِ، نَهْرِ الْفُرَاتِ. " من نهر مصر إلي النهر الكبير نهر الفرات: تم هذا فعلاً أيام سليمان الذي امتدت مملكته من حدود مصر إلي الأراضي الواقعة عند الفرات ولكن حينما حنث في وعده وتزوج أجنبيات وبخر لأوثانهن شق الله مملكته. وعن نهر مصر يقال أنه كان هناك فرع للنيل يمر قرب السويس وحتي شرق العريش وكان يقصد بسهل العريش وادي النيل. ونري في هذه الأية صورة للإيمان القوي في نهاية الأيام في هذه المنطقة إيمان شعب المسيح في مصر وفي أشور بل وفي وسط إسرائيل نفسها حينما يؤمن الشعب اليهودي بالمسيح مخلصاً (أش 23:19-25) أية (19):- " 19الْقِينِيِّينَ وَالْقَنِزِّيِّينَ وَالْقَدْمُونِيِّينَ" الميثاق بين الله وإبرام كان يحمل جانبين متكاملين 1. تمتع أولاد إبراهيم بالأرض: تمتع شعب المسيح بميراث السماء. 2. طرد الأمم الوثنية من الأرض: دينونة إبليس وطرده لشروره. وقد تم تحديد الشعوب بعشر شعوب 1. رقم 10 يشير للوصايا وهذه الشعوب أدمنت كسر الوصايا العشر. 2. قال بعض الأباء أنها تشير للخطايا العظيمة [ النهم والزنا ومحبة المال والغضب والغم والفتور الروحي وحب الظهور والكبرياء وعبادة الأوثان والتجديف]. وهذه هي خطايا الشعوب التي طردها الله أمامهم. 3. حينما يحدد الله الشعوب التي يطردونها عند دخولهم للأرض فالله يحدد لهم الأرض التي يأخذونها فلا يحاربون شعوباً اخري. 4. الأرض التي حددها الله محصورة بين نهرين خصيبين هما النيل والفرات بمعني أن عطايا الله كلها خيرات والنهر يشير للخير ولعطايا الروح القدس لذلك نجد في أورشليم السماوية نهراً رؤ 1:22 وكان في الجنة نهرا (تك 10:2). الأيات (20-21):- " 20وَالْحِثِّيِّينَ وَالْفَرِزِّيِّينَ وَالرَّفَائِيِّينَ 21وَالأَمُورِيِّينَ وَالْكَنْعَانِيِّينَ وَالْجِرْجَاشِيِّينَ وَالْيَبُوسِيِّينَ»."
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الخامس عشر عهد الله مع إبرام والذبائح المشقوقة (1) الوعد بالبركة ( ع 1 - 7 ) : ع 1 : ترس : قطعة خشبية تُغطى بالجلد ولها عروة يُدخِل فيها الجندي يده ، ويُستخدم الترس في صد السهام الملقاة عليه فيحمي بها وجهه وجسمه . ظهر الله لإبرام للمرة الخامسة وهو داخل خيمته ليلاً وواضح من هذا ظهورات الله الكثيرة له حتى سُمِيَّ صديقاً أو خليلاً لله لأنه تجرد عن العالم وعاش في البرية وتفرغ لمعرفة الله فظهر له كثيراً وصارا صديقين . وحديث الله معه يشمل ثلاثة أمور : 1- لا تخف : من كدرلعومر وكل من معه إن حاولوا محاربتك لأني معك . ولا تخف أيضاً من القبائل المحيطة بك أو أي شئ يمر بحياتك . 2- أنا ترس لك : يقدم الله نفسه حماية لإبراهيم كالترس الذي يحمي به الجندي نفسه ، وكما يتحرك الترس ليحمي الجندي سواء رأسه أو جسمه فكم بالأولى الله الذي يحيط بإبرام فيحميه حماية كاملة . 3- أجرك عظيم جداً : إن كنت يا إبرام قد تنازلت عن الغنائم التي أخذتها من كدرلعومر ، فعلى قدر تعففك أعطيك بركة لا يتخيلها عقل وهي أن يكون نسلك كنجوم السماء وتكون بركة للعالم كله بالمسيح الآتي من نسلك . + تذكر دائماً إلهك القوي المحب الذي يحميك ويحفظك في كل خطواتك فلا تضطرب من تقلبات العالم أو تهديدات الأشرار أو المستقبل المجهول وتذكر دائماً وردد كل يوم قول الله لك مع إبرام " أنا ترس لك " . ع 2 ، 3 : فرح إبرام بظهور الله له ، وبدالة الحب والصداقة سأله عن تفاصيل الأجر العظيم إذ لم يكتفِ بالممتلكات ولكن ذكَّره بوعده له أن يعطيه نسلاً مع أنه ليس له حتى الآن إبن بل إن مات فسيرثه رئيس عبيده المقرب إليه وهو أليعازر الدمشقي الذي وُلِدَ في بيته إذ أنَّ أباه وأمه كانا عبيداً له . ع 4 : أعلن الله لإبرام أنه سيعطيه نسلاً من إمرأته سارة ولن يرثه أحد عبيده . ع 5 : تأكيداً لوعد الله ، أخرج إبرام من الخيمة ليلاً وقال له أنظر إلى نجوم السماء وحاول أن تعدها ، فهي بالطبع كثيرة جداً ولا يمكن حصرها ، هكذا يكون نسلك من الكثرة كعدد النجوم ولا يمكن أن يُعد . ع 6 : يظهر هنا إيمان إبراهيم العظيم بالله ، فرغم أنَّ الكلام يفوق العقل إذ هو رجل عجوز والله يعده بنسل لا يمكن أن يُعَدّ ، ولكنه آمن فصار هذا دليلاً على بره وصلاحه . ع 7 : أعاد الله وعده له بأن يعطيه أرض كنعان ميراثاً له ولنسله كما قال له عندما أخرجه من مدينته أور الكلدانيين . (2) الذبائح المشقوقة ( ع 8 - 11 ) : ع 8 : لم يكن سؤال إبرام تشككاً بل طلباً لعلامة إذ لم يقل كيف بل بماذا ، كما سألت السيدة العذراء الملاك جبرائيل عن ولادتها للمسيح وهي تريد أن تظل بتولاً فأعلمها أنَّ الولادة من الروح القدس وليست من رجل . + ليكن لك دالة أمام الله واطلب منه ما تشاء ليثبت إيمانك ويسندك فهو أبوك الذي يحبك . وإن حاربك أي شك في كلام الله فردد أي مزمور أو صلاة لتثبت في إيمانك . ع 9 ، 10 : إعتاد الناس في ذلك الزمان أن يقطعوا عهودهم بذبح حيوان وشقه نصفين ووضعهما على الجانبين ومرور المتعاهدين بينهما دليلاً على تثبيت العهد ، وهذا رمز لدم المسيح الذي يثبت العهد بيننا وبين الله والذي نتناوله في العهد الجديد جسداً ودماً حقيقيين . فطلب الله من إبرام أن يقطع معه عهداً بنفس الأسلوب الذي يعمله الناس في زمانه وطلب منه أن يحضر عجلة عمرها ثلاث سنوات وعنزة عمرها ثلاث سنوات أيضاً وكذلك كبشاً في نفس العمر ويشق الثلاثة كل واحد إلى نصفين ويضع كل نصف أمام الآخر ويترك بينهما مسافة ليمر هو والله بينهما . وطلب منه الله أيضاً أن يذبح يمامة وحمامة دون أن يشقهما ، ولعله وضعهما كل واحدة مقابل الأخرى على الجانبين . ويكون عمرها ثلاث سنوات هو رمز للثالوث القدوس ، وترمز الحيوانات إلى النفوس التي تميل إلى الشهوات الحيوانية والطيور إلى النفوس التي تميل إلى السماويات وشق الحيوانات يرمز إلى الإنشقاقات والتحزبات التي تحدث بين الذين يميلون إلى الشهوات والعالم أما الروحانيون فلا يحدث بينهم إنشقاقات . ع 11 : ذبح إبرام الذبائح وشقها ووضعها منذ الصباح منتظراً ظهور الله بالشكل الذي يراه حتى يمر معه بين الذبائح المشقوقة ، وكانت الطيور الجارحة تقترب محاولة أكل هذه الذبائح فكان إبرام يجلس بجوارها منتبهاً ويبعدها . وترمز الطيور الجارحة للأفكار الشريرة التي تهاجم الإنسان ولا يستطيع منعها ولكن يمكنه أن يبعدها بالصلاة وطلب معونة الله . (3) عهد الله مع إبرام ( ع 12 - 21 ) : ع 12 : ظل إبرام طوال النهار ينتظر ظهور الله حتى غابت الشمس ، فنام نوماً عميقاً وشعر في نومه بخوف عظيم وظلام أي غموض لعدم معرفته ماذا سيقول له الله وكيف سيظهر ويقطع العهد معه . وهذا يُظهر مخافة الله التي كانت في قلبه رغم تمتعه بصداقة ودالة معه . ع 13 : تكلم الله مع إبرام وأعلمه بمستقبل نسله أنه سيذهب إلى بلد غريب ويستعبده أهل هذا البلد لمدة 400 سنة . ولم يذكر الله إسم البلد ، وهي مصر ، حتى لا يخافوا الذهاب إليها . ع 14 : يعد الله أن يدين هذه الأمة ، أي مصر ، التي تستعبد نسل إبراهيم وهذا ما حدث في الضربات العشر وغرق فرعون وجيشه في البحر الأحمر ، ووعده أيضاً أنَّ نسله سيأخذ أملاك جزيلة وهي الحُلي والملابس التي إستعاروها من المصريين فأعطوها لهم بكثرة وتركوهم ليخرجوا سريعاً بها ليقف غضب الله عليهم . ع 15 : أعلم الله إبراهيم أنه سيموت قبل حلول هذه الضيقات بنسله وأنه سيموت بشيبه صالحة أي في سلام بعد عمر مبارك وحياة نقية مع الله . ع 16 : وعد الله أيضاً أنَّ نسل إبراهيم سيرجعون إلى أرض كنعان في الجيل الرابع أي بعد أربعة قرون حيث يبيدون سكان أرض كنعان ويمتلكون أراضيهم ، والسبب في تأخير تملك نسل إبرام لأرض كنعان مدة 400 سنة حتى يعطي فرصة للأموريين أن يتوبوا وإن لم يتوبوا يكمُل إثمهم ويستنفذون كل فرصهم للتوبة فيبيدهم الله على يد يشوع ومن بعده . ع 17 : بعد إنتهاء كلام الله مع إبرام عن مستقبل نسله ، كانت الشمس قد غابت تماماً وغطت الظلمة الأرض وحينئذٍ ظهر عمود النار محاطاً بالدخان ومرَّ وسط الذبائح المشقوقة وكان هذا ظهوراً إلهياً ، لأنَّ إلهنا نار آكلة يرفض كل شر وهو قوي قادر أن يتمم عهده ويسحق كل من يقاوم إبرام . وقد مرَّ الله وحده وسط الذبائح المشقوقة ولم يأخذ معه إبرام لأنَّ الإنسان معرَّض للخطأ والرجوع عن العهد فقطع الله وحده العهد ليؤكد نفاذه وإتمامه . ع 18 : هذا باقي كلام الله لإبرام إذ وعده أنَّ نسله يمتلك الأراضي من نهر الفرات إلى نهر مصر وهو نهر موسمي يمتلئ بمياه الأمطار والسيول ويقع في سيناء . ع 19 : ذكر الله الشعوب التي تسكن الأرض التي سيمتلكها نسل إبراهيم وهم : 1- القينيين : كانوا يسكنون في أرض مديان شرق سيناء . 2- القنزيين : معناها الصيادون وهم من القبائل الكنعانية . 3- القدمونيين : ومعناهم القدماء . ع 20 : 4- الحثيين : بنو حث بن كنعان الذين سكنوا جنوب أرض كنعان . 5- الفرزيين : أي سكان القرى وسكنوا في أماكن متفرقة في أرض كنعان . 6- الرفائيين : أي الجبابرة الذين سكنوا أولاً شرق الأردن ثم طُرِدوا فسكنوا غرب فلسطين . ع 21 : 7- الأموريين : أي الجبليين لسكناهم في الجبال . 8- الكنعانيين : نسبة لكنعان بن حام وسكنوا المدن في كل أرض كنعان . 9- الجرجاشيين : سكنوا شرق بحر الجليل في شمال فلسطين . 10- اليبوسيين : سكنوا في أورشليم وما حولها . + بركة الله عظيمة لأولاده ولكن إن إحتاج الأمر فهو يسمح لهم بضيقات لمدة محدودة من أجل خلاصهم . فاقبل الضيقة بشكر حتى تقربك إلى الله وثق أنه من أجل خضوعك له سيباركك ويعوضك ببركات عظيمة .
مصادر أخرى لهذا الإصحاح