سفر التكوين 13
حجم الخط
مقاس الخط: 100%
أبونا تادرس يعقوب ملطي
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثالث عشر اعتزال إبرام لوطًا تدرب إبرام علي الترك من أجل الرب، والآن إذ عاد من مصر واغتني جدًا طلب من ابن أخيه لوط أن يعتزل مختارًا النصيب الذي يحسن في عينيه، محتملاً مفارقة لوط رفيق مسيرته الإيمانية لأجل السلام. 1. صعوده من مصر 1-4 2. اعتزاله عن لوط 5-9 3. اختيار لوط سدوم 10-13 4. الرب يبارك إبرام 14-18 1. صعوده من مصر: "فصعد إبرام من مصر هو وامرأته وكل ما كان له ولوط معه إلي الجنوب (Negeb)". إن كان إبرام قد نزل إلي مصر من اجل المجاعة وكاد أن يفقد زوجته ساراى، لكن من أجل نقاوة قلبه لم يتركه الله في مصر بل حفظ له زوجته وأعطاه نعمة في عيني فرعون الذي حثه علي الصعود من مصر، قائلاً له: "والآن هوذا امرأتك، خذها واذهب، فأوصي عليه فرعون رجالاً فشيّعوه وامرأته وكل ما كان له" (12: 19، 20). في هذه المرة لم يظهر له الرب لكي يدعوه للخروج. وإنما حدثه خلال فرعون الذي التجأ إبرام إلي أرضه، وكأنه يحدثه باللغة التي تناسبه في ذلك الحين. هذه هي معاملات الله مع الإنسان، إنه يحدث كل إنسان حسب ما يرتضي الإنسان لنفسه، فإذ كان إبرام بسيطًا للغاية في إيمانه ظهر له وكلمه مباشرة، وإذ لجأ لفرعون حدثه بفرعون، وعندما صار بلعام جاهلاً كالآتان حدثه خلال آتانه (عد 22: 28-30)، وعندما كان شاول الطرسوسي عنيفًا للغاية حدثه خلال لغة فقدان بصيرته المؤقتة (أع 9: 8، 9)، وإذ كان المجوس منهمكين بالدراسات الفلكية حدثهم بالنجم... هكذا يخاطب الله الإنسان بلغته. "صعد من مصر إبرام ومعه امرأته وكل ما كان له ولوط معه". هكذا يليق بنا حتى إن نزلنا إلي الاتكاء علي ذراع بشري (فرعون) ألا نبقي في الضعف بل نصعد، نصعد كل واحد ومعه امرأته وكل ما له وكل أقربائه، أي ينطلق بروحه كما بجسده (امرأته) وكل طاقاته، ولا يترك شيئًا مما له مرتبكًا بالأمور الزمنية البشرية. بمعني آخر ليكن صعودنا كاملاً منطلقين إلي أرض الموعد، نعيش تحت جناحي إلهنا! خرج إبرام من التجربة التي كشفت عن ضعفه ببركات كثيرة فقد أدرك رعاية الله الفائقة له، إذ لم يستطع فرعون أن يمس امرأته، بل وصار إبرام "غنيًا جدًا في المواشي والفضة والذهب". ما هو سر الغني؟ إن كان عن ضعف سقط إبرام، لكنه بقوة الروح لم يستسلم للسقوط، وكأنه يقول: "لا تشمتي بي يا عدوتي، إذا سقطت أقوم، إذا جلست في الظلمة فالرب نور لي" (مى 7: 8) فالنفس المؤمنة المملوءة رجاءً تتحول حتى ضعفاتها إلي فرص لاقتناء غني أعظم. عندما سقط ثيؤدور في حب امرأة جميلة تاركًا الحياة الرهبانية أرسل إليه القديس يوحنا الذهبي الفم يؤكد له أن يأسه أكثر مرارة من الزنى، فبعث إليه برسالتين حتى تاب وصار قسًا فأسقفًا علي منطقة ما بين النهرين (المصيصة)، فمن كلمات القديس له: [إن كان الشيطان لديه هذه القدرة أن يطرحك أرضًا من العلو الشامخ والفضيلة السامية، إلي أبعد حدود الشرور فكم بالأكثر جدًا الله قادرًا أن يرفعك إلي الثقة السابقة ولا يجعلك فقط كما كنت، بل اسعد من ذي قبل. لا تيأس، ولا تطرح الرجاء الحسن، ولا تسقط فيما سقط فيه الملحدون، فإنه ليست كثرة الخطايا هي التي تؤدي إلي اليأس بل عدم تقوى النفس]. مرة أخري يقول: [لأن الشرور التي ارتكبناها لا تغيظ الله قدر عدم رغبتنا في التغير. لأن من يخطئ يكون قد سقط في ضعف بشري، وأما من يستمر في الخطية فإنه يبطل إنسانيته ليصير شيطانًا. أنظر كيف يلوم الله علي فم نبيه العمل الثاني أكثر من الأول: "فقلت بعدما فعلتِ كل هذه ارجعي إليّ فلم ترجع" (إر 3: 7)]. إن كان إبرام قد أضاع زمانًا بنزوله إلي مصر ورجوعه منها إلي أرض الجنوب ثم إلي بيت إيل "إلى المكان الذي كانت خيمته فيه في البدء بين بيت إيل وعاي" ، أي رجع إلي حيث كان أولاً... لكنه خرج من التجربة منتفعًا وغنيًا جدًا! هكذا لا يتوقف أولاد الله عن النمو المستمر والدخول إلي الغني الروحي حتى إن تعرضوا في حياتهم لضعفات أو سقطات وظنوا أنهم فقدوا السنوات ليبدءوا من جديد من حيث كانوا قبلاً. يشهد الكتاب عن إبرام أنه كان: "غنيًا جدًا في المواشي والفضة والذهب" ، هذا الغني لم يعفه عن غني النفس، إذ لم يكن قادرًا علي احتلال القلب الداخلي وارباك الفكر، إنما تمتع إبرام مع الغني الزمني بغني الروح المفرح. يقول القديس أغسطينوس: [لكي تعرف أن الغنى في ذاته لا يُلام، كان إبراهيم غنيًا له ذهب كثير وفضة ومواشي وغلمان، وقد حمل في حضنه لعازر الفقير (لو 16: 22). وُجد الفقير في حضن الغني، أليس الاثنان غنيين في عيني الله؟!]. 2. اعتزاله عن لوط: "لوط السائر مع إبرام كان له أيضًا غنم وبقر وخيام، ولم تحتملها الأرض أن يسكنا معًا، إذ كانت أملاكهما كثيرة... فحدثت مخاصمة بين رعاة مواشي إبرام ورعاة مواشي لوط... فقال إبرام للوط: "لا تكن مخاصمة بيني وبينك، وبين رعاتي ورعاتك، لأننا نحن أخوان. أليست كل الأرض أمامك؟! اعتزل عني، إن ذهبت شمالاً فأنا يمينًا، وإن يمينًا فأنا شمالاً" [5-9]. يري البعض أن كلمة "لوط" تعني (غطاء) أو (حجاب)]. فإن كان لوط قد رافق إبرام في مسيرته الإيمانية، لكن الفارق بينهما أن إبرام يحمل قلبًا بسيطًا مكشوفًا، ما بداخله مُعلن خلال ما بخارجه لذا كان يغتصب الملكوت وينمو في المعرفة بلا توقف، أما لوط فكان يسير مع الموكب الإيماني بقلب مغلق، يحمل في أعماقه شيئًا من حبه للذات وارتباط بالعالم، أما في الخارج فيبدو كرجل إيمان ورفيق لأعظم أب، لهذا كان الزمن يفضح ضعفاته والتجارب تكشفه... وكان ينهار من يوم إلي يوم حتى فقد زوجته وممتلكاته وتدنس مع ابنتيه، وإن كنا لا ننكر بعض الجوانب الطيبة فيه. كان لوط رفيقًا لإبرام، وصار الاثنان غنيّين، لكن لوطًا كان في غناه "له غنم وبقر وخيام" ، "ولم يكن له فضة وذهب" كإبرام . فإن كانت الفضة تشير إلي كلمة الله والذهب يشير إلي الروح أو الحياة السماوية، فإن إبرام كان في غناه متمسكًا بكلمة الله أو الوصية كسرّ غني داخلي، وكما يقول المرتل: "بطريق شهاداتك فرحت كما علي كل الغني" (مز 119: 14). وكان أيضًا متمسكًا بالغني الروحي أو الحياة السماوية (الذهب)، فلم تشغله المواشي عن الأبدية! كان إبرام غنيًا بمواشيه منفتحًا بقلبه علي وصية الله وملكوته السماوي، أما لوط فكان مهتمًا بالغنم والبقر والخيام الزمنية بقلب محتجب عن معاينة الملكوت السماوي. لقد شعر إبرام بما حدث بين رعاة مواشيه ورعاة مواشي ابن أخيه لوط، وفي محبة من أجل السلام الأخوي طلب من ابن أخيه أن يعتزل في الموضع الذي يروق في عينيه، وكما يقول القديس أغسطينوس: [ربما من هنا نشأت عادة مسالمة بين البشر أنه متي كانت قسمة في أمور أرضية يقوم الأكبر بالتقسيم والأصغر بالاختيار]. إبرام وهو الأكبر ترك للأصغر حق الاختيار بفرح ورضي، الأمر الذي كشف قلبه المؤمن وفضح قلب لوط المادي... وكأن التجربة زكت إبرام وفضحت لوطًا. يتحدث القديس يوحنا الذهبي الفم عن إبراهيم الذي كان متقدمًا في الكرامة كيف لم يقلق لأن ابن أخيه قبل أن يختار معطيًا لنفسه النصيب الأول وتاركًا لعمه النصيب الثاني الأصغر، إذ يقول: [عندما صار الحال إلي أردأ وفقد (هذا الأب) نصيبه الأول لم يغضب... بل كان مقتنعًا أن يتقبل الموضع الثاني، عندما أخطأ في حقه الأصغر وهو الكبير، بكونه العم مع ابن أخيه، لم يسخط عليه ولا تعلل، بل أحبه كنفسه وقدم له عونًا عند الحاجة]. كما قال: [لم يطلب إبراهيم نفعه الخاص بل نفع الكثيرين، لذلك عرّض نفسه للمخاطر، وتضرع إلي الله من أجل من ليس له صلة بهم إطلاقًا... أما ابن أخيه فإذ سمع القول: "إن ذهبت يمينًا فأنا شمالاً" قبل حق الخيار، وسعي نحو نفعه الخاص، ففقد ماله إذ احترقت هذه المنطقة (تك 19) بينما ظلت بقية المناطق المحيطة لم يمسها ضرر]. 3. اختيار لوط سدوم: "فرفع لوط عينيه ورأي كل دائرة الأردن أن جميعها سقي قبلما أخرب الرب سدوم وعمورة، كجنة الرب كأرض مصر، حينما تجيء إلي صوغر، فاختار لوط لنفسه كل دائرة الأردن... ونقل خيامه إلي سدوم، وكان أهل سدوم أشرارًا وخطاة لدي الرب جدًا" [10– 13]. ربما وقف إبرام وابن أخيه لوط معًا علي إحدى مرتفعات بيت إيل... ورفع إبرام نظره ليذكر عدن التي حرم منها الإنسان بسبب حسد إبليس، فضم لوطًا إلي قلبه بالحب قائلاً: "لأننا نحن أخوان" ، أما لوط فرفع عينيه ليري الأرض سقي ... منظر واحد يسحب قلب إبرام إلي الحب الأخوي وقلب لوط إلي الأنانية، الأول اشتهى الفردوس والآخر طلب الأرض السقي... رفع لوط عينيه ليري الأرض "كجنة الرب كأرض مصر"... تذكر "عدن" لكن لا في سلامها الداخلي ولقاء الإنسان مع الرب وإنما في زراعاتها وخصوبتها كأرض مصر... هكذا امتزجت الروحيات بالزمنيات بغير تمييز أو إفراز... إنه يمثل الإنسان المتدين، صاحب المعرفة النظرية والممارسات الشكلية، أما قلبه ففي محبة العالم غارقًا، وفي الأرض زاحفًا. أما الخطأ الثالث الذي ارتكبه لوط بجانب أنانيته وعدم تمييزه بين ما هو روحي وما هو زمني فهو عدم مبالاته بسكان المنطقة إذ كانوا "أشرارًا وخطاة لدي الرب جدًا"، الأمر الذي أفقده وعائلته الكثير، روحيًا وماديًا. 4. الرب يبارك إبرام: إن كان لوط بنظرته المادية انجذبت عيناه إلي الأرض السقي التي حسبها كجنة الرب كأرض مصر ، فباعتزاله إبرام تمتع إبرام بمواعيد الله الفائقة: "ارفع عينيك وانظر من الموضع الذي أنت فيه شمالاً وجنوبًا وشرقًا وغربًا... قم أمش في الأرض طولها وعرضها، لأني لك أعطيها" . لم يرد الله أن يحصر إبرام في اتجاه واحد وإنما طالبه بالتطلع نحو الاتجاهات الأربع، لكي يري محبة المسيح الفائقة في طولها وعرضها وعمقها وارتفاعها، تحصره (2 كو 5: 14؛ 3: 18). ولعله بالنظر إلي الاتجاهات الأربع يكون قد رأي الصليب بالإيمان الذي به يملك السيد المسيح الخارج من نسل إبرام علي الشعوب والأمم التي صارت خلال العبادة الوثنية أرضًا. أما قوله: "قم امش في الأرض طولها وعرضها" فيكشف عن عمل الله في حياة القائمين بالرب القائم من الأموات، الذين لا يتراخون بل يمشون بلا توقف حتى يملكوا تمامًا وكما يقول القديس أمبروسيوس: [لم يعد بالمكافآت للذين ينامون والكسالى بل للمجاهدين]. إذ نال إبرام وعدًا بميراث الأرض لنسله الذي لا يُعد... مع أنه لم يكن بعد قد أنجب ابنًا، بإيمان قبل المواعيد دون نقاش بل نقل خيامه "وأتى وأقام عند بلوطات ممرا التي في حبرون وبنى هناك مذبحًا للرب" ... هناك عند بلوطات ممرا يستضيف الله وملاكين وينال وعدًا بميلاد إسحق (تك ١٨)، وإذ نترك الحديث عن بلوطات ممرا للأصحاح الثامن عشر، نود الإشارة إلى "حبرون" أنها تعني في رأي العلامة أوريجانوس "اقتران" أو "زواج"، ويرى البعض أنها تعني "شركة"... فمع كل لقاء حقيقي مع الله وتمتع بوعوده ندخل إلى "حياة شركة" أعمق، خلالها نرفض كل اقتران بمحبة الزمنيات لذبح عريس نفوسنا ربنا يسوع. رحل لوط إلى سدوم وعمورة ليعيش في الأرض السقي بين الأشرار، فيفقد كل شيء، ورحل إبرام إلى بلوطات ممرا التي في حبرون ليستضيف الله وملاكيه وينعم بحياة شركة مع الله على مستوى أعمق. حياتنا رحيل مستمر بلا توقف، إما نحو سدوم حيث الهلاك أو نحو بلوطات ممرا حيث اللقاء مع واهب الحياة!
أبونا أنطونيوس فكري
فتح صفحة المصدر
سفر التكوين
الإصحاح الثالث عشر
أية (1):- " 1فَصَعِدَ أَبْرَامُ مِنْ مِصْرَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ وَكُلُّ مَا كَانَ لَهُ، وَلُوطٌ مَعَهُ إِلَى الْجَنُوبِ. "
إلي الجنوب: أي جنوب أرض فلسطين. وصعود إبراهيم من أرض مصر يشير لقيام كل خاطئ من سقطته وعدم إستسلامه (مي 8:7). ودائما نعود محملين بالبركات.
الأيات (2-5):- "2وَكَانَ أَبْرَامُ غَنِيًّا جِدًّا فِي الْمَوَاشِي وَالْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ. 3وَسَارَ فِي رِحْلاَتِهِ مِنَ الْجَنُوبِ إِلَى بَيْتِ إِيلَ، إِلَى الْمَكَانِ الَّذِي كَانَتْ خَيْمَتُهُ فِيهِ فِي الْبَدَاءَةِ، بَيْنَ بَيْتِ إِيلَ وَعَايَ، 4إِلَى مَكَانِ الْمَذْبَحِ الَّذِي عَمِلَهُ هُنَاكَ أَوَّلاً. وَدَعَا هُنَاكَ أَبْرَامُ بِاسْمِ الرَّبِّ. 5وَلُوطٌ السَّائِرُ مَعَ أَبْرَامَ، كَانَ لَهُ أَيْضًا غَنَمٌ وَبَقَرٌ وَخِيَامٌ.
إلي بيت أيل: الله أعاده إلي المكان الذي كان فيه في البداية والله لا يستريح إلا بهذا .
وعودته لبيت أيل :-
1. تعيد له الذكريات الأولي الحلوة مع الله وهذا مفيد جداً.
2. ربما عودته لبيت أيل كانت لتقديم الشكر لله علي عودته هو وسارة سالمين.
3. هو عاد إلي مذبحه القديم.
غنياً جداً: هو خرج من التجربة منتفعاً وغنياً جداً وهكذا أولاد الله لا يتوقفوا في نموهم المستمر والدخول إلي الغني الروحي حتي لو تعرضوا لضعفات أو سقطات. وكون إبراهيم كان غنياً جداً هذا يعطي رجاء للأغنياء. فالأغنياء لا تكون السماء مغلقة أمامهم إذا لم يتكلوا علي أموالهم وإذا لم تكن أموالهم قد سببت لهم كبرياء. أو أن حب أموالهم دخل إلي قلوبهم وأربك فكرهم. الفارق بين إبرام ولوط هنا أن أبرام كان له ذهباً وفضة= والذهب يشير للسماويات أو الحياة السماوية والفضة تشير إلي كلمة الله. فكأن إبرام كان يحيا حياة سماوية متمتعاً بكلمة الله أو الوصية كسر غني داخلي. فغناه الحقيقي كان داخله وليس خارجه. أما لوط فيمثل الإنسان المتدين الذي له معرفة نظرية بالله ويصاحب من هم في الكنيسة ولكن قلبه مع العالم( غنم وبقر وخيام). وما يكشف كلاهما (قلب إبراهيم وقلب لوط) هو التجارب (النار هي التي تمتحن القش أو الذهب). وهذا ما سنراه بعد ذلك.
الأيات (6-13):- "6وَلَمْ تَحْتَمِلْهُمَا الأَرْضُ أَنْ يَسْكُنَا مَعًا، إِذْ كَانَتْ أَمْلاَكُهُمَا كَثِيرَةً، فَلَمْ يَقْدِرَا أَنْ يَسْكُنَا مَعًا. 7فَحَدَثَتْ مُخَاصَمَةٌ بَيْنَ رُعَاةِ مَوَاشِي أَبْرَامَ وَرُعَاةِ مَوَاشِي لُوطٍ. وَكَانَ الْكَنْعَانِيُّونَ وَالْفَرِزِّيُّونَ حِينَئِذٍ سَاكِنِينَ فِي الأَرْضِ. 8فَقَالَ أَبْرَامُ لِلُوطٍ: «لاَ تَكُنْ مُخَاصَمَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ، وَبَيْنَ رُعَاتِي وَرُعَاتِكَ، لأَنَّنَا نَحْنُ أَخَوَانِ. 9أَلَيْسَتْ كُلُّ الأَرْضِ أَمَامَكَ؟ اعْتَزِلْ عَنِّي. إِنْ ذَهَبْتَ شِمَالاً فَأَنَا يَمِينًا، وَإِنْ يَمِينًا فَأَنَا شِمَالاً».10فَرَفَعَ لُوطٌ عَيْنَيْهِ وَرَأَى كُلَّ دَائِرَةِ الأُرْدُنِّ أَنَّ جَمِيعَهَا سَقْيٌ، قَبْلَمَا أَخْرَبَ الرَّبُّ سَدُومَ وَعَمُورَةَ، كَجَنَّةِ الرَّبِّ، كَأَرْضِ مِصْرَ. حِينَمَا تَجِيءُ إِلَى صُوغَرَ. 11فَاخْتَارَ لُوطٌ لِنَفْسِهِ كُلَّ دَائِرَةِ الأُرْدُنِّ، وَارْتَحَلَ لُوطٌ شَرْقًا. فَاعْتَزَلَ الْوَاحِدُ عَنِ الآخَرِ. 12أَبْرَامُ سَكَنَ فِي أَرْضِ كَنْعَانَ، وَلُوطٌ سَكَنَ فِي مُدُنِ الدَّائِرَةِ، وَنَقَلَ خِيَامَهُ إِلَى سَدُومَ. 13وَكَانَ أَهْلُ سَدُومَ أَشْرَارًا وَخُطَاةً لَدَى الرَّبِّ جِدًّا."
كانت التجربة التي كشفت قلبيهما هي المشاجرة بين الرعاة فماذا اختار الاثنين:-
لوط أختار ما يرفع ذاته ويلذذه ولم يهتم بأن يكون جيرانه من الأشرار: فكان أهل سدوم أشراراً وخطاة لدي الرب جداً. أما إبراهيم الذي تجرد من كل شئ فقد ترك لوط يختار لنفسه معتمداً علي الله الذي يختار له، فكان نصيبه سلام قلبي داخلي بل هو إمتلك في نسله كل الأرض. (مت 40:5). لوط سار مع إبراهيم في رحلة الخروج من أور لكن بقلب مغلق حمل في داخله محبة العالم لكن في خارجه كان يبدو رفيقاً لرجل الأيمان. ودعوة إبرام للوط أن يعتزلا كانت من أجل السلام بينهما فيبدو أن لوط لم ينهر رجاله بل ناصرهم وأيدهم وعند الإختيار كان المفروض أن لوط يترك لإبرام الأكبر والأقوي إيماناً أن يختار لكن إذ بأدب وتواضع وإنكار ذات طلب منه إبرام أن يختار. لم يرد ان يخسر الفرصة فإختار أحسن الأرض. فهذه التجربة كشفت عن قلب إبرام المتغرب عن العالم وقلب لوط المادي. ولقد احترقت كل سدوم وعمورة وذهبت إمراة لوط وفسدت ابنتيه. هذا هو مصير محبة العالم ولكن لا يمكن لنا أن ننكر أنه كانت هناك جوانب طيبة في لوط ( 2بط 6:2-8) ولقد أثبتت الأثار فعلاً خصوبة أرض سدوم أيام إبراهيم وعجيب أن يكون سكانها بهذا الشر فحين يتنعم الأنسان جداً ينجذب للشر جداً، لذلك تكثر كنيستنا من أصوامها.
وكان الكنعانيون والفرزيون حينئذ ساكنين في الأرض= بنفس المفهوم السابق. والسؤال هل كان يليق هذا الخلاف بين الأخوة أمام هؤلاء. والسؤال موجه لكل منا. هل يصح أن نتخاصم مع أخوتنا ويشمت فينا الشياطين. لأننا نحن أخوان: إبرام عينه كانت علي الله أما لوط فإنغلق علي أنانيته. حينما تجيء إلي صوغر: جاءت في بعض الترجمات صوعن وهي في مصر علي ضفاف النيل فإن كانت هكذا يكون المعني أن الأرض جيدة كأرض مصر. وإذا كانت صوغر فهي بلدة تبعد عن سدوم عدة كيلومترات ذهب لوط لها قبل الحريق ويكون المعني أنه امتلك في الأرض ما بين سدوم وصوغر.
الأيات (14-17):- "14وَقَالَ الرَّبُّ لأَبْرَامَ، بَعْدَ اعْتِزَالِ لُوطٍ عَنْهُ: «ارْفَعْ عَيْنَيْكَ وَانْظُرْ مِنَ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَنْتَ فِيهِ شِمَالاً وَجَنُوبًا وَشَرْقًا وَغَرْبًا، 15لأَنَّ جَمِيعَ الأَرْضِ الَّتِي أَنْتَ تَرَى لَكَ أُعْطِيهَا وَلِنَسْلِكَ إِلَى الأَبَدِ. 16وَأَجْعَلُ نَسْلَكَ كَتُرَابِ الأَرْضِ، حَتَّى إِذَا اسْتَطَاعَ أَحَدٌ أَنْ يَعُدَّ تُرَابَ الأَرْضِ فَنَسْلُكَ أَيْضًا يُعَدُّ. 17قُمِ امْشِ فِي الأَرْضِ طُولَهَا وَعَرْضَهَا، لأَنِّي لَكَ أُعْطِيهَا»."
نجد هنا بركة الله لإبرام الذي تنازل عن حقه في الإختيار فأعطاه الله الأرض كلها هو ترك قسم فأخذ الكل. ومن اختار لنفسه وسط الأشرار خسر كل شئ. التجارب تزيد المؤمنين قوة وبركة وتكشف أعمال المرائين وتفضحها. وقد يكون النظر للإتجاهات الأربعة إشارة للصليب الذي به سيملك المسيح الخارج من نسل إبرام علي كل الشعوب وقوله قم إمش: يشير لقيامة المسيح، ولشعبه الذي يعمل ولا يتراخ بل يمشي دائماً في اتجاه السماء.
أجعل نسلك كتراب الأرض: قال له الله هذا في النهار أما وهو يكلمه في المساء فيقول كنجوم السماء (5:15). عموما فابراهيم اب للمؤمنين كلهم يهود و امم . واليهود يشار لهم بنجوم السماء (هم كانوا قبل ان ياتي المسيح شمس البر ) ، واب للمؤمنين بالمسيح من الامم ، ويشار لهم هنا برمل البحار ، الذي يمكن رؤيته في نور الشمس .
أية (18):- "18فَنَقَلَ أَبْرَامُ خِيَامَهُ وَأَتَى وَأَقَامَ عِنْدَ بَلُّوطَاتِ مَمْرَا الَّتِي فِي حَبْرُونَ، وَبَنَى هُنَاكَ مَذْبَحًا لِلرَّبِّ."
بلوطات ممرا: ممرا كان رجلا أموريا كان إبرام ضيفاً عنده ثم إتحد معه بعد ذلك.
بني مذبحاً للرب: كأنه يقول للرب أنت نصيبي وإن تركني أقربائي "معك لا أريد شيئاً علي الأرض" فهو في الله يمتلك كل شئ. وعند بلوطات ممرا تقابل مع الله وإستضافه مع الملاكين. وعاش في شركة مع الله. حياته كانت رحيل مستمر نحو شركة أعمق مع الله. وأما لوط فكان رحيله إلي سدوم حيث الهلاك وخسارة كل شئ.
كنيسة مار مرقس كليوباترا
فتح صفحة المصدر
الأصحاح الثالث عشر
إبتعاد لوط عن إبرام
(1) رجوع إبرام إلى كنعان ( ع 1 - 4 ) :
ع 1 : فصعد : لأن كنعان تقع شمال مصر . عاد إبرام وكل من معه من مصر إلى جنوب كنعان حيث كان يقيم قبل ذهابه إلى مصر .
ع 2 : رغم أنَّ إبرام قد أخطأ ولكن الله ستر عليه وأنقذه وأعاد أليه ساراي بل وأخجله بكثرة الهدايا من فرعون بالإضافة إلى بركة الله إليه في غنمه ، فصار غنياً جداً في الدواب التي يمتلكها بل كان معه فضة وذهب كثير ، وذلك لأنه آمن بالله وقبل ترك أهله وعشيرته ليسكن في البرية .
+ على قدر إيمانك واتكالك على الله وطاعتك لوصاياه مهما بدت صعبة ، سيباركك ببركات روحية ومادية حتى تخجل من كثرة محبته ويثبِّت إيمانك وتزداد طاعتك له .
ع 3 ، 4 : تحرك إبرام شمالاً في أرض كنعان ناقلاً خيمته من مكان إلى مكان حتى وصل إلى بيت إيل التي كان يقيم فيها ( خريطة 6 ) ، وهكذا عاد إلى نفس مكانه ، ورغم أنه أضاع وقتاً من حياته بلا داعٍ بنزوله إلى مصر وتعرضه لتجربة صعبة ، ولكنه إستفاد منها وعلم أنَّ حياته لا تستقر إلا في البرية أي بالتجرد وأمام مذبح الله حيث يرفع الصلوات والذبائح فيجد راحته .
+ لا تبتعد عن المذبح والتناول من الأسرار المقدسة فهي حياتك ، وعلى المذبح تضع كل طلباتك فتنال قوتك وتقوم من خطاياك وتتمتع بعِشرة الله وتحتفظ بسلامك وسط إضطرابات العالم .
(2) إعتزال لوط عن إبرام ( ع 5 - 9 ) :
ع 5 : بارك الله في أغنام وممتلكات لوط كما بارك في ممتلكات إبرام لأنه آمن بالله ورافق عمه في مسيرة الإيمان والتجرد والترك من أجل الله .
ع 6 ، 7 : لكثرة المواشي أصبحت المراعي وعيون الماء أقل من إحتياجاتها ، وحاول كل فريق من الرعاة الإستيلاء على المراعي الأفضل عند خروجهم كل يوم للرعي معاً فحدثت صدامات ومشاكل بينهما . وفي نفس الوقت كانت قبائل الكنعانيين والفرزيين تسكن حولهم ويخرج أيضاً رعاتهم بمواشيهم للرعي ، فكان منظراً سيئاً وهو تشاجر وتخاصم المؤمنين أي رعاة إبرام ورعاة لوط أمام الوثنيين سكان الأرض .
ع 8 ، 9 : تدخل إبرام ، إذ سمع بهذه المشاجرات والمخاصمات بين الرعاة ، وتكلم مع لوط لإيقافها وحدَّثه بكل اتضاع إذ قال له " نحن أخوان " مع أنَّ إبرام هو الأكبر وهو عمه ، وأعطاه حق الإختيار للأرض والمراعي الأفضل فقال له لنسكن معاً ولكن نتباعد قليلاً ليكون لكل واحد فرصة للرعي بحرية ونوقف المشاكل لنحتفظ بسلامنا ومحبتنا . وهنا تظهر أهمية القائد الروحي أو رب الأسرة أو الخادم في حفظ السلام لمن معه وحل المشاكل .
+ إهتم بسلامك فوق كل إهتمام مهما كان ثمن ذلك واتضع أمام الكل وتنازل عن أي شئ مادي واحتمل إساءات من حولك لأنك بسلامك هذا تستطيع أن تواصل حياتك الروحية وتعيش في فرح وتكسب محبة الكثيرين وبالتالي تستطيع التأثير فيهم وجذبهم إلى الله .
(3) ذهاب لوط إلى سدوم ( ع 10 - 13 ) :
ع 10 ، 11 : دائرة الأردن : أي سهل الأردن أو وادي الأردن بجوار النهر . سقي : تكثر فيها المياه سواء من نهر الأردن أو من البِرَك التي كانت تكثر هناك . سدوم وعمورة : مدينتان تقعان جنوب البحر الميت . صوغر : مدينة صغيرة بطرف وادي الأردن جنوب شرق البحر الميت سيأتي الكلام عنها أيضاً في ( ص 19 ) . يبدو أنَّ لوط قد إرتفع فوق تل وأخذ يبحث عن أكثر مكان خصب ، أو من خلال تجواله في أرض كنعان وما سمعه من سكانها ، فعلم أنَّ دائرة الأردن أرض خصبة تكثر فيها المراعي والمياه وتشبه في خصوبتها وغناها أرض مصر بل يشبِّهها بالجنة التي عاش فيها آدم وحواء لكثرة خصوبتها ، وهذه الدائرة تشمل بلاد سدوم وعمورة وبلاداً أخرى ؛ فابتهج بها واختارها ليسكن فيها . وهنا تظهر النظرة المادية عند لوط والتي أزعجته كثيراً ، فرغم إيمانه بالله لكن محبة الماديات طمست عينيه فجعلته يختار الغنى أكثر من الإقتراب من عمه إبرام قائد مسيرة الإيمان . فكان يمكنه أن يبتعد قليلاً حتى لا تحدث مخاصمات بين الرعاة وفي نفس الوقت يظل على علاقة وثيقة به ليتتلمذ على يديه ، ولكنه فضَّل الماديات عن الحياة الروحية مع إبرام .
+ إحترس من محبة المال فهي أصل لكل الشرور واستخدم كل ما في العالم بمقدار ، ولا تنغمس في شهواته حتى تعطي فرصة لإيمانك أن ينمو وتزداد محبتك نحو الله فتجد خلاص نفسك .
ع 12 ، 13 : بقى إبرام في برية كنعان حيث التجرد وغربة العالم ، أما لوط فسكن في سدوم حيث الأرض الخصبة رغم علمه أنَّ سكان سدوم أشرار ، ولكنه استهان وسكن وسط الأشرار ، فتعذب قلبه كل يوم بما يراه من شرورهم بل تأثر هو وأسرته بهم . إنها محبة المال التي تعمي الإنسان عن رؤية الله فيتهاون مع الشر .
(4) بركة الرب لإبرام ( ع 14 - 18 ) :
ع 14 ، 15 : ظهر الله مرة رابعة لإبرام لأنه عاد إلى حياة التجرد في البرية وترك الله يختار له المكان الذي يسكنه ، أما لوط فاختار لنفسه الغنى المادي . وهكذا تمتع إبرام المتجرد برؤية الله مرات كثيرة ، بل ونال منه مواعيد عظيمة إذ قال له " قم وتمشى في الأربعة جهات " ليعلن له أنَّ كل الأرض التي يقيم فيها سيعطيها له ولنسله ، وآمن إبرام بهذا رغم أنه لم يكن قد رُزِقَ بعد بنسل . ومشيه في الأربعة جهات هو على مثال الصليب الذي به ننال كل الخيرات الروحية . وقول الله أنه يعطي الأرض لنسل إبراهيم إلى الأبد يقصد بها طوال الحياة على الأرض إن كانوا يعيشون في نفس إيمان إبرام ، ولكن عندما تركوا الإيمان فقدوا الأرض ، كما حدث في السبي وعندما رفضوا الإيمان بالمسيح ، فخربت أورشليم .
ع 16 ، 17 : وعده الله بالنسل الكثير الذي شبَّهه بتراب الأرض الذي لا يمكن عده لكثرته ، وعاد فطلب منه أن يتمشى في الأرض واثقاً أنها أصبحت ملكه بوعد الله .
ع 18 : ممرا : إسم رجل أموري . حبرون : معناه مصاحبة أو تزاوج وهي قرية تبعد 20 ميلاً جنوب أورشليم ومكانها الآن مدينة الخليل نسبة إلى إبراهيم خليل الله ، وكانت تسمى أولاً قرية أربع نسبة إلى رجل يسمى أربع أحد رؤساء قبيلة العناقيين . فرح إبرام بوعد الله واستمر في حياة الغربة فنقل خيامه إلى منطقة فيها بعض أشجار البلوط تسمى بلوطات ممرا بجوار قرية تسمى حبرون ، وهناك مارس حياته الروحية ببناء مذبح رفع عليه ذبائح وصلوات كثيرة ( خريطة 6 ) .
+ عندما تقرأ الكتاب المقدس وترى وعود الله الكثيرة المقدمة لك ، تمسك بصلواتك وغربتك عن العالم فتزداد بركات الله لك ويظهر الله في حياتك فتتمتع به .
اقتراحات القراءة
مصادر أخرى لهذا الإصحاح