كلمة منفعة
ثلاث فضائل ينبغي أن تدخل في كل فضيلة لتصبح فضيلة حقيقية: وهي المحبة والتواضع والحكمة(1).
— ثلاث فضائل: المحبة، التواضع، الحكمة
السبي
السبي، سبي
حجم الخط
السبي
أولاً- المملكة الشمالية (إسرائيل) :
(1) غزوات شلمنأسر الثاني ملك أشور (860-825ق.م) تأسست الإمبراطورية الأشورية فى نحو سنة ألفين قبل الميلاد ، وبدأ أول احتكاك لها بمملكتي إسرائيل ويهوذا فى عهد شلمنأسر الثاني ، وهو غير شلمنأسر الرابع المذكور فى سفر ملوك الثاني (17 ، 18) ، والذي جاء بعد شلمنأسر الثاني بنحو قرن من الزمان . وكان شلمنأسر الثاني - الذي حكم طويلاً- معاصراً ليهوشافاط ويهورام وأخزيا ويهواش ملوك يهوذا ، ولأخآب وأخزيا ويهورام وياهو ملوك إسرائيل ، وكذلك لحزائيل وبنهدد الثاني ملوك أرام فى دمشق ، ولميشع ملك موآب . ومصادر تاريخه هي ما نقشه فى أيامه على صخور أرمينية ، والمسلة السوداء التى اكتشفها " لايارد "(Layard) فى نمرود ، والمحفوظة الآن فى المتحف البريطاني ، والنصوص المحفورة على الأبواب البرونزية فى" بالاوات" والتى اكتشفها " هورموزد رسَّام" فى 1878م ، ورأى فيها الأبواب الدوارة فى قصر شلمنأسر . ونعلم من كل هذه المصادر أنه واجه فى السنة السادسة من ملكه ، قوات دمشق وحماة وإسرائيل وغيرها ، التى تحالفت معاً لمقاومة تقدمه غرباً، ولكنه استأصل هذه القوات تماماً فى موقعه قرقر (854 ق.م) وكان هذا الخطر الكاسح قد دفع سورية وإسرائيل إلى التحالف ، وهو ما تؤيده القصة الكتابية عن عقد معاهدة بينهما ، شجبها نبي الله (1مل 20 : 34-43) ، أقاموا بعدها ثلاث سنين بدون حرب بين أرام وإسرائيل (1مل 22 : 1) ولكن يبدو أن الهزيمة النكراء التى أوقعها بهم شلمنأسر قد قضت على هذا التحالف ، لأننا - بعد ذلك - نجد أخآب يتحالف مع يهوشافاط ملك يهوذا - فى محاولة فاشلة - لاسترداد مدينة راموت جلعاد من أرام بعد أن أصابتهما الهزيمة ، ولكن تلك المحاولة انتهت بقتل أخآب (1مل 22) وفى غزوة أخرى للغرب - لم يسجل الكتاب المقدس عنها شيئاً- أخذ شلمنأسر الجزية من صور وصيدون ، ومن ياهو ملك أرض عمري - كما كان يطلق على إسرائيل فى الآثار الأشورية.
(2) وكان الملك الأشوري التالي الذي زحف بجيوشه إلى الغرب هو رمّون نيراري (810-781ق.م) حفيد شلمنأسر الثاني . ومع أنه لم يذكر بالاسم فى الكتاب المقدس ، إلا أننا نلمس وجوده ونفوذه فى الأحداث المدونة فى سفر الملوك الثاني ، فقد كان هو الذي جعل أرام ترخي قبضتها عن إسرائيل فى أيام يهوآحاز . فقد فضل شعب إسرائيل أن يخضعوا - اسمياً- لسيادة ملك بعيد فى نينوى ، عن الخضوع لملك قريب فى دمشق يسومهم الاضطهاد . وكان رمّون نيراري هو المخلص الذي أعطاه الرب لإسرائيل فخرجوا من تحت يد الأراميين (2مل13 : 5 و 23).
(3) تغلث فلاسر الثالث (745-726ق.م) : بموت رمّون نيراري فى 781ق.م ضعفت شوكة أشور وقتياً، وفى نفس الوقت بلغت مملكة يهوذا فى أيام عزيا الملك ، ومملكة إسرائيل فى أيام يربعام الثاني ، أوج قوتهما . وفى 745ق.م اغتصب فول عرش أشور وحكم باسم تغلث فلاسر الثالث ، ويذكر باسمه فول فى الكتاب المقدس (2مل15 : 19 ، 1أخ5 : 26) ، ولكنه يُذكر باسمه الثاني تغلث فلاسر الثالث على الآثار الأشورية ، وأصبح من المؤكد الآن لدى المؤرخين أن الاسمين لشخص واحد.
وكان تغلث فلاسر الثالث من أعظم الملوك فى التاريخ ، فكان أول من حاول تكوين إمبراطورية على النمط الذي عرفه العالم بقيام الإمبراطورية الرومانية ، فلم يكتف بالحصول على الجزية من الملوك والولاة الذين هزمهم ، بل أصبحت الأقطار التى غزاها ، ولايات فى إمبراطوريته عليها مرازبة (ولاة) أشوريون يجمعون الجزية للخزينة الإمبراطورية . ولم يلبث طويلاً بعد اعتلائه العرش ، حتى وجه نظره نحو الغرب وبعد حصاره لأرفاد - إلى الشمال من حلب - اجتاحت جحافله سورية . وسار على النهج الأشوري فى إجلاء الشعوب المغلوبة ، وإحلال غيرهم محلهم . وليس من السهل الجزم بالسبب الذي جعل تغلث فلاسر يحجم عن التحرش بيهوذا . وفى غزوة تالية ، وضع منحيم ملك إسرائيل وغيره من الملوك تحت الجزية وهو ما نجده مسجلاً بالتفصيل فى سفر الملوك الثاني : فجاء فول ملك أشور على الأرض فأعطى منحيم لفول ألف وزنة من الفضة لتكون يداه معه ، ليثبت المملكة فى يده. ووضع منحيم الفضة على إسرائيل على جميع جبابرة البأس ليدفع لملك أشور خمسين شاقل فضة عن كل رجل . فرجع ملك أشور ولم يقم فى الأرض (2مل15 : 19 و 20).
وفى أيام فقح (بن رمليا) ملك إسرائيل جاء تغلث فلاسر (وهو نفسه فول) ملك أشور واستولى على الأجزاء الشمالية من إسرائيل وسبى الشعب إلى أشور (2مل15 : 29) ، .
ونقرأ بعد ذلك كيف أن آحاز ملك يهوذا استنجد بالأشوريين لينصروه ضد ذنبي هاتين الشعلتين المدخنتين رصين ملك أرام وفقح بن رمليا (إش7 : 4) ولكي يضمن معونة الأشوريين أخذ آحاز الفضة والذهب الموجود فى بيت الرب وفى خزائن بيت الملك وأرسلها إلى ملك أشور هدية (2مل16 : 8) وكان تغلث فلاسر فى ذلك الوقت يُعد لحملة جديدة على الغرب ، فاجتاح بقواته سورية والأراضي المتاخمة حتى وصل إلى غزة . وفى طريق عودته استولى على السامرة دون أن يدمرها إلى الأرض ، وكان الشعب قد اغتال فقح ، فأقام الملك الأشوري هوشع ، قائد المؤامرة ، ملكاً عوضاً عن فقح ، تحت سيادة أشور.
(4) شلمنأسر الرابع (727-722ق.م) : مات تغلث فلاسر الثالث فى 727ق.م وخلفه شلمنأسر الرابع ، الذي حكم مدة قصيرة ولم تصل إلينا حولياته ، ولكننا نقرأ فى سفر الملوك الثاني (17 ، 18) أن هوشع ملك إسرائيل - اعتماداً على ملك مصر - ظن أن موت تغلث فلاسر فرصة طيبة لإعلان الاستقلال ، ولكنها كانت محاولة فاشلة إذ كانت مملكة إسرائيل قد أوشكت على النهاية . فقد كان الشعب قد استسلم للمظالم والشرور التى وبخهم عليها النبيان هوشع وعاموس فقد تنبأ هوشع بشكل خاص عن انحلال إسرائيل وسقوطها ، قائلاً: السامرة ملكها يبيد كغثاء(الزبد اى الفقاقيع) على وجه الماء ، وتُخرب شوامخ آون خطية إسرائيل . يطلع الشوك والحسك على مذابحهم ويقولون للجبال غطينا وللتلال اسقطي علينا (هو10 : 7 و 8 - انظر أيضاً عددي 14 و 15) ولم تكن نبوات إشعياء وميخا - عن المصير الذي ينتظر السامرة - بأقل صرامة : ويل لإكليل فخر سكارى أفرايم ، وللزهر الذابل جمال بهائه الذي على رأس وادي سمائن المضروبين بالخمر (إش28 : 1) ، كل هذا من أجل إثم يعقوب ومن أجل خطية بيت إسرائيل . ما هو ذنب يعقوب ؟ أليس هو السامرة ؟ .. فأجعل السامرة خربة فى البرية مغارس للكروم (ميخا 1 : 5 و 6) ولم تأت للملك هوشع معونة من مصر ، فوقف وحيداً فى مواجهة قوات عاتية ، أسرته خارج السامرة ، والأرجح أُنه أخذ أسيراً إلى نينوى ، واجتاحت الجيوش الغازية البلاد وعاثوا فيها فسادًا ، كما سبق أن أعلن الأنبياء.
(5) سرجون يستولى على السامرة : وبعد مقاومة عنيفة من المدافعين عن المدينة زال الحصن من أفرايم (إش 17 : 3) فبعد أن حاصر الأشوريون السامرة ثلاث سنوات ، سقطت فى أيديهم (2مل17 : 5) وقد يخيل إلينا - من رواية الكتاب المقدس - أنها سقطت فى يد شلمنأسر ، ولكننا نعلم من النقوش الأشورية، أنه قبل استسلام السامرة ، كان شلمنأسر قد تنازل عن العرش أو مات ، وجلس على عرش أشور سرجون ، أحد عظماء ملوك أشور ، ولكنه لم يذكر إلا مرة واحدة فى الكتاب المقدس (إش 20 : 1) ونعلم من النقوش الكثيرة التى خلفها سرجون ، والتى اكتشفت فى أطلال " خورزباد " ، أنه هو - وليس شلمنأسر - الذي أكمل غزو المملكة المتمردة (إسرائيل) وأجلى سكانها إلى أشور فيقول سرجون فى حولياته : فى بداية حكمي استوليت على مدينة السامرة بمعونة شماش (إلهه) الذي ضمن لي النصر .. وأخذت 27.290 أسيراً من سكانها ، كما استوليت على خمسين مركبة ملكية منها .. لقد أعدت الاستيلاء على المدينة، وأسكنت فيها أناساً من البلاد التى غزوتها بذراعي .. وعينت حاكماً عليهم وفرضت عليهم الجزية والضرائب كما على الأشوريين . وهذه الحوليات يؤيدها ما جاء فى الكتاب المقدس ، كما يكمل أحدهما الآخر فى هذه النقطة . ويصف المؤرخ الكتابي ما حدث بالقول : فى السنة التاسعة لهوشع أخذ ملك أشور السامرة وسبى إسرائيل إلى أشور وأسكنهم فى حلح وخابور نهر جوازان ، وفى مدن مادي .. لأنهم لم يسمعوا لصوت الرب إلههم ، بل تجاوزوا عهده وكل ما أمر به موسى عبد الرب فلم يسمعوا ولم يعملوا (2مل17 : 6 و 7 ، 18 : 11 و 12).
(6) إجلاء سكان السامرة وإحلال غيرهم محلهم : كما يصف الكتاب المقدس كيف جاء ملك أشور بأقوام من شعوب أخرى وأسكنهم فى مدن السامرة : وأتى ملك أشور بقوم من بابل وكوث وعّوا وحماة ، وسفروايم ، وأسكنهم فى مدن السامرة عوضاً عن بني إسرائيل ، فامتلكوا السامرة وسكنوا فى مدنها (2مل17 : 24) وتؤيد نقوش سرجون هذه الحقيقة ، وهى أنه جاء بغرباء ممن سباهم فى حروبه وأسكنهم فى السامرة كما يتضح أن ذلك حدث على عدة دفعات . فقد رأينا أن تغلث فلاسر سبق أن أجلى الأسباط الشمالية إلى أشور وأقام عليهم حكاماً من قبله . ونعلم أنه بعد ذلك بزمن ، جاء حفيده آسر حدون ، ثم ابنه - أشور بانيبال (أسنفر العظيم الشريف) بأناس من الشعوب التى غزاها فى الشرق ، وأسكنهم فى السامرة (عز4 : 2 و 10) وأمر ملك أشور أن يبعثوا إليهم فى بيت إيل بواحد من الكهنة الذين سبق أن سباهم من السامرة ، ليعلمهم قضاء إله الأرض وقد ذكر عنهم أنهم كانوا يتقون الرب ويعبدون آلهتهم كعادة الأمم الذين سبوهم من بينهم (2مل17 : 33) والسامريون ، الذين نقرأ عنهم فى الأناجيل ، هم نسل هذا الخليط من اليهود والأمم الذين أسكنهم ملوك أشور فى مدن السامرة.
(7) الأسباط العشرة فى السبي : لا يجب أن يتطرق إلى أذهاننا أنه قد تم إجلاء كل سكان المملكة الشمالية (إسرائيل) ، إذ لا شك فى أنه حدث هنا مثلما حدث عند السبي البابلي ، أن رئيس الشرط أبقى من مساكين الأرض كرامين وفلاحين (2مل25 : 12) بل إن الذين تم إجلاؤهم لم يكونوا سوى قسم من الشعب . ولكن المملكة الشمالية - مملكة الأسباط العشرة - كانت قد انتهت وأصبحت مجرد ولاية أشورية ، يحكمها والٍ من قبل ملك أشور . أما عن الجلاء - أي الأسرى الذين نقلوا إلى مدن مادي - فيجب ألا نظن أنهم قد امتصتهم الشعوب الذين استقروا بينهم ، بل احتفظوا بتقاليدهم اليهودية وممارساتهم وتماسكهم ، وأصبحوا جزءاً من شتات اليهود المنتشرين فى كل بلاد الشرق (مثال قصة طوبيا – الاسفار القانونية الثانية ). ومن المحتمل جداً أنهم اندمجوا - فيما بعد - مع المسبيين من يهوذا ، الذين سباهم نبوخذ نصر ملك بابل، وهكذا أصبح أفرايم ويهوذا شعباً واحداً- كما لم يحدث من قبل - وأصبح اسم اليهود يطلق على الجميع سواء كانوا قبلاً من المملكة الشمالية (إسرائيل) أو من المملكة الجنوبية (يهوذا).
ثانياً- المملكة الجنوبية (يهوذا) :
بينما تعاقبت على المملكة الشمالية عدة أسرات ملكية ، ظلت يهوذا وأورشليم مواليتين لبيت داود حتى النهاية ، فقد قامت المملكة الجنوبية على أساس أكثر رسوخاً، وصمدت أورشليم بهيكلها وكهنوتها أمام الأعداء الذين أطاحوا بالسامرة ، لمدة نحو قرن ونصف بعد سقوط السامرة.
(1) تفكك الإمبراطورية الأشورية : جاء بعد سرجون الذي أطاح بالسامرة فى 722ق.م ملوك عظام اشتهروا بفتوحاتهم ومبانيهم التى تمثل حضارة عصرهم ، فجاء سنحاريب وآسرحدون (يدعى نبوكدنصر فى سفر يهوديت ) وأشور بانبيال وبعد أن مات أشور بانبيال فى 625ق.م أشرفت الإمبراطورية الأشورية على الانحلال ، فوهنت قبضتها على المناطق الغربية وبدأت شعوبها فى التمرد على نينوى ، وأخذت عصابات سكيثية فى الزحف من المناطق الواقعة بين جبال القوقاز وبحر قزوين ، إلى أملاك الإمبراطورية الأشورية حتى حدود فلسطين ومصر . وتنم نبوات أرميا وصفنيا عن أساليبهم الحربية وشراستهم البربرية ، ولكنهم رُدّوا على أعقابهم عند الحدود المصرية ، ويبدو أنهم عادوا إلى الشمال دون أن يغزوا يهوذا.
(2) سقوط نينوى فى 606ق.م : ثم شرعت هذه الجحافل الشمالية فى الزحف نحو نينوى ، التى كانت قوتها قد بدأت فى الاضمحلال . ويرسم ناحوم النبي صورة للفرح الذي يعم مملكة يهوذا لتوقع سقوط نينوى : وحي على نينوى .. هوذا على الجبال قدما مبشر مناد بالسلام . عيِّدي يا يهوذا أعيادك ، أوفي نذورك ، فإنه لا يعود يعبر فيك أيضاً المهلك . قد انقرض كله (ناحوم 1 : 1 و 15 ، انظر أيضاً3 : 8-11) واستعاد الماديون استقلالهم وتحالفوا بقيادة ملكهم سياجزريس (Cyaxaris) مع الكلدانيين الذين ثاروا بعد ذلك بقيادة نبوبولاسَّار حاكم بابل من قبل أشور . وحشد نبوبولاسَّار كل هذه العناصر تحت رايته ، وحاصر عاصمة أشور ، فسقطت فى يده نينوى عاصمة الفاتحين العظام ، والتى وصفها النبي بالقول : أكثرت تجارك أكثر من نجوم السماء (نا3 : 16) سقطت نينوى فى 606ق.م أمام جحافل الماديين والكلدانيين ، سقوطاً لم تقم بعده أبداً، وقامت على أنقاضها الإمبراطورية الكلدانية ، التى كان من أبرز ملوكها نبوخذ نصر الذي أشركه أبوه نبوبولاسَّار فى الحكم معه.
(3) تمرد نخو فرعون مصر : ونستطيع أن نفهم جيداً سبب الفرح الذي عمَّ يهوذا لسقوط نينوى والإمبراطورية الأشورية . لقد نجت أورشليم برحمة الله ، عندما اكتسح سنحاريب المناطق المحيطة بها ، وأسر منها نحو 200.150 نفساً، ودمر المدن والحصون ، وظلت يهوذا ترزح تحت نير أشور البغيض ، فقد بسطت نفوذها ليس على يهوذا فقط ، بل على مصر ووادي النيل . وفى 608ق.م تمرد نخو فرعون مصر على أشور وزحف بجيشه شرقاً، ولم تكن به رغبة فى المواجهة مع يوشيا ملك يهوذا ، ولكن كان لابد له من المرور فى أرض يهوذا ، فاعترض يوشيا - ولاء منه لأشور - طريق فرعون ، فقُتل فى معركة مجدو . ويبدو أن فرعون رجع إلى مصر آخذاً معه يهوآحاز بن يوشيا ، بعد أن عين أخاه يهوياقيم ملكاً على يهوذا ، وفرض جزية باهظة على البلاد .
(4) معركة كركميش فى 604ق.م : لم يرجع نخو عن هدفه فى الزحف نحو الشرق ، فتقدم بجيشه حتى وصل نهر الفرات ، وهناك لقي هزيمة منكرة على يد نبوخذ نصر ملك بابل ، فى معركة حاسمة فى كركميش فى 604ق.م . وخرج الكلدانيون من المعركة وهم سادة أسيا الغربية ، وانتقلت يهوذا من تحت سيادة أشور ، وأصبحت تحت سيادة بابل.
(5) الامبراطورية البابلية الجديدة فى عهد نبوخذ نصر ( 604 إلى 562 ق.م) : لم يكن ثمة فرق بين قسوة البابليين وقسوة الأشوريين ، فيقول حبقوق عن الأمة الكلدانية : هي هائلة ومخوفة .. خيلها أسرع من النمور وأحد (أشرس) من ذئاب المساء .. وفرسانها يأتون من بعيد ويطيرون كالنسر المسرع إلى الأكل (حب1 : 7 و 8) . وأصبح نبوخذ نصر - بعد معركة كركميش - سيداً على كل غربي أسيا بما فيها يهوذا . وكان من العبث أن تستنجد يهوذا بمصر ، فقد كانت لنبوخذ نصر ذراع طويلة يؤدب بها كل من يخرج على طاعته.
وكانت رسالة أرميا النبي - فى تلك الأوقات العصيبة فى تاريخ يهوذا هي أن يخضعوا لملك بابل ، وأن يصلحوا طرقهم أمام الرب ، حتى ينجوا من الغضب الإلهى الذي يتهددهم ، فيخبرهم - بأمر الرب - بالدينونة التى ستحل بأورشليم والشعوب المجاورة ، على يد الكلدانيين . بل إنه يتنبأ بالمدة التى سيقضونها تحت حكم الكلدانيين : وتصير كل هذه الأرض خراباً ودهشاً، وتخدم هذه الشعوب ملك بابل سبعين سنة (أرميا 25 : 11) . وكانت هذه الرسالة غير مقبولة عند الموالين لمصر ، الذين كانوا يتكلون على مناعة أورشليم . ولكن أرميا - بتوبيخه القارص ، وبأعمال رمزية - أنبأهم بمصير أورشليم ، متحملاً فى سبيل ذلك الاضطهاد الشديد ، بل إن حياته نفسها تعرضت للخطر.
(6) تمرد يهوياقيم وعقابه (608-597ق.م) : خضع يهوياقيم أولاً لنخو فرعون مصر ، ثم خضع لنبوخذ نصر ، وكان على مثال شعبه من الشر والفساد ، إذ يتهمه أرميا بالجشع وسفك الدماء البريئة والظلم والخطف والاغتصاب (أرميا 22 : 13-19) . وكانت السنة الرابعة ليهوياقيم هي السنة الأولى لنبوخذ نصر (أرميا 25 : 1) الذي انتشى بنصره فى موقعة كركميش ، وأصبحت سطوته ملموسة فى العالم الغربي ، وأصبح ملك يهوذا الخائن عبداً للملك نبوخذ نصر ، وظل على هذه الحال ثلاث سنوات ، تمرد بعدها على نبوخذ نصر ، ولم يقف بجانبه أحد من الشعوب المجاورة ، فأرسل الرب عليه غزاة الكلدانيين وغزاة الأراميين وغزاة الموآبيين وغزاة بني عمون ، وأرسلهم على يهوذا ليبيدها حسب كلام الرب الذي تكلم به على يد عبيده الأنبياء (2مل 24 : 2).
(7) السبي الأول (606ق.م) : نقرأ في سفر دانيال في السنة الثالثة من ملك يهوياقيم ملك يهوذا ، ذهب نبوخذ نصر ملك بابل إلى أورشليم وحاصرها (دانيال 1: 1) وأخذ معه بعض آنية بين الله وبعض أفراد من النسل الملكي وشرفاء يهوذا ، وكان من بينهم دانيال النبي ورفقائه.
وتاريخ الجزء الأخير من حياة يهوياقيم يبدو غامضاً، إذ يذكر سفر الملوك الثاني أن يهوياقيم - بعد أن ملك 11سنة - أضطجع مع آبائه (2مل 24 : 5 و 6) . ونفهم من ذلك أنه مات ميتة طبيعية ، ولكن يبدو مما ذكرناه من سفر دانيال ، أن السبي الأول كان يشمل يهوياقيم نفسه ، وهو ما يؤكده سفر الأخبار حيث يقول : عليه صعد نبوخذ نصر ملك بابل وقيده بسلاسل نحاس ليذهب به إلى بابل (2أخ 36 : 6) ، ويضيف سفر الملوك : ولم يعد أيضاً ملك مصر يخرج من أرضه لأن ملك بابل أخذ من نهر مصر إلى نهر الفرات ، كل ما كان لملك مصر (2مل 24 : 2) . وتحسب مدة السبعين سنة من سنة السبي الأول (606ق.م).
(8) حصار أورشليم وسقوطها في أيام يهوياكين في 597ق.م : ملك يهوياكين ، والذي خلف أباه يهوياقيم ثلاثة شهور فقط - وهي نفس المدة التى ملكها يهوآحاز من قبل - وقد سُبي يهوآحاز إلى مصر ، وسُبي يهوياكين إلى بابل . ويصف حزقيال سبيهما في مرثاة رائعة ، فيقارنهما بشبلي أسد ، ابني لبؤة - كناية عن إسرائيل - تعلَّم كل منهما افتراس الفريسة وأكل الناس ، ولكنهما كليهما وقعا في حفرة الأمم ، ووُضعا في قفص بخزائم لكيلا يُسمع صوتهما بعد ذلك على جبال إسرائيل (حز 19 : 1-9).
(9) السبي الثاني (597ق.م) : جاء نبوخذ نصر بنفسه في أثناء حصار عبيده لأورشليم ، فاستسلم له يهوياكين ، فأخذ نبوخذ نصر ملك بابل ، الملك يهوياكين وأمه وعبيده ورؤساءه وخصيانه وجميع جبابرة البأس عشرة آلاف مسبي ، وجميع الصناع والأقيان(الحدادين) . لم يبق أحد إلا مساكين شعب الأرض كما حمل معه كل خزائن بيت الرب وخزائن بيت الرب وخزائن بيت الملك ، وكسَّر كل آنية الذهب التي عملها سليمان ملك إسرائيل في هيكل الرب ، كما تكلم الرب .. وجميع أصحاب البأس سبعة آلاف ، والصناع والأقيان ألف ، وجميع الأبطال أهل الحرب ، سباهم ملك بابل إلى بابل . وملَّك ملك بابل متنيا عمه عوضاً عنه وغَّير اسمه إلى صدقيا (2مل 24 : 10-17) وعاش يهوياكين الملك المسكين 37سنة أسيراً في بابل . ويبدو أنه كان يحظى باحترام وولاء المسبيين الذين عاش بينهم ، إلى أن رفع أويل مرودخ ملك بابل في سنة تملكه رأس(مكانة) يهوياكين من السجن (2مل 25 : 27-30).
وكان إجلاء الأمراء والصناع والأقيان هو موضوع رؤية أرميا لسلتي التين ، اللتين كان في إحداهما تين جيد جداً، و في الأخرى تين رديء جداً لا يؤكل من رداءته (أرميا 24: 1-3) . فالتين الجيد هم المسبيون من يهوذا الذين أُخذوا إلى أرض الكلدانيين للخير ، أما التين الرديء فهم الملك صدوقيا والأمراء والباقون في أورشليم الذين كانت تنتظرهم دينونة قاسية حتى يفنوا عن وجه الأرض (أرميا 24: 4-10).
(10) خدمة حزقيال 592-570ق.م : كان بين المسبيين إلى بابل الذين وضعوا على ضفاف نهر خابور ، حزقيال النبي الكاهن . وبعد السبي بخمس سنوات ، بدأ يقص رؤياه العجيبة ، ويعلن أهميتها للمسبيين عند أنهار بابل . ولم يكن حزقيال ليستطيع أن يعلن للمسبيين - الذين كانت تخيم عليهم الكآبة - أنباء تدمير أورشليم إلا بالرموز والكنايات ، إلى اليوم الذي وصلتهم فيه الأخبار المحزنة عن سقوط مملكة يهوذا وخراب المدينة وحرق الهيكل . ولكن لم ينطق حزقيال- لأولئك الأسرى المحطمين البائسين - بالمراثي الحزينة ، كالتى نطق بها أرميا - بل بالحري تنبأ لهم بأخبار مفرحة عن إعادة بناء المدينة وقيام المملكة وإعادة تشييد الهيكل العظيم.
(11) خدمة أرميا في أورشليم 597-588ق.م : رغم سبي زهرة شباب الشعب وشرفائه إلى بابل ، ونهب كنوز الهيكل ، فإن أورشليم والهيكل كانا مازالا قائمين . وكانت لدى أرميا رسالة للشعب الباقي في الأرض ، وكذلك للذين سُبوا إلى بابل . فقد قدم نصيحة للمسبيين بأن يخضعوا ، مؤكداً لهم أن العبادات الوثنية البغيضة التى حولهم ، يجب أن تجعلهم يرجعون إلى شريعة إلههم ، وهكذا يرفعون الحالة الأدبية والروحية في وسطهم : هكذا قال الرب : .. أعطيهم قلباً ليعرفوني إني أنا الرب فيكونوا لي شعباً وأنا أكون لهم إلهاً لأنهم يرجعون إلىَّ بكل قلوبهم (أرميا 24: 5 و 7) . ولم تجد نبواته ومشوراته ، عند الباقين في أورشليم ، أذاناً صاغية ، بل بالحرى عرضته للاتهام بالخيانة لشعبه ولله . وكانت أشد تحذيراته وأوقعها تأثيراً، تلك الصورة الرمزية من وضع الربط و الأنيار على عنقه وارسالها إلى ملك أدوم وإلى ملك موآب ، وإلى بني عمون وإلى ملك صور وإلى ملك صيدون الذين يبدو أنه كانت لديهم فكرة تكوين حلف ضد نبوخذ نصر (أرميا 27: 1-11) . كما حث صدقيا الملك على الخضوع لملك بابل ، لعل ملك بابل يسمح للمسبيين من يهوذا بالعودة . ولكن صدقيا أضاع هذه الفرصة بتآمره مع فرعون مصر الشاب ، حفرع (أبريس) ، وذلك بتحريض من الحزب الموالي لمصر . وهكذا تمرد صدقيا على ملك بابل (2مل24: 20).
(12) تمرد صدقيا وحصار أورشليم 588-586ق.م : كانت تلك خطوة جريئة ، ولم يكن في طوق نبوخذ نصر أن يقبل مثل هذه الخيانة من أحد أتباعه ، فزحف على الفور إلى الغرب ، و أوكل إلى نبوزرادان مهمة الاستيلاء على أورشليم ، بينما أقام هو قاعدته في ربلة على نهر الأورنت في سورية . و في تلك الأثناء عبر فرعون مصر مع جيشه الحدود لمعاونة حلفائه ، وأجبر الكلدانيين على رفع الحصار عن أورشليم ، والالتحام معه في معركة (أرميا 37: 5) . وهنا خانته شجاعته ، فقفل راجعاً على أعقابه قبل الدخول في معركة ، فعاد نبوزرادان بجيشه لمحاصرة أورشليم ، وضيَّق عليها الخناق أكثر من قبل.
و في الفترة التى تنفست فيها أورشليم الصعداء ، لانسحاب الكلدانيين ، خرج أرميا من المدينة قاصداً بلدته عناثوث في شأن عائلي (أرميا 37: 11-15) ، وأكتُشف خروجه وأتهم بأنه يقع للكلدانيين ، فقُبض عليه ووضع في السجن في بيت يوناثان الكاتب ، وبينما هو في السجن ، استدعاه الملك وسأله : هل توجد كلمة من قِبل الرب ؟ فقال أرميا (بلا خوف) : توجد ، فقال إنك تدفع ليد ملك بابل (أرميا 37: 17) . وبأمر من صدقيا الملك تمتع أرميا بعد ذلك بنوع من الحرية . ولكن إذ واصل تحريضه للشعب على الاستسلام ، تعاهد أعداؤه على قتله ، وألقوا به في جب ماء - ولم يكن به ماء بل وحّل - حيث كان معرضاً لخطر الاختناق أو الموت جوعاً. ولكن الملك استدعاه مرة ثانية ، ووعده بأنه لن يقتله ولن يسمح لأعدائه بالقضاء عليه ، فأشار عليه النبي مرة أخرى بالاستسلام لملك بابل ، وسُمح لأرميا بنوع من الحرية.
(13) تدمير أورشليم ، والسبي الثالث في 586ق.م : كانت نهاية المدينة قد اقتربت ، ففي السنة الحادية عشرة لصدقيا في 586ق.م في الشهر الرابع ، في اليوم التاسع من الشهر ، ثُغرت المدينة (أرميا 39: 1 و 2) بعد أن أرهقها الحصار والمجاعة . ويبدو أن صدقيا ورجال الحرب لم ينتظروا بالمدينة حتى سقوطها ، بل هربوا من المدينة ليلاً في طريق جنة الملك من الباب بين السورين ، وساروا شرقاً نحو العربة ، ولكن جيش الكلدانيين سعى وراءهم ، فأدركوا صدقيا في سهول أريحا ، وأخذوه أسيراً وأحضروه إلى نبوخذ نصر في ربلة . فقتل ملك بابل بني صدقيا أمام عينيه ، ثم قلعوا عيني صدقيا وقيده بسلسلتين من نحاس وجاءوا به إلى بابل (2مل25: 4-7) . ولم ينج في هذه المرة لا المدينة ولا الهيكل ولا القصر ، فقد أحرق نبوزرادان بيت الرب وبيت الملك وكل بيوت العظماء ، أحرقها بالنار (2مل25: 9) ، كما هدم جنوده أسوار أورشليم . وكل ما نجا من كنوز الهيكل وأمتعته الثمينة ، نُقل إلى بابل . لقد كان خراب أورشليم كاملاً. ويعَّبر سفر مراثي أرميا عن مشاعر الحزن والأسى والعار التي جاشت في نفس شاهد عيان لِمَا حاق بالمدينة المقدسة : أتم الرب غيظه ، سكب حمو غضبه ، وأشعل نارًا في صهيون فأكلت أسسها . لم تصدق ملوك الأرض وكل سكان المسكونة أن العدو والمبغض يدخلان أبواب أورشليم (مراثي 4: 11 و 12) . ويل لنا لأننا قد أخطأنا . من أجل هذا حزن قلبنا . من أجل هذا أظلمت عيوننا . من أجل جبل صهيون الخرب . الثعالب ماشية فيه (مراثي5: 16-18) . ويلخص أرميا هذه الأحداث بالقول : فسبى يهوذا من أرضه (أرميا 52: 27 ، 2مل 25: 21).
(14) السبي الرابع في 581ق.م : نقرأ في نبوة أرميا عن الدفعات الثلاث الأخيرة من السبي البابلي . ففي السنة السابعة لنبوخذ نصر ملك بابل (أي في 597ق.م) سبى نبوخذ نصر 3.023 من اليهود ، و في السنة الثامنة عشر (أي في 586ق.م) سبى 832 شخصاً. و في السنة الثالثة والعشرين (أي في 581ق.م) سبى نبوزرادان رئيس الشرط 745 شخصاً من اليهود . أي أن جملة النفوس أربعة آلاف وست مائة (أرميا 52: 28-30، انظر أيضاً2مل 24: 14-16).
ويقدر" جورج آدم" - بناء على ما جاء في سفر الملوك الثاني ونبوة أرميا أن مجموع المسبيين كان يتراوح بين 62.000 ، 70.000 نسمة . ففي 606 ق.م سُبي أفراد من النسل الملكي وشرفاء يهوذا (دانيال 1 : 1-4) . و في 597ق.م سبي الأمراء والشرفاء والصناع والأقيان ولم يترك سوى مساكين شعب الأرض (2مل 24: 14) . و في 586 ق.م سُبي بقية الشعب الذين بقوا في المدينة ولكنه أبقى من مساكين الأرض كرامين وفلاحين (2مل 25: 12) . و في 581ق.م وهي السنة الثالثة والعشرون لنبوخذ نصر ، سبى نبوزرادان رئيس الشرط سبع مئة وخمساً وأربعين نفساً(أرميا 52: 30) . وهكذا لم يترك سوى مجموعة من مساكين الفلاحين غير المثقفين بلا هيكل ولا قائد وبلا تنظيم ، أنهكهم الجوع وأحاط بهم الأعداء من كل جانب . كانوا كمية مهملة ، بل صاروا عبئاً على الذين عادوا من السبي وأعادوا بناء الأمة.
(15) جدليا حاكم يهوذا : عُيِّن جدليا حاكماً على الباقين في البلاد ، فجعل من المصفاة مقراً لحكمه ، ومعه حامية بابلية . وتُرك لأرميا الخيار في الذهاب إلى بابل أو البقاء في يهوذا ، ففضل البقاء مع الشعب الذين أُوكل أمرهم لجدليا . وبمقتل جدليا على يد إسماعيل بن نثنيا ، من النسل الملكي ، بدا وكأن مملكة يهوذا قد انتهت تماماً، ولن تقوم لها قائمة أبداً. ورغم مشورة أرميا قررت البقية - بقيادة يوحانان بن قاريح - اللجوء إلى مصر . وأصروا على أخذ أرميا وباروخ بن نيريا معهم . و في مصر قضى أرميا أيامه الأخيرة . وقد اكتشفت مؤخراً في جزيرة فيله بالقرب من أسوان في صعيد مصر ، مخطوطات تركها أحفاد أولئك اليهود الذين نزلوا إلى مصر . وهي تتكون من مخطوطات بردية بالأرامية تعود إلى تاريخ لا يتجاوز المائة عام بعد موت أرميا . وهي عبارة عن حسابات وعقود وصكوك من أنواع مختلفة ، نستدل منها على أنه في القرن الخامس قبل الميلاد ، كانت تقيم هناك جالية يهودية تعيش منعزلة ، وتعبد يهوه لا سواه . وكان لها هيكل ومذبح وذبائح ، كما كان يفعل أجدادهم في أورشليم قبل تدمير الهيكل . وتقدم لنا هذه البرديات لمحات عن الظروف الاجتماعية والدينية التي عاشها أولئك اللاجئون.
(16) المسبيون في بابل : نعرف بعض الأمور عن المسبيين الذين سباهم نبوخذ نصر وأسكنهم على ضفاف أنهار بابل ، من نبوات حزقيال ودانيال ومزامير السبي . كما نقرأ في نبوات حجي وزكريا ، و في سفري عزرا ونحميا عن ترميم أسوار أورشليم وإعادة بناء الهيكل ، وكشفت لنا الألواح المكتوبة بالخط المسماري و التي اكتشفت في حفائر مدينة نبُّور الكثير عن الأحوال الاجتماعية للمسبيين . ونجد بين الأسماء المسجلة في هذه الألواح المسمارية المحفوظة الآن في المتحف العثماني بالقسطنطينية ، عدداً من الأسماء اليهودية بين رجال الأعمال في نُّبور ترجع إلى أيام أرتحشستا الأول وداريوس الثاني (464-405ق.م) . ومما يستلفت النظر أن الكثير من هذه الأسماء هي أسماء نقرأها في سلاسل الأنساب الواردة في أسفار الملوك والأخبار وعزرا ونحميا . ويذكر التلمود أن نبوّر هي كلنة (تك 10: 10) ، وأن نهر خابور في أرض الكلدانيين الذي رأى عنده حزقيال النبي رؤياه ، أصبح معروفاً الآن أنه كان قناة ملاحية واسعة لا تبعد كثيراً عن نبوّر.
(17) ظهور اليهودية وتطورها : لا يمكن المغالاة في وصف أثر السبي كعامل في تطور اليهودية ، فسبي يهوذا (كما يقول دكتور فوكس جاكسون) كان من أهم الأحداث في التاريخ الديني . فبالسبي ينتهي تاريخ إسرائيل ويبدأ تاريخ اليهود . فإذ وجدوا أنفسهم بين شعوب وثنية ، انفصلوا عن نجاسات جيرانهم ، وتعلقوا بإيمان الآباء بإله إبراهيم . وإذ تعرضوا للسخرية والاحتقار من الأمم حولهم ، تقوقعوا على أنفسهم وكوَّنوا مجتمعات منعزلة ، أصبحت طابعاً لهم . لقد أصبحوا بلا وطن ، وبلا طقوس ، وبلا أساس مادي لحياتهم كشعب ، فأدركوا أكثر من ذي قبل أهمية تراثهم الروحي الذي وصل إليهم من العصور الماضية ، فبنوا قوميتهم - في محيطهم الجديد - على أساس الدين . لقد شجعهم أنبياؤهم -وبخاصة أرميا وحزقيال - بالكلام عن البركات الروحية التي لهم ، وبالوعد بالعودة . فكما كان الأنبياء صريحين في الإنذار بالسبي ، كذلك كانوا في التنبؤ بالعودة . فإشعياء بحديثه عن البقية ، كما أن ميخا وصفنيا وأرميا وحزقيال وغيرهم ، قد أناروا الأفق أمام الأمة بالحديث عن يقين العودة ، ليس ليهوذا فقط بل لكل إسرائيل . فستعود جبال السامرة ووديان يهوذا تزهو بكرومها وتينها . بل لقد تنبأ أرميا عن مدة السبي عندما ذكر أن شعوب الأراضي سيخدمون ملك بابل سبعين سنة (أرميا 25: 12، 29: 10) . وهكذا لم يجد المسبيون لهم من سند إلا في التمسك بشريعة موسى ، فأصبحت الشريعة والمجتمع هما رابطة العقد.
(18) العودة بأمر كورش في 538ق.م : عندما استولى كورش الفارسي على بابل وقضى على الإمبراطورية البابلية في 539 ق.م . انتعشت آمال المسبيين ، فقد كان كورش الفأس التي سيسحق بها يهوه بابل (أرميا 51: 20) . وقد تنبأ إشعياء قائلاً: (الرب) القائل عن أورشليم ستعمر ولمدن يهوذا ستُبنين وخربها أقيم ، القائل للُّجَّة انشفي وأنهارك أجفف . القائل عن كورش راعَّي فكل مسرتي يتمم ، ويقول عن أورشليم ستبنى وللهيكل ستؤسس (إش44: 26-28).
(19) إعادة يناء الهيكل في 536ق.م : لم تمض سنة على دخول كورش إلى بابل، حتى أصدر مرسوماً بمنح المسبيين الإذن بالعودة وبناء بيت الرب في أورشليم (2أخ 36: 22 و 23 ، عز1 : 1-4) . كما أخرج آنية الهيكل التي أحضرها نبوخذ نصر إلى بابل وسلَّمها إلى شيشبصر رئيس يهوذا ، فأصعدها شيشبصر معه عند إصعاد السبي من بابل إلى أورشليم (عز1: 7-11).
ونجد أخباراً مفصلة عن العودة في سفري عزرا ونحميا و في نبوتي حجي وزكريا . وقد رجع من المسبيين 42.360 بقيادة شيشبصر علاوة على العبيد . و في أيام يشوع بن صادوق الكاهن وزربابل بن شألتئيل ، بنوا المذبح ووضعوا أساسات الهيكل ، ولكن العمل توقف لمقاومة السامريين لعدم الإذن لهم بالمشاركة في البناء . وهنا قام النبيان حجي وزكريا بحث الشعب على استئناف العمل وتشجيعهم بالقول بأن مجد هذا البيت سيكون أعظم من مجده الأول (حجي 2 : 9) . وأخيراً في شهر أذار في السنة السادسة لداريوس الملك (515ق.م) تم العمل واحتفلوا بالفصح فيه (عز 6 : 15-18).
(20) إصلاحات عزرا ونحميا : صمت التاريخ المقدس لبضعة عقود من السنين . و في 458ق.م . شرع عزرا في العودة إلى أورشليم ومعه نحو 1.800 شخص، ووجد أن اليهود الراجعين من السبي قد تحالفوا وتزاوجوا مع شعب الأرض ، وأصبحوا في خطر فقدان مميزاتهم القومية بالاختلاط بالوثنيين (عز9) . ولكن أمكن تجنب هذا الخطر نتيجة لجهوده وجهود نحميا وأقوال ملاخي النبي . وبعد ذلك بثلاث عشرة سنة (445ق.م) سمع نحميا - ساقي الملك أرتحشستا - بحالة الخراب في المدينة المقدسة ، مدينة قبور آبائه ، فحصل على إذن من الملك لزيارة أورشليم ، وأعطاه الملك رسائل توصية للحكام على الطريق وللحراس على غابة الملك . وأخيراً وصل بسلام إلى أورشليم ، واستكشف بنفسه حالة الأسوار ، ودعا الشعب للعمل لترميم الخرائب . ورغم كل عداء وافتراء من جانب السامريين ، أمكنه أن يرى العمل وقد أكمل وأقيمت الأبواب وامتلأت المدينة بسكانها . وجمع نحميا وعزرا الشعب ليستمع إلى الشريعة حيث قرأوها وفسروها للشعب ، وقطعوا عهداً أن يحفظوا ناموس موسى ، وألا يتزاوجوا من الوثنيين ، وأن يحفظوا السبت ، وأن يدفعوا ثلث الشاقل كل سنة لخدمة الهيكل ، وأن يقدموا الباكورات والعشور (نح 10: 28-39).
(21) نظريات حديثة عن العودة : هناك بعض العلماء الذين ينكرون عودة المسبيين في أيام كورش الملك ، ويزعمون أن إعادة يناء الهيكل قام بها اليهود الذين بقوا من السبي في يهوذا و في أورشليم ، ويبنون نظريتهم على أساس رفضهم لتاريخية سفري عزرا ونحميا . ولكن ليس بالسفرين من الصعوبات ما يدعو إلى إنكار حقيقة عودة المسبيين ، وما عمله كل من عزرا ونحميا . ففيما يتعلق بالعودة نجد أن سياق القصة تؤيده الوثائق التي تحمل طابع الحق التاريخي الذي لا يحتمل جدلاً. كما أن عملاً عظيماً يحتاج إلى كل هذه الطاقة والمهارة والإيمان ، لم يكن ممكناً أن يقوم به الباقون من الشعب دون معونة قوية من الخارج ، فقد عرفنا أنه لم يبق في البلاد سوى الضعفاء والمساكين الذين لا يمكن أن ينتظر منهم القيام بمثل هذا العمل الضخم . كما أن صمت حجي عن موضوع العودة ، لا يمكن أن يكون أساساً سليماً لإنكار العودة . وكل قصة السبي تؤيد القول بأن اليهود الباقين كانوا في حاجة ماسة إلى العائدين من بابل ليشعلوا فيهم الغيرة والحماس للعمل.
(22) أهمية فترة عزرا ونحميا : لقد كان لعصر نحميا والفترة التي سبقته مباشرة نتائج حاسمة ، كان لها أبعد الأثر في المستقبل . ففي خلال هذه المائة من السنين (كما يقول دكتور هاي هنتر Hay Hunter - في كتابه بعد السبي) : أصبح تعليم موسى أساس الحياة القومية ، كما تحددت الأسفار المقدسة ، وتمت صياغة المجتمع اليهودي على الصورة التي لم يطرأ عليها تغيير جذري طيلة القرون التالية . ففي خلال ذلك العهد ، ظهرت القوى التي قاومت المسيح ، والقوى التي انحازت إليه . فقد رأي ذلك القرن قيام الجماعات التي عرفت فيما بعد بأسماء الفريسيين والصدوقيين ، وجماعة الربيين (المعلمين اليهود) ، وتحدد موقف اليهود من الأمم ، ودُفع بالكهنوت إلى مركز السلطة العليا ، كما بدأ الانفصال السامري.
أولاً- المملكة الشمالية (إسرائيل) :
(1) غزوات شلمنأسر الثاني ملك أشور (860-825ق.م) تأسست الإمبراطورية الأشورية فى نحو سنة ألفين قبل الميلاد ، وبدأ أول احتكاك لها بمملكتي إسرائيل ويهوذا فى عهد شلمنأسر الثاني ، وهو غير شلمنأسر الرابع المذكور فى سفر ملوك الثاني (17 ، 18) ، والذي جاء بعد شلمنأسر الثاني بنحو قرن من الزمان . وكان شلمنأسر الثاني - الذي حكم طويلاً- معاصراً ليهوشافاط ويهورام وأخزيا ويهواش ملوك يهوذا ، ولأخآب وأخزيا ويهورام وياهو ملوك إسرائيل ، وكذلك لحزائيل وبنهدد الثاني ملوك أرام فى دمشق ، ولميشع ملك موآب . ومصادر تاريخه هي ما نقشه فى أيامه على صخور أرمينية ، والمسلة السوداء التى اكتشفها " لايارد "(Layard) فى نمرود ، والمحفوظة الآن فى المتحف البريطاني ، والنصوص المحفورة على الأبواب البرونزية فى" بالاوات" والتى اكتشفها " هورموزد رسَّام" فى 1878م ، ورأى فيها الأبواب الدوارة فى قصر شلمنأسر . ونعلم من كل هذه المصادر أنه واجه فى السنة السادسة من ملكه ، قوات دمشق وحماة وإسرائيل وغيرها ، التى تحالفت معاً لمقاومة تقدمه غرباً، ولكنه استأصل هذه القوات تماماً فى موقعه قرقر (854 ق.م) وكان هذا الخطر الكاسح قد دفع سورية وإسرائيل إلى التحالف ، وهو ما تؤيده القصة الكتابية عن عقد معاهدة بينهما ، شجبها نبي الله (1مل 20 : 34-43) ، أقاموا بعدها ثلاث سنين بدون حرب بين أرام وإسرائيل (1مل 22 : 1) ولكن يبدو أن الهزيمة النكراء التى أوقعها بهم شلمنأسر قد قضت على هذا التحالف ، لأننا - بعد ذلك - نجد أخآب يتحالف مع يهوشافاط ملك يهوذا - فى محاولة فاشلة - لاسترداد مدينة راموت جلعاد من أرام بعد أن أصابتهما الهزيمة ، ولكن تلك المحاولة انتهت بقتل أخآب (1مل 22) وفى غزوة أخرى للغرب - لم يسجل الكتاب المقدس عنها شيئاً- أخذ شلمنأسر الجزية من صور وصيدون ، ومن ياهو ملك أرض عمري - كما كان يطلق على إسرائيل فى الآثار الأشورية.
(2) وكان الملك الأشوري التالي الذي زحف بجيوشه إلى الغرب هو رمّون نيراري (810-781ق.م) حفيد شلمنأسر الثاني . ومع أنه لم يذكر بالاسم فى الكتاب المقدس ، إلا أننا نلمس وجوده ونفوذه فى الأحداث المدونة فى سفر الملوك الثاني ، فقد كان هو الذي جعل أرام ترخي قبضتها عن إسرائيل فى أيام يهوآحاز . فقد فضل شعب إسرائيل أن يخضعوا - اسمياً- لسيادة ملك بعيد فى نينوى ، عن الخضوع لملك قريب فى دمشق يسومهم الاضطهاد . وكان رمّون نيراري هو المخلص الذي أعطاه الرب لإسرائيل فخرجوا من تحت يد الأراميين (2مل13 : 5 و 23).
(3) تغلث فلاسر الثالث (745-726ق.م) : بموت رمّون نيراري فى 781ق.م ضعفت شوكة أشور وقتياً، وفى نفس الوقت بلغت مملكة يهوذا فى أيام عزيا الملك ، ومملكة إسرائيل فى أيام يربعام الثاني ، أوج قوتهما . وفى 745ق.م اغتصب فول عرش أشور وحكم باسم تغلث فلاسر الثالث ، ويذكر باسمه فول فى الكتاب المقدس (2مل15 : 19 ، 1أخ5 : 26) ، ولكنه يُذكر باسمه الثاني تغلث فلاسر الثالث على الآثار الأشورية ، وأصبح من المؤكد الآن لدى المؤرخين أن الاسمين لشخص واحد.
وكان تغلث فلاسر الثالث من أعظم الملوك فى التاريخ ، فكان أول من حاول تكوين إمبراطورية على النمط الذي عرفه العالم بقيام الإمبراطورية الرومانية ، فلم يكتف بالحصول على الجزية من الملوك والولاة الذين هزمهم ، بل أصبحت الأقطار التى غزاها ، ولايات فى إمبراطوريته عليها مرازبة (ولاة) أشوريون يجمعون الجزية للخزينة الإمبراطورية . ولم يلبث طويلاً بعد اعتلائه العرش ، حتى وجه نظره نحو الغرب وبعد حصاره لأرفاد - إلى الشمال من حلب - اجتاحت جحافله سورية . وسار على النهج الأشوري فى إجلاء الشعوب المغلوبة ، وإحلال غيرهم محلهم . وليس من السهل الجزم بالسبب الذي جعل تغلث فلاسر يحجم عن التحرش بيهوذا . وفى غزوة تالية ، وضع منحيم ملك إسرائيل وغيره من الملوك تحت الجزية وهو ما نجده مسجلاً بالتفصيل فى سفر الملوك الثاني : فجاء فول ملك أشور على الأرض فأعطى منحيم لفول ألف وزنة من الفضة لتكون يداه معه ، ليثبت المملكة فى يده. ووضع منحيم الفضة على إسرائيل على جميع جبابرة البأس ليدفع لملك أشور خمسين شاقل فضة عن كل رجل . فرجع ملك أشور ولم يقم فى الأرض (2مل15 : 19 و 20).
وفى أيام فقح (بن رمليا) ملك إسرائيل جاء تغلث فلاسر (وهو نفسه فول) ملك أشور واستولى على الأجزاء الشمالية من إسرائيل وسبى الشعب إلى أشور (2مل15 : 29) ، .
ونقرأ بعد ذلك كيف أن آحاز ملك يهوذا استنجد بالأشوريين لينصروه ضد ذنبي هاتين الشعلتين المدخنتين رصين ملك أرام وفقح بن رمليا (إش7 : 4) ولكي يضمن معونة الأشوريين أخذ آحاز الفضة والذهب الموجود فى بيت الرب وفى خزائن بيت الملك وأرسلها إلى ملك أشور هدية (2مل16 : 8) وكان تغلث فلاسر فى ذلك الوقت يُعد لحملة جديدة على الغرب ، فاجتاح بقواته سورية والأراضي المتاخمة حتى وصل إلى غزة . وفى طريق عودته استولى على السامرة دون أن يدمرها إلى الأرض ، وكان الشعب قد اغتال فقح ، فأقام الملك الأشوري هوشع ، قائد المؤامرة ، ملكاً عوضاً عن فقح ، تحت سيادة أشور.
(4) شلمنأسر الرابع (727-722ق.م) : مات تغلث فلاسر الثالث فى 727ق.م وخلفه شلمنأسر الرابع ، الذي حكم مدة قصيرة ولم تصل إلينا حولياته ، ولكننا نقرأ فى سفر الملوك الثاني (17 ، 18) أن هوشع ملك إسرائيل - اعتماداً على ملك مصر - ظن أن موت تغلث فلاسر فرصة طيبة لإعلان الاستقلال ، ولكنها كانت محاولة فاشلة إذ كانت مملكة إسرائيل قد أوشكت على النهاية . فقد كان الشعب قد استسلم للمظالم والشرور التى وبخهم عليها النبيان هوشع وعاموس فقد تنبأ هوشع بشكل خاص عن انحلال إسرائيل وسقوطها ، قائلاً: السامرة ملكها يبيد كغثاء(الزبد اى الفقاقيع) على وجه الماء ، وتُخرب شوامخ آون خطية إسرائيل . يطلع الشوك والحسك على مذابحهم ويقولون للجبال غطينا وللتلال اسقطي علينا (هو10 : 7 و 8 - انظر أيضاً عددي 14 و 15) ولم تكن نبوات إشعياء وميخا - عن المصير الذي ينتظر السامرة - بأقل صرامة : ويل لإكليل فخر سكارى أفرايم ، وللزهر الذابل جمال بهائه الذي على رأس وادي سمائن المضروبين بالخمر (إش28 : 1) ، كل هذا من أجل إثم يعقوب ومن أجل خطية بيت إسرائيل . ما هو ذنب يعقوب ؟ أليس هو السامرة ؟ .. فأجعل السامرة خربة فى البرية مغارس للكروم (ميخا 1 : 5 و 6) ولم تأت للملك هوشع معونة من مصر ، فوقف وحيداً فى مواجهة قوات عاتية ، أسرته خارج السامرة ، والأرجح أُنه أخذ أسيراً إلى نينوى ، واجتاحت الجيوش الغازية البلاد وعاثوا فيها فسادًا ، كما سبق أن أعلن الأنبياء.
(5) سرجون يستولى على السامرة : وبعد مقاومة عنيفة من المدافعين عن المدينة زال الحصن من أفرايم (إش 17 : 3) فبعد أن حاصر الأشوريون السامرة ثلاث سنوات ، سقطت فى أيديهم (2مل17 : 5) وقد يخيل إلينا - من رواية الكتاب المقدس - أنها سقطت فى يد شلمنأسر ، ولكننا نعلم من النقوش الأشورية، أنه قبل استسلام السامرة ، كان شلمنأسر قد تنازل عن العرش أو مات ، وجلس على عرش أشور سرجون ، أحد عظماء ملوك أشور ، ولكنه لم يذكر إلا مرة واحدة فى الكتاب المقدس (إش 20 : 1) ونعلم من النقوش الكثيرة التى خلفها سرجون ، والتى اكتشفت فى أطلال " خورزباد " ، أنه هو - وليس شلمنأسر - الذي أكمل غزو المملكة المتمردة (إسرائيل) وأجلى سكانها إلى أشور فيقول سرجون فى حولياته : فى بداية حكمي استوليت على مدينة السامرة بمعونة شماش (إلهه) الذي ضمن لي النصر .. وأخذت 27.290 أسيراً من سكانها ، كما استوليت على خمسين مركبة ملكية منها .. لقد أعدت الاستيلاء على المدينة، وأسكنت فيها أناساً من البلاد التى غزوتها بذراعي .. وعينت حاكماً عليهم وفرضت عليهم الجزية والضرائب كما على الأشوريين . وهذه الحوليات يؤيدها ما جاء فى الكتاب المقدس ، كما يكمل أحدهما الآخر فى هذه النقطة . ويصف المؤرخ الكتابي ما حدث بالقول : فى السنة التاسعة لهوشع أخذ ملك أشور السامرة وسبى إسرائيل إلى أشور وأسكنهم فى حلح وخابور نهر جوازان ، وفى مدن مادي .. لأنهم لم يسمعوا لصوت الرب إلههم ، بل تجاوزوا عهده وكل ما أمر به موسى عبد الرب فلم يسمعوا ولم يعملوا (2مل17 : 6 و 7 ، 18 : 11 و 12).
(6) إجلاء سكان السامرة وإحلال غيرهم محلهم : كما يصف الكتاب المقدس كيف جاء ملك أشور بأقوام من شعوب أخرى وأسكنهم فى مدن السامرة : وأتى ملك أشور بقوم من بابل وكوث وعّوا وحماة ، وسفروايم ، وأسكنهم فى مدن السامرة عوضاً عن بني إسرائيل ، فامتلكوا السامرة وسكنوا فى مدنها (2مل17 : 24) وتؤيد نقوش سرجون هذه الحقيقة ، وهى أنه جاء بغرباء ممن سباهم فى حروبه وأسكنهم فى السامرة كما يتضح أن ذلك حدث على عدة دفعات . فقد رأينا أن تغلث فلاسر سبق أن أجلى الأسباط الشمالية إلى أشور وأقام عليهم حكاماً من قبله . ونعلم أنه بعد ذلك بزمن ، جاء حفيده آسر حدون ، ثم ابنه - أشور بانيبال (أسنفر العظيم الشريف) بأناس من الشعوب التى غزاها فى الشرق ، وأسكنهم فى السامرة (عز4 : 2 و 10) وأمر ملك أشور أن يبعثوا إليهم فى بيت إيل بواحد من الكهنة الذين سبق أن سباهم من السامرة ، ليعلمهم قضاء إله الأرض وقد ذكر عنهم أنهم كانوا يتقون الرب ويعبدون آلهتهم كعادة الأمم الذين سبوهم من بينهم (2مل17 : 33) والسامريون ، الذين نقرأ عنهم فى الأناجيل ، هم نسل هذا الخليط من اليهود والأمم الذين أسكنهم ملوك أشور فى مدن السامرة.
(7) الأسباط العشرة فى السبي : لا يجب أن يتطرق إلى أذهاننا أنه قد تم إجلاء كل سكان المملكة الشمالية (إسرائيل) ، إذ لا شك فى أنه حدث هنا مثلما حدث عند السبي البابلي ، أن رئيس الشرط أبقى من مساكين الأرض كرامين وفلاحين (2مل25 : 12) بل إن الذين تم إجلاؤهم لم يكونوا سوى قسم من الشعب . ولكن المملكة الشمالية - مملكة الأسباط العشرة - كانت قد انتهت وأصبحت مجرد ولاية أشورية ، يحكمها والٍ من قبل ملك أشور . أما عن الجلاء - أي الأسرى الذين نقلوا إلى مدن مادي - فيجب ألا نظن أنهم قد امتصتهم الشعوب الذين استقروا بينهم ، بل احتفظوا بتقاليدهم اليهودية وممارساتهم وتماسكهم ، وأصبحوا جزءاً من شتات اليهود المنتشرين فى كل بلاد الشرق (مثال قصة طوبيا – الاسفار القانونية الثانية ). ومن المحتمل جداً أنهم اندمجوا - فيما بعد - مع المسبيين من يهوذا ، الذين سباهم نبوخذ نصر ملك بابل، وهكذا أصبح أفرايم ويهوذا شعباً واحداً- كما لم يحدث من قبل - وأصبح اسم اليهود يطلق على الجميع سواء كانوا قبلاً من المملكة الشمالية (إسرائيل) أو من المملكة الجنوبية (يهوذا).
ثانياً- المملكة الجنوبية (يهوذا) :
بينما تعاقبت على المملكة الشمالية عدة أسرات ملكية ، ظلت يهوذا وأورشليم مواليتين لبيت داود حتى النهاية ، فقد قامت المملكة الجنوبية على أساس أكثر رسوخاً، وصمدت أورشليم بهيكلها وكهنوتها أمام الأعداء الذين أطاحوا بالسامرة ، لمدة نحو قرن ونصف بعد سقوط السامرة.
(1) تفكك الإمبراطورية الأشورية : جاء بعد سرجون الذي أطاح بالسامرة فى 722ق.م ملوك عظام اشتهروا بفتوحاتهم ومبانيهم التى تمثل حضارة عصرهم ، فجاء سنحاريب وآسرحدون (يدعى نبوكدنصر فى سفر يهوديت ) وأشور بانبيال وبعد أن مات أشور بانبيال فى 625ق.م أشرفت الإمبراطورية الأشورية على الانحلال ، فوهنت قبضتها على المناطق الغربية وبدأت شعوبها فى التمرد على نينوى ، وأخذت عصابات سكيثية فى الزحف من المناطق الواقعة بين جبال القوقاز وبحر قزوين ، إلى أملاك الإمبراطورية الأشورية حتى حدود فلسطين ومصر . وتنم نبوات أرميا وصفنيا عن أساليبهم الحربية وشراستهم البربرية ، ولكنهم رُدّوا على أعقابهم عند الحدود المصرية ، ويبدو أنهم عادوا إلى الشمال دون أن يغزوا يهوذا.
(2) سقوط نينوى فى 606ق.م : ثم شرعت هذه الجحافل الشمالية فى الزحف نحو نينوى ، التى كانت قوتها قد بدأت فى الاضمحلال . ويرسم ناحوم النبي صورة للفرح الذي يعم مملكة يهوذا لتوقع سقوط نينوى : وحي على نينوى .. هوذا على الجبال قدما مبشر مناد بالسلام . عيِّدي يا يهوذا أعيادك ، أوفي نذورك ، فإنه لا يعود يعبر فيك أيضاً المهلك . قد انقرض كله (ناحوم 1 : 1 و 15 ، انظر أيضاً3 : 8-11) واستعاد الماديون استقلالهم وتحالفوا بقيادة ملكهم سياجزريس (Cyaxaris) مع الكلدانيين الذين ثاروا بعد ذلك بقيادة نبوبولاسَّار حاكم بابل من قبل أشور . وحشد نبوبولاسَّار كل هذه العناصر تحت رايته ، وحاصر عاصمة أشور ، فسقطت فى يده نينوى عاصمة الفاتحين العظام ، والتى وصفها النبي بالقول : أكثرت تجارك أكثر من نجوم السماء (نا3 : 16) سقطت نينوى فى 606ق.م أمام جحافل الماديين والكلدانيين ، سقوطاً لم تقم بعده أبداً، وقامت على أنقاضها الإمبراطورية الكلدانية ، التى كان من أبرز ملوكها نبوخذ نصر الذي أشركه أبوه نبوبولاسَّار فى الحكم معه.
(3) تمرد نخو فرعون مصر : ونستطيع أن نفهم جيداً سبب الفرح الذي عمَّ يهوذا لسقوط نينوى والإمبراطورية الأشورية . لقد نجت أورشليم برحمة الله ، عندما اكتسح سنحاريب المناطق المحيطة بها ، وأسر منها نحو 200.150 نفساً، ودمر المدن والحصون ، وظلت يهوذا ترزح تحت نير أشور البغيض ، فقد بسطت نفوذها ليس على يهوذا فقط ، بل على مصر ووادي النيل . وفى 608ق.م تمرد نخو فرعون مصر على أشور وزحف بجيشه شرقاً، ولم تكن به رغبة فى المواجهة مع يوشيا ملك يهوذا ، ولكن كان لابد له من المرور فى أرض يهوذا ، فاعترض يوشيا - ولاء منه لأشور - طريق فرعون ، فقُتل فى معركة مجدو . ويبدو أن فرعون رجع إلى مصر آخذاً معه يهوآحاز بن يوشيا ، بعد أن عين أخاه يهوياقيم ملكاً على يهوذا ، وفرض جزية باهظة على البلاد .
(4) معركة كركميش فى 604ق.م : لم يرجع نخو عن هدفه فى الزحف نحو الشرق ، فتقدم بجيشه حتى وصل نهر الفرات ، وهناك لقي هزيمة منكرة على يد نبوخذ نصر ملك بابل ، فى معركة حاسمة فى كركميش فى 604ق.م . وخرج الكلدانيون من المعركة وهم سادة أسيا الغربية ، وانتقلت يهوذا من تحت سيادة أشور ، وأصبحت تحت سيادة بابل.
(5) الامبراطورية البابلية الجديدة فى عهد نبوخذ نصر ( 604 إلى 562 ق.م) : لم يكن ثمة فرق بين قسوة البابليين وقسوة الأشوريين ، فيقول حبقوق عن الأمة الكلدانية : هي هائلة ومخوفة .. خيلها أسرع من النمور وأحد (أشرس) من ذئاب المساء .. وفرسانها يأتون من بعيد ويطيرون كالنسر المسرع إلى الأكل (حب1 : 7 و 8) . وأصبح نبوخذ نصر - بعد معركة كركميش - سيداً على كل غربي أسيا بما فيها يهوذا . وكان من العبث أن تستنجد يهوذا بمصر ، فقد كانت لنبوخذ نصر ذراع طويلة يؤدب بها كل من يخرج على طاعته.
وكانت رسالة أرميا النبي - فى تلك الأوقات العصيبة فى تاريخ يهوذا هي أن يخضعوا لملك بابل ، وأن يصلحوا طرقهم أمام الرب ، حتى ينجوا من الغضب الإلهى الذي يتهددهم ، فيخبرهم - بأمر الرب - بالدينونة التى ستحل بأورشليم والشعوب المجاورة ، على يد الكلدانيين . بل إنه يتنبأ بالمدة التى سيقضونها تحت حكم الكلدانيين : وتصير كل هذه الأرض خراباً ودهشاً، وتخدم هذه الشعوب ملك بابل سبعين سنة (أرميا 25 : 11) . وكانت هذه الرسالة غير مقبولة عند الموالين لمصر ، الذين كانوا يتكلون على مناعة أورشليم . ولكن أرميا - بتوبيخه القارص ، وبأعمال رمزية - أنبأهم بمصير أورشليم ، متحملاً فى سبيل ذلك الاضطهاد الشديد ، بل إن حياته نفسها تعرضت للخطر.
(6) تمرد يهوياقيم وعقابه (608-597ق.م) : خضع يهوياقيم أولاً لنخو فرعون مصر ، ثم خضع لنبوخذ نصر ، وكان على مثال شعبه من الشر والفساد ، إذ يتهمه أرميا بالجشع وسفك الدماء البريئة والظلم والخطف والاغتصاب (أرميا 22 : 13-19) . وكانت السنة الرابعة ليهوياقيم هي السنة الأولى لنبوخذ نصر (أرميا 25 : 1) الذي انتشى بنصره فى موقعة كركميش ، وأصبحت سطوته ملموسة فى العالم الغربي ، وأصبح ملك يهوذا الخائن عبداً للملك نبوخذ نصر ، وظل على هذه الحال ثلاث سنوات ، تمرد بعدها على نبوخذ نصر ، ولم يقف بجانبه أحد من الشعوب المجاورة ، فأرسل الرب عليه غزاة الكلدانيين وغزاة الأراميين وغزاة الموآبيين وغزاة بني عمون ، وأرسلهم على يهوذا ليبيدها حسب كلام الرب الذي تكلم به على يد عبيده الأنبياء (2مل 24 : 2).
(7) السبي الأول (606ق.م) : نقرأ في سفر دانيال في السنة الثالثة من ملك يهوياقيم ملك يهوذا ، ذهب نبوخذ نصر ملك بابل إلى أورشليم وحاصرها (دانيال 1: 1) وأخذ معه بعض آنية بين الله وبعض أفراد من النسل الملكي وشرفاء يهوذا ، وكان من بينهم دانيال النبي ورفقائه.
وتاريخ الجزء الأخير من حياة يهوياقيم يبدو غامضاً، إذ يذكر سفر الملوك الثاني أن يهوياقيم - بعد أن ملك 11سنة - أضطجع مع آبائه (2مل 24 : 5 و 6) . ونفهم من ذلك أنه مات ميتة طبيعية ، ولكن يبدو مما ذكرناه من سفر دانيال ، أن السبي الأول كان يشمل يهوياقيم نفسه ، وهو ما يؤكده سفر الأخبار حيث يقول : عليه صعد نبوخذ نصر ملك بابل وقيده بسلاسل نحاس ليذهب به إلى بابل (2أخ 36 : 6) ، ويضيف سفر الملوك : ولم يعد أيضاً ملك مصر يخرج من أرضه لأن ملك بابل أخذ من نهر مصر إلى نهر الفرات ، كل ما كان لملك مصر (2مل 24 : 2) . وتحسب مدة السبعين سنة من سنة السبي الأول (606ق.م).
(8) حصار أورشليم وسقوطها في أيام يهوياكين في 597ق.م : ملك يهوياكين ، والذي خلف أباه يهوياقيم ثلاثة شهور فقط - وهي نفس المدة التى ملكها يهوآحاز من قبل - وقد سُبي يهوآحاز إلى مصر ، وسُبي يهوياكين إلى بابل . ويصف حزقيال سبيهما في مرثاة رائعة ، فيقارنهما بشبلي أسد ، ابني لبؤة - كناية عن إسرائيل - تعلَّم كل منهما افتراس الفريسة وأكل الناس ، ولكنهما كليهما وقعا في حفرة الأمم ، ووُضعا في قفص بخزائم لكيلا يُسمع صوتهما بعد ذلك على جبال إسرائيل (حز 19 : 1-9).
(9) السبي الثاني (597ق.م) : جاء نبوخذ نصر بنفسه في أثناء حصار عبيده لأورشليم ، فاستسلم له يهوياكين ، فأخذ نبوخذ نصر ملك بابل ، الملك يهوياكين وأمه وعبيده ورؤساءه وخصيانه وجميع جبابرة البأس عشرة آلاف مسبي ، وجميع الصناع والأقيان(الحدادين) . لم يبق أحد إلا مساكين شعب الأرض كما حمل معه كل خزائن بيت الرب وخزائن بيت الرب وخزائن بيت الملك ، وكسَّر كل آنية الذهب التي عملها سليمان ملك إسرائيل في هيكل الرب ، كما تكلم الرب .. وجميع أصحاب البأس سبعة آلاف ، والصناع والأقيان ألف ، وجميع الأبطال أهل الحرب ، سباهم ملك بابل إلى بابل . وملَّك ملك بابل متنيا عمه عوضاً عنه وغَّير اسمه إلى صدقيا (2مل 24 : 10-17) وعاش يهوياكين الملك المسكين 37سنة أسيراً في بابل . ويبدو أنه كان يحظى باحترام وولاء المسبيين الذين عاش بينهم ، إلى أن رفع أويل مرودخ ملك بابل في سنة تملكه رأس(مكانة) يهوياكين من السجن (2مل 25 : 27-30).
وكان إجلاء الأمراء والصناع والأقيان هو موضوع رؤية أرميا لسلتي التين ، اللتين كان في إحداهما تين جيد جداً، و في الأخرى تين رديء جداً لا يؤكل من رداءته (أرميا 24: 1-3) . فالتين الجيد هم المسبيون من يهوذا الذين أُخذوا إلى أرض الكلدانيين للخير ، أما التين الرديء فهم الملك صدوقيا والأمراء والباقون في أورشليم الذين كانت تنتظرهم دينونة قاسية حتى يفنوا عن وجه الأرض (أرميا 24: 4-10).
(10) خدمة حزقيال 592-570ق.م : كان بين المسبيين إلى بابل الذين وضعوا على ضفاف نهر خابور ، حزقيال النبي الكاهن . وبعد السبي بخمس سنوات ، بدأ يقص رؤياه العجيبة ، ويعلن أهميتها للمسبيين عند أنهار بابل . ولم يكن حزقيال ليستطيع أن يعلن للمسبيين - الذين كانت تخيم عليهم الكآبة - أنباء تدمير أورشليم إلا بالرموز والكنايات ، إلى اليوم الذي وصلتهم فيه الأخبار المحزنة عن سقوط مملكة يهوذا وخراب المدينة وحرق الهيكل . ولكن لم ينطق حزقيال- لأولئك الأسرى المحطمين البائسين - بالمراثي الحزينة ، كالتى نطق بها أرميا - بل بالحري تنبأ لهم بأخبار مفرحة عن إعادة بناء المدينة وقيام المملكة وإعادة تشييد الهيكل العظيم.
(11) خدمة أرميا في أورشليم 597-588ق.م : رغم سبي زهرة شباب الشعب وشرفائه إلى بابل ، ونهب كنوز الهيكل ، فإن أورشليم والهيكل كانا مازالا قائمين . وكانت لدى أرميا رسالة للشعب الباقي في الأرض ، وكذلك للذين سُبوا إلى بابل . فقد قدم نصيحة للمسبيين بأن يخضعوا ، مؤكداً لهم أن العبادات الوثنية البغيضة التى حولهم ، يجب أن تجعلهم يرجعون إلى شريعة إلههم ، وهكذا يرفعون الحالة الأدبية والروحية في وسطهم : هكذا قال الرب : .. أعطيهم قلباً ليعرفوني إني أنا الرب فيكونوا لي شعباً وأنا أكون لهم إلهاً لأنهم يرجعون إلىَّ بكل قلوبهم (أرميا 24: 5 و 7) . ولم تجد نبواته ومشوراته ، عند الباقين في أورشليم ، أذاناً صاغية ، بل بالحرى عرضته للاتهام بالخيانة لشعبه ولله . وكانت أشد تحذيراته وأوقعها تأثيراً، تلك الصورة الرمزية من وضع الربط و الأنيار على عنقه وارسالها إلى ملك أدوم وإلى ملك موآب ، وإلى بني عمون وإلى ملك صور وإلى ملك صيدون الذين يبدو أنه كانت لديهم فكرة تكوين حلف ضد نبوخذ نصر (أرميا 27: 1-11) . كما حث صدقيا الملك على الخضوع لملك بابل ، لعل ملك بابل يسمح للمسبيين من يهوذا بالعودة . ولكن صدقيا أضاع هذه الفرصة بتآمره مع فرعون مصر الشاب ، حفرع (أبريس) ، وذلك بتحريض من الحزب الموالي لمصر . وهكذا تمرد صدقيا على ملك بابل (2مل24: 20).
(12) تمرد صدقيا وحصار أورشليم 588-586ق.م : كانت تلك خطوة جريئة ، ولم يكن في طوق نبوخذ نصر أن يقبل مثل هذه الخيانة من أحد أتباعه ، فزحف على الفور إلى الغرب ، و أوكل إلى نبوزرادان مهمة الاستيلاء على أورشليم ، بينما أقام هو قاعدته في ربلة على نهر الأورنت في سورية . و في تلك الأثناء عبر فرعون مصر مع جيشه الحدود لمعاونة حلفائه ، وأجبر الكلدانيين على رفع الحصار عن أورشليم ، والالتحام معه في معركة (أرميا 37: 5) . وهنا خانته شجاعته ، فقفل راجعاً على أعقابه قبل الدخول في معركة ، فعاد نبوزرادان بجيشه لمحاصرة أورشليم ، وضيَّق عليها الخناق أكثر من قبل.
و في الفترة التى تنفست فيها أورشليم الصعداء ، لانسحاب الكلدانيين ، خرج أرميا من المدينة قاصداً بلدته عناثوث في شأن عائلي (أرميا 37: 11-15) ، وأكتُشف خروجه وأتهم بأنه يقع للكلدانيين ، فقُبض عليه ووضع في السجن في بيت يوناثان الكاتب ، وبينما هو في السجن ، استدعاه الملك وسأله : هل توجد كلمة من قِبل الرب ؟ فقال أرميا (بلا خوف) : توجد ، فقال إنك تدفع ليد ملك بابل (أرميا 37: 17) . وبأمر من صدقيا الملك تمتع أرميا بعد ذلك بنوع من الحرية . ولكن إذ واصل تحريضه للشعب على الاستسلام ، تعاهد أعداؤه على قتله ، وألقوا به في جب ماء - ولم يكن به ماء بل وحّل - حيث كان معرضاً لخطر الاختناق أو الموت جوعاً. ولكن الملك استدعاه مرة ثانية ، ووعده بأنه لن يقتله ولن يسمح لأعدائه بالقضاء عليه ، فأشار عليه النبي مرة أخرى بالاستسلام لملك بابل ، وسُمح لأرميا بنوع من الحرية.
(13) تدمير أورشليم ، والسبي الثالث في 586ق.م : كانت نهاية المدينة قد اقتربت ، ففي السنة الحادية عشرة لصدقيا في 586ق.م في الشهر الرابع ، في اليوم التاسع من الشهر ، ثُغرت المدينة (أرميا 39: 1 و 2) بعد أن أرهقها الحصار والمجاعة . ويبدو أن صدقيا ورجال الحرب لم ينتظروا بالمدينة حتى سقوطها ، بل هربوا من المدينة ليلاً في طريق جنة الملك من الباب بين السورين ، وساروا شرقاً نحو العربة ، ولكن جيش الكلدانيين سعى وراءهم ، فأدركوا صدقيا في سهول أريحا ، وأخذوه أسيراً وأحضروه إلى نبوخذ نصر في ربلة . فقتل ملك بابل بني صدقيا أمام عينيه ، ثم قلعوا عيني صدقيا وقيده بسلسلتين من نحاس وجاءوا به إلى بابل (2مل25: 4-7) . ولم ينج في هذه المرة لا المدينة ولا الهيكل ولا القصر ، فقد أحرق نبوزرادان بيت الرب وبيت الملك وكل بيوت العظماء ، أحرقها بالنار (2مل25: 9) ، كما هدم جنوده أسوار أورشليم . وكل ما نجا من كنوز الهيكل وأمتعته الثمينة ، نُقل إلى بابل . لقد كان خراب أورشليم كاملاً. ويعَّبر سفر مراثي أرميا عن مشاعر الحزن والأسى والعار التي جاشت في نفس شاهد عيان لِمَا حاق بالمدينة المقدسة : أتم الرب غيظه ، سكب حمو غضبه ، وأشعل نارًا في صهيون فأكلت أسسها . لم تصدق ملوك الأرض وكل سكان المسكونة أن العدو والمبغض يدخلان أبواب أورشليم (مراثي 4: 11 و 12) . ويل لنا لأننا قد أخطأنا . من أجل هذا حزن قلبنا . من أجل هذا أظلمت عيوننا . من أجل جبل صهيون الخرب . الثعالب ماشية فيه (مراثي5: 16-18) . ويلخص أرميا هذه الأحداث بالقول : فسبى يهوذا من أرضه (أرميا 52: 27 ، 2مل 25: 21).
(14) السبي الرابع في 581ق.م : نقرأ في نبوة أرميا عن الدفعات الثلاث الأخيرة من السبي البابلي . ففي السنة السابعة لنبوخذ نصر ملك بابل (أي في 597ق.م) سبى نبوخذ نصر 3.023 من اليهود ، و في السنة الثامنة عشر (أي في 586ق.م) سبى 832 شخصاً. و في السنة الثالثة والعشرين (أي في 581ق.م) سبى نبوزرادان رئيس الشرط 745 شخصاً من اليهود . أي أن جملة النفوس أربعة آلاف وست مائة (أرميا 52: 28-30، انظر أيضاً2مل 24: 14-16).
ويقدر" جورج آدم" - بناء على ما جاء في سفر الملوك الثاني ونبوة أرميا أن مجموع المسبيين كان يتراوح بين 62.000 ، 70.000 نسمة . ففي 606 ق.م سُبي أفراد من النسل الملكي وشرفاء يهوذا (دانيال 1 : 1-4) . و في 597ق.م سبي الأمراء والشرفاء والصناع والأقيان ولم يترك سوى مساكين شعب الأرض (2مل 24: 14) . و في 586 ق.م سُبي بقية الشعب الذين بقوا في المدينة ولكنه أبقى من مساكين الأرض كرامين وفلاحين (2مل 25: 12) . و في 581ق.م وهي السنة الثالثة والعشرون لنبوخذ نصر ، سبى نبوزرادان رئيس الشرط سبع مئة وخمساً وأربعين نفساً(أرميا 52: 30) . وهكذا لم يترك سوى مجموعة من مساكين الفلاحين غير المثقفين بلا هيكل ولا قائد وبلا تنظيم ، أنهكهم الجوع وأحاط بهم الأعداء من كل جانب . كانوا كمية مهملة ، بل صاروا عبئاً على الذين عادوا من السبي وأعادوا بناء الأمة.
(15) جدليا حاكم يهوذا : عُيِّن جدليا حاكماً على الباقين في البلاد ، فجعل من المصفاة مقراً لحكمه ، ومعه حامية بابلية . وتُرك لأرميا الخيار في الذهاب إلى بابل أو البقاء في يهوذا ، ففضل البقاء مع الشعب الذين أُوكل أمرهم لجدليا . وبمقتل جدليا على يد إسماعيل بن نثنيا ، من النسل الملكي ، بدا وكأن مملكة يهوذا قد انتهت تماماً، ولن تقوم لها قائمة أبداً. ورغم مشورة أرميا قررت البقية - بقيادة يوحانان بن قاريح - اللجوء إلى مصر . وأصروا على أخذ أرميا وباروخ بن نيريا معهم . و في مصر قضى أرميا أيامه الأخيرة . وقد اكتشفت مؤخراً في جزيرة فيله بالقرب من أسوان في صعيد مصر ، مخطوطات تركها أحفاد أولئك اليهود الذين نزلوا إلى مصر . وهي تتكون من مخطوطات بردية بالأرامية تعود إلى تاريخ لا يتجاوز المائة عام بعد موت أرميا . وهي عبارة عن حسابات وعقود وصكوك من أنواع مختلفة ، نستدل منها على أنه في القرن الخامس قبل الميلاد ، كانت تقيم هناك جالية يهودية تعيش منعزلة ، وتعبد يهوه لا سواه . وكان لها هيكل ومذبح وذبائح ، كما كان يفعل أجدادهم في أورشليم قبل تدمير الهيكل . وتقدم لنا هذه البرديات لمحات عن الظروف الاجتماعية والدينية التي عاشها أولئك اللاجئون.
(16) المسبيون في بابل : نعرف بعض الأمور عن المسبيين الذين سباهم نبوخذ نصر وأسكنهم على ضفاف أنهار بابل ، من نبوات حزقيال ودانيال ومزامير السبي . كما نقرأ في نبوات حجي وزكريا ، و في سفري عزرا ونحميا عن ترميم أسوار أورشليم وإعادة بناء الهيكل ، وكشفت لنا الألواح المكتوبة بالخط المسماري و التي اكتشفت في حفائر مدينة نبُّور الكثير عن الأحوال الاجتماعية للمسبيين . ونجد بين الأسماء المسجلة في هذه الألواح المسمارية المحفوظة الآن في المتحف العثماني بالقسطنطينية ، عدداً من الأسماء اليهودية بين رجال الأعمال في نُّبور ترجع إلى أيام أرتحشستا الأول وداريوس الثاني (464-405ق.م) . ومما يستلفت النظر أن الكثير من هذه الأسماء هي أسماء نقرأها في سلاسل الأنساب الواردة في أسفار الملوك والأخبار وعزرا ونحميا . ويذكر التلمود أن نبوّر هي كلنة (تك 10: 10) ، وأن نهر خابور في أرض الكلدانيين الذي رأى عنده حزقيال النبي رؤياه ، أصبح معروفاً الآن أنه كان قناة ملاحية واسعة لا تبعد كثيراً عن نبوّر.
(17) ظهور اليهودية وتطورها : لا يمكن المغالاة في وصف أثر السبي كعامل في تطور اليهودية ، فسبي يهوذا (كما يقول دكتور فوكس جاكسون) كان من أهم الأحداث في التاريخ الديني . فبالسبي ينتهي تاريخ إسرائيل ويبدأ تاريخ اليهود . فإذ وجدوا أنفسهم بين شعوب وثنية ، انفصلوا عن نجاسات جيرانهم ، وتعلقوا بإيمان الآباء بإله إبراهيم . وإذ تعرضوا للسخرية والاحتقار من الأمم حولهم ، تقوقعوا على أنفسهم وكوَّنوا مجتمعات منعزلة ، أصبحت طابعاً لهم . لقد أصبحوا بلا وطن ، وبلا طقوس ، وبلا أساس مادي لحياتهم كشعب ، فأدركوا أكثر من ذي قبل أهمية تراثهم الروحي الذي وصل إليهم من العصور الماضية ، فبنوا قوميتهم - في محيطهم الجديد - على أساس الدين . لقد شجعهم أنبياؤهم -وبخاصة أرميا وحزقيال - بالكلام عن البركات الروحية التي لهم ، وبالوعد بالعودة . فكما كان الأنبياء صريحين في الإنذار بالسبي ، كذلك كانوا في التنبؤ بالعودة . فإشعياء بحديثه عن البقية ، كما أن ميخا وصفنيا وأرميا وحزقيال وغيرهم ، قد أناروا الأفق أمام الأمة بالحديث عن يقين العودة ، ليس ليهوذا فقط بل لكل إسرائيل . فستعود جبال السامرة ووديان يهوذا تزهو بكرومها وتينها . بل لقد تنبأ أرميا عن مدة السبي عندما ذكر أن شعوب الأراضي سيخدمون ملك بابل سبعين سنة (أرميا 25: 12، 29: 10) . وهكذا لم يجد المسبيون لهم من سند إلا في التمسك بشريعة موسى ، فأصبحت الشريعة والمجتمع هما رابطة العقد.
(18) العودة بأمر كورش في 538ق.م : عندما استولى كورش الفارسي على بابل وقضى على الإمبراطورية البابلية في 539 ق.م . انتعشت آمال المسبيين ، فقد كان كورش الفأس التي سيسحق بها يهوه بابل (أرميا 51: 20) . وقد تنبأ إشعياء قائلاً: (الرب) القائل عن أورشليم ستعمر ولمدن يهوذا ستُبنين وخربها أقيم ، القائل للُّجَّة انشفي وأنهارك أجفف . القائل عن كورش راعَّي فكل مسرتي يتمم ، ويقول عن أورشليم ستبنى وللهيكل ستؤسس (إش44: 26-28).
(19) إعادة يناء الهيكل في 536ق.م : لم تمض سنة على دخول كورش إلى بابل، حتى أصدر مرسوماً بمنح المسبيين الإذن بالعودة وبناء بيت الرب في أورشليم (2أخ 36: 22 و 23 ، عز1 : 1-4) . كما أخرج آنية الهيكل التي أحضرها نبوخذ نصر إلى بابل وسلَّمها إلى شيشبصر رئيس يهوذا ، فأصعدها شيشبصر معه عند إصعاد السبي من بابل إلى أورشليم (عز1: 7-11).
ونجد أخباراً مفصلة عن العودة في سفري عزرا ونحميا و في نبوتي حجي وزكريا . وقد رجع من المسبيين 42.360 بقيادة شيشبصر علاوة على العبيد . و في أيام يشوع بن صادوق الكاهن وزربابل بن شألتئيل ، بنوا المذبح ووضعوا أساسات الهيكل ، ولكن العمل توقف لمقاومة السامريين لعدم الإذن لهم بالمشاركة في البناء . وهنا قام النبيان حجي وزكريا بحث الشعب على استئناف العمل وتشجيعهم بالقول بأن مجد هذا البيت سيكون أعظم من مجده الأول (حجي 2 : 9) . وأخيراً في شهر أذار في السنة السادسة لداريوس الملك (515ق.م) تم العمل واحتفلوا بالفصح فيه (عز 6 : 15-18).
(20) إصلاحات عزرا ونحميا : صمت التاريخ المقدس لبضعة عقود من السنين . و في 458ق.م . شرع عزرا في العودة إلى أورشليم ومعه نحو 1.800 شخص، ووجد أن اليهود الراجعين من السبي قد تحالفوا وتزاوجوا مع شعب الأرض ، وأصبحوا في خطر فقدان مميزاتهم القومية بالاختلاط بالوثنيين (عز9) . ولكن أمكن تجنب هذا الخطر نتيجة لجهوده وجهود نحميا وأقوال ملاخي النبي . وبعد ذلك بثلاث عشرة سنة (445ق.م) سمع نحميا - ساقي الملك أرتحشستا - بحالة الخراب في المدينة المقدسة ، مدينة قبور آبائه ، فحصل على إذن من الملك لزيارة أورشليم ، وأعطاه الملك رسائل توصية للحكام على الطريق وللحراس على غابة الملك . وأخيراً وصل بسلام إلى أورشليم ، واستكشف بنفسه حالة الأسوار ، ودعا الشعب للعمل لترميم الخرائب . ورغم كل عداء وافتراء من جانب السامريين ، أمكنه أن يرى العمل وقد أكمل وأقيمت الأبواب وامتلأت المدينة بسكانها . وجمع نحميا وعزرا الشعب ليستمع إلى الشريعة حيث قرأوها وفسروها للشعب ، وقطعوا عهداً أن يحفظوا ناموس موسى ، وألا يتزاوجوا من الوثنيين ، وأن يحفظوا السبت ، وأن يدفعوا ثلث الشاقل كل سنة لخدمة الهيكل ، وأن يقدموا الباكورات والعشور (نح 10: 28-39).
(21) نظريات حديثة عن العودة : هناك بعض العلماء الذين ينكرون عودة المسبيين في أيام كورش الملك ، ويزعمون أن إعادة يناء الهيكل قام بها اليهود الذين بقوا من السبي في يهوذا و في أورشليم ، ويبنون نظريتهم على أساس رفضهم لتاريخية سفري عزرا ونحميا . ولكن ليس بالسفرين من الصعوبات ما يدعو إلى إنكار حقيقة عودة المسبيين ، وما عمله كل من عزرا ونحميا . ففيما يتعلق بالعودة نجد أن سياق القصة تؤيده الوثائق التي تحمل طابع الحق التاريخي الذي لا يحتمل جدلاً. كما أن عملاً عظيماً يحتاج إلى كل هذه الطاقة والمهارة والإيمان ، لم يكن ممكناً أن يقوم به الباقون من الشعب دون معونة قوية من الخارج ، فقد عرفنا أنه لم يبق في البلاد سوى الضعفاء والمساكين الذين لا يمكن أن ينتظر منهم القيام بمثل هذا العمل الضخم . كما أن صمت حجي عن موضوع العودة ، لا يمكن أن يكون أساساً سليماً لإنكار العودة . وكل قصة السبي تؤيد القول بأن اليهود الباقين كانوا في حاجة ماسة إلى العائدين من بابل ليشعلوا فيهم الغيرة والحماس للعمل.
(22) أهمية فترة عزرا ونحميا : لقد كان لعصر نحميا والفترة التي سبقته مباشرة نتائج حاسمة ، كان لها أبعد الأثر في المستقبل . ففي خلال هذه المائة من السنين (كما يقول دكتور هاي هنتر Hay Hunter - في كتابه بعد السبي) : أصبح تعليم موسى أساس الحياة القومية ، كما تحددت الأسفار المقدسة ، وتمت صياغة المجتمع اليهودي على الصورة التي لم يطرأ عليها تغيير جذري طيلة القرون التالية . ففي خلال ذلك العهد ، ظهرت القوى التي قاومت المسيح ، والقوى التي انحازت إليه . فقد رأي ذلك القرن قيام الجماعات التي عرفت فيما بعد بأسماء الفريسيين والصدوقيين ، وجماعة الربيين (المعلمين اليهود) ، وتحدد موقف اليهود من الأمم ، ودُفع بالكهنوت إلى مركز السلطة العليا ، كما بدأ الانفصال السامري.
اقتراحات موسوعية أخرى
تيريا
تيريا
اسم عبري معناه مخيف وهو أحد أبناء يهللئيل ( 1 أخ 4 : 16 ).
وادي سورق
أنظر سورق
اخلاص
إخلاص
الاخلاص هو الصفاء والنقاء من كل غش أو خداع أو رياء، وتوجد في الناموس في العهد القديم بعض النو...
جدلتي
جدلتي
اسم عبري معناه لقد عظمت الرب وهو اسم أحد أبناء هيمان. وكان أحد المغنين في الهيكل ( 1 أ خ 25 :...
حماة
حماة
اسم أرامي معناه حمي أو قلعة أو حصن وهو اسم يلائم تلك المدينة الملكية الحصينة، فقد جعل منها الح...
باروخ
باروخ
اسم عبري معناه مبارك وهو اسم :
1-باروخ بن نيريا بن محسيا : كان أخوه محسيا رئيس محلة الملك...