كلمة منفعة
الله خلق كل شيء، لأجل روحياتك..السماء والأرض ليسا فقط لنفعك المادي، وإنما لنفعك الروحي أيضًا، إن استعطت أن تستخرج ما يقدمان من دروس روحية "السماء تحدث بمجد الله، والفلك يخبر بعمل يديه" (مز 19).
— كل شيء لروحياتك

أبوكريفا العهد الجديد (3)

أبوكريفا العهد الجديد (3)
حجم الخط
أبوكريفا العهد الجديد (3)
ثانياً- أعمال بطرس : يوجد جزء كبير ( حوالي الثلثين ) من أعمال بطرس محفوظاً باللغة اللاتينية ، يطلق عليه أعمال فرسيلي نسبة إلى مدينة فرسيلي في بيدمونت حيث توجد المخطوطة في مكتبة كنيستها . كما اكتشف جزء منها بالقبطية ونشره في 1903 م " س. شميدت " تحت عنوان أعمال بطرس ويرى شميدت أنها جزء من كتاب أخذت منه أعمــال فرسيلي ، ولكن هذا أمر موضع شك . وهذا الجزء يتعلق بحادثة حدثت في أثناء خدمة بطرس في أورشليم ، بينما ، أعمال فرسيلي - ولعل المقصود منها أن تكون إمتداداً لسفر الأعمال القانوني - تروي قصة الصراع بين بطرس وسيمون الساحر ، واستشهاد بطرس في رومية . وما ذكره عنها ُكتاب الكنيسة ( فيلاستريوس من برسكيا ، وإيزادور من بلوزيوم وفوتيوس ) يؤكد أن أعمال فرسيلي هي جزء من أعمال بطرس التي حرمت في مرسـوم أنوسنت الأول ( 405 م ) وفي المرسوم الجلاسياني ( 496 م ) :

1- يحتوي الجزء القبطي على قصة ابنة بطرس المفلوجة ، ففي أحد أيام الآحاد وبطرس مشغول بشفاء المرضى ، سأله أحد الواقفين : لماذا لم يشف ابنته ؟ ولكي يبرهن على قدرة الله على إتمام الشفاء على يديه ، شفي بطرس ابنته لفترة وجيزة ، ثم أمرها أن تعود إلى مكانها وإلى حالتها كما كانت من قبل ، وقال إن هذه البلوى قد أصابتها لتخلصها من النجاسة ، حيث أن بطليموس قد فتن بها وأراد أن يتخذها له زوجة . وحزن بطليموس على عدم حصوله عليها حتى عمي من البكاء ، وبناء على رؤيا ، جاء إلى بطرس الذي أعاد له بصره فآمن ، وعندما مات ترك قطعة من الأرض لابنة بطرس . وقد باع بطرس تلك القطعة من الأرض ووزع ثمنها على الفقراء . ويشير إلى هذه القصة دون أن يذكر اسـم أعمال بطرس . كما توجد إشارتان لهذه القصة في أعمال فيلبس . كما تذكر القصة مع أعمال نريوس وأخيلاوس - التي كتبت في عهد متأخر ، مع تغييرات واضحة - ويذكر أن ابنة بطرس - التي لم يذكر اسمها في المخطوطة القبطية - كانت تسمى بترونيلا .
2- تنقسم محتويات الأعمال الفرسيليانية إلى ثلاثة أقسام :
أ‌- الأصحاحات الثلاثة الأولى واضح أنها تكملة لقصة أخرى ، ويمكن أن تكون تكملة لسفر الأعمال القانوني ، فهي تروي إرتحال بولس إلى أسبانيا .

ب‌- الجزء الأكبر ( من 4 - 32 ) يصف الصراع بين بطرس وسيمون الساحر في رومية ، فلم يمكث بطرس في رومية طويلاً حتى لحق به سيمون - الذي كان " يدعي أنه قوة الله العظيمة " - وأفسد كثيرين من المسيحيين . وظهر المسيح لبطرس في رؤيا في أورشليم وأمره أن يبحر إلى إيطاليا وإذ وصل إلى رومية ثبت المؤمنين ، وأعلن أنه جاء لتثبيت الإيمان بالمسيح ليس بالأقوال فقط بل بعمل المعجزات والقوات ( إشـــارة إلى 1 كو 4 : 20 ، اتس 1 : 5 ) . وبناء على التماس من الإخوة، ذهب بطرس لمقابلة سيمون في بيت رجل يدعي مارسلوس كان قد أضله الساحر ، وعندما رفض سيمون مقابلته ، أطلق بطرس كلباً وأمره أن يبلغ سيمون الرسالة ، وكانت نتيجة هذه المعجزة أن تاب مارسلوس . وبعد ذلك جزء يصف إصلاح تمثال مكسور برش الكسر بماء باسم يسوع . وفي تلك الأثناء كان الكلب قد ألقى موعظة على سيمون وأصدر عليه حكم الدينونة بنار لا تطفأ .

وبعد أن أبلغ بطرس بقيامه بمأموريته وتكلم إلى بطرس بأقوال مشجعة ، اختفى الكلب عند قدمي الرسول . وبعد ذلك جعل سمكة مشوية تعوم ، فتقوى إيمان مارسلوس وهو يرى العجائب التي يصنعها بطرس ، فطرد سيمون من بيته بكل احتقار ، فاغتاظ سيمون جداً لذلك ، فذهب إلى بطرس يتحداه ، فانبرى له طفل عمره سبعة شهور ، يتكلم بصوت رجالي ، وشجب سيمون وجعله يبكم حتى السبت التالي . وظهر المسيح لبطرس في رؤيا في الليل وشجعه ، وفي الصباح حكى بطرس للجماعة انتصاره على سيمون " ملاك الشيطان " في اليهودية . وبعد ذلك بقليل في بيت مارسلوس ، الذي " تطهر من كل أثر لسيمون " ، كشف بطرس المفهوم الحقيقي للإنجيل . وتظهر كفاءة المسيح لمقابلة كل أنواع الحاجة في فقرة لها صبغة دوسيتية : " سيغريكم حتى تحبوه ، هذا العظيم والصغير ، هذا الجميل والقبيح . هذا الشاب والقديم الأيام ، الذي ظهر في الزمان ولكنه محجوب تماماً في الأبدية ، الذي لم … تلمسه يد ، ولكنه يلمس الآن من خدامه ، الذي لم يره جسد ولكنه الآن يرى ….. وبعد ذلك في وهج عجيب من النور السماوي ، استردت النوافذ المقفلة بصرها ورأت الأشكال المختلفة التي ظهر بها المسيح لهم " .

وتصف رؤية لمارسلوس ظهر له الرب فيها في هيئة بطرس وضرب بسيف " كل قوة سيمون " التي ظهرت في شكل امرأة حبشية سوداء جداً وفي ثياب رثة . ويأتي بعد ذلك الصراع مع سيمون في الساحة العامة في محضر أعضاء مجلس الشيوخ والولاة ، وبدأ الجانبان في المبارزة بالكلام ثم بالأفعال التي برزت فيها قوة بطرس وتفوقت في إقامة الموتى ، على قوة سيمون ، وهكذا خسر سيمون شهرته في رومية ، وفي محاولة أخيرة لاسترداد نفوذه ، أعلن أنه سيصعد إلى الله ، وطار - أمام الجموع المحتشدة - فوق المدينة . ولكن إستجابة لصلاة بطرس للمسيح ، وقع سيمون وانكسرت ساقه في ثلاثة مواضع ، فنقل من رومية ، وبعد أن بترت ساقه مات .

ج- يختم سفر الأعمال الفرسيلياني بقصة استشهاد بطرس ( أصحاحات 33 - 41 ) ، فقد استهدف بطرس لعداء الشخصيات من ذوي النفوذ لأنه حرض زوجاتهم على الانفصال عنـــهم ، ونتج عن ذلك القصة المشهورة " كوافاديس " . هرب بطرس من رومية عندما استشعر الخطر ، ولكنه قابل المسيح الذي قال له إنه ذاهب إلى رومية ليصلب ثانية ، فعاد بطرس وحكم عليه بالموت . وفي مكان تنفيذ الحكم ، فسر بطرس سر الصليب . طلب أن يصلب منكس الرأس ، وعندما فعلوا به ذلك ، شرح في عبارات مصبوغة بالصبغة الغنوسية ، سبب رغبته في ذلك . وبعد صلاة صوفية الطابع ، أسلم بطرس الروح , وغضب نيرون جداً لإعدام بطرس بدون علمـــه ، لأنه كان يريد التشفي فيه وتعريضه لأنواع من العذاب . وبناء على رؤية ، امتنع عن صب غضبه على المسيحيين واضطهادهم اضطهاداً عنيفاً ( قصة استشهاد بطرس موجودة أيضاً في الأصل اليوناني ) .

قيمتها التاريخية : واضح مما سبق أن هذه الأعمال ليست إلا أساطير ، وليس لها أي قيمة من الناحية التاريخية عن خدمة بطرس ، فهي في حقيقتها من اختراع الروح القديمة التي تستعذب الخوارق ، والتي ظنت أن قوة المسيحية تعتمد تماماً على قدرة ممثليها على التفوق على الجميع في امتلاك قوة خارقة .

أما قصة حصول سيمون على نفوذ كبير في رومية وكيف أقيم له تمثال تكريماً له ( أصحاح 10 ) ، فقد يكون لها أساس من الحقيقة ، فيقول جستين الشهيد إن سيمون بناء على الأعمال العجيبة التي كان يقوم بها في رومية ، كان يعتبر إلهاً وأقيم له تمثال تكريماً له . ولكن شكوكاً خطيرة قد أحاطت بالقصة كلها من النقوش الموجودة على حجر في قاعدة عامود في رومية عن إله سبيني اسمه سيمو سانكوس ، ولعل هذا ما دعا جستين إلى أن يخلط بين هذا التمثال وبين سيمون الساحر ، ولعله أيضاً كان الأساس الذي نسجت حوله أسطورة أعمال سيمون في رومية . أما موضوع استشهاد بطرس في رومية فهو أمر قديم ، ولكن لا يمكن الركون في ذلك إلى القصة الواردة في أعمال بطرس .

المؤلف وتاريخ التأليف : لا يمكن الجزم بشيء في موضوع مؤلف أعمال بطرس ، فالبعض يعتقدون أنها من تأليف كاتب أعمال يوحنا ، ولكن الأمر المؤكد هو أنهما نبتتا في نفس الجو الديني في أسيا الصغرى . وليس هناك إجماع على مكان كتابتها ، ولكن بعض التفاصيل الصغيرة مع طبيعة الكتاب ، تدل على أن أصله كان في أسيا الصغرى أكثر مما في رومية ، فهو يخلو من ذكر أي شيء عن أحوال رومية ، بينما هناك تلميحات محتملة عن شخصيات تاريخية عاشت في أسيا الصغرى . أما تاريخ كتابته فيرجع إلى ختام القرن الثاني على الأرجح .

طبيعتها : استخدم الهراطقة أعمال بطرس ، بينما حرمتها الكنيسة ، وليس معنى هذا بالضرورة أنها من أصل هرطوقي ، وإن كان يستشف منها روح - اعتبرت فيما بعد - هرطوقية ، ولكن من المحتمل أنها نشأت داخل الكنيسة في بيئة مصبوغة بشدة بالأفكار الغنوسية ، فنجد المبدأ الغنوسي في التشديد بخصوص " فهم الرب " ( أصحاح 22 ) . وكذلك نرى الفكرة الغنوسيه في أن الكتب المقدسة يلزم أن تكون مصحوبة بتعليم سري مسلم من الرب للرســــل ، في كثير من الأجزاء ( وبخاصة الأصحاح 20 ) ، ففي أثناء وجودهم على الأرض في شركة مع المسيح ، لم يكن ممكناً للتلاميذ أن يفهموا تماماً كل إعلان الله ، فكل منهم رأى ما استطاع أن يراه ، فبطرس يقول إنه يسلم لهم ما استلمه من الرب " في سر " . كما يوجد فيها شوائب من الهرطقة الدوسيتية ، كما أن الكلمات التي نطق بها بطرس وهو معلق على الصليب توحي بتأثير غنوسي ( فصل 73 الخ ) ، ونجد في تلك الأعمال نفس الموقف السلبي من الخليقة والروح التقشفية الواضحة كما في غيرها من الأسفار الأبوكريفية . و " عذارى الرب " لهم مكانة رفيعــــة ( فصل 22 ) ، ويستخدم الماء بدل الخمر في العشاء الرباني . وأشد ما يميز أعمال بطرس هو التشديد على رحمة الله الواسعة في المسيح من نحو المرتدين ( وبخاصة في فصل 7 ) ، وهذه الملحوظة التي تكرر كثيراً هي برهان على وجود الإنجيل الحقيقي في مجتمعات اختلط إيمانها بأغرب الخرافات .

ثالثاً - أعمال يوحنا : بناء على جدول المخطوطات لنيسيفورس ، كانت أعمال يوحنا في صورتها الكاملة تشكل كتاباً في حجم إنجيل متى . وعدد من أجزائة يبدو مترابطاً ، وهذه تكون نحو ثلثي الكتاب . وبداية تلك الأعمال مفقودة ، وتبدأ الرواية بالفصل 18 . ولا نستطيع أن نجزم بشيء عن محتويات الفصول السابقة ، وإن كان " بونيت " يرى أن الأربعة عشر فصلاً الأولى تروي تفاصيل رحلة يوحنا من أفسس إلى رومية ، ونفيــة إلى بطمس ، بينما الأصحاحات من 15 - 17 تصف عودته من بطمس إلى أفسس ، ولكننا نستبعد هذا لأن الجزء الذي يبدأ بالفصل 18 يصف زيارة يوحنا الأولى لأفسس . ويروي الجزء الأول الموجود من هذه الأعمال ( من 18 - 25 ) أن ليكوميدس " القائـــد الأول للأفسسيين " قابل يوحنا وهو يقترب من المدينة وتوسل إليه من أجل زوجته الجميلة كليوبترا التي أصيبت بالفالج ، وعند وصولهم إلى البيت بلغ الحزن من ليكوميدس مبلغاً سقط معه ميتا ، وبعد أن صلى يوحنا للمسيح ، شفى كليوبترا ثم أقام ليكوميدس من الموت . ونزولاً على توسلاتهما أقام يوحنا معهما . وفي الفصول من 26 - 29 نجد موضوع صورة يوحنا التي لعبت دوراً بارزاً في مجمع نيقية الثاني ، فقد أرسل ليكوميدس صديقاً له ليرسم صورة ليوحنا وعندما تمت ، وضعها في غرفة نومه وأقام مذبحاً أمامها وأحاطها بالشموع ، ولما اكتشف يوحنا لماذا يأوي ليكوميدس إلى غرفته كثيراً ، اتهمه بعبادة وثن وعلم أن الصورة هي صورته ، وصدق ذلك عندما جاءوا له بمرآة ليرى نفسه فيها ، فطلب يوحنا من ليكوميدس أن يرسم صورة لنفسه وأن يستخدم في تلوينها الإيمان بالله ، الوداعة ، المحبة ، العفة ، إلخ أما صورة الجسد فهي صورة ميتة لإنسان ميت . أما الفصول من 30 - 36 فتروي قصة شفاء إمرأة عجوز مريضة ، وفي الساحة حيث كانت تجري المعجزات ، ألقى يوحنا خطاباً عن بُطل كل الأشياء الأرضية ، وعن الطبيعة المدمرة التي للعواطف الجسدية . وفي الفصول 37 - 45 نقرأ أن معبد أرطاميس قد سقط نتيجة لصلاة يوحنا ، مما أدى إلى ربح الكثيرين للمسيح . وكاهن أرطاميس الذي قتل عند سقوط المعبد ، قام من الموت وأصبح مسيحياً ( 46 ) . وبعد سرد عجائب أخرى ( إحداهما كانت طرد البق من أحد البيوت ) ، تأتي أطول قصص هذا الكتاب وهي قصة منفرة عن دروسيانا ( 62 - 86 ) نظمتها الراهبة هروزوتيا من جاندرشيم في قصيدة شعرية ( القرن العاشر ) .

والفصول من 87 - 105 تروي حديثاً ليوحنا عن حياة وموت وصعود يسوع ، مصبوغاً بالصبغة الدوسيتية ، ومنها جزء كبير يتعلق بظهور المسيح في أشكال كثيرة بطبيعة جسده الفريدة . وفي هذا الجزء توجد الترنيمة الغريبة التي استخدمها أتباع بريسليان ، والتي يقولون إنها الترنيمة التي رنمها يسوع بعد العشاء في العلية ( مت 26 : 30 ) والتلاميذ يرقصون في حلقة حوله ويردون قائلين آمين . وهنا أيضاً نرى التعليم الصوفي الغامض عن الصليب يعلنه المسيـــح ليوحنا . والفصول من 106 - 115 تروي نهاية يوحنا ، فبعد أن خاطب الإخوة وتمم فريضة عشاء الرب بالخبز فقط ، أمر يوحنا بحفر قبر ، و بعد أن تم ذلك صلى وشكر الرب الذي أنقذه من " الجنون القذر للجسد " وصلى أن يمر بأمان في ظلمة الموت وأخطاره ، ثم اضطجع بهدوء في القبر وأسلم الروح .

قيمتها التاريخية : لسنا في حاجة إلى القول بأن أعمال يوحنا ليس لها أي قيمة تاريخية ، فهي نسيج من أساطير كان القصد منها وما حوته من معجزات ، أن تغرس في أذهان العامة المفاهيم الدينية ونمط الحياة كما يعتنقها المؤلف . وهذه الأعمال تتفق مع التقليد الثابت بأن أفسس كانت دائرة خدمة يوحنا في أواخر أيامه ، ولكن ما يلفت النظر هو ما ذكره المؤلف عن تدمير يوحنا لمعبد أرطاميس ، وهو دليل قوي على أن هذه الأعمال لم تكتب في أفسس ، لأن معبد أرطاميس دمره القوط في 262 م .

صفتها العامة : إن أعمال يوحنا هي أكثر تلك الأسفار الأبوكريفية هرطقة ، وقد أشرنا آنفاً إلى السمات الدوسيتية ، فنرى عقيدة عدم حقيقة جسد يسوع في ظهوره بأشكال مختلفـــة ( 88 - 90 ) ، وقدرته على البقاء بدون طعام ( 93 ) ، وبدون نوم ( " فلم أر عينية مغمضتين قط ولكنهما على الدوام مفتوحتان " 89 ) ، وإنه عندما يمشي لا تترك أقدامه أثراً ( 93 ) ، وتغير طبيعة جسده عند اللمس فمرة يكون جامداً ، وتارة ليناً ، وأخرى خيالياً تماماً ( 89 ، 93 ) . كما أن صلب يسوع كان مجرد مظهر وهمي ( 97 ، 99 ) ، وأن الصعود حدث عقب الصلب الظاهري مباشرة فلا مكان لقيامة شخص لم يمت أصلاً . كما أن الملامح الغنوسية تبدو واضحة في استخفافه بالناموس اليهودي ( 94 ) ، وفي الاهتمام بتأكيد أن المسيح سلم الرسل تعليماً سرياً (96 ) ، وفي احتقار غير المستنيرين ( " لا تهتموا بالكثيرين ، واحتقروا الذين خارج السر " 100 ) والأحداث التاريخية لآلام المسيح تحولت تماماً إلى نوع من الصوفية (101 ) فهي مجرد رمز للآلام البشرية ، والهدف من مجيء المسيح هو أن يمكن الناس من فهم المعنى الحقيقي للآلام وهكذا يتخلص منها (96) ، وآلام المسيح الحقيقية هي ما نتج عن حزنه على خطايا أتباعه ( 106) ، كما أنه شريك في آلام شعبه الأمين ، وفي الحقيقة هو حاضر معهم ليسندهم في وقت التجربة ( 103) . كما أن أعمال يوحنا تبدي نزعة هرطوقية وإن كانت أقل بروزاً من أعمال أندراوس وأعمال توما . ولا نجد في أي مؤلف آخر لمحات أكثر هولاً ، مما نرى في أعمال يوحنا ، من لمحات عن أعماق الفساد الجنسي ، فقصة دروسيانا تلقي نوراً قوياً على الأمور الجنسية الفاضحة التي انتقلت إلى المسيحية الهيلينية . ولكن إلى جانب ذلك ، توجد أجزاء تفيض بالمشاعر الدينية الدافئة . وبعض الصلوات تتميز بالحماسة والحرارة ( 112) . وهذه الأعمال تدل على أن المؤلف كانت له موهبة الكتابة ، وهي في هذا تختلف عن أعمال بولس .

المؤلف وتاريخ التأليف : يقول مؤلف أعمال يوحنا عن نفسه بأنه كان رفيقاً للرسول ، وقد شارك في الأحداث التي رواها ، ونتيجة لذلك فإن القصة بها شيء من الحيوية حتى إنها لتبدو وكأنها تاريخ حقيقي . والمؤلف - بشهادة تعود إلى القرن الرابع - هو ليوسيوس ولكن لا يمكن أن نجزم بشيء عنه . ومن المحتمل أن المؤلف ذكر اسمه في الجزء المفقود . ونعرف أنها قديمة من إشارة إكليمندس السكندري ( حوالي 200 م ) إلى طبيعة جسد المسيح غير المادية ، فهذه العبارة تدل بوضوح على أنه كان يعرف هذه الأعمال ، أو سمع عنها ، فمن المحتمل أنها كتبت فيما بين 150 - 180 م وأنها كتبت في أسيا الصغرى .

تأثيرها : كان لأعمال يوحنا تأثير واسع ، وعلى الأرجح هي أقدم أعمال ، وعنها أخذت سائر أسفار الأعمال التي كتبت بعدها ، فأعمال بطرس وأعمال أندراوس شديدة الشبه بأعمال يوحنا ، حتى قال البعض إنها كلها من قلم واحد ، والأرجح أننا على حق عندما نقول إن مؤلف أعمال يوحنا كان رائداً في هذا المجال من الروايات التي حيكت حول الرسل ، وأن الآخرين ساروا على الدرب الذي فتحه . ونفهم من إشارة أكليمندس الإسكندري أن أعمال يوحنا كانت تقرأ في الدوائر القويمة ، ولكن نُظر إليها بعد ذلك بعين الشك ، فالقديس أغسطينوس يقتبس جزءاً من الترنيمة (95 ) التي قرأها في مؤلف بريسلياني أرسله إليه الأسقف سرتيوس ، ويعلق بنقد قاس عليها ، وعلى الزعم بأنها أعلنت سراً للرسل . وقد أصدر مجمع نيقية الثاني ( 787 م ) حكماً شديد اللهجة ضد أعمال يوحنا . ولكن القصص التي جاءت بهذه الأعمال انتقلت إلى الدوائر القويمة وقد استخدمها بروكورس ( القرن الخامس ) في تأليف رواية عن رحلات الرسول ، كما استخدمها أبدياس ( القرن السادس ) .

رابعاً - أعمال أندراوس : ورد أول ذكر لهذه الأعمال - التي كثيراً ما يشير إليها الكتاب الكنسيون - في يوسابيوس ، فهو يرفضها مع غيرها من الأعمال الأبوكريفية على أنها سخيفة وغير معقولة . ويشير القديس أبيفانيوس إلى هذه الأعمال - عدة مرات - بأنها مستخدمة عند مذاهب هرطوقية كثيرة ممن يمارسون الزهد الشديد . وينسبها الكتّاب الأوائل إلى ليوسيوس مؤلف أعمال يوحنا .

محتوياتها : لم يبق من أعمال أندراوس إلا أجزاء صغيرة . كما يحتفظ لنا أيوديوس مــــن أوزالا ( توفي 424 م - وكان معاصراً لأوغسطينوس ) بجزء صغير ، كما يوجد جزء أكبر في مخطوطة من القرن العاشر أو الحادي عشر تحتوي على حياة القديسين عن شهر نوفمبر ، يقول عنها بونيت إنها من أعمال أندراوس . وقصة موت أندراوس ترد على جملة صور ، والصورة التي يبدو أنها أقربها إلى الأصل ، توجد في خطاب مشايخ وشمامســة كنائس أخائية .

1-والجزء الوارد في أيوديوس عبارة عن فقرتين قصيرتين تصفان العلاقات بين مكسيميليا وزوجها أجيتس ، الذي قاومت مطالبه .

2- أطول جزء من هذه الأعمال يروي سجن أندراوس لإغرائة مكسيميليا بالانفصال عن زوجها أجيتس ، لتعيش حياة الطهارة ( واسم أجيتس هو في حقيقته اسم شخص ينتسب إلى مدينة أجيا القريبة من باتري التي يقال إن أندراوس كان يعمل بها ) . ويفتتح الفصل ، في وسط خطاب ألقاه أندراوس على الإخوة في السجن ، الذي انضموا إليه فيه ليفتخروا بشركتهم مع المسيح وبنجاتهم من أمور الأرض الدنية . وقد زارت مكسيميليا ورفيقاتها الرسول مراراً في السجن ، وقد جادلها أجيتس وهددها بأنها إذا لم تستأنف علاقاتها معه ، فإنه سيعرض أندراوس للعذاب . وأشار عليها أندراوس بمقاومة الحاح أجيتس ، وألقى خطاباً عن طبيعة الإنسان الحقيقية ، وقال إن العذاب لا يخيفه ، فلو أن مكسيميليا خضعت ، لتألم الرسول من أجلها ، وبمشاركتها له في الآلام تعرف طبيعتها على حقيقتها وهكذا تنجو من الضيق . ثم بعد ذلك عزى أندراوس إستراتوكليس أخا أجيتس الذي أعلن حاجته إلى أندراوس الذي غرس فيه " بذرة كلمة الخلاص " . وبعد ذلك أعلن أندراوس أنه سيصلب في اليوم التالي ، فزارت مكسيميليا الرسول مرة أخرى في السجن ، " وكان الرب يسير أمامها في صـــورة أندراوس " . وألقى الرسول خطاباً على جماعة من الإخوة عن خداع إبليس الذي بدا للإنسان أولاً كصديق ولكنه ظهر الآن كعدو .

3-عندما وصل إندراوس إلى مكان الصلب ، رحب بالصليب . وبعد أن ربط إلى الصليب ، وعلق عليه ، كان يبتسم لإخفاق أجيتس في الإنتقام ، لأنه ( كما قال ) " الرجل الذي ينتمي ليسوع ، لأنه معروف ليسوع ، فهو رجل محصن ضد الانتقام " . وظل أندراوس ثلاثة أيام وثلاث ليال يخاطب الشعب من فوق الصليب ، وإذ تأثروا من نبله وبلاغته ، ذهبوا إلى أجيتس طالبين منه انقاذه من الموت . وإذ خشى غضب الشعب ذهب لينزل أندراوس من فوق الصليب ، ولكن الرسول رفض النجاة وصلى للمسيح لكي يحول دون إطلاق سراحه . بعد ذلك أسلم الروح ، وقد دفنته مكسيميليا ، وبعدها بقليل طرح أجيتس نفسه من ارتفاع عظيم ومات .

الصفة العامة : يظهر الاتجاه الهرطوقي بأقوى صورة في أعمال اندراوس ( وبالنسبة لهذا ، ولارتباط أندراوس في التقليد الكنسي بالتقشف الشديد ، فهناك مفارقة عجيبة حيث أنه في بعض أجزاء ألمانيا يعتبر أندراوس القديس الحامي للفتيات اللواتي يبحثن عن أزواج . ففي هارز وتورنجن تعتبر ليلة القديس أندراوس ( 30 نوفمبر ) عند الفتيات أفضل وقت لرؤية أزواج المستقبل . وتبدو الروح الغنوسية في التقدير العظيم للإنسان الروحي (6) . فالطبيعة الحقيقية للإنسان طاهرة ، والضعف والخطية هما من عمل " العدو الشرير الذي هو ضد السلام " ، وهو لا يظهر علناً كعدو لإغواء الناس ولكنه يتظاهر بالصداقة ، وعندما يبزغ نور العالم ، يرى عدو الإنسان في ألوانه الحقيقية . والخلاص من الخطية يأتي من الاستنارة . والنظرة المتصوفة إلى الآلام (9) تذكرنا بتلك الموجودة في أعمال يوحنا . ومواعظ الرسول تتميز بالجدية والحــرارة ( فالكلمات تفيض من شفيته " كسيل من نار " 12 ) وإحساس عميق بالرحمة الإلهية على الخطاة والمجربين .
القيمة التاريخية : الشيء الوحيد في أعمال أندراوس الذي يمكن أن يكون له أساس تاريخي هو خدمته في باتري على خليج كورنثوس . وهناك اضطراب في التقاليد الكنسية عن دائرة خدمة أندراوس فيما بين سيكيثا وبثينية واليونان ، ولكن من المحتمل أن أندراوس جاء إلى اليونان وإنه استشهد في باتري ، ومن المحتمل في نفس الوقت أن خدمة أندراوس وصلبه في باتري قد اخترعت لإظهار أن الكنيسة في باتري كنيسة أسسها أحد الرسل .
أما التقليد عن صلب الرسول على الصليب المعروف باسم صليب القديس أندراوس ، فهو تقليد متأخر .