كلمة منفعة
لا يكفى أن يكون العمل الذي نعمله خيرًا في أهدافه وإنما يجب أن تكون الوسيلة التي نعمله بها، وسيلة خيرة وطيبة.
— الوسيلة الطيبة

كنائس وأديرة الأقباط في القدس 5

كنائس وأديرة الأقباط في القدس 5
حجم الخط
كنائس وأديرة الأقباط في القدس
مراحل الصليب
* طريق الآلام VIA DOLOROSA *
فى كل يوم جمعة ، الساعة الثالثة بعد الظهر ، يقيم الكاثوليك ، فى القدس ، صلوات تسمى "درب الصليب
VIA DOLOROSA " ، سائرين بروح التوبة على نفس الطريق الذى سار عليه المخلص له المجد ، تحت وطأة الصليب من دار الحكم لبيلاطس (أمام ساحة المدرسة العمرية حاليا) وتنتهى بالقبر المقدس الفارغ . يرجع ترتيب هذه الصلوات الى القرن الثالث عشر ، وتوجد اشارات الى الأماكن التى سار فيها رب المجد حاملا الصليب وتسمى "مراحل" . وانتشرت هذه الصلوات فهى أربعة عشرة مرحلة ، تسع من هذه المراحل هى على امتداد طريق الآلام ، والخمس الباقية بداخل كنيسة القيامة .
أسماء المراحل :
1- الحكم بالموت على الرب وجلده 2- الرب يسوع يخرج حاملا الصليب .
3- الرب يسوع يقع تحت الصليب للمرة الأولى . 4- لقاء الرب يسوع مع أمه العذراء .
5- سمعان القيروانى يسخر لحمل الصليب . 6- فيرونيكا تمسح وجه المخلص بمنديل .
7- الرب يسوع يقع تحت الصليب للمرة الثانية . 8- حديث الرب لبنات أورشليم .
9- الرب يسوع يقع تحت الصليب للمرة الثالثة . 10- نزع الثياب عن المخلص .
11- المخلص يسمر على الصليب . 12- المخلص يسلم الروح .
13- انزال جسد الرب من على الصليب . 14- الجسد الطاهر يوضع فى القبر .
+ المرحلة الأولى :
" فحينئذ أخذ بيلاطس يسوع وجلده . وضفر العسكر اكليلا من شوك ووضعون على رأسه ، وألبسوه ثوب أرجوان ، وكانوا يقولون : السلام يا ملك اليهود . وكانوا يلطمونه " ( يوحنا 1:19-3) .
• قصر بيلاطس (قلعة أنطونيا) :
فى هذه المنطقة الشمالية الغربية لباحة الهيكل ، كانت توجد قلعة تدعى "هنانئيل" (فى القرن الثانى قبل الميلاد) . أعاد بناؤها المكابيون وسموها "باريس" أى "قلعة" . وحوالى السنة 35 قبل الميلاد ، وسعها هيرودس الكبير وجملها وسماها "أنطونيا" على شرف ولى نعمته " مرقس أنطونيوس " ، والتى وصفها المؤرخ اليهودى الكبير "يوسيفوس JOSEPHUS FLAVIUS " كقصر ملكى فخم ، له أربعة أبراج ودرج يصلها بالهيكل ، وكانت فى الداخل مفتوحة على قصر فيه جميع وسائل الرفاهية المعروفة فى تلك الأيام ، وأثناء الحكم الرومانى ، كان الجنود يسيطرون من القلعة على الجماهير المحتشدة فى ساحة الهيكل . تهدمت تلك القلعة أثناء دك المدينة على يد تيطس القائد الرومانى سنة 70 ميلادية . وفى سنة 135 ميلادية بنى هادريان بالقرب من الباب الشرقى ، المؤلف من ثلاثة أقواس ، فى مدينته الجديدة التى أطلق عليها اسم "ايليا كابتولينا" . وفى طريق الآلام تتوفر رؤية القوس الأوسط ، ويطلق عليه قوس "هوذا الانسان ECCO HOMO" وقوس جانبى فى كنيسة راهبات صهيون .
فى فترة الحكم الصليبى ، شيد فى المكان دير الآباء الفرنسيسكان يسمى "دير الجلد "FLAGELLATION CONVENT" ، وكنيستين : كنيسة الحكم وكنيسة الجلد . دير الجلد أفتتح سنة 1910 ميلادية ، ومنذ سنة 1927 م وحتى اليوم هو مركز "معهد الكتاب المقدس الفرنسيسكانى" الذى يمنح الشهادات الأكاديمية فى اللاهوت . وفى ساحة الدير ، نرى بعض الآثار القديمة معروضة بطريقة منظمة . فمثلا هناك قطعة حجرية عليها كتابات باللغة اللاتينية ، تعود الى عهد الامبراطور هادريان ، وتيجان أعمدة من كنيسة القيامة تعود الى العهد البيزنطى (أمام كنيسة الجلد) ، وتيجان أخرى تعود الى فترة القرون الوسطى (بجانبى كنيسة الحكم) .
كنيسة الحكم :
"فلما سمع بيلاطس هذا القول أخرج يسوع ، وجلس على كرسى الولاية فى موضع يقال له "البلاط" وبالعبرانية "جباثا" . وكان استعداد الفصح ونحو الساعة السادسة . فقال لليهود " هوذا ملككم" . فصرخوا خذه خذه اصلبه فقال بيلاطس : أأصلب ملككم ؟ أجاب رؤساء الكهنة : ليس لنا ملك الا قيصر . فحينئذ أسلمه اليهم ليصلب" (يوحنا 13:19-16) .
فى سنة 1903م-1904م ، بنى الراهب الفرنسيسكانى WENDELIN OF MENDEN هذه الكنيسة ، على بقايا كنيسة تعود الى القرن الثالث عشر . يحمل المزار لقب الحكم وحمل الصليب ، ذلك لأن هناك أرضية مبلطة (يمكن مشاهدة امتدادها فى أملاك راهبات صهيون ويسمى "ECCO HOMO CONVENT" ، والتى أعتبرت كجزء من البلاط الملكى "ليثوستروتس LITHOSTHROTOS" ، حيث حكم بيلاطس البنطى على السيد المسيح بالصلب .
و نلاحظ فى بعض حجارة الأرضية المبلطة تحزيزات وشقوق تبين بعض ألعاب الجنود الرومانيين . فى هذا المكان المقدس ، نتذكر السيد المسيح واقفا كمذنب أمام بيلاطس ، وهو يسأل رؤساء الكهنة عن علة الحكم عليه ، ولكن كانوا يصرخون بشدة : أصلبه ، أصلبه ز فجاء قراره الأخير بالصلب .
كنيسة الجلد FLAGELLATION :
"فأجاب جميع الشعب : دمه علينا وعلى أولادنا . حينئذ أطلق لهم باراباس ، وأما يسوع فجلده وأسلمه ليصلب" ( متى 25:27-26) .
كنيسة الجلد ، بناها الصليبيون فى القرن الثانى عشر الميلادى ، وتسمى أيضا "حبس المسيح" . ظلت هذه الكنيسة متروكة بلا عناية بعد الفترة الصليبية ، وعندما ملكها الآباء الفرنسيسكان سنة 1838 ميلادية ، أعيد بناؤها بمساعدة واهتمام "MAXIMILIAN OF BAVARIA " ثم رممها وجددها المهندس الايطالى ANTONIO BARLUZZI فى الأعوام 1927-1929 ميلادية ، حسب الفن المعمارى (الغربى) من القرون الوسطى ، ثم تم تجديدها بالشكل الحالى سنة 1984 ميلادية .
الباب من مصراعين ومزخرف بآيات من الكتاب المقدس وبرموز الانجيلييين والآلام ، وهو من عمل .A. GERARDI زجاجيات الهيكل الثلاث نفذها الفنان COMBELLOTTI وتمثل : جلد المسيح (فى الوسط) – انتصار باراباس (على اليمين) – غسل ايدى بيلاطس (على اليسار) ، ويلاحظ أيضا عقد الهيكل وعليه فسيفساء كبيرة تمثل أكليل الشوك .
+ المرحلة الثانية :
" فخرج بيلاطس أيضا خارجا وقال لهم : ها أنا أخرجه اليكم لتعلموا أنى لست أجد فيه علة واحدة . فخرج يسوع خارجا وهو حامل اكليل الشوك وثوب الأرجوان ، فقال لهم بلاطس : هوذا الانسان" (يوحنا 4:19-5).
تسمى المرحلة الثانية " الرب يسوع يخرج حاملا الصليب" . الاشارة الى هذه المرحلة على الحائط الخارجى " لكنيسة الحكم" ، وتسمى قوس "هوذا الانسان ECCO HOMO" . ويحددها كنيسة التكليل ، ويرجع الى القرن الثانى عشر ، وأقيم تذكارا لوضع اكليل الشوك على رأس المخلص . أسفل دير راهبات صهيون ECCO HOMO CONVENT ، توجد أرضية كبيرة مبلطة بالحجر ، وهى امتداد للبلاط الملكى LITHOSTHROTOS ، ويرجع تاريخ هذه الأرضية الى فترة الحكم الرومانى ، وهى من بقايا المدينة التى بناها الامبراطور هادريان سنة 135 ميلادية وسماها "ايليا كابتولينا" . من تحت قوس ECCO HOMO خرج الرب يسوع حاملا الصليب مكملا مساره الى الجلجثة . حيث أخرجه بيلاطس لليهود وقال لهم " هوذا الانسان" لذا بنيت كنيسة ودير على هذا الاسم يضم بداخله هذا القوس ، أما دير راهبات صهيون ، فيقع فوق الساحة الداخلية لبرج أنطونيا .
+ المرحلة الثالثة :
"عينى ، عينى تسكب مياها لأنه قد ابتعد عنى المعزى" (مراثى ارميا 16:1) .
و تسمى هذه المرحلة "الرب يسوع يقع تحت الصليب للمرة الأولى" . بعد العبور تحت قوس "هوذا الانسان" ، وبعد مسافة قصيرة ، الى اليسار ، عند مفترق الطريق الى الوادى ، توجد كنيسة صغيرة تسمى "كنيسة السقطة الأولى" ، التى تعود الى التقليد المتوارث ولا يأتى على ذكرها الانجيل . أضحت هذه المرحلة تخص طائفة الأرمن الكاثوليك منذ سنة 1856 م . لكن جنود كاثوليك من بولندا . تابعون للجيش البولندى الحر ، اتخذوها بعهدتهم فى منتصف الأربعينيات (فى أثناء الحرب العالمية الثانية) ، فزينوها بمتحف صغير . يوجد نقش بارز على المدخل من أعمال الفنان البولندى THADDUS ZIELINSKY ، وهو عبارة عن مجسم يبين وقوع السيد المسيح تحت ثقل الصليب . وهذا ما تنبأ عنه اشعياء النبى قائلا : "لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها . ونحن حسبناه مصابا مضروبا من الله ومذلولا . وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا " (اشعياء 4:53-5) .
+ المرحلة الرابعة :
"أما اليكم يا جميع عابرى الطريق ؟ تطلعوا وأنظروا ان كان حزن مثل حزنى الذى صنع بى " (مراثى ارميا12:1)
و تسمى هذه المرحلة "سمعان القيروانى يسخر لحمل الصليب" ، نترك طريق الوادى ، فنصعد نحو الجلجثة ، هذا الوادى كان يسمى قديما "تيروبيون" . وعند أول مبنى الى اليسار نشاهد المرحلة الخامسة ، وكان الفرنسيسكان قد شيدوه سنة 1895 م . هنا فى هذا المكان يقول التقليد أن الجنود أرغموا سمعان القيروانى ليحمل الصليب مع الرب يسوع ، والمتأمل فى ذلك ، يستنتج أن الجنود واليهود ، فعلوا ذلك ليس اشفاقا على السيد المسيح المنهك القوى من التعذيب والجلد والدماء التى تسيل منه ، ولكن خشوا أن المسيح يموت من التعذيب قبل تنفيذ فيه حكم الصليب فلا يشفى غليلهم .. وهذا امعانا فى سبق الاصرار لصلبه واعلانا لحقدهم .
+ المرحلة السادسة :
" لا صورة له ولا جمال فننظر اليه ، ولا منظر فنشتهيه . محتقر ومخذول من الناس" (اشعياء 2:53-3) .
و تسمى هذه المرحلة "فيرونيكا تمسح وجه المخلص بمنديل" . الى اليسار وعلى بعد خمسون مترا تقريبا من المرحلة السابقة ، يحفظ عمود فى الحائط ، تذكارا لهذا الحدث المتوارث بالتقليد . نحن لا نعرف شيئا عن هذه المرأة الجريئة التى تقدمت من وسط الجنود ومسحت وجه الرب يسوع ، الذى تشوه جماله بالعرق والدم المتساقط من جبينه الطاهر ، ويقول التقليد أيضا أن القديسة فيرونيكا كانت تسكن فى مكان هذه المرحلة ، وأن وجه المخلص أنطبع على المنديل ، الذى يقول الكاثوليك أنه محفوظ حتى اليوم فى روما . اقتنى مكان هذه المرحلة الروم الكاثوليك سنة 1883 ميلادية ، وقد تهدم ، الا أنه قد أعيد بناؤه سنة 1953 ميلادية . بداخل المبنى كنيسة صغيرة وبقايا سور وأقواس قديمة ، فوق هذا كله كنيسة القديسة فيرونيكا . لنتأمل وجه المسيح الذى تشوه جماله من التعذيب ، ونقارنه بما قيل عنه فى المزمور "أنت أبرع جمالا من بنى البشر" ( مزمور 2:45) .
+ المرحلة السابعة :
"كلنا كغنم ضللنا . ملنا كل واحد الى طريقه ، والرب وضع عليه اثم جميعنا . ظلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه " (اشعياء 6:53-7) .
و تسمى هذه المرحلة " الرب يسوع يقع تحت الصليب للمرة الثانية " . بعد مفترق الطرق ، نواجه مكان وقوع المخلص للمرة الثانية تحت الصليب . كان وقوعه ، حسب التقليد ، عند عبور " بوابة القضاء" ، التى كان يعلق عليها نص جريمة المذنب . وقد حصل الآباء الفرنسيسكان على ملكية المكان سنة 1875 ميلادية ، ويحوى كنيستين صغيرتين ، الواحدة تعلو الأخرى . مصدر العمود الأحمر فى الكنيسة السفلى هو الشارع الرئيسى للمدينة ، اذ كانت الأعمدة على جانبى الطريق ، وقد شيدها الامبراطور هادريان سنة 135 ميلادية ، لتجميل مدينته الجديدة "ايليا كابتولينا" .
+ المرحلة الثامنة :
"و تبعه جمهور كثير من الشعب ، والنساء اللواتى كن يلطمن أيضا وينحن عليه . فالتفت اليهن يسوع وقال : يا بنات أورشليم ، لا تبكين على بل أبكين على أنفسكن وعلى أولادكن " (لوقا 27:23-28) .
و تسمى هذه المرحلة "حديث الرب لبنات أورشليم" . بينما نصعد طريق " عقبة الخانقاه " ، نجد أنفسنا أمام المرحلة الثامنة ، التى يشير اليها صليب لاتينى محفور على الحائط الخارجى لدير الروم الأرثوذكس . وحسب التقليد ، خاطب الرب يسوع بنات أورشليم اللواتى كن يلطمن ، وكان بالأحرى أن ينحن على أنفسهن وأولادهن ، لما هو عتيد أن يحدث لهذه المدينة المقدسة . ولا شك أن بعض الذين سمعوه من الجمهور قد تذكروا كلامه وقت خراب أورشليم سنة 70 ميلادية .
+ المرحلة التاسعة :
"حينئذ قلت : هئنذا جئت . بدرج الكتاب مكتوب عنى ، أن أفعل مشيئتك " (مزمور 7:40) .
و تسمى هذه المرحلة " الرب يسوع يقع تحت الصليب للمرة الثالثة " . رغم قرب هذه المرحلة من السابقة ، الا أنه لا بد من القيام بسير طويل للوصول اليها ، بسبب الأبنية الحالية . بعد قطع مسافة قصيرة من السوق ، نصعد الدرج الطويل على اليمين ، فنجد أنفسنا أمام بطريركية الأقباط الأرثوذكس . هناك بجوار باب البطريركية جزء من عمود (يعود الى فترة الحكم الرومانى) ، يشير الى المرحلة التاسعة . حائط صدر كنيسة القيامة ، خير دليل على قرب الجلجثة . يقود الباب عن اليسار الى ساحة دير السلطان القبطى (المغتصب حاليا) ، الذى فى وسطه قبة كنيسة القديسة هيلانة .
• المراحل الخمس الباقية نجدها داخل كنيسة القيامة ، والتى سنتكلم عنها بالتفصيل على الصفحات التالية .
كنيسة القبر المقدس "القيامة"
+ تاريخ بناء وتجديد الكنيسة :
من المعروف أن السيد المسيح ، له المجد ، صلب خارج سور أورشليم (عب13:12) ، فى مكان يقال له الجلجثة ، هذا المكان قريب من المدينة وتمر بجانبه طريق عام . كان الموقع مقلع حجارة ، غير أنه أهمل ثم تحول الى بستان . وكان جميع سكان أورشليم ، من أبناء وأحفاد الذين حضورا أحداث الصلب يوم الجمعة العظيمة ، يعرفون القبر المقدس ويقصدونه للتبرك منه . لذا قرر الامبراطور هادريان سنة 135 ميلادية ، اخفاء المكان ، فأمر بردمه وتغطيته بالتراب والحجارة ، وبنى فوق الجلجثة والقبر المقدس هيكلين وثنيين ، ونصب فوقهما تمثالى المشترى "جوبيتر" والزهرة "فينوس" ، أشهر آلهتهم الوثنية .
استمرت الأوضاع على هذه الحالة حتى سنة 326 م ، حينما أمرت الملكة هيلانة – والدة الامبراطور قسطنطين – بهدم المعبد الوثنى ، بناء على وصية الأسقف مكاريوس ، وبهذا أعادت الأماكن المقدسة الى حالتها الأصلية ، ثم شرعت فى بناء كنيسة القيامة ، والتى دشنت فى 13 يوليو 335م ، بحضور البابا أثناسيوس الرسولى – بابا الأسكندرية – ولفيف من أساقفة العالم . وفى سنة 614 م ، هدم الفرس الكنيسة وأحرقوها ، وأحرقوا معها جميع الكنائس والأديرة التى كانت يومئذ فى الأرض المقدسة كلها . فأعاد بناؤها ، رئيس الدير موديستو سنة 636م ، ولكن بشكل مصغر .
و لما فتح الخليفة عمر بن الخطاب القدس سنة 637 م ، أعطى للبطريرك صفرونيوس عهد أمان له وللمسيحيين ولكنائسهم يسمى "العهدة العمرية" . ولقد رمم البناء الذى أقامه موديستو ، البطريرك توما الأول سنة 817 م ، وكان ذلك فى عهد الخليفة العباسى المأمون . وأحرقت الكنيسة وسقطت قبتها فى عهد الأخشيد سلطان مصر سنة 965 م . وجرت بعد ذلك محاولات كثيرة لبناء القبة من جديد ، الا أن تلك المحاولات انتهت بالفشل ، ولكنهم عادوا فعمروها فى زمن البطريرك يوسف الثانى سنة 980م . وأمر الخليفة الفاطمى الحاكم بأمر الله بهدمها ، فهدمت سنة 1009م ، وهدم معها الكنائس الملاصقة لها . ولكنه عاد فأجاز للمسيحيين أن يعيدوا البناء من جديد ، فشيدوا يومئذ كنيسة القبر المقدس فقط ، شيدوها على غير شكلها الأصلى .و حال فقرهم دون اتمام.
الباقى . وسمح الخليفة الفاطمى المستنصر بالله ، سنة 1035 م للمسيحيين ببناء الكنيسة من جديد ، فشرعوا فى بنائها ، وتم البناء الجديد على عهد الامبراطور قسطنطين مونوماكو ، ولكن القيامة ANASTASIS فقط ، هى التى استعادت عظمتها القديمة ، أما الأماكن المقدسة الأخرى بداخل الكنيسة فقد أشير اليها بهياكل صغيرة .
و لما احتل الصليبيون القدس سنة 1099 م ، وجهوا اهتمامهم الى تعمير الكنيسة ، ولقد حافظوا على ما كان فيها من مبان ، غير أنهم جمعوا جميع الهياكل الصغيرة فى كنيسة واحدة ، وبنوا شرقى القبر المقدس ، كنيسة هى التى عرفت بعدئذ بكنيسة "نصف الدنيا" ، وبنوا برجا للأجراس . وعندما احتل صلاح الدين الأيوبى القدس سنة 1187م ، أشار عليه بعض أصحابه أن يهدمها كى لا يبقى للمسيحيين اللاتين حجة لغزو البلاد المقدسة ، فرفض مشورتهم ، فأبقاها ، غير أنه اقتطع جانبا من دار الكهنة المجاورة لها ، فأتخذها مسجدا ، ويسمى "مسجد الخانقاه".
و فى القرن السادس عشر ، أى بعدما عقدت فرنسا مع تركيا معاهدة الامتيازات الأولى سنة 1535م ، سمح للاتين بعمل ترميمات بالكنيسة . وفى أواخر القرن السابع عشر كانت قبة القيامة ANASTASIA ، فى حالة غير مرضية ، وأدى تشاحن اللاتين مع الروم الأرثوذكس فى مطالبة كل منهما بالترميم الى التأخير فى القيام به الى سنة 1719م . وكان أهم الحوادث ما جرى لكنيسة القيامة فى سنة 1808م ، حيث يذكر المؤرخون أنه فى 12 أكتوبر سنة 1808 م أندلعت النيران من كنيسة الأرمن الأرثوذكس – وهى بداخل كنيسة القيامة – وامتد اللهب الى أنحاء الكنيسة كلها ، فسقطت القبة وتضررت الأعمدة والأرضية الرخامية ، ولم يسلم من الحريق سوى جانب صغير من الجلجثة ومغارة الصليب وكنيسة اللاتين (ذكرت بعض المصادر التاريخية أن الحريق حدث بتدبير من الأرمن الأرثوذكس أنفسهم ، لامتلاك مزيد من الأماكن بداخل كنيسة القيامة ) .
و فى سنة 1809م ، حصل الروم الأرثوذكس على فرمان من السلطان محمود الثانى بترميم كنيسة القيامة ، وتمكنوا بالرغم من مقاومة اللاتين من القيام بأعمال الاصلاح وجددوا البناء الذى يعلو القبر المقدس ووضعوا حجر مغتسل جديد وصنعوا أبوابا جديدة للمدخل الرئيسى . بعد ذلك سمح السلطان محمود الثانى للاتين ببناء غرف جديدة فى ديرهم وتعمير ما يخصهم بداخل كنيسة القيامة .
و قد انتهز الروم الأرثوذكس فرصة الاحتلال المصرى للشام (1832-1841م) وحصلوا على فرامانا من محمد على باشا سنة 1834م ، يرخص لهم بتعمير قبة القبر المقدس والقبة العليا . كانت نتيجة قيام الروم وحدهم بتعمير الكنيسة بعد حريق عام 1808م ، أنه لم يتيسر لهم انجازه على الوجه اللازم ، ولهذا لم يكد يمض عليه خمسون عاما حتى ظهر فى القبة تصدع ينذر بانهيارها ، وطلبوا من الباب العالى اجراء الترميم ، ولكن اللاتين اعترضوا على ذلك وطلبوا أن يقوموا وحدهم بترميم القبة مع اعادة الكتابة اللاتينية التى كانت موجودة قبل الحريق وازالة ما أضافة الروم . وهكذا أصبحت المسألة عسيرة الحل لا لسبب سوى تشاحن الطرفين ، وكل يريد الهيمنة والسيطرة . وأخيرا حسم الخلاف على أساس أن تتولى فرنسا وروسيا بنفقات الترميم ، أما تركيا فتتولى الاشراف عليه ، واستغرقت عملية الترميم من سنة 1863م حتى سنة 1868م . ثم تضررت كنيسة القيامة مرة أخرى اثر هزة أرضية ضربت القدس سنة 1927م ، فقامت حكومة الانتداب البريطانى بعمل بعض الاصلاحات ما بين سنة 1930 حتى سنة 1933 م .
و يقوم على حراسة أبواب كنيسة القيامة عائلتان اسلاميتان هما : عائلة آل جودة وعائلة آل نسيبه . وقد أتفق على أن آل جودة هم الذين يحتفظون بمفاتيح الكنيسة ، وأن آل نسيبه هم الذين يفتحون الكنيسة فى مواعيدها المقررة ، ومتى فتح هؤلاء الباب ، أعادوا المفاتيح الى أولئك ، وهكذا دواليك . وتقول بعض المصادر التاريخية ، أن هذه الوظيفة بأيديهم منذ أن سلم بطريرك الروم الأرثوذكس صفرونيوس ، مفاتيح كنيسة القيامة الى الخليفة عمر بن الخطاب ، سنة 637م ، ومصادر أخرى تقول ان هذه الوظيفة أوكلت اليهم منذ عهد صلاح الدين الأيوبى .
و هناك خمس طوائف لها حقوق فى كنيسة القيامة هى : الروم الأرثوذكس – الآباء الفرنسيسكان (اللاتين) - الأرمن الأرثوذكس – الأقباط الأرثوذكس – السريان الأرثوذكس . ونحن ككنيسة قبطية أرثوذكسية نمتلك كنيسة مبنية على رأس القبر المقدس ، بداخل كنيسة القيامة ، ولنا حقوق الصلاة فيها سواء العشيات أو القداسات كما نمتلك موقعين بهما غرف متعددة ، لمبيت الآباء الرهبان بها (الحقوق الأخرى التى لنا فى كنيسة القيامة ذكرت بالتفصيل فى الجزء الأول من هذا الكتاب ) .
+ شرح مبسط لكنيسة القيامة :
اذا ما نظرت الى كنيسة القيامة من الخارج ، رأيت قبتين كبيرتين ، الواحدة أكبر من الأخرى بقليل ، فالكبرى وهى الى الغرب هى القائمة فوق القبر المقدس ، والأخرى وهى الى الشرق ، هى قبة كنيسة نصف الدنيا . وتقدر مساحة الأرض القائمة عليها كنيسة القيامة بنحو ثمانين مترا طولا وستة وستين مترا عرضا .
يوجد أمام كنيسة القيامة فناء واسع يعرف ب "ساحة القيامة" ، كانت مخصصة قديما لوقوف الزوار لسداد رسوم دخول الكنيسة (ألغى هذا النظام اعتبارا من عام 1832م) . وفى المدخل الخارجى توجد ثلاث درجات ، عليها بقايا أعمدة المدخل القديم ، والتى لم يتبق منها الى الآن سوى عمود واحد يرجع تاريخه الى القرن التاسع الميلادى . على يسار الداخل الى كنيسة القيامة ، توجد كنيسة القديس "يعقوب الصغير" ، وكنيسة "ماريوحنا" ، وكنيسة "الأربعين شهيدا" وهذه الكنائس تخص طائفة الروم الأرثوذكس . وعلى يمين الداخل ، نرى كنيسة الملاك ميخائيل ، وهى ملك للأقباط الأرثوذكس واحدى كنائس دير السلطان . ولكنيسة القيامة بابان متجاوران ، سد أحدهما فى عام 1880م (أيام السلطان عبد الحميد الثانى – ابان الحكم التركى ) ، والثانى هو الباب الوحيد للدخول الى الكنيسة .
عند دخولنا كنيسة القيامة ، نرى أمامنا "حجر المغتسل" وهو من الرخام الأبيض طوله نحو مترين وعرضه متر واحد ، وضع تذكارا لتطييب جسد الرب يسوع بالحنوط ولفه بالكتان قبل وضعه فى القبر ، وضع الروم الأرثوذكس هذا الحجر فى عام 1808م ، بعد التحقق من صحة المكان بالتقليد (يو38:19-41) ، هذا وقد تم تغيير هذا الحجر أكثر من مرة . وفوق الحجر ، علقت ثمانية قناديل كبيرة الحجم ، أربعة منها للروم الأرثوذكس ، وواحد لكل من الأقباط الأرثوذكس ، واللاتين ، والأرمن ، والسريان الأرثوذكس .
و الى اليسار من حجر المغتسل ، توجد دائرة رخامية يعلوها قبة معلق فى وسطها قنديل كبير ، وحسب التقليد ، أن هذا المكان يشير الى الموقع الذى وقفت فيه المريمات وهن يشاهدن أين وضع جسد الرب بعد لفه بالأكفان (لوقا55:23) . هذا الموقع حاليا يخص طائفة الأرمن الأرثوذكس . وبدخولنا الى جهة اليسار ، نصل الى الدائرة التى تحوى القبر المقدس ، شيد بناء القبر المقدس ، بشكله الحالى سنة 1810 م وهو من المرمر الخالص . والكنيسة تحوى ثمانية عشر عمودا ضخما . وارتفاع قبتها 30 مترا أما قطرها حوالى 19.30 مترا .
بناء القبر مستطيل الشكل ، له باب صغير من جهة الشرق ، تعلوه مجموعة من القناديل والأيقونات الخاصة بالقيامة. عند الدخول الى القبر المقدس ، نجد أولا حجرة صغيرة تسمى "معبد الملاك" ، والتى يبلغ طولها ثلاثة أمتار ونصف المتر ، وعرضها حوالى ثلاثة أمتار . هذه الحجرة ، هى المكان الذى ظهر فيه ملاك الرب للنسوة بعد أن دحرج الحجر من على باب القبر ، وبشرهم بقيامة الرب من بين الأموات "ليس هو ههنا ، لكنه قد قام كما قال" (متى 1:28-7) . فى وسط الحجرة توجد قاعدة رخامية مرتفعة قليلا ، يحفظ فيها قطعة من الحجر الذى وضع على باب القبر ، وهذا الحجر مغلف بالرخام عدا سطحه العلوى ، فقد ترك مكشوفا حتى عام 1944 م ، وفى وقت لاحق غطى بالزجاج . ويضئ "معبد الملاك" قناديل تعمر بالزيت النقى ، والكنيسة القبطية الأرثوذكسية لها قنديل كبير من الفضة ، تهتم بانارته يوميا . الى اليمين واليسار فى "معبد الملاك" فتحات يعطى منها النور المقدس خلال احتفالات سبت النور عند الكنائس الشرقية .
و من خلال باب صغير يرتفع نحو متر ونصف المتر ، فى حجرة معبد الملاك ، يمكننا الدخول الى القبر المقدس ، والذى يصفه لنا مرقس الرسول قائلا "قبر كان منحوتا فى صخر" (مرقس 46:15) . وعلى يمين الداخل ، نشاهد "المضجع السيدى" وهو المكان الذى وضع عليه جسد الرب ، وهو يرتفع عن أرضية القبر بنحو 60 سم ، والمضجع السيدى مغلف بالمرمر ، ويعلوه قناديل فضية فخمة ، والكنيسة القبطية الأرثوذكسية لها فوق القبر المقدس أربعة قناديل فضية رائعة تهتم بانارتها يوميا .
خلف القبر المقدس ، يوجد مذبح كنيسة السيدة العذراء للأقباط الأرثوذكس ، وموقعه فوق رأس القبر المقدس مباشرة . وهنا ينبغى أن نذكر شئ هام وهو : القبر المقدس ، كما شرحنا سابقا ، مغطى بالمرمر ، أما رأسه (أى من الجهة الخلفية ، حيث مذبح الأقباط) ، فهو غير مغطى بالرخام حيث يظهر الحجر الطبيعى لرأس القبر . وعند دفن السيد المسيح ، كان رأسه المبارك ناحية الغرب ، أى فوق الحجر الذى بكنيسة الأقباط الأرثوذكس ، وهذا من حسن حظ الكنيسة القبطية . فالسيد المسيح الذى بارك شعب مصرى ، فى طفولته ، لم ينس كنيسة مصر القبطية فى قيامته . وجدير بالذكر أن هذا الهيكل ، كان مشيدا أولا من الخشب ، فقام نيافة الأنبا باسيليوس الكبير ، مطران القدس (1856-1899م) ، بتجديده واعادة بناؤه بالرخام وسيج حوله بالحديد . وبالقرب من القبر المقدس توجد بعض المبانى الخاصة باقامة الآباء الرهبان ، الذين يتولون خدمة هذه الكنيسة والحفاظ على بقية حقوقنا الأخرى بكنيسة القيامة . خلف كنيسة الأقباط الأرثوذكس ، توجد كنيسة خاصة باخوتنا السريان الأرثوذكس وقبرا يوسف الرامى ونيقوديموس ، وهما منحوتان فى الصخر .
عند الخروج من الدائرة ، الى يمين القبر المقدس ، ندخل الى مذبح للاتين ، على اسم " مريم المجدلية " ، ويقع فى المكان الذى قابلت فيه المجدلية السيد المسيح عقب قيامته ، فظنته أنه البستانى (يو15:20) . والى الشمال من هذا المذبح ، نصعد أربع درجات ، فندخل كنيسة "ظهور المسيح للعذراء" ، وهى تخص اللاتين وحدهم . وبداخل هذه الكنيسة توجد قطعة من العمود الذى جلد عليه السيد المسيح أمام بيلاطس على يد جند الرومان (مرقس15:15)، لذا يسمى "عمود الجلد" ، وأحيانا يطلق على الكنيسة اسم "كنيسة عمود الجلد" . وتذكر بعض كتب التقليد أن السيد المسيح ظهر لامه العذراء بعد قيامته فى هذا المكان .
وبخروجنا من هذه الكنيسة نجتاز ممرا طويلا متجها نحو الشرق ، نجد فى نهايته "معبد حبس المسيح" ، حيث تذكر بعض كتب التقليد أن السيد المسيح وقف فى هذا المكان حاملا الصليب ريثما يحفروا مكان الصليب فى صخر الجلجثة التى لا تبعد كثيرا عن هذا المكان . وبعد خطوات معدودة ، يوجد مذبح على اسم القديس لونجينوس الجندى الذى طعن جنب الرب يسوع بالحربة – (يوحنا 34:19) ، وهذا المذبح يخص الروم الأرثوذكس . يليه مذبح آخر ، يخص الأرمن الأرثوذكس ، تذكارا لاقتسام الجنود ثياب الرب يسوع والقرعة عليها (مت 35:27).
بالقرب من المكان السابق ، سلم حجرى من 26 درجة ، يؤدى الى كنيسة القديسة هيلانة (خاصة بالأرمن الأرثوذكس) ، وتقع هذه الكنيسة فى المكان الذى كانت تقف فيه الملكة هيلانة لتشرف على عملية التنقيب عن خشبة الصليب المقدس . وعلى يمين الكنيسة توجد سلم آخر يقود الى "مغارة الصليب" ، حيث تم العثور فيها على خشبة الصليب المقدس (هذا المكان يخص اللاتين) . ومكان العثور على الصليب موضوع فوقه مسطح رخامى رسم عليه علامة الصليب ، للاشارة اليه ، والى جواره مذبح باسم الصليب . بعد صعود الدرج وخروجنا من كنيسة الملكة هيلانة ، يتابع المرء السير فى الرواق ، فنمر أمام "معبد التعييرات" (مرقس 17:15-20) ، وتوجد قطعة من عمود أسفل المذبح ، يسمى "عمود السخرية" ، يقال أن هذا الجزء من العمود استخدم مقعدا للرب يسوع عندما كان الجنود الرومان يهزأون به .
يلى هذا المذبح ، الى اليمين ، "الجلجثة" . نصعد الى الجلجثة بسلم حجرى مكون من 18 درجة ، وكان تل الجلجثة أكثر أرتفاعا مما هو عليه الآن ، ولكن الملكة هيلانة أمرت بازالة ارتفاعه فيما فوق موضع الصليب ، لتتمكن من ضمه الى سائر مقادس كنيسة القيامة تحت سقف واحد . وارتفاع مكان الصليب حوالى 4.70 مترا عن أرضية الكنيسة .
الجلجثة مقسمة الى قسمين :
الأول – عن اليمين ، وهو يخص اللاتين ، وفى هذا القسم تقام صلوات المرحلتان : العاشرة – نزع الثياب عن المخلص ، والحادية عشر – تسمير المخلص على الصليب . (مراحل الآلام) . الثانى – الى اليسار ، وهو يخص الروم الأرثوذكس ، حيث نجد مذبحا كبيرا فوق صخرة الجلجثة حيث ارتفع الصليب المقدس . وأسفل هذا المذبح توجد دائرة فضية مفرغة تعين مكان غرس الصليب المقدس ، وبأدخال اليد فى وسط الدائرة ، يستطيع المرء لمس صخرة الجلجثة والتجويف الذى غرس فيه الصليب . وتوجد الى يمينة والى يساره دائرتان من الرخام الأسوتد ، يعينان مكان صلب اللصين . ونشاهد بوضوح أن صخرة الجلجثة مشقوقة بكل طولها . فى هذا المكان تقام صلوات المرحلة الثانية عشرة من مراحل الصليب : موت السيد المسيح على الصليب ، وتشقق الصخور (متى 51:27) .
و على يمين مذبح الجلجثة للروم ، يوجد تمثال يسمى "أم الأوجاع" ، وهو تمثال نصفى للسيدة العذراء التى قيل لها "و أنت أيضا يجوز فى نفسك سيف" (لوقا35:2) ، وقد أوتى بهذا التمثال من لشبونه (البرتغال) سنة 1778م .
و هو يخص اللاتين ، وفى هذا المكان ، تقام صلوات المرحلة الثالثة عشرة (من مراحل الصليب) : انزال الرب يسوع عن الصليب ووضعه بين زراعى أمه المتألمه .
عند خروجنا من كنيسة القيامة وعلى يسار الخارج نجد سلم "كنيسة الجلجثة" ، ثم هيكلا للأقباط الأرثوذكس باسم "القديسة مريم المصرية" ، وفى نهاية هذه الجهة نجد بابا يؤدى الى كنيسة "الملاك ميخائيل" وهى احدى كنائس دير السلطان المغتصب من قبل الأحباش . نصلى الى الرب أن يعود الينا هذا الدير .
عمواس EMMAUS
" واذا اثنان منهم كانا منطلقين فى ذلك اليوم الى قرية بعيدة عن أورشليم ستين غلوة ، اسمها عمواس … وفيما هما يتكلمان ويتحاوران ، اقترب اليهما يسوع نفسه وكان يمشى معهما ، ولكن أمسكت أعينهما عن معرفته … فلما اتكأ معهما ، أخذ خبزا ، وبارك وكسر وناولهما ، فأنفتحت أعينهما وعرفاه ثم اختفى عنهما "
( لوقا 13:24-35) .
+ الأكتشافات الأثرية وتاريخ بناء الكنيسة :
"عمواس" اسم عبرى معناه "الينابيع الحارة" ، وهى قرية صغيرة لم تذكر الا فى انجيل لوقا ، حين ظهر الرب يسوع فى نفس اليوم الذى قام فيه من الأموات لأثنين من تلاميذه كانا سائرين فى طريقهما الى عمواس ، التى كانت تبعد عن أورشليم ستين غلوة أى نحو 11 كيلومتر تقريبا (الغلوة 36 ، 184 مترا ) .
قبل أن تظهر الأكتشافات الأثرية الحديثة والمخطوطات التى عثرت عليها ، كانت توجد ثلاثة مواقع مقترحة لقرية عمواس هى :
1- قرية عمواس الحالية (الجديدة) : وهى تبعد عن أورشليم حوالى 160 غلوة ، وهو أمر مستبعد فى ضوء المخطوطات المكتشفة حديثا . كما أن عمواس التى ذكرت فى انجيل لوقا تبعد عن أورشليم 60 غلوة فقط ، اذن ليست هى عمواس المقصودة .
2- مستعمرة فسباسيان : وهى فى الغالب "كالونيا" ، ويطلق عليها يوسيفوس المؤرخ اسم "عمواس" ، وهى تبعد عن أورشليم نحو أربعة وثلاثين غلوة ، أى نحو نصف المسافة التى ذكرها البشير لوقا ، اذن ليست هى عمواس المقصودة .
3- قرية "القبيبة" الحالية : وهى الأسم الحديث لعمواس القديمة ، التى هدمت الى الأساسات سنة 70 م حتى أن اسمها قد زال . وهى على الطريق الى يافا ، والأطلال الأثرية التى كشفت فيها ، تؤيد بكل يقين انها عمواس المذكورة فى انجيل لوقا ، كما أن المسافة بينها وبين أورشليم تتفق مع ما جاء فى انجيل لوقا (ستين غلوة) .
لقد أصبح من المؤكد أن قرية " القبيبة " ، هى القرية التى كانت تعرف قديما بعمواس ، وكانت فى العصر اليونانى (330ق.م – 63ق.م) مأهولة بالسكان ، لأن قطع بعض النقود والقطع الفخارية وغيرها ، التى يرجع تاريخها الى ذلك العصر أثبتت صحة هذا القول . أضف الى ذلك بيت القديس كليوباس الذى لا تزال أساساته محفوظة ضمن جدران الكنيسة الحالية منذ ذلك التاريخ ، كذلك بعض القبور اليهودية المحفورة فى الصخور المجاورة لبلدة القبيبة الحالية وفى الجبل الواقع للجنوب الغربى منها .
فضلا عما ذكر يوجد فى الجهة الجنوبية من الكنيسة الحالية بركة يبلغ طولها حوالى 36 مترا وعرضها 24 مترا وعمقها أربعة أمتار ، وهى من مخلفات العصر الرومانى (63ق.م – 330م) ، وتوجد كذلك فى الوادى الواقع غربى البلدة بقايا بيت رومانى ، وعلى بعد ثلاث مئة مترا ، وفى المكان المسمى "قرقد" وفوق الجبل الذى يعرف بـ "الرأس" ، بقايا جدار رومانى متهدم ومقبرة وآبار ماء . كذلك ترجع الى هذا العصر مخطوطات قديمة، وأقدم ترجمة للانجيل المقدس تشيران الى أن قرية عمواس تبعد عن أورشليم ستين غلوة . ومن بقايا العصر البيزنطى (330م – 636م) ، عثر على بعض النقود وأدوات فخارية وغيرها ، هذا فضلا عن بقايا بعض المنازل التى ألحقت بالقلعة الصليبية والتى لا تزال آثارها ظاهرة للعيان ، كذلك عثر على تاج عمود كورنثى وعتبة من الرخام وكتابة يونانية .
و من بقايا العصر الصليبى (1099 – 1291م) ، فقد ترك لنا أثارا جليلة الشأن ، أهمها صدر الكنيسة الحالية وقواعد أعمدتها وبقايا منازل عديدة ، تمتد الى مسافة 400 متر تقريبا ، وأدوات كثيرة من الخزف والمعدن والزجاج وبعض النقود العربية والصليبية وبلاطات بعض القبور ومعاصر وطواحين وبقايا هامة للقلعة الصليبية .
و فى العصر التركى (1517-1917م) ، وفى خلافة السلطان سليم الأول تم هدم الكنيسة الصليبية ونقلت حجارتها مع حجارة القلعة الواقعة بقربها الى القدس لترميم سور المدينة . أما ما تبقى من جدران الكنيسة والقلعة فقد طمرت تحت طبقة من التراب ، أزالت معالمها لمدة ثلاثة قرون .
و فى سنة 1861 م ، أشترت المركيزة بولين دى نيكولاى (مدفنها بداخل الكنيسة) ، هذه الأرض وأعطتها للآباء الفرنسيسكان ، الذين قاموا بحفريات متفرقة ، وفى هذه الفترة بنيت الكلية الحالية وبيت الضيافة (كازانوفا) ، ثم بناء الكنيسة سنة 1903 م ، فالدير سنة 1906 م ، فقبة الأجراس . وقد نشرت فى هذا الأثناء نشرات علمية متفرقة تثبت أن هذا المكان هو الذى زاره السيد المسيح ، الذى فيه بدئت قبلا والتى ألقت أضواء ساطعة على تاريخ هذا المكان المقدس .
كنيسة الصعود
" وأخرجهم خارجا الى بيت عنيا ، ورفع يديه وباركهم . وفيما هو يباركهم انفرد عنهم وأصعد الى السماء . فسجدوا له ورجعوا الى أورشليم بفرح عظيم " (لوقا50:24) .
+ تاريخ بناء الكنيسة :
بعد أربعين يوما من قيامته ، أخذ الرب يسوع تلاميذه فوق قمة جبل الزيتون ، بالقرب من بيت عنيا ، وباركهم ثم صعد الى السماء ، وتحتفل الكنيسة بتذكار هذا الحدث فى يوم عيد الصعود . وما كان المسيحيون لينسوا مكانا تم فيه حدث كبير كهذا .. فحفظ لنا التقليد المسلم ، المكان بالضبط حيث صعد رب المجد الى الأعالى . وقد شيدت الملكة هيلانة كنيسة جميلة فى مكان الصعود ، وفى سنة 378 م ، أقيم مبنى مستدير بأمر من الأميرة الرومانية بومينية ، فى نفس المكان . الا أن الفرس هدموا الكنيسة وما حولها فى سنة 614 م . فأعاد بناؤها الراهب موديستو . وهذه الكنيسة أيضا تهدمت ، فأعاد بناؤها الصليببيون فى القرن الحادى عشر ، على شكل دائرى مثمن الأضلاع ، وسمى البناء " أمبومون" أى "على القمة" ، كان عبارة عن بهو مستدير ، وتكسو أرضيته الفسيفساء وقطع الرخام ، وقطرة يقارب 25 مترا ، ويحمل السقف والقبة ثلاثة صفوف من الأعمدة ، ذات مركز واحد ، يؤلف رواقين من الداخل وفى وسط البهو ، كانت الصخرة المباركة ، التى من فوقها أنطلق الرب يسوع الى السماء والتى آثار قدميه مطبوعة على الحجر والمذبح فوقها .
و فى سنة 1187 م ، أنتقل المكان الى أيدى المسلمين ، الذين غطوه بالقبة الحالية ، والتى تسمى "قبة الصعود" وهى الجزء المتبقى من كنيسة الصعود وتحوى داخلها الصخرة المباركة ، حتى الآن ، وما زال أثار أقدام الرب يسوع مطبوعة عليه ، والعديد من الزوار يتباركون منها . أما الساحة الكبيرة التى يحيط بها سور ، ففيها تقام عدة مذابح ، فى عشية عيد الصعود ، لكل طائفة مذبح . وللكنيسة القبطية الأرثوذكسية حق اقامة مذبح والصلاة عليه ، فى عشية ويوم عيد الصعود المجيد .