كلمة منفعة
في ليلة رأس السنة، لست أريد يا رب أن أعدك بوعود كثيرة، أنا عارف بخبرتي السابقة، أنني سوف لا أنفذ منها شيئًا، وأبدأ ولا أكمل!
— أريد..

موسى والأربعون السنة الثالثة والأخيرة من عمره

موسى والأربعون السنة الثالثة والأخيرة من عمره
حجم الخط
الأربعون السنة الثالثة والأخيرة : إذا كان قتل موسى للرجل المصري، وهروبه من مصر، حددا نهاية المرحلة الأولى من حياته، وأن الدعوة التي تلقاها في جبل الله - حوريب- جاءته في نهاية المرحلة الثانية. فإذا كان الأمر كذلك، فإن المرحلة الثالثة تبدأ بعودته إلى مصر وشروعه في القيام بالمهمة التي كلفه بها الله، وهى إخراج بني إسرائيل من العبودية في مصر (أع 7: 36). وعلى هذا فالمرحلة الثالثة تنقسم إلى قسمين : الأول منهما هو صراعه مع فرعون الذي ينتهي بنشيد النصرة عقب عبور البحر الأحمر (خر 15). والقسم الثاني صراعه مع بني إسرائيل الذي يصفه هو بنفسه: قد كنتم تعصون الرب منذ يوم عرفتكم (تث 9: 24)، فقد شغل هذا الصراع فكر موسى وقلبه من يوم دعوته إلى يوم وفاته.
(أ) موسى وفرعون : (1) -الطلب الأول : بعد أن قدم موسى وهارون نفسيهما لشيوخ الشعب (خر 4: 29- 31)، وقام هارون بدوره في إبلاغهم بجميع الكلام الذي كلم به الرب موسى، وصنع الآيات أمام عيون الشعب، دخل موسى وهارون إلى فرعون وقالا له: هكذا يقول الرب إله إسرائيل: أطلق شعبي ليعيّدوا لي في البرية (خر 5: 1). لقد كان طلباً معتدلاً: ليعيدوا لي في البرية ، لكن فرعون قابله بالازدراء: من هو الرب حتى أسمع لقوله، فأطلق إسرائيل؟ لا أعرف الرب، وإسرائيل لا أطلقه (خر 5: 2). واتهم موسى وهارون بأنهما يبطلان الشعب من أعماله فزاد قسوة في تسخيره للشعب، إذ منع تزويدهم بالتبن لصنع اللبن، وأصبح عليهم أن يجمعوا تبناً لأنفسهم مع عدم تقليل كمية اللبن المفروضة عليهم، مما جعل بني إسرائيل يلومون موسى وهارون قائلين لهما: ينظر الرب إليكما ويقضى لأنكما أنتنتما رائحتنا في عينى فرعون وفي عيون عبيده حتى تعطيا سيفاً في أيديهم ليقتلونا .. فرجع موسى إلى الرب وقال : ياسيد لماذا أسأت إلى هذا الشعب…؟ (خر 5: 4 - 23)، وهكذا خسر موسى الجولة الأولى. (2) -الصراع مع فرعون : لكن الرب قال لموسى: الآن تنظر ما أنا أفعل بفرعون. فإنه بيد قوية يطلقهم، وبيد قوية يطردهم من أرضه (خر 6: 1). وهكذا أصبحت المواجهة بين الله وفرعون، إذ يقول الله لموسى: أنا الرب. وأنا ظهرت لإبراهيم وإسحق ويقعوب بأني الإله القادر على كل شئ. وأما معنى هذا أن إله الآباء سيظهر قوته في فداء شعبه بصورة أقوى من كل ما حدث مع الآباء. ففي ضوء فشل المقابلة الأولى مع فرعون، أعاد الرب تأكيد وعوده للشعب، مؤكداً لهم أنه يعرف تماماً مدى ما يعانونه من ضيق وأنه سيخلصهم. ولما نقل موسى هذه الأقوال للشعب، لم يسمعوا لموسى من صغر النفس ومن العبودية القاسية (خر 6: 9). فأمر الرب موسى قائلاً: ادخل قل فرعون ملك مصر أن يطلق بني إسرائيل من أرضه ، فاحتج موسى قائلاً: هوذا بنو إسرائيل لم يسمعوا لي، فكيف يسمعني فرعون؟ فأعاد الرب تأكيده بأنه سيخرج بني إسرائيل من أرض مصر (خر 6: 10- 13). وهنا يذكر الكتاب لأول مرة سلسلة نسب موسى وهارون، ويختمها بالقول مرتين: هذان هما هارون وموسى (خر 6: 26)، وهذان هما موسى وهارون (خر 6: 27). ويقول له الرب: أنا الرب. كلم فرعون ملك مصر بكل ما أكلمك به . فيعاود موسى اعتذاره بأنه أغلف الشفتين، كيف يسمع له فرعون؟ (خر 6: 28- 30). فقال الرب لموسى : انظر أنا جعلتك إلهاً لفرعون، وهارون أخوك يكون نبيك. أنت تتكلم بكل ما آمرك . وهارون أخوك يكلم فرعون (خر 7: 1 و2)، وهذا تعريف رائع لمعنى نبي ، فكل ما يقوله الله، ينطق به النبي. ولكني أقسّي قلب فرعون (خر 7: 3). وكان الرب قد سبق أن قال لموسى، وهو في أرض مديان: ولكني أشدد قلبه حتى لا يطلق الشعب (خر 4: 21). وتكرر هذا القول أكثر من اثنتي عشرة مرة، وأحياناً لوصف حالة قلب فرعون (7: 14 و22، 8: 19، 9: 7)، وأحيانا أن فرعون أغلظ قلبه (8: 15 و32، 9: 34)، وأحياناً أخرى أن الرب قسّي أو شدد أو أغلظ قلب فرعون (4: 21، 7: 3، 9: 12، 10: 1 و20 و27). وأفضل تعليق على هذا هو ما نقرأه في الرسالة إلى الكنيسة في رومية، الأصحاحات 9- 11 التي تختم بالتسبحة الرائعة عن عمق غنى الله وحكمته وعلمه (رو 11: 33). وأنزل الله بمصر الضربات العشر لإثبات القدرة المطلقة لإله إسرائيل، سلطته المطلقة على الطبيعة، لإقناع فرعون والمصريين بحماقة مقاومة إرادته. فقد تكرر القول إن الهدف من هذه الأحكام الإلهية هو أن يعرف (أو يدرك) فرعون وشعبه قوة إله إسرائيل (7: 5 و17، 8: 10 و22، 9: 14 و29، 11: 7، 14: 18)، وكذلك ليعلم بنو إسرائيل أيضاً (6: 7، 10: 2، 11: 7، 14: 31، انظر أيضاً 29: 46، 31: 13). وكان أول جواب لفرعون على طلب إطلاق بني إسرائيل - كما سبق التنويه- من هو الرب حتى أسمع لقوله فأطلق إسرائيل. لا أعرف الرب وإسرائيل لا أطلقه (خر 5: 2). وقد أرسل الرب الضربات ليكتشف جهله ويكسر إرادته العنيدة. ولم تكن مجرد الصدفة هى التي سببت هذه المواجهة بين فرعون وإله إسرائيل، فلهذا الإله الذي قاومه، كان فرعون يدين بعرشه وسلطانه (خر 9: 16، انظر أيضاً رو 9 : 17). وكانت الضربة الأخيرة أقسى جميع الضربات، فيقول الرب: ضربة واحدة أيضاً أجلب على فرعون وعلى مصر ، فستنجز هذه الضربة ما فشلت فيه كل الضربات السابقة، فلن يطلق فرعون إسرائيل فحسب، بل عندما يطلقكم يطردكم طرداً (خر 11: 1). وقد بلغت الأمور غايتها بما حدث قبيل الضربة الأخيرة، إذ طرد فرعون موسى قائلاً له : اذهب عني. احترز. لا تر وجهى أيضاً. إنك يوم ترى وجهى تموت (خر 10: 28). وفي كل الضربات التي سبقت، كان لموسى وهارون دور هام غير شخصي، ولكن هنا تبدو لمستان شخصيتان، إحداهما هى القول: إن الرجل موسى كان عظيماً جداً في أرض مصر، في عيون عبيد فرعون وعيون الشعب (خر 11: 3). والثانية هى أن موسى خرج من لدن فرعون في حمو الغضب (خر 11: 8). لقد احتمل موسى الكثير من غطرسة فرعون وتذبذبه، وإصراره على الاستجابة للمطالب التي قدمها له موسى باسم الله. وأخيراً انفجر غضب موسى، وأنذر فرعون بأنه إن لم يستجب لأمر الرب، فإن شعبه سيأتون لموسى ويسجدون…قائلين : أخرج أنت وجميع الشعب (خر 11: 8). ولكن شدد الرب قلب فرعون فلم يطلق بني إسرائيل من أرضه (خر 11: 10) حتى تُستعلن قوة إله إسرائيل المطلقة في الضربة الأخيرة الرهيبة، وهى موت الأبكار (خر 11: 9 و10). (3) - الخروج : كان موت الأبكار سبباً في إثارة الرأي العام مما اضطر معه فرعون أن يطلق بني إسرائيل الذين كانوا قد عملوا الفصح، فبدأوا في الارتحال من مصر تحت قيادة موسى آخذين معهم أولادهم ومواشيهم وأمتعتهم وعظام يوسف (خر 13: 19)، ففي وسط المشغوليات الضخمة العديدة، لم ينس موسى وصية يوسف التي أوصى بها بني إسرائيل منذ بضعة قرون (تك 50: 25). (4) - عمود السحاب والنار : منذ أن بدأوا في الارتحال تجلت قيادة الله في هذه الظاهرة الخارقة، إذ كان الرب يسير أمامهم نهاراً في عمود سحاب ليهديهم في الطريق، وليلاً في عمود نار ليضئ لهم لكي يمشوا نهاراً وليلاً. لم يبرح عمود السحاب نهاراً، وعمود النار ليلاً من أمام الشعب (خر 13: 21 و22). وكان هذا العمود دليلاً على سير الله معهم، فقد ذكر ثلاث مرات أن ملاك الله كان فيه (خر 14: 19، 23: 20، 32: 34). ومن الواضح أن هذا العمود كان يتغير كثيراً في موضعه. ففي 14: 19 و20 انتقل عمود السحاب من أمام بني إسرائيل، ووقف وراءهم، فدخل بين عسكر المصريين وعسكر إسرائيل، وصار السحاب والظلام (للمصريين)، وأضاء الليل (لبني إسرائيل)، فلم يقترب هذا إلى ذاك كل الليل كما نقرأ: وكان عمود السحاب، إذا دخل موسى الخيمة، ينزل ويقف عند باب الخيمة. ويتكلم الرب مع موسى (خر 33: 9). ونقرأ في سفر العدد: فنزل الرب في عمود سحاب ووقف في باب الخيمة (عد 12: 5). وكثيراً ما يشار إليه بالسحابة ونجد في سفر العدد قولاً مفصلاً عن قيادة السحابة للشعب (عد 9: 15- 23- انظر أيضاً 10: 11 و12 و33- 36 ، تث 1: 33)، فكان الهدف الرئيسي من السحابة هو قيادة الشعب في البرية، وإعلان وجود الرب فيما بينهم. ونقرأ في سفر العدد (10: 33 و34): فارتحلوا من جبل الرب مسيرة ثلاثة أيام وتابوت عهد الرب راحل أمامهم… وكانت سحابة عليهم نهاراً في ارتحالهم من المحلة مما يدل على أن السحابة كانت تتحرك أعلى التابوت. كما نقرأ: وإذا مجد الرب قد ظهر في السحاب (خر 16: 10). ونقرأ في سفر العدد (10: 33-36) وصفاً رائعاً عن كيف أن موسى في بداية كل مسيرة وفي نهايتها كان يتلمس إرشاد الله في ارتحالهم في سنوات البرية. وكان ظهور الرب في عمود السحاب أمراً دائماً (خر 13: 22). قاد عمود السحاب جموع بني إسرائيل إلى موقف أصبحوا فيه محاصرين بين البحر أمامهم، ومركبات فرعون وراءهم ، وعندما اقتربت مركبات فرعون منهم، فزع بنو إسرائيل جداً، وندبوا مأزقهم الخطير( خر 14: 11 و12) كما فعلوا من قبل (خر 5: 21، 6 : 9). ولكن موسى لم ينزعج، بل قال لهم في ملء الثقة: لا تخافوا. قفوا وانظروا خلاص الرب الذي يصنعه لكم اليوم (خر 14: 13)، فقد كان موقعهم الذي بدا ميئوساً منه، فرصة لعمل الله. كان على بني إسرائيل أن يتقدموا نحو البحر، وكان على موسى أن يشق لهم طريقاً في وسط البحر، وكان هذا امتحاناً عظيماً لإيمان موسى: وعبر بنو إسرائيل البحر آمنين في وسط البحر على اليابسة والماء سور لهم عن يمينهم وعن يسارهم. وتبعهم المصريون ودخلوا وراءهم جميع خيل فرعون ومركباته وفرسانه إلى وسط البحر . فأمر الرب موسى أن يمد يده على البحر ليرجع الماء على المصريين، على مركباتهم وفرسانهم. فمد موسى يده على البحر، فرجع البحر عند إقبال الصبح… فدفع الرب المصريين في وسط البحر، فرجع الماء وغطى مركبات وفرسان جميع جيش فرعون الذي دخل وراءهم في البحر. لم يبق منهم ولا واحد (خر 14: 22- 29). ورأى إسرائيل الفعل العظيم الذي صنعه الرب بالمصريين ، فخاف الشعب الرب وآمنوا بالرب وبعبده موسى (خر 14: 31). ورنم موسى وبنو إسرائيل تسبيحاً للرب الذي خلصهم هذا الخلاص العجيب (خر 15)