كلمة منفعة
ليست اجتماعاتنا هي التي نجتمع فيها مع بعضنا البعض، إنما التي نجتمع فيها مع الله، وحينما نجتمع مع بعضنا البعض، يكون الله في وسطنا حسب وعده الصادق:
— اذكر يا رب اجتماعاتنا، باركها

ابن الانسان

ابن الانسان، إبن الإنسان
حجم الخط
إبن الإنسان
أولا ــ استعمال اللقب في العهد الجديد :
1- اطلاق يسوع هذا اللقب على نفسه : كان الرب يسوع يحب كثيراً أن يطلق على نفسه هذا اللقب كما يتضح من الأناجيل، فيُذكر في متى أكثر من ثلاثين مرة، ويُذكر في مرقس خمس عشرة مرة، وفي لوقا خمسا وعشرين مرة، وفي يوحنا اثنتي عشرة مرة، وفي جميع هذه الحالات كان يسوع هو الذى يطلق على نفسه هذا اللقب، ماعدا في حالة وأحدة حين سأله الجمع الواقف عن ما يقصده بعبارة ابن الإِنسان قائلين : من هو هذا ابن الإِنسان ؟ ( يو 12 : 34 ). ولا يذكر هذا اللقب خارج الأناجيل إلا مرة واحدة في سفر الأعمال في حديث استفانوس ( أ ع 7 : 56 )، ومرة في العبرانيين ( 2 : 6 )، ومرتين في سفر الرؤيا ( 1 : 13، 14 : 14 ).
2- المعنى المقصود منه : يبدو لأول وهلة أن هذا اللقب تعبير قوي عن العنصر البشري في شخص ربنا يسوع المسيح، كما أن ابن الله يشير إلى العنصر الإِلهي. هذا هو الظن الغالب والشائع بين الناس. وقد اتخذ هذا المفهوم العام اتجاهين : فقد رأى فيه البعض عناصر السمو والمثالية، بينما أكد البعض الآخر على جانب التواضع والألم في الإِنسان. وقد وجد كلا الاتجاهين ما يؤيدها في الكتاب. فالقول بأن يسوع ــ بهذه العبارة ــ قدم نفسه كالرأس والنموذج والمثال الأعلى للجنس البشري، يمكن أن يستند إلى القول : إذاً ابن الإِنسان هو رب السبت أيضاً(مرقس 2 : 28 ). كما أن فكرة التواضع يمكن أن تستند إلى القول : للثعالب أوجرة ولطيور السماء أو كار، وأما ابن الإِنسان فليس له أين يسند رأسه ( مت 8 : 2 ).
أما البحث العلمي عن المقصود بالعبارة، فقد بدأ عند الاستعلام عن :
أ‌- ما هو المصدر الذي استمد منه يسوع هذا اللقب ؟
ب‌- لماذا استخدمه ؟
ثانياًــ مصدر اللقب :
1- العبارة في العهد القديم : واضح أن العبارة لم يكن يسوع هو أول من استخدمها، فهي ترد كثيراً في أسفار العهد القديم، كما في المزمور الثامن ( 8 : 4 ) فمن هو الإِنسان حتى تذكره، وابن أدم ( ابن الإِنسان ) حتى تفتقده ؟ فهى تستخدم بالمقابلة مع الإِنسان في الشطر الأول من الآيه، وكثيراً ما تعتبر هذه الفقرة المصدر الذي اقتبس منه يسوع هذا اللقب. وفي هذا الصدد يمكن أن يقال الكثير حيث أن المزامير تستعرض استعراضاً واسعاًــ لا نظير له ــ وضاعة الطبيعة البشرية وسموها أيضاً. ولكن هناك عبارة آخرى في سفر المزامير قد تكون هى المصدر الذي استمد منه هذا اللقب وذلك في المزمور الثمانين ( 80 : 17 ) حيث نقرأ هذه العبارات :
لتكن يدك على رجل يمينك،
وعلى ابن أدم ( ابن الإِنسان ) الذي اخترته لنفسك .
فهنا يناشد المرنم الله ــ فى زمن ضعف الأمة ــ أن يقيم بطلاً يفدي إسرائيل.
وهناك سفر في العهد القديم، لا يقل عدد مرات ورود عبارة ابن ادم ( اى ابن الإِنسان ) فيه عن تسعين مرة، ألا وهو نبوة حزقيال، حيث يدعى النبي نفسه بهذا اللقب الذى يدل على رسالته النبوية.
ويقول نوسجن (Nosgen) : إنها تعبر عن الفرق بين ما هو حزقيال في ذاته، وماذا يمكن أن يصنع منه الله، ولكى يدرك أن إرساليته هى من عمل الله وليست من عمله هو، فترتفع روحة كلما هدده جسده بالضعف والوهن .
إذاً، كان هناك شخص ــ قبل زمن يسوع الناصري ــ حمل هذا اللقب ــ على الأقل في فترات معينة في حياته ــ وقد خُوطب بهذا اللقب من نفس الدوائر العليا.
كما نجد في دانيال ( 8 : 17 ) : فجاء إلى حيث وقفت، ولما جاء خفت وخررت على وجهي، فقال لى افهم يا ابن أدم (أو ابن الإِنسان ) ويلي ذلك كلمات لرفع الروح المعنوية لخادم الله المرتعب. ويرى ويزاكر (Weizaeker) وغيره أن يسوع يحتمل أنه اقتبس هذا اللقب من حزقيال أو دانيال، على أساس أنه هو ابن الإِنسان الكامل موضوع النبوات.
2- ابن الإِنسان في الأصحاح السابع من نبوة دانيال : والإِشارة إليه في العهد الجديد. نجد العبارة نفسها أيضاً مرة آخرى في سفر دانيال بمعنى مختلف تماماً، يلفت نظر العلماء بدرجات متزايدة. ففى العدد الثالث من الأصحاح السابع ــ في أحدى رؤى هذا النبي ــ رأى دانيال أربعة حيوانات عظيمة صاعدة من البحر. الأول كأسد وله جناحا نسر، والثاني شبيه بالدب، والثالث مثل النمر وله أربعة رؤوس، والرابع حيوان هائل وقوى وشديد، وله عشرة قرون. وهذه الحيوانات كان لها سلطان على الأرض. لكن في النهاية تؤخذ المملكة منهم وتعطى لحاكم خامس، نقرأ عنه : كنت أرى في رؤى الليل وإذا مع سحب السماء مثل ابن انسان أتى وجاء إلى القديم الأيام فقربوه قدامه. فأعطي سلطاناً ومجداً وملكوتاً لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة. سلطانه سلطان أبدي ما لن يزول وملكوته ما لا ينقرض ( 7 : 13 و14 ). لا يمكن أن تخطئ صدى هذه الكلمات في العهد القديم، متى قارنتها بكلمات الرب يسوع لرئيس الكهنة في أثناء محاكمته : .. من الأن تبصرون ابن الإِنسان جالساً عن يمين القوة وآتيا على سحاب السماء ( مت 26 : 64 ). كما نجد نفس الوضوح في الحديث العظيم : تنوح جميع قبائل الأرض وتبصرون ابن الإِنسان آتياً على سحاب السماء بقوة ومجد كبير ( مت 24 : 30 ).
ثالثاًــ لماذا استخدم المسيح هذا اللقب : إن استخدام المسيح للقب ابن الإِنسان في الإِشارة إلى شخصه، يدل على بعض المميزات الهامة في طبيعته كإله كامل وإنسان كامل.
1- ان لقب ابن الإِنسان يتضمن أنه المسيا ، ولكنه تجنب استخدام الأسماء المبإشرة للمسيا، ولذلك لأن المعاصرين له من اليهود لم يكونوا على استعداد لقبول اعلانه ذلك، ولكنه في كل مراحل خدمته لم يتردد في استخدام لقب ابن الإِنسان الذي يعنى عنده الكثير.كما أنه ولا شك - كان يعنى الكثير أيضاً لأتباعه المقربين، إلا أنه لم يحمل أي دلالة عن المسيا لعامة الشعب. ويتضح هذا من الحيرة التي أظهرها المستمعون إليه، بسؤالهم : من هو هذا ابن الإِنسان ؟ ( يو 12 : 34 ). كما اننا نجد في هذا تفسيراً لسؤال المسيح للاثني عشر في قيصرية فيلبس : من يقول الناس إني أنا ابن الإِنسان ؟ ( مت 16 : 13 ).
2- لقد ارتبط تجسد المسيح ــ منذ بداية خدمته ــ بلقب ابن الإِنسان (يو 3 : 13 ). ويبدو سموه الفريد في كلماته لنيقوديموس : ليس أحد صعد إلى السماء إلا الذى نزل من السماء ابن الإِنسان الذى هو في السماء هذه العبارة الأخيرة : الذى هو في السماء تتضمن وجوده في كل مكان في نفس الوقت دليلاً على لاهوته. فابن الإِنسان إذ هو الرب من السماء ظاهراً في صورة بشرية علي الأرض، وفي نفس الوقت في السماء. فطبيعته كالله المتجسد تعكس هدف وطبيعة خدمته، إذ أن الله كان في المسيح مصالحاً العالم لنفسه ( انظر يوحنا 1 : 14، 2 كو 5 : 19 ). إن عمل المسيح الفدائى علي الصليب يبين بكل جلاء معنى التجسد.
3- ان عبارة ابن الإِنسان تربط المسيح بالبشرية التي لا يمكن أن تستقل بنفسها ( مت 8 : 19، لو 9 : 58 )، فمهما كانت الالتزامات التي يتحملها الكاتب ــ الذى تقدم بطلبه للمسيح ليكون تلميذاً له ــ فإنه وكل من يتبع يسوع، سيجد عند الله ــ كابن الإِنسان ــ كل فهم وعطف وشركة في اختباره العميق للفقر الشديد والآلام البشرية، فهو إذ تألم مجرباً يقدر أن يعين المجربين ( عب 2 : 18، 4 : 15 )، ولعلنا نرى المعنى العميق لكلماته : لأن ابن الإِنسان لم يأت ليُخَدم بل ليخِدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين ( مرقس 10 : 45 ).
4-ان ابن الإِنسان يعنى سلطان المسيح في الفداء وغفران الخطايا (مت 9 : 6، لو 19 : 10 ). ومهما يكن المقصود بمفاتيح ملكوت السماوات ( مت 16 : 19 )، فإن الله قد أعطى ابن الإِنسان السلطان لغفران الخطايا على الأرض، ولو أنه سلم هذا السلطان للكهنة أن يحلوا الخطايا لمن يتوب عنها
5- إن ابن الإِنسان يتضمن نصرته النهائية الكاملة في عمل الفداء ( يو 3 : 14 )، إذ يحتمل أن التشبية الذي ذكره المسيح بين الحية في البرية المرفوعة على السارية ( عدد 21 : 9 ) و ابن الإِنسان يعني أكثر من موته، فالحقيقة الواضحة، هى أن موت المسيح ــ كما نجده في كل العهد الجديد ــ لا ينفصل مطلقاً عن قيامته وصعوده. فرفع ابن الإِنسان هنا يبدو أنه يرسم مقدماً صورة لنصرة المسيح الكاملة في عمل الفداء بموته الكفاري، وقيامته الظافرة وصعوده المجيد، بل إن كلارك يرى أن هذا التشبيه يتضمن أيضاً خدمته كوسيط، ويقول إن التقليد اليهودي كان يعتبر الحية رمزاً للقيامة، وهو ما يتفق مع قول المسيح في العدد السابق في حديثه عن الصعود إلى السماء ( انظر دانيال 7 : 13، مرقس 14 : 62، أ ع 7 : 56 ).
6-إن ابن الإِنسان يتضمن أيضاً سيادة يسوع المسيح الكاملة الشاملة ( مز 14 : 62 )، وقد أكد المسيح ذلك عند تكليف التلاميذ بالإِرسالية العظمى دفُع إليَّ كل سلطان في السماء وعلى الأرض ( مت 28 : 18، انظر أيضاً أع 1 : 8 ). وفي الواقع،إن سيادة المسيح الكاملة الشاملة هي خلاصة كرازة الرسل المدونة في سفر الأعمال. فكلمة رب بالإِشارة إلى المسيح المقام، تذكر 110 مرات في سفر الأعمال، أى أكثر وأهم من أي كلمة أخرى في هذا السفر ( انظر مت 3 : 3، مرقس 2 : 28، لو 6 : 5 ).
7-إن ابن الإِنسان تعني بكل وضوح أن المسيح هو الذى سيجرى الدينونة النهائية ( مت 13 : 41 و 42، 19 : 28 )، فالمسيح هو الذى سيدين كل الناس، لأنه بتجسده صار وأحداً من الناس، مع احتفاظه بالوهيته. ويؤكد الرسول بولس ــ بكل جلاء ــ في حديثه في آريوس باغوس في آثينا ، أن الدينونة هى حق للمسيح وحده ( أ ع 17 : 31 )، كما يؤكد ذلك في رسالته إلى الكنيسة في رومية ( 2 : 16 ). ويرسم الرسول يوحنا صورة رائعة لمشهد ابن الإِنسان جالساً على العرش العظيم الأبيض لإجراء الدينونة النهائية. ( رؤ 20 : 11 و 12 ).