كلمة منفعة
هناك أشخاص يركزون جدًا في كلامهم، تركيزًا شديدًا يحتاج إلى مزيد من التوضيح والشرح ليفهم السامع.
— كثرة الكلام

انبياء

انبياء، نبوة، نبوات، نبي، أنبياء
حجم الخط
نبوة - نبوات - نبي - أنبياء
أولا : ( 1 ) النبوة في الكتاب المقدس :
الثابت أن الكتاب المقدس يعتبر أن النبي هو من يتكلم بما يُوحى به إليه من الله ، فأقواله ليست من بنات أفكاره ، ولكنها من مصدر أسمى . والنبي هـو في نفس الوقـت “الرائي “ الذي يري أموراً لا تقع في دائرة البصر الطبيعي ، ويسمع أشياء لا تستطيع الأذن الطبيعية أن تسمعها . فكلمتا “ النبي “ و “ الرائي “ مترادفتان ( 1 صم 9 : 9 ) . أما من يتكلمون “ برؤيا قلبهم لا عن فم الرب “ “ فمن تلقاء ذواتهم … الذاهبين وراء روحهم ، ولم يروا شيئاً “ فهـــم أنبيـــاء كذبـــة و الرب لم يرسلهم ( إرميا 23 : 16 - 18 ، حز 13 : 2 - 7 ). فالأنبياء الحقيقيون إنما يتكلمون بما يضعه الله في أفواههم ، أو يكشفه لبصائرهم الروحية (ارجع إلى إش 2 : 1) ، فليس من الضروري أن يأتي كلام الرب للنبي بصوت مسموع لأذنه الطبيعية . ولكن الأمر الأساسي هو أن يكون قادراً تماماً على التمييز بين صوت الله وصوت قلبه أو أفكاره الذاتية . فبهذا وحده يستطيع أن يقول إنه يتكلم باسم الرب أو هكذا قال السيد الرب (حز 4 : 16 ، 7 : 1 ). وفي هذا الحال يدرك أنه لابد أن يتكلم ، كما يقول عاموس النبي : الأسد قد زمجر ، فمن لا يخاف ؟ . السيد الرب قد تكلم ، فمن لا يتنبأ ؟ (عا 3 : 8 ) ، لأن كلمات الرب تشتعل في قلــبه كنار محرقة إلى أن ينطق بها ( إرميا 20 : 7 - 9 ) .
(2) الوحي النبوي :
إن القوة الإلهية التى تحل على كائن بشري ، وتجبره على رؤية أو سماع أشياء ، تظل بدون ذلك مخفية عنه ، هذه القوة هى التى يعبر عنها بالوحي ، فيقــال مثلاً : “ فكان عليه روح الله “ (عد 42 : 2 ) ، أو “ حل عليه روح الله “ (حز 11 : 5 ) ؛ أو “ كانت عليه يد الرب ( 2 مل 3 : 15، حز 1 : 3 ، 3 : 14 و 22 ) ،أو “لبسه روح الله 2 (أخ 24 : 20 ) ، أي أن روح الله ملأه ، أو “استقرت روح الله عليه ( 2 مل 2 : 15 ، إش 11 : 2 و 61 : 1 ) ، أى حلت حلولاً دائماً . أو “ جعل الرب روحه عليه “ (عد 11 :29 ) ، أو وضع الرب روحه عليـــــه (إش 42 : 1 ) ، أو يسكب روحه عليه (يو 2 : 82) . ولكن لم يكن الوحي يلغي وعي من يتلقاه ، أو شخصيته ، فيصبح مجرد آلة تسجيل ، بل يكون متلقي الوحي في كامل وعيه ، ويستطيع فيما بعد أن يصف كل ما حدث وصفاً دقيقاً ، فالله هو الذي أعد النبي لتلقي الوحي ، وزوده بكل المواهب والقدرات والخبرات اللازمة لنقل أقوال الله ، وتدوينها كما وصلت إليه بكل أمانة ودقة .
(3) الأحلام :
من بعض الوجوه ، يمكن اعتبار الأحلام ظاهرة مشابهة ، حيث أن الأفكار الكامنة في النفس ، تبرز دون سلطان للوعي أو للعقل عليها ، ولكن من الجانب الآخر ، يختلف الوحي عن الأحلام اختلافاً جوهرياً ، وذلك لأن ما ينطق به النبي يتلقاه وهو في تمام الوعي ، كما أن النبي يتكلم بسلطان وبيقين كامل بأنه يتلقى كلامه من الله ذاته . ونقرأ في نبوة إرميا عن الفرق الواضح بين هذين الأمرين ، فيقول الرب لإرميا : قد سمعتُ ما قالته الأنبياء الذين تنبأوا باسمى بالكذب قائلين : حلمت حلمت .حتى متى يوجد في قلب الأنبياء المتنبئين بالكذب ، بل هم أنبياء خداع قلبهم ، الذين يفكرون أن يُنسُّوا شعبي اسمي بأحلامهم ... ما للتبن مع الحنطة يقول الرب ؟ (إرميا 23: 25 - 28 ). فالفرق بين الأحلام والوحي هو كالفرق بين التبن والحنطة .
(4) حرية الوحي :
لأن لروح الله مطلق الحرية ، فهو يختار أدواته حسبما يشاء من كل مكان أو عمر أو جنس ، فهو غير مقيد بطبقة كهنوتية أو بهيئة معينة . لقد حدث في بعض الأوقات أن النبي كان يجمع حوله عدداً من التلاميذ يمكن أن يصبح بعضهم أنبياء ( 2 مل 2 : 10 ) ، ولكن النبوة كانت على الدوام موهبة خاصة ، يهبها الله لمن يشاء بسلطانه المطلق. ويعلن عاموس النبي هذه الحقيقة بكل قوة : لست أنا نبياً ولا أنا ابن نبي ، بل أنا راع وجاني جميز ، فأخذني الرب من وراء الضأن ، وقال لي الرب : اذهب تنبأ لشعبي إسرائيل ( عا 7 : 14 و 15) ، فهو نفسه لم يختر أن يكون نبياً ، كما لم يكن تلميذاً لنبي ، ولكن الرب دعاه رأساً من عمله اليومي كراع وجاني جميز . وفي نفس الوقت نجد أن بعض الأنبياء كانوا ينتمون للسلك الكهنوتي مثل إرميا ، وحزقيال وغيرهما. ولكن من الحق أيضاً أن عدداً أكبر لم يكونوا ينتمون لهذا السلك .
ثم إن العمر لم يقف حائلاً دون دعوة الله للنبي ، فصموئيل دعاه الله لذلك العمل وهو فى صباه المبكر ( 1 صم 3 : 1 - 21 ) ، كما لم يكن العمر حجة لإرميا ، إذ قال للرب إنه ولد (إرميا 1 : 6 ). كما أن روح الله كان يحل - من وقت لآخر- على امرأة ، ولو أن ذلك لم يكن بالكثرة التى كانت للنساء النبيات في الديانات الوثنية . بل حدث في بعض الأحيان أن حل روح الله - استثناء - على أشخاص لم تكن لهم علاقة قلبية صحيحة بالله ، مثلما حدث مع شاول الملك ( 1 صم 10 : 11، 19 : 24 ) ، وبلعام ( عد 23/24 ) ، وقيافا ( يو 11 : 51 ). ولكن كانت القاعدة هى أن يختار الله البعض من آلاته لخدمة متواصلة ، فكان يدعوهم ويكرسهم لهذا الغرض بأسلوب خاص مثل موسى ( خر 3 : 1 - 3 ) وأليشع (1 مل 19 : 16 - 21 ) ، وإشعياء ( إش 6 ) ، وإرميا ( إر17 )، وحزقيال ( حز 1) ، فقد كانت تلك لحظات حاسمة في حياتهم ، وكانت أساس خدمتهم . ولكن في كل حالة كان النبي يحصل على استنارة داخلية خاصة . ولم يكن النبي يتكلم بالوحى فى كل وقت ، فقد تكلم ناثان النبي مؤيداً فكرة داود الملك في بناء بيت للرب ، لكنه اضطر للعودة إلى داود ليسحب كلامه الذي تكلم به من نفسه ( 2 صم 7 : 3 - 13 ) . ويشرح إرميا كيف استقبل كلام الرب ، فقد وجد ذلك للفرح فى البداية ( إرميا 51 : 61 و 71 ، 02 : 7 - 81 ، ارجع أيضاً إلى ( حز 3 : 3 ) ، ولكنه بعد ذلك فقد لذته في الحياة وتمني لو أنه لم ينطق بما قال ، وهو ما لم يكن فى استطاعته (ارجع أيضاً إلى رؤ 10 : 8-11).
(5) رؤى خارقة عن المستقبل :
ما أكثر المحاولات التى بذلت لتفسير النبوة على أساس أنها نتيجة طبيعية لعوامل بشرية محضة ، فاعتبر علماء اللاهوت العقليون أن الأنبياء ما هم إلا معلمون دينيون متحمسون ، مثلهم مثل القادة الوطنيين والزعماء السياسيين ، لا يمتازون إلا بقدرة قوية على التخمين بالمستقبل على أساس استقراء الحاضر . ولكن لا يمكن أن يكون هذا تفسيراً للحقائق التى تتضمنها النبوات . لقد كان الأنبياء أنفسهم يعلمون تماماً أن نبواتهم لم تكن من بنات أفكارهم ، فقد تكلموا بأمور تقع خارج آفاق قدراتهم الطبيعية ، بل والتى كانت تناقض كل الاحتمالات القائمة . فلربما كان حزقيال النبي يستطيع فى ضوء نظراته الدينية أن يدرك أن الملك صدقيا لا يمكن أن ينجو من العقاب الذي يستحقه لأجل خيانته وعصيانه لكلمة الرب ، ولكن لم يكن في قدرته الطبيعية أن يقول بكل يقين إن هذا الملك سيؤخذ أسيراً فى أثناء محاولته الهروب من المدينة المحاصرة ، وأنه ستقلع عيناه ويؤخذ إلى بابل ( حز 12 : 8 - 15 ) . ولم يكن فى استطاعته الطبيعية - وهو فى بابل - أن يعرف اليوم الذى بدأ فيه حصار أورشليم ( 42 : 2 ). ولو كان هذا النبي قد علم بهذه الأمور بطريقة طبيعية ، وألبسها ثوباً نبوياً ، لكان إنساناً مخادعاً وكذاباً ، وهو الأمر الذى لا يمكن أن يخطر بالبال بالنسبة لشخص على هذا المستوى الرفيع من التقوى والورع .
كما نجد نفس الأمر في حالة إرميا الذي أنبأ حنانيا النبي الكذاب، بأنه سيموت في خلال شهرين فى نفس السنة ( إرميا 28 : 1 و 12 - 17 ) . وليست هذه الأمور المحددة هى وحدها التى تدل على رؤى الأنبياء الخارقة ، بل في كل الأحوال التى تنبأ فيها إرميا بأن خراب أورشليم أكيد على النقيض من كل آمال الشعب ، بل ورغبات قلب النبي نفسه ، إنما تدل على أن النبي كان يتكلم بفعل قوة إلهية ، أقوى من كل رغباته وعواطفه . ونفس الأمر مع إشعياء ، عندما يخبر آحاز بكلمة الله أن الأراميين والأفرايميين لن يفتحوا أورشليم ( إش 7 : 4 - 9)، وعندما يقول إشعياء لحزقيا الملك إن الأشوريين لن يرموا سهماً على المدينة ، بل سيعودون دون أن يحققوا هدفهــــم ( إش 37 : 22 - 35). لقد كانت كل هذه الأمور على النقيض من كل الاحتمالات القائمة ، حتى لكان النبي يعتبر مجازفاً وطائشاً، لو لم يكن قد قبل هذه الإعلانات من مصدر أسمى . ومما لا شك فيه أن مثل هذه النبوات الخارقة كانت هى السبب في ما كان يتمتع به الأنبياء من قوة وتأثير . وبالمثل فى حالة عاموس النبي الذي تنبأ بالزلزلة قبل حدوثها بسنتين ( عا 1 : 1) وفى حالة إيليا الذي تنبأ بوقوع المجاعة والجفاف (1 مل 17: 1 ). كما كشف أليشع النبي مخططات الأعداء (2 مل 6 :12)، وغير ذلك من الحالات . ومن الحق أيضاً أن أقوال الأنبياء لم تكن كلها قاصرة على المستقبل ، بل كل ما كان الله يريد أن يعلنه للبشر من جهة مشيئته ونصائحــــه وتحذيراته ، كان يعلنه على فم أنبيائه . لقد كان الأنبياء رقباء وحراساً على الشعب ، فكان عليهم تحذير الأمة ، إذ كانوا يرون الأخطار والدينونات الوشيكة التى لابد أن تقع إذا تجاهل الشعب وصايا الله . كما كان الأنبياء يفسرون للشعب الأمور الجارية ، والأمور التى حدثت معهم ، مثل الهزائم التى أصابتهم على يد أعدائهم ، أو ضربات الجراد (يوئيل ) ، أو المجاعات ، كما يكشفون أسباب الأحداث وعلاقتها بتدبيرات العناية الإلهية . وهذا يعطي للنبوة وحدة قوية رغم الفوارق الكبيرة في الأوقات والظروف المحيطة . إن الفضل فى فهم الشعب العبرانى لمضمون التاريخ ، إنما يرجع إلى النبوات ، فهم يعرفون وجود خالق لكل الأشياء ، يهيمن عليها ويوجهها لغاية محددة ، تعمل كل الأحداث على تحقيقها . فالهدف من خطة الله هو إعلان سلطان إرادته الكامل لكل البشر .
(6) إتمام النبوات :
النبوة الحقيقية - حسب المفهوم الكتابى- لابد أن تتم ، فهذا الإتمام هو الدليل القاطع على أصالة النبوة ( تث 18 : 21 و 22 ) ، فإن لم تتحقق النبوة ، فإنها تسقط إلى الأرض ( 1 صم 3 : 19 ) ، وتصبح مجرد كلمات خاوية من كل معنى ، ولا قيمة لها ، ويكون قائلها كاذباً غير أهل للثقة . ففى الكلمة التى ينطق بها النبي تكمن قوة إلهية ، وفي اللحظة التي ينطق بها ، تصبح أمراً واقعاً ، وإن كان الناس لم يروها بعد . فبمعنى ما ، النبى الحقيقى هو الذي - بكلمته - يقلع ويهدم ، ويهلك وينقض ويبنى ويغــــرس (إرميا 1 : 10 ، 25 : 15 - 17 )، ويمكن للمعاصرين الحكم على صحة النبوة بالمعنى الوارد في سفر التثنية ( 18 : 22 ) ، عندما يحدث الإتمام بعد وقت قصير ، وتكون النبوة - في تلك الحالة - علامة واضحة عن صدق النبي ( ارجع مثلاً إلى إرميا 28 : 16 ، إش 8 : 1 - 4 ، 37 : 30 ) ، أما في الحالات الأخرى فإن الأجيال المتأخرة هي التى تقدر أن تحكم على إتمام النبوات ( زك 1 : 6 ) وما أروع أن تتكرر الإشارات في العهد الجديد إلى إتمام نبوات العهد القديم ، وبخاصة فيما يتعلق بالرب يسوع المسيح ( انظر مثلاً : مت 2 : 14 و 17 و 18 و 23) .
ولكن في حالات الإنذارات ، ليس من المحتم أن تتم النبوة ، فهى ليست مرسوماً بالقضاء ، ولكنها كلمة إنذار من الله الحي للناس ليتوبوا ، ولذلك فهي مشروطة ، فإذا حدث أن تاب الشعب ، فيكون الإنذار قد حقق الهدف منـه ( يونان 3 : 3 - 10 ) دون إيقاع العقاب . كما أن الرب يستطيع أن يسحب وعده بالإحسان إلى شعب إذا أثبت هذا الشعب أنه ليس أهلاً للإحسان (إرميا 18 : 7 -10 ) ، كما يمكنه أن يؤجل العقاب ( 1 مل 21 : 29 ) . كما أن النبي كان يجمع أحياناً - في نبوة واحدة - بين أحداث غير متزامنة ، لا تتحقق دفعة واحدة ، بل على آمـاد متباعدة ، مثل نبوات العهد القديم عن الرب يسوع التى جمعت بين مجيئه الأول ليكفر عن الخطية ، ومجيئه الثانى بمجد ليدين الأحياء والأموات ، “ فإن شهادة يسوع هي روح النبـــوة ( رؤ 19 : 10 ) .
ثانيا : التطور التاريخى للخدمة النبوية :
(1) إن من المميزات الخاصة بديانة العهد القديم ، أن بداياتها الأولى كانت ذات طبيعة نبوية ، فقد كان إبراهيم وإسحق ويعقوب أصحاب رؤى سماوية وإعلانات إلهية ، فقد بدا عند الغرباء الذين لم يكن إبراهيم لهم صديقاً ولا قريباً ، أنه نبي ( تك 20 : 7 مع مز 105 : 15 ) .
(2) وكان موسى الذىِ أعطى الشعب القديم شرائعه ، نبياً بكل معنى الكلمة ، ولم يكن نفوذه بين الشعب متوقفاً على مركزه كقائد لهم ، أو على حنكته العسكرية ، بل كان ذلك ، لأنه منذ دعوته - عند العليقة المشتعلة - قد تكلم إليه الله ، فقد كان لهذا اللقاء بين الله وموسى أهمية بالغة ، إذ إنه بينما أعطى الله أناساً آخرين رسائل معينة بين وقت وآخر ، وعن طريق الأحلام والرؤى ، فإن الله كلم موسى وجهاً لوجه (خر 33 : 11 ، عد 12 : 6-8) وأمره أن يكتب هذه الأقوال ( تث 34 : 10 - 12 ) ، فقد كان موسى الآلة التى استخدمها الله لإيقاع الضربات بمصر ، واعلان مقاصده من جهة شعبه . كما أن الله استخدمه فى قيادة الشعب فى كل أيام البرية ، من مصر إلى تخوم أرض كنعان ، وأعطاهم شرائعه وفرائضه وأحكامه عن طريق موسى ، الذى كان له الامتياز أن يمكث في محضر الله أوقاتاً طويلة وأياماً عديدة .
(3) فترة القضاة : منذ زمن موسى ، لم تنقطع إعلانات الله لبنى إسرائيل عن طريق الأنبياء انقطاعاً كاملاً ( تث 18 : 15) ، ولكن هذا النبع لم يكن على الدوام بمثل هذا الفيض والوضوح . ففي أيام القضاة كان روح الله يعمل في الأبطال الذين أقامهم الرب لقيادة الشعب ، أكثر مما يكلمهم ، ومع ذلك فقد كان لدبورة مكانة عظيمة كنبية وقاضية لإسرائيل ، وهي التى دفعت الشعب للتخلص من أعدائهم الذين استعبدوهم طويلاً . وما جاء فى سفر صموئيل الأول ( 3 : 1 ) فى زمن عالي ، من أن كلمة الرب كانت عزيزة في تلك الأيام . لم تكن رؤيا كثيراً يمكن أن تقال عن فترة القضاة كلها . وفي ختام هذه الفترة ، اختار الله صموئيل - وهو لم يزل صبياً - ليعلــن على فمه مشيئته ، “ وكان الرب معه ، ولم يدع شيئاً من جميع كلامه يسقط إلى الأرض ، وعرف جميع إسرائيل من دان إلى بئر سبع أنه قد اؤتمن صموئيل نبياً للرب ( 1 صم 3 : 19 و 20 ) . وكان صموئيل مكرساً لخدمة الله وخدمة الشعب ، مطيعاً على الدوام لروح الله حتى في الأمور التي كانت ضد رأيه الشخصي ، كما حدث في موضوع إقامة ملك لإسرائيل ( 1 صم 8 : 6 - 9 ) .
(4) مدارس الأنبياء : منذ أيام صموئيــل ، نقـــرأ عن بني الأنبياء أو مدرسة الأنبياء . ولعل هذه الجماعات بدأت بأن النبي جمع حوله جماعة من الشباب الراغبين في أن يكون لهم نصيب من روحه ، وأقام هؤلاء التلاميذ مع عائلاتهم فى مستعمرات حول معلمهم . والأرجح أن صموئيل كان أول من أقام مثل هذه المدرسة من الأنبياء ، فبالقرب من الرامة - محل إقامة صموئيل - نجد نايوت أو مستعمرة أولئك التلاميذ ( 1 صم 19 : 18 و 19 ، 20 : 1 ). وكانت تحدث بين أولئك التلاميذ بعض حالات انتشاء أكثر مما بين معلميهم ، وكانوا يشحذون مشاعرهم عن طريق الموسيقى ليصلوا إلى حالة من النشوة تؤثر في الآخرين ، فيحذون حذوهم ، ويتنبأون ، ويتعرون من ثيابهم، وينطرحون على الأرض ( 1 صم 19 : 23 و 24 ). ولكن لم تكن هذه حالة عامة ، إذ الغالب أنها كانت مراكز للحياة الروحية في شركة مع الله في الصلاة والتأمل ، وتذكر معاملات الله وأعماله العظيمة في الماضي ، مما كان يؤهلهم لاستقبال إعلانات جديدة . ولعل استخدام الموسيقى فى العبادة بدأ فى هذه المراكز .
(5) عصر الملوك : في ذلك العصر ظهر العديد من الأنبياء الذين طلبوا من الملوك أنفسهم إطاعة كلمة الله . وقد هلك شاول الملك لعدم طاعته لكلمة الله ( 1 صم 13 : 11 - 14 ) . وكان داود الملك مديناً بشدة لتأييد الأنبياء صموئيل وناثان وجاد ( 1 صم 16: 1 - 13 ، 2 صم 7، 2 أخ 29 : 25.. إلخ ) ، فلقد استجاب داود تماماً لأولئك الأنبياء حتى عند توبيخهم له ( 2 صم 12 ، 24 ) . وقد تعلم ابنه سليمان على يد ناثان النبى ، كما تنبأ أخيا الشيلونى بانقسام مملكته ( 1 مل 11 : 29 - 38 ) ، فالرب يهوه له كامل السلطان لتوليه الملوك وخلعهم ، وكان إعلان ذلك يتم على فم الأنبياء ( ارجع إلى 1 مل 14 : 7 - 10 ، 16 : 1 - 7 .( وبعد انقسام المملكة ، نجد شمعيا رجل الله يمنع رحبعام من محاربة إسرائيل ( 1 مل 12 : 22 - 24 ، ارجع أيضاً إلى 2 أخ 11 : 2 - 4) .
وفي المملكة الشمالية ، جاءت الكلمة النبوية ضد يربعام ( 1 مل 13 ، 14) وضد غيره من الملوك ، رغم وجود أنبياء كذبة يتنبأون للملوك بما يتفق مع أهوائهم . ونجد صورة لمقاومة الأنبياء الحقيقيين للأنبياء الكذبة ، في النبى ميخا بن يملة ( 1 مل 22 .( وقد حارب إيليا معركة فاصلة ضد كهنة البعل والسواري ، فقد كان نبياً شجاعاً في إعلان حق الله ، وكذلك كان خليفته أليشع الذي جمع حوله جماعة من بني الأنبياء ( 2 مل 4 : 38 - 43 ). وصنع الخير مع الكثيرين ( 2 مل 4 : 16 و 32 - 41 ، 6 : 8 - 32 .. الخ ) كما تنبأ يونان بن أمتاي ليربعام الثاني ملك إسرائيل نبوة طيبة ( 2 مل 14 : 25 ) .
(6) عاموس وهوشع والأنبياء الصغار : كان ازدهار الأحوال في المملكة الشمالية في عهد يربعام الثاني سبباً في تدهور الحالة الروحية ، فأقام الرب عاموس وهوشع النبيين لإعلان انهيار المملكة الوشيك أمام قوة عالمية عظيمة. وقد ترك لنا كل من هذين النبيين سفراً مكتوباً . ويرى كثيرون من العلماء أن عوبديا ويوئيل كانا أسبق من عاموس وهوشع ، بينما يرى آخرون أنهما كانا بعد فترة السبي . على أي حال ، كان انتظار يوم الرب موضوعاً شائعاً في زمن عاموس ( 5 : 18 - 20 )، وكان الهدف من كتابة النبوات ( إش 8 : 1 و 2 ، 30 : 8 و حب 2 : 2 و 3 ) هو حفظها في صورة ثابتة باقية ، ثم لإقناع القارئ بإتمامها العجيب ، ولتظل تراثاً دائماً للشعب ( إرميا 30 : 2 ، 36 : 1 - 3 ، إش 8 : 16 ).
(7) الأنبياء فى يهوذا : كان للأنبياء في مملكة يهوذا كرامة أكثر مما كان للأنبياء فى المملكة الشمالية ، ولو أنهم اضطروا أيضاً للتنديد بمظالم الطبقة الحاكمة ، والفجور من كل نوع . ولكن في هذه المملكة ظهر بين الحين والآخر ملوك ساروا في طريق داود ، فسار آسا حسب توجيهات النبي عزريا ( 2 أخ 15 : 1 - 9 ). ومن الحق أيضاً أن حناني الرائي وبخ هذا الملك نفسه ولكن لسبب آخر ( 2 أخ 16 : 7 - 10 ) . كما واظب يهوشافاط على استشارة الأنبياء الذين كان من بينهم أليشع النبى ( 2 مل 3 : 14) وغيره من الأنبياء ( 2 أخ 19 : 2 ، 20 : 14 - 37 ) . وكان أعظم الأنبياء فى أيام الفتوحات الأشورية ، إشعياء الذي ظل يؤدى خدمته على مدى أكثر من أربعين عاماً ، فى أيام يوثام وآحاز وحزقيا ، وجزءاً من حكم منسى . وكان لأقواله تأثيرها الشديد على الملوك والشعب . وقد جمــــعت نبواته بين الوعيد بالدينونــــة ، والوعد بالرجاء .
وكان النبي ميخا المورشتي معاصراً لإشعياء ، وعلى توافق تام معه ، وإن كان لم يبلغ ما بلغه إشعياء من نفوذ عند الملوك والرؤساء .
أما ناحوم وصفنيا وحبقوق فينتمون إلى فترة انتقال السيادة الدولية من الأشوريين إلى الكلدانيين . وفى أيام يوشيا كان لخالدة النبية دور كبير في أورشليم ( 2 مل 22 : 14 ). وفي أيام يوشيا أيضاً برز إرميا النبى الذي دعاه الله لخدمة عظيمة ، فقد عاصر أيام حصار أورشليم وتدميرها على يد الكلدانيين . ورغم مشاعره الرقيقة نحو بلاده وشعبه ، فإنه تنبأ للشعب بالكوارث الوشيكة ، ضد كل مزاعم الأنبياء الكذبة ، وظل راسخاً أميناً للرب رغم كل ما تعرض له من اضطهادات ، لم يصمد أمامها معاصره النبي أوريا بن شمعيا ( إرميا 26 : 20 و 21 ) .
(8) في السبي : في زمن السبي البابلي نجد النبي حزقيال الذي تلقي إعلانات ورؤى نبوية عديدة ، وهو في بلاد بابل . وكانت نبواته ملائمة للأحوال القائمة ، كما كانت أيضاً نبوات دانيال النبي الذي كان يشغل مركزاً رفيعاً فى بلاط ملوك بابل الوثنيين . وقد أخذت صوراً رؤية أكثر منها كلامية ، لخص فيها تاريخ العالم السياسي إلى مجئ المسيح ثانية وإقامة ملكوته الأبدي .
(9) بعد السبي : بعد العودة من السبي البابلي قام النبيان حجي وزكريا بتشجيع الشعب الراجع من السبي على إعادة بناء الهيكل ( نحو 520 ق.م) . ولكن كان هناك أيضاً أعداء وأنبياء كذبة يعارضون هذا العمل ، كان منهم نوعدية النبية ( نح 6 : 6 - 14 ) .
وقام النبي ملاخي للدعوة إلى العبادة من القلب ، لا العبادة الشكلية الظاهرية .
(10 ) انقطاع النبوة : يعتبر ملاخـــــي آخر أنبياء العهـد القـديم ، به ختمـت أسفار العهـــد القديم وانقطـــعت النبوة ( ارجع إلى 1مكابيين 4 : 46 ، 9 : 27 ، 14 : 41 ) إلى أن ظهر يوحنا المعمـــدان .