كلمة منفعة
المشكلة وحدها، بدون الله، قد تسبب تعبًا للبعض. ولكن المشكلة، مع وجود الله، لا تسبب تعبًا..
— ربنا موجود
غنوسية
غنوسية
حجم الخط
غنوسية
هي حركة دينية صوفية ظهرت في القرون الثلاثة الأولى بعد الميلاد ، ويرجع اسمها إلى وسيلة الخلاص عند أصحابها . فالغنوسى يخلص بامتلاك معرفة خاصة ( وهي في اليونانية غنوسي - Gnosis ) .
والغنوسية في صورتها الكاملة برزت في القرنين الثاني والثالث ، وإن كان بعض العلماء يطلقون هذا الاسم أيضاً على بعض النزعات الغنوسية في القرن الأول . وليس ثمة دليل قاطع على وجود حركة غنوسية قبل العصر المسيحي .
أولاً - مصادر تاريخهم :
إن معرفتنا بهذه الحركة يرجع أساساً إلى كتابات آباء الكنيسة ضدها ، وبخاصة إيريناوس ( Irenaeus ) في كتابه ضد الهراطقة ، وهيبوليتوس Hippolytes ) ) فى كتابه تفنيد الهراطقة ، وترتليان ( Tertullian ) في كتابه ضد الماركونية ، وكليمندس السكندري في متنوعات ، وأوريجانوس (Origen ) قى شرحه إنجيل يوحنا .
ولم تصلنا من كتابات الغنوسيين أنفسهم إلا القليل جداً قبل القرن العشرين ، ولكن حدث في 1946 أن اكتشفت مكتبة كبيرة من ثلاث عشرة مخطوطة قبطية بالقرب من مدينة نجع حمادى في صعيد مصر ، تجمع ما بين كتابات مسيحية وكتابات غنوسية ، مع جزء صغير من جمهورية أفلاطون وتشمل مجموعات من الأحاديث والصلوات والحوارات والتأملات والرسائل والرؤى والمواعظ . ومع أن للبعض منها عناوين ، مثل : أعمال الرسل ، وأناجيل ، لكنها ليست من نوع الأناجيل أو أعمال الرسل القانونية .
ثانياً - عقائدهم:
إن أسا س التعليم الغنوسي ، هو الوجودية الثنائية ، من الله ، المحبة ، الأسمى الفائق الوصف ، والعالم المادى الذى يعتبر شرا، أو على الأقل محايداً . ويوجد بين الله والمادة عدد ضخم من القوى الروحية ، يسمونها في مجموعها ملء الله ( بليروما - Pleroma ) ، ومن أدنى درجاتها يجيء الخالق ( الديميرج -Demiurge ) الذي هو يهوه العهد القديم . ويربطون بين القوى الروحية الساقطة وبين الأجرام السماوية باعتبار أنها هي التي تسيطر على العالم الآن .
ويمتلك بعض البشر ( أي الغنوسيين ) شرارة إلهية ، نفساً داخلية ، تختلف عن النفس البشرية ، ورغم أنها مسجونة في الجسد ، إلا أن مسكنها الحقيقي هو البليروما ( الملء ) ، إذ يدركون حالتهم عن طريق وساطة هذه المعرفة ( Gnosis) ، وهي ليست معرفة عقلية ، لكنها معرفة أسطورية برؤية حقيقية وسمع حقيقي .
والفداء عند الغنوسيين لا يتوقف أساساً على الله ، بل على فهم الفرد لذاته ، وما ينتج عن ذلك من حرية .
ثالثا - الجذور :
لقد استعارت الغنوسية الكثير من تقاليد العالم الهللينى . ومع أن العلاقة الدقيقة بين هذه المنابع ما زالت غامضة ، إلا أنه يمكن تمييز أربعة مصادر .
( أ ) الفلسفة الأفلاطونية : فالغنوسية مدينة بالكثير للفلسفة اليونانية الكلاسيكية وبخاصة الأفلاطونية الوسيطة . ومن أبرز هذه الأفكار أن النفس شرارة إلهية مسجونة فى الجسد ، وأن الخليقة من عمل ديميرج منشق ، والثنائية بين الروح والمادة ، ومعرفة الواحد ( أي الله ) التي تأتي بالحدس عن طريق الإعلان الذي كثيراً ما يكون سَّراً . وتوجد تعاليم مشابهة فيما يسمى بالكتابات السحرية وهي مجموعة من الكتابات الأسطورية اليونانية واللاتينية تنسب إلى هرمس ترسمجستوس وتبدو أهمية أفلاطون عند الغنوسيين ، في وجود جمهورية أفلاطون بين مخطوطات نجع حمادى .
(ب) الديانات الشرقية : إن علوم الكون عند الغنوسيين مشتقة أساساً من ديانة الفرس وبلاد بين النهرين ، فقد أصبحت الوجودية الثنائية في ديانة زرادشت هي محك الفكر الغنوسى ، وعليه فهناك قوتان كونيتان تتنازعان العالم المادي ، هما : أهوراماذدا قوة الخير والنور ، وملائكته ، و أهريمان الروح الشريرة أو قوة الظلمة ، وشياطينه . وجمعوا بين بعض هذه القوات ( وبخاصة قوات أهريمان ) وبين الأجرام السماوية كما فعل البابليون . وقد لاحظ بعض العلماء التشابه الموجود بين هذه المعتقدات والأسرار الميثراتية الفارسية التي كانت تعتقد بصعود النفس عن طريق الكواكب لتتحد مرة أخرى بالله .
( جـ) اليهودية : كان لليهود في القرن الأول الميلادي ، أثر واضح في الغنوسية الناشئة ، فالكتابات الرؤيوية ولفائف البحر الميت ، يبدو فيها تشابهات واضحة مع الأفكار الغنوسية اللاحقة . فجميعها تتميز بثنائية قوية ( مثلا : نور وظلمة ، العالم الآتي والعصر الحاضر الشرير ) ، وجميعها تشدد على أهمية المعرفة . ففي مخطوطات قمران كان سمع أشياء عميقة مقصوراً على فئة محدودة. وفي الكتابات الرؤيوية نجد الأحاديث الإعلانية والرؤى تكشف خلاص الله .
وفي الاسكندرية خلع فيلو ( Philo Judaeus ) ثوباً يونانياً على اليهودية ، ففي سلسلة من الكتابات للأمم ، جمع بين العهد القديم والفلسفة اليونانية بتفسير مجازي ، يجد أموراً أسطورية وفلسفية تحت الروايات الحرفية . وقد تبنَّى هذه الطريقة ، بصورة واسعة ، المسيحيون والغنوسيون . وأعظم ما ساهم به فيلو هو مطابقته بين لوجوس الفلسفة وبين الحكمة الكتابية ( فى أمثال 8 ) كالوسط بين الله الفائق السمو ، وبين كون يمتليء بالشر .
كما استعارت الغنوسية كثيراً من مواضيع وأسماء من سفر التكوين ، وبالأسلوب المجازي الغنوسى جدلتها معاً ، فمثلاً لم يعد السقوط يشير إلى حادث بشري ، بل إلى سقوط صوفيا ( الحكمة ، أي حواء ) من اللاهوت .
(د) المسيحية : يزداد عدد العلماء الذين يعتقدون أن المسيحية بإعلانها عن مخلص إلهي ، كانت عاملاً مساعداً للحركة الغنوسية . وقد نسب كثيرون من الغنوسيين تعليمهم إلى المسيح والتعليم السري الذي أعلنه لتلاميذه ضمنياً ، بعد القيامة . فالغنوسية تقدم مخلصاً بدون التجسد ( المسيح - الروح ) ، يمنح المعرفة عوضاً عن الدعوة للإيمان ( قارن هذا مع مرقس 12 :14 ،غل 2 :16 ) .
رابعاً - الغنوسية في زمن العهد الجديد :
عندما قويت الحركة الغنوسية في النصف الأخير من القرن الأول الميلادي ، وجدت الكنيسة نفسها تواجه بصورة متزايدة تعاليم كاذبة مصبوغة بألوان من الغنوسية .
فالرسول بولس واجه بيئات سادتها بعض العناصر المكوِّنة للغنوسية ، فهو يخاطب مقاومين في كورنثوس منتفخين بالعلم ( 1كو 8: 1 ) يؤكدون على الحكمة القاصرة على عدد محدود ، ظانين أنفسهم بالغين ، وعليه فهم جماعة الصفوة الممتازة (1 كو 2: 6)، فيؤكد لهم بولس أن المحبة هي التي تبني وليس العلم ( 8 :1 ،13 :8 ) ، وهى ليست الحكمة السرية ، بل جهالة الصليب ( 1 :18 ،2 :7 و8 ) ، ليس الانتماء إلى الصفوة الممتازة بل فكر المسيح (1 كو 2 :16 ،في 2 :5-11 ) ويكتب الرسول بولس إلى الكنيسة في كولوسي ضد تعليم خلط الفكر الهيليني ببعض اليهودية ، وجعل منها غنوسية بدائية ، وكان هذا التعليم يقول بأن المسيح إنما هو جزء من بليروما الله ( ملء الله ) ، لذلك يشدد الرسول بولس على أن المسيح هو صورة الله وسيد كل القوى الروحية ( كو1 :15 ) ، وأن فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً ( كو 2 :9 ، انظر أيضا 1 :19 ) . ولأن الهرطقة كانت تنادى بالتقشف ( كو 2 :21 - ولا تمس ولا تذق ولا تجس ) ، فإن الرسول بولس نادى بقوة المسيح المحررة ( 2 :11 -15 ،3 :10 ) .
وتقدم لنا الرسائل الرعوية صورة من أوضح الصور لما تطورت إليه الغنوسية . ففي الرسالة الأولى لتيموثاوس ، يشجب المعلمين الذين يتعللون بمباحثات ومماحكات الكلام ، التي منها يحصل الحسد والخصام والافتراء والظنون الردية ( 1 تي 6 :4 ) ، الذين بالعلم (gnosis) الكاذب ( 1تى 6 :20 ) الذي يتناول خرافات وأنساب لا حد لها تسبِّب مباحثات دون بنيان الله الذي في الإيمان ( 1تي 1 :4 ،4 :7 ، تى 1 :14 ) . كما كانوا ينادون بقيامة روحية قائلين إن القيامة قد صارت ( 2تي 2 : 18 ) . وكان كل ذلك مصحوبا بدعوة للتقشف في الطعام ( 1تى 4 :3 ) ، مانعين عن الزواج ( 1 تي 4 :3 ، انظر أيضا 1 تي 2 :15 ،5 : 14 ، تي 2 :4 ) .
وفى رسالة يوحنا الرسول الأولى ، يشجب الرسول بشدة مثل هذه المعتقدات ، فقد أخذ المعلمون الكذبة أقواله عن النور والظلمة ( 1يوو 1 :5 و6 ) ، والله والشرير ( 5 :19 ) على أنها ثنائية وجودية ، وهكذا استعاضوا عن التجسد بمسيح روحى تماماً ( 1 يو 4 :2 ) فأنكروا مجيئه في الجسد . واستعاضوا عن الإيمان بالمعرفة ( 1يو 3 :23 ، 5 :20 ) ، وادعو بلوغهم درجة روحية عالية _( في النور بلا خطية -1 :7و8 ) ، بدون ارتباط بالكفارة ( 2 :2 ، 5 :6 -10 ) . كما كانوا يفصلون ( كما حدث فى كورنثوس ) بين الروحانية والسلوك الأخلاقي ( 1 يو :3و10 و11 ) ، منكرين إله المحبة المعلن فى المسيح يسوع ( 1يو 4 :8 ) ، ففيهم روح ضد المسيح ( 1 يو 4 :3 ) ، فهم مضلون 00 لا يعترفون بيسوع المسيح آتياً فى الجسد ( 2 يو 7 ) .
ويعتقد بعض العلماء أن النقولايين كانوا من باكورات الغنوسية ، فقد كانوا يفخرون بأنهم يعرفون الأعماق وهي مصطلح غنوسي ( رؤ 2 :6و15 و24 ) . ويجب على المؤمنين أن يقفوا صامدين أمام هذه التجربة من الزنا الروحي والفجور الدنيوي ( رؤ 2 :20 ) .
خامساً - الغنوسية بعد العصر الرسولي :
بدأت الغنوسية تأخذ صورتها الرسمية في نهاية القرن الأول . ويعتبر سيمون الساحر أحد مؤسسيها ( أع 8 :9 -24 ) ، فقد كان معلماً دينياً بين السامريين . بل لقد تطورت أفكارهم عنه حتى قالوا إن سيمون هو المُعْلِن السماوي وكانوا يجمعون بينه دائماً وبين رفيقته هيلين التي كانت تجسد عندهم الحكمة . وقد قال آباء الكنسية عن سيمون إنه أب كل هرطقة .
وكان كيرنثوس ( Cerinthus ) أحد أوائل الغنوسيين . ويقول التقليد إنه كان معاصراً للرسول يوحنا ، وكان يعتقد أن المسيح ( الروح ) حل على الإنسان يسوع عند معموديته ، وفارقه قبل الصليب .
وفى القرن الثانى أخذت الغنوسية صورتها الكاملة ، وتشكلت منها جملة مدارس كبرى ، وكانت أبرز هذه المدارس مدرسة فالنتينوس ( Valentinus ) الذي تعلم في الإسكندرية ، ثم جاء إلى روما ( نحو 136م ) ، وهناك اعتنق المسيحية . ويجمع إنجيل الحق الذي كتبه فالنتينوس بين إنجيل يوحنا والفكر الغنوسي في القرن الثاني ، ولكن الكتابات اللاحقة انحرفت كثيرا عن هذه المبادئ ، وتحول الفالنتيون إلى نظام أسطوري ، ونادت المدرسة الفالنتينية بدعوى الخلافة الرسولية ، وادعوا أن ثيوداس أستاذ فالنتينوس كان تلميذاً للرسول بولس . فقد نحوا إلى الأسلوب المجازي في تفسيرهم لإنجيل يوحنا .
وكان باسيليدس ( Basilides ) معاصراً لفانيتينوس وقد علًّم في الإسكندرية وفي روما ، وقد اشتط في أسلوبه الفلسفي كما انتحى ناحية أكثر أسطورية .
ويعتقد بعض العلماء أن ماركيون ( Marcionn ) كان غنوسياً. وكان من بنتس ، واشتهر في روما كمعلم ومصلح أخلاقي ، ولكنه مثل الغنوسيين ميز بين الآب المحب المجهول (إله يسوع ) ، وبين الله الخالق ( الديميرج ) صاحب العدالة الجامدة ، وقال إنه يهوه العهد القديم . ولكى يؤيد تعليمه ، جرَّد العهد الجديد من كل أثر لليهودية ( وكان قد رفض من قبل العهد القديم ) ولم يعترف إلا بإنجيل لوقا وعشر رسائل لبولس . كما أنه علَّم - مثل الغنوسيين - بالتقشف الشديد ، ولكنه اختلف عنهم في تأكيدهم على اللاهوت الفطري للنفس الداخلية وأفكارهم الأسطورية .
وقد ضعفت الغنوسية بسرعة فى القرن الثالث أمام الهجمات المسيحية على أفكارهم الأسطورية ، ولكن القرن الرابع شهد نهضة كانت تنادي بفكر ثنائي استطاع أن يجذب إليه الكثيرين بما فيهم الشاب أوغسطينوس ومع أن المانية اعتنقت بعض الأفكار الغنوسية ( مثل الحكمة المقصورة على عدد محدود من الناس ) ، إلا أنها أدمجتها في نظام ديني مفكك ، فقد كانت الغنوسية قد ماتت وانتهت .
سادساً - تقييمها :
كانت الغنوسية في بداية أمرها ، تهدد باكتساح العقيدة المسيحية بهذه الأساطير الجذابة الذاتية الراديكالية . وقد خرجت الكنيسة من تلك الأزمة بتشكيلات متطورة من السلطة ( الأسقفية والقوانين الكنسية ) ، وبدأت في تفسير الكتاب ووضع اللاهوت النظامي . كما أن الكنيسة برفضها الغنوسية ، أكدت الوحدة بين العهدين القديم والجديد ، وبين الخالق والفادي . كما أكدت أولوية المحبة ، وأجابت على الأسئلة الغنوسية : من نحن ؟ وماذا أصبحنا ؟ وإلى أين نسرع الخطى ؟ .
هي حركة دينية صوفية ظهرت في القرون الثلاثة الأولى بعد الميلاد ، ويرجع اسمها إلى وسيلة الخلاص عند أصحابها . فالغنوسى يخلص بامتلاك معرفة خاصة ( وهي في اليونانية غنوسي - Gnosis ) .
والغنوسية في صورتها الكاملة برزت في القرنين الثاني والثالث ، وإن كان بعض العلماء يطلقون هذا الاسم أيضاً على بعض النزعات الغنوسية في القرن الأول . وليس ثمة دليل قاطع على وجود حركة غنوسية قبل العصر المسيحي .
أولاً - مصادر تاريخهم :
إن معرفتنا بهذه الحركة يرجع أساساً إلى كتابات آباء الكنيسة ضدها ، وبخاصة إيريناوس ( Irenaeus ) في كتابه ضد الهراطقة ، وهيبوليتوس Hippolytes ) ) فى كتابه تفنيد الهراطقة ، وترتليان ( Tertullian ) في كتابه ضد الماركونية ، وكليمندس السكندري في متنوعات ، وأوريجانوس (Origen ) قى شرحه إنجيل يوحنا .
ولم تصلنا من كتابات الغنوسيين أنفسهم إلا القليل جداً قبل القرن العشرين ، ولكن حدث في 1946 أن اكتشفت مكتبة كبيرة من ثلاث عشرة مخطوطة قبطية بالقرب من مدينة نجع حمادى في صعيد مصر ، تجمع ما بين كتابات مسيحية وكتابات غنوسية ، مع جزء صغير من جمهورية أفلاطون وتشمل مجموعات من الأحاديث والصلوات والحوارات والتأملات والرسائل والرؤى والمواعظ . ومع أن للبعض منها عناوين ، مثل : أعمال الرسل ، وأناجيل ، لكنها ليست من نوع الأناجيل أو أعمال الرسل القانونية .
ثانياً - عقائدهم:
إن أسا س التعليم الغنوسي ، هو الوجودية الثنائية ، من الله ، المحبة ، الأسمى الفائق الوصف ، والعالم المادى الذى يعتبر شرا، أو على الأقل محايداً . ويوجد بين الله والمادة عدد ضخم من القوى الروحية ، يسمونها في مجموعها ملء الله ( بليروما - Pleroma ) ، ومن أدنى درجاتها يجيء الخالق ( الديميرج -Demiurge ) الذي هو يهوه العهد القديم . ويربطون بين القوى الروحية الساقطة وبين الأجرام السماوية باعتبار أنها هي التي تسيطر على العالم الآن .
ويمتلك بعض البشر ( أي الغنوسيين ) شرارة إلهية ، نفساً داخلية ، تختلف عن النفس البشرية ، ورغم أنها مسجونة في الجسد ، إلا أن مسكنها الحقيقي هو البليروما ( الملء ) ، إذ يدركون حالتهم عن طريق وساطة هذه المعرفة ( Gnosis) ، وهي ليست معرفة عقلية ، لكنها معرفة أسطورية برؤية حقيقية وسمع حقيقي .
والفداء عند الغنوسيين لا يتوقف أساساً على الله ، بل على فهم الفرد لذاته ، وما ينتج عن ذلك من حرية .
ثالثا - الجذور :
لقد استعارت الغنوسية الكثير من تقاليد العالم الهللينى . ومع أن العلاقة الدقيقة بين هذه المنابع ما زالت غامضة ، إلا أنه يمكن تمييز أربعة مصادر .
( أ ) الفلسفة الأفلاطونية : فالغنوسية مدينة بالكثير للفلسفة اليونانية الكلاسيكية وبخاصة الأفلاطونية الوسيطة . ومن أبرز هذه الأفكار أن النفس شرارة إلهية مسجونة فى الجسد ، وأن الخليقة من عمل ديميرج منشق ، والثنائية بين الروح والمادة ، ومعرفة الواحد ( أي الله ) التي تأتي بالحدس عن طريق الإعلان الذي كثيراً ما يكون سَّراً . وتوجد تعاليم مشابهة فيما يسمى بالكتابات السحرية وهي مجموعة من الكتابات الأسطورية اليونانية واللاتينية تنسب إلى هرمس ترسمجستوس وتبدو أهمية أفلاطون عند الغنوسيين ، في وجود جمهورية أفلاطون بين مخطوطات نجع حمادى .
(ب) الديانات الشرقية : إن علوم الكون عند الغنوسيين مشتقة أساساً من ديانة الفرس وبلاد بين النهرين ، فقد أصبحت الوجودية الثنائية في ديانة زرادشت هي محك الفكر الغنوسى ، وعليه فهناك قوتان كونيتان تتنازعان العالم المادي ، هما : أهوراماذدا قوة الخير والنور ، وملائكته ، و أهريمان الروح الشريرة أو قوة الظلمة ، وشياطينه . وجمعوا بين بعض هذه القوات ( وبخاصة قوات أهريمان ) وبين الأجرام السماوية كما فعل البابليون . وقد لاحظ بعض العلماء التشابه الموجود بين هذه المعتقدات والأسرار الميثراتية الفارسية التي كانت تعتقد بصعود النفس عن طريق الكواكب لتتحد مرة أخرى بالله .
( جـ) اليهودية : كان لليهود في القرن الأول الميلادي ، أثر واضح في الغنوسية الناشئة ، فالكتابات الرؤيوية ولفائف البحر الميت ، يبدو فيها تشابهات واضحة مع الأفكار الغنوسية اللاحقة . فجميعها تتميز بثنائية قوية ( مثلا : نور وظلمة ، العالم الآتي والعصر الحاضر الشرير ) ، وجميعها تشدد على أهمية المعرفة . ففي مخطوطات قمران كان سمع أشياء عميقة مقصوراً على فئة محدودة. وفي الكتابات الرؤيوية نجد الأحاديث الإعلانية والرؤى تكشف خلاص الله .
وفي الاسكندرية خلع فيلو ( Philo Judaeus ) ثوباً يونانياً على اليهودية ، ففي سلسلة من الكتابات للأمم ، جمع بين العهد القديم والفلسفة اليونانية بتفسير مجازي ، يجد أموراً أسطورية وفلسفية تحت الروايات الحرفية . وقد تبنَّى هذه الطريقة ، بصورة واسعة ، المسيحيون والغنوسيون . وأعظم ما ساهم به فيلو هو مطابقته بين لوجوس الفلسفة وبين الحكمة الكتابية ( فى أمثال 8 ) كالوسط بين الله الفائق السمو ، وبين كون يمتليء بالشر .
كما استعارت الغنوسية كثيراً من مواضيع وأسماء من سفر التكوين ، وبالأسلوب المجازي الغنوسى جدلتها معاً ، فمثلاً لم يعد السقوط يشير إلى حادث بشري ، بل إلى سقوط صوفيا ( الحكمة ، أي حواء ) من اللاهوت .
(د) المسيحية : يزداد عدد العلماء الذين يعتقدون أن المسيحية بإعلانها عن مخلص إلهي ، كانت عاملاً مساعداً للحركة الغنوسية . وقد نسب كثيرون من الغنوسيين تعليمهم إلى المسيح والتعليم السري الذي أعلنه لتلاميذه ضمنياً ، بعد القيامة . فالغنوسية تقدم مخلصاً بدون التجسد ( المسيح - الروح ) ، يمنح المعرفة عوضاً عن الدعوة للإيمان ( قارن هذا مع مرقس 12 :14 ،غل 2 :16 ) .
رابعاً - الغنوسية في زمن العهد الجديد :
عندما قويت الحركة الغنوسية في النصف الأخير من القرن الأول الميلادي ، وجدت الكنيسة نفسها تواجه بصورة متزايدة تعاليم كاذبة مصبوغة بألوان من الغنوسية .
فالرسول بولس واجه بيئات سادتها بعض العناصر المكوِّنة للغنوسية ، فهو يخاطب مقاومين في كورنثوس منتفخين بالعلم ( 1كو 8: 1 ) يؤكدون على الحكمة القاصرة على عدد محدود ، ظانين أنفسهم بالغين ، وعليه فهم جماعة الصفوة الممتازة (1 كو 2: 6)، فيؤكد لهم بولس أن المحبة هي التي تبني وليس العلم ( 8 :1 ،13 :8 ) ، وهى ليست الحكمة السرية ، بل جهالة الصليب ( 1 :18 ،2 :7 و8 ) ، ليس الانتماء إلى الصفوة الممتازة بل فكر المسيح (1 كو 2 :16 ،في 2 :5-11 ) ويكتب الرسول بولس إلى الكنيسة في كولوسي ضد تعليم خلط الفكر الهيليني ببعض اليهودية ، وجعل منها غنوسية بدائية ، وكان هذا التعليم يقول بأن المسيح إنما هو جزء من بليروما الله ( ملء الله ) ، لذلك يشدد الرسول بولس على أن المسيح هو صورة الله وسيد كل القوى الروحية ( كو1 :15 ) ، وأن فيه يحل كل ملء اللاهوت جسدياً ( كو 2 :9 ، انظر أيضا 1 :19 ) . ولأن الهرطقة كانت تنادى بالتقشف ( كو 2 :21 - ولا تمس ولا تذق ولا تجس ) ، فإن الرسول بولس نادى بقوة المسيح المحررة ( 2 :11 -15 ،3 :10 ) .
وتقدم لنا الرسائل الرعوية صورة من أوضح الصور لما تطورت إليه الغنوسية . ففي الرسالة الأولى لتيموثاوس ، يشجب المعلمين الذين يتعللون بمباحثات ومماحكات الكلام ، التي منها يحصل الحسد والخصام والافتراء والظنون الردية ( 1 تي 6 :4 ) ، الذين بالعلم (gnosis) الكاذب ( 1تى 6 :20 ) الذي يتناول خرافات وأنساب لا حد لها تسبِّب مباحثات دون بنيان الله الذي في الإيمان ( 1تي 1 :4 ،4 :7 ، تى 1 :14 ) . كما كانوا ينادون بقيامة روحية قائلين إن القيامة قد صارت ( 2تي 2 : 18 ) . وكان كل ذلك مصحوبا بدعوة للتقشف في الطعام ( 1تى 4 :3 ) ، مانعين عن الزواج ( 1 تي 4 :3 ، انظر أيضا 1 تي 2 :15 ،5 : 14 ، تي 2 :4 ) .
وفى رسالة يوحنا الرسول الأولى ، يشجب الرسول بشدة مثل هذه المعتقدات ، فقد أخذ المعلمون الكذبة أقواله عن النور والظلمة ( 1يوو 1 :5 و6 ) ، والله والشرير ( 5 :19 ) على أنها ثنائية وجودية ، وهكذا استعاضوا عن التجسد بمسيح روحى تماماً ( 1 يو 4 :2 ) فأنكروا مجيئه في الجسد . واستعاضوا عن الإيمان بالمعرفة ( 1يو 3 :23 ، 5 :20 ) ، وادعو بلوغهم درجة روحية عالية _( في النور بلا خطية -1 :7و8 ) ، بدون ارتباط بالكفارة ( 2 :2 ، 5 :6 -10 ) . كما كانوا يفصلون ( كما حدث فى كورنثوس ) بين الروحانية والسلوك الأخلاقي ( 1 يو :3و10 و11 ) ، منكرين إله المحبة المعلن فى المسيح يسوع ( 1يو 4 :8 ) ، ففيهم روح ضد المسيح ( 1 يو 4 :3 ) ، فهم مضلون 00 لا يعترفون بيسوع المسيح آتياً فى الجسد ( 2 يو 7 ) .
ويعتقد بعض العلماء أن النقولايين كانوا من باكورات الغنوسية ، فقد كانوا يفخرون بأنهم يعرفون الأعماق وهي مصطلح غنوسي ( رؤ 2 :6و15 و24 ) . ويجب على المؤمنين أن يقفوا صامدين أمام هذه التجربة من الزنا الروحي والفجور الدنيوي ( رؤ 2 :20 ) .
خامساً - الغنوسية بعد العصر الرسولي :
بدأت الغنوسية تأخذ صورتها الرسمية في نهاية القرن الأول . ويعتبر سيمون الساحر أحد مؤسسيها ( أع 8 :9 -24 ) ، فقد كان معلماً دينياً بين السامريين . بل لقد تطورت أفكارهم عنه حتى قالوا إن سيمون هو المُعْلِن السماوي وكانوا يجمعون بينه دائماً وبين رفيقته هيلين التي كانت تجسد عندهم الحكمة . وقد قال آباء الكنسية عن سيمون إنه أب كل هرطقة .
وكان كيرنثوس ( Cerinthus ) أحد أوائل الغنوسيين . ويقول التقليد إنه كان معاصراً للرسول يوحنا ، وكان يعتقد أن المسيح ( الروح ) حل على الإنسان يسوع عند معموديته ، وفارقه قبل الصليب .
وفى القرن الثانى أخذت الغنوسية صورتها الكاملة ، وتشكلت منها جملة مدارس كبرى ، وكانت أبرز هذه المدارس مدرسة فالنتينوس ( Valentinus ) الذي تعلم في الإسكندرية ، ثم جاء إلى روما ( نحو 136م ) ، وهناك اعتنق المسيحية . ويجمع إنجيل الحق الذي كتبه فالنتينوس بين إنجيل يوحنا والفكر الغنوسي في القرن الثاني ، ولكن الكتابات اللاحقة انحرفت كثيرا عن هذه المبادئ ، وتحول الفالنتيون إلى نظام أسطوري ، ونادت المدرسة الفالنتينية بدعوى الخلافة الرسولية ، وادعوا أن ثيوداس أستاذ فالنتينوس كان تلميذاً للرسول بولس . فقد نحوا إلى الأسلوب المجازي في تفسيرهم لإنجيل يوحنا .
وكان باسيليدس ( Basilides ) معاصراً لفانيتينوس وقد علًّم في الإسكندرية وفي روما ، وقد اشتط في أسلوبه الفلسفي كما انتحى ناحية أكثر أسطورية .
ويعتقد بعض العلماء أن ماركيون ( Marcionn ) كان غنوسياً. وكان من بنتس ، واشتهر في روما كمعلم ومصلح أخلاقي ، ولكنه مثل الغنوسيين ميز بين الآب المحب المجهول (إله يسوع ) ، وبين الله الخالق ( الديميرج ) صاحب العدالة الجامدة ، وقال إنه يهوه العهد القديم . ولكى يؤيد تعليمه ، جرَّد العهد الجديد من كل أثر لليهودية ( وكان قد رفض من قبل العهد القديم ) ولم يعترف إلا بإنجيل لوقا وعشر رسائل لبولس . كما أنه علَّم - مثل الغنوسيين - بالتقشف الشديد ، ولكنه اختلف عنهم في تأكيدهم على اللاهوت الفطري للنفس الداخلية وأفكارهم الأسطورية .
وقد ضعفت الغنوسية بسرعة فى القرن الثالث أمام الهجمات المسيحية على أفكارهم الأسطورية ، ولكن القرن الرابع شهد نهضة كانت تنادي بفكر ثنائي استطاع أن يجذب إليه الكثيرين بما فيهم الشاب أوغسطينوس ومع أن المانية اعتنقت بعض الأفكار الغنوسية ( مثل الحكمة المقصورة على عدد محدود من الناس ) ، إلا أنها أدمجتها في نظام ديني مفكك ، فقد كانت الغنوسية قد ماتت وانتهت .
سادساً - تقييمها :
كانت الغنوسية في بداية أمرها ، تهدد باكتساح العقيدة المسيحية بهذه الأساطير الجذابة الذاتية الراديكالية . وقد خرجت الكنيسة من تلك الأزمة بتشكيلات متطورة من السلطة ( الأسقفية والقوانين الكنسية ) ، وبدأت في تفسير الكتاب ووضع اللاهوت النظامي . كما أن الكنيسة برفضها الغنوسية ، أكدت الوحدة بين العهدين القديم والجديد ، وبين الخالق والفادي . كما أكدت أولوية المحبة ، وأجابت على الأسئلة الغنوسية : من نحن ؟ وماذا أصبحنا ؟ وإلى أين نسرع الخطى ؟ .
اقتراحات موسوعية أخرى
مكابي
مكابي - مكابيون
المكابي هو اللقب الذى اشتهر به يهوذا أحد الأنبياء الخمسة لمتتيا كاهن مودين ، ورأس ا...
ميشخ
ميشخ
الاسم البابلي الذي أعطاه رئيس الخصيان لميشائيل أحد رفقاء دانيال في بابل.
ارام دمشق
أرام دمشق
أو سورية دمشق ، وقد حاربها داود وانتصر عليها ( 2 صم 8 : 5 و 6 ) .
ذريرة
ذريرة ـ قصب الذريرة
قصب الذريرة نبات عشبي من العائلة النجيلية، يعرف علمياً باسم كلامس أروماتكس (Ca...
ثروة
ثروة
الثروة هي الكثرة والوفرة من الناس والمال، مما يخلد معه الناس إلى الاطمئنان ( ارميا 49 : 31 ). و...
غلفة
غُلفة - أغلف - غلفاء
( 1 ) الأغلف هو الأغرل أي غير المختون ، فالغفلة هي القلفة والغرلة ، أنظر غرلة...