كلمة منفعة
الرجل النبيل، لا يبني راحته على تعب الآخرين.بل النبيل هو الذي يضحي براحته، لكي يريح غيره.
— راحتك وراحة غيرك

طوفان

طوفان
حجم الخط
طوفان
الطوفان هو الفيضان العظيم . وكان الطوفان الذي حدث في أيام نوح هو أعظم ضربة انزلها الله القدوس بهذا العالم . وقد حدث ذلك لأن الله رأي أن شر الإنسان قد كثر في الأرض، وأن كل تصور وأفكار قلبه إنما هي شرير كل يوم (تك 6: 5).
وقد شغلت حادثة الطوفان من سفر التكوين (الإصحاحات ( 6-11)أكثر مما شغلت أحداث الخليقة وسقوط الإنسان . وقد أشير إلي هذه الحادثة مراراً في العهد القديم ( مز 104: 6-9، أش 54 :9، ويحتمل أيضا في أيوب 12: 15)، وفي العهد الجديد ( مت 24: 38, 39، لو 17 :27، عب 11: 7، 1بط 3: 20، 2 بط 2 :5، 3: 3-7) .
أولاً - الترتيب الزمني للأحداث :
أنذر الله الناس بالطوفان قبل حدوثه بمائة وعشرين سنة ، حين أمر نوحاً أن يبني فلكاً عظيماً ( تك 6: 3, 14، 1 بط 3: 20 ). وعندما بدأ الطوفان ، كانت أربعون يوماً كافية بأن تجعل مياه الطوفان تبلغ أقصي ارتفاعها حتي غطت كل الجبال (تك 7: 17-20) ، وظلت هكذا طيلة مائة وخمسين يوماً ( تك 7: 24) . ثم أخذت المياه في النقصان حتي استقر الفلك في الشهر السابع في اليوم السابع من الشهر علي جبل أراراط ( تك 8: 4) . وفي اليوم العاشر من الشهر العاشر ، أي بعد أربعة وتسعين يوماً أخري ظهرت رؤوس الجبال ( تك 8 :5) . وبعد ذلك بأربعين يوماً ، أرسل نوح الغراب فلم يعد إليه ، ثم أرسل الحمامة ثلاث مرات ، بين كل مرة والأخرى سبعة أيام . وقد عادت إليه في المرة الثانية وفي فمها غصن زيتون خضراء في فمها ، فعلم نوح أن المياه قد قلت عن الأرض .فلما أرسلها للمرة الثالثة بعد سبعة أيام أخري ، لم تعد إليه ( تك 8: 6-12).
وفي أول يوم من السنة الجديدة ( أي السنة الواحدة والست مائة من حياة نوح )كشف نوح الغطاء عن الفلك . وبعد ذلك بسبعة وخمسين يوماً ( في اليوم السابع والعشرين من الشهر الثاني ) جفت الأرض تماماً ، فأمره الرب بالخروج من الفلك هو وكل من معه ( تك 8 :13-18)، فكانت كل المدة التي استغرقها الطوفان ، والتي مكثها نوح وعائلته في الفلك 371 يوماً (تك 7: 10، 8: 14).
ثانياً -الامتداد الجغرافي للطوفان :
هناك قدر كبير من المعلومات في قصة الطوفان في سفر التكوين لتحديد الامتداد الجغرافي للطوفان . ويجب علي دارس الكتاب أن يضع هذه المعلومات في المقام الأول -رغم العديد من النظريات الحديثة -للوصول غلي إجابة علي تساؤل الكثيرين عما إذا كان الطوفان قد شمل كل العالم أو منطقه معينه منه . ففي ضوء ما جاء بسفر التكوين عن الطوفان ، نستطيع الجزم بأنه كان طوفاً شاملاً للأسباب الآتية .
(1) نقرأفي القصة الكتابية : وتعاظمت المياه كثيراً جداً علي الأرض ، فتغطت جميع الجبال الشامخة التي تحت كل السماء (تك 7: 19) . بل لو ذكر أن المياه غطت جبلاً واحداً من الجبال الشامخة - وليس جميعها - لكان معني ذلك أن المياه قد غطت كل الأرض لأن المياه لابد أن تكون علي مستوي واحد ، في مثل هذه الحالة من الارتفاع .
(2) بعض الطوفانات المدمرة التي سجلها التاريخ ، حدثت وانتهت في بضعة أيام ، أما طوفان نوح فقد استمر لأكثر من سنة ، بل استلزم الأمر مرور سبعة شهور حتي تتناقص المياه علي سطح الأرض ، بما يسمح لنوح وأسرته بالخروج من الفلك علي جبل أراراط ( تك 8: 4) .
(3) ونقرأ أن الطوفان بدأ بانفجار كل ينابيع الغمر العظيم .، وانفتحت طاقات السماء . وكان المطر علي الأرض أربعين يوماً وأربعين ليلة ( تك 7: 11, 12)، كما نقرأ :وتعاظمت المياه علي الأرض مائة وخمسين يوماً ( تك 7: 24) ، أي أن المياه ظلت متراكمة علي الأرض خمسة شهور ، وحيث أن الغمر العظيم يشير إلي المياه المتجمعة في المحيطات ( انظر تك 1: 2) ، فلا يمكن أن ذلك الطوفان كان مجرد كارثة محلية .
(4) باعتبار أن الذراع يعادل 17.5 بوصة ، فإن مساحة الطبقات الثلاث في الفلك تبلغ نحو 95.700 قدم مربع ،ويبلغ حجمه نحو 1.396.000 قدم مكعب ، تصل حمولته ( باعتبار أن الطن -عادة - يلزمه نحو 100 قدم مكعب ) إلي نحو 13.960 طنا ، فيبدو من غير المعقول أن يأمر الله نوحاً أن يبني فلكاً بهذه الضخامة للنجاة من طوفان محلي .
(5) مما يستدعي الانتباه ، أنه لو كان الطوفان طوفاناً محلياً - محصوراً في منطقة بعينها - لما كانت هناك حاجة أبداً لبناء الفلك ، بل كان يكفي ان ينتقل نوحاً وعائلته -ناهيك عن الحيوانات -إلي منطقة أخري لا يصل إليها الطوفان ولكن أن الله أمره ببناء الفلك ليكون ملاذاً له ولعائلته ولكل ممثلي الحيوانات البرية في العالم ، دليل واضح حاسم علي أن الطوفان كان عاماً شاملاً لكل العالم ،إذ لا يمكن الزعم بأن طوفاناً محلياً ،كان يمكن أن يقضي علي كل الحيوانات البرية .
(6) لا يتفق مفهوم الطوفان المحلي المحدود مع العبارات الواضحة الموحي بها من الله للرسول بطرس من أن الموات كانت منذ القديم والأرض بكلمة الله قائمة من الماء وبالماء ، التي بهن العالم الكائن حينئذ فاض عليه الماء فهلك . وأما السماوات والأرض الكائنة الآن فهي مخزونة بتلك الكلمة عينها ، محفوظة للنار إلي يوم الدين وهلاك الناس الفجار ( 2 بط 3: 2-7).فالطوفان كان السبب في الانتقال من السماوات التي كانت منذ القديم والأرض إلي السماوات والأرض الكائنة الآن . لق كان الطوفان هو الجواب الحاسم القاطع الذي رد به الرسول بطرس علي المستهزئين السادرين في عنادهم وتجاهام ان الله في وقت سابق قد أعلن غضبه المقدس وسخطه علي الخطية بإهلاك العلم الكائن حينئذ باعتبار ذلك صورة لما سيحدث في يوم الدينونة النهائية الرهيب ، الذي فيه تزول السماوات بضجيج ، وتنحل العناصر محترقة ، وتحترق الأرض والمصنوعات التي فيها ( 2 بط 3: 10).فالرسول يتكلم هنا عن الطوفان بأنه كان كارثة شاملة لكل العالم .
(7) يذكر الكتاب بكل وضوح وتأكيد أن جميع الناس خارج الفلك قد هلكوا بالطوفان ( مت 24 :37 -39 ، لو 17: 26 ,27، 1بط 3: 20، 2بط 2: 5، كما هو مبين في الأصحاحين السادس والسابع من سفر التكوين ) . ومن المستحيل افتراض ان الجنس البشري ،لم يكن له وجود إلا في بلاد بين النهرين ( كما يزعم الذين يقولون بأنه كان طوفاناً محلياً) في الستة عشر قرناً أو أكثر ، التي كانت قد مضت ما بين آدم والطوفان وذلك لثلاثة أسباب علي الأقل :
(أ‌) أن أعمار الناس قبل الطوفان كانت طويلة جداً ، والخصوبة عالية ، فلابد أن كانت الزيادة كبيرة في أعداد الناس .
(ب‌) إن الشرور والمنازعات كانت تعمل علي تشتت الناس وتفرقهم ، وليس علي تجمعهم في منطقة واحدة .
( ج) إن انتشار الحفريات البشرية في أجزاء متفرقة من العالم ، يجعل من العسير افتراض أن الإنسان لم يغادر منطقة الشرق الوسط قبل عصر الطوفان ، مما يتحتم معه القول بأن الطوفان كان شاملاً لكل العالم لهلاك الناس الأشرار الذين كانوا - ولابد -منتشرين في كل العالم .
ومن العجيب أنه - لوضوح شهادة الكتاب المقدس عن أن الطوفان كان طوفاناً عاماً - لم يقل أبداً شارح للكتاب المقدس - سواء من اليهود |أو من المسيحيين ، قبل 1655 م - بأن الطوفان كان طوفاناً محلياً . كما أنه منذ ذلك التاريخ ، لم تجد هذه الفكرة لها أنصاراً إلا من قله من العلماء ، بعد ظهور علم الجيولوجيا الحديث في منتصف القرن التاسع عشر وما أسفر عنه من كشوف ( انظر البند رابعاً من هذا البحث ) .
ثالثاً - مصادر مياه الطوفان :
نقرأ في سفر التكوين ( 7: 11) أنه عندما بدأ الطوفان انفجرت كل ينابيع الغمر العظيم ،وانفتحت طاقات السماء . من ذلك يمكننا أن نفترض أنه حدث - من ناحية -جيشان في أعماق المحيطات جعل مياهها تفيض وتغطي اليابسة ، ومن الناحية الأخرى ، وهطل علي الأرض بخار الماء الذي كان مخزوناً فوق الجلد منذ اليوم الثاني من الخليقة ( تك 1 :6-8) .فمن المعلوم أنه لو أن كل الماء الموجود في الجو الآن هطل علي الأرض فجاه ، فإنه لن يكفي لتغطية الأرض كلها إلا بما يقل عن بوصتين ارتفاعا ، ومن ثم فإن سقوط المطر المستمر طوال أربعين يوماً واربعين ليلة ( أي نحو 1000 ساعة ) علي الأرض ، كان يستلزم وجود مصدر للماء أكثر جداً مما هو متاح في الجو الآن .
ولا جدال في أن الأحوال المناخية قبل الطوفان كانت جد مختلفة عنها الان ، كما يتبين لنا ذلك من الإشارات الكتابية إلي المياه فوق الجلد (تك 1: 7)، ولان الرب الإله لم يكن قد أمطر علي الأرض ( تك 2: 5) ، وظهور قوس قزح لأول مرة بعد الطوفان وضعت قوسي في السحاب ، فتكون علامة ميثاق بيني وبين الأرض ( تك 9: 13 ) . ولا شك في أن وجود غطاء من بخار الماء بهذه الضخامة ، كان يجعل من الأرض صوبة زراعية ، وينشر الدفء حتي في المناطق القطبية . كما أن وجود رواسب ضخمة من الفحم ، وبقايا حيوانات استوائية في المناطق القطبية ، يدل دلالة واضحة علي حدوث تغير فجائي في المناخ بالنسبة لكل الكرة الأرضية .
وقد اكتشف العلماء مؤخراً طبقة عليا في الجو تسمي المزوسفير mesosphere)) ترتفع ما بين 25-50 ميلاً فوق سطح البحر، ترتفع فيها الحرارة إلي ما فوق 50 درجة فهرنهيت ، ويمكن أن تحمل هذه الطبقة ملاءة بالغة الضخامة من بخار الماء . فعندما أزفت ساعة الدينونة ، أمر الله فهطل هذا المحيط الأعلى علي الأرض في شكل سيول من المطر ، استمرت بلا انقطاع نحو ستة أسابيع .
رابعاً - الطوفان وعلم الجيولوجيا :
إن طوفاناً عاماً غطي كل الجبال في خلال ستة أسابيع ، وظل علي هذا المستوي من الارتفاع نحو ستة عشرة أسبوعاً ، ثم ظل ينحسر علي مدي 31 أسبوعاً أخري ، لابد أنه بالضرورة - قد ترك آثاراً جيولوجية ضخمة في القشرة الأرضية :
(1) لابد أنه قد حدث فيها تآكل شديد في جهات ، وترسيب في جهات أخري . فالارتفاع السريع في مستوي سطح الماء في أربعين يوماً ، لابد قد أحدث تيارات شديدة تحمل كميات ضخمة من الرواسب . ويقول الكتاب إنه عندما بدأ الطوفان في الانحسار رجعت المياه رجوعاً متوالياً ( تك 8: 3)فلأبد ان توازن القشرة الرضية فيما سبق - مهما كان نوعه - قد تعرض لتغيرات شديدة بفعل الحركات المعقدة لهذه الكمية بالغة الضخامة من المياه ، علاوة علي ما سببه هطول السيول الغزيرة من المطار وما صاحبها من عواصف عاتية ودوامات عنيفة ، وتيارات متقلبة ، وغيرها من الظواهر الهيدروليكية . ولابد أن حدثت ظواهر جيولوجية كثيرة بعد ان انحسر الطوفان وتجمعت المياه في أحواض وبحار جديدة ، فاستقرت الأرض علي توازنات جديدة .
(2) حيث أنه بالطوفان محا الله كل قائم علي وجه الأرض ( تك 7: 23 ) ، وفي ضوء تحرك الكتل الضخمة من الرواسب جيئة وذهاباً مع تحركات المياه ، ثم رسوبها أخيراً ( وقد قال الله أنا ملكهم مع الأرض ( تك 6 :13)، فلأبد أن عدداً كبيراً من النباتات والحيوانات قد دفنته تلك الرواسب ، وفي ظروف مواتية لحفظها علي شكل حفريات . فغالبية الحفريات التي تكتشف الآن أسفل الصخور الرسوبية ، لابد أنها دفنت فيها في زمن الطوفان .
(3) وأخيراً، نستطيع أن نقول ، إنه مع ما يسجله الكتاب المقدس عن الطوفان ،أصبح من المستحيل معرفة تاريخ الأرض الجيولوجي قبل زمن الطوفان ، فأي رواسب جيولوجية كانت موجودة قبل الطوفان ، لابد أنها تعرضت للتآكل والتحول والتغيير عدة مرات بتأثير الطوفان . فأي ظواهر جيولوجية نستخدمها الآن لتحديد الأزمنة الجيولوجية ،بعد الطوفان ، لا تصلح لقياس الأزمنة قبل الطوفان الذي لابد قد غير معالم القشرة الأرضية ، بل حتى الكربون 14 الذي يستخدم الآن لتحديد الأزمنة ، لا يصلح إلا لتحديد الأزمنة منذ تكوين خزان الكربون 14 في الجو بعد انهيار غطاء البخار الجوي ( المياه التي فوق الجلد )
خامساً- الطوفان قديم العهد :
إن الحفائر الأثرية في الشرق الأوسط ، تعطينا تاريخاً متصلاً له ( مبنياً علي البقايا الفخارية ، ومستويات الآثار السكنية ) منذ اللف الخامسة أو السادسة قبل الميلاد ، ولذلك يبدو من المستحيل تحديد زمن الطوفان داخل هذا الإطار ،كما أن هجرة الإنسان بعد الطوفان إلي نصف الكرة الغربي (وهي هجرة لعلها حدثت عن طريق مضيق بيرنج ) ، وانتشار الناس من أقصي شمالي أمريكا الشمالية إلي أقصي جنوبي أمريكا الجنوبية ، يستلزمان فترة طويلة من الزمن . وهناك دلائل كتابية علي وجود فجوات واسعة بين الأجيال المذكورة في الإصحاح الحادي عشر من سفر التكوين ، مما يسمح لنا بالقول بأن الطوفان قد حدث قبل عصر إبراهيم بزمن طويل جداً .
(1) وأول كل شيء ، لا يذكر الكتاب المقدس مجموع السنين بين الطوفان وإبراهيم ، مثلما يذكر مثلاً - مدة تغرب بني إسرائيل في مصر ( خر 12: 40) ، مع أنه يجمع بين المرحلتين ( العمر قبل الإنجاب وبعده في حياه كل الآباء قبل الطوفان ).
(2) هناك نوع من التناسق بين سلسلتي الأجيال في الإصحاح الخامس من سفر التكوين ، والإصحاح الحادي عشر منه ، ففي كل منهما يذكر عشرة من الأجيال ، والعاشر في كل منهما كان له ثلاثة أولاد من الذكور تذكر أسماؤهم ( وهذا أشبه بما جاء في الإصحاح من إنجيل متي ) .
(3) لو أنه لا توجد فجوات بين الأجيال في الإصحاح الحادي عشر من سفر التكوين ، لكان معني ذلك أن كل الآباء بعد الطوفان بما فيهم نوح نفسه ، كانوا مازالوا علي قيد الحياة عندما كان إبراهيم في الخمسين من عمره ، بل يكون ثلاثة ممن ولدوا قبل انقسام الرض ( عقاباً علي محاولة بناء برج بابل ) ، وهم سام وشالح وعابر ، وقد ظلوا أحياء بعد موت إبراهيم نفسه ، بل إلي ما بعد سنتين من وصول يعقوب إلي فدان أرام عند خاله لابان . ولكن يشوع يذكر أن آباء إبراهيم سكنوا في عبر النهر منذ الدهر وأنهم عبدوا آلهة أخري ( يش 24: 2, 14 ,15) ، مما يعني أن نوحاً وساماً - وغالبية الآباء المذكورين في الإصحاح الحادي عشر من سفر التكوين - كانوا قد ماتوا منذ زمن بعيد.
(4) إن دينونة بابل- كما نفهم من سجل الكتاب المقدس - حدثت قبل عصر إبراهيم بزمن بعيد جداً - فبعدها تبدد الناس علي وجه الأرض ( تك 11: 9) - لأنه عندما جاء إبراهيم إلي كنعان ، وعندما نزل إلي مصر ، وجد حضارة متقدمة في كليهما . ومن الناحية الأخرى يزعم البعض - بناء علي عدم إدراك الفجوات بين الأجيال المذكورة في سفر التكوين - أن الطوفان قد حدث حوالي 2460 ق. م. أي بعد بناء الهرم الأكبر بعدة قرون .
(5) إن كلمة ولد كثيراً ما تدل في لغة الكتاب المقدس - علي معني جاء من نسله . فالمقارنة الدقيقة بين الخروج 6: 20 ، والعدد 3: 17-19 , 27, 28 تدل علي أن عمرام كان جداً لهرون وموسي ، وسبقهم بنحو 300 سنه . كما أن استخدام نفس الكلمة في تك 10: 25 ، والهبوط المفاجئ بين عمر عابر وعمر فالج ( تك 11: 16-19) يحمل علي الظن بوجود فجوة كبيرة بين جيل عابر وجيل فالج .
ومن جانب آخر هناك أدلة قوية تستدعي تحديد زمن الطوفان بعد عام 7000 ق. م. وذلك للأسباب الآتية :
(أ‌) يصبح التوفيق بين التواريخ الكتابية عسيراً ، لو افترضنا أن خمسة آلاف سنة مضت بين الطوفان وإبراهيم . وفي التواريخ الكتابية فجوات تبلغ أحياناً بضعة قرون ، ولكنها لا يمكن أن تصل إلي آلاف السنين .
(ب‌) حيث أن وجود الجنس البشري بعد الطوفان ، كان محدوداً في منطقة واحدة ، فمن غير المحتمل أن تكون الدينونة التي وقعت علي بناه البرج في بابل ، قد حدثت بعد أكثر من ألف سنة بعد الطوفان ، فقد ربط رعو وسروج وناحور بين أيام دينونة بابل في زمن فالج ( انظر تك 10: 25) وأيام تارح ، ولذلك يكون من الصعب تصور مرور أكثر من ثلاثة أو أربعة آلاف سنة بين دينونة بابل ومولد إبراهيم ، أي أكثر من أربعة آلاف أو خمسة آلاف سنة بين الطوفان وإبراهيم .
(ج) إن التشابه الكبير بين قصه الطوفان الكتابية والقصة البابلية ، ينفي احتمال مرور الآلاف العديدة من السنين علي الطوفان ، إذ كان يتعذر علي البابلين أن ينقلوا كل هذه التفاصيل الدقيقة عن تقليد ظلوا يتداو لونه شفاهاً آلافا عديدة من السنين ، بل الأرجح أنها كانت بضعة آلاف معدودة فقط .
والخلاصة أنه يمكن القول بأن الطوفان حدث قبل ميلاد المسيح بنحو ستة أو سبعة آلاف سنة .
سادساً - الاكتشافات الأثرية عن الطوفان :
لقد اكتشفت في المواقع العديد من المدن القديمة ، وبخاصة أور وأرك وكيش ولاجاش ونينوي . طبقات طينية ورسوبية مختلفة في السمك ، يمكن أن ترجع إلي الألف الرابعة أو الثالثة قبل الميلاد ، ولكن الدلائل الاركيولوجية تدل علي أنها لا تعود جميعها إلي زمن واحد ، مما يدل علي انها لم تكن من فعل طوفان عام كالموصوف في سفر التكوين ،بل من فعل فيضانات عالية لنهر الدجلة او نهر الفرات أو لكليهما معاً
ولكن الأهم من ذلك لدراسة القصة الكتابية ،هو وجود قصص عديدة - عند شعوب كثيرة في كل قارات العالم ن بل وفي الجزر النائية في المحيط الهادي - عن هلاك العالم بفعل طوفان عظيم . ولا يمكن أن تنتشر قصص هذا الطوفان في كل بلاد العالم بهذه الصورة ، من قبيل الصدفة ، بل يجب أن يعتبر هذا دليلاً علي تاريخية القصة الكتابية .
ومن أهم هذه القصص عن الطوفان هو ما جاء باللوحة الحادية عشرة من الاثني عشر لوحاً المكتوبة باللغة الأكادية بالخط المسماري عن ملحمة جلجامش ، وقد اكتشفها جورج سميث في 1872 م بين مجموعة كبيرة من الألواح الفخارية التي وردت للمتحف البريطاني نتيجة التنقيب في أطلال قصر أشور بانيبال في نينوي . ففي أثناء تجوال جلجامش بحثاً عن الحياة الخالدة ،تقابل مع أوتنا فشتيم الذي روي له قصة الكارثة الفادحة التي حاقت بالجنس البشري . وكان بطل قصة الطوفان يدعي زيو سودرا في القصة السومرية التي كتبت نحو 2000 ق.م. بعد ان ظلت تنتقل مشافهة عدة قرون قبل ذلك . وهناك وجوه تشابه كثيرة بين أحداث قصة الطوفان الكتابية والقصة الآشورية .
كما توجد أيضاً نقاط خلاف واضحة . وتوجد أيضاً ملحمة بابلية يسمي فيها البطل عترا حازيس (atra -hasis) .
ووجوه التشابه بين القصة الكتابية والقصص الآشورية والبابلية وهي:
أن الطوفان كان عقاباً إلهياً علي شر الإنسان ، بعد إنذار
الإنسان بذلك.
(2) أن الفلك طفا فوق أرض بلاد النهرين .
(3) دخول الحيونات الى الفلك لحفظ النوع . ولكن القصص المسمارية لا تذكر عدد سبعة من الحيوانات الطاهرة .
(4) أرسل البطل طيوراً لمعرفة الحالة فوق سطح الأرض . لكن فى القصة الكتابية أرسل نوح الغراب أولا ثم أرسل الحمامة ثلاث مرات ، أما فى القصص المسماوية ، أرسلت الكمامة أولا ثم الغراب فالعصفور .
(5) قام نوح - فى القصة الكتابية - ببناء مذبح للإله الواحد ، أما فى القصص المسماوية فقد تجمع عدد كبير من الآلهة حول المذبح .
(6) تذكر هذه القصص - كما فى القصة الكتابية - أن الجنس البشرى لن يهلك مرة أخرة بطوفان . أما وجوه الإختلاف فهى :
(1) تتحدث القصص المسماوية عن آلهة عديدين ، بينما القصة الكتابية تعلن الإله الواحد الحقيقى .
(2) تختلف أسماء الأبطال بإختلاف هذه القصص .
(3) مقاييس الفلك المذكورة فى سفر التكوين مقاييس معقولة ، وتتفق مع بناء السفن الآن . أما المقاييس التى تذكرها هذه القصص فغير معقولة ، فهى فى القصة البابلية 140×140×140 ذراعا .
(4) فى القصص المسماوية حدث الطوفان نتيجة صراع بين الآلهة ، وقد نجا الناجون نتيجة خطأ كان سببا فى غضب الإلهة بيل بينما فى القصة الكتابية تتجلى قداسة الله وعدالته ورحمته فى عقابه للأشرار .
(5) تذكر جميعها أن الطوفان جاء من المطر ، لكن الكتاب المقدس يذكر أيضا أنه قد انفجرت كل ينابيع الغمر العظيم . كما تذكر القصة البابلية هيجان البحر والرياح .
(6) تذكر القصة البابلية أن الحيوانات كانت تذبح للأكل ، وأن صاريا قد صنع الفلك ، كما كان له ربان ، وتمت تغشيته بالفضة والذهب .
(7) استغرق الطوفان - فى القصة الكتابية - سنة وسبعة عسر يوما ، أما فى القصة البابلية فقد استغرق أربعة عشر يوما فقط . ويقول أحد العلماء (فيلبى filby ) إنه لاتوجد قصة أخرى عن أحاث العالم القديم ، لها مثل هذا الانتشار بين شعوب العالم ، وكيف أن كل الجنس البشرى قد جاء من مركز واحد ،بل وعائلة واحدة .
وما تذخر به الروايات المختلفة من أساطير ومبالغات وتناقضات ، إنما تبرز دقة ومصدقية وسمو القصة الكتابية .
(أنظر الطوفان و بابل ).