كلمة منفعة
قد تكون ابنًا لله، وخادمًا في الكنيسة، ومواظبًا على أعمال روحية، ومع ذلك فأنت واقع تحت وطأة الحزبية، وخاضع لمشاعرها..!
— الحزبية

شاء

شاء، مشيئة الله
حجم الخط
شاء - مشيئة الله
1- عندما تنسب المشيئة (أو الإرادة) إلي الله فإنها قد تدل علي كل طبيعته الأدبية بما في ذلك صفاته ، والقدرة علي صنع كل ما يشاء (مز 115 : 3 ، دانيال 4 : 35) ، وتنفيذ كل ما سبق أن قصده في نفسه (أف 1 : 9 و 10 ، رؤ 4 : 11) ، وتحقيق كل خططه وأهدافه، فليس هناك من يقاوم مشيئته (أم 21 : 1 ، رو 9 : 19 ، 2 أخ 20 : 6) . والمفروض أن تطيع كل الخلائق العاقلة هذه المشيئة (مت 7 : 21 ، يو 4 : 34 ، 7 : 17) فهذه المشيئة هي علي الدوام صالحة ومرضية وكاملة (رو 12 : 2) .
والمشيئة الإلهية هي العلة الأولي لكل الأشياء ، وهي مطلقة ثابتة غير قابلة للتغيير (مز 33 : 11) ، وغير مشروطة بشيء خارج نفسه ، وكل الأشياء إنما هي نتاج هذه المشيئة ، مثل الخليقة وحفظها (مز 135 : 6 ، إرميا 18 : 6 ، عب 1 : 2 و3 ، رؤ 4 : 11) ، وقيام الحكومات (أم 21 : 1 ، دانيال 4 : 35) ، والاختيار والرفض (رو 9 : 15 و 16 ، أف 1 : 5) ، وموت المسيح (لو 22 : 42 ، أع 2 : 23) ، والخلاص (يع 1 : 18) ، والتقديس (في 2 : 13 ، 1 تس 4 : 3) ، وآلام القديسين (1 بط 3 : 17) ، ووجود الإنسان ومسار حياته ونهايتها (أع 18 : 21 ، رو 15 : 32 ، يع 4 : 15) ، بل وأدق تفاصيل الحياة (مت 10 : 29) .
وحيث أن كل الأشياء ترجع إلي مشيئة الله ، فيجب التمييز بين الجانب الإيجابي والجانب السلبي في مشيئة الله ، أي بين ما يريده الله وما يسمح به .
ومشيئة الله معلنة للناس بطرق متنوعة : بكلمات منطوقة ، أي بكلام مباشر من الله (خر 3 : 14-18 ، أع 1 : 8) ، وبالأحلام والرؤي (تك 41 : 1-32 ، أع 16 : 6-10) ، وبظواهر العالم الطبيعي والأحداث التاريخية (مز 89 : 9 و 10 ، إش 46 : 10 و 11 ، 53 : 10) ، وفي الكتاب المقدس (انظر أع 20 : 27 ، أف 1 : 9 و 10 ، 2 تي 3 : 15-17 ، 1 بط 4 : 17 و 19 ، 2 بط 1 : 21) .
2- ناسوت المسيح ومشيئة الله : في العصور الأولي للكنيسة ، ثار سؤالان عن شخص المسيح : هل للمسيح طبيعة واحدة أم طبيعتان ؟ وكم إرادة له ؟
وقد أسفر السؤال الثاني عن ظهور أصحاب نظرية المشيئة الواحدة علي أساس أن وحدة شخص المسيح تستلزم مشيئة واحدة . وقد كان لهذه الوحدة صورتان ، فنادي البعض بأن المشيئة البشرية اندمجت تماماً فى المشيئة الإلهية ، فأصبحت المشيئة الإلهية هي العاملة . بينما قال آخرون بأنها مشيئة مركبة نتجت عن انصهار المشيئتين في مشيئة واحدة . والذين عارضوا ذلك أطلق عليهم أنصار المشيئتين، وبنوا رأيهم علي أساس أنه حيث أن المسيح كانت له طبيعتان ، فلابد أن كانت له مشيئتان.
وقد تبني المجمع المسكوني السادس الذي انعقد في القسطنطيينة (في 680 م)، بموافقة أسقف روما ، تعليم المشيئتين باعتباره التعليم الأرثوذكسي (القويم) ، ولكنه أضاف إلي ذلك أن مشيئة المسيح الإنسانية يجب أن تُفهم علي أنها كانت خاضعة للمشيئة الإلهية ، فالمشيئة الإنسانية ، بدلاً من أن تصبح أدني قدراً ، سمت وكملت باتحادها بالمشيئة الإلهية فأصبحت المشيئتان تعملان دائماً في توافق كامل.
3- مشيئة الله والخطية : إذا كانت مشيئة الله هي العلة الأولى لكل شئ فى الوجود، أفليست هو إذاً منشئ الخطية ؟ وليس من السهل حل هذه المشكلة تماماً ، ويجب أن يعترف الإنسان بعجزه عن محاولة إدراك طرق الله إدراكاً كاملاً ، وإن كان البعض قد حاولوا تقديم بعض الحلول :
(أ‌) فقد وجد أوغسطينوس أنها مشكلة تستلزم الحل ، فنادي بأن الصلاح منطقياً قد سبق الشر ، وأن الشر هو عدمية بعض الخير ، وعليه فالشر ليس أمراً إيجابياً ، ولكنه عدم الخير.
لقد خلق الله كوناً مادياً ، كان صالحاً ، ولكن الخليقة غير مستقرة ، تحمل في ذاتها إمكانية التغير . وهذا التغير قد يكون في صورة عدمية الخير ، أي الشر . وهذا التفسير وضع أمام أوغسطينوس ، جواباً مزدوجاً للمشكلة المطروحة :
أولاً : أنه لا معني لمساءلة أي شخص عن لا شيء
ثانياً : لقد خلق الله كونا صالحاً ، لم يحمل إمكانية الشر إلا لأنه كان غير مستقر ، وعليه فدخول الشر كان لاحقاً والمسئول عنه هو المخلوق (انظر لو 7 : 30) .
(ب) حاول أتباع أرمنيوس أن يهربوا من المشكلة بالقول بأن مشيئة الله قد سمحت بالخطية بناء علي سبق علمه باختيارات الإنسان ، وهكذا مع أن الأفعال كانت أكيدة ، إلا أن المسئولية تقع علي الإنسان .
(جـ) وجد المصلحون صعوبة كبيرة في حل هذه المشكلة ، فأعلنوا صراحة أن ليس لديهم حل قاطع لها ، وقالوا إن المشورة الإلهية تشمل أفعال الإنسان الخاطئة (انظر أع 2 : 23) ، ولكنهم قالوا إنه يجب فهم ذلك بطريقة تُخلي الله من المسئولية ، وذلك بالتمييز بين ما يريده ويعمله الله ، وما يسمح به الله .
3- مشيئة الله ومشيئة الإنسان : أحد الأسرار المرتبطة بمشيئة الله يدور حول تعليم الكتاب عن سلطان الله المطلق ومسئولية الإنسان . فهل حرية الإنسان تقيد مشيئة الله وتحدها ؟ أم أن كل أفعال الإنسان محددة ، بمعني أن الإنسان ليس إلا آلة ؟ وهي مشكلة تفوق إدراك الإنسان المحدود ، فحيث أن الإنسان لا يستطيع أن يدرك طبيعة علم الله وحكمته والقوانين الإلهية التي تحكم السلوك الإنساني ، فليس في طوق الإنسان أن يدرك كيف أن عملاً يمكن أن تبدو فيه حرية الإنسان ، وفي نفس الوقت هو إرادة الله المحتومة . وليس هناك إنسان يستطيع أن يدرك تماماً أفكار الله وطرقه (انظر أيوب 9 : 10 ، إش 55 : 8-11 ، رومية 11 : 33 ، 1 كو 2 : 9-11).
وعلي أي حال ، فإن مشكلة العلاقة بين الحرية التي يظن الإنسان أنه يمارسها ، وسلطان الله المطلق ، تصبح أخف حدة ، لو أن الحرية فُهمت علي أساس أنها القدرة علي اختيار ما يريده الإنسان أكثر منها القدرة علي اختيار الضد.
4- كيف نعرف مشيئة الله : من أعظم الأمور العملية أمام المؤمن ، هو كيف الله يعرف مشيئة، فالله له خطته لحياة أولاده ، ويريد أن يعلنها لهم (كو 1 : 9 ، عب 13 : 21) . وقبل أن يكتمل إعلان الله في الكتاب المقدس ، كثيراً ما أعلن الله مشيئة بطرق مباشرة (بالصوت المسموع ، بالأحلام ، بالظهور ، بالملائكة ..الخ) ولكن لم يعد هذا متاحاً الآن، أو علي أفضل الحالات أصبح نادراً .
ومع أن طرق معاملات الله فريدة بالنسبة لكل شخص ، إلا أن هناك ستة مباديء تهم الجميع ، وهي بايجاز :
(أ) لابد أن تكون هناك رغبة صادقة لمعرفة مشيئة الله ، واستعداد قلبي لعمل هذه المشيئة (رو 12 : 1 و 2 ، أم 3 : 5 و 6 ، مز 40 : 8 ، 143 : 10 ، يو 7 : 17) .
(ب) مشيئة الله من جهة أي شخص-لابد أن تتفق تماماً مع ما هو معلن في كلمته ، فالله لا يناقض نفسه . والمسيح نفسه تصرف في توافق تام في العهد القديم . وحيث أن الأمر كذلك ، فيتعين علي كل مؤمن أن يمتليء من معرفة كلمة الله (مز 40 : 8 ، يش 1 : 8) .
(جـ) يعلن الله مشيئتة استجابة للصلاة (1 يو 5 : 14 ، كو 1 : 9) .
(د) قد يستخدم الله الظروف لإرشاد المؤمن ، ولكن ليست الظروف في ذاتها مرشداً يعتمد عليه دائماً ، لأن الشيطان يستطيع أن يخلق ظروفاً مواتية لتنفيذ خططه ،بينما قد يقود الله المؤمن إلي أصعب المواقف .
(هـ) يجب أن يعتمد المؤمن علي روح الله الساكن فيه ليقوده من خلال العوامل السابقة (رو 8 : 14 ، غل 5 : 16 و 25 ، 1 يو 2 : 27) .
(و) معرفة مشيئة الله تأتي معها بالسلام للقلب والفكر (في 4 : 6 و 7 ، كو 3 : 15) ، فإذا افتقد المؤمن مثل هذا السلام الأكيد ، فعليه أن يسأل نفسه عما إذا كان قد أدرك حقيقة مشيئة الله له .