كلمة منفعة
إن الله هو الحق. وقد قال عن ذاته (أنا هو الطريق والحق والحياة) (يو 14: 6) وقال أيضًا: (وتعرفون الحق، والحق يحرركم) (يو 8: 32) وقال الكتاب عن الروح القدس أنه (روح الحق) (يو 15: 26).
— أنت.. والحق
مكدونية
مكدونية
حجم الخط
مكدونيــة
أولاً- الشعب والأرض:
لا يتفق علماء الأجناس على أصل الجنس المكدوني، ودرجة قرابتها للجنس الهليني. ولكن هناك تقليد قديم بأنه كان فيهم عنصر هلينـي وعنصر غير هلينـي، ولكنه كان عنصراً آرياً وثيق الصلة بالشعـوب الفريجية وغيرها من الشعوب التراقية. ولكن العنصر الغالب وهو المكدونيون- بالمعنى الضيق- بما فيهم العائلة المالكة التي من المعروف أنها كانت أسرة يونانية، ترجع من خلال التمنديين (Temenids) من أرجيوس إلى الهرقليين ( كما يذكر هيرودوت ) وقد سكنوا في السهول الخصبة حول وادي الهاليـاكمــون ( Haliacmon ) الأسفل ( وادي كراسو
( Karasu )، ووادي أكسيوس ( الوردار ) إلى الشمال والشمال الغربي من خليج رمايك ( Thermaic )، وكانت عاصمتهم أصلاً فى إدسا ( Edessa )، ثم نقلها فيليب الثاني إلى بيلا ( Pella ). أما القبائل الأخرى والأقدم، فقد اضطرت للنزوح شمالاً وغرباً إلى المرتفعات، وظلوا يصارعون على مدى أجيال عديدة للحفاظ على استقلالهم، مما أضعف الدولة المكدونية، وبخاصة بتحالفهم مع جحافل الليريكونيين والتراقيين الذين كانوا في حرب مستمرة مع ملوك مكدونية. وللاحتفاظ بوضعهم سالموا الولايات اليونانية، كما اعترفوا بولائهم للفرس مؤقتاً في بعض الأحيان، وهكذا وسعوا بالتدريج دائرة نفوذهم.
( ثانيا ) تاريخ مكـدونيـة:
يرجع هيرودوت بنسب العائلة المالكة إلى برديكـاس ( Perdiccas ) الأول من خلال أرجيوس ( Argaeus ) وفليب الأول، وأيروبوس
( Aeropus ) وألكيتــاس ( Alcetas ) وأمينتــاس ( Amyntas ) الأول إلى الاسكندر الأول الذي كان ملكاً لمكدونية فى أيام غزو الفرس لليونان، وقد عمل هو وحفيده برديكاس الثاني وأرخيلاوس الكثير لتعزيز قوة مكدونية. ولكن موت أرخيلاوس في 399ق.م. أعقبته أرعبون سنة من الضعف والانحلال.
(1 ) فيليب والاسكندر: عندما تولى العرش فيليب الثاني بن أمينتاس الثاني في 359ق.م. وكان رجلاً قوياً جسداً وعقلاً، وقائداً محنكاً ، ودبلوماسياً بارعاً، رأى بوضوح- من البداية- الغاية التي يجب أن يصبو إليها، وهي خلق جيش وطني عظيم ودولة قوية. وعمل بعزم وبلا كلل طوال حكمه الذي استمر 23سنة، لتحقيق هذا الهدف، فأدمج القبائل المقدونية في أمة واحدة، ووضع يده- تارة بالقوة، وتارة بالدهاء- على المواقع الهامة في أمفيبوليس وبندا وبوتيديا وأوليثوس وأبدرا ومارونيا، وجمع كمية كبيرة من الذهب بتأسيسه فيلبي على موقع كرينيدس. ومد بالتدريج حكمه على البرابرة وعلى اليونانيين أيضاً، وأخيراً حصل بعد معركة
كايرونيــا ( Chaeronea ) ( 338ق.م. ) على اعتراف اليونانيين أنفسهم به قائـداً عاماً للولايات الهيلينية، وزعيماً للمكدونيين واليونانيين في الحرب ضد الفرس. وفى الوقت الذي أعد فيه العدة للقيام بهذه المهمـة، اُغتيـل بأمر من زوجته الخائنـة أولمبياس ( في 336ق.م. ) فخلف ابنها الاسكندر الأكبر أباه على العرش. وبعد أن استولى الاسكندر على تراقيا وإيرلاريا واليونان، وجَّـه نظره إلى الشرق. وفى سلسلة من المعارك البارعة، قضى على الامبراطورية الفارسيـة .
فبعد المعركة الفاصلة عند نهر جرانيكوس ( 334ق.م. ) خضعت له معظم بلاد آسيا الصغرى. وبمعركة إسوس ( Issus ) في 333ق.م. ) التى انهزم فيها داريوس نفسه، انفتحت الطريق أمام الاسكندر إلى فينيقيـة ومصر. وقد ختمت هزيمة داريوس للمرة الثانية فى أبرلا ( 331ق.م. ) مصير الامبراطورية الفارسية. ثم استولى الاسكندر على بابل وسوسة وبرسبوليس واكبتانا عى التوالي. وواصل الاسكندر زحفه شرقاً عبر هركانيا وآريه وأراكوسيا وبكتريا وسوجديانا حتى الهند التي وصل فيها حتى (( سوتلج ( Sutlej ) ثم عاد أدراجه عبر جدروسيا وكرمانيا و برسيس إلى بابل، لإعداد العدة لفتح الجزيرة العربية. ونجد ملخصاً لأعماله فى 1مك 1: 1-7 حيث نقرأ أنه: الاسكندر بن فيلبس المكدونى .. من أرض كتيم ، كما يذكر غزوه لفارس في 1مك 6: 2، حيث يوصف بأنه الملك المكدوني الذى كان أول ملك في اليونان أي أنه أول من وحَّـد- في أمة واحدة- الولايات اليونانية ما عدا الواقع منها إلى الغرب من البحر الأدرياتيكي .
(2 ) تدخل رومـا : مات الاسكندر في يونيو 323ق.م. وتعرضت امبراطوريته للتمزق نتيجة للصراع بين قواده ( 1مك 1: 9 ). وبعد فترة من المنازعات والفوضى، قامت ثلاث ممالك قوية على أنقاض امبراطورية الاسكندر، هى: مكدونية، وسورية، ومصر. ولكن ظل النفوذ المكدوني قوياً في سورية، فنجد جنوداً مكدونيين في خدمة الملوك السلوقيين ( 2مك 8: 20 ). وفي 215ق.م. عقد الملك فيليب الخامس بن ديمتريوس الثاني، وخليفة أنتيجونوس دوسن ( 229- 220ق.م.) حلفاً مع هانيبال القرطجني الذي هزم قوات روما عند بحيرة ترازميني ( 217ق.م. ) وفي كانيا ( 216ق.م. ) وشرع في استرداد إيليريا. وأخيراً بعد بضع سنوات من المعارك غير الفاصلة، عقد الصلح في 205ق.م، وتعهد فيليب بعدم مهاجمة ممتلكات روما في شرقي البحر الأدرياتيكي. ونشبت الحرب المكدونية الثانية نتيجة تحالف أنطيوكس الثالث، ملك سورية، وفيليب ملك مكدونية ضد مصر في 200ق.م. وانتهت بعد ثلاث سنوات بهزيمة ساحقة لقوات فيليب على يد قوات روما في تسالى ( Thessaly ). وفي المعاهدة التي أعقبت هذه المعركة، تخلى فيليب عن فتوحاته في بلاد اليونان وإيليريا وتراقيا وأسيا الصغرى وجزر الأرخبيل، وعن أسطوله، وأنقص جيشه إلى 5000جنــدي، وأعلن أن لا حرب بعد ذلك، وعدم الدخول في أحلاف بغير موافقة رومـا.
(3 ) الغزو الرومـانــي : في 179ق.م. خلف برسيوس أباه فيليب على عرش مكدونية، فجدد التحالف مع روما، وشرع في العمل على تقوية نفوذه ومده، فنشبت الحرب فى 172ق.م. وبعد انتكاسات عديدة استطاع القنصل لوكيوس أميليوس بولس أن يهزم المكدونيين في معركة فاصلة في بدنـا ( Pydna ) في 168ق.م. ( ارجع الى 1مك 1: 5، حيث يسمى فرساوس بملك كتيـم ، فانتهت الملكية في مكدونية، ونُـفي فرساوس إلى إيطاليا، ولكن مُنح المكدونيون الحرية والحكم الذاتي، وقسمت بلادهم إلى أربعة أقسام كانت عواصمها هى: أمفيبوليس ، تسالونسكي ، بيلا وبلاجونيا على الترتيب. وكان يحكم كلاَّ منها مجلسها الخاص، ومُنعت الاتصالات بينها، وأُغلقت مناجم الذهب والفضة، وفُرضت عليها جزية تُدفع سنوياً لخزينة روما ، تبلغ نصف ضريبة الأراضي التى كان قد فرضها الملوك المكدونيون.
(4 ) مكدونيـة ولاية رومانيـة : ولكن هذا الخلط بين الحرية والتبعية لم يكن من الممكن أن يستمر طويلاً، فبعد إخماد ثورة أندريسكوس ( 148ق.م. ) تحولت مكدونية إلى ولاية رومانية ، مع توسيعها بإضافة أجزاء من إيليريا وأبيروس وجزائر بحر إيجه وتسالي. وكان يُرسل إليـها كل سنة حاكم من روما له سلطات عسكرية وقضائية واسعة، وزالت الحواجز بين أقسامها، وتحسنت الاتصالات بين أجزاء الولاية بإنشاء الطريق الإغناطي من ديراكيوم إلى تسالونسكي، ثم امتد بعد ذلك شرقاً إلى الدردنيل. وفي 146ق.م. انهزم الأخائيون الذين كانوا قد أعلنوا الحرب على روما، ونهبت كورنثوس ودُمـرت، وانحل الحلف الأخائي، وتحولت بلاد اليونان- تحت اسم أخائية- إلى ولاية رومانية تابعة لوالي مكدونية. وفي 27ق.م. عندما قسمت إدارة الولايات بين أوغسطس قيصر ومجلس الشيوخ، وقعت مكدونية وأخائية في نصيب مجلس الشيوخ، وانفصلت إدارتاهما. وفى 15م أدى سوء إدارة مجلس الشيوخ بالولايتين إلى حافة الخراب، فنقلتا إلى إدارة الامبراطور طيباريوس، الذي وحدهما تحت إدارة واحدة، إلى أن أعادهما كلوديوس قيصر في 44م إلى مجلس الشيوخ. ولهذه الصلة التاريخية والجغرافية، نجد مكدونية وأخائية تذكران معاً في العهد الجديد، مع ذكر مكدونيــة أولا ( أع 19: 21 ، رو 15: 26 ، 2كو 9: 2 ، 1تس 1: 7و8 ).
(5 ) تاريخهــا اللاحـق : اقتطع دقلديانوس ( 284- 305م) من مكدونية تسالي وجزائر ساحل إيليريا، وجعل منهما ولايتين، الثانية منهما باسم
إبيروس الجديدة . وفي أواخر القرن الرابع، انقسم ما بقى من مكدونية إلى ولايتين مكدونية الأولى، ومكدونية الثانية سالوتاريس (Salutaris ) وفي 395م، عندما انقسمت الامبراطورية الرومانية الى الإمبراطوريتين الغربية والشرقية، ضُمت مكدونية إلى الشرقية. وفي غضون السنوات القليلة اللاحقة، اجتاحها القوط بقيادة أكريك. وفي النصف الأخير من القرن السادس ، استقرت فيها أعداد كبيرة من السلاف. وفي القرن العاشر ، وقع جزء كبير منها تحت حكم البلغاريين، ثم نشأت فيها مستعمرات من قبائل أسيوية مختلفة بأمر من الأباطرة البيزنطيين. وفي 1204م. أصبحت مملكة لاتينية تحت حكم بونيفاس مركيز مونفرات. ولكن بعد عشرين سنة ، أسس ثيودور أمير إبيروس اليوناني، امبراطورية يونانية في تسالونسيكي . وفي النصف الثاني من القرن الرابع عشر، أصبح الجزء الأكبر منها تحت سيادة الصرب. ولكن في 1430م. وقعت تسالونسيكي في يد الأتراك العثمانيين، وظلت حتى 1913م جزءاً من الامبراطورية العثمانية. وهذا التاريخ هو السبب في هذا الخليط من السكان الذي يتكون أساساً من أتراك وألبانيين ويونانيين وبلغاريين، وفيهم عنصر لا بأس به من اليهود والغجر والصرب وغيرهــم .
ثالثا- الرسول بولس ومكدونيـة :
تلعب مكدونية دوراً بارزاً فى رحلات الرسول بولس فى سفر أعمال الرسل
( الأصحاحات 13-18 )، كما في رسائله. وعلاقات الرسول بولس الحميمة بكنائس مكدونية ( فيليبي وتسالونسكي وبيرية ) ( مشروحة في الحديث عن كل بلدة في موضعها من ، ولكننا سنتناول هنا بإيجاز زياراته لمكدونية:
(1 ) زيارة الرسول بولس الأولى لهــا : في رحلته التبشيرية الثانية، جاء الرسول بولس إلى ترواس، ومنها أبحر مع سيلا وتيموثاوس ولوقا إلى نيابوليس، أقرب ميناء مكدوني، وذلك بناء على رؤية رجل مكدوني ( يظن سير رمزى أنه لوقا ) يقول له: اعبر إلى مكدونية وأعنا ( أع 16: 9 ). ومن نيابوليس سافر براً إلى فيلبي، التي يصفها لوقا بالقول: التي هي أول مدينة من مقاطعة مكدونية (أع 16: 12 ). ومن فيلبى سافر بولس ورفيقه على الطريق الإغناطي، فاجتاز في أمفيبوليس وأبولونية، وأتيا إلى تسالونسيكي ( أع 17: 1 ) التى كانت عاصمة مكدونية في ذلك الوقت. وإذ اضطرتهما عداوة اليهود لمغادرة تسالونيكي، انتقلا إلى بيرية، حيث بقي سيلا وتيموثاوس بها زمناً قصيراً بعد أن اضطر بولس لمغادرتها عندما أهاج اليهود الجموع ضده، وذهب إلى ولاية أخائية (أع 17: 14و15 ). ومع أنه أرسل إلى رفيقيه لكى يسرعا إليه في أثينا ( أع 17: 15 ) إلا أن اهتمامه بخير الكنائس المكدونية التي كانت حديثة النشأة، جعله يرسل تيموثاوس فوراً إلى تسالونيكي ( 1تس 3: 1و2 ) ولعله أرسل سيلا إلى نواحي أخرى من مكدونية، ولم يعودا إليه إلا بعد أن مكث في كورنثوس بعض الوقت ( أع 18: 5، 1 تس 3: 6 ). ويمكننا أن ندرك الانتشار السريع للإيمان المسيحي في مكدونية في ذلك الوقت، من العبارات التي يستخدمها الرسول بولس في رسالته الأولى إلى المؤمنين فى تسالونيكي- أولى رسائله التي وصلت إلينا ، والتي كتبت في أثناء زيارته الأولى لكورنثوس. فهو يتحدث عن المؤمنين في تسالونيكي بأنهم صاروا قدوة لجميع الذين يؤمنون في مكدونية وفي أخائية ( 1تس 1: 7 ) ، ويمتدح محبتهم لجميع الإخوة الذين في مكدونية كلها ( 1تس 4: 10 ) . والأعجب من ذلك قوله: لأنه من قبلكم أذيعت كلمة الرب ليس في مكدونية وأخائية فقط، بَل في مكان أيضاً قد ذاع إيمانكم ( 1تس 1: 8 ).
(2 ) زيارة بولس الثانية لمكدونية : في رحلته التبشيرية الثالثة، زار الرسول بولس مكدونية مرتين. ففى أثناء خدمته الطويلة في أفسس، عزم على القيام بزيارة ثانية لمكدونية وأخائية، فأرسل اثنين من معاونيه ( تيموثاوس وأرسطس ) إلى مكدونية للإعداد لزيارته ( أع 19: 21و22 ). وبعد ذلك بفترة ، عندما هاجمت الجموع في أفسس بتحريض من ديمتريوس الصائغ ورفقائه ( 19: 23-41 )، ودع بولس التلاميذ وخرج ليذهب إلى مكدونية ( أع 20: 1 ). ولا يعطينا لوقا عن هذه الزيارة إلا كلمات موجزة، فبولس لما كان قد اجتاز في تلك النواحي ووعظهم بكلام كثير، جاء إلى هلاس ( أع 20: 2 )، ولكننا نعلم من رسالته الثانية غلى الكنيسة في كورنثوس، التى كتبها من مكدونية ( والأرجح من فيلبي ) في أثناء هذه الزيارة، الكثير عن تحركاته ومشاعره في تلك الأثناء . ففى أفسس غيَّر خططه، فقد كانت خطته أن يعبر أولاً بحر إيجة إلى كورنثوس، ومنها إلى مكدونية، ثم العودة إلى كورنثوس ليبحر منها إلى سورية ( 2كو 1: 15و16 ). ولكن فى الوقت الذي كتب فيه رسالته الأولى إلى كورنثوس- والأرجح أن ذلك كان في نهاية زيارته لأفسس- عزم على الذهاب إلى كورنثوس عن طريق مكدونية، وهو ما حدث فعلاً ( 1كو 16: 5و6 ). ونعلم من رسالته الثانية إلى الكنيسة في كورنثوس ( 2كو 2: 13 ) أنه سافر من أفسس إلى ترواس حيث ينتظر أن يجد تيطس ، ولكن لم يكن تيطس قد وصل ، وبولس، إذ لم تكن له راحة في روحه، ترك ترواس وابحر إلى مكدونية. ويبدو أن هذه المشاعر لازمته هناك أيضاً ، حيث كانت هناك من خارج خصومات، ومن داخل مخاوف ، إلى أن جاءه تيطس، مما بعث التعزية والراحة فى نفسه ( 2كو 7: 5، 6 ). كما أن الرسول ابتهج بأخبار نعمة الله المعطاة في كنائس مكدونية ( 2كو 8: 1 ). ففى وسط اضطهادات قاسية، احتملوا تجاربهم بفرح عظيم، ولم يمنعهم فقرهم العميق من أن يطلبوا منه بإلحاح أن يسمح لهم بالمشاركة في الجمع من أجل المؤمنين في أورشليم ( رو 15: 26 ، 2كو 8: 2-4)، فقد كان السخاء في العطاء إحدى الفضائل البارزة في كنائس مكدونية منذ البداية، فقد أرسل الفيلبيون عطايا للرسول بولس في مناسبتين في أثناء زيارته الأولى لتسالونيكي ( في 4: 16 )، ومرة أخرى بعدما غادر مكدونية وذهب إلى كورنثوس ( 2كو 11: 9 ، في 4: 15 ). وهنا يبدو أن الكورنثيين كانوا قد جمعوا عطاياهم منذ العام السابق ، مما جعل الرسول بولس يفتخر من جهتهم لدى المكدونيين ( 2كو 9: 2 ). ويقول إنه في زيارته القريبة لأخائية يمكن أن يرافقه البعض من مكدونية (عد 4 ) ، ولكننا لا نعلم هل تحقق ذلك أم لا .
(3 ) زيارة الرسول بولس الثالثة لمكدونية : تمت زيارة الرسول بولس الثالثة لمكدونية بعد ذلك بثلاثة أشهر ، وجاءت نتيجة تدبير مؤامرة من يهود كورنثوس لاغتياله، مما جعله يغير من عزمه على الإبحار من كنخريا- الميناء الشرقية لكورنثوس- إلى سورية (2كو 1: 16 ، أع 20: 3 )، فرجع إلى مكدونية، ورافقه ثلاثة من المؤمنين المكدونيين ( سوباترس وأرسترخس و سكوندس ) وأربعة من أسيا الصغرى. والأرجح أنه سار في الطريق الإغناطي إلى فيلبي التى وصلها قبل عيد الفطير. وقد سبقه رفقاؤه إلى ترواس ( أع 20: 5 )، ومكث هو في فيلبي إلى ما بعد عيد الفصح ( الخميس 7أبريل سنة 57م. كما يذكر سيروليم رمزي ). ثم أبحر من نيابوليس مع لوقا، وانضم إلى رفقائه الذين كانوا في انتظاره في ترواس.
(4 ) زياراته الأخيرة : في ختام سجنه الأول في روما، عزم الرسول بولس على زيارة مكدونية حالما يطلق سراحه ( في 1: 29، 2: 24 ). ورتب أن يرسل تيموثاوس قبل ذلك ليزور الفيلبيين، وبلا شك بيرية وتسالونيكي أيضاً. ولا نعرف ما إذا كان تيموثاوس قد قام فعلاً بهذه الزيارات أم لا. ولكننا نعلم من 1تي 1: 3 أن بولس نفسه عاد إلى مكدونية مرة أخرى، ولعله ذهب إليها مرة خامسة في أثناء إقامته في ترواس، التي قد ترتبط على الأرجح- بمناسبة أخرى ( 2تي 4: 13 ).
(5 ) الكنيسـة في مكدونيــة :
(i ) من الجوانب البارزة في الكنائس في مكدونية، أهمية المكانة التى شغلتها النساء. فكانت النساء هن أول من تكلم إليهن الرسول بعد وصوله إلى فيلبي، كما كانت ليدية أول من فتح الرب قلبها لقبول الإنجيل ، فكانت باكورة المؤمنين فى أوربا، كما أنها أضافت الكنيسة في بيتها ( أع 16: 14و 15 40 ). كما طرد الرسول روح العرافة من جارية في فيلبي ( أع 16: 18 ). كما يذكر الرسول اسمي سيدتين جاهدتا معه في الإنجيل ( في 4: 2و 3 ). كما كان بين أول من آمنوا في نسالونيكي (( عدد ليس بقليل من النساء المتقدمات ( أي من علية القوم- أع 17: 4 ). كما أنه في بيرية آمن أيضاً عدد ليس بقليل من النساء اليونانيات الشريفات ( أع 17: 21 ).
(ii ) خصائص بارزة : يبدو أنه كان يربط الرسول بولس بالمؤمنين فى مكدونيـة - بخاصة - علاقة وثيقة وحميمة. فكان سخاؤهم ورحابة قلوبهم، وفرحهم، وصبرهم، في التجارب والاضطهادات، ونشاطهم في نشر الإنجيل، ومحبتهم للإخوة ، كانت هذه قليلاً من كثير مما كان الرسول بولس يمتدحه فيهم ( 1، 2تس، في، 2كو 8 :1-8 ). كما يبدو أنهم كانوا أيضاً أكثر تحرراً - عن كنائس أسيا الصغرى- من النزاعات التهودية، ومن (( إغراءات الفلسفة والغرور الباطل )) ( كو 2: 8 ).
(iii ) أعضاء الكنائس في مكدونية : نعرف أسماء عدد قليل من المؤمنين الأوائل في كنائس مكدونيـة: سوباتــرس ( أع 20: 4 ) والأرجح أنه هو نفسه سوسيباتــرس ( رو 16: 21 ) من بيريـة،
وأرسترخس ( أع 19: 29، 20: 4، 27: 2 ، كــو 4: 10،
فل24 )، وياســون ( أع 17: 5و9 )، و أبفرودس ( فى 2: 25، 4: 18 و أفودية وسنتيخي ( في 4: 2 )، وليدية ( أع 16: 14و40 ) وكانت من ثياتيرا أصلاً . وسكوندس ( أع 20: 4 ) التسالونيكي، وأكليمندس ( في 4: 3 ). ويحتمل أن لوقا البشير نفسه كان من فيلبي كما يرى سير وليم رمزي. كما يُذكر غايس بوصفه مكدونياً ( أع 19: 29 ) وإن كان الأرجح أن الوصف بالمكدوني ( بالمفرد ) لا ينطبق إلا على أرسترخس- أما غايس فالأرجح أنه هو غايس الدربي ( أع 20: 4 ).
أولاً- الشعب والأرض:
لا يتفق علماء الأجناس على أصل الجنس المكدوني، ودرجة قرابتها للجنس الهليني. ولكن هناك تقليد قديم بأنه كان فيهم عنصر هلينـي وعنصر غير هلينـي، ولكنه كان عنصراً آرياً وثيق الصلة بالشعـوب الفريجية وغيرها من الشعوب التراقية. ولكن العنصر الغالب وهو المكدونيون- بالمعنى الضيق- بما فيهم العائلة المالكة التي من المعروف أنها كانت أسرة يونانية، ترجع من خلال التمنديين (Temenids) من أرجيوس إلى الهرقليين ( كما يذكر هيرودوت ) وقد سكنوا في السهول الخصبة حول وادي الهاليـاكمــون ( Haliacmon ) الأسفل ( وادي كراسو
( Karasu )، ووادي أكسيوس ( الوردار ) إلى الشمال والشمال الغربي من خليج رمايك ( Thermaic )، وكانت عاصمتهم أصلاً فى إدسا ( Edessa )، ثم نقلها فيليب الثاني إلى بيلا ( Pella ). أما القبائل الأخرى والأقدم، فقد اضطرت للنزوح شمالاً وغرباً إلى المرتفعات، وظلوا يصارعون على مدى أجيال عديدة للحفاظ على استقلالهم، مما أضعف الدولة المكدونية، وبخاصة بتحالفهم مع جحافل الليريكونيين والتراقيين الذين كانوا في حرب مستمرة مع ملوك مكدونية. وللاحتفاظ بوضعهم سالموا الولايات اليونانية، كما اعترفوا بولائهم للفرس مؤقتاً في بعض الأحيان، وهكذا وسعوا بالتدريج دائرة نفوذهم.
( ثانيا ) تاريخ مكـدونيـة:
يرجع هيرودوت بنسب العائلة المالكة إلى برديكـاس ( Perdiccas ) الأول من خلال أرجيوس ( Argaeus ) وفليب الأول، وأيروبوس
( Aeropus ) وألكيتــاس ( Alcetas ) وأمينتــاس ( Amyntas ) الأول إلى الاسكندر الأول الذي كان ملكاً لمكدونية فى أيام غزو الفرس لليونان، وقد عمل هو وحفيده برديكاس الثاني وأرخيلاوس الكثير لتعزيز قوة مكدونية. ولكن موت أرخيلاوس في 399ق.م. أعقبته أرعبون سنة من الضعف والانحلال.
(1 ) فيليب والاسكندر: عندما تولى العرش فيليب الثاني بن أمينتاس الثاني في 359ق.م. وكان رجلاً قوياً جسداً وعقلاً، وقائداً محنكاً ، ودبلوماسياً بارعاً، رأى بوضوح- من البداية- الغاية التي يجب أن يصبو إليها، وهي خلق جيش وطني عظيم ودولة قوية. وعمل بعزم وبلا كلل طوال حكمه الذي استمر 23سنة، لتحقيق هذا الهدف، فأدمج القبائل المقدونية في أمة واحدة، ووضع يده- تارة بالقوة، وتارة بالدهاء- على المواقع الهامة في أمفيبوليس وبندا وبوتيديا وأوليثوس وأبدرا ومارونيا، وجمع كمية كبيرة من الذهب بتأسيسه فيلبي على موقع كرينيدس. ومد بالتدريج حكمه على البرابرة وعلى اليونانيين أيضاً، وأخيراً حصل بعد معركة
كايرونيــا ( Chaeronea ) ( 338ق.م. ) على اعتراف اليونانيين أنفسهم به قائـداً عاماً للولايات الهيلينية، وزعيماً للمكدونيين واليونانيين في الحرب ضد الفرس. وفى الوقت الذي أعد فيه العدة للقيام بهذه المهمـة، اُغتيـل بأمر من زوجته الخائنـة أولمبياس ( في 336ق.م. ) فخلف ابنها الاسكندر الأكبر أباه على العرش. وبعد أن استولى الاسكندر على تراقيا وإيرلاريا واليونان، وجَّـه نظره إلى الشرق. وفى سلسلة من المعارك البارعة، قضى على الامبراطورية الفارسيـة .
فبعد المعركة الفاصلة عند نهر جرانيكوس ( 334ق.م. ) خضعت له معظم بلاد آسيا الصغرى. وبمعركة إسوس ( Issus ) في 333ق.م. ) التى انهزم فيها داريوس نفسه، انفتحت الطريق أمام الاسكندر إلى فينيقيـة ومصر. وقد ختمت هزيمة داريوس للمرة الثانية فى أبرلا ( 331ق.م. ) مصير الامبراطورية الفارسية. ثم استولى الاسكندر على بابل وسوسة وبرسبوليس واكبتانا عى التوالي. وواصل الاسكندر زحفه شرقاً عبر هركانيا وآريه وأراكوسيا وبكتريا وسوجديانا حتى الهند التي وصل فيها حتى (( سوتلج ( Sutlej ) ثم عاد أدراجه عبر جدروسيا وكرمانيا و برسيس إلى بابل، لإعداد العدة لفتح الجزيرة العربية. ونجد ملخصاً لأعماله فى 1مك 1: 1-7 حيث نقرأ أنه: الاسكندر بن فيلبس المكدونى .. من أرض كتيم ، كما يذكر غزوه لفارس في 1مك 6: 2، حيث يوصف بأنه الملك المكدوني الذى كان أول ملك في اليونان أي أنه أول من وحَّـد- في أمة واحدة- الولايات اليونانية ما عدا الواقع منها إلى الغرب من البحر الأدرياتيكي .
(2 ) تدخل رومـا : مات الاسكندر في يونيو 323ق.م. وتعرضت امبراطوريته للتمزق نتيجة للصراع بين قواده ( 1مك 1: 9 ). وبعد فترة من المنازعات والفوضى، قامت ثلاث ممالك قوية على أنقاض امبراطورية الاسكندر، هى: مكدونية، وسورية، ومصر. ولكن ظل النفوذ المكدوني قوياً في سورية، فنجد جنوداً مكدونيين في خدمة الملوك السلوقيين ( 2مك 8: 20 ). وفي 215ق.م. عقد الملك فيليب الخامس بن ديمتريوس الثاني، وخليفة أنتيجونوس دوسن ( 229- 220ق.م.) حلفاً مع هانيبال القرطجني الذي هزم قوات روما عند بحيرة ترازميني ( 217ق.م. ) وفي كانيا ( 216ق.م. ) وشرع في استرداد إيليريا. وأخيراً بعد بضع سنوات من المعارك غير الفاصلة، عقد الصلح في 205ق.م، وتعهد فيليب بعدم مهاجمة ممتلكات روما في شرقي البحر الأدرياتيكي. ونشبت الحرب المكدونية الثانية نتيجة تحالف أنطيوكس الثالث، ملك سورية، وفيليب ملك مكدونية ضد مصر في 200ق.م. وانتهت بعد ثلاث سنوات بهزيمة ساحقة لقوات فيليب على يد قوات روما في تسالى ( Thessaly ). وفي المعاهدة التي أعقبت هذه المعركة، تخلى فيليب عن فتوحاته في بلاد اليونان وإيليريا وتراقيا وأسيا الصغرى وجزر الأرخبيل، وعن أسطوله، وأنقص جيشه إلى 5000جنــدي، وأعلن أن لا حرب بعد ذلك، وعدم الدخول في أحلاف بغير موافقة رومـا.
(3 ) الغزو الرومـانــي : في 179ق.م. خلف برسيوس أباه فيليب على عرش مكدونية، فجدد التحالف مع روما، وشرع في العمل على تقوية نفوذه ومده، فنشبت الحرب فى 172ق.م. وبعد انتكاسات عديدة استطاع القنصل لوكيوس أميليوس بولس أن يهزم المكدونيين في معركة فاصلة في بدنـا ( Pydna ) في 168ق.م. ( ارجع الى 1مك 1: 5، حيث يسمى فرساوس بملك كتيـم ، فانتهت الملكية في مكدونية، ونُـفي فرساوس إلى إيطاليا، ولكن مُنح المكدونيون الحرية والحكم الذاتي، وقسمت بلادهم إلى أربعة أقسام كانت عواصمها هى: أمفيبوليس ، تسالونسكي ، بيلا وبلاجونيا على الترتيب. وكان يحكم كلاَّ منها مجلسها الخاص، ومُنعت الاتصالات بينها، وأُغلقت مناجم الذهب والفضة، وفُرضت عليها جزية تُدفع سنوياً لخزينة روما ، تبلغ نصف ضريبة الأراضي التى كان قد فرضها الملوك المكدونيون.
(4 ) مكدونيـة ولاية رومانيـة : ولكن هذا الخلط بين الحرية والتبعية لم يكن من الممكن أن يستمر طويلاً، فبعد إخماد ثورة أندريسكوس ( 148ق.م. ) تحولت مكدونية إلى ولاية رومانية ، مع توسيعها بإضافة أجزاء من إيليريا وأبيروس وجزائر بحر إيجه وتسالي. وكان يُرسل إليـها كل سنة حاكم من روما له سلطات عسكرية وقضائية واسعة، وزالت الحواجز بين أقسامها، وتحسنت الاتصالات بين أجزاء الولاية بإنشاء الطريق الإغناطي من ديراكيوم إلى تسالونسكي، ثم امتد بعد ذلك شرقاً إلى الدردنيل. وفي 146ق.م. انهزم الأخائيون الذين كانوا قد أعلنوا الحرب على روما، ونهبت كورنثوس ودُمـرت، وانحل الحلف الأخائي، وتحولت بلاد اليونان- تحت اسم أخائية- إلى ولاية رومانية تابعة لوالي مكدونية. وفي 27ق.م. عندما قسمت إدارة الولايات بين أوغسطس قيصر ومجلس الشيوخ، وقعت مكدونية وأخائية في نصيب مجلس الشيوخ، وانفصلت إدارتاهما. وفى 15م أدى سوء إدارة مجلس الشيوخ بالولايتين إلى حافة الخراب، فنقلتا إلى إدارة الامبراطور طيباريوس، الذي وحدهما تحت إدارة واحدة، إلى أن أعادهما كلوديوس قيصر في 44م إلى مجلس الشيوخ. ولهذه الصلة التاريخية والجغرافية، نجد مكدونية وأخائية تذكران معاً في العهد الجديد، مع ذكر مكدونيــة أولا ( أع 19: 21 ، رو 15: 26 ، 2كو 9: 2 ، 1تس 1: 7و8 ).
(5 ) تاريخهــا اللاحـق : اقتطع دقلديانوس ( 284- 305م) من مكدونية تسالي وجزائر ساحل إيليريا، وجعل منهما ولايتين، الثانية منهما باسم
إبيروس الجديدة . وفي أواخر القرن الرابع، انقسم ما بقى من مكدونية إلى ولايتين مكدونية الأولى، ومكدونية الثانية سالوتاريس (Salutaris ) وفي 395م، عندما انقسمت الامبراطورية الرومانية الى الإمبراطوريتين الغربية والشرقية، ضُمت مكدونية إلى الشرقية. وفي غضون السنوات القليلة اللاحقة، اجتاحها القوط بقيادة أكريك. وفي النصف الأخير من القرن السادس ، استقرت فيها أعداد كبيرة من السلاف. وفي القرن العاشر ، وقع جزء كبير منها تحت حكم البلغاريين، ثم نشأت فيها مستعمرات من قبائل أسيوية مختلفة بأمر من الأباطرة البيزنطيين. وفي 1204م. أصبحت مملكة لاتينية تحت حكم بونيفاس مركيز مونفرات. ولكن بعد عشرين سنة ، أسس ثيودور أمير إبيروس اليوناني، امبراطورية يونانية في تسالونسيكي . وفي النصف الثاني من القرن الرابع عشر، أصبح الجزء الأكبر منها تحت سيادة الصرب. ولكن في 1430م. وقعت تسالونسيكي في يد الأتراك العثمانيين، وظلت حتى 1913م جزءاً من الامبراطورية العثمانية. وهذا التاريخ هو السبب في هذا الخليط من السكان الذي يتكون أساساً من أتراك وألبانيين ويونانيين وبلغاريين، وفيهم عنصر لا بأس به من اليهود والغجر والصرب وغيرهــم .
ثالثا- الرسول بولس ومكدونيـة :
تلعب مكدونية دوراً بارزاً فى رحلات الرسول بولس فى سفر أعمال الرسل
( الأصحاحات 13-18 )، كما في رسائله. وعلاقات الرسول بولس الحميمة بكنائس مكدونية ( فيليبي وتسالونسكي وبيرية ) ( مشروحة في الحديث عن كل بلدة في موضعها من ، ولكننا سنتناول هنا بإيجاز زياراته لمكدونية:
(1 ) زيارة الرسول بولس الأولى لهــا : في رحلته التبشيرية الثانية، جاء الرسول بولس إلى ترواس، ومنها أبحر مع سيلا وتيموثاوس ولوقا إلى نيابوليس، أقرب ميناء مكدوني، وذلك بناء على رؤية رجل مكدوني ( يظن سير رمزى أنه لوقا ) يقول له: اعبر إلى مكدونية وأعنا ( أع 16: 9 ). ومن نيابوليس سافر براً إلى فيلبي، التي يصفها لوقا بالقول: التي هي أول مدينة من مقاطعة مكدونية (أع 16: 12 ). ومن فيلبى سافر بولس ورفيقه على الطريق الإغناطي، فاجتاز في أمفيبوليس وأبولونية، وأتيا إلى تسالونسيكي ( أع 17: 1 ) التى كانت عاصمة مكدونية في ذلك الوقت. وإذ اضطرتهما عداوة اليهود لمغادرة تسالونيكي، انتقلا إلى بيرية، حيث بقي سيلا وتيموثاوس بها زمناً قصيراً بعد أن اضطر بولس لمغادرتها عندما أهاج اليهود الجموع ضده، وذهب إلى ولاية أخائية (أع 17: 14و15 ). ومع أنه أرسل إلى رفيقيه لكى يسرعا إليه في أثينا ( أع 17: 15 ) إلا أن اهتمامه بخير الكنائس المكدونية التي كانت حديثة النشأة، جعله يرسل تيموثاوس فوراً إلى تسالونيكي ( 1تس 3: 1و2 ) ولعله أرسل سيلا إلى نواحي أخرى من مكدونية، ولم يعودا إليه إلا بعد أن مكث في كورنثوس بعض الوقت ( أع 18: 5، 1 تس 3: 6 ). ويمكننا أن ندرك الانتشار السريع للإيمان المسيحي في مكدونية في ذلك الوقت، من العبارات التي يستخدمها الرسول بولس في رسالته الأولى إلى المؤمنين فى تسالونيكي- أولى رسائله التي وصلت إلينا ، والتي كتبت في أثناء زيارته الأولى لكورنثوس. فهو يتحدث عن المؤمنين في تسالونيكي بأنهم صاروا قدوة لجميع الذين يؤمنون في مكدونية وفي أخائية ( 1تس 1: 7 ) ، ويمتدح محبتهم لجميع الإخوة الذين في مكدونية كلها ( 1تس 4: 10 ) . والأعجب من ذلك قوله: لأنه من قبلكم أذيعت كلمة الرب ليس في مكدونية وأخائية فقط، بَل في مكان أيضاً قد ذاع إيمانكم ( 1تس 1: 8 ).
(2 ) زيارة بولس الثانية لمكدونية : في رحلته التبشيرية الثالثة، زار الرسول بولس مكدونية مرتين. ففى أثناء خدمته الطويلة في أفسس، عزم على القيام بزيارة ثانية لمكدونية وأخائية، فأرسل اثنين من معاونيه ( تيموثاوس وأرسطس ) إلى مكدونية للإعداد لزيارته ( أع 19: 21و22 ). وبعد ذلك بفترة ، عندما هاجمت الجموع في أفسس بتحريض من ديمتريوس الصائغ ورفقائه ( 19: 23-41 )، ودع بولس التلاميذ وخرج ليذهب إلى مكدونية ( أع 20: 1 ). ولا يعطينا لوقا عن هذه الزيارة إلا كلمات موجزة، فبولس لما كان قد اجتاز في تلك النواحي ووعظهم بكلام كثير، جاء إلى هلاس ( أع 20: 2 )، ولكننا نعلم من رسالته الثانية غلى الكنيسة في كورنثوس، التى كتبها من مكدونية ( والأرجح من فيلبي ) في أثناء هذه الزيارة، الكثير عن تحركاته ومشاعره في تلك الأثناء . ففى أفسس غيَّر خططه، فقد كانت خطته أن يعبر أولاً بحر إيجة إلى كورنثوس، ومنها إلى مكدونية، ثم العودة إلى كورنثوس ليبحر منها إلى سورية ( 2كو 1: 15و16 ). ولكن فى الوقت الذي كتب فيه رسالته الأولى إلى كورنثوس- والأرجح أن ذلك كان في نهاية زيارته لأفسس- عزم على الذهاب إلى كورنثوس عن طريق مكدونية، وهو ما حدث فعلاً ( 1كو 16: 5و6 ). ونعلم من رسالته الثانية إلى الكنيسة في كورنثوس ( 2كو 2: 13 ) أنه سافر من أفسس إلى ترواس حيث ينتظر أن يجد تيطس ، ولكن لم يكن تيطس قد وصل ، وبولس، إذ لم تكن له راحة في روحه، ترك ترواس وابحر إلى مكدونية. ويبدو أن هذه المشاعر لازمته هناك أيضاً ، حيث كانت هناك من خارج خصومات، ومن داخل مخاوف ، إلى أن جاءه تيطس، مما بعث التعزية والراحة فى نفسه ( 2كو 7: 5، 6 ). كما أن الرسول ابتهج بأخبار نعمة الله المعطاة في كنائس مكدونية ( 2كو 8: 1 ). ففى وسط اضطهادات قاسية، احتملوا تجاربهم بفرح عظيم، ولم يمنعهم فقرهم العميق من أن يطلبوا منه بإلحاح أن يسمح لهم بالمشاركة في الجمع من أجل المؤمنين في أورشليم ( رو 15: 26 ، 2كو 8: 2-4)، فقد كان السخاء في العطاء إحدى الفضائل البارزة في كنائس مكدونية منذ البداية، فقد أرسل الفيلبيون عطايا للرسول بولس في مناسبتين في أثناء زيارته الأولى لتسالونيكي ( في 4: 16 )، ومرة أخرى بعدما غادر مكدونية وذهب إلى كورنثوس ( 2كو 11: 9 ، في 4: 15 ). وهنا يبدو أن الكورنثيين كانوا قد جمعوا عطاياهم منذ العام السابق ، مما جعل الرسول بولس يفتخر من جهتهم لدى المكدونيين ( 2كو 9: 2 ). ويقول إنه في زيارته القريبة لأخائية يمكن أن يرافقه البعض من مكدونية (عد 4 ) ، ولكننا لا نعلم هل تحقق ذلك أم لا .
(3 ) زيارة الرسول بولس الثالثة لمكدونية : تمت زيارة الرسول بولس الثالثة لمكدونية بعد ذلك بثلاثة أشهر ، وجاءت نتيجة تدبير مؤامرة من يهود كورنثوس لاغتياله، مما جعله يغير من عزمه على الإبحار من كنخريا- الميناء الشرقية لكورنثوس- إلى سورية (2كو 1: 16 ، أع 20: 3 )، فرجع إلى مكدونية، ورافقه ثلاثة من المؤمنين المكدونيين ( سوباترس وأرسترخس و سكوندس ) وأربعة من أسيا الصغرى. والأرجح أنه سار في الطريق الإغناطي إلى فيلبي التى وصلها قبل عيد الفطير. وقد سبقه رفقاؤه إلى ترواس ( أع 20: 5 )، ومكث هو في فيلبي إلى ما بعد عيد الفصح ( الخميس 7أبريل سنة 57م. كما يذكر سيروليم رمزي ). ثم أبحر من نيابوليس مع لوقا، وانضم إلى رفقائه الذين كانوا في انتظاره في ترواس.
(4 ) زياراته الأخيرة : في ختام سجنه الأول في روما، عزم الرسول بولس على زيارة مكدونية حالما يطلق سراحه ( في 1: 29، 2: 24 ). ورتب أن يرسل تيموثاوس قبل ذلك ليزور الفيلبيين، وبلا شك بيرية وتسالونيكي أيضاً. ولا نعرف ما إذا كان تيموثاوس قد قام فعلاً بهذه الزيارات أم لا. ولكننا نعلم من 1تي 1: 3 أن بولس نفسه عاد إلى مكدونية مرة أخرى، ولعله ذهب إليها مرة خامسة في أثناء إقامته في ترواس، التي قد ترتبط على الأرجح- بمناسبة أخرى ( 2تي 4: 13 ).
(5 ) الكنيسـة في مكدونيــة :
(i ) من الجوانب البارزة في الكنائس في مكدونية، أهمية المكانة التى شغلتها النساء. فكانت النساء هن أول من تكلم إليهن الرسول بعد وصوله إلى فيلبي، كما كانت ليدية أول من فتح الرب قلبها لقبول الإنجيل ، فكانت باكورة المؤمنين فى أوربا، كما أنها أضافت الكنيسة في بيتها ( أع 16: 14و 15 40 ). كما طرد الرسول روح العرافة من جارية في فيلبي ( أع 16: 18 ). كما يذكر الرسول اسمي سيدتين جاهدتا معه في الإنجيل ( في 4: 2و 3 ). كما كان بين أول من آمنوا في نسالونيكي (( عدد ليس بقليل من النساء المتقدمات ( أي من علية القوم- أع 17: 4 ). كما أنه في بيرية آمن أيضاً عدد ليس بقليل من النساء اليونانيات الشريفات ( أع 17: 21 ).
(ii ) خصائص بارزة : يبدو أنه كان يربط الرسول بولس بالمؤمنين فى مكدونيـة - بخاصة - علاقة وثيقة وحميمة. فكان سخاؤهم ورحابة قلوبهم، وفرحهم، وصبرهم، في التجارب والاضطهادات، ونشاطهم في نشر الإنجيل، ومحبتهم للإخوة ، كانت هذه قليلاً من كثير مما كان الرسول بولس يمتدحه فيهم ( 1، 2تس، في، 2كو 8 :1-8 ). كما يبدو أنهم كانوا أيضاً أكثر تحرراً - عن كنائس أسيا الصغرى- من النزاعات التهودية، ومن (( إغراءات الفلسفة والغرور الباطل )) ( كو 2: 8 ).
(iii ) أعضاء الكنائس في مكدونية : نعرف أسماء عدد قليل من المؤمنين الأوائل في كنائس مكدونيـة: سوباتــرس ( أع 20: 4 ) والأرجح أنه هو نفسه سوسيباتــرس ( رو 16: 21 ) من بيريـة،
وأرسترخس ( أع 19: 29، 20: 4، 27: 2 ، كــو 4: 10،
فل24 )، وياســون ( أع 17: 5و9 )، و أبفرودس ( فى 2: 25، 4: 18 و أفودية وسنتيخي ( في 4: 2 )، وليدية ( أع 16: 14و40 ) وكانت من ثياتيرا أصلاً . وسكوندس ( أع 20: 4 ) التسالونيكي، وأكليمندس ( في 4: 3 ). ويحتمل أن لوقا البشير نفسه كان من فيلبي كما يرى سير وليم رمزي. كما يُذكر غايس بوصفه مكدونياً ( أع 19: 29 ) وإن كان الأرجح أن الوصف بالمكدوني ( بالمفرد ) لا ينطبق إلا على أرسترخس- أما غايس فالأرجح أنه هو غايس الدربي ( أع 20: 4 ).
اقتراحات موسوعية أخرى
إحناء الركبتين
kneeling down - genuflection إحناء الركبتين
إحناء الركب يكون للطلبة والتوسل كما يذكر القديس بولس أحن...
اثينوجانس
إسم يونانى معناه من سلالة الإله أثينا
بليعال
بليعال
المعتقد عموماً هو أن هذه الكلمة مكونة من كلمتين عبريتين أولاهما بمعنى بلا أو بدون والثانية...
مراري
مراري
اسم عبري معناه مُرّ أو حزين، ولكنه في الأكادية يعني يُقوِّي أو يبارك ، وهو اسم:
( 1 ) الابن...
الباطن
الباطن - الإِنسان الباطن
استخدم الرسول بولس تعبير الإِنسان الباطن وهو تعبير يماثل تقريباً تعبير إن...
فرسكا
فرسكا
وهو اسم آخر لبريسكلا أنظر بريسكلا .