كلمة منفعة
في الطريق الروحي يقف عسكري مرور، وبيده عَلَمَان أحدهما أخضر والآخر أحمر، ليعين ما يمر، وما لا يمر. ويضع حدودًا بين الحلال والحرام..
— حدود

سبق التعيين

سبق التعيين
حجم الخط
سبق التعيين
ويسمى أيضا الانتخاب والرذل ، ويراد بالانتخاب هو اختيار الله عبده من الخطاة الهالكين منذ الأزل ليكون وارثا لأورشليم السمائية . وفي هذا الموضوع رأيان :
الرأي الأول : وتأخذ به كنيستنا القبطية الأرثوذكسية وسائر الكنائس الرسولية ، ومؤداه أن اختيار الإنسان ورذله إنما هو مؤسس على " علم الله السابق " بأخلاق ذلك الإنسان ، لأنه جل شأنه يمكنه أن يرى الأشياء مفعولة منذ الأزل كما نراها نحن بحال فعلها أو بعده . بدليل :
1 – قبلما صورتك في البطن عرفتك (ار 1 : 4 )
2 – لان الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم (رو 8 : 29 )
فالله يفتتح أمر خلاصنا بمنح النعمة الأولى أي نعمة الإيمان ، يمنحنا إياها مجانا بغير استحقاق سابق من جانبنا ، ثم يختمه بمنحنا نعمة الثبات ، وبين هاتين النعمتين من الزمن المتوسط لابد من الاجتهاد من جانبنا ، فلابد للانتخاب الكامل من أمرين : النعمة من جانب الله ، ومساعدتها من جانب الإنسان . أما الانتخاب الناقص فهو النعمة من الله دون أن تقترن بالمساعدة من قبل الإنسان .
الرأي الثاني : ويقول به القديس اغسطينوس ومعه البروتستانت ، ومؤداه أن اختيار الإنسان ورذله مبني على مجرد " مسرة الله " وإرادته المستقلة ، لأسباب مجهولة عن البشر ، وان ما يرى في المختارين من صلاح فنتيجة للاختيار وليس سببا له . فالذين عينهم للحياة انتخبهم السيد المسيح للمجد الأبدي من قبل مجرد نعمته ومحبته ، بدون أن يرى سابقا إيمانا أو أعمالا صالحة ، وكل ذلك لحمد نعمته (اف1 : 6 ) . أما سائر البشر فقد شاء ، لأجل مجد سلطانه المطلق على خلائقه ، أن يفوتهم للإهانة لأجل خطيتهم ، ولحمد عدله . ويستند أصحاب هذا الرأي على بعض النصوص الكتابية اشهرها :
1 - قول السيد " لان هكذا صارت المسرة أمامك " (لو 10 :21) وهذا النص لا يدل على أن مصدر الاختيار والرذل هو مسرة الله وإرادته فقط ، بل يدل على أن الله سمح بأن كبرياء الكتبة والفريسيين وعماهم يخفيان عنهم الحق .
2 – وأيضا على قول سفر الأعمال " وآمن جميع الذين كانوا معينين للحياة الأبدية " (اع 13 : 47 ) . والواقع أن هذا النص يثبت انه تعالى لما نظر منذ البدء ؛ إصرار أولئك اليهود الذين كانوا يقامون بولس وبرنابا على خطاياهم وعنادهم ؛ تركهم لا يطيعون ؛ جزاء لهم على ما اشتهته أنفسهم ، وأما الأمم الذين فرحوا بالكلمة وقبلوها فقد آمنوا جميعا . وكان هذا سر تعيينهم للحياة الأبدية منذ الأزل .
أدلة الرأي الأول :
أ – وهناك نصوص كثيرة تثبت أن الله لا يشاء البتة أن يهلك احد واشهرها ما يأتي :
1 – " لان هذا حسن ومقبول لدي مخلصنا الله الذي يريد أن جميع الناس يخلصون والي معرفة الحق يقبلون " (1تي 2 : 3 – 4 ) .
2 – " لأنه قد ظهرت نعمة الله المخلصة لجميع الناس " (تي 2 : 11 ) .
3 – " هل مسرة اسر بموت الشرير يقول الرب إلا برجوعه عن طرقه فيحيا " (حز 18 : 23 ) .
4 – " لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكي لا يهلك كل من يؤمن به ، بل تكون له الحياة الأبدية " (يو 3 : 16 ) .
ب – ولو كان الانتخاب والرذل مبنيين على مسرة الله فقط لترتبت على ذلك النتائج الآتية وهي :
أولا : أن يكون الله محابيا إذ يرحم شخصا دون آخر .
ثانيا : أن يكون غير عادل بقصاصه إنسانا قصد رذله .
ثالثا : المخالفة لمبدأ حرية الإنسان ومسئوليته عن أفعاله .
رابعا : التناقض مع أمر المخلص الصادر لتلاميذه بالكرازة لجميع الناس . (مت 28 : 19 )
ج – والرأي الثاني يقود البعض للتراخي والكسل ، والبعض الآخر للفشل واليأس ، وفي كل من هذين الخطرين هوة مفتوحة لاقتناص النفوس للهلاك الأبدي ، في حين أن الرأي الأول يجمع بين الشعور بنعمة الله وفضله في تعيننا للخلاص ، وبين الشعور بالمسئولية الشخصية ، ذلك الشعور الذي ينشط النفس وينبهها إلى رغبة الله في خلاص الجميع ، ويبعث فيها روح الرجاء عندما يمتحن إيمانها .