كلمة منفعة
أكثر صلاة تتكرر في طقوسنا، هي الصلاة من أجل سلام الكنيسة، وهي التي نقول فيها:
— سلام الكنيسة

رحلات بني إسرائيل

رحلات بني إسرائيل
حجم الخط
رحلات بني إسرائيل
اولا : الظروف :
(1) البرية : إن الاعتبارات الجغرافية والخصائص الطبيعية للصحراء - الواقعة بين مصر وأدوم ، والتى تجول فيها بنو إسرائيل مدة أربعين عاماً - لها قيمة عظيمة فى دراسة موضوع أصالة ما جاء عنها فى الاسفار الخمسة .
تشكل هذه البرية مثلثا بين خليجي السويس والعقبة ، يتجه رأسه جنوبا إلى الجبال الجرانتية ، ويبلغ طول قاعدته فى الشمال بين طرفى خليج السويس وخليج العقبة نحو 175 ميلا ، وتبلغ المسافة بين الشمال والجنوب نحو 250 ميلا ، وبذلك تكون مساحة المنطقة اكثر من 20.000 ميل مربع ، اى ما يعادل ضعف مساحة أرض الموعد شرقى وغربى نهر الاردن . وتقع إلى الشمال من هذه الصحرا ء سهول غزة وجرار وصحراء النقيب او المنطقة الجافة ( الجنوب - عدد 13 : 16 ) التى تضم الهضبة والتلال المنخفضة حول بئر سبع .
(2) أربع مناطق متميزة : تضم هذه المساحة أربع مناطق متميزة تماماً، تصل مساحة أكبر منطقة فيها إلى 13.000 ميل مربع ، وهى هضبة ترتفع جنوبا نحو 3.000 - 4.000 قدم حيث تصل إلى وادى العريش الفسيح جنوبى غزة ( وقد سمي وادى العريش لكثرة عرائش النخيل به ) على ساحل البحر المتوسط ، حيث يلتقى هذا الوادى بالبحر عندها . وتوجد فى هذا الاتجاه عدة جبال بارزة ، بينما يوجد إلى الشرق - بالقرب من موقع قادش الغربية - درج يصعد إلى الهضبة ويرتفع جنوبا إلى جبل المرة ، إلا ان ارتفاع هذه الجبال لا يتجاوز أربعة آلاف قدم فوق سطح البحر ، وتعرف هذه الهضبة باسم بادية التيه ورغم أن بعض الجغرافيين العرب - فى العصور الوسطى - قد أطلقوا عليها صحراء رحلات بنى إسرائيل إلا انهم لا يشيرون بذلك إلى الهضبة فقط بل إلى المنطقة كلها حتى العقبة . وتشكل الرابية فى الجنوب مصعدا شديد الانحدار او بالحري جداراً يدور غربا وشرقا ويرتفع فوق السهول الساحلية بالقرب من السويس ، وبالقرب من مركز الهضبة حصن نخل ( أى النخيل ) الصغير حيث توجد عين ماء . ولكن - بشكل عام - لا يوجد فى منطقة التيه سوى بضع عيون أهمها العين القريبة من قادش الغربية والتى تسمي عين قادش حيث أن منطقة رحوبون تنتمى إلى النقب أكثر ما إلى التيه وفى الشتاء حين تهطل الأمطا بغزارة تمتلئ الوديان بالسيول التى تصل أحيانا إلى ارتفاع عشر أقدام لبضع ساعات ، وقد تكتسح هذه السيول أمامها كل الأشجار والقطعان وحتى الانسان . إلا أنه تبعا للسطح الصخرى الصلد يندفع السيل إلى البحر وسرعان ما يصبح مجرد جدول أو نهير صغير . وحيث توجد التربة اللينة فى الأودية تنمو الحشائش وتكّون المراعى ، إلا أنه حتى فى أوائل الربيع ، يبدأ الأعراب فى المعاناه من نقص المياه التى لا تبقى إلا فى حفر أو في نقر بين الصخور ، ومن ثم يجدون مشقه فى سقى الأغنام والماعز .
(3) الأرض الرملية : وإلى الجنوب من جرف هضبة التيه توجد منطقة تسمى دبة الرملة أى منطقة الرملية التى لا يتجاوز أعرض جزء فيها ، العشرين ميلاً . كما توجد إلى الغرب سهول رملية وسفوج جيرية تمتد إلى الشرق من البحيرات المرة وخليج السويس .
وتتكون المنطقة الثالثة من سلسلة جبال جرانيتية ترتفع إلى نحو 8.550 قدما فوق مستوى سطح البحر ، وإلى نحو 6.000 قدم فوق مستوى الوادى بالقرب من جبل موسى . وترتوى بعض أجزاء هذه المنطقة بصورة أفضل من أى منطقة فى التيه ولذلك يمر بها الطريق الرئيسي بين مصر وأدوم .
(4) وصف منطقة العربة : أما المنطقة الرابعة فهى أى الوادى العريض الفسيح
( عشرة اميال عرضا ) . بين خليج العقبة والبحر الميت . ويوجد فى هذه المنطقة مجمع لمياه الامطار فوق الخليج بسبعمائة قدم ( جنوبي بترا ) وتتدفق المياه إلى الشمال من هذا المجمع إلى البحر الميت على عمق 1292 قدما تحت مستوى سطح البحر المتوسط . ويبلغ الطول الاجمالى لهذه الوادى 120 ميلا . ويبعد مجمع المياه القريب من سلسلة جبال أدوم نحو 45 ميلا شمالي العقبة . وقد كان رأس هذا الخليج قديما يمتد إلى الشمال أكثر مما هو الآن . ويوجد بالقرب من عين غوديان ( يغلب انها عصيون جابر ) و عين الطابه ( يرجع انها بطيات ) مساحة طينة تغمرها المياه فى الشتاء فتكون بحيرة تبعد عشرين ميلا عن البحر . وهناك سطح آخر عند عين الدفيَّه أسفل تلك المنطقة ، يبعد عشرة أميال عن العقبة . وتروى المنطقة كلها بطريقة أفضل بكثير من أى المناطق الثلاث سالفة الذكر ففيها عيون عند سفوح الجبال من الجانبين ، لذلك كانت العربة أفضل منطقة للراعى داخل الحدود التى ذكرناها فيما سبق . ويعيش فى هذه المنطقة الآن نحر الفين او ثلاث ألاف نسمة . فلا يزيد سكان كل منطقة هضبة التيه عن خمسة آلاف نسمة لأن القبائل القوية تقيم أساساً بين عزة وبير سبع . ويمتلك هؤلاء الأعراب الأغنام والماعز والجمال أما قطعان الماشية فلا توجد إلا بالقرب من بير سبع . وتسقى القطعان يوميا - كما يحدث فى فلسطين بعامة - وقد تساق نحو عشرين ميلا فى الشتاء لتجد الماء والمرعى. كما تجلب المياه على ظهور الحمير والجمال إلى الخيام ، وتحمل فى زقاق من جلد الماعز عبر المناطق الجدباء التى لا ماء فيها .
(5) الوصف الطبيعى للبرية : ليس هناك ما يدعو إلى الاعتقاد باختلاف الظروف فى زمن الخروج عنها فى الزمن الحالى ، اختلافا مادياً كبيراً حقيقة لقد قطع الأعراب فى الأزمنة الحديثة عدداً كبيراً من أشجار السنط لاستخدامها و قودا ، الا أن عدد سكان أقل من ان يوثر على النباتات فى المنطقة . ويصل معدل المطر السنوى إلى 10 - 20 بوصة سنويا فيما عدا سنوات الجفاف . وتسقط الثلوج على التيه فى الشتاء حيث تكتسى جبال سيناء وأدوام باللون الأبيض أياما كثيرة وتنمو اشجار السنط والنخيل والاثل فى الأودية وتوجد فى وادى فيران نحو خمسة آلاف من نخيل البلح ، كما يوجد نخيل البلح أيضا فى العربة ووديان أودم ، بينما تنمو أشجار الرتمة _ 1 مل 19 : 5 ) على هضبة التيه . وقد كانت هضبة التيه - فى العصور الجيولوجية القديمة - قاعا لأحد المحيطات الذى كان يحيط بجبال سيناء الجرانيتية ، وقد ارتفعت هذه الهضبة على الأرجح فى العصر الميوسينى قبل ظهور الانسان على الأرض بزمن طويل . ويتألف التكوين السطحى للهضبة من صخور جيرية طباشيرية من العصرين الايوسينى والطباشيري ، تعلو طبقة من الحجر الرملى النوبى ، تبدو ظاهرة على السطح على امتداد الطريق من سيناء إلى هضبة جلعاد . وتظهر هذه القيعان ى جرف هضبة التيه ، وما زالت هناك إلى الشمال من سيناء تكوينات أقدم من الحجر الجبري والحجر الرملى الصحرواى منذ العصر الكربونى . ولما كانت ظروف توفر المياه الطبيعية تتوقف تماماً على التكوين الجيولوجى وعلى سقوط الأمطار ، وهى التى لم يتغير شئ منها منذ زمن موسي ، فالنتيجة العلمية هى أن الصحراء الموصوفة هنا تمثل نفس الصحراء فى عصر موسى . وهذا - كما سنرى - يوثر على تصورنا للمسار الذى سلكه بنو إسرائيل من مصر إلى العربة ، لأنه لا يوجد على الطريق المباشر من السويس إلى نخل
( نحو سبعين ميلا ) أى مصدر للماء تقريبا ، ومن ثم كان يجب أن يحمل الماء على الجمال فى أثناء السفر ، بينما يوجد شرقى نخل إلى مسافة ثمانين ميلا مصدر واحد فقط معروف هو بيرالتميد على بعد اميال قليلة جنوبى الطريق ، فلم يكن ممكنا عمليا للاسرائلين - هم ومواشيهم - سلوك هذا الطريق ، بينما كان ميسورا لهم سلوك طريق سيناء . وهكذا عندما يقول ويلهاوزن ان بنى إسرائيل قد ساروا مباشرة إلى قادش ولم يميلو إلى سيناء يظهر أنه لم يأخذ فى الاعتبار تضاريس المنطقة كما وصفها كثيرون من الرحالة فى العصر الحديث ، اذ لم يكن الغرض من تعريجهم على سيناء هو زيادة جبل الله فحسب ، بل اتخاذ أيسر الطرق إلى قادش .
(6) صعاب : هناك بعض الصعاب فيما يختص بعدد بنى إسرائيل ، وبأوصاف الخيمة . اما مشكلة عدد بنى إسرائيل فقد سبقت مناقشتها فى موضع آخر ( انظر الخروج ) . اما فيما يختص بإقامة خيمة الاجتماع بوصفها المذكور فى سفر الخروج
( 25 - 28 ، 326 - 39 ) فان إقامة بنى إسرائيل فى مصر موطن الحضارة ، بضع مئات من السنين ، يمكن ان تفسر وجود صناع مهرة مثل بصلئيل . وقد استخدم المصريون خشب السنط فى عمل الأثاث . ورغم أن شجر السنط لا ينمو فى الصحراء لدرجة تجعل من الممكن صنع ألواح عرضها ¼ 1 قدم إلا انه كان من الممكن الحصول على مثل تلك الالواح عن طريق التعشقيق ، كما يتضح مما خلفه قدماء المصريين . وكان هناك الكثير من الذهب فى مصر وآسيا ، ولكن ليس فى سيناء . والارجح أن الحلى وأدوات الزينة التى سلبيها بنو اسرائيل من المصريين ، قدموا لموسي لعمل الخيمة مع سائر الأشياء ( خر 36 : 6 ) كما صنعوا الستائر والحجاب ، وغشوا ألواح السنط بطبقة رقيقة من الذهب . ولعل من العسير علينا أن نعرف - حسب ما لدينا من معلومات - من أين أمكنهم الحصول على مثل تلك الكمية من الفضة اللازمة لصنع القواعد (خلا 26 : 25) . أما النحاس ( خر 27 : 4 ) فقد كانت هناك مناجم للنحاس فى وادى نصب بالقرب من سرابيط الخادم حقيقة لقد قدمت النساء أقراط الذهب لهرون لعمل العجل الذهبى ، ولكنه يبدو انه كان عجلا صغيرا لم يستهلك سوى القليل مما كان لديهن . ويشير يوسابيوس إلى ذى ذهب أي مكان الذهب - تث 1- 1) وهي الآن مدينة ذهب على الشاطئ الغربى لخليج العقبة فى شرقى سيناء ، كما توجد مناجم النحاس فى فونون ويعتقد ان عروق الذهب كانت توجد أيضا فى جبال أدوم فى العصور القديمة . كما توجد بالفعل كميات قليلة من الذهب فى مديان . ونعلم أيضا أن المصريين والأشوريين قد حملوا التوابيت والمذابح مع جيوشهم . كما اكتشفت خيمة كبيرة من الجلود كانت للملكة هاباسو (Habasu) ويتحدث تحتمس الثالث - من قبل عصر الخروج - عن سبعة أعمدة للخيمة مغطاة برقائق من الذهب أخذها من خيمة ملك الأعداء كغنيمة من مجدو . كما كان فن نقش وترصيع الأحجار الكريمة معروفا فى تلك العصور.
(7) صعوبة فيما يختص بعدد المركبات : هناك مشكلة أخرى وهى كيف يمكن لست عجلات يجرها اثنا عشر ثورا ( عد 7 : 3 ) أن تكفى لحمل كل الالواح الخشبية الثقيلة والحجاب وأدوات خيمة الاجتماع ؟ والمركبات التى تجرها الثيران كانت معروفة منذ القديم فى أسيا ، وكانت يمكن صنعها بأحجام مختلفة حسب الغرض منها ورغم انه يبدو أنه كانت تمر فى أدوم وفى مؤاب ، إلاأننا نعرف أن أميراً مصرياً ساق مركبته عبر جبال فلسطين 0 فى زمن حكم رمسيس الثانى- حتى انكسرت أخيراً بالقرب من يافا .
(8) حيوانات الصحراء : هناك إشارات كثيرة إلى معرفتهم بحيوانات الصحراء ، ولم يكن المّن - كما وصف فى سفر الخروج ( 16 : 31 ) - يشبه الصمغ والحلو الذى تفرزه شجيرات السنط ( التى ربط بعضهم بينه وبين المن ) والذى يذوب فى حرارة الشمس ، ويعتبر مستساغا عند الاعراب ، أما السلوى (السمّان) فمازلت تهاجر ليلا من البحر شمالا عبر الصحراء فى الربيع وتطير على ارتفاع منخفض ليلا ( خر 16 : 13 ، عد 11 : 31 ) . وتضم الطيور المذكورة فى الأصحاح الحادى عشر من سفر اللاويين ، والأصحاح الرابع عشر من سفر التثنية أنواعا موجودة بالفعل على شواطئ البحر فى البرية مثل الغواص والقوق والنورس والنعام ( فى الصحراء شرقى مؤاب ) واللقلق والكركى والببغاء التى تهاجر من أفريقيا إلى وادى الأردن . ومن الملاحظ أنه - فيما عد الببغاء - ليست الأسماء العبرية هي نفس الأسماء التى استخدامها الآشوريين فيما بعد .
أما الحيوانات الثديية فتشمل الخنزير البرى الذى يحب المستنقعات ، والوبار الذى مازال يوجد بالقرب من سيناء وفى صحراء يهوذا مع الارنب البرى . وهناك بعض الحيوانات المذكورة فى سفرالتثنية ( 14 : 5 ) لا توجد فى الصحراء ولكنها توجد فى بعض جهات فلسطين .
(9) الاسماء المميزة للمناطق : هناك أسماء مميزة للمناطق المختلفة فى البرية فى سفر الخروج ، فنجد أن شور ( أى سور ) وهو اسم المنطقة الساحلية تحت سور التية وكانت برية سين ( أى القمر - خر 17 : 1 ، عدد 33 : 11 ) هى الصحراء الساطعة من الطباشر الابيض . كما نلاحظ ان فاران غربى سيناء تذكر عشر مرات كبرية وكمنطقة جبال ( تك 21 : 21 ، عد 10 : 12 ، 12 : 16 ، 13 : 3 و 26 ، تث 23 : 2 ، حب 3 : 3 ) بين سيناء وقادش ، ويبدو الاسم باقيا فى وادى فيرن غربى سيناء ، وهى يعنى نوعاً من الجحور ، وقد تشير هذه الجحور إلى مناجم او كهوف أو أماكن مياه . إلا أن الاسم قد يكون مشتقا من كلمة نيرن العربية اشارة إلى شدة الحرارة ويبدو أنه يشير إلى التيه بعامة ( تك 21 : 21 ) لأن داود ( 1 صم 25 : 1 ) فى فاران لم يكن بعيدا عن معون والكرمل إلى الجنوب من حبرون ( انظر أيضا 1 مل 11 : 18 ) ثم نقرا عن برية صين تسع مرات ، وهى ترتبط ارتباطا وثيقا بمنطقة قادش برنيع إلى الشرق من فاران ( عدد 13 : 21 ، 20 : 1 ، 34 : 3 ، تث 32 : 51 ، يش 15 : 3 ) ويقولمعملو اليهود انها تعنى نخلة وهو ما يناسب وادى العربة الذى مازال محتفظا بالاسم القديم ( تث 1 : 1 ) .
هذه الاعتبارت المختلفة الخاصة بالأحوال المحيطة ، تساعد على توضيح أن الصعاب التى كثيرا ما تبدو فيما يختص بالسمة التاريخية لسفر الخروج ، فيها الكثير من المغالاة ، وأن الدراسة المستفيضة للرحلات المختلفة تساعد على تأكيد صحة الخروج .
ثانيا : الرحلة الأولى :
(1) طريقة الارتحال : ارتحل بنو إسرائيل من مصر فى أوائل شهر ابريل ( بعد الرابع عشر من شهر أبيب ) ، وصلوا إلى سيناء فى الرابع عشر أو التاسع من الشهر الثالث ( خر 19 : 1 ) ، ومن ثم فقد استغرقوا نحو شهرين فى رحلة طولها نحو 117 ميلا . ولكنهم فى الفترة بين أول معسكر أقاموه بعد عبور البحر الأحمر حتى أخر موضع نزلوا فيه فى السهل أمام الجبل ، قطعوا عشر مراحل ، مما يجعل كل مرحلة من معسكر إلى آخر أقل من اثنى عشر ميلا . وهكذا قضوا فى خيامهم خمسين يوما على الأقل ، عند المناطق التى تتوفر فيها عيون ماء بما فى ذلك مناطق إيليم و رفيديم لاراحة قطعانهم . ولعل الخيام لم تكن مكدسة جميعها حول عين مياه واحدة ، بل موزعة على مساحة عدة أميال ، فالاعراب لايخيمون بقطعانهم بالقرب من مصادر المياه حتى لا تتلوث عيون المياه ، بل كانوا يرسلون النساء بالحمير لجلبن لهم المياه .
(2) المسار - اول معسكر : لقد وصف روبنسون مسار رحلات بنى إسرائيل بكل دقة . وهو سنأخذ به فى هذه الدراسة . كان أول معسكر بين العيون التى تغذى السويس ( عين نبعة ، وعيون موسي ) والتى تبعد عنها نحو أربعة اميال . وعين نبعة تربص بين التلال الرملية ، وتتدفق مياها فى حوض عمقه نحو ست أقدام ، ومياهها راكدة ، ولكنها كانت تمد السويس بما حمولته مئتا جمل من المياه . اما عيون موسي فهى سبع عيون بعضها صغير تتسرب مياهه إلى الرمال ، ويوجد بعض النخيل بالقرب من المياه ، كما ينمو بعض الشعير ، كما تزرع الآن فيها أشجار الرَّمان التى تعطى مع النخيل ظلالا وارفة .
(3) مياه مارة : ومن أول قاعدة ، انطلق بنو إسرائيل ثلاثة أيام فى البرية (شور) ولم يجدوا ماء ( خر 15 : 22 ) ولعلهم أرسلوا الجمال بحثا عن الماء . فلما جاءوا إلى مارة ومعناها : مرة ) وجدوها غير صالحة للشرب ، حتى تمتد تحليتها . ومن الواضح أن موقع مارة هو عند عين حوارة (عين الطباشر الأبيض) ، وذلك للأكمة الطباشيرية المجاورة لها ، وهى تبعد ستة وثلاثين ميلا عن عيون موسى ، مما يعطى معدلا للسير نحو اثنى ميلاً يومياً . وليس هناك مياه على طول تلك الطريق رغم أنهم ربما جلبوا بعض المياه من عين أو جراد فى وادى سدر ومن النبع الصغير المعروف باسم أبو صويرة بالقرب من البحر . ويرى بعض العلماء أن المياه قد زالت مرارتها وصارت حلوه صالحة للشرب بسبب ثمار الغرقد ( ذات العصير الحمضى ) التى تنمو بين الشجيرات الشوكية بالقرب من الينبوع ، وتنضج هذه الثمار فى يونية . ولاشك فى أن أفضل طريقة لمعالجة المياه الراكدة ، هى إضافة مادة حمضية ويعتبر الأعراب مياه هذه العين أشد العيون مرارة فى كل المنطقة القريبة .
(4) المعسكر بقرب البحر الأحمر : ومن مارة ساروا إلى إيليم ( النخيل ) حيث كانت توجد اثنتا عشرة عين ماء ( ليست بئرا ) وسبعون نخلة ( خر 15 : 27 ) . ومن الواضح أن الموقع هو وادى غرانديل حيث يوجد هناك غدير تمده بالمياه عيون ماؤها أفضل من مياه مارة . والمسافة بينهما نحو ستة أميال ، وهى مسيرة قصيرة . كما توجد بها أشجار نخيل بجوار عيون المياه . ثم دخل بنو إسرائيل بعد ذلك برية سين الممتدة من إيليم إلى سيناء ، فنزلوا على بحر سوف ( البحر الأحمر - عدد 33 : 10 ) بعد شهر واحد من مغادرتهم لمصر
( خر 16 : 1 ) ولعل الموقع المرجح هو بالقرب من وادى الطيبة الذى يبعد نحو عشرة أو اثنى عشر ميلا من غرانديل حيث تمتد سفوح التلال حتى لتكاد تلامس الشاطئ . ويوجد إلى شمالى الوادى جبل حمام فرعون وسمى كذلك بسبب العيون الكبرتية الدافئة . والمياه الموجودة فى وادى الطيبة أفضل من مياه مارة وعى المكان الرئيسي للاستفاء بعد مغادرة عيون غرانديل وقد وصف بوركهارت ( borkhardt ) بحيرة فى المورخات فى صخور الحجر الرملى بالقرب من سفوح الجبال ، الا أن مياه هذه البحيرة مرة تكثر بها الاعشاب والطحالب . والموقع قريب من سهل ساحلى عريض يمتد جنوبا ، حيث ينفرج منه طريقان نحو سيناء التى تقع على بعد نحو 650 ميلا إلى الجنوب الشرقى (عد 33 : 11 - 15 ) وفى هذه لمسافة نقرأ عن خمس محطات تبعد كل منها عن الأخىر مسيرة نحو ثلاثة عشر ميلا . ولعل العبرانيين قد أخذوا الطريق المنخفض والأسهل وبخاصة أنه لا يمر بمناجم المصريين فى وادى المغارة ونزلوا عند سرابيط الخادم حتى يبعدوا عن مرمى سهام حراس المناجم ( وهو أمر غير مؤكد ) .
(5) الطريق إلى سيناء : لسنا نعرف - على وجه اليقين - ايَّا من المعسكرات الخمسة فى هذا الجزء من الطريق فدفقة تعنى الاسراع بالقطعان و ألوش تعنى - حسب رأى المعلمين اليهود - الازدحام اشارة إلى مصاعب المسيرة و رفيديم معناها انتعاش اشارة إلى معسكر أفضل بالنسبة لغيره ومازال معناها انتعاش اشارة إلى معسكر افضل بالنسبة لغيره ، ومازال موقعها منذ القرن الرابع الميلادى معروفا فى وادى فيران هو واحة نخيل بلح مع غدير ماء جارٍ ، والمسافة اليه من سيناء نحو 18 أو 14 ميلا من الطرف الغربى للسهل الفسيح المسمى سهل الراحة ، والذى أقام فيه بنو اسرائيل معسرهم على مرأى من حوريب ويطلق اسم حوريب ( خر 17 : 6 ) على صحراء سيناء غربا حتى فيديم وهنا فجَّرت عصا موسى - عندما ضرب بها الصخرة - نهراً من الماء بعد أن كانت قد اشتدت حاجتهم إلى الماء . وهنا أيضا أمكنهم أن يستريحوا ثلاثة أسابيع قبل ان يستأنفوا مسيرتهم الأخيرة إلى السهل مقابل الجبل ( خر 19 : 1 و 2 ) الذى وصلوا اليه بعد شهرين من رحيلهم من مصر . وهنا هاجم عماليق مؤخرتهم وكان قد مضي له الزمان ما يكفي لوصول اخبار رحلتهم إلى مديان ، لأنسباء موسى ليصلوا إلى سيناء ( خر 18 : 1 - 5) ومن فوق أحد التلال بالقرب من الانحدار يفصل هذه الواحة عن سهل الراحة وكانت الجمال حاملة للأمتعة تدور حوله للأمتعه تدور حوله شمالاً إلي وادي الشيخ الذى لعله كان المسار الفعلى . ووحة رفيديم ذات تربة غرينية خصبة ويبدو ان النساك المسيحيين قد اختاروا هذات الموقع لهم منذ القرن الثالث الميلادى .
ثالثا : الرحلة الثانية :
(1) الاقامة فى سيناء : مكث بنو إسرائيل فى جبل سيناء عشرة أشهر وغادوره بعد الفصح الثانى ( عدد 9 : 1 - 3 ) ويبدو انهم غادروه سريعاً بعد العù1