كلمة منفعة
في تذكرنا لأسلوب آبائنا الرسل في خدمتهم، نتلقى دروسا عملية مثالية في روح الخدمة، نذكر منها:
— روح الخدمة

بيرية

بيرية
حجم الخط
بيرية
(1) مدينة في جنوبي مكدونية : في مقاطعة اماتيا عند قاعدة جبل برميوس، على احد روافد نهر هلياكمون. ويبدو انها كانت مدينة قديمة، وان كنا لا نعلم متى تاسست وقد ورد اسمها في احد النقوش التي ترجع إلي اواخر القرن الرابع قبل الميلاد، كما يذكرها بوليبيوس (Polybius) مرتين. وبعد معركة بدنا (Pedna) في 168 ق.م. كانت بيرية اولى المدن التي استسلمت لروما، واصبحت احدي مدن المنطقة الثالثة من المناطق الاربع التي قسمت اليها مكدونية.
وقد جاء الرسول بولس وسيلا إلي بيرية بعد اضطرارهما للخروج من تسالونيكي، بعد الاحداث العاصفة التي وقعت بسبهما فيها. وقد امن كثيرون من اليهود من اهل بيرية، بعد الفحص الدقيق لاقوال الرسول في ضوء الاسفار المقدسة ( أع 17 : 10 و 11 ). كما امنت كثيرات من النساء اليونانيات الشريفات ومن الرجال عدد ليس بقليل ( أع 17 : 12 ). ولكن جاءت جماعة من اليهود من تسالونيكى وهيجت الجموع في بيرية، فاضطر بولس إلي مغادرة المدينة، اما سيلا وتيموثاوس فبقيا هناك ( أع 17 : 14 ). ولعل سوباترس البيري الذي رافق الرسول في رحلته الاخيرة إلي اورشليم، كان قد قبل الرب في اثناء تلك الزيارة ( أع 20 : 4 ). وقد اصبحت بيرية ــ التى كانت من اكثر مدن مكدونية ازدحاما بالسكان ــ مقرا لاسقفية تابعة لمطرانية تسالونيكي. ثم اصبحت مطرانية مستقلة في ايام اندروتكوس الثاني ( 1283 ــ 1328م ). وهناك تقليد يقول ان انسيمس كان اول اسقف لبيرية. وقد لعبت بيرية دورا هاما في الصراعات بين اليونانيين والبلغاريين والصربيين. واخيرا استولى عليها الاتراك العثمانيون في 1373 / 1374م. ومازالت المدينة تسمى عند اليونانيين باسمها القديم، وان كان الاتراك قد اطلقوا عليها اسم كارافيريا وليس بها الا القليل من الاطلال القديمة، وان كان بها الكثير من النقوش.
(2) بيرية : المدينة التي نقل اليها منلاوس رئيس الكهنة المخلوع، ليقتل فيها بامر من انطيوكس اوباطور. وقد القي بمنلاوس ــ حسب العادة المتبعة وقتئذ ــ من اعلى برج ارتفاعه خمسون قدما، مملوء رمادا وفيه الة مستديرة تهوى براكبها من جميع جهاتها إلي الرماد ( 2مك 13 : 3 ــ 5 ). وهي مدينة حلب القديمة الواقعة في منتصف المسافة بين انطاكية وهيرابوليس، وقد اطلق عليها نكانور السلوقي اسم بيرية . وكانت مدينة هامة في العصور الوسطى. وقد استردت ــ تحت الحكم الاسلامي ــ اسمها القديم حلب الذي مازال يطلق عليها حتى الان.
(3) بيرية : وهي الاسم اليوناني الذي كان يطلق على عبر الاردن ، او شرقي الاردن. وقد جاء من الكلمة اليونانية بيران بمعنى عبر وهذا الاسم لا يذكر مطلقا في الكتاب المقدس في الاشارة إلي هذه المنطقة، بل تذكر ترجمته عبر الاردن ( مت 4 : 15، 19 : 1 )، ولكن يوسيفوس وغيره من المؤرخين يستخدمونه دائما في الاشارة إلي هذه المنطقة التي كانت تمتد من وادي اليرموك في الشمال إلي وادي ارنون في الجنوب عند قلعة مكاروس، كما كانت تمتد من الاردن في الغرب إلي البرية في الشرق.
وقبل دخول بني إسرائيل إلي ارض كنعان، كان الموابيون والعمونيون وغيرهم يقطنون تلك المنطقة. وقد وقعت في قرعة سبطي راوبين وجاد ونصف سبط منسى. ولانها كانت تقع على الحدود الشرقية لارض الموعد، فقد كانت اول ما يتعرض لغزو القوات القادمة من الشرق. ونقرا في المكابيين الاول ( 5 : 9 ــ 24 ) كيف انقذ يهوذا الاقلية اليهودية التى كانت تعيش هناك. وقد غزاها اسكندر جانوس واجبر البيرين على اعتناق اليهودية. وقد مات اسكندر جانوس نفسه في راجابا في 76 ق.م.
وبعد موت هيرودس الكبير، وفي اثناء حياة الرب يسوع على الارض، حكم هيرودس انتيباس ( 4 ق.م. ــ 39 م ) بيرية وبني بيت الرامة ( بيت هارام المذكور في يشوع 13 : 27 ) وسماها جولياس.
وتذكر المشنا اليهودية انه كانت هناك ثلاثة اقسام في بلاد إسرائيل : اليهودية، وعبر الاردن، والجليل، مما كان يسمح لليهود من الجليل ان يصلوا إلي اليهودية دون المرور بالسامرة التي كانت تقع بين الجليل واليهودية على الضفة الغربية للاردن، وبذلك كان يمكن لليهودى ان يتجنب وضع قدمه على ارض غير مقدسة عند ذهابه إلي أورشليم ثلاث مرات في السنة للظهور امام الرب ( على اساس ان المدن العشر كانت جزءا من بيرية، وان كانت الحدود التي يذكرها يوسيفوس تستبعدها من بيرية ).
وكان الحد الجنوبي لبيرية قلعة مكاروس، وهي قلعة بناها هيرودس في منتصف الساحل الشرقي للبحر الميت. ويقول يوسيفوس ان هيرودس قطع راس يوحنا المعمدان في قلعة مكاروس. وقد اشترك يهود بيرية في الحرب ضد روما، التي انتهت بسقوط اورشليم. وقد حكم هيرودس اغريباس الثاني، بيرية، في ايام نيرون، إلي ان مات في 100 م. وهي الان جزء من المملكة الاردنية الهاشمية. وقد اختفى الاسم القديم بيرية منذ زمن بعيد.
وتتحدث التفسيرات للعهد الجديد عن خدمة يسوع في بيرية، التي بدات منذ مغادرته للجليل ( مت 19 : 1، مرقس 10 : 1 ) وانتهت بمسح مريم له بالطيب في بيت عنيا ( مت 26 : 6، مرقس 14 : 3 ) ولا تسجل لنا الاناجيل الا القليل من الاحداث التي جرت في غضون تلك الفترة. والارجح ان المسيح اعتمد في منطقة بيرية، وكانت ــ بلاشك ــ المكان الذي نطق فيه الرب بالكثير من اقواله ( مت 19، مرقس 10 : 1 ــ 31، لو 18 : 15 ــ 30 ). ويرى الكثيرون ان هذه الفصول ترجع إلي ما بعد ذهابه إلي افرايم ( يو 11 : 54 ). ومن بيريه استدعته الاختان لاقامة لعازر ( يو 11 : 3 ).
وكانت بيت عبرة ( يو 1 : 28 ) في عبر الاردن أي في بيرية. ولا بد ان المسيح مر كثيرا ببيرية في انتقالاته من الناصرة إلي اورشليم في السنين التي مرت قبل خدمته العلنية. وقد جاءت جموع كثيرة من عبر الاردن (بيرية ) لكي يشفيها يسوع ( مت 4 : 25، مرقس 3 : 8 ).