كلمة منفعة
ما أعظم محبة الله لنا. يكفى أن الله محبة..ونحن "نحبه لأنه أحبنا قبلًا"..
— محبة الله لنا (أ)

بولس الرسول الرحلة التبشيرية الثانية

بولس الرسول الرحلة التبشيرية الثانية
حجم الخط
الرحلة التبشيرية الثانية :
لقد وصل بولس في رحلته التبشيرية الثانية إلى مناطق أبعد، فمع أنه كان يتوقع عندما شرع فيها، أن يواصل كرازته للأمم داخل حدود أسيا الصغرى، إلا أن الرب قاده إلى مكدونية وأخائية في جنوبي شرقي أوروبا. ونجد تفصيلات هذه الرحلة في سفر الأعمال ( 15 : 36 ــ 18 : 22 )، وقد استغرقت هذه الرحلة السنوات من 49 ــ 52م.
أ- فريقان للكرازة : بعد أن حُسِم موضوع النزاع فى أنطاكية، الذي أثاره التهوديون، أراد بولس أن يعاود زيارة الكنائس التي تأسست فى رحلته التبشيرية الأولى، فوافق برنابا على ذلك، وأراد أن يأخذا معهما أيضاً ابن عمه، يوحنا مرقس، اهتماماً منه بتقدمه الروحي. ويبدو من اقتراح برنابا أنه رأي تحولاً في نظرة مرقس إلى بولس وكرازته للأمم، وإلا لمَا فكر في ذلك. والأرجح أن مجمع أورشليم لعب دوراً هاماً في إعادة تقديره للأمور، فأصبح أرجح عقلاً وأرحب قلباً، فأقر شرعية تصرف بولس. ولكن بولس لم يقبل ذهابه معهما. ولعل التقرير الذي قدمه مرقس بعد عودته إلى كنيسة أورشليم، هو الذى أثار مقأومة التهوديين لخدمة بولس. وإذا كان الأمر كذلك، فيحتمل أن برنابا رأى أن وجود مرقس معهما والشهادة الناتجة عن تغير موقفه، سيكون له أثاره الاستراتيجية عند العودة لزيارة جماعات المسيحين الذين عرفوا مرقس من قبل.أ ما بالنسبة لبولس، فقد كان الجرح أعمق غوراً، ولم تندمل أثاره بعد، فلم يكن الجو مهيأ للارتباط الوثيق بشخص يحتمل أنه كان ــ ولو عن غير قصد ــ عاملاً فى إثارة النزاع الأصلي. وبينما يحتمل أن مرقس قد تغير قلباً وفكراً، وتخلى عن كل النزعات التهودية، وأصبح مؤيداً لاتجاهاته، لكن بولس ظل على موقفه، لأن القضية كانت أكبر من ذلك كثيراً، كما أن خير الكنائس كان فى الدرجة القصوى من الأهمية، فلم يكن الحال يسمح بالمجازفة بوجوده معهما حتى لا يذكر الكنائس بتذبذبه السابق وانشقاقه عنهما. وعند هذا وجد برنابا أنه على غير وفاق مع بولس، فحصل بينهما مشاجرة حتى فارق أحدهما الآخر ( أع 15 : 39 ). فأخذ برنابا مرقس وذهبا إلى قبرس التي بدات منها رحلتهما السابقة، وحيث يمكن لمرقس أن يكون أكثر نفعا. واختار بولس سيلاً رفيقاً جديداً له وعاد إلى حقول العمل فى أسيا الصغرى ( أع 15 : 36 ــ 41 ).
ولايمكن أن يكون النزاع بين المؤمنين أمراً مشكوراً أو مقبولاً، ومع أن لوقا يصف مأحدث من مشاجرة بين بولس وبرنابا، إلا أنه لا يعلق عليه بشيء، بل اكتفى بسرد الأحداث كما جرت، بدون محأولة التقليل من خطورة الموضوع. ويجب أن نلاحظ أن الخلاف قد دار ــ كما يبدو ــ حول قضايا الساعة، ولم يهبط مطلقاً ــ كما نرى من إشارات بولس فيما بعد إلى الآخرين ــ إلى مستوى القذف فى حق الآخرين أو الغض من شأنهم، ففى رحلته الثالثة، إشار بولس إلى برنابا فى رسالته إلى الكورنثيين قارنا اياه بنفسه، ومعتبراً إياه رسولاً من أعظم الرسل ( اكو 9 : 6 ). ثم فى رسالته إلى المؤمنين في وادي ليكوس في جنوبي أسيا الصغرى، الذين يحتمل أنهم كانوا يكنون بعض العداء لمرقس لمِاَ سمعوه عن تصرفه السابق، يكتب لهم بولس من جهة مرقس حاثاً إياهم على أن يقبلوه إن أتى إليهم ( كو 4 : 10 ). وفى آخر رسالة كتبها قبيل استشهاده، يطلب من تيموثأوس أن يحضر مرقس معه لأنه نافع لي للخدمة ( 2تي 4 : 11 ). ومن الواضح أنه حتى رجال الله الأتقياء ــ من أسمى نوع ــ يمكن أن يختلفوا وتفترق بهم الطرق، ورغم أن هذا الانفصال لا يمكن أن يكون، موضع ثناء، فإن الكتاب المقدس لا يعتبره وصمة عار على أي جانب من الجانبين طالما أن الانفصال لم ينشأ عن دوافع شخصية أو عن حقد أو لرغبة فى الانتقام. وفي الحالة التي أمامنا استخدم الرب الخلاف لإِرسال فريقين للكرازة بدلاً من فريق واحد. ومع أن لوقا لا يسجل لنا في سفر الأعمال شيئاً مفصلاً عن خدمة برنابا، فلا يمكن أن يكون ذلك لعدم رضاه عنها. وإذ حكمنا بناء على إشارات بولس ــ فيما بعد ــ إلى هذين الرجلين، برنابا ومرقس، فمن الواضح أنهما قاما بعمل ممتاز في قبرس، ولكن بولس كان البطل الذى يؤرخ له لوقا، كما أنه عن طريق خدمة بولس حدث هذا التقدم الكبير في تبشير الأمم.
وكان اختيار بولس لسيلا ليكون رفيقاً له، اختيارا موفقاً، إذ كانت تتوفر فيه صفات تلائم الخدمة بين الأمم كما حدثت فى الخمسينات من القرن الأول. ففى المقام الأول كان أحد قادة المؤمنين فى أورشليم مؤهلا لتمثيل رأي كنيسة أورشليم ( أع 15 : 22و27و32 ). كما كان نبياً قادراً على أن يتحدث للأمم حديثاً فعَّالاً ( أع 15 : 32 ). ومن إشارات بولس المتكررة إليه باسمه الروماني سلوانس ( 1 تس 1 : 1، 2 تس 1 : 1 ) يمكننا أن نستنتج إنه كان على استعداد لملاقاة الأمم على قدم المساواة، وبالإِضافة إلى ذلك، كان مواطنا رومانيا له الحق فى الحصانة ضد الأضطهادات المحلية متى لزم الأمر ( أع 16 : 37 )، وبهذه الصورة كان أفضل رفيق لبولس فى رحلته. وهذا الوفاق الواضح بين سيلا والرسل فى كنيسة أورشليم أولاً، ثم مع بولس فى رحلتيه الثانية والثالثة، ثم مع بطرس ( ابط 5 : 12 ) لأكبر دليل على الوحدة الأساسية بين جناحي المسيحية في عصورها الأولى، وبين قادتها أيضاً.
ب- الخدمة فى أسيا الصغرى : بعد أن غادر بولس وسيلا أنطاكية سورية، زارا أولاً كنائس سورية وكليكية ( أع 15 : 41 ). والأرجح أن المؤمنين في تلك الجهات، قد تجددوا بواسطة الشهادة المنبثقة من الكنيسة فى أنطاكية، ولو أنه يحتمل أن البعض منهم قد تجددوا عن طريق خدمة بولس في أثناء وجوده فى طرسوس. وبعد أن أجتازا فى الممرات الجبلية التي تسمى البوابات الكيليكية ، وصلا إلى دربة ولسترة، ومن هناك ذهبا إلى الكنائس الأخرى في أسيا الصغرى، التي تأسست فى خلال رحلته الأولى ( أع 16 : 1 و 4 )، وأعلنا فى كل كنيسة القرار الذي توصل إليه مجمع أورشليم والقضايا التي حكم بها الرسل والمشايخ الذين فى أورشليم لإِزالة التوتر الموجود بين المؤمنين من اليهود والأمم، وبذلك كانا يشددان الكنائس فى الإِيمان المسيحي، كما وأصلاً الكرازة بالإِنجيل، فتجدد كثيرون أيضاً وآمنوا بالرب يسوع المسيح ( أع 16 : 4 و 5 ) .
وفى لسترة وجد الرسول بولس الشاب تيموثأوس ــ الذي كان قد تجدد فى اثناء الرحلة الأولي ــ فطلب منه بولس أن يرافقه وسيلا فى التجوال والخدمة. وكانت جدته لوئيس وأمه أفنيكى يهوديتين متعبدتين، ثم أصبحتا مسيحيتين تشتعلان غيرة وحماسة ( اع 16 : 1و2 تي 1 : 5، 3 : 15 ).أما أبوه فقد كان يونانياً، ويبدو أنه لم يكن مؤمناً لا باله إسرائيل أو بالرب يسوع المسيح. وحيث أن تيموثاوس كان قبل تجديده نصف يهودي، تربى فى أحضان أمه وجدته اليهوديتين المتعبدتين، فكان في نظر الناس مسيحياً يهودياً، اخذه بولس وختنه حتى لا يعثر اليهود بلا داع ( أ ع 16 : 3 ). ومع أن بولس كان يحتج بشدة ضد ختان المتجددين من الأمم، لكنه لم يعترض مطلقاً ــ فى ضوء الظروف القائمة ــ على حق المسيحين من اليهود فى ممارسة الختان.
ولقد رأى الكثيرون من المفسرين أن ما جاء فى سفر الأعمال ( 16 : 6 ) يدل على أنه بعد زيارتهم للكنائس فى جنوبي أسيا الصغرى، ذهب بولس وسيلا إلى الجزء الشمالي من مقاطعة غلاطية، وهناك أسساً الكنائس التي كتب لها بولس فيما بعد رسالته إلى غلاطية. وقد ظهرت هذه النظرية منذ العصور الأولى عندما تعدلت الحدود السياسية لغلاطية لتضم الأجناس الغالية التي كانت تقيم أساسا فى الشمال، وهكذا فصلوا عنها الأجزاء الجنوبية التي كانت تضم أنطاكية وإيقونية ولسترة ودربة، ولذلك لم يخطر على بال الأباء أن الرسالة إلى غلاطية كتبت إلى الكنائس فى الجنوب والكلمات في اليونانية فى العدد السادس من الأصحاح السادس عشر من سفر الأعمال، ترجح أن الترجمة الصحيحة هى : وبعدما اجتازوا في كورة غلاطية الفريجية ، وبذلك يتحدد مكان الخدمة فى غلاطية الجنوبية وليس في غلاطية الشمالية كما افترضت النظرية المذكورة.
ويبدو أن بولس قصد ــ فى بداية رحلته الثانية ــ أن يمد دائرة خدمته إلى المقاطعة الرومانية المزدهرة فى غربي أسيا الصغرى، فبعد أن شدد الكنائس التي تأسست فى أثناء رحلته الأولى، رأى أن يواصل السير غرباً، لكن بطريقة ما، منعهم الروح القدس أن يتكلموا بالكلمة فى أسيا ( أع 16 : 6 )، ففكر فى الذهاب إلى المدن الرومانية الكبيرة على ساحل البحر الأسود فى مقاطعة بيثينية، فلم يدعهم الروح أيضاً ( أع 16 : 7 )، فلم يعرفوا إلى أين يذهبون، ولانهم كانوا يعلمون تماماً أن الله قد دعاهم لمواصلة الكرازة للأمم، انحدروا إلى ترواس الواقعة على ساحل بحر ايجة. وفى ترواس ظهرت لبولس رؤيا في الليل رجل مكدوني يطلب إليه ويقول : اعبر إلى مكدونية وأعنا ( أ ع 16: 8و 9 )، وقد قبلا هذا توجيهاً من الله، ورأوا الاحتمالات الكبيرة للكرازة بالإِنجيل فى المدن الواقعة إلى الغرب من بحر إيجه ( 16 : 10 ). وعند هذه النقطة يتحول ضمير الغائب في القصة إلي ضمير المتكلم ، مما اعتبر دليلاً على انضمام لوقا للفريق الكرازي، والذي قد يتضمن أيضاً أن الرب استخدم لوقا ــ بطريقة ما ــ فى الرؤيا المكدونية نفسها.
جـ - التقدم إلى أوروبا : بدأ الفريق خدمته في فيلبي أهم مدن المقاطعة، وكانت كولونية أي مستوطنة رومانية ( أ ع 16 : 11و12 ). ويبدو أنها لم تكن بها جالية يهودية كبيرة، إذ كان على بولس أن يبحث عن المتعبدين لله في يوم السبت، ولم يجد سوى بضع نساء عند نهر. وكان القانون اليهودي ينص على أنه متى وجد عشرة رجال من أرباب البيوتات، فيجب بناء مجمع هناك لدراسة الشريعة، وإذا لم يتيسر ذلك فيجب عقد اجتماعات للعبادة فى الهواء الطلق وبخاصة بجانب النهر. وهنا فتح الله قلب ليديه بباعة الأرجوان للإِنجيل. وبعد أن اعتمدت هي وأهل بيتها، دعتهم إلى بيتها ليتخذوا منه مقراً لهم ( أع 16 : 13 ــ 15 ). ومن هذه البداية الصغيرة، ازدهرت كنيسة فيلبي، التي وجد بولس في أعضائها ما أرضى قلبه فكانت أخف الكنائس عبئاً عليه.
ولكن حدث ما اعترض سير الخدمة في فيلبي، وذلك بعد شفاء جارية بها روح عرافة، فاتهم موإليها الرسل بالتدخل فى شئونهم وحرمانهم من مكاسبهم، وبحجة أن أولئك الصعاليك من اليهود الغرباء ينادون بديانة غير شرعية مما يؤدى إلى تعكير السلام وإضعاف سيادة روما، استطاع مواليها إثارة الجماهير والسلطات المحلية ضد بولس وسيلا، وفى الشغب الذي حدث تعرضاً للضرب ثم الُقي بهما فى السجن الداخلي وضبطت أرجهلما فى المقطرة. ونحو نصف الليل كان بولس وسيلا يصليان ويسبحان الله ( أع 16 : 25 ) فحدثت زلزلة زعزعت أساسات السجن وفتحت أبوابه وفكت قيود المسجونين. وعندما رأى السجان تدخل الله بهذه الصورة، آمن وأحسن إلى الرسولين وغسل جراحهما. وفي الصباح أرسل الولاة إلى رجال الشرطة لإِطلاق سراحهما، ولكن بولس وسيلا اصرا على حقوقهما فى ان يطلق سراحهما علناً كما يليق بمواطنين رومانيين. وبعد أن وعظا الكنيسة النإشئة، تركا المدينة كما طلب منهما الولاة ( أع 16 : 16 ــ 40 ).
ويبدو أن لوقا بقي فى مدينة فيلبي، إذ يتحول ضمير المتكلم مرة آخرى إلى ضمير الغائب بعد حادثة هذه الجارية التي كان بها روح عرافة.
وبعد أن اجتاز بولس وسيلا في أمفيبوليس وأبولونية، أتيا إلى تسالونيكي واستطاعا الكرازة بالإِنجيل فى المجمع ثلاثة سبوت، وأحرزا بعض النجاح، قبل أن يتمكن اليهود من إثارة الجموع ضدهما وضد مضيفهما ياسون ( أع 17 : 1 ــ 9 ). وقد انصبت كرازتهما على موت المسيح وقبامته حسب النبوات,وأن يسوع الناصري هو المسيح الموعود به ( أع 17 : 3 مع اكو 15 : 3 ــ 5 ). وكانت التهمة الموجهة إليهما هي تعكير السلام وخيانة الدولة ( أع 17 : 6و7 ). وعندما أدرك المؤمنون في تسالونيكى خطورة الموقف ــ قبل أن تصل الأزمة إلى ذروتها ــ أرسلوا بولس وسيلا ليلاً إلى بيرية ( أع 17 : 10). وقد نزل بولس عند رأيهم ورحب بمعونتهم. ولكنا نعرف من رسالته إلى كنيسة تسالونيكي ــ بعد ذلك ببضعة شهور ــ أنه تركهم وهو يخشى على حياتهم وعلى ثباتهم فى الإِيمان ( اتس 2 : 17 ــ 3 : 5 ).
وكان اليهود في بيرية أشرف من الذين في تسالونيكي لأنهم اهتموا بفحص صحة دعوى بولس بأن الإِنجيل هو إتمام لأسفار العهد القديم، أكثر من اهتمامهم بالجدل حول أساليبه، أو تأكيد الآخرين على عدم شرعية الإيمان المسيحي. فاستمعوا إليه، وأخذوا في فحص النبوات الكتابية في ضوء ما ينادي به. ونتيجة لذلك آمن بالمسيح الكثيرون من اليهود والأمم ( أ ع 17 : 10 - 12 ). ولكن يهود تسالونيكي جاءوا إلى بيرية وأهاجوا الجموع ضده، فاضطر بولس لمغادرة بيرية أنفسهم لم يكن لهم إلا دور صغير في الاضطهاد، حتى إن سيلا وتيموثأوس استطاعا البقاء ومواصلة الخدمة في المدينة ( أ ع 17 : 13 - 15 )
ويبدو أن ذهاب بولس إلى أثينا في ولاية أخائية، كان القصد الأساسي منه هو الاحتماء من الاضطهاد الذي واجهه في مكدونية. ولكنه بينما كان ينتظر مجىء سيلا وتيموثأوس من الشمال، احتدت روحه فيه إذ رأى المدينة مملوءه أصناماً، ووجد نفسه مضطراً إلى الكرازة بالرب يسوع في المجمع لليهود وللأمم الذين يتقون الله، ولكل من يصادفونه في السوق ( أ ع 17 : 16 و 17 ). لقد كانت كلمة الله فى قلب بولس _ كما كانت في قلب إرميا - ناراً -محرقة في عظامه فلم يستطع الإمساك عنها ( إرميا 20 : 9 )
فقابله بعض أتباع الفلسفتين الأبيكورية والرواقية، وأخذوه - البعض من قبيل المزاح، والبعض عن سخرية -إلى إريوس باغوس(أع17 :18 -21)أيإلى تل بلاد الإله أرسإله الحرب عند اليونان (وهو مارسعند الرومان). وكان أريوس باغوس فى أثينا - في العصر الرومانى - محكمة هامة، كان من بين مسئولياتها العديدة الإشراف على التعليم ومراقبة المحاضرين المتجولين الذين يمرون بأثينا. وقد طلبوا من بولس أن يتكلم أمام هذا المجلس،لفحص الأمر أكثر منه للاستمتاع المحايد. وتحدث بولس للذين كانوا مجتمعين هناك، عن بُطل عبادة الأوثان، وعن استغلان الله في الطبيعة، وعن الدينونة الشاملة، وعن إعلان الله لتدبيره الفدائى شيئاً فشيئاً، وبلوغ ذلك التدبير ذروته في إقامة الله ليسوع المسيح من الأموات ( أ ع 17 : 22 _ 31 ). وينسب البعض هذا الخطاب إلى براعة لوقا,ذاعمين أن كل الخطابات في سفر الأعمال - وبخاصة هذا الخطاب - من إنشاء كاتب سفر الأعمال نفسه، على أساس ما رآه مناسباً للمتكلم في ذلك المقام. ولكننا لا نجد في هذا الخطاب ما يتعارض مطلقاً مع موقف شخص قال عن نفسه : صرت للكل كل شىء لأخلص على كل حال قوماً ( 1 كو : 20 _ 22 )، بل بالحري، يبدو أن لوقا إنما يسجل مناسبة فذة، بدأ فيها بولس من موقف سامعيه محأولا أن يقودهم إلى شخص الرب يسوع المسيح.
ولم يحصل بولس من حديثه في أثينا إلا على نتائج محدودة، فالسواد الأعظم من أعضاء مجلس أريوس باغوس ، إما استهزأوا به أو أهملوا حديثة، وإن كان واحد منهم، هو ديونيسيوس قد آمن، وكذلك امرأة اسمها دامرس من النساء البارزات في المدينة وآخرون معها. ولكن يبدو أنه لم تتاسس كنيسة فى اثينا فى ذلك الوقت. ويظن البعض أن بولس قد أصابه بعض الإِحباط من هذه النتائج الضئيلة، فأعاد تقييم محاولته الحديث بأسلوب فلسفي لقوم من المثقفين، فتخلى عن هذا الأسلوب مكتفياً بالإِعلان البسيط للإِنجيل ( اكو 1 : 20 ــ 2 : 5 ).
ويبدو ــ على الأرجح ــ أن الرسول أصابته بعض خيبة الأمل لأن عدداً قليلاً جداً من الأثينويين قد أمنوا بالمسيح نتيجة لخدمته، ولكن يجب الاننسى ان البعض قد استجاب للدعوة ! كما يجب أن نذكر أن بولس ــ فى ذلك الوقت ــ كان فكره منصرفاً إلى حالة المؤمنين في تسالونيكي الذين اضطر لمغادرتهم وهم معرضون للخطر الشديد من الاضطهاد ( اتس 2 : 17 ــ 2 : 5 ) ـ كما حدث ذلك معه مرة أخرى وهو فى ترواس، إذ كان مشغولاً من جهة كنيسة كورنثوس ( 2كو 2 : 12و 13 ) ، وكذلك لعدم استطاعة الكرازة فى برجة لما حدث من انشقاق داخل فريق الكرازة نفسه ( انظر ماجاء بعاليه عن الرحلة الأولى ). يجب أن ندرك أن مشغولية بولس من جهة المؤمنين في تسالونيكي، كان يمكن أن تعطله ــ إلى حد ما ــ عن استخدام الفرصة التي أتيحت له، استخداماً كاملاً، فهو لم يكن ــ رغم كل شيء ــ سوى بشر، وكبشر وجد أن لعواطفه تأثير على نشاطه الروحي. ويحتمل ــ علاوه على ذلك ــ أنه كان مريضاً فى تلك الفترة لأنه يقول للتسالونيكيين، إنه أراد أن يذهب إليهم مراراً وإنما عاقنا الشيطان ( اتس 2 : 18 ) . وهي عبارة أشبه ما تكون بما ذكره عن الشوكة في الجسد ( انظر 2 كو 12 : 7 ــ 10 ).
وبعد أن غادر بولس أثينا، جاء إلى كورنثوس فى ضعف وخوف ورعدة كثيرة ( اكو 2 : 3 ). وفي كورنثوس أقام مع أكيلا وبريسكلا، وهما زوجان يهوديان كان قد طردا حديثاً من رومية بناء على مرسوم كالوديوس قيصر في 49 م، الذي قضى بطرد جميع اليهود من رومية بسبب ما شجر بينهم من منازعات حول شخص اسمه كريستوس ( المسيح ؟ ). ولا نجانب الصواب إذا قلنا أن أكيلا وبريسكلا كانا ــ على الأرجح ــ مسيحيين قبل مجيئهما إلى كورنثوس، حيث لايذكر شيء مطلقا عن تجديدهما عن طريق كرازة بولس. ومنهما عرف بولس الكثير عن الكنيسة في رومية التي كانا عضوين فيها. وحيث أنهما كانا من صانعي الخيام، انضم إليهما في حرفتهما في خلال أيام الاسبوع لأنه كان يكرز في المجمع كل سبت ( أع 18 : 1 ــ 4 ).
وبعد ذلك بقليل، وصل إلى كورنثوس سيلا وتيموثأوس قادمين من مكدونية، ومعهما :
1- تقرير عن الأحوال في الكنيسة في تسالونيكي ( اتس 3 : 6 ).
2- عطية مالية من كنيسة فيلبي ( 2كو 11 : 9، في 4 : 14و15 ).
وكانت أخبار مكدونية أفضل مما توقع بولس، وقد عزته كثيراً وشجعته تماما ( اتس 3 : 7 ــ 10 ). كما أخبره سيلا وتيموثاوس عن حملة من الافتراءات ضد بولس صادرة من خارج الكنيسة ( اتس 2 : 3 ــ 6 )، وكذلك عن الحيرة التي أنتابت البعض عن مجىء المسيح ثانية ( اتس 4 : 13 ــ 5 : 11 ). وقد مكنته العطية المالية التي وصلته من فيلبي، من تكريس كل وقته للكرازة بالإِنجيل حيث إن المعنى الحرفي لما جاء في سفر الأعمال ( 18 : 5 ) أن بولس حصر نفسه في الكلمة .
وبناء على الأخبار التي وصلته من تسالونيكي، كتب رسالته الأولى إلى تسالونيكي، وفيها يحرضهم على النمو والغيرة والأمانة، ويشجعهم في وجه الاضطهادات المحلية، ويدافع عن نفسه أمام الهجمات المعادية، ويعلمهم عن قداسة الحياة، وعن مجيء الرب، ويحثهم على الثبات والصبر. وبعد ذلك ببضعة أسابيع، إذ علم باستمرار حيرتهم بخصوص مجيء الرب وعلاقة المؤمن بالرجاء المبارك، كتب لهم رسالته الثانية إلى تسالونيكي. وفي هذه الرسالة ذكر لهم مع أن الكنيسة تعيش في تطلع المشتاق إلى مجىء الرب، فإن قريباً ليس معناها فوراً ولكنها دافع للثبات والإِصرار على المثابرة. وقد كتبت الرسالتان إلى تسالونيكي فيما بين 50 ــ 51 م تقريباً
وقد سار بولس في كرازته في كورنثوس على النهج المعتاد، فبدأ بالكرازة في المجمع، ثم توجه إلى الأمم مبإشرة. فبعد أن رفضه اليهود، أقام في بيت رجل اسمه تيطس يوستس، كان بيته ملاصقاً للمجمع ( أع 18 : 5 ــ 7 ). وكان من أوائل من أمنوا في كورنثوس كريسبس رئيس المجمع، ثم تبعه عدد كبير من المدينة، فآمنوا واعتمدوا ( أع 18 : 8، اكو 1 : 14 )، وإن كان بولس لم يعمد إلا القليلين منهم ( اكو 1 : 14 ــ 16 ). وعندما تعين غاليون والياً على أخائية قام اليهود بنفس واحدة على بولس وأتوا به إلى كرسي الولاية، قائلين إن هذا يستميل الناس ان يعبدوا الله بخلاف الناموس. وكانوا يقصدون بذلك إن إنجيل بولس يناقض القانون الروماني الذي سمح باعتناق ديانة واحدة من الديانات المعترف بها من الشعب، وأن الإِنجيل أيضاً كان يناقض ناموس موسى كما يفهمونه. ولم ير غاليون في ذلك سوى منازعات يهودية تافهة، فرفض أن ينظر في الأمر ( أع 18 : 12 ــ 17 ). وهكذا أطلقت يد بولس ليواصل كرازته في كورنثوس، فمكث بالمدينة أكثر من سنة وستة أشهر ( أع 18 : 11 و 18 ). وهناك نقش لاتيني وجد في دلفي، يثبت ــ بلا أدنى شك ــ أن غاليون تعين والياً على أخائية في عام 52م، والأرجح أنه بدأ سنتي ولايته في يوليو 51م، وهو ما يتفق مع خدمة بولس في كورنثوس كما يسجلها سفر الأعمال.
وعند مغادرته كورنثوس في طريقه إلى سورية، رافقه أكيلا وبريسكلا حتى أفسس، وفي أفسس انفسح المجال أمام بولس ليتكم فى المجمع، ولكنه رأي تأجيل الكرازة في المدينة إلى وقت لاحق، إذ يبدو أ نه كان ما هناك يعجِّل بذهابه إلى أورشليم ( أع 18 : 18 ــ 21 ). وأخيراً وصل إلى قيصرية بعد رحلة بحرية طويلة، ثم ذهب إلى أورشليم ليسلم على الكنيسة هناك، وبعدها ارتحل شمالاً إلى أنطاكية سورية ( أع 18 : 22 ).