الإصحاح السابع
الطاهر والنجس
الآيات (مر1:7-23):-
الآيات (مت 1:15-20):-"1حِينَئِذٍ جَاءَ إِلَى يَسُوعَ كَتَبَةٌ وَفَرِّيسِيُّونَ الَّذِينَ مِنْ أُورُشَلِيمَ قَائِلِينَ: 2«لِمَاذَا يَتَعَدَّى تَلاَمِيذُكَ تَقْلِيدَ الشُّيُوخِ، فَإِنَّهُمْ لاَ يَغْسِلُونَ أَيْدِيَهُمْ حِينَمَا يَأْكُلُونَ خُبْزًا؟» 3فَأَجَابَ وَقَالَ لَهُمْ:«وَأَنْتُمْ أَيْضًا، لِمَاذَا تَتَعَدَّوْنَ وَصِيَّةَ اللهِ بِسَبَب تَقْلِيدِكُمْ؟ 4فَإِنَّ اللهَ أَوْصَى قَائِلاً: أَكْرِمْ أَبَاكَ وَأُمَّكَ، وَمَنْ يَشْتِمْ أَبًا أَوْ أُمًّا فَلْيَمُتْ مَوْتًا. 5وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَقُولُونَ: مَنْ قَالَ لأَبِيهِ أَوْ أُمِّهِ: قُرْبَانٌ هُوَ الَّذِي تَنْتَفِعُ بِهِ مِنِّي. فَلاَ يُكْرِمُ أَبَاهُ أَوْ أُمَّهُ. 6فَقَدْ أَبْطَلْتُمْ وَصِيَّةَ اللهِ بِسَبَب تَقْلِيدِكُمْ! 7يَا مُرَاؤُونَ! حَسَنًا تَنَبَّأَ عَنْكُمْ إِشَعْيَاءُ قَائِلاً: 8يَقْتَرِبُ إِلَيَّ هذَا الشَّعْبُ بِفَمِهِ، وَيُكْرِمُني بِشَفَتَيْهِ، وَأَمَّا قَلْبُهُ فَمُبْتَعِدٌ عَنِّي بَعِيدًا. 9وَبَاطِلاً يَعْبُدُونَني وَهُمْ يُعَلِّمُونَ تَعَالِيمَ هِيَ وَصَايَا النَّاسِ».10ثُمَّ دَعَا الْجَمْعَ وَقَالَ لَهُمُ:«اسْمَعُوا وَافْهَمُوا. 11لَيْسَ مَا يَدْخُلُ الْفَمَ يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ، بَلْ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ هذَا يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ». 12حِينَئِذٍ تَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ وَقَالُوالَهُ: «أَتَعْلَمُ أَنَّ الْفَرِّيسِيِّينَ لَمَّا سَمِعُوا الْقَوْلَ نَفَرُوا؟» 13فَأَجَابَ وَقَالَ:«كُلُّ غَرْسٍ لَمْ يَغْرِسْهُ أَبِي السَّمَاوِيُّ يُقْلَعُ. 14اُتْرُكُوهُمْ. هُمْ عُمْيَانٌ قَادَةُ عُمْيَانٍ. وَإِنْ كَانَ أَعْمَى يَقُودُ أَعْمَى يَسْقُطَانِ كِلاَهُمَا فِي حُفْرَةٍ». 15فَأَّجَابَ بُطْرُسُ وَقَالَ لَهُ: «فَسِّرْ لَنَا هذَا الْمَثَلَ». 16فَقَالَ يَسُوعُ:«هَلْ أَنْتُمْ أَيْضًا حَتَّى الآنَ غَيْرُ فَاهِمِينَ؟ 17أَلاَ تَفْهَمُونَ بَعْدُ أَنَّ كُلَّ مَا يَدْخُلُ الْفَمَ يَمْضِي إِلَى الْجَوْفِ وَيَنْدَفِعُ إِلَى الْمَخْرَجِ؟ 18وَأَمَّا مَا يَخْرُجُ مِنَ الْفَمِ فَمِنَ الْقَلْب يَصْدُرُ، وَذَاكَ يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ، 19لأَنْ مِنَ الْقَلْب تَخْرُجُ أَفْكَارٌ شِرِّيرَةٌ: قَتْلٌ، زِنىً، فِسْقٌ، سِرْقَةٌ، شَهَادَةُ زُورٍ، تَجْدِيفٌ. 20هذِهِ هِيَ الَّتِي تُنَجِّسُ الإِنْسَانَ. وَأَمَّا الأَ كْلُ بِأَيْدٍ غَيْرِ مَغْسُولَةٍ فَلاَ يُنَجِّسُ الإِنْسَانَ»."
هذه الآيات هى عن الطهارة الداخلية فنشبع بالله "فطوبى لأنقياء القلب لأنهم يعاينون الله". وهو إصحاح يشير أن الملكوت هو للأمم بالإيمان ولهم أيضاً شبع بشخص المسيح.
إنتهز السيد فرصة سؤال الكتبة والفريسيين عن عدم غسل التلاميذ أيديهم حينما يأكلون خبزاً، ليوبخ اليهود على عبادتهم الزائفة إستناداً على سنن باطلة وكان السيد يريد هنا التركيز على الطهارة الداخلية وليس الخارجية فبها نرى الرب ونشبع به. ولقد تعود اليهود على غسل كل ما تمتد إليه أيديهم كما يشرح معلمنا مرقس حتى لا يكون ما يمسكون به دنساً (فى نظرهم أن الشىء يتدنس مثلاً لو لمسه أممى وثنى). ومرقس لأنه يكتب للرومان الذين لا يعلمون شيئاً عن عادات اليهود إضطر لشرح عادات اليهود (3:7-4). ولكن متى إذ يكتب لليهود لم يضطر لهذا. وغسل الأيادى والأباريق هى عادة من التقليد وليس من الناموس وقد وضعها الفريسيون زيادة على أوامر الناموس. وهذا التقليد تمسك به اليهود جداً حتى أن الرابى أكيبا إذ سُجِنَ ولم يكن له أن يحصل إلاَّ على قليل من الماء لا يكفى غسل يديه فضل الموت جوعاً وعطشاً من أن يأكل دون أن يغسل يديه. ويسمون الأيدى غير المغسولة أيدى دنسة (مر2:7). ولاحظ أن الجماهير البسيطة أدركت من هو المسيح وصارت تنعم بالشفاء إذ تلمسه، أما هؤلاء المتكبرين، فلقد أعمت كبرياؤهم عيونهم فأخذوا منه موقف الناقدين والمُجَرِّبين. هؤلاء بسبب حسدهم رفضوا الكلمة الإلهى وقاوموه إذ تصوروا أنه جاء ليسحب الكراسى من تحتهم أو يغتصب مراكزهم. وهكذا كل من يفرح ويتلذذ بشهوة عالمية، تجده يقاوم المسيح لأنه يتصور أن المسيح سيحرمه من شىء يحبه، بينما أن المسيح يريد أن يشفيه. وهنا السيد المسيح يهاجم تقليد الفريسيين وأباء اليهود الذى يعارض الكتاب المقدس. فالكتاب المقدس فى ناموس موسى أوصى بإكرام الوالدين وهذا يشمل سد إحتياجاتهم المادية. ولكن الأباء اليهود من أجل منفعتهم الشخصية وإستفادتهم من أموال الناس وضعوا لهم تقليد مخالف لناموس موسى= من قال لأبيه أو أمه قربان هو الذى تنتفع به منى = وهذا يعنى :-
1) أن المساعدة التى أقدمها لك ياأبى سأمنعها عنك وأقدمها للهيكل.
2) وهناك رأى أخر أن الشخص كان ينذر كل ما يملك للهيكل بعد وفاته على أن يصرف منه على نفسه فى مدة حياته ولا يعطى لأبويه المحتاجين وهذا معنى قوله قربان= أى سيقدم للهيكل.
3) من يقدم للهيكل عطايا كانوا يعفونه من الإنفاق على والديه.
ولا يفهم قول المسيح ضد تقليد اليهود أنه ضد أى تقليد، بل هو ضد التقليد إذا خالف الكتاب المقدس فكنيستنا تؤمن بالتقليد لماذا ؟
1) الكتاب المقدس نفسه محفوظ لنا بالتقليد، فمن قال أن هذه الأسفار هى الأسفار القانونية، فهناك أسفار غير قانونية. من الذى حدد القانونى من غير القانونى سوى تقليد الأباء الذين حددوا الأسفار القانونية ورفضوا غير القانونية.
2) من الذى علم إبراهيم دفع العشور لملكى صادق ومن الذى علَّم يعقوب تدشين الأماكن بسكب الزيت ومن الذى عَلَّمَ يوسف أن الزنا حرام ولم يكن هناك ناموس. كان هذا بالتقليد (تك 20:14+18:28+22:28).
3) كيف سارت الكنيسة دون إنجيل مكتوب حتى كتب أول إنجيل ؟ بالتقليد.
4) من التقليد اليهودى عرف بولس إسمى الساحرين المقاومين لموسى (2تى 8:3). ونقل يهوذا الرسول مخاصمة ميخائيل لإبليس (يه9) وعرف أيضاً نبوة أخنوخ (يه14). ومن التقليد اليهودى عرف بولس أن الناموس كان مسلماً بيد ملائكة (غل19:3).
5) بولس يؤكد على التقليد (1كو34:11+2تس6:3) وكذلك يوحنا (2يو 12).
ملحوظة: ولكننا نعيب على المترجم أنه يترجم الكلمة "تقليد" إذا كانت محل هجوم مثل هذا النص. ويترجمها تعليم إذا كان التقليد مهم ومطلوب.
آيه(8):- لقد تركت الأمة اليهودية عبادة الله بالقلب والحق وأهملت الوصايا الأساسية، ودققت وإهتمت بالتقاليد البشرية المسلمة من الشيوخ كغسيل الأيدى والأباريق، تركوا محبة الله ومحبة القريب وإهتموا بنظافة الجسد من الخارج. وإنه لمن السهل أن يكتفى المرء بالعبادة المظهرية وتأدية الفروض الدينية الخارجية ويترك القلب مملوء شراً ولكنه بهذا سيصير كالقبور المبيضة من الخارج وبالداخل نجاسة. وهذه النبوة من إشعياء مأخوذة من (إش13:29).
يا مراؤون(مت 7:15)فهم يظهرون كمدافعين عن الحق وهم يكسرونه.يحملون صورة الغيرة على مجد الله وهم يهتمون بما لذواتهم، يعبدون الله عبادة جافة أى ليس عن حب وإنما لتحقيق أهداف بشرية ذاتية. لذلك صارت تعاليمهم وصايا الناس (مت9:15).أما من يخدم الله بأمانة تكون تعاليمهُ هى كلام الله، كما قال الله لأرمياء مثل فمى تكون (إر 19:15).
(مت 10:15)إسمعوا وإفهموا= كلم السيد الفريسيين بعنف لأنهم قادة عميان مراؤون. هذا القول سخرية من الفريسيين الذين كانوا يسمون أنفسهم قادة للعميان (رو19:2) وهم حقاً عميان. ولكن نجده هنا يكلم الشعب بلطف ويعلمهم، فالمرائين لا يصلح معهم الكلمات الطيبة فإن هذا سيغطى على شرهم ويفسدهم بالأكثر. أما الشعب البسيط فلا يحتمل كلمة قاسية لئلا يحطم ويعثر وييأس. هؤلاء يحتاجون لكلمة تشجيع لبنيانهم الروحى. والسيد بدأ يعلم الشعب عن حقيقة غسل الأيادى قبل الأكل التى أثارها أمامهم الفريسيون المراءون لا ليدافع عن تلاميذه بل لبنيان الشعب الروحى، ولكى لا يتعثروا بسبب الشكوك التى يثيرها الكتبة والفريسيون. والسيد شرح للشعب أن سر الحياة والقداسة لا يكمن فى الأعمال الخارجية الظاهرة وإنما فى الحياة الداخلية وهذا عكس ما ينادى به الفريسيين إذ تركوا نقاوة القلب مهتمين بغسل الأيادى.
الفريسيين لما سمعوا القول نفروا= قول المسيح كان كالمشرط الذى فتح الجرح المتقيح فخرجت العفونة وظهر الفساد وهذا لا يطيقه المرائى.
كل غرس لم يغرسه أبى السماوى يقلع= عبارة تشير للتقاليد والأشخاص الذين يحضونهم على إتباعها (أى جماعة الكتبة والفريسيين)
يمضى إلى الجوف ويندفع إلى المخرج= جعل الله فى الإنسان، فى الجسم الإنسانى نظاماً بأن يستفيد من كل ما هو مفيد فى الطعام ويلقى بما ينجسه للخارج. فما هو نجاسة في الطعام يلقيه الجسم للخارج. ولنلاحظ أنه حتى التلاميذ قد تساءلوا عن مفهوم التطهير الداخلى وليس الخارجى، فهم قطعاً متأثرين جداً بالبيئة التى يعيشون فيها، بل إن هذا إستمر حتى بعد المسيح، حتى أن بطرس رفض أن يأكل مع أممى (غل2)وإضطر الله أن يعطيه رؤيا الملاءة ليقنعه أن يذهب ويبشر كرنيليوس الأممى ويعمده.
فى (مت 14:15)اتركوهم = لعلهم إذا تركوهم يتوبوا عما هم فيه، إذ يتخلى عنهم الناس.
فى (مر 15:7-16) ليس شئ من خارج = أى طعام مغسول أو غير مغسول أو بأيدى مغسولة أو غير مغسولة.الأشياء التى تخرج = شتائم / إدانة / كذب / نظرات شريرة....
فى (مر7 : 9) يقول الرب :«حَسَنًا! رَفَضْتُمْ وَصِيَّةَ اللهِ لِتَحْفَظُوا تَقْلِيدَكُمْ!وقولهحسنا مترجمة فى (Jerusalem Bible)"لقد التففتم بذكاء حول الوصية" والمقصود لقد تحايلتم بخبث على الوصية. وهذه الترجمة توضح المعنى بالأكثر.
ملحوظات:-
1. كانت الغسلات للأدوات تتم بالغمر فى الماء وللأسرة بالرش. والغسل ليس للناحية الصحية بل لإزالة النجاسة الطقسية.لذلك كان اليهود يستعملون كميات كبيرة من الماء، من هنا نفهم سر وجود ستة أجران بأحجام كبيرة فى بيت يهودى (يو2). أما غسيل الأيدى لغرض صحى فهو ليس ضد المسيحية.
2. نبوة إشعياء قالها إشعياء للشعب حين أرادوا التحالف مع مصر ضد أشور وإستعملها المسيح هنا. فكون أننى أسبح الله بشفتى، والجأ إلى إنسان لحل مشكلتى، أى أعتمد عليه دون الله، فهنا أنا أسبح الله بشفتى وقلبى مبتعد عنه بعيداً.
3. طالما كان القلب طاهراً لا تستطيع الأطعمة أن تنجسه لأنها تدخل إلى جوف الإنسان، فما كان منها مفيداً يتحول إلى أنسجة جديدة، وما كان منها ضاراً يخرج إلى الخلاء، وذلك يطهر كل الأطعمة، أى يطرد كل ما هو ضار بالجسم عن طريق الإفرازات التى تخرج إلى الخلاء.
4. الخطايا التى ذكرها السيد طمع= من لا يشبع ودائماً يريد أكثر. خبث= تعنى الأعمال الشريرة وهى سمة من يفرح فى مصائب الآخرين لذلك يُدعى إبليس بالخبيث.المكر= من يوقع أحد فى فخ . الجهل= الحماقة الروحية والبعد عن الحق. عينشريرة = حسد. والحسد لا يضر سوى الحاسد إذ يمتلىء قلبه شرا. عهارة= سلوك فاسق وشذوذ. وهذه الخطايا وأمثالها هى التى تنجس الداخل. ومَن داخله أمثال هذه الخطايا يخرج من فمه كلمات نجسة وأعمال نجسة. فسق = نوع من الزنى ولكن فى فجور .
5- (مر 3:7) يغسلوا أيديهم بإعتناء= أى حتى الكوع (وهو تعبير يهودى).
6- (مر11:7) قربان أى هدية = مرقس يفسر الكلمة فهو يكتب للرومان.
7-(من إدرشيم العالم اليهودى المتنصر)كانت إعتراضات الفريسيين والكتبة حول غسل الأيدى بعد حوار اليهود مع المسيح حول خبز الحياة (يو6) الذى إنسحب بعده الكثيرين من تبعيتهم للمسيح. فقالوا أن التلاميذ أكلوا يوم عمل المسيح معجزة الخمس خبزات بدون أن يغسلوا أياديهم، ولم يمنعهم المسيح من ذلك. وإعتبروا أن عدم إعتراض المسيح على ذلك يجعله مذنبا. هم كانوا يبحثون عن أى شئ يمسكونه على المسيح. والعجيب أن عدم غسل الأيادى كان هو الإنطباع الوحيد للفريسيين على معجزة إشباع الجموع. وهداهم تفكيرهم المريض أن المسيح يعمل هذه المعجزات بقوة بعلزبول. وبالتالى قالوا أن المسيح ليس من الله وأنه يضلل الناس. وها هو يرتكب خطايا بكسر التقاليد والأكل بأيادى غير مغسولة، إذاً هو خاطئ. وكانوا بحسب تقاليد الربيين يعتبرون أن الأكل بأيدى غير مغسولة، أن الأيدى تكون غير مقدسة، وأن هذا كسر كبير لتقاليد الأباء وتدنيس للجسد (مر7 : 3). وأن هذا يقود لدمار الشخص أو على الأقل يقوده للفقر. وقد دفنوا أحد الربيين الذى كان يهمل هذا التقليد محروما. ولكن غسل الأيادى لم ينص عليه ناموس موسى، لكنهم إعتبروا أن غسل الأيادى قبل الأكل أن هذا علامة أن الشخص يهودى.
والتطهيرات لها 18 قانون، وتختلف مدرسة هليل عن مدرسة شماى فى التفاصيل. ولكن كلاهما يطبق التطهيرات بشدة.
ورأى البعض أن وصية "قدسوا أنفسكم" أن تطبيقها يكون بالإغتسال قبل الأكل. وفى وصية "لتكن مقدسا" أنه على الشخص أن يغتسل بعد الأكل. ورأوا أن قول الله "لأننى أنا الرب إلهكم" - أن تفسير هذه، أن من يلتزم بتطهير يديه وغسلها فإن الله يبارك له الطعام. ونفهم بهذا أن غسل الأيادى ليس فقط قبل الأكل بل وبعد الأكل. وكان الماء الذى يتم الإغتسال به يعتبر نجسا لا يستعمل مرة أخرى. لذلك كانوا يحتفظون بأوانى حجرية ضخمة لتخزين المياه (معجزة قانا الجليل). وهناك مقياس للوعاء الزجاجى الذى يُسحب به الماء من الوعاء الحجرى ليتم صبه على يدى من يغتسل (لا يجب أن يقل حجمه عن حجم مرة ونصف حجم قشرة البيضة). ويصب الماء على كلا اليدين مع حكهما معا وعلى أن يكونا مرفوعين لأعلى حتى لا يرجع الماء الذى تنجس إلى الأصابع التى يأكلون بها مرة أخرى. والماء يجب أن يصل إلى المعصمين. ويعتبرون أن الجسد كله يكون دنسا لو كانت الأيدى غير طاهرة. ويكون صب الماء على دفعتين. واليهود المحدثين قالوا أن الماء يجب أن يصب على ثلاث دفعات وأن هذا يصاحبه بركات. ومن ضمن القوانين الثمانية عشر نجد قوانين لفصل اليهود عن الأمم. فأى إتصال مع أممى ينجس حتى لو تلامس اليهودى مع ملابس الأممى، وعند عودة اليهودى من السوق فى هذه الحالة عليه أن يستحم تماما، وتكسر الأوعية الفخارية التى تلامست مع أممى، أما الأوعية الخشبية أو الزجاجية فتغسل بالغمر فى الماء، والآنية النحاسية تطهر بماء مغلى ثم بالنار أو على الأقل بجلى الإناء. عموما هناك تفاصيل مطولة لقوانين هذه التطهيرات وردت بكتاب إدرشيم ذكرنا البعض منها فقط. وعند اليهود طالما وضع الأباء الربيين تقليد فهو يعتبر قانون مقدس وملزم.
وحينما سأل الفريسيين الرب - لماذا لا يغسل تلاميذه أيديهم؟ لم يبرر الرب عمل التلاميذ ولم يبالى بالرد على السؤال بل هاجم تقاليد أبائهم - [يتخذ البعض من هجوم الرب على تقليد الأباء أن الرب يهاجم أى تقليد. ولكن هذا غير حقيقى ولنرى أمثلة على التقليد الذى كان الرب يهاجمه.]. أولا لأن اليهود إعتبروا أن تقاليد الأباء أهم عندهم من الكتاب المقدس كلام الله. ثانيا لنرى مدى الجنون الذى وصل إليه هؤلاء الربين فى كبريائهم وإعجابهم بأنفسهم وبأرائهم ولنأخذ بعض أمثلة على ذلك - قالوا أن الله ينشغل بدراسة التوراة نهارا وبدراسة المشناة ليلا - وقالوا أن هناك سنهدريم سماوى يرأسه الله بنفسه ويجلس فيه الربيين بحسب درجاتهم وذلك لمناقشة الهالاخاة (قوانين التقاليد للربيين) وتتخذ القرارات بحسب ما جاء فى كتاب الهالاخاة - وجاء فى تقاليدهم ما يجب أن يقال عنه أنه كلام دنس، إذ قالوا أن الله يلهو مع لوياثان آخر ثلاث ساعات كل يوم - وقالوا أنه بعد دمار أورشليم إمتنع الله عن الضحك بل وكان يبكى فى مكان سرى خاص به. وكل دمعتين من دموع الله حينما تسقط فى البحر تسبب الزلازل، وكان فى غضبه عندما دُمِّر الهيكل يزمجر كالأسد ثلاث محارس من الأربعة محارس كل ليلة. وإستندوا فى هذا على (إر13 : 17 + إر25 : 30) - وقالوا أن الله يصلى من أجل إسرائيل ورجعوا فى هذا إلى (إش65 : 7) - وقالوا أن الله نفسه يلبس الطاليث (ملابس الربيين) وأن هذا الطاليث له أهداب (إش62 : 8). وهكذا إستخرجوا من نصوص كثيرة أراء عجيبة بل تعتبر تجديف، فقد رجعوا إلى (لا16 : 16) وقالوا أن الرب تطهر بواسطة هرون إذ نزل الرب إلى مصر فتنجس من مصر، وأن الله قد غمر نفسه فى حمام من النار بعد أن دفن موسى. وقالوا أن تعاليم التوراة لا تحتاج لإثبات أما الهالاخاة فتحتاج التشديد عليها إذ أنها لا تخالف الناموس [وذلك بحسب تفسيرهم هم للناموس].
هذه التقاليد هى التى هاجمها الرب يسوع وأوضح أنها تخالف الناموس.
ولا علاقة لتقاليد كنيستنا الأرثوذكسية بهذا فتقاليد كنيستنا متفقة مع الكتاب المقدس
وهذا أوضحه الرب فى موضوع تعليم الربيين بخصوص مخالفة وصية "أكرم أبام وأمك" التى هى الوصية الخامسة من الوصايا العشر وهى تعتبر قدس أقداس التوراة، وكسر إحدى الوصايا العشر هو شئ خطير. ومع هذا قالوا لا تعطى أباك وأمك شيئا بل ضعه فى الهيكل كقربان (مر7 : 10 - 13). وذكرت المشناة "أن على الأب أن يسكت إذا نذر الإبن ما له للهيكل". وما قاله القديس مرقس "قربان أى هدية هو الذى تنتفع به منى" هذا النص باليونانية كما ذكره القديس مرقس هو بعينه ما جاء بالعبرية تماما فى المشناة والتلمود.ووضع الربيين 11 فصلا فى المشناة بخصوص النذور والقرابين. وقد وضعوا قوانين للحلف أى أن تقسم على فعل شئ، وهناك قوانين أخرى أن تنذر شئ. وكل له قوانين لكيفية نطق هذا وكيفية نطق ذاك. [أورد الكتاب بعضها والباقى طبعا لم يرد بالكتاب ورأيت عدم أهمية الدخول فيها]. وكان الكثير من النذور والقرابين يذهب للكهنة.
المرأة الكنعانية
الآيات (مر24:7-30):- "24ثُمَّ قَامَ مِنْ هُنَاكَ وَمَضَى إِلَى تُخُومِ صُورَ وَصَيْدَاءَ، وَدَخَلَ بَيْتًا وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ لاَ يَعْلَمَ أَحَدٌ، فَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَخْتَفِيَ، 25لأَنَّ امْرَأَةً كَانَ بِابْنَتِهَا رُوحٌ نَجِسٌ سَمِعَتْ بِهِ، فَأَتَتْ وَخَرَّتْ عِنْدَ قَدَمَيْهِ. 26وَكَانَتْ الامْرَأَةُ أُمَمِيَّةً، وَفِي جِنْسِهَا فِينِيقِيَّةً سُورِيَّةً. فَسَأَلَتْهُ أَنْ يُخْرِجَ الشَّيْطَانَ مِنِ ابْنَتِهَا. 27وَأَمَّا يَسُوعُ فَقَالَ لَهَا:«دَعِي الْبَنِينَ أَوَّلاً يَشْبَعُونَ، لأَنَّهُ لَيْسَ حَسَنًا أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلاَبِ». 28فَأَجَابَتْ وَقَالَتْ لَهُ:«نَعَمْ، يَا سَيِّدُ! وَالْكِلاَبُ أَيْضًا تَحْتَ الْمَائِدَةِ تَأْكُلُ مِنْ فُتَاتِ الْبَنِينَ!». 29فَقَالَ لَهَا:«لأَجْلِ هذِهِ الْكَلِمَةِ، اذْهَبِي. قَدْ خَرَجَ الشَّيْطَانُ مِنِ ابْنَتِكِ». 30فَذَهَبَتْ إِلَى بَيْتِهَا وَوَجَدَتِ الشَّيْطَانَ قَدْ خَرَجَ، وَالابْنَةَ مَطْرُوحَةً عَلَى الْفِرَاشِ. "
الآيات (مت 21:15-28):-"21ثُمَّ خَرَجَ يَسُوعُ مِنْ هُنَاكَ وَانْصَرَفَ إِلَى نَوَاحِي صُورَ وَصَيْدَاءَ. 22وَإِذَا امْرَأَةٌ كَنْعَانِيَّةٌ خَارِجَةٌ مِنْ تِلْكَ التُّخُومِ صَرَخَتْ إِلَيْهِ قَائِلَةً:«ارْحَمْنِي، يَا سَيِّدُ، يَا ابْنَ دَاوُدَ! اِبْنَتِي مَجْنُونَةٌ جِدًّا». 23فَلَمْ يُجِبْهَا بِكَلِمَةٍ. فَتَقَدَّمَ تَلاَمِيذُهُ وَطَلَبُوا إِلَيْهِ قَائِلِينَ:«اصْرِفْهَا، لأَنَّهَا تَصِيحُ وَرَاءَنَا!» 24فَأَجَابَ وَقَالَ:«لَمْ أُرْسَلْ إِلاَّ إِلَى خِرَافِ بَيْتِ إِسْرَائِيلَ الضَّالَّةِ». 25فَأَتَتْ وَسَجَدَتْ لَهُ قَائِلَةً:«يَا سَيِّدُ، أَعِنِّي!» 26فَأَجَابَ وَقَالَ:«لَيْسَ حَسَنًا أَنْ يُؤْخَذَ خُبْزُ الْبَنِينَ وَيُطْرَحَ لِلْكِلاَب». 27فَقَالَتْ:«نَعَمْ، يَا سَيِّدُ! وَالْكِلاَبُ أَيْضًا تَأْكُلُ مِنَ الْفُتَاتِ الَّذِي يَسْقُطُ مِنْ مَائِدَةِ أَرْبَابِهَا!». 28حِينَئِذٍ أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهَا: «يَا امْرَأَةُ، عَظِيمٌ إِيمَانُكِ! لِيَكُنْ لَكِ كَمَا تُرِيدِينَ». فَشُفِيَتِ ابْنَتُهَا مِنْ تِلْكَ السَّاعَةِ. "
الآيات (مر24:7-30):-
هنا نجد تناقض عجيب بين موقف الفريسيين الذين يقاومون المسيح ولم يكتشفوه، بل لم يروا قوته الشافية وهم الذين يحفظون الناموس وذلك لكبريائهم ومحبتهم للمال وبين هذه المرأة الكنعانية الأممية الوثنية التي تحيا في نجاسة، لكنها إكتشفت فيه مسيحاً شافياً قادراً أن يصنع المعجزات. لذلك نسمع ثم خرج يسوع من هناك وإنصرف إلى نواحى صور وصيدا= كأن السيد قد رفض الشعب اليهودى الرافض الإيمان ليذهب يفتش عن أولاده بين الأمم. وعجيب أن يكون هؤلاء وفى أيديهم النبوات، عميان روحياً لم يعرفوا المسيح. بينما أن هذه المرأة التى لا تملك نبوة واحدة ولا هى من شعب الله، قد أدركت من هو المسيح فأتت إليه صارخة واثقة فى إستجابته. ما الذى أعمى قلب هؤلاء الفريسيين، لو قلنا الخطية فالكنعانية أكثر خطية منهم !! إذاً هو الكبرياء الذى جعلهم يظنون أنهم أعلى من المسيح، ينقدون تصرفاته ويحكمون عليه، ويتصيدون عليه أى خطأ، وهو الرياء، فبينما الفساد ضارب بجذوره فى الداخل، نجدهم يتبارون فى إظهار قداستهم. ولن نعرف المسيح إلا لو تواضعنا وأدركنا أننا خطاة فى إحتياج إليه، مقدمين توبة. ولاحظ قول الكتاب وإذا إمرأة كنعانية خارجة من تلك التخوم ففى هذا إشارة لإستعداد المرأة لترك نجاسات هذا المكان وأيضاً فيها رمز لترك الشرير لشره حتى يقبله المسيح. ولاحظ فى كلامها صرخت=هى شعرت بإحتياجها إليه، وصرخت فيها معنى الإيمان والثقة. إرحمنى =لم تطلب شفاء من المسيح أو غيره بل طلبت الرحمة.
ياإبن داود= هى لا تعرف النبوات ولكن سمعت عنه من اليهود فآمنت. ونادته كما يناديه اليهود
إبنتى مجنونة جداً = ومرقس يقول بها روح نجس. إذاً الشيطان سبب جنونها وكانت إستجابة المسيح عجيبة فهو أولاً لم يجبها بكلمةثم حين تكلم معه تلاميذه نجده يقول لم أرسل إلا إلى خراف بيت إسرائيل الضالة ولما أتت وسجدت وقالت له ياسيد أعنى. نجده يقول لها ليس حسناً أن يؤخذ خبز البنين ويُطرح للكلاب.وهذه الردود العنيفة لم تكن من طبع المسيح فلماذا إستخدم السيد المسيح هذا الأسلوب معها ؟
1. لكى لا يعثر اليهود إذا رأوه يتجاوب مع الأمم. واليهود يقسمون العالم قسمين:
أ-اليهود أبناء الله
ب- الكلاب (وهم الأمم)ويعتبرونهم نجاسة ويغسلون أى شىء تمتد إليه يد أممى ولا يأكلون معهم.
2. قال السيد لتلاميذه تكونون لى شهوداً فى أورشليم وفى كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض (أع8:1). ونفذ هو بنفسه هذه الوصية فهو بدأ بأورشليم واليهودية ثم ذهب للسامرية، ولكن الوقت كان لم يحن بعد للذهاب للأمم (أقصى الأرض). بل هو لن يذهب للأمم لكن سيرسل تلاميذه.
3. صمت السيد أولاً كان ليثير تلاميذه فيطلبون لأجلها، فرسالتهم ستكون الإهتمام بالعالم الوثنى. والسيد يريد من كل منا أن نهتم بكل متألم ونصلى لأجله "صلوا بعضكم لأجل بعض" (يع 16:5) . فهذه هى المحبة فى المسيحية، خروج من الذات والبحث عن كل محتاج.وكان صمته أيضا لتستمر فى لجاجتها فتطهر. ونحن اذا تأخر الله فى استجابته علينا فهذا لأنه يريد أن تطول فترة صلاتنا أى نستمر فى حضرة الله فنطهر أولا . وهذا أهم من أن نفرح بالعطية .
4-السيد المسيح له طرق مختلفة مع كل خاطىء ليجذبه للتوبة، كلٌ بحسب حالته، وما يصلح لهذا الإنسان لا يصلح مع الآخر. فمع المرأة السامرية التى تجهل كل شىء عن المسيح يذهب لها المسيح بنفسه ويجذبها إلى حوار ويقودها للتوبة ثم إكتشاف شخصه، أما الإبن الضال فهو قد خرج من حضن أبيه بعد أن تذوق حلاوة حضن أبيه، تركه باختياره، هذا لا يذهب إليه الرب، بل يحاصره بالضيقات ( مجاعة / أكل مع الخنازير/ تخلى الأصدقاء / إفلاس تام …) وهنا يشتاق الإبن الضال للعودة لأحضان أبيه إذ يَعرف مرارة البعد عنه، والبركات التى فى حضرته.
أما هذه الكنعانية فهى من شعب ملعون، هم أشر شعوب الأرض لعنهم أبوهم نوح (تك 25:9)، ثم ثبت تاريخياً أنهم مستحقون لهذه اللعنة، فهم عاشوا فى نجاسة رهيبة (فمنهم أهل سدوم وعمورة )، أى إشتهروا بالشذوذ الجنسى وقدموا بنيهم ذبائح للأصنام وفعلوا الرجاسات حتى مع الحيوانات وأجازوا أولادهم فى النار. والسيد إستخدم مع هذه المرأة أسلوب جديد، هو يظهر لها نجاستها، يكشف لها حقيقة نفسها وخطيتها فلا شفاء دون إصلاح الداخل ولا معجزات دون توبة أولاً. كان أسلوباً قاسياً ولكنه كمشرط الجراح، مع كل ألمه إلاّ أنه الطريقة الوحيدة لإزالة المرض. المسيح يكشف لها نجاستها لتشمئز منها فتطلب الشفاء والنقاوة الداخلية.
لو كان هناك أسلوب آخر لكان السيد قد إستخدمه بالتأكيد.
5. كان السيد الذى يعلم كل شىء يعرف أن هذه المرأة قادرة على إحتمال الموقف "لا يدعكم تجربون فوق ما تستطيعون" (1كو 13:10).
6. إذ كان يعلم إحتمالها، وأنها ستظهر إيماناً وصبراً عجيباً. كان بهذا يزكيها أمام الموجودين ويعلن إستحقاقها لعمل المعجزة.
7. من المؤكد أن يده الحانية كانت تسند قلبها حتى لا تخور فشماله تحت رأسى (أى كلماته الصعبة) ويمينه تعانقنى أى تعزياته (نش 6:2). كانت هناك معونة خاصة تسندها حتى تصمد ولا تيأس.
8. لاحظ قولها نعم يا سيد والكلاب أيضاً تأكل.. هذا القول هو إعتراف بالخطية، إعتراف بنجاستها. هنا ظهر أن أسلوب المسيح القاسي معها أتى بنتيجة باهرة. لم يكن المسيح ليستعمل هذا الأسلوب إلاً لو كان متأكداً من نجاحه.
9. كان المسيح يركز خدمته وسط اليهود فقط ويكون خميرة مقدسة، وهو أرسل تلاميذه لكل الأرض. لكن هو بنفسه ما كان سيذهب للأمم. لذلك سمعنا قول المزمور "شعب لم أعرفه يتعبد لى" (مز43:18) "من سماع الأذن يسمعون لى" (مز 44:18). فالأمم آمنوا بسماعهم من الرسل عن المسيح = هذا معنى قوله لم أرسل إلاّ إلى خراف بيت إسرئيل. لكن إستجابته للكنعانية حمل معنى قبوله للأمم مستقبلاً. ونلاحظ أن هدف إقامة شعب إسرائيل كشعب مختار كان أن يؤمنوا بالمسيح حين يأتى متجسداً وسطهم ويكونوا نوراً للعالم ولكن خاصته رفضته. ولذلك بكى المسيح على أورشليم إذ رفضته وسلمته للصلب فالمسيح كان يرجو لهم ملكوت الله حتى آخر لحظة. ولفشلهم فى أن يكونوا نوراً للعالم إنفتح الباب على مصراعيه للأمم. والسيد بهذه الإجابة أعطى درساً لليهود السامعين أن الأمم ليسوا كلاباً بل فيهم من هم أحسن من اليهود. المسيح بما عمله عالج الكنعانية واليهود في وقت واحد.
10. والمسيح يطوب ويمدح هذه المرأة أمام الجميع على إيمانها.
11. ليس حسناً أن يؤخذ خبز البنين ويطرح للكلابهو مثل يهودى شائع، وكان اليهود يستخدمون لفظ الكلاب دلالة على إحتقارهم للأمم. ولاحظ أن المسيح بهذا لا يعطى أى فرصة أو سبب لليهود حتى يرفضوه، فهو يجاملهم ويراعى شعورهم، ويظهر لهم أنه أتى من أجلهم. حقاً قال داود النبى "لكى تتبرر فى أقوالك وتغلب إذا حوكمت" ( وتزكو فى قضائك) (مز 4:51).
12. يرى القديس أغسطينوس أن شفاء غلام قائد المئة وشفاء ابنة هذه المرأة دون أن يذهب المسيح إليهم فيه معنى ان الأمم سيخلصون بالكلمة دون أن يذهب المسيح إليهم بالجسد.
(مر 24:7):- دخل بيتاً وهو لا يريد أن يعلم أحد = فلم يحن بعد وقت الكرازة بين الأمم.والمسيح لم يذهب للأمم. لكن كانت هذه الزيارة عربون على خلاص الأمم. وهو لا يريد أن اليهود يثيروا المشاكل لأنه ذهب لبيت وسط الأمم.
13. رقة المسيح فى قوله كلاب للمرأة الكنعانية ظهرت فى نوع الكلمة التى إستخدمها. فالكلمة التى يستخدمها اليهود كلمة تنم على الاحتقار وهى الكلمة التى إستخدمها بولس الرسول فى رسالته (فى 2:3) أماّ السيد فإستخدم هنا كلمة تشير للكلاب المدللة وغالباً قالها المسيح للمرأة بنظرة حانية.
14. هناك سؤال لماذا ذهب السيد إلى تخوم صور وصيدا أى على الحدود مع الجليل ؟ الآن عرفنا الجواب وهو انه أراد أن يلتقط هذه النفس ويشفيها كما سار مسافة طويلة ليلتقي بالسامرية فتخلص.
من إدرشيم :- بعد أن صارت الجماهير تلتف حول المسيح ولا تترك له فرصة للإختلاء بتلاميذه، كان عليه أن يبتعد معهم. وكان هذا أيضا بعد حواره مع اليهود حول التطهيرات وحواره عن خبز الحياة، فكان يريد فرصة للحوار مع تلاميذه فى هدوء. ونراه هنا قد ذهب إلى نواحى صور وصيدا أى بجانب الحدود الفاصلة بين الجليل وبين صور وصيدا، ولكنه ما زال داخل حدود الجليل. وكانت مقاطعة أو ما يسمى ربع صور وصيدا تمتد من البحر المتوسط حتى نهر الأردن وتقع شمال الجليل. ودخل بيت، ومن المؤكد أنه كان بيت رجل يهودى فى الجليل. وسمعت هذه المرأة بأن المسيح قريب منها فذهبت تطلب شفاء إبنتها وتزاحمت ودخلت وراءه للبيت. ويقول القديس متى أن المرأة كنعانية، ويقول القديس مرقس أنها من فينيقية سورية. ومن كلا التعبيرين نفهم أنها وثنية. فقول القديس مرقس أنها فينيقية سورية، كان ذلك ليميز بينها وبين من هم من فينيقية لبنان. فكان من فينيقية لبنان من هم من اليهود.
وجاءت المرأة تصرخ فى تواضع شديد ساجدة للمسيح وتقول "يا إبن داود"، وهذا تعبير يهودى واضح عن المسيا المنتظر. وكان هذا غريبا أن يصدر من وثنية من سورية التى لم يحكمها داود وعائلته أبدا. والسؤال هنا - هل كانت تلك المرأة الوثنية تدرك معنى إبن داودالذى أتى ليؤسس ملكوت الله على الأرض، لشعب يقتنيه يحيا فى طهارة ويملك الله على قلبه طائعا وصاياه؟. وهل تدرك هذه المرأة الفارق الشاسع بين الوثنية بقذارتها التى تحيا فيها، وبين إسرائيل كما كان يجب أن تكون مملكة طاهرة بحسب قلب الله. فإذا لم تكن تدرك كل هذا فهى ستكون كاليهود الذين أرادوا أن يجعلوه ملكا زمنيا بحسب تصوراتهم. وتكون كل ما تريده مسيحا صانع عجائب ومعجزات شفاء فقط. وكما رفض المسيح أن يعطى علامات وآيات لليهود الذين يريدونه مسيحا صانع عجائب يفرحون بعجائبه وهم باقون على ما هم فيه من نجاسة، رفض عمل معجزة شفاء لهذه الكنعانية بصفته صانع عجائب، وأصر الرب أن يشفيها من نجاستها أولا فتؤمن به كمسيح يملك على قلوب طاهرة نقية. تؤمن به كمسيح أتى يؤسس ملكوت الله على الأرض. [المسيح هنا مع الكنعانية يعمل نفس ما عمله مع المفلوج الذى دلوه من السقف، إذ قال له "مغفورة لك خطاياك". إذاً هو يريد أن يشفى الكنعانية من خطيتها قبل شفاء الجسد فخلاص النفس أهم من شفاء الجسد].
وهنا كان لا بد للرب أن يعطيها الدرس لتعلم الفارق الشاسع بين طهارة مملكته التى جاء ليؤسسها وبين قذارة الوثنيين الذين تحيا بينهم. وبدا فى رد الرب عليها القسوة حين قال عنها لفظ الكلاب (ولكن كان اللفظ الذى إستخدمه الرب يقال على كلاب المنازل المدللة وليس كلاب الشوارع اللفظ الذى كان اليهود يستعملونه عن الأمم). ولكن من سياق القصة نكتشف أن الرب كان يشفى هذه المرأة من خطاياها ويظهر إيمانها للناس. وكان الرب يعلم أنها ستحتمل قسوة الدرس وتُشفَى روحيا. وكان رد المرأة عجيبا "والكلاب أيضا تأكل من الفتات الذى يسقط من مائدة أربابها". [ والعالِم بكل شئ كان يعلم ما بداخلها وأراد إعلانه للموجودين]. هذا بجانب الدرس الذى تعلمته المرأة أن الوثنية بجانب اليهودية هى نفس موقف الكلاب بالنسبة للبنين [الوثنيين يعبدون الشيطان بالإضافة لممارساتهم البشعة]. ولكن المرأة بإجابتها العجيبة أدخلت نفسها فى بيت الرب، وهذا ما جعل الرب يعجب بإجابتها وقال "لأجل هذه الكلمة" (مر7) فهى قالت "نعم فكلاب البيت تأكل من فتات مائدة البنين". وبهذا أعلنت إنضمامها لبيت الرب، وفهمها أنها لوثنيتها فهى ما زالت كالكلب. فالبنين يجلسون على المائدة بينما هى تحت المائدة. لكن صاحب البيت مسئول عن إطعام الجميع، البنين وكلاب البيت. فهو يشرق شمسه على الأبرار والأشرار (مت5 : 45). أوليس هذا إعلانا لإيمانها بأن المسيح ربا لها حتى وإن كانت ما تزال فى وثنيتها، ولكن واضح ندمها على وثنيتها ونجاستها، فهى قبلت وصفها بالكلب. هى بإيمانها هذا أوجدت لنفسها مكانا بين أولاد إبراهيم وإسحق ويعقوب. وإستحقت هذه المرأة أن تجلس على المائدة مع البنين وأن تحصل على خبز البنين، وإنضمت هذه المرأة للملكوت الذى أتى المسيح ليؤسسه.
بهذا الإيمان صارت هذه المرأة تعنى ما تقول عن المسيح "إبن داود" الآتى ليؤسس ملكوت الله على الأرض. ليس بمفهوم اليهود الضيق الذين يظنونه ملكا زمنيا، بل هو الملك الذى يملك على كل العالم يهودا وأمما (من كانوا بنين ومن كانوا كالكلاب يتبعون الملك السابق أى الشيطان وحررهم المسيح) ليجعل الكل بنينا لأبيه السماوى. وهذا معنى خروج الشيطان من إبنتها "قد خرج الشيطان من إبنتك" (مر7 : 29). [لقد حرر المسيح الأمم من عبودية الشيطان، وكما قال القديس بطرس "طهر بالإيمان قلوبهم" (أع15 : 9)].
إنسحاق هذه المرأة أمام المسيح هو درس لكيف نحصل على القبول أمام الرب (إش57 : 15 + مز51 : 17). [والسبب بسيط ومفهوم - كيف نتقابل مع المسيح المتواضع الحقيقى بل والوحيد النازل من السماء للأرض ونحن نريد أن نصعد من الأرض ونصل للسماء فى كبرياء؟!]. والدرس الثانى فى قصة هذه المرأة الكنعانية لكيفية الحصول على ما نريد هو مفهومنا لمن هو المسيح، وأنه المسيح "إبن داود" وأنه الملك الذى أتى ليؤسس مملكة لله على الأرض. فهل نحن قد مَلَّكْنا المسيح على قلوبنا حقيقة أو أننا نريده مسيحا بحسب المفهوم اليهودى المرفوض من المسيح.. مسيحاً صانع معجزات.. مسيحاً يُرضى رغباتنا، دون أن نملكه على القلب خاضعين له كـ "إبن داود" ملك الملوك.
شفاء أصم أعقد
الآيات (مر31:7-37):-"31ثُمَّ خَرَجَ أَيْضًا مِنْ تُخُومِ صُورَ وَصَيْدَاءَ، وَجَاءَ إِلَى بَحْرِ الْجَلِيلِ فِي وَسْطِ حُدُودِ الْمُدُنِ الْعَشْرِ. 32وَجَاءُوا إِلَيْهِ بِأَصَمَّ أَعْقَدَ، وَطَلَبُوا إِلَيْهِ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ. 33فَأَخَذَهُ مِنْ بَيْنِ الْجَمْعِ عَلَى نَاحِيَةٍ، وَوَضَعَ أَصَابِعَهُ فِي أُذُنَيْهِ وَتَفَلَ وَلَمَسَ لِسَانَهُ، 34وَرَفَعَ نَظَرَهُ نَحْوَ السَّمَاءِ، وَأَنَّ وَقَالَ لَهُ:«إِفَّثَا». أَيِ انْفَتِحْ. 35وَلِلْوَقْتِ انْفَتَحَتْ أُذْنَاهُ، وَانْحَلَّ رِبَاطُ لِسَانِهِ، وَتَكَلَّمَ مُسْتَقِيمًا. 36فَأَوْصَاهُمْ أَنْ لاَ يَقُولُوا لأَحَدٍ. وَلكِنْ عَلَى قَدْرِ مَا أَوْصَاهُمْ كَانُوا يُنَادُونَ أَكْثَرَ كَثِيرًا. 37وَبُهِتُوا إِلَى الْغَايَةِ قَائِلِينَ:«إِنَّهُ عَمِلَ كُلَّ شَيْءٍ حَسَنًا! جَعَلَ الصُّمَّ يَسْمَعُونَ وَالْخُرْسَ يَتَكَلَّمُونَ»."
في الآيات السابقة رأينا السيد المسيح يذهب إلى تخوم صور وصيدا حتى يخلص نفس المرأة الكنعانية وإبنتها، فهو كما ذهب للسامرة لأجل خلاص نفس السامرية، هكذا صنع هنا خلاصاً لهذه الكنعانية. ولكنه لم يُرد أن يستمر في أراضي الأمم كثيراً حتى لا يُعثر اليهود (= ثم خرج أيضاً من تخوم صور وصيداء=) إذ يرونه في شركة مع الأمم الدنسين. والسيد هنا يشفي أصم أعقد. وأعقد أي ثقيل اللسان، يتكلم بصعوبة وذلك لأنه أصم، وبسبب صممه إلتوى لسانه. وروحياً فهذا يمثل العاجز عن تسبيح الله لأنه سد أذانه عن سماع كلمة الله، ويمثل العاجز عن الشهادة للحق.
والمسيح إستخدم معه طرقاً ملموسة*، حتى *توقظ فيه هذه الحركات الخارجية روح الإيمان اللازم لنوال الشفاء، لأنه وهو أصم لا يستطيع أن يسمع كلام الرب. *فالسيد*وضع إصبعه في أذنيه ليشعر المريض بإصبعه أي قوته الشافية *ويتلامس أيضاً مع حب المسيح وحنانه. *وتفل *ولمس لسانه ليؤمن أن هناك قوة ستخرج منه لتفك لسانه. *ورفع نظره ليعلم المريض أن يرفع نظره لله، وليؤكد له أن القوة التي ستشفيه هي من الله وأنه متحد مع الآب. وأن قوة الشفاء هي من الله وليست من بعلزبول. والإصبع هو إشارة للروح القدس (لو20:11+ مت28:12). وعمل الروح القدس هو فتح حواسنا الروحية لندرك السماويات. *وتفل المسيح كان ليرى هذا الأصم شئ معبر عن الحياة يخرج من المسيح، فجسد المسيح حي ومحيي ومن يأكله يحيا به (يو57:6) *وكان اللعاب (وهو جزء من جسد المسيح) ليعطي حياة لأعضائه الميتة، هذه كنقل دم لمريض ليعطيه حياة *(راجع معنى الشفاء باللعاب عند اليهود وكيف فهم اليهود معنى المعجزة فى الكتاب الأول للأناجيل فى مقدمات الأناجيل) .
وأنَّ.. وقال إفثأ= أنين المسيح هنا هو مثل بكائه على قبر لعازر فهو متعاطف معنا، شاعر بألامنا "في كل ضيقهم تضايق" وقوله إفثأ (آرامية وتعني بالعربية إنفتح)، فهذا يعبر عن إرادة الله أن تكون حواسنا مفتوحة على السماويات. وللوقت= إعلاناً عن قدرة السيد نجد الشفاء فورياً، وهذا ما يريد مرقس إظهاره للرومان.
جعل الصم يسمعون والخرس يتكلمون= [1] إذاً هناك معجزات كثيرة أخرى لم تذكر [2] لاحظ كيف يقدم مرقس المسيح للرومان الذين يعشقون القوة، فهو ينتصر لا على جنود بل على أرواح شريرة وعلى أمراض مستعصية.
وهذه المعجزة هي معجزة متعددة:
1. شفاء الصمم.
2. شفاء الخرس.
3. تدريب على الكلام = تكلم مستقيماً.
4. تخزين كلمات في عقل المريض.
أوصاهم ألا يقولوا لأحد=
1) حتى لا يثير اليهود بأنه المسيا المنتظر بحسب مفاهيمهم فيثوروا على الرومان.
2) هو لا يبحث عن الشهرة بل لإيمان الناس ليخلصوا.
مع إزدياد الزحام ترك المسيح بيت الجليل على تخوم صور وصيدا، وإتجه إلى حدود ربع فيلبس ومنه إلى المدن العشر، متجها إلى الشاطئ الشرقى للبحيرة. والمدن العشرة هى بين حدود ربع أنتيباس وربع فيلبس وتخضع لحاكم سوريا. وتغلب الوثنية على المنطقة كما تشهد على ذلك أثار تماثيل الآلهة الوثنية الموجودة للآن. وسياسيا تعتبر من المدن اليونانية الحرة وأخذت هذا الوضع من أيام بومبى. ومع أن الرب يسوع كان فى هذه الأماكن موجودا داخل حدود إسرائيل القديمة إلا أن كل ما كان يحيط به كان وثنيا. وهناك صنع يسوع معجزات شفاء كثيرة فمجد هؤلاء الناس إله إسرائيل (مت15 : 31). ومن هذه المعجزات كانت هذه المعجزة. وقطعا كان هذا الرجل وثنى والذين أتوا به أيضا وثنيين ولكنهم يتعايشون مع اليهود فى نفس المكان فعرفوا المسيح. وحدثت هنا عدة أشياء تميز هذه المعجزة * الرب يأخذ هذا الأصم على ناحية من وسط الجمع. *وضع الرب أصابعه فى أذنيه. *أنَّ = تنهد الرب. *تفل ولمس لسانه (وهذا تكرر مع الأعمى فى بيت صيدا مر8 : 23). *رفع نظره نحو السماء. *قال له إفثأ أى إنفتح. وكل هذا يبدو واضحا أنه موجه لهذا الوثنى أو للوثنيين الموجودين. ويمكن فهم هذا بأن الرب أراد أن يظهر أن ما يعمله ليس بالسحر كما يفهم الوثنيون، بل يربط ما يعمله بالله الذى فى السماء وأن الشفاء من عند الله. وأن الله هو الذى أرسله ليشفى. وأن وضع يده على الأصم كأنه هو يفتح طريقا للسمع داخل أذنه، ووضع اللعاب على لسانه، كان ليظهر إرتباط الشفاء بشخصه. وكان الشفاء باللعاب معروفا عند الربيين. وتكرر هذا فى معجزة شفاء الأعمى (مر8 : 22 - 26).
وكان الرب بطريقته اللطيفة فى معاملة هذا الشخص المريض، حين أخذه من بين الجمع ليكون مع الرب على ناحية، كأنه يجذبه بلطف إليه بعيدا عن الجو الوثنى المحيط إلى حياة جديدة، ويشعره بمحبته. وكانت حركات شفتيه وهو يئن يراها الأصم فيشعر بتعاطف المسيح معه وإحساسه بمعاناته. ثم يشفيه جسديا وروحيا. كان كل هذا ليثير الرب فيه الإيمان به وبمحبته. فيؤمن ويخلص. وكانت كلمة إفثأ = إنفتح، التى نطقها المسيح بلغة اليهود كأنها موجهة لكل الأمم وكل الوثنيين لتنفتح أذانهم ويسمعوا ويفهموا فيؤمنوا.